تفسير الآية ٢١ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٢١ من سورة هود

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 44 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢١ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي : خسروا أنفسهم لأنهم دخلوا نارا حامية ، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين ، كما قال تعالى : ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) [ الإسراء : 97 ] .

و ) ضل عنهم ) أي : ذهب عنهم ( ما كانوا يفترون ) من دون الله من الأنداد والأصنام ، فلم تجد عنهم شيئا ، بل ضرتهم كل الضرر ، كما قال تعالى : ( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 6 ] ، وقال تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) [ مريم : 81 ، 82 ] ، وقال الخليل لقومه : ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) [ العنكبوت : 25 ] ، وقال تعالى : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ) [ البقرة : 166 ] ; إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم;

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله (5) ، (وضل عنهم ما كانوا يفترون) ، وبطل كذبهم وإفكهم وفريتهم على الله ، (6) بادعائهم له شركاء، فسلك ما كانوا يدعونه إلهًا من دون الله غير مسلكهم، وأخذ طريقًا غير طريقهم، فضَلّ عنهم، لأنه سلك بهم إلى جهنم، وصارت آلهتهم عدمًا لا شيء، لأنها كانت في الدنيا حجارة أو خشبًا أو نحاسًا ، أو كان لله وليًّا، فسلك به إلى الجنة، وذلك أيضًا غير مسلكهم، وذلك أيضًا ضلالٌ عنهم.

----------------------------- الهوامش : (5) انظر تفسير " الخسران " فيما سلف من فهارس اللغة ( خسر ) .

(6) انظر تفسير " الضلال " و " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) ، ( فرى ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترونقوله تعالى : أولئك الذين خسروا أنفسهم ابتداء وخبر .وضل عنهم ما كانوا يفترون أي ضاع عنهم افتراؤهم وتلف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } حيث فوتوها أعظم الثواب، واستحقوا أشد العذاب، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } أي: اضمحل دينهم الذي يدعون إليه ويحسنونه، ولم تغن عنهم آلهتهم التي يعبدون من دون الله لما جاء أمر ربك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولئك الذين خسروا أنفسهم ) غبنوا أنفسهم ، ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) يزعمون من شفاعة الملائكة والأصنام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك الذين خسروا أنفسهم» لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم «وضلَّ» غاب «عنهم ما كانوا يفترون» على الله من دعوى الشريك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك الذين خسروا أنفسهم بافترائهم على الله، وذهب عنهم ما كانوا يفترون من الآلهة التي يدَّعون أنها تشفع لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : ( أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ )أى : أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، هم الذين خسروا أنفسهم وأوردوها المهالك بسبب تعمدهم الكذاب على الله ، ( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) أى : وغاب عنهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من اعتقادات باطلة وادعاءات فاسدة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ورغبتهم في تحصيلها، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا  ﴾ إلى آخر الآية، ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقدحون في معجزاته، وقد أبطل الله تعالى بقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ  ﴾ ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله، وقد أبطل الله تعالى ذلك بهذه الآية، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى، فلما بين وعيد المفترين على الله، فقد دخل فيه هذا الكلام.

واعلم أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ إنما يورد في معرض المبالغة.

وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم.

ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ ﴾ وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض، لأن العرض عام في كل العباد كما قال: ﴿ وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا  ﴾ وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم ﴿ هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ ﴾ فحصل لهم من الخزي والنكال مالا مزيد عليه، وفيه سؤالات: السؤال الأول: إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان، فكيف قال: ﴿ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ ﴾ والجواب: أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك عرضاً على من شاء الله من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.

السؤال الثاني: من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول؟

الجواب قال مجاهد: هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا.

وقال قتادة ومقاتل: ﴿ الأشهاد ﴾ الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد، يعني على رؤوس الناس.

وقال الآخرون: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قال الله تعالى: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة.

السؤال الثالث: الأشهاد جمع فما واحده؟

والجواب: يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، وناصر وأنصار، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف.

قال أبو علي الفارسي: وهذا كأنه أرجح، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل، كقوله: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ ﴿ وجِئْنَا بِك على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ ثم لما أخبر عن حالهم في عذاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال فقال: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ وبين أنهم في الحال لملعونون من عند الله، ثم ذكر من صفاتهم أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً يعني أنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال، فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات، وتعويج الدلائل المستقيمة، لأنه لا يقال في العاصي يبغي عوجاً، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستقامة، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات.

