تفسير الآية ٧٣ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٧٣ من سورة هود

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ ٧٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧٣ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قالوا أتعجبين من أمر الله ) أي : قالت الملائكة لها ، لا تعجبي من أمر الله ، فإنه إذا أراد شيئا أن يقول له : " كن " فيكون ، فلا تعجبي من هذا ، وإن كنت عجوزا [ كبيرة ] عقيما ، وبعلك [ وهو زوجها الخليل عليه السلام ، وإن كان ] شيخا كبيرا ، فإن الله على ما يشاء قدير .

( رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ) أي : هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود ، ممجد في صفاته وذاته; ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا : قد علمنا السلام عليك ، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله ؟

قال : قولوا : " اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على [ إبراهيم و ] آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(قالوا أتعجبين من أمر الله) ، يقول الله تعالى ذكره: قالت الرسل لها: أتعجبين من أمرٍ أمر الله به أن يكون ، وقضاء قضاه الله فيك وفي بعلك.

* * * ، وقوله: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت)، يقول: رحمة الله وسعادته لكم أهل بيت إبراهيم (4) ، وجعلت الألف واللام خلفًا من الإضافة ، وقوله: (إنه حَميدٌ مجيد)، يقول: إن الله محمود في تفضله عليكم بما تفضل به من النعم عليكم وعلى سائر خلقه (5) ، (مجيد) ، يقول: ذو مجد ومَدْح وَثَناء كريم.

* * * يقال في " فعل " منه: " مجد الرجل يمجد مجادة " إذا صار كذلك، وإذا أردت أنك مدحته قلت: " مجّدته تمجيدًا ".

----------------------------- الهوامش : (4) انظر تفسير " البركات " فيما سلف من فهارس اللغة ( برك ) .

(5) انظر تفسير " الحميد " فيما سلف 5 : 570 / 9 : 296 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيدفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : قالوا أتعجبين من أمر الله لما قالت : وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا وتعجبت ، أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله ، أي من قضائه .

وقدره ، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد ، وهو إسحاق .

وبهذه الآية استدل كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل ، وأنه أسن من إسحاق ; لأنها بشرت بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب .

وسيأتي الكلام في هذا ; وبيانه في " الصافات " إن شاء الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : " رحمة الله وبركاته " مبتدأ ، والخبر " عليكم " .

وحكى سيبويه عليكم بكسر الكاف لمجاورتها الياء .

وهل هو خبر أو دعاء ؟

وكونه إخبارا أشرف ; لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم ، المعنى : أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت .

وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد .

نصب " أهل البيت " على الاختصاص ; وهذا مذهب سيبويه .

وقيل : على النداء .الثالثة : هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت ; فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت ; فعائشة - رضي الله عنها - وغيرها من جملة أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ; ممن قال الله فيهم : ويطهركم تطهيرا وسيأتي[ ص: 64 ] الرابعة : ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام وبركاته كما أخبر الله عن صالحي عباده رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت .

والبركة النمو والزيادة ; ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة .

وروى مالك عن وهب بن كيسان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ; ثم زاد شيئا مع ذلك ; فقال ، ابن عباس - وهو يومئذ قد ذهب بصره - من هذا ؟

فقالوا اليماني الذي يغشاك ، فعرفوه إياه ، فقال : ( إن السلام انتهى إلى البركة ) .

وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في عصبة من أصحابه ، فقلت : السلام عليكم ; فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك ) .

قال : ودخلت الثانية ; فقلت : السلام عليكم ورحمة الله فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك ) .

فدخلت الثالثة فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء ) .إنه حميد مجيد أي محمود ماجد .

وقد بيناهما في " الأسماء الحسنى " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } فإن أمره لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصا فيما يدبره ويمضيه، لأهل هذا البيت المبارك.

{ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ } أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي: الزيادة من خيره وإحسانه، وحلول الخير الإلهي على العبد { عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل، وقسط.

مجيد، والمجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا ) يعني الملائكة ، ( أتعجبين من أمر الله ) معناه : لا تعجبي من أمر الله ، فإن الله عز وجل إذا أراد شيئا كان .

( رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) أي : بيت إبراهيم عليه السلام .

قيل : هذا على معنى الدعاء من الملائكة ، وقيل : معنى الخير والرحمة والنعمة .

والبركات جمع البركة ، وهي ثبوت الخير .

وفيه دليل على أن الأزواج من أهل البيت .

( إنه حميد مجيد ) فالحميد : المحمود في أفعاله ، والمجيد : الكريم ، وأصل المجد الرفعة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا أتعجبين من أمر الله» قدرته «رحمة الله وبركاته عليكم» يا «أهل البيت» بيت إبراهيم «إنه حميد» محمود «مجيد» كريم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت الرسل لها: أتعجبين من أمر الله وقضائه؟

رحمة الله وبركاته عليكم معشر أهل بيت النبوة.

إنه سبحانه وتعالى حميد الصفات والأفعال، ذو مَجْد وعظمة فيها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد رد عليها الملائكة بقولهم : ( قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله ) ؟!!أى : أتستبعدين على قدرة الله - تعالى - أن يرزقك الولد وأنت وزوجك فى هذه السن المتقدمة؟

لا إنه لا ينبغى لك أن تستبعدى ذلك ، لأن قدرة الله لا يعجزها شئ .

فالاستفهام هنا المراد به إنكار تعجبها واستبعادها البشارة ، وإزالة أثر ذلك من نفسها إزالة تامة .وقوله : ( رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت ) حكاية لما قالته الملائكة لها ، زيادة فى سرورها وفى إدخال الطمأنينة على قلبها .أى رحمة الله الواسعة ، وبركاته وخيراته النامية عليكم أهل البيت الكريم وهو بيت إبراهيم - عليه السلام - .قال صاحب الكشاف : وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها ، لأنها كانت فى بيت الآيات ، ومهبط المعجزات ، والأمور الخارقة للعادات ، فكان عليها أن تتوقر ، ولا يزدهيا ما يزدهى سائر النساء الناشئات فى غير بيت النبوة وأن تسبح الله وتمجده ، مكان التعجب .وإلى ذلك أشارت الملائكة فى قولهم ( رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت ) .أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمهم به رب العزة ، ويخصكم بالإِنعام به يا أهل بيت النبوة ، فليس بمكان عجب ، والكلام مستأنف علل به إنكارا التعجب .

كأنه قيل : " إياك والتعجب ، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم " .وقوله - سبحانه - ( إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ) تذييل بديع قصد به وجوب مداومتها على حمد الله وتمجيده على أن وهبها الولد بعد أن بلغت سن اليأس من الحمل .أى إنه - سبحانه - ( حَمِيدٌ ) أى : مستحق للحمد لكثرة نعمه على عباده ( مَّجِيدٌ ) أى : كريم واسع الإِحسان ، فليس بعيداً منه أن يعطى الولد للآباء بعد الكبر .قال صاحب المنار ما ملخصه : وأصل المجد فى اللغة أن تقع الإِبل فى أرض واسعة المرعى ، كثيرة الخصب ، يقال : مجدت الإِبل تمد من باب نصر - مجداً ومجادة ، وأمجدها الراعى .والمجد فى البيوت والأنساب ما يعده الرجل من سعة كرم آبائه وكثرة نوالهم .ووصف الله كتابه بالمجيد ، كما وصف نفسه بذلك ، لسعة هداية كتابه ، وسعة كرمه وفضله على عباده .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء أصل الويل وي، وهو الخزي، ويقال: وي لفلان أي خزي له فقوله ويلك أي خزي لك، وقال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف على الهلاك، وويل لمن وقع فيه.

قال الخليل: ولم أسمع على بنائه إلا ويح، وويس، وويك، وويه، وهذه الكلمات متقاربة في المعنى وأما قوله: ﴿ يا ويلتا ﴾ فمنهم من قال هذه الألف ألف الندبة وقال صاحب الكشاف: الألف في ويلتا مبدلة من ياء الإضافة في ﴿ يا ويلتي ﴾ وكذلك في يا لهفا ويا عجبا ثم أبدل من الياء والكسرة الألف والفتحة، لأن الفتح والألف أخف من الياء والكسرة.

أما قوله: ﴿ ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو آلد بهمزة ومدة، والباقون بهمزتين بلا مد.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول إنها تعجبت من قدرة الله تعالى والتعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر، بيان المقدمة الأولى من ثلاثة أوجه: أولها: قوله تعالى حكاية عنها في معرض التعجب ﴿ ءألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ إِنَّ هذا لَشَئ عَجِيبٌ ﴾ .

وثالثها: قول الملائكة لها ﴿ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ وأما بيان أن التعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر، فلأن هذا التعجب يدل على جهلها بقدرة الله تعالى، وذلك يوجب الكفر.

والجواب: أنها إنما تعجبت بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة فإن الرجل المسلم لو أخبره مخبر صادق بأن الله تعالى يقلب هذا الجبل ذهباً إبريزاً فلا شك أنه يتعجب نظراً إلى أحوال العادة لا لأجل أنه استنكر قدرة الله تعالى على ذلك.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ فاعلم أن شيخاً منصوب على الحال، قال الواحدي رحمه الله: وهذا من لطائف النحو وغامضه فإن كلمة هذا للإشارة، فكان قوله: ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ قائم مقام أن يقال أشير إلى بعلي حال كونه شيخاً، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة.

المسألة الرابعة: قرأ بعضهم ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا بعلي وهو شيخ، أو بعلي بدل من المبتدأ وشيخ خبر أو يكونان معاً خبرين، ثم حكى تعالى أن الملائكة قالوا: ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ والمعنى: أنهم تعجبوا من تعجبها، ثم قالوا: ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ ﴾ والمقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب وتقديره: إن رحمة الله عليكم متكاثرة وبركاته لديكم متوالية متعاقبة، وهي النبوة والمعجزات القاهرة والتوفيق للخيرات العظيمة فإذا رأيت أن الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية الرفيعة وفي إظهار خوارق العادات وإحداث البينات والمعجزات، فكيف يليق به التعجب.

وأما قوله: ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ فإنه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على الاختصاص، ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾ والحميد هو المحمود وهو الذي تحمد أفعاله، والمجيد الماجد، وهو ذو الشرف والكرم، ومن محامد الأفعال إيصال العبد المطيع إلى مراده ومطلوبه، ومن أنواع الفضل والكرم أن لا يمنع الطالب عن مطلوبه، فإذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر على الكل وأنه حميد مجيد، فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ذكر هذه الكلمات إزالة التعجب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ يريد الملائكة.

عن ابن عباس: جاءه جبريل عليه السلام وملكان معه.

وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل.

وقيل: كانوا تسعة.

وعن السدي: أحد عشر ﴿ بالبشرى ﴾ هي البشارة بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط، والظاهر الولد ﴿ سلاما ﴾ سلمنا عليك سلاماً ﴿ سلاما ﴾ أمركم سلام.

وقرئ: ﴿ فقالوا سلما قال سلم ﴾ بمعنى السلام.

وقيل: سلم وسلام، كحرم وحرام، وأنشد: مَرَرْنَا فَقُلْنَا إيِه سِلْمٌ فَسَلَّمَت ** كَمَا اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء ﴾ فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه.