ثم قال: ﴿ وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون ﴾ قال الزجاج: كلمة هم كررت على جهة التوكيد لثباتهم في الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ ﴾ معناه: أمّن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنّ بين الفريقين تفاوتاً بعيداً وتبايناً بيناً، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، كان على بينة ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ أي على برهان من الله وبيان أنّ دين الإسلام حق وهو دليل العقل ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ ويتبع ذلك البرهان ﴿ شَاهِدٌ مّنْهُ ﴾ أي شاهد يشهد بصحته، وهو القرآن ﴿ مِنْهُ ﴾ من الله، أو شاهد من للقرآن، فقد تقدّم ذكره آنفاً ﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ ومن قبل القرآن ﴿ كِتَابُ موسى ﴾ وهو التوراة، أي: ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى.

وقرئ: ﴿ كتاب موسى ﴾ بالنصب، ومعناه: كان على بينة من ربه، وهو الدليل على أنّ القرآن حق، ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ : ويقرأ القرآن ﴿ شَاهِدٌ مّنْهُ ﴾ شاهد ممن كان على بينة.

كقوله: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِه ﴾ [الأحقاف: 10] ، ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ [الرعد: 43] ، ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى ﴾ ويتلو من قبل القرآن والتوراة ﴿ إِمَاماً ﴾ كتاباً مؤتما به في الدين قدوة فيه ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم ﴿ أولئك ﴾ يعني من كان على بينة ﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يؤمنون بالقرآن ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزِّبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فالنار مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ ﴾ وقرئ: ﴿ مُرية ﴾ بالضم وهما الشك ﴿ مِّنْهُ ﴾ من القرآن أو من الموعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ كَأنَّ أسْنَدَ إلَيْهِ ما لَمْ يُنَزِّلْهُ أوْ نَفى عَنْهُ ما أنْزَلَهُ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ الكاذِبُونَ.

﴿ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ﴾ في المَوْقِفِ بِأنْ يُحْبَسُوا وتُعْرَضَ أعْمالُهم.

﴿ وَيَقُولُ الأشْهادُ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أوْ مِن جَوارِحِهِمْ، وهو جَمْعُ شاهِدٍ كَأصْحابٍ أوْ شَهِيدٍ كَأشْرافٍ جَمْعُ شَرِيفٍ.

﴿ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ ﴾ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ مِمّا يَحِيقُ بِهِمْ حِينَئِذٍ لِظُلْمِهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ.

﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عَنْ دِينِهِ.

﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ يَصِفُونَها بِالِانْحِرافِ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ أوْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَعْوَجُّوا بِالرِّدَّةِ.

﴿ وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ والحالُ أنَّهم كافِرُونَ بِالآخِرَةِ وتَكْرِيرُهم لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أُوْلَئِكَ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} حيث اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله {وَضَلَّ عَنْهُم} وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الآلهة وشفاعتها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ.

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقِيلَ: خَسِرُوا بِسَبَبِ تَبْدِيلِهِمُ الهِدايَةَ بِالضَّلالَةِ والآخِرَةَ بِالدُّنْيا، وضاعَ عَنْهم ما حَصَّلُوهُ بِذَلِكَ التَّبْدِيلِ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والرِّياسَةِ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: خَسِرُوا سَعادَةَ أنْفُسِهِمْ وراحَتَها، فَإنَّ أنْفُسَهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ وتَعَقَّبَ بِأنَّ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى لِأنَّ البَقاءَ في العَذابِ كَلا بَقاءَ ﴿ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: على بيان من ربه، وهو محمد  وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يقول: يقرأ جبريل هذا القرآن على محمد  وهو شاهِدٌ مِنْهُ يعني: من الله تعالى، وهذا قول ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم النخعي.

ويقال: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: أن الله بيّن أمره ونبوته بدلائل أعطاها محمدا  ، وَيَتْلُوهُ يعني: يقرأ القرآنَ جبريلُ على محمد  شاهِدٌ مِنْهُ، أي: ملك أمين من الله تعالى، وهو جبريل.

وقال شهر بن حوشب: «القرآن شاهد من الله تعالى» ، ومعناه: يتلو القرآن، وهو شاهد من الله تعالى.

وقال الحسن: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يعني: لسان محمد  .

وقال قتادة: لسانه شاهد منه.

وكذلك قال عكرمة.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الخليل، عن قتادة، عن عروة، عن محمد بن علي، قال: قلت لعليّ: إنَّ الناس يزعمون في قوله تعالى: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ أنك أنت التالي، قال: «وددت أني أنا هو، ولكنه لسان محمد  » .

ويقال: الشَّاهد القرآن، وَيَتْلُوهُ يعني: بعده.

ويقال: يَتْلُوهُ يعني: يتبعه، كقوله: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: 2] .

قال القتبي: هذا كلام على الاختصار ومعناه: أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ من ربه، ويتلوه شاهد منه، كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها؟

فاكتفى من الجواب بما تقدم، كقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر: 9] يعني: كمن هو بخلاف ذلك.

ثم قال تَعَالَيْ: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يعني: جبريل قرأ التوراة على موسى  من قبل أن يتلو القرآن على محمد  ، وهذا قول الكلبي، ومقاتل.

وقال عبد الله بن سلام: يتلو القرآن، وكان من قبله يتلو التوراة.

والتأويل الأول أصح، لأن هذه السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم في بالمدينة.

ويقال: هم الذين آمنوا بمكة من أهل الكتاب، حين قدموا من الحبشة.

ثم قال: إِماماً وَرَحْمَةً يعني: إِماماً يُهتدى به ويعمل به، وَرَحْمَةً، يعني: ونعمة من العذاب لمن آمن به، يعني: كتاب موسى  أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني: بالقرآن وهذا كقوله: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [العنكبوت: 47] يعني: بالقرآن.

ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ يعني: من يجحد بالقرآن فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يعني: مصيره.

قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله  إلا وجدت مصداقه في كتاب الله تعالى، حتى بلغني عن النبيّ  أنه قال: «لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذه الأمَّةِ، لاَ يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لاَ يُؤمِنُ بِي إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ» (١) ثم قال: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ يعني: فلا تك في شك منه أن موعده النار.

وإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: فلا تك في شك أن القرآن من الله تعالى، وإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي: الصدق من ربك، رداً لقولهم: إنه يقول ذلك من شيطان يلقيه إليه يقال له: الري.

- وروي عن النبيّ  أنه قال: «ما من أَحَدٍ إلا وَمَعَهُ شَيْطَانٌ فَاغِرٌ بَيْنَ يَدَيهٍ، ألا أَنَّ الله تَعَالَى أَعَانَنِي عَلَيْه وَأَسْلَم» (٢) (١) عزاه السيوطي 4/ 411 إلى ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس وأخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة.

(٢) ساقط من النسخة: «ب» .

وهو من حديث عائشة أخرجه البيهقي 2/ 116 وابن خزيمة (654) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان.

قال ص، وع «١» : وعبَّر ب ضائِقٌ وإِن كان أقلَّ استعمالا من «ضَيِّقٍ» لمناسبة تارِكٌ ولأن ضائِقٌ وصفٌ عارضٌ بخلاف «ضيق» فإِنه يدل على الثبوت، والصّالح هنا الأول بالنسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم، والضمير في «به» عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على «ما» وأَنْ يَقُولُوا أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: «أم» بمعنى: «بل» ، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر.

وقوله سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً.

قال ع «٢» : وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في «سورة يونس» ، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله:

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: يريد في أنّ القرآن مفترى.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)

وقوله سبحانه: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، لهذه الآية تأويلان:

أحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ يَسْتَجِيبُوا على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم.

والثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله على هذا فَاعْلَمُوا بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:

هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام «١» .

وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...

الآية: قالت قتادةُ وغيره:

هي في الكَفَرة «٢» ، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين «٣» .

وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامِه» : بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ مَا نَوَى» «٤» ، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه.

وقوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في «حم عسق» : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية [الشورى: ٢٠] إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في «سورة سُبْحانَ» ، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...

الآية [الإِسراء: ١٨] ، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: «مَاذَا عَمِلْتَ؟» ثم قال في آخر الحديث: ثمّ ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركبتيّ، وقال: يا أبا هريرة،

أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها» «١» ، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم.

انتهى.

وحَبِطَ: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال.

قال ص: قوله: مَا صَنَعُوا: «ما» بمعنى: «الَّذِي» ، أو مصدريةٌ، و «فيها» :

متعلِّقٌ ب «حَبِطَ» ، والضمير في «فيها» عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب «صَنَعُوا» فيكون عائداً على الدنيا.

انتهى.

و «الباطل: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه:

أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: في الآية تأويلات.

قال ع «٢» : والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون «أَفَمَن» للمؤمنين، أو لهم وللنبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم، والبينة: القرآن وما تضمّن، والشاهد:

الإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في «يتلوه» للبيِّنة، وفي «منه» للربِّ، والضميرُ في «قبله» للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في «قَبْله» عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الأحقاف: ٣٠] والْأَحْزابِ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار» «٣» ، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟

حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وكنت إذا سمعت حديثا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ «٤» ، وقرأ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُعْجِزُونِي أنْ آمُرَ الأرْضَ فَتُخْسَفُ بِهِمْ.