والعجل: ولد البقرة، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، وكان مال إبراهيم عليه الصلاة والسلام البقر ﴿ حنيذ ﴾ مشويّ بالرضف في أخدود.

وقيل ﴿ حَنِيذٍ ﴾ يقطر دسمه، من حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى تقطر عرقاً، ويدل عليه ﴿ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ [الذاريات: 26] .

يقال: نكره وأنكره واستنكره، ومنكور قليل في كلامهم، وكذلك: أنا أنكرك، ولكن منكر ومستنكر، وأنكرك.

قال الأعشى: وَأَنْكَرَتْني وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَت ** مِنَ الْحَوَادِثِ إلاّ الشَّيْبَ والصَّلَعَا قيل: كان ينزل في طرف من الأرض فخاف أن يريدوا به مكروهاً.

وقيل: كانت عادتهم أنه إذامسّ من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه، والظاهر أنه أحسّ بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه، ألا ترى إلى قولهم: ﴿ لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ فأضمر.

وإنما قالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه.

أو عرفوه بتعريف الله.

أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته قَآئِمَةٌ ﴾ قيل: كانت قائمة وراء الستر تسمع تحاورهم.

وقيل: كانت قائمة على رؤسهم تخدمهم.

وفي مصحف عبد الله: وامرأته قائمة وهو قاعد ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ سروراً بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث.

أو كان ضحكها ضحك إنكار لغفلتهم وقد أظلهم العذاب.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم: اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، فضحكت سروراً لما أتى الأمر على ما توهمت.

وقيل ضحكت فحاضت.

وقرأ محمد بن زياد الأعرابي ﴿ فضحكت ﴾ بفتح الحاء ﴿ يَعْقُوبَ ﴾ رفع بالابتداء، كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود، أي من بعده.

وقيل الوراء: ولد الولد.

وعن الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟

فقال نعم، من الوراء، وكان ولد ولده.

وقرئ: ﴿ يعقوب ﴾ بالنصب، كأنه قيل.

ووهبنا لها إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله: ......

لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ** وَلاَ نَاعِبٍ............

الألف في ﴿ يا ويلتا ﴾ مبدلة من ياء الإضافة، وكذلك في (يالهفاً) و (ياعجباً) وقرأ الحسن: ﴿ يا ويلتي ﴾ بالياء على الأصل.

و ﴿ شَيْخًا ﴾ نصب بما دلّ عليه اسم الإشارة.

وقرئ: ﴿ شيخ ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا بعلي هو شيخ.

أو بعلي: بدل من المبتدأ، وشيخ: خبر، أو يكونان معاً خبرين.

قيل: بشرت ولها ثمان وتسعون سنة، ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ﴿ إِنَّ هذا لَشَيْء عَجِيبٌ ﴾ أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة التي أجراها الله.

وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها ف ﴿ قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي النساء الناشئآت في غير بيوت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم: ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب.

وأمر الله: قدرته وحكمته: وقوله: ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم.

وقيل: الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل، لأنّ الأنبياء منهم، وكلهم من ولد إبراهيم ﴿ حَمِيدٌ ﴾ فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ كريم كثير الإحسان إليهم.

وأهل البيت: نصب على النداء أو على الاختصاص لأن ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ مدح لهم؛ إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَتْ يا ويْلَتى ﴾ يا عَجَبًا، وأصْلُهُ في الشَّرِّ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ.

وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.

﴿ أألِدُ وأنا عَجُوزٌ ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ.

﴿ وَهَذا بَعْلِي ﴾ زَوْجِي وأصْلُهُ القائِمُ بِالأمْرِ.

﴿ شَيْخًا ﴾ ابْنُ مِائَةٍ أوْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيها مَعْنى اسْمِ الإشارَةِ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ هو الخَبَرُ وبَعْلِي بَدَلٌ.

﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ يَعْنِي الوَلَدَ مِن هَرِمَيْنِ، وهو اسْتِعْجابٌ مِن حَيْثُ العادَةِ دُونَ القُدْرَةِ ولِذَلِكَ: ﴿ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴾ مُنْكِرِينَ عَلَيْها فَإنَّ خَوارِقَ العاداتِ بِاعْتِبارِ أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ، وتَخْصِيصُهم بِمَزِيدِ النِّعَمِ والكَراماتِ لَيْسَ بِبِدْعٍ ولا حَقِيقَ بِأنْ يَسْتَغْرِبَهُ عاقِلٌ فَضْلًا عَمَّنْ نَشَأتْ وشابَتْ في مُلاحَظَةِ الآياتِ، وأهْلَ البَيْتِ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ النِّداءِ لِقَصْدِ التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ.

﴿ إنَّهُ حَمِيدٌ ﴾ فاعِلٌ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ الحَمْدَ.

﴿ مَجِيدٌ ﴾ كَثِيرُ الخَيْرِ والإحْسانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله} قدرته وحكمته وإنما أنكرت الملائكة تعجبها لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيا ما يزدها سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجيب وإلى ذلك أشارت الملائكة حيث قالوا {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة فليست بمكان عجيب وهو كلام مستأنف علل به إنكار التعجب كأنه قيل إياك والتعجب لأن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم وقيل الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم وأهل البيت نصت على النداء أو على الاختصاص {إِنَّهُ حَمِيدٌ} محمود بتعجيل النعم {مَّجِيدٌ} ظاهر الكرم بتأجيل النقم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ قُدْرَتِهُ وحِكْمَتِهِ، أوْ تَكْوِينِهِ وشَأْنِهِ سُبْحانَهُ، أنْكَرُوا عَلَيْها تَعَجُّبَها لِأنَّها كانَتْ ناشِئَةً في بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ الوَحْيِ ومَحَلِّ الخَوارِقِ فَكانَ حَقُّها أنْ تَتَوَقَّرَ ولا يَزْدَهِيها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ مِن أمْثالِ هَذِهِ الخَوارِقِ مِن ألْطافِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الخَفِيَّةِ ولَطائِفِ صُنْعِهِ الفائِضَةِ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِإفاضَتِهِ عَلى مَشِيئَتُهُ تَعالى الأزَلِيَّةُ لا سِيَّما أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ هم هم وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى وتُمَجِّدَهُ وتَحْمَدَهُ، وإلى ذَلِكَ أشارُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ ﴾ المُسْتَتْبَعَةُ كُلَّ خَيْرٍ ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ تَشْرِيفِها والإيماءِ إلى عَظَمَتِها ﴿ وبَرَكاتُهُ ﴾ أيْ خَيْراتُهُ التّامَّةُ المُتَكاثِرَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هِبَةُ الأوْلادِ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنهم وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وقِيلَ: رَحْمَتُهُ تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخَلَّةِ والإمامَةِ.

﴿ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ الِاخْتِصاصِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وبَيْنَهُما فَرْقٌ ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ يُقْصَدُ بِهِ المَدْحُ، أوِ الذَّمُّ لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ ذَلِكَ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: بِنا تَمِيمًا يَكْشِفُ الضَّبابَ.

انْتَهى، وفي الهَمْعِ أنَّ النَّصْبَ في الِاخْتِصاصِ بِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ بِأعْنِي ويَخْتَصُّ بِأيِ الواقِعَةِ بَعْدَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَأنا أفْعَلُ كَذا أيُّها الرَّجُلُ، وكاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، وحُكْمُها في هَذا البابِ -إلّا عِنْدَ السِّيرافِيِّ والأخْفَشِ- حُكْمُها في بابِ النِّداءِ ويَقُومُ مَقامَها في الأكْثَرِ كَما -قالَ سِيبَوَيْهِ- بَنُو نَحْوَ قَوْلِهِ.

نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أصْحابُ الجَمَلِ.

ومِنهُ قَوْلُهُ: نَحْنُ بَناتُ طارِقٍ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ ومَعْشَرُ كَقَوْلِهِ: لَنا مَعْشَرَ الأنْصارِ مَجْدٌ مُؤَثَّلٌ ∗∗∗ بِإرْضائِنا خَيْرَ البَرِيَّةِ أحَمَدا وفِي الحَدِيثِ: «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وآلْ، وأهْلُ، وأبُو عَمْرٍو لا يَنْصِبُ غَيْرَهُما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَلَّ كَوْنُ ذَلِكَ عَلَمًا كَما في بَيْتِ رُؤْبَةَ السّابِقِ في كَلامِ أبِي حَيّانَ، ولا يَكُونُ اسْمَ إشارَةٍ ولا غَيْرَهُ، ولا نَكِرَةً البَتَّةَ، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ اسْمِ الِاخْتِصاصِ عَلى الضَّمِيرِ، وقَلَّ وُقُوعُ الِاخْتِصاصِ بَعْدَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَسُبْحانَكَ اللَّهَ العَظِيمَ، وبَعْدَ لَفْظِ غائِبٍ في تَأْوِيلِ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ نَحْوَ عَلى المَضارِبِ الوَضْعِيَّةِ أيُّها البائِعُ، فالمَضارِبُ لَفْظُ غَيْبَةٍ لِأنَّهُ ظاهِرٌ لَكِنَّهُ في مَعْنى عَلى أوْ عَلَيْكَ، ومَنَعَ ذَلِكَ الصَّفّارُ البَتَّةَ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ شِبْهُ النِّداءِ فَكَما لا يُنادى الغائِبُ فَكَذَلِكَ لا يَكُونُ فِيهِ الِاخْتِصاصُ انْتَهى، مَعَ أدْنى زِيادَةٍ وتَغْيِيرٍ، ومِنهُ يُعْلَمُ بَعْضُ ما في كَلامِ أبِي حَيّانَ وأنَّ حَمْلَ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنِ ارْتِكابِ ما قَلَّ في كَلامِهِمْ، وجَوَّزَ في الكَشّافِ نَصْبَهُ عَلى النِّداءِ، وقَدَّمَهُ عَلى احْتِمالِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، ولَعَلَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى تَرْجِيحِهِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ إنَّ في ذَلِكَ فَواتَ مَعْنى المَدْحِ المُناسِبَ لِلْمَقامِ، والمُرادُ مِنَ البَيْتِ -كَما في البَحْرِ- بَيْتُ السُّكْنى، وأصْلُهُ مَأْوى الإنْسانِ بِاللَّيْلِ، ثُمَّ قَدْ يُقالُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اللَّيْلِ فِيهِ، ويَقَعُ عَلى المُتَّخَذِ مِن حَجَرٍ ومِن مَدَرٍ، ومِن صُوفٍ ووَبَرٍ، وعَبَّرَ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ بِأنَّهُ بَيْتُهُ ويُجْمَعُ عَلى بُيُوتٍ وأبْياتٍ، وجَمْعُ الجَمْعِ أبايِيتٍ وبُيُوتاتٍ، وأبَياواتٍ، ويُصَغَّرُ عَلى بُيَيْتٍ وبُيِيتٍ بِالكَسْرِ، ويُقالُ: بُوَيْتٍ كَما تَقُولُهُ العامَّةُ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِيَكُونَ جَوابُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها جَوابًا لِمَن يَخْطُرُ بِبالِهِ مِثْلُ ما خَطَرَ بِبالِها مِن سائِرِ أهْلِ البَيْتِ.

والجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ تَعَجُّبِها فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، واخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: هي دُعائِيَّةٌ ولَيْسَ بِذاكَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى دُخُولِ الزَّوْجَةِ في أهْلِ البَيْتِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ السُّنِّيُّونَ، ويُؤَيِّدُهُ ما في سُورَةِ الأحْزابِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الشِّيعَةُ فَقالُوا: لا تَدْخُلُ إلّا إذا كانَتْ قَرِيبَ الزَّوْجِ، ومَن نَسَبَهُ فَإنَّ المُرادَ مِنَ البَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ لا بَيْتُ الطِّينِ والخَشَبِ، ودُخُولُ سارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها هُنا لِأنَّها بِنْتُ عَمِّهِ، وكَأنَّهم حَمَلُوا البَيْتَ عَلى الشَّرَفِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ، وبِهِ فُسِّرَ في قَوْلِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَمْدَحُ النَّبِيَّ  : حَتّى احْتَوى بَيْتُكَ المَهِينُ مِن خُنْدُفٍ عَلْياءَ تَحْتَها النُّطَفُ ثُمَّ خَصُّوا الشَّرَفَ بِالشَّرَفِ النِّسْبِيِّ وإلّا فالبَيْتُ بِمَعْنى النَّسَبِ مِمّا لَمْ يَشِعْ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، ولَعَلَّ الَّذِي دَعاهم لِذَلِكَ بُغْضُهم لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَرامُوا إخْراجَها مِن حُكْمِ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ الزِّيادَةِ في التَّحِيَّةِ عَلى ”السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ“، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: سَلامٌ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ ومَغْفِرَتُهُ فانْتَهَرَهُ ابْنُ عُمَرَ وقالَ: حَسْبُكَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى، وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سائِلًا قامَ عَلى البابِ وهو عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ وصَلَواتُهُ ومَغْفِرَتُهُ، فَقالَ: انْتَهُوا بِالتَّحِيَّةِ إلى ما قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي رِوايَةٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ ومَغْفِرَتُهُ ورِضْوانُهُ فَقالَ: ما هَذا السَّلامُ؟!

وغَضِبَ حَتّى احْمَرَّتْ وجَنَتاهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَدَّ لِلسَّلامِ حَدًّا ثُمَّ انْتَهى ونَهى عَمّا وراءَ ذَلِكَ ثُمَّ قَرَأ ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴾ ، ﴿ إنَّهُ حَمِيدٌ ﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: أيْ تُحْمَدُ أفْعالُهُ، وفي الكَشّافِ أيْ فاعِلٌ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ الحَمْدَ مِن عِبادِهِ، فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ ( حَمِيدٌ ) هُنا بِمَعْنى حامِدٍ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى ﴿ مَجِيدٌ ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ والإحْسانِ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الرَّفِيعُ يُقالُ: مَجَدَ كَنَصَرَ وكَرُمَ مَجْدًا ومَجادَةً أيْ كَرُمَ وشَرُفَ؛ وأصْلُهُ مِن مَجَّدَتِ الإبِلُ إذا وقَعَتْ في مَرْعًى كَثِيرٍ واسِعٍ، وقَدْ أمْجَدَها الرّاعِي إذا أوْقَعَها في ذَلِكَ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ إذا أكْثَرْتَ عَلَفَها، وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي حَيَّةَ النَّمِيرِيِّ: تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ (بِماجِدَةٍ) الطَّعامَ ولا الشَّرابَ أيْ لَيْسَتْ بِكَثِيرِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ، ومِن أمْثالِهِمْ في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخَ والعِفارَ أيِ اسْتَكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وقالَ الرّاغِبُ: أيْ تَحَرّى السِّعَةَ في بَذْلِ الفَضْلِ المُخْتَصِّ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ، والجُمْلَةُ عَلى ما في الكَشْفِ تَذْيِيلٌ حَسَنٌ لِبَيانِ أنَّ مُقْتَضى حالِها أنْ تُحْمَدَ مُسْتَوْجِبَ الحَمْدِ المُحْسِنِ إلَيْها بِما أحْسَنَ وتُمَجِّدُهُ إذْ شَرَّفَها بِما شَرُفَ، وقِيلَ: هي تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى يعني: ببشارة الولد.

وذلك أن مدينة يقال لها: سدوما، ويقال: سدوم، وكانت بلدة فيها من السعة والخير ما لم يكن في سائر البلدان، وكان الغرباء يحضرون من سائر البلدان في أيام الصيف، ويجمعون من فضل ثمارهم مما كان خارجاً من الكروم والحدائق.

فجاء إبليس عليه اللعنة، فشبه نفسه بغلام أمرد، وجعل يدخل كرومهم وحدائقهم ويراودهم إلى نفسه، حتى أظهر فيهم الفاحشة.

وجاء إلى نسائهم، وقال: إن الرجال قد استغنوا عنكن، فعلَّمَهُنَّ أن يستغنين عن الرجال، حتى استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.

فأوحى الله تعالى إلى لوط ليدعوهم إلى الإيمان ويمتنعوا عن الفواحش، فلم يمتنعوا.

فبعث الله جبريل ومعه أحد عشر من الملائكة بإهلاكهم، فجاؤوا إلى إبراهيم كهيئة الغلمان، فدخلوا على إبراهيم، فنظر فرأى اثني عشر غلاماً أمرد، ويقال: كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ويقال: كانوا أربعة، فسلموا عليه قالُوا سَلاماً قالَ إبراهيم سَلامٌ يعني: ردّ عليهم السلام.

قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ كلاهما سلام، إلا أن الأول صار نصباً، لوقوع الفعل عليه، والآخر رفعاً بالحكاية، ومعناه: قال: قولاً فيه سلام.

وقرأ حمزة والكسائي: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ بكسر السين، وسكون اللام، يعني: أمري سلم، ما أريد إلا السلامة.

فَما لَبِثَ يعني: فما مكث أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ قال السِّدِيّ: الحنيذ السمين، كما قال في آية أخرى: بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: 26] ويقال: حَنِيذٍ يعني: نضيج.

ويقال: المشوي الذي يقطر منه الودك.

وقال أهل اللغة بأجمعهم: الحنيذ، المشوي بغير تنور، وهو أن يتخذ له في الأرض حنذاً، فيلقى فيه.

قال مقاتل: إنما جاءهم بعجل، لأنه كان أكثر ماله البقر، فلما قربه إليهم ووضع بين أيديهم كفوا ولم يأكلوا، ولم يتناولوا منه.

قوله: فَلَمَّا رَأى إبراهيم أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ يعني: إلى الطعام ولم يمدّوا أيديهم إلى الطعام نَكِرَهُمْ يقول: أنكرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يعني: وأضمر منهم خوفاً، حيث لم يأكلوا من طعامه، وظن أنهم لصوص.

وذلك أنه في ذلك الزمان إذا لم يأكل أحد من طعام إنسان، يخاف عليه غائلته، قالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ بهلاكهم.

وقال السدي: لما لم يأكلوا من الطعام، قال لهم إبراهيم  : ما لكم لا تأكلون طعامي؟

قالوا: إنا قوم لا نأكل طعاماً إلا بثمن.

فقال إبراهيم: إن لطعامي ثمناً، فأصيبوا منه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تذكرون اسم الله عليه في أوله، وتحمدونه في آخره.

فقال جبريل لميكائيل: حق لهذا أن يتخذه الله خليلاً.

قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ وفي الآية تقديم، يعني: بشرناها بإسحاق، فضحكت سروراً.

ويقال: ضحكت تعجباً من خوف إبراهيم ورعدته في حشمه وخدمه، ولم يخف ولم يرتعد من نمرود الجبار حين قذفه في النار، وهذا قول القتبي.

وقال عكرمه في قوله: فَضَحِكَتْ يعني: حاضت.

يقال: ضحكت الأرنب، إذا حاضت.

وغيره من المفسرين جعلها الضحك بعينه، وكذلك هو في التوراة.

قرأت فيها أنها حين بشرت بالغلام، ضحكت في نفسها، وقالت: من بعد ما بليت أعود شابة؟

وقال قتادة: ضحكت من أمر القوم وغفلتهم، وجبريل جاءهم بالعذاب، يعني: قوم لوط فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قال الشعبي: «الوراء، ولد الولد» .

وروى حبيب بن أبي ثابت، أن رجلاً دخل على ابن عباس ومعه ابن ابنه، فقال له: من هذا؟

فقال ابن ابني.

فقال: ابنك من وراء، فوجد الرجل في نفسه، فقرأ ابن عباس: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ وقال مقاتل: يعني: ومن بعد إسحاق يعقوب.

وقال أبو عبيدة: الوراء ولد الولد.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم في رواية حفص يعقوب، بنصب الباء، وقرأ الباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو على معنى الابتداء، يعني: ويكون من وراء إسحاق، يَعْقُوبُ.

ومن قرأ بالنصب، فهو عطف على قوله: بِإِسْحاقَ فيكون في موضع خَفْضٌ، إلاّ أنّه لا ينصرف.

قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ يعني: عقيماً لم ألد قط، وقد كبرت في السن، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً قال الكلبي: كانت سارة ابنة ثمان وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، أكبر منها بسنة.

وقال الضحاك: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسع وتسعين سنة، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أي: لأمر عجيب قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: من قدرة الله رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ يعني: نعمته وسعادته عليكم، أَهْلَ الْبَيْتِ يعني: يا أهل البيت.

ويقال: أَتَعْجَبِينَ أي: ألا تعلمين أن رحمة لله وبركاته عليكم أن يستخرج الأنبياء كلهم من هذا البيت؟

وقال السدي: أخذ جبريل عوداً من الأرض يابساً، فدلكه بين أصبعيه، فإِذا هو شجرة تهتز، فعرفت أنه من الله تعالى.

ثم قال إِنَّهُ حَمِيدٌ في فعاله، ويقال: حميد لأعمالكم، مَجِيدٌ يعني: شريفا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد» .

وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في «تاركي» ، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: «عن» : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ [التوبة:

١١٤] وقولهم: إِنْ نَقُولُ ...

الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.

وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.

وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من «عند» إذا عتا.

وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)

وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ...

الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،

كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث «١» .

ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...

الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.

وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان.

انتهى.

وقد نقل ع «٢» : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:

أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.

ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم.

انتهى.

وقولهم:

يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ: مِن قَضائِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو إيجادُ ولَدٍ مِن بَيْنِ كَبِيرَيْنِ.

قالَ السُّدِّيُّ: قالَتْ سارَّةُ لِجِبْرَئِيلَ: ما آيَةُ ذَلِكَ ؟

فَأخَذَ بِيَدِهِ عُودًا يابِسًا فَلَواهُ بَيْنَ أصابِعِهِ فاهْتَزَّ أخْضَرَ، فَقالَتْ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن دُعاءِ المَلائِكَةِ لَهم.

والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهم.

وَمِن تِلْكَ البَرَكاتِ وُجُودُ أكْثَرِ الأنْبِياءِ والأسْباطِ مِن إبْراهِيمَ وسارَّةَ.

والحَمِيدُ بِمَعْنى المَحْمُودِ.

فَأمّا المَجِيدُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِمَعْنى الماجِدِ، وهو الشَّرِيفُ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: هو الواسِعُ الكَرَمِ.