﴿ وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ﴾ أيْ: لا ولِيَّ لَهم مِمَّنْ يَعْبُدُونَ يَمْنَعُهم مِنِّي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَتْ عادَةُ العَرَبِ جارِيَةً بِقَوْلِهِمْ: لا وزَرَ لَكَ مِنِّي ولا نَفَقَ، يَعْنُونَ بِالوَزَرِ: الجَبَلَ، والنَّفَقِ: السَّرَبَ، وكَلاهُما يَلْجَأُ إلَيْهِ الخائِفُ، أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ لا يَسْبِقُونَهُ هَرَبًا، ولا يَجِدُونَ ما يَحْجِزُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَذابِهِ مِن جَمِيعِ ما يَسْتُرُ مِنَ الأرْضِ ويُلْجَأُ إلَيْهِ.

قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أوْلِياءَ ﴾ يَقْتَضِي مَحْذُوفًا، تَلْخِيصُهُ: مِن أوْلِياءَ يَمْنَعُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، فَحَذَفَ هَذا لِشُهْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ﴾ يَعْنِي الرُّؤَساءَ الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِإضْلالِهِمْ أتْباعَهم واقْتِداءِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا، ولا لَهم ولِيٌّ يَمْنَعُ مِنِ انْتِقامِ اللَّهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ " يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ " لِعِظَمِ كُفْرِهِمْ بِنَبِيِّهِ وبِالبَعْثِ والنُّشُورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ﴾ فَيَمَن عُنِيَ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ.

ثُمَّ في مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلى اسْتِماعِ الخَيْرِ وإبْصارِ الحَقِّ، وفِعْلِ الطّاعَةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ولا يَسْمَعُونَهُ، وبِما كانُوا يُبْصِرُونَ حُجَجَ اللَّهِ ولا يَعْتَبِرُونَ بِها فَحَذَفَ الباءَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: لَأجْزِيَنَّكَ ما عَمِلْتَ، وبِما عَمِلْتَ ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في الِاحْتِجاجِ لَهُ: نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نِيئًا ونَبْذُلُهُ إذا نَضِجَ القُدُورُ أرادَ: نُغالِي بِاللَّحْمِ.

والثّالِثُ: أنَّهم مِن شِدَّةِ كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ  ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَتَفَهَّمُوا ما يَقُولُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الأصْنامُ، فالمَعْنى: ما كانَ لِلْآلِهَةِ سَمْعٌ ولا بَصَرٌ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ لِذَلِكَ السَّمْعَ، ولَمْ تَكُنْ تُبْصِرُ.

فَعَلى هَذا، يَرْجِعُ قَوْلُهُ: ﴿ ما كانُوا ﴾ إلى أوْلِيائِهِمْ، وهي الأصْنامُ، وهَذا المَعْنى مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ يُضاعَفُ لَهم العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴾ قَوْلُهُ: "وَمَن " اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، وكَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى كَذِبًا، والمُرادُ بِـ "مَن" الكَفَرَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ويَفْتَرُونَ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ عِبارَةٌ عَنِ الإشادَةِ بِهِمْ والتَشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ وإلّا فَكَلُّ بَشَرٍ مَعْرُوضٌ عَلى اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَقُولُ الأشْهادُ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الشُهَداءَ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ إخْبارًا عنهم وشَهادَةً عَلَيْهِمْ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأشْهادُ بِمَعْنى الشاهِدِينَ، ويُرِيدُ جَمِيعَ الخَلائِقِ، وفي ذَلِكَ إشادَةٌ بِهِمْ، ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا حَدِيثٌ: « "إنَّهُ لا يَخْزى أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَن شَهِدَ المَحْشَرَ"،» فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "هَؤُلاءِ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْتِفْهامًا عنهم وتَثْبُتًا فِيهِمْ كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا قَدْ عُوقِبَ: هَذا هو الَّذِي فَعَلَ كَذا وإنْ كُنْتَ قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ الإخْبارُ عنهم.

وقَوْلُهُ: ألا اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، و"اللَعْنَةُ" الإبْعادُ، والَّذِينَ نَعْتُ لِـ الظالِمِينَ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ عَلى تَقْدِيرِ هُمُ الَّذِينَ، ويَصُدُّونَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَدِّيًا عَلى مَعْنى: يَصُدُّونَ الناسَ ويَمْنَعُونَهم مِن سَبِيلِ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ عَلى مَعْنى يَصُدُّونَ هُمْ، أيْ: يُعْرِضُونَ.

وسَبِيلُ اللهِ شَرِيعَتُهُ، ويَبْغُونَها مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ لَها كَما تَقُولُ بَغَيْتُكَ خَيْرًا أو شَرًّا أيْ طَلَبْتُ لَكَ، وعِوَجًا -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَبْغُونَ السَبِيلَ عَلى عِوَجٍ، أيْ فَهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا فَـ عِوَجًا -عَلى هَذا- مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعِوَجُ الِانْحِرافُ والمَيْلُ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: هم عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ الأوَّلِ: ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفَصْلِ لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، أو مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ تُقارِبُ المَعْرِفَةَ، لِأنَّها تَفْصِلُ ما بَيْنَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها صِفَةً أو خَبَرًا وتُخَلِّصُهُ لِلْخَبَرِ.

و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ.

وخُصَّ ذِكْرُ الأرْضِ لِأنَّ تَصَرُّفَ ابْنِ آدَمَ وتَمَتُّعَهُ إنَّما هو فِيها وهي قُصاراهُ لا يَسْتَطِيعُ النُفُوذَ مِنها.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم ولِيٌّ أو ناصِرٌ كائِنًا مَن كانَ.

والثانِي: أنْ يَقْصِدَ وصْفَ الأصْنامِ والآلِهَةِ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا أولِياءَ حَقِيقَةً، وإنْ كانُوا هم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أولِياءُ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ يُشَدَّدُ حَتّى يَكُونَ ضِعْفَيْ ما كانَ.

ويُضاعَفُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ ولَيْسَ بِصِفَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أوجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَصِفَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِفَةِ عَلى مَعْنى أنَّ اللهَ خَتَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ولا يُبْصِرُونَ كَذَلِكَ.

والثانِي: أنْ يَكُونَ وصَفَهم بِذَلِكَ مِن أجْلِ بُغْضَتِهِمْ في النَبِيِّ  فَهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَحْمِلُوا أنْفُسَهم عَلى السَمْعِ مِنهُ والنَظَرِ إلَيْهِ ويَنْظُرُ إلى هَذا حَشْدُ الطُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ بِالكُرْسُفِ، وإبايَةُ قُرَيْشٍ وقْتَ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلُّ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ رَسُولِ اللهِ  حَتّى رَدَّهم عن ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم.

والثالِثُ: أنْ يَكُونَ وصَفَ بِذَلِكَ الأصْنامَ والآلِهَةَ الَّتِي نَفى عنها- عَلى التَأْوِيلِ المُقَدَّمِ- أنْ تَكُونَ أولِياءَ.

و"ما" في هَذِهِ الوُجُوهِ نافِيَةٌ.

والرابِعُ: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ بِما كانُوا: بِحَذْفِ الجارِّ، وتَكُونُ ما مَصْدَرِيَّةً، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَحامُلٌ.

قالَهُ الفَرّاءُ، وقَرَنَهُ بِقَوْلِهِ: أُجازِيكَ ما صَنَعْتَ بِي.

والخامِسُ: أنْ تَكُونَ ما ظَرْفِيَّةً، يُضاعَفُ لَهم مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَمْعَ والبَصَرَ، وقَدْ أعْلَمَتِ الشَرِيعَةُ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا فالعَذابُ- إذَنْ- مُتَمادٍ أبَدًا.

وقُدِّمَ السَمْعُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى "البَصَرِ" لِأنَّ حاسَّتَهُ أشْرَفُ مِن حاسَّةِ البَصَرِ، إذْ عَلَيْهِ تُبْنى في الأطْفالِ مَعْرِفَةُ دَلالاتِ الأسْماءِ، وإذْ هو كافٍ في أكْثَرِ المَعْقُولاتِ دُونَ البَصَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى الارض ﴾ .

استئناف بياني ناشئ عن الاقتصار في تهديدهم على وصف بعض عقابهم في الآخرة فإنّ ذلك يثير في نفس السامع أن يسأل: هل هم سالمون من عذاب الدنيا.

فأجيب بأنهم لم يكونوا معجزين في الدنيا، أي لا يخرجون عن مقدرة الله على تعذيبهم في الدنيا إذا اقتضت حكمته تعجيل عذابهم.

وإعادة الإشارة إليهم بقوله: (أولئك) بعد أن أشير إليهم بقوله: ﴿ أولئك يعرضون على ربهم ﴾ [هود: 18] لتقرير فائدة اسم الإشارة السابق.

والمعنى: أنهم يصيرون إلى حكم ربهم في الآخرة ولم يكونوا معجزيه أن يعذبهم في الدنيا متى شاء تعذيبهم ولكنه أراد إمهالهم.

والمعجز هنا الذي أفلت ممّن يروم إضراره.

وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ إن ما توعدون لأت وما أنتم بمعجزين ﴾ في سورة [الأنعام: 134].

والأرض: الدنيا.

وفائدة ذكره أنهم لا ملجأ لهم من الله لو أراد الانتقام منهم فلا يجدون موضعاً من الأرض يستعصمون به.