وأصْلُ المَجْدِ في كَلامِهِمُ: السَّعَةُ، يُقالُ: رَجُلٌ ماجِدٌ: إذا كانَ سَخِيًّا واسِعَ العَطاءِ.

وفي بَعْضِ الأمْثالِ: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرا مِنها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ﴿ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ: يا ويْلَتى وأظْهَرُ ما فِيها أنَّها بَدَلُ ياءِ الإضافَةِ، أصْلُها: يا ويْلَتِي، كَما تَقُولُ: يا غُلاما ويا غَوْثا وقَدْ تُرْدَفُ هَذِهِ الألِفُ بِهاءٍ في الكَلامِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وأمالَ هَذِهِ الألِفَ عاصِمٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو.

ومَعْنى يا ويْلَتى في هَذا المَوْضِعِ العِبارَةُ عَمّا دَهَمَ النَفْسَ مِنَ العَجَبِ في وِلادَةِ عَجُوزٍ، وأصْلُ هَذا الدُعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَفَجُّعِ لِشِدَّةٍ أو مَكْرُوهٍ يُهِمُّ النَفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَفْسَ وقالَ قَوْمٌ: إنَّما قالَتْ: يا ويْلَتى لَمّا مَرَّ بِفِكْرِها مِن ألَمِ الوِلادَةِ وشِدَّتِها، ثُمَّ رَجَعَتْ بِفِكْرِها إلى التَعَجُّبِ ونَطَقَتْ بِقَوْلِها أألِدُ وأنا عَجُوزٌ؟

الآيَةُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أألِدُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ الأولى وتَحْقِيقِ الثانِيَةِ، وفي النُطْقِ بِهَذِهِ عُسْرٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ، والتَخْفِيفُ هُنا مَدُّها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "ءاألِدُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ ومَدَّةٍ بَيْنَهُما.

و"العَجُوزُ" المُسِنَّةُ، وقَدْ حَكى بَعْضُ الناسِ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: العَجُوزَةُ، و"البَعْلُ": الزَوْجُ، وشَيْخًا نُصِبَ عَلى الحالِ وهي حالٌ مِن مُشارٍ إلَيْهِ لا يُسْتَغْنى عنها لِأنَّها مَقْصُودُ الإخْبارِ، وهي لا تَصِحُّ إلّا إذا لَمْ يَقْصِدِ المُتَكَلِّمُ التَعْرِيفَ بِذِي الحالِ، مِثْلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ يَعْرِفُهُ وأمّا إذا قَصَدَ التَعْرِيفَ بِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَعْرِيفُ في الخَبَرِ قَبْلَ الحالِ، وتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عنها، ومِثالُ هَذا قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا، إذا أرَدْتَ التَعْرِيفَ بِزَيْدٍ.

أو كانَ مَعْرُوفًا وأرَدْتَ التَعْرِيفَ بِقِيامِهِ، وأمّا إنْ قَصَدَ المُتَكَلِّمُ أنَّ زَيْدِيَّتَهُ إنَّما هي مادامَ قائِمًا، فالكَلامُ لا يَجُوزُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "هَذا بَعْلِي شَيْخٌ"، قالَ أبُو حاتِمٍ وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورَفَعُهُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَما تَقُولُ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، ومِنها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هو شَيْخٌ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قَرَأهُ: "وَهَذا بَعْلِي هَذا شَيْخٌ"، وهَذِهِ القِراءَةُ شَبِيهَةٌ بِهَذا التَأْوِيلِ.

ومِنها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن بَعْلِي ومِنها: أنْ يَكُونَ قَوْلُها بَعْلِي بَدَلًا مِن هَذا أو عَطْفَ بَيانٍ عَلَيْهِ، ويَكُونَ "شَيْخٌ" خَبَرُ هَذا.

ويُقالُ شَيْخٌ وشَيْخَةٌ- وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ شَيْخٌ.

ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ وقْتَ هَذِهِ المَقالَةِ مِن تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِن تِسْعِينَ- قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ - وقِيلَ: مِن ثَمانِينَ وكَذَلِكَ قِيلَ: في سِنِّ إبْراهِيمَ، إنَّهُ كانَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةَ سَنَةٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: قالُوا لِلْمَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ: مِن أمْرِ اللهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ مِنَ الوِلادَةِ في هَذِهِ السِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَصْدَرَ أمَرَ، أيْ مِمّا أمَرَ اللهُ في هَذِهِ النازِلَةِ.

وقَوْلُهُ: رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ يَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ دُعاءً وأنْ يَكُونَ إخْبارًا، وكَوْنُهُ إخْبارًا أشْرَفُ، لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهُمْ، وكَوْنُهُ دُعاءً إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ.

ونَصْبُ أهْلَ البَيْتِ عَلى الِاخْتِصاصِ- هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا والنَصْبُ عَلى المَدْحِ في بابَيْنِ.

كَأنَّهُ مَيَّزَ النَصْبَ عَلى المَدْحِ بِأنْ يَكُونَ المُنْتَصِبُ لَفْظًا يَتَضَمَّنُ بِنَفَسِهِ مَدْحًا كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ عاقِلَ قَوْمِهِ، وجُعِلَ الِاخْتِصاصُ إذا لَمْ تَتَضَمَّنِ اللَفْظَةُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: إنّا مُعاشِرَ الأنْبِياءِ وإنّا بَنِي نَهْشَلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَكُونُ الِاخْتِصاصُ إلّا بِمَدْحٍ أو ذَمٍّ، لَكِنْ لَيْسَ في نَفْسِ اللَفْظَةِ المَنصُوبَةِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ زَوْجَةَ الرَجُلِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ لِأنَّها خُوطِبَتْ بِهَذا، فَيَقْوى القَوْلُ في زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّهُنَّ مِن أهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ الرِجْسَ، بِخِلافِ ما تَذْهَبُ إلَيْهِ الشِيعَةُ، وقَدْ قالَهُ أيْضًا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: "أهْلُ بَيْتِهِ" الَّذِينَ حُرِمُوا الصَدَقَةَ، والأوَّلُ أقْوى وهو ظاهِرٌ جَلِيٌّ مِن سُورَةِ الأحْزابِ لِأنَّهُ ناداهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا نِساءَ النَبِيِّ  ﴾ ثُمَّ بِقَوْلِهِ: أهْلَ البَيْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقَعَ في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: أهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَدَقَةَ بَعْدَهُ فَأرادَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلَ بَيْتِ النَسَبِ الَّذِينَ قالَ رَسُولُ اللهِ  فِيهِمْ: «إنَّ الصَدَقَةَ لا تَحِلُّ لِأهْلِ بَيْتِي إنَّما هي أوساخُ الناسِ.» والبَيْتُ في هَذِهِ الآيَةِ وفي سُورَةِ الأحْزابِ بَيْتُ السُكْنى فَفي اللَفْظِ اشْتِراكٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَحَسَّسَ إلَيْهِ.

فَفاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنها مِن أهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ  بِالوَجْهَيْنِ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالواحِدِ، وزَوْجاتُهُ بِالآخَرِ، وأمّا الشِيعَةُ فَيَدْفَعُونَ الزَوْجاتِ بُغْضًا في عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها.

وحَمِيدٌ أيْ أفْعالُهُ تَقْتَضِي أنْ يُحْمَدَ، ومَجِيدٌ أيْ مُتَّصِفٌ بِأوصافِ العُلُوِّ، ومَجُدَ الشَيْءُ إذا حَسُنَتْ أوصافُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة.

وتأكيد الخبر بحرف (قد) للاهتمام به كما تقدّم في قوله: ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [هود: 25].

والغرض من هذه القصّة هو: الموعظة بمصير قوم لوط إذْ عصوا رسول ربّهم فحلّ بهم العذاب ولم تغن عنهم مجادلة إبراهيم.

وقدّمت قصة إبراهيم لذلك وللتنويه بمقامه عند ربّه على وجه الإدماج، ولذلك غيّر أسلوب الحكاية في القصص الّتي قبلها والتي بعدها نحو ﴿ وإلى عاد ﴾ [هود: 50] إلخ.

والرّسل: الملائكة.

قال تعالى: ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ [فاطر: 1].

والبشرى: اسم.

للتبشير والبشارة.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وبشّر الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات ﴾ في أوّل سورة [البقرة: 25].

هذه البشرى هي التي في قوله: فبشّرناها بإسحاق } لأنّ بشارة زوجه بابننٍ بشارة له أيضاً.

والباء في ﴿ بالبشرى ﴾ للمصاحبة لأنّهم جاءوا لأجل البشرى فهي مصاحبة لهم كمصاحبة الرسالة للمرسل بها.

وجملة ﴿ قالوا سلاماً ﴾ في موضع البيان ل ﴿ البشرى ﴾ ، لأنّ قولهم ذلك مبدأ البشرى، وإنّ ما اعترض بينها حكاية أحوال، وقد انتهى إليها في قوله: ﴿ فبشّرناها بإسحاق إلى قوله إنّه حميد مجيد ﴾ .

والسّلام: التحيّة.

وتقدّم في قوله: ﴿ وإذا جاءك الّذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم ﴾ في سورة [الأنعام: 54].

وسلاماً} مفعول مطلق وقع بَدَلاً من الفعل.

والتّقدير: سلّمنا سلاماً.

و ﴿ سلام ﴾ المرفوع مصدر مرفوع على الخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمري سلام، أي لكم، مثل ﴿ فصبرٌ جميلٌ ﴾ [يوسف: 18].

ورفع المصدر أبلغ من نصبه، لأنّ الرّفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدلّ على الدّوام والثّبات.

ولذلك خالف بينهما للدّلالة على أنّ إبراهيم عليه السّلام ردّ السّلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام.

قال ابن عطيّة: حيّاً الخليل بأحسن ممّا حُيّيَ به، أي نظراً إلى الأدب الإلهي الذي عَلّمَهُ لَنَا في القرآن بقوله: ﴿ وإذا حيّيتم بتحيةٍ فَحَيّوا بأحسن منها أو رُدُّوها ﴾ [النساء: 86]، فَحكيَ ذلك بأوجز لفظ في العربية أداءً لمعنى كلام إبراهيم عليه السّلام في الكلدانيّة.

وقرأ الجمهور ﴿ قال سَلامٌ ﴾ بفتح السّين وبِألِف بعد اللاّم.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ قال سِلْم ﴾ بكسر السّين وبدون ألِف بعد اللاّم وهو اسم المسالمة.

وسمّيت به التحية كما سمّيت بمرادفِه (سَلام) فهو من باب اتّحاد وزن فَعال وفِعْل في بعض الصفات مثل: حرام وحِرم، وحلال وحلّ.

والفاء في قوله: ﴿ فما لبث ﴾ للدّلالة على التعقيب إسراعاً في إكرام الضّيف، وتعجيل القرى سنّة عربيّة: ظنهم إبراهيم عليه السّلام ناساً فبادر إلى قراهم.

واللّبث في المكان يقتضي الانتقال عنه، أيْ فما أبطأ.

و ﴿ أن جاء ﴾ يجوز أن يكون فاعل ﴿ لَبِثَ ﴾ ، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ، أي فما أبطأ مَجيئه مصاحباً له، أي بل عجّل.