فهذا نفي للملاجيء والمعاقل التي يستعصم فيها الهارب.

وعندي أنّ مقارنة (في الأرض) ب (معجزين) جَرى مجرى المثل في القرآن كما في قوله تعالى: ﴿ ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجزٍ في الأرض ﴾ [الأحقاف: 32] ولعله مما جرى كذلك في كلام العرب كما يؤذن به قول إياس بن قبيصة الطائي من شعراء الجاهلية: ألم تر أن الأرض رحب فسيحة *** فهل تعجزني بقعة من بقاعها ﴿ وما كان لهم من دون اله من أولياء ﴾ يجوز أن يكون المراد بالأول الأنصار، أي ما لهم ناصر ينصرهم من دون الله.

فجمع لهم نفي سببي النجاة من عذاب القادر وهما المكان الذي لا يصل إليه القادر أو معارضة قادر آخر إياه يمنعه من تسليط عقابه.

و ﴿ مِن دون الله ﴾ متعلق ب (أولياء) لما في الولي هنا من معاني الحائل والمباعد بقوله: ﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ [النساء: 119].

ويجوز أن يراد بالأولياء الأصنام التي تَولوْها، أي أخلصوا لها المحبة والعبادة.

ومعنى نفي الأولياء عنهم بهذا المعنى نفي أثر هذا الوصف، أي لم تنفعهم أصنامهم وآلهتهم.

و ﴿ من دون الله ﴾ على هذا الوجه بمعنى من غير الله، ف (دون) اسم غير ظرف، و(من) الجارّة ل (دون) زائدة تزاد في الظروف غير المتصرفة، و(من) الجارة ل (أولياء) زائدة لاستغراق الجنس المنفي، أي ما كان لهم فرد من أفراد جنس الأولياء.

والعذاب المضاعف هو عذاب الآخرة بقرينة قوله: ﴿ لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ المشعر بتأخير العذاب عنهم في الدنيا لاَ عنْ عجز.

خبر عن اسم الإشارة.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ خبراً أوّلاً وجملة ﴿ يضاعف ﴾ خبراً ثانياً.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ لم يكونوا معجزين ﴾ حالاً وجملة ﴿ يضاعف ﴾ خبراً أول.

يجوز أن يكون هذا خبراً عن اسم الإشارة أو حالاً منهُ فتكون استطاعة السمع المنفية عنهم مستعارة لكراهيتهم سماع القرآن وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم كما نفيت الإطاقة في قول الأعشى: وهل تطيق وداعاً أيها الرجل *** أراد بنفي إطاقة الوداع عن نفسه أنه يحزن لذلك الحزن من الوداع فأشبه الشيء غير المطاق وعبّر هنَا بالاستطاعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى استماع القرآن فيعرضون لأنّهم يكرهون أن يسمعوه.

قال تعالى: ﴿ ويلٌ لكل أفّاككٍ أثيممٍ يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرّ مستكبراً كأن لم يسمعها ﴾ [الجاثية: 8] وقال: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ [فصلت: 26] لأنهم لو سمعوا ووعوا لاهتدوا لأن الكلام المسموع مشتمل على تركيب الأدلة ونتائجها فسماعه كاف في حصول الاهتداء.

والإبصار المنفي هو النظر في المصنوعات الدالة على الوحدانية، أي ما كانوا يوجهون أنظارهم إلى المصنوعات توجيه تأمل واعتبار بل ينظرون إليها نظر الغافل عما فيها من الدقائق، ولذلك لم يقل هنا: وما كانوا يستطيعون أن يبصروا، لأنهم كانوا يبصرونها ولكنّ مجرد الإبصار غير كاف في حصول الاستدلال حتّى يضم إليه عمل الفكر بخلاف السمع في قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ .

ويجوز أن تكون الجملة حالاً ل (أولياء)، وسوّغ كونها حالاً من النكرة أن النكرة وقعت في سياق النفي.

والمعنى: أنهم جعلوها آلهة لهم في حال أنها لا تستطيع السمع ولا الإبصار.

وإعادة ضمير جمع العقلاء على الأصنام على هذا الوجه منظور فيه إلى أن المشركين اعتقدوها تَعْقل، ففي هذا الإضمار مع نفي السمع والبصر عنها ضرب من التّهكم بهم.

والإتيان بأفعال الكون في هذه الجمل أربع مرات ابتداء من قوله: ﴿ أولئك لم يكونوا معجزين إلى قوله وما كانوا يبصرون ﴾ لإفادة ما يدل عليه فعل الكون من تمكن الحدث المخبر به فقوله: ﴿ لم يكونوا معجزين ﴾ آكد من: لا يعجزون وكذلك أخواته.

والاختلاف بين صيغ أفعال الكون إذ جاء أولها بصيغة المضارع والثلاثة بعده بصيغة الماضي لأن المضارع المجزوم بحرف (لم) له معنى المضي فليس المخالفة منها إلاّ تفنناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ وأبُو صالِحٍ وقَتادَةُ والسِّرِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ طاعَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ البَيِّنَةَ هي الإشْرافُ عَلى القُلُوبِ والحِكْمَةُ عَلى الغُيُوبِ.

﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِسانُهُ يَشْهَدُ لَهُ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَحْسِبَنِي كافِرًا لَكَ نِعْمَةً عَلى شاهِدِي يا شاهِدَ اللَّهِ فاشْهَدْ الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوى المِنهالُ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ، قِيلَ لَهُ: فَما نَزَلَ فِيكَ؟

قالَ ﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ الخامِسُ: أنَّهُ مَلِكٌ يَحْفَظُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ بِمَعْرِفَةِ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ وهو عَقْلُهُ ووَحْدَتُهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو التَّوْراةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ومِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ كِتابُ مُوسى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما يَعْنِي مُتَقَدِّمًا عَلَيْنا ورَحْمَةً لَهم.

الثّانِي: إمامًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِاقْتِدائِهِمْ بِما فِيهِ ورَحْمَةً لَهم.

﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ.

﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأدْيانِ كُلِّها لِأنَّهم يَتَحَزَّبُونَ: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  المُجْتَمِعُونَ عَلى مُحارَبَتِهِ.

وَفي المُرادِ بِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قُرَيْشٌ، قالَ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أهْلُ المِلَلِ كُلِّها.

﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ أنَّها مَصِيرُهُ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً ∗∗∗ فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مِرْيَةٍ مِنَ القُرْآنِ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: في مِرْيَةٍ مِن أنَّ النّارَ مَوْعِدُ الكُفّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه قال: ما كانوا يستطيعون السمع وفي طاعته وما كانوا يبصرون، وأما في الآخرة فإنه قال: لا يستطيعون خاشعة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون السمع.

وما كانوا يبصرون ﴾ قال: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خيراً فينتفعوا به ولا يبصروا خيراً فيأخذوا به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ والمراد بمن كان على بينة من ربه: النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لقوله بعد ذلك ﴿ أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، ومعنى البينة: البرهان العقلي والأمر الجلي ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ الضمير في يتلوه للبرهان وهو البينة ولمن كان على بينةمن ربه، والضمير في منه للرب تعالى، ويتلوه هنا بمعنى يتبعه، والشاهد: يريد به القرآن فالمعنى يتبع ذلك البرهان شاهد من الله وهو القرآن، فيزيد وضوحه وتعظم دلالته، وقيل: إن الشاهد المذكور هنا هو علي بن أبي طالب ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كتاب موسى ﴾ أي ومن قبل ذلك الكتاب الشاهد كتاب موسى، وهو أيضاً دليل آخر متقدم، وقد قيل: أقوال كثيرة في معنى هذه الآية وأرجحها ما ذكرنا ﴿ وَمِنَ الأحزاب ﴾ [الرعد: 36] أي من أهل مكة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ الآية اختلف فيه: قال بعضهم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم الله في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير الله، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عباس.

وروي في بعض الأخبار "أن نبي الله  سئل: ما بال العبد المعروف بالخير يشدد عليه عند الموت، والرجل المعروف بالشرّ يهون عليه الموت؟!

فقال: المؤمن تكون له ذنوب فيجازى بها عند موته، فيفضي إلى الله في الآخرة ولا ذنب عليه، والكافر يكون له الحسنات فيجازى بها عند الموت يخفف عنه بها كرب الموت، ثم يفضي إلى الآخرة وليست له حسنة" أو كلام نحوه.

وقال بعضهم: الآية في أهل الكفر يعملون أعمالا هي في الظاهر صالحة؛ نحو: التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات هي في الظاهر صالحة، يقول: نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا لا ننقص منها شيئاً فهو ما وسع عليهم الدنيا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ أي: نرد إليهم أعمالهم التي عملوها فلا نقبلها ويكون إيفاء أعمالهم الرد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴾ أي: لا ينقصون ما قدر لهم من الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم بالله.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ ﴾ : على هذا التأويل [ظاهر ليس لأهل الكفر في الأخرة إلا النار] وعلى التأويل الذي قال: إنها في أهل الإيمان، أي: لا يستوجبون بتلك الأعمال التي عملوها مراءاة إلا النار؛ لأنه إذا راءى فيها لم يخلصها لله وضيع أمره، وكل من ضيع أمر الله وفريضته يستوجب التعذيب عليه وله العفو، وليس في الآية أنه لا محالة يعذبهم بعملهم المراءاة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ﴾ فيه دلالة نقض قول الجهمية والمعتزلة بنفيهم العلم عن الله، وفي الآية إثبات العلم له بقوله: ﴿ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَفَمَن ﴾ حرف يقتضي الجواب لكن الجواب له لم يخرج في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: أفمن كان على بينة من ربّه كمن ليس على بينة من ربه كما قال في آية أخرى: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ  ﴾ لا يعلم، فعلى ذلك جواب قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ كمن لا يكون على بينة من ربه، لكن الجواب عندنا يكون على وجوه: مرة يكون بالتصريح وهو ما ذكرنا، ومرة بالإشارة، ومرة بالكناية على غير تصريح.