ويجوز جعل فاعل ﴿ لبث ﴾ ضمير إبراهيم عليه السّلام فيقدّر جارّ ل ﴿ جاء ﴾ .

والتّقدير: فما لبث بأن جاء به.

وانتفاء اللبث مبالغة في العجل.

والحنيذ: المشوي، وهو المحنوذ.

والشيُّ أسْرَع من الطبخ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف.

و ﴿ لا تصل إليه ﴾ أشد في عدم الأخذ من (لا تتناوله).

ويقال: نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه.

وإنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه، وإنّما يكون ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّاً لمضيّفه، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفوراً للإحسان.

ولذلك عقب قوله ﴿ نكرهم ﴾ ب ﴿ أوجس منهم خيفة ﴾ ، أي أحسّ في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك.

ومصدره الإيجاس.

وذلك أنّه خشي أن يكونوا مضمرين شرّاً له، أي حسبهم قطّاعاً، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم عليه السّلام وحده.

وجملة ﴿ قالوا لا تخف ﴾ مفصولة عمّا قبلها، لأنّها أشبهت الجواب، لأنّه لمّا أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله إنّي خفت منكم، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم: ﴿ لا تَخف ﴾ ، فحكي ذلك عنهم بالطّريقة الّتي تحكى بها المحاورات، أو هو جواب كلام مقدّر دلّ عليه قوله: ﴿ وأوجس منهم خيفة ﴾ ، أي وقال لهم: إنّي خفت منكم، كما حكي في سورة [الحجر: 52] ﴿ قال إنّا منكم وَجِلون ﴾ ومن شأن النّاس إذا امتنع أحد من قبول طعامهم أن يقولوا له: لعلّك غادر أو عَدوّ، وقد كانوا يقولون للوافد: أحَرْبٌ أم سِلْمٌ.

وقولهم: ﴿ إنّا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ مكاشفة منهم إيّاه بأنّهم ملائكة.

والجملة استئناف مبينة لسبب مجيئهم.

والحكمةُ من ذلك كرامة إبراهيم عليه السّلام وصدورهم عن علم منه.

وحذف متعلّق ﴿ أرسلنا ﴾ أي بأي شيء، إيجازاً لظهوره من هذه القصّة وغيرها.

وعبّر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة ﴿ قوم لوط ﴾ إذ لم يكن لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطاً من فصائل عرفوا بأسماء قراهم، وأشهرها سدوم كما تقدّم في الأعراف.

وجملة ﴿ وامرأته قائمة فضحكت ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أوجس ﴾ ، لأنّ امرأة إبراهيم عليه السّلام كانت حاضرة تقدّم الطّعام إليهم، فإن عادتهم كعادة العرب من بعدهم أنّ ربة المنزل تكون خادمة القوم.

وفي الحديث «والعروس خادمهم» وقال مرّة بن محكان التميمي يا ربّة البيت قومي غير صاغرة *** ضُمّي إليك رجال القوم والغربا وقد اختصرت القصة هنا اختصاراً بديعاً لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل وإبراهيم عليهم السّلام، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم: ﴿ لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ .

وأمّا البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنّهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة [الذاريات: 28] ﴿ فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخَف وبشّروه بغلاممٍ عليمٍ.

فلمّا اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة قالوا لا تخف ﴾ حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال، لأنّ الحال تصلح للقبْليّة وللمقارنَة وللبعدية، وهي الحال المقدّرة.

وإنّما ضحكت امرأة إبراهيم عليه السّلام من تبشير الملائكة إبراهيم عليه السّلام بغلام، وكان ضحكها ضحك تعجّب واستبعاد.

وقد وقع في التّوراة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين «وقالوا له: أين سارة امرأتك؟

فقال: ها هي في الخيمة.

فقالوا: يكون لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة في باب الخيمة فضحكت سارة في باطنها قائلة: أفبالحقيقة ألِدُ وأنا قد شِخت؟

فقال الربّ: لماذا ضحكتْ سارة؟

فأنكرت سارة قائلة لم أضحك، لأنّها خافت، قال: لا بل ضحكت».

وتفريع ﴿ فبشّرناها بإسحاق ﴾ على جملة ﴿ ضحكت ﴾ باعتبار المعطوف وهو ﴿ ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ لأنّها ما ضحكت إلاّ بعد أن بشّرها الملائكة بابن، فلمّا تعجبت من ذلك بشّروها بابن الابن زيادة في البشرى.

والتّعجيب بأن يولد لها ابن ويعيش وتعيش هي حتّى يولد لابنها ابن.

وذلك أدخل في العجب لأن شأن أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالباً إلاّ معلولين، ولا يولد لهم في الأكثر ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم بله أولاد أولادهم.

ولما بشّروها بذلك صرحت بتعجبها الذي كتمته بالضحك، فقالت: ﴿ يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيءٌ عجيب ﴾ ، فجملة ﴿ قالت ﴾ جواب للبشارة.

و (يعقوب) مبتدأ ﴿ ومن وراء إسحاق ﴾ خبر، والجملة على هذا في محلّ الحال.

وهذه قراءة الجمهور.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص ﴿ يعقوبَ ﴾ بفتحة وهو حينئذٍ عطف على ﴿ إسحاق ﴾ .

وفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف وخطبه سهل وإن استعظمه ظاهرية النحاة كأبي حيان بقياس حرف العطف النائب هنا مناب الجار على الجار نفسه، وهو قياس ضعيف إذ كون لفظ بمعنى لفظ لا يقتضي إعطاءه جميع أحكامه كما في «مغني اللبيب».

والنداء في ﴿ يا ويلتا ﴾ استعارة تبعية بتنزيل الويلة منزلة من يعقل حتّى تنادى، كأنها تقول: يا ويلتي احضر هنا فهذا موضعك.

والويلة: الحادثة الفظيعة والفضيحة.

ولعلّها المرة من الويل.

وتستعمل في مقام التعجب، يقال: يا ويلتي.

واتّفق القرّاء على قراءة ﴿ يا ويلتا ﴾ بفتحة مشبعة في آخره بألف.

والألف التي في آخر ﴿ يا ويلتا ﴾ هنا يجوز كونها عوضاً عن ياء المتكلم في النداء.

والأظهر أنها ألف الاستغاثة الواقعة خلَفاً عن لام الاستغاثة.

وأصله: يا لَويلة.

وأكثر ما تجيء هذه الألف في التعجّب بلفظ عجب، نحو: يا عجباً، وباسم شيء متعجب منه، نحو: يا عشبا.

وكتب في المصحف بإمالة ولم يقرأ بالإمالة، قال الزجاج: كتب بصورة الياء على أصل ياء المتكلم.

والاستفهام في ﴿ أألد وأنا عجوز ﴾ مستعمل في التعجب.

وجملة ﴿ أنا عجوز ﴾ في موضع الحال، وهي مناط التعجب.

والبعل: الزوج.

وسيأتي بيانه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن ﴾ في سورة [النّور: 31]، فانظره.

وزادت تقرير التعجب بجملة ﴿ إنّ هذا لشيء عجيب ﴾ وهي جملة مؤكدة لصيغة التعجب فلذلك فصلت عن التي قبلها لكمال الاتّصال، وكأنّها كانت متردّدة في أنهم ملائكة فلم تطمئنّ لتحقيق بشراهم.

وجملة ﴿ هذا بعلي ﴾ مركبة من مبتدأ وخبر لأنّ المعنى هذا المشار إليه هو بعلي، أي كيف يكون له ولد وهو كما ترى.

وانتصب ﴿ شيخاً ﴾ على الحال من اسم الإشارة مبينة للمقصود من الإشارة.

وقرأ ابن مسعود ﴿ وهذا بعلي شيخ ﴾ برفع شيخ على أن (بعلي) بيان من (هذا) و(شيخ) خبر المبتدأ.

ومعنى القراءتين واحد.

وقد جرت على هذه القراءة النادرة لطيفة وهي: ما أخبرنا شيخنا الأستاذ الجليل سالم بوحاجب أنّ أبا العبّاس المبرّد دُعي عند بعض الأعيان في بغداد إلى مأدبة، فلمّا فرغوا من الطّعام غنّت من وراء الستار جارية لرب المنزل ببيتين: وقالوا لها هذا حبيبك معرضٌ *** فقالت: ألاَ إعراضه أهون الخطب فما هي إلاّ نظرة وابتسامة *** فتصطكّ رجلاه ويسقط للجنب فطرب كل من بالمجلس إلاّ أبا العبّاس المبرد فلم يتحرك، فقال له رب المنزل: ما لك لم يطربك هذا؟.

فقالت الجارية: مَعذُور يحسبني لحنت في أن قلت: معرضٌ بالرفع ولم يعلم أنّ عبد الله بن مسعود قرأ «وهذا بعلي شيخٌ» فطرب المبرد لهذا الجواب.

وجواب الملائكة إياها بجملة ﴿ أتعجبين من أمر الله ﴾ إنكار لتعجبها لأنه تعجّبٌ مراد منه الاستبعاد.

و ﴿ أمر الله ﴾ هو أمر التكوين، أي أتعجبين من قدرة الله على خرق العادات.

وجوابهم جار على ثقتهم بأن خبرهم حق منبئ عن أمر الله.

وجملة ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم ﴾ تعليل لإنكار تعجبها، لأن الإنكار في قوة النفي، فصار المعنى: لا عجب من أمر الله لأنّ إعطاءك الولد رحمة من الله وبركة، فلا عجب في تعلّق قدرة الله بها وأنتم أهل لتلك الرحمة والبركة فلا عجب في وقوعها عندكم.

ووجه تعليل نفي العجب بهذا أن التعجب إمّا أن يكون من صدور هذا من عند الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم عليه السّلام وامرأته فكان قولهم ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم ﴾ مفيداً تعليل انتفاء العجبين.

وتعريف ﴿ البيت ﴾ تعريف جضور، وهو البيت الحاضر بينهم الذي جرى فيه هذا التحاور، أي بيت إبراهيم عليه السّلام.

والمعنى أهل هذا البيت.

والمقصود من النداء التنويه بهم ويجوز كونه اختصاصاً لزيادة بيان المرَاد من ضمير الخطاب.

وجملة ﴿ إنّه حميد مجيد ﴾ تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأنّ الله يحمد من يطيعه، وبأنّه مَجِيدٌ، أي عظيم الشأن لاَ حَدّ لِنِعَمِه فلا يعظم عليه أن يعطيها ولداً، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى الله تعالى على إبراهيم عليه السّلام وأهله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى ﴾ أمّا إبْراهِيمُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

وَقِيلَ مَعْناهُ أبٌ رَحِيمٌ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ البَرْهَمَةِ وهي إدامَةُ النَّظَرِ.

والرُّسُلُ جِبْرِيلُ ومَعَهُ مَلَكانِ قِيلَ إنَّهُما مِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ المُرْسَلُ مَعَ جِبْرِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا.

وَفي البُشْرى الَّتِي جاءُوهُ بِها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَشَّرُوهُ بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: بِإسْحاقَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بَشَّرُوهُ بِإخْراجِ مُحَمَّدٍ  مِن صُلْبِهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ.

الرّابِعُ: بَشَّرُوهُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما تَحِيَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَيّاهم بِمِثْلِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ السَّلامَ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ والمُسْلِمِينَ جَمِيعًا.

الثّانِي: سَلِمْتَ أنْتَ وأهْلُكَ مِن هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ سَلامٌ ﴾ أيِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَنِي، فَمَعْنى "سَلامٌ": سَلِمْتُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سِلْمٌ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْقاطِ الألِفِ.

واخْتُلِفَ في السِّلْمِ والسَّلامِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السِّلْمَ مِنَ المُسالَمَةِ والسَّلامَ مِنَ السَّلامَةِ.

الثّانِي: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الشّاعِرُ، وقَدْ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ لِبَعْضِ العَرَبِ: وقَفْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ ﴿ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ظَنَّ رُسُلَ رَبِّهِ أضْيافًا لِأنَّهم جاؤُوهُ في صُورَةِ النّاسِ فَعَجَّلَ لَهُمُ الضِّيافَةَ فَجاءَهم بِعِجْلٍ حَنِيذٍ.

وَفي الحَنِيذِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحارُّ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ عَنْ عَلْقَمَةَ النَّحْوِيِّ.

الثّانِي: هو المَشْوِيُّ نَضِيجًا وهو المَحْنُوذُ مِثْلَ طَبِيخٍ ومَطْبُوخٍ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو الَّذِي حُفِرَ لَهُ في الأرْضِ ثُمَّ غُمَّ فِيها، قالَ الشّاعِرُ: إذا ما اعْتَبَطْنا اللَّحْمَ لِلطّالِبِ القِرى ∗∗∗ حَنَذْناهُ حَتّى عَيَّنَ اللَّحْمَ آكِلُهُ الثّانِي: هو أنْ يُوقَدَ عَلى الحِجارَةِ فَإذا اشْتَدَّ حَرُّها أُلْقِيَتْ في جَوْفِهِ لِيُسْرِعَ نُضْجُهُ، قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: لَهم راحٌ وكافُورٌ ومِسْكٌ ∗∗∗ وعِقْرُ الوَحْشِ شائِلُهُ حَنُوذُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ في نَكِرَهم وأنْكَرَهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فَنَكِرَهم إذا لَمْ يَعْرِفْهم وأنْكَرَهم إذا وجَدَهم عَلى مُنْكَرٍ.

الثّانِي: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأعْشى: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا واخْتُلِفَ في سَبَبِ إنْكارِهِ لَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُطْعِمُوا، ومِن شَأْنِ العَرَبِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَطْعَمْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا بِهِ سُوءًا وخافُوا مِنهُ شَرًّا، فَنَكِرَهم إبْراهِيمُ لِذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم أيْدِي فَنَكِرَهم، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.

وامْتَنَعُوا مِن طَعامِهِ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ.

﴿ وَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا مِنهم.

والثّانِي: أحَسَّ مِن نَفْسِهِ تَخَوُّفًا مِنهم، كَما قالَ يَزِيدُ بْنُ مُعاوِيَةَ: جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يُخَبُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ جَزَعًا ﴿ قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي بِهَلاكِهِمْ.

وَفِي إعْلامِهِمْ إبْراهِيمَ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَزُولَ خَوْفُهُ مِنهم.

والثّانِي: لِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ يَأْتِي قَوْمَ لُوطٍ فَيَقُولُ: ويْحَكم أيَنْهاكم عَنِ اللَّهِ أنْ تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَتِهِ فَلا يُطِيعُونَهُ.

﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ وفي قِيامِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ كَلامَهم، قالَهُ وهْبٌ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ قائِمَةً تَخْدُمُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ قائِمَةً تُصَلِّي، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حاضَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والعَرَبُ تَقُولُ ضَحِكَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، والضَّحِكُ الحَيْضُ في كَلامِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمَثَلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا والثّانِي: أنَّ مَعْنى ضَحِكَتْ: تَعَجَّبَتْ، وقَدْ يُسَمّى التَّعَجُّبُ ضَحِكًا لِحُدُوثِ الضَّحِكِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فَجاءَ بِمَزْجٍ لَمْ يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ ∗∗∗ هو الضَّحِكُ إلّا أنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ الثّالِثُ: أنَّهُ الضَّحِكُ المَعْرُوفُ في الوَجْهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

فَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى الحَيْضِ فَفي سَبَبِ حَيْضِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وافَقَ وقْتَ عادَتِها فَخافَتْ ظُهُورَ دَمِها وأرادَتْ شِدادَهُ فَتَحَيَّرَتْ مَعَ حُضُورِ الرُّسُلِ.

والقَوْلُ الثّانِي: ذُعِرَتْ وخافَتْ فَتَعَجَّلَ حَيْضُها قَبْلَ وقْتِهِ، وقَدْ تَتَغَيَّرُ عادَةُ الحَيْضِ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ الطِّباعِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحَيْضُ بَشِيرًا بِالوِلادَةِ لِأنَّ مَن لَمْ تَحُضْ لا تَلِدُ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى التَّعَجُّبِ فَفِيما تَعَجَّبَتْ مِنهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن أنَّها وزَوْجَها يَخْدُمانِ الأضْيافَ تَكْرِمَةً لَهم وهم لا يَأْكُلُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: تَعَجَّبَتْ مِن أنَّ قَوْمَ لُوطٍ قَدْ أتاهُمُ العَذابُ وهم غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن أنْ يَكُونَ لَها ولَدٌ عَلى كِبَرِ سِنِّها وسِنِّ زَوْجِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الرّابِعُ: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن إحْياءِ العِجْلِ الحَنِيذِ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسَحَهُ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ وأُمُّ العِجْلِ في الدّارِ، قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى ضَحِكِ الوَجْهِ فَفِيما ضَحِكَتْ مِنهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالسَّلامَةِ.

الثّانِي: سُرُورًا بِالوَلَدِ.

الثّالِثُ: لِما رَأتْ ما بِزَوْجِها مِنَ الوَرَعِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها ضَحِكَتْ ظَنًّا بِأنَّ الرُّسُلَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى.

﴿ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ وفي ﴿ وَراءِ ﴾ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَراءَ وُلِدَ الوَلَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى بَعْدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ النّابِغَةُ الذِّبْيانِيُّ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكِ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ فَعَجَّلُوا لَها البُشْرى بِالوَلَدَيْنِ مُظاهَرَةً لِلنِّعْمَةِ ومُبالَغَةً في التَّعَجُّبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ البِشارَةُ بِهِما بِاسْمَيْهِما فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو المُسَمِّي لَهُما، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِهِما وسَمّاها أبُوهُما.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ خُصَّتْ سارَّةُ بِالبُشْرى مِن دُونِ إبْراهِيمَ؟

قِيلَ عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّها لَمّا اخْتَصَّتْ بِالضَّحِكِ خُصَّتْ بِالبُشْرى.

الثّانِي: أنَّهم كافَأُوها بِالبُشْرى مُقابَلَةً عَلى اسْتِعْظامِ خِدْمَتِها.

الثّالِثُ: لِأنَّ النِّساءَ في البُشْرى بِالوَلَدِ أعْظَمُ سُرُورًا وأكْثَرُ فَرَحًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ إسْحاقَ لِأنَّ سارَّةَ سَحُقَتْ بِالضَّحِكِ حِينَ بُشِّرَتْ بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ لَمْ تَقْصِدْ بِقَوْلِها يا ويْلَتا الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يُعْجَبْنَ مِنهُ، وعَجِبَتْ مِن وِلادَتِها وهي عَجُوزٌ وكَوْنُ بَعْلِها شَيْخًا لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وما خَرَجَ عَنِ العادَةِ مُسْتَغْرَبٌ ومُسْتَنْكَرٌ.

واخْتُلِفَ في سِنِّها وسِنِّ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ، فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لِسارَّةَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وكانَ لِإبْراهِيمَ مِائَةُ سَنَةٍ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَتْ سارَّةُ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَةً وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

وَقالَ قَتادَةُ: كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ابْنَ تِسْعِينَ سَنَةً.

وَقِيلَ: إنَّها عَرَّضَتْ بِقَوْلِها: ﴿ وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ عَنْ تَرْكِ غِشْيانِهِ لَها، والبَعْلُ هو الزَّوْجُ في هَذا المَوْضِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ  ﴾ .

والبَعْلُ: المَعْبُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَدْعُونَ بَعْلا  ﴾ أيْ إلَهًا مَعْبُودًا.

والبَعْلُ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ.

حاسِرِي الدِّيباجِ عَنْ أذْرُعِهِمْ ∗∗∗ عِنْدَ بَعْلٍ حازِمِ الرَّأْيِ بَطَلٍ فَسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِتَطاوُلِهِ عَلى الزَّوْجَةِ كَتَطاوُلِ السَّيِّدِ عَلى المَسُودِ.

﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ أيْ مُنْكَرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ  ﴾ أيْ أنْكَرُوا.

وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنها تَكْذِيبًا ولَكِنِ اسْتِغْرابًا لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن كعب رضي الله عنه قال: بلغنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف على سدوم فيقول: ويلك يا سدوم يوم مالك، ثم قال: ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ﴾ نضيج وهو يحسبهم أضيافاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد ﴿ قالت ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب ﴾ فقال لها جبريل ﴿ أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوط إذ كان فيهم إبراهيم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ [ هود: 76] إلى قوله: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ﴾ [ هود: 77] قال: ساءه مكانهم لما رأى منه من الجمال ﴿ وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب ﴾ قال: يوم سوء من قومي، فذهب بهم إلى منزله، فذهبت امرأته لقومه ﴿ فجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ﴾ [ هود: 78] تزوّجوهن ﴿ أليس منكم رجل رشيد، قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ﴾ [ هود: 79] وجعل الأضياف في بيته وقعد على باب البيت ﴿ قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ [ هود: 80] قال: إلى عشيرة تمنع، فبلغني أنه لم يبعث بعد لوط عليه السلام رسول إلا في عز من قومه، فلما رأت الرسل ما قد لقي لوط في سيئتهم ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك ﴾ [ هود: 81] إنا ملائكة ﴿ لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ﴾ [ هود: 81] إلى قوله: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ [ هود: 81] فخرج عليهم جبريل عليه السلام، فضرب وجوههم بجناحه ضربة فطمس أعينهم والطمس ذهاب الأعين، ثم احتمل جبريل وجه أرضهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها عليهم ﴿ وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ﴾ قال: على أهل بواديهم، وعلى رعاثهم، وعلى مسافرهم فلم يبق منهم أحد.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما رأى إبراهيم أنه لا تصل إلى العجل أيديهم نكرهم وخافهم، وإنما كان خوف إبراهيم أنهم كانوا في ذلك الزمان إذا هم أحدهم بأمر سوء لم يأكل عنده يقول: إذا أكرمت بطعامه حرم عليّ أذاه، فخاف إبراهيم أن يريدوا به سوءاً، فاضطربت مفاصله، وامرأته سارة قائمة تخدمهم، وكان إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة لتخدمهم، فضحكت سارة وإنما ضحكت انها قالت: يا إبراهيم وما تخاف أنهم ثلاثة نفر وأنت وأهلك وغلمانك؟

قال لها جبريل: أيتها الضاحكة أما أنك ستلدين غلاماً يقال له إسحاق، ومن ورائه غلام يقال له يعقوب ﴿ فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها ﴾ فأقبلت والهة تقول: واويلتاه.

..

!

ووضعت يدها على وجهها استحياء.

فذلك قوله: ﴿ فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ﴾ قال: لما بشر إبراهيم بقول الله: ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ﴾ باسحاق ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ وإنما كان جداله أنه قال: يا جبريل أين تريدون، وإلى من بعثتم؟

قال: إلى قوم لوط وقد أمرنا بعذابهم.

فقال إبراهيم ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ﴾ [ العنكبوت: 32] وكانت فيما زعموا تسمى والقة فقال إبراهيم: إن كان فيهم مائة مؤمن تعذبونهم؟

قال جبريل: لا.

قال: فإن كان فيهم تسعون مؤمنون تعذبونهم؟

قال جبريل: لا، قال: فإن كان فيهم ثمانون مؤمنون تعذبونهم؟

قال جبريل: لا، حتى انتهى في العدد إلى واحد مؤمن؟

قال جبريل: لا، فلما لم يذكروا لإِبراهيم أن فيها مؤمناً واحداً قال: ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ﴾ [ العنكبوت: 32] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن وهب بن منبه رضي الله عنه.

أن إبراهيم عليه السلام حين أخرجه قومه بعدما ألقوه في النار خرج بامرأته سارة ومعه أخوها لوط وهما ابنا أخيه، فتوجها إلى أرض الشام ثم بلغوا مصر، وكانت سارة رضي الله عنها من أجمل الناس، فلما دخلت مصر تحدث الناس بجمالها وعجبوا له حتى بلغ ذلك الملك، فدعا ببعلها وسأله ما هو منها فخاف إن قال له زوجها أن يقتله، فقال: أنا أخوها.

فقال: زوجنيها.

فكان على ذلك حتى بات ليلة، فجاءه حلم فخنقه وخوّفه، فكان هو وأهله في خوف وهول حتى علم أنه قد أتى من قبلها، فدعا إبراهيم فقال: ما حملك على أن تَغُرَّني زعمت أنها أختك؟

فقال: إني خفت إن ذكرت أنها زوجتي أن يصيبني منك ما أكره، فوهب لها هاجر أم إسماعيل وحملهم وجهزهم حتى استقر قرارهم على جبل إيليا، فكانوا بها حتى كثرت أموالهم ومعايشهم، فكان بين رعاء إبراهيم ورعاء لوط جوار وقتال: فقال لوط لابراهيم: إن هؤلاء الرعاء قد فسد ما بينهم وكانت تضيق فيهم المراعي، ونخاف أن لا تحملنا هذه الأرض فإن أحببت أن أخف عنك خففت.

قال إبراهيم: ما شئت إن شئت فانتقل منها وإن شئت انتقلت منك.

قال لوط عليه السلام: لا بل أنا أحق أن أخف عنك.

ففر بأهله وماله إلى سهل الأردن، فكان بها حتى أغار عليه أهل فلسطين فسبوا أهله وماله.

فبلغ ذلك إبراهيم عليه السلام فأغار عليهم بما كان عنده من أهله ورقيقه، وكان عددهم زيادة على ثلاثمائة من كان مع إبراهيم، فاستنقذ من أهل فلسطين من كان معهم من أهل لوط حتى ردهم إلى قرارهم، ثم انصرف إبراهيم إلى مكانه وكان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوم قد استغنوا عن النساء بالرجال، فلما رأى الله كان عند ذلك بعث الملائكة ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم فلما رآهم راعه هيئتهم وجمالهم فسلموا عليه وجلسوا إليه، فقام ليقرب إليهم قِرىً فقالوا: مكانك.

قال: بل دعوني آتيكم بما ينبغي لكم فإن لكم حقاً لم يأتنا أحد أحق بالكرامة منكم، فأمر بعجل سمين فحنذ له- يعني شوي لهم- فقرب إليهم الطعام ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ﴾ وسارة رضي الله عنها وراء الباب تسمع ﴿ قالوا لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم ﴾ مبارك فبشر به امرأته سارة فضحكت وعجبت كيف يكون له مني ولد وأنا عجوز وهذا شيخ كبير...

!

﴿ قالوا أتعجبين من أمر الله ﴾ فإنه قادر على ما يشاء، وقد وهبه الله لكم فابشروا به.

فقاموا وقام معهم إبراهيم عليه السلام فمشوا معاً، وسألهم قال: أخبروني لم بعثتم وما دخل بكم؟

قالوا: إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء وقد استغنوا بالرجال عن النساء.

قال إبراهيم: إن فيها قوماً صالحين فكيف يصيبهم من العذاب ما يصيب أهل عمل السوء؟

قالوا: وكم فيها؟

قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون رجلاً صالحاً.

قالوا: إذن لا نعذبهم.

قال: إن كان فيهم أربعون؟

قالوا: إذن لا نعذبهم.

فلم يزل ينقص حتى بلغ إلى عشرة، ثم قال: فأهل بيت؟

قالوا: فإن كان فيها بيت صالح.

قال: فلوط وأهل بيته؟

قالوا: إن امرأته هواها معهم فكيف يصرف عن أهل قرية لم يتم فيها أهل بيت صالحين.

فلما يئس منهم إبراهيم عليه السلام انصرف وذهبوا إلى أهل سدوم، فدخلوا على لوط عليه السلام، فلما رأتهم امرأته أعجبها هيئتهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قوم لم ير قط أحسن منهم ولا أجمل.

فتسامعوا بذلك فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران، فلقيهم لوط عليه السلام فقال: يا قوم لا تفضحوني في بيتي وأنا أزوجكم بناتي فهن أطهر لكم.

قالوا: لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانك ولكن لا بد لنا من هؤلاء القوم الذين نزلوا بك فخل بيننا وبينهم واسلم منا، فضاق به الأمر ف ﴿ قال لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فوجد عليه الرسل في هذه الكلمة فقالوا: إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، ومسح أحدهم أعينهم بجناحه فطمس أبصارهم فقالوا: سحرنا انصرف بنا حتى ترجع إليهم تغشاهم الليل، فكان من أمرهم ما قص الله في القرآن، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، ثم حمل قراهم فقلبها عليهم، ونزلت حجارة من السماء فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا، فأهلكهم الله تعالى ونجا لوط وأهله إلا امرأته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي يزيد البصري رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ قال: لم ير لهم أيدياً فنكرهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ نكرهم ﴾ الآية قال: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنه يحدث نفسه بشر، ثم حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه فضحكت امرأته.

وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: لما تضيفت الملائكة عليهم السلام إبراهيم عليه السلام قدم لهم العجل فقالوا: لا نأكله إلا بثمن.

قال: فكلوا وأدوا ثمنه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم.

قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: لهذا اتخذك الله خليلاً.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما بعث الله الملائكة عليهم السلام لتهلك قوم لوط أقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم عليه السلام فضيفوه، فلما رآهم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف، فهو الحنيذ وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة رضي الله عنها تخدمهم، فذلك حين يقول ﴿ وامرأته قائمة ﴾ وهو جالس في قراءة ابن مسعود ﴿ فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون ﴾ ؟

قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن.

قال: فإن لهذا ثمناً.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدونه على آخر.

فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً.

فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تصل إليه يقول: لا يأكلون، فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت، وقالت: عجباً لاضيافنا هؤلاء انا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا.

!

قال لها جبريل: ابشري بولد اسمه إسحق، ومن وراء إسحاق يعقوب.

فضربت وجهها عجباً فذلك قوله: ﴿ فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قالت سارة رضي الله عنها: ما آية ذلك؟

فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر.

فقال إبراهيم عليه السلام: هو لله إذن ذبيحاً.

وأخرج ابن المنذر عن المغيرة رضي الله عنه قال: في مصحف ابن مسعود ﴿ وامرأته قائمة وهو جالس ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وامرأته قائمة ﴾ قال: في خدمة أضياف إبراهيم عليه السلام.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه، فضحكت امرأته تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فضحكت ﴾ قال: فحاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فضحكت ﴾ قال: حاضت وكانت ابنة بضع وتسعين سنة، وكان إبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فضحكت ﴾ قال: حاضت.

قال الشاعر: إني لآتي العرس عند طهورها ** وأهجرها يوماً إذا هي ضاحك وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال: كان اسم سارة يسارة فلما قال لها جبريل عليه السلام: يا سارة.

قالت: إن اسمي يسارة فكيف تسمينني سارة؟

قال الضحاك: يسارة العاقر التي لا تلد، وسارة الطالق الرحم التي تلد.

فقال لها جبريل عليه السلام: كنت يسارة لا تحملين فصرت سارة تحملين الولد وترضعينه.

فقالت سارة رضي الله عنها: يا جبريل نقصت اسمي قال جبريل: إن الله قد وعدك بأن يجعل هذا الحرف في اسم ولد من ولدك في آخر الزمان، وذلك أن اسمه عند الله حي فسماه يحيى.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان حسن سارة رضي الله عنها حسن حواء عليها السلام.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن سارة بنت ملك من الملوك، وكانت قد أوتيت حسناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: هو ولد الولد.

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن حسان بن أبحر قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل من هذيل فقال له ابن عباس: ما فعل فلان؟

قال: مات، وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء.

فقال ابن عباس: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد.

وأخرج ابن الأنباري عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ضمرة بن حبيب.

أن سارة لما بشرها الرسل بإسحق قال: بينا هي تمشي وتحدثهم حين أتت بالحيضة، فحاضت قبل أن تحمل بإسحق، فكان من قولها للرسل حين بشروها: قد كنت شابة وكان إبراهيم شاباً فلم أحبل فحين كبرت وكبر أألد؟

قالوا: أتعجبين من ذلك يا سارة، فإن الله قد صنع بكم ما هو أعظم من ذلك، إن الله قد جعل رحمته وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد.

وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ﴾ قال: وهي يومئذ ابنة سبعين، وهو يومئذ ابن تسعين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ بعلي ﴾ قال: زوجي.

وأخرج أبو الشيخ عن ضرار بن مرة عن شيخ من أهل المسجد قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن علي رضي الله عنه قال: قالت سارة رضي الله عنها لما بشرتها الملائكة عليهم السلام ﴿ يا ويلتاه أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب ﴾ فقالت الملائكة ترد على سارة ﴿ أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قال: فهو كقوله: ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ [ الزخرف: 28] بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله من عقب إبراهيم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله: ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قال: كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فسلم عليه، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته.

فقال ابن عباس: انته إلى ما انتهيت إليه الملائكة، ثم تلا ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة رضي الله عنها فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته، فقال ابن عباس: انتهوا بالتحية إلى ما قال الله: ﴿ ورحمة الله وبركاته ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما، فجاء سائل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته وصلواته.

فقال ابن عباس: ما هذا السلام، وغضب حتى احمرت وجنتاه، إن الله حد للسلام حداً ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك، ثم قرأ ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما.

أن رجلاً قال له: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته.

فانتهره ابن عمر وقال: حسبك إذا انتهيت إلى وبركاته إلى ما قال الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ ، قال ابن عباس (١) قوله تعالى: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون هذا دعاء من الملائكة لهم بالرحمة والبركة، ويحتمل أن يكون إخبارًا عن ثبوت ذلك لهم فيكون تذكيرًا بالنعمة عليهم، قال المفسرون (٢) وقوله تعالى: ﴿ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾ يعني: بيت إبراهيم، قالوا: وفي هذا دليل على أن أزواج النبي  من أهل بيته تكذيبًا لمن أنكر ذلك؛ لأن الملائكة خاطبوا سارة بأهل البيت، وسموها أهل بيت إبراهيم.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ ﴾ ، الحميد الذي تحمد فعالُه، وهو بمعنى المحمود، والله تعالى الحميد المحمود والمستحمد إلى عباده، والمجيد: الماجد وهو ذو الشرف والكرم، يقال مجد الرجل يمجد مجدًا ومجادة، ومجُد يمجُد لغتان.

قال الحسن والكلبي (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) تزيد على صواحبها وليست ...

بماجدة الطعام ولا الشراب أي: ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب، وقال الليث (١٠) (١١) (١٢) (١) قال به الطبري 12/ 77، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.

(٢) "زاد المسير" 4/ 133.

(٣) البغوي 4/ 190، "تنوير المقباس" ص 143.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 308.

(٥) "تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.

(٦) "تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.

(٧) "تهذيب اللغة" (مجد) 5/ 3344، وهو النضر بن شميل.

(٨) "تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.

(٩) أبو حية النميري هو: الهيثم بن الربيع بن كثير، من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، شاعر مجيد متقدم، يروي عن الفرزدق وكان كذابًا بخيلاً.

توفي سنة 183هـ.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 522، "الأغاني" 12/ 61.

والبيت قاله في وصف امرأة.

"ديوانه" ص 123، وانظر: "البحر المحيط" 5/ 237، "الدر المصون" 6/ 359، "اللسان" (مجد) 4/ 3345.

(١٠) "تهذيب اللغة" (مجد) 10/ 683.

(١١) هما شجرتان في الحجاز يستوقد منهما النار.

والمثل هو (في كل الشجر نار، واستمجد المرخ والعفار) أي: استكثرا من النار فصلحا للاقتداء بهما، شبها بمن يكثر من االعطاء طلبًا للمجد، "تهذيب اللغة" 4/ 3345.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وامرأته قَآئِمَةٌ ﴾ قيل: قائمة خلف الستر، وقيل: قائمة في الصلاة، وقيل: قائمة تخدم القوم، واسمها سارة ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ قيل: معناه حاضت، وهو ضعيف، وقال الجمهور: هو الضحك المعروف واختلفوا من أي شيء ضحكت، فقيل: سروراً بالولد الذي بشرت به؛ ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، وقيل: سروراً بالأمن بعد الخوف، وقيل: سروراً بهلاك قوم لوط ﴿ فبشرناها بإسحاق ﴾ أسند البشارة إلى ضمير الله تعالى، لأنها كانت بأمره ﴿ وَمِن وَرَآءِ إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ أي من بعده وهو ولده، وقيل: الوراء ولد الولد ويعقوب بالرفع مبتدأ، وبالفتح معطوف على إسحاق ﴿ قَالَتْ ياويلتى ﴾ الألف فيه مبدلة من المتكلم، كذلك في يا لهفي ويا أسفي ويا عجباً، ومعناه التعجب من الولادة، وروي أنها كانت حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم، ابن مائة سنة ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ يحتمل الدعاء والخبر ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ أي أهل بيت إبراهيم، وهو منصوب بفعل مضمر على الاختصاص، أو منادى ﴿ حَمِيدٌ ﴾ أي محمود ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ من المجد وهو العلو والشرف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فطرني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي ﴿ إني أشهد ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

﴿ فإن تولوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم: الخزاز عن هبيرة.

الباقون بالرفع ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم وكذلك في "المعارج": أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس.

الآخرون بالجر.

﴿ ألا ان ثمود ﴾ غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الباقون بالتنوين والوقف بالألف.

﴿ لثمود ﴾ بالتنوين في الوصل: علي.

الوقوف: ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ مفترون ﴾ ه ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ فطرني ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ بسوء ﴾ ط ﴿ تشركون ﴾ ه لا ﴿ لا تنظرون ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ بناصيتها ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ به إليكم ﴾ ط للاستئناف إلا لمن قرأ ﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم ﴿ غيركم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ منا ﴾ ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم ﴿ غليظ ﴾ ه ط ﴿ عنيد ﴾ ه ﴿ ويوم القيامة ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ هود ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ م لما مر في "الأعراف".

﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ مجيب ﴾ ه ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ تخسير ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ أيام ﴾ ط ﴿ مكذوب ﴾ ط ﴿ يومئذٍ ﴾ ط ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا لكاف التشبيه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ لثمود ﴾ ه.

التفسير: قد مر في "الأعراف" تفسير قوله: ﴿ وإلى عاد ﴾ الآية.

ومعنى قوله: ﴿ إن أنتم إلا مفترون ﴾ أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس لها ولا شعور.

ثم قال مثل قول نوح ﴿ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً ﴾ لأن النصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من الله لا يكون من التهمة في شيء.

قيل: إنما قال في قصة نوح ﴿ مالاً ﴾ دون ﴿ أجراً ﴾ لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق.

وحذف الواو من ﴿ يا قوم ﴾ لأنه أراد الاستئناف أو البدل دون العطف.

﴿ ويا قو م استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ قد مر مثله في أول السورة.

وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا على أن لا تعودوا إلى مثله.

ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإِيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصاً على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم.

وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال.

وقيل في النكاح.

وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد.

والمدرار الكثير الدر كما مر في أول "الأنعام".

عن الحسن بن علي رضي الله عه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار.

فكان يكثر الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟

فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ وقول نوح ﴿ ويمددكم بأموال وبنين  ﴾ ثم قول هود ﴿ لا تتولوا ﴾ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه ﴿ مجرمين ﴾ مصرين على الإِجرام والآثام.

فجحدوا هوداً وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول الله  ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوانٍ آية من الآيات.

وقوله: ﴿ عن قولك ﴾ حال من الضمير كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ﴿ وما نحن لك بمؤمنين ﴾ لا يصدق مثلنا مثلك أبداً.

ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان يسب آلهتهم وذلك قولهم: ﴿ إن نقول إلا اعتراك ﴾ وإلا لغو أي ما نقول شيئاً إلا هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين.

والمراد أن الأصنام كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح.

وأشهدهم أيضاً وهذا كالتهاون وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: أشهد عليَّ أني لا أحبك تهكماً به.

وقد مر قوله: ﴿ فكيدوني ﴾ الآية في آخر سورة الأعراف.

وقوله: ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره.

قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو.

وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ دليل العدل.

والأشاعرة قالوا: معناه معنى.

﴿ إن ربك لبالمرصاد  ﴾ أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم ﴾ كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى.

والمراد فإن تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة.

وفي قوله: ﴿ ويستخلف ﴾ إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ينقص من ملكه شيئاً ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك ﴿ والذين آمنوا معه ﴾ قيل: كانوا أربعة آلاف ﴿ برحمة منا ﴾ أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ أطلق التنجية أوّلاً ثم قيدها على معنى وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً.

ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه.

ولما ذكر قصتهم خاطب محمداً وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: ﴿ وتلك عاد ﴾ فانظروا واعتبروا.

ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: ﴿ جحدوا بآيات ربهم ﴾ فلم يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود الواجب بالذات ﴿ وعصوا رسله ﴾ قيل: لم يرسل إليه إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان رسول واحد يتضمن عصيان كلهم ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله  ﴾ ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.

وفي تكرير "ألا" والنداء على كفرهم، والدعاء عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة.

وقوله: ﴿ قوم هود ﴾ عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عاداً عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إِرم.

قوله في قصة ثمود ﴿ هو أنشأكم ﴾ تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض.

وقيل: إن "من" بمعنى "في".

﴿ واستعمركم ﴾ من العمارة أي جعلكم عماراً للأرض، وأمركم بالعمارة.

فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من الظلم.

فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء.

وقيل: من العمرى.

ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.

أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنه أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه.

ومعنى كونه  قريباً قد مر في قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ وذلك في "البقرة" ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً ﴾ عن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا.

وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل وإصابة الرأي.

وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعيد ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا أنك من الأنصار والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟

ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره.

ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإِسناد المجازي واعلم أن قوله ﴿ وإنا لفي شك ﴾ بنون الوقاية ههنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: ﴿ وإنا ﴾ بغير نون الوقاية لقوله بعده: ﴿ تدعوننا  ﴾ على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرهاً.

فأجابهم هو بقوله: ﴿ إن كنت على بينة ﴾ الآية.

وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا أني على بينة ﴿ من ربي ﴾ وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله ﴿ إن عصيته ﴾ في أوامره ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون.

والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين.

﴿ ويا قوم هذه ناقة الله ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف".

ومعنى ﴿ عذاب قريب ﴾ عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و ﴿ غير مكذوب ﴾ من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف.

وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به.

قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بالفاء.

وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب ههنا بدليل قوله: ﴿ عذاب قريب ﴾ ومثله في قصة لوط لقوله: ﴿ أليس الصبح بقريب  ﴾ وأما في قصة هود فإنه قال: ﴿ ويستخلف ﴾ بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب ﴿ سوف تعلمون من يأتيه ﴾ بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسباً.

واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: ﴿ ولما جهزهم  ﴾ بالواو أوّلاً لأن التعقيب لم يكن مراداً ثم قال: ﴿ فلما جهزهم  ﴾ لمكان التعقيب والله أعلم.

قوله: ﴿ ومن خزي يومئذٍ ﴾ معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحاً ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ والمعنيان كما قلنا هناك.

والقراءتان في ﴿ يومئذٍ ﴾ لأن الظرف المضاف إلى "إذ" يجوز بناؤه على الفتح، والتنوين في "إذ" عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين ﴿ إن ربك هو القوي العزيز ﴾ القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في سحاب مع برق شديد محرق.

وإنما تصير الصيحة سبباً للهلاك لأن التموج الشديد في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض النفسانية أيضاً إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ إلى آخره.

شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في سورة الأعراف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً.

وقوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ : قد ذكرنا أيضاً أن الأخوة تتجه إلى وجوه ثلاثة: أخوة في الدين، وأخوة في الجنس، وأخوة في النسب [فهو لا يحتمل أن يكون أخاهم في الدين، لكنه يحتمل أن يكون أخاهم من الوجهين الآخرين في الجنس والنسب].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : إن الرسل صلوات الله عليهم جميعاً أول ما دعوا قومهم إنما دعوا إلى توحيد الله وجعل العبادة له؛ لأن غيره من العبادات إنما يقوم بالتوحيد، فكان أول ما دعاهم قومهم إليه لم يزل عادة الرسل وعملهم الدعاء إلى توحيد الله والعبادة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ : وقال بعض أهل التأويل: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: هو خلقكم من آدم وخلق آدم من الأرض، لكنه أضاف خلق الخلائق إليها؛ كما أضاف في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 189]، أخبر أنه خلقنا من نفسه، أي: آدم، وإن لم تكن أنفسنا