ثم منهم من يجعل جوابه ما تقدم وهو قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ الآية، [يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها]، أي: لا يكون كذلك، ومنهم من يجعل جوابه فيما تأخر وهو قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ ﴾ كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يكفر به الأحزاب، أي: لا يكون كذلك وقالوا: يجوز تقديم الجواب وتأخيره، كقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ  ﴾ لم يخرج لهذا أيضاً جواب التصريح.

ثم اختلفوا في جوابه؛ قال بعضهم: جوابه فيما تأخر في قوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ وصف الذين لا يعلمون، فكأنه يقول: أفمن يعلم كمن لا يعلم.

ومنهم من يجعل جوابه في قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ  ﴾ يقول: من جعل لله أنداداً وضل عن سبيله وصار من أصحاب النار، كمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً أي: ليسا بسواء.

وقال مقاتل: ليس الذي على بيان من ربه كالذي موعده النار، والله أعلم.

وجائز أن يكون على طرح الألف: (فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى...) الآية يقول: فمن كان على بيان من ربه أولئك يؤمنون به.

ثم قوله: ﴿ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: دين من ربه، أي: من كان على دين من الله ويتلوه شاهد منه أي: يتلو لما هو عليه من الدين شاهد منه، كمن كان على دين الشيطان ولا شاهد له عليه؟!

وقال بعضهم قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: على برهان من ربه وحجج ويتلوه شاهد منه على ذلك، كمن لا على برهان من ربه ولا حجج ولا شاهد له على ذلك؟!

ثم قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ جبريل أو ملك غيره يتلو عليه القرآن.

وقال بعضهم: يتلوه شاهد منه: لسانه.

وقال بعضهم ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ هو القرآن ونحوه.

ثم قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ : يحتمل أصحاب عيسى الذين آمنوا به.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ ﴾ أصحاب التوراة الذين آمنوا.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: هؤلاء الذين آمنوا بهؤلاء هم الذين يؤمنون بمحمد - عليه أفضل الصلوات - وبما جاء به محمد،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: ومن قبل القرآن كتاب موسى جاء جبريل إلى موسى، كما جاء بهذا القرآن إماما يقتدى به ورحمة من العذاب لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ يعني قبل القرآن كتاب موسى التوراة إماما فيها أنباء هذا القرآن، وأنباء محمد أنه رسول؛ كقوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ وأمثاله.

ويحتمل قوله: ﴿ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ \[ما روي\] عن ابن عباس قال: إماماً ورحمة: كان كتاب موسى وهو التوراة إماما يقتدى به، وكان رحمة، أولئك يؤمنون به قال: أصحاب محمد  الذين آمنوا به من أهل الكتاب وغيرهم.

ويحتمل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: مؤمني أهل التوراة يؤمنون بالقرآن ويقتدون به؛ كما آمنوا بالتوراة واقتدوا بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ أي: بالقرآن ﴿ مِنَ ٱلأَحْزَابِ ﴾ الأحزاب: الفرق والأصناف.

يحتمل من يكفر به أي: بالقرآن من الفرق.

ويحتمل يكفر به أي: بمحمد.

ويحتمل الدين الذي هو عليه ويدعوهم إليه.

﴿ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ : إن مات على ذلك، وأمّا إذا أسلم ومات على الإسلام، فلا تكون النار موعده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ﴾ : يحتمل في قوله الوجوه الثلاثة التي ذكرنا من الدين والقرآن والنبي، يحتمل هو نفسه، ويحتمل الخطاب غيره لما ذكرنا في قوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  ﴾ وأمثاله؛ فكذلك هذا، وقد ذكرنا أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيدهما؛ لأن بالعصمة يظهر موافقة الأمر ومخالفة النهي والمحظور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ : يحتمل القرآن، ويحتمل الدين الذي عليه ويدعوهم إليه، ويحتمل هو نفسه الحق من ربه، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الذين خسروا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك باتخاذ الشرك مع الله، وذهب عنهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء والشفعاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.JYmAk"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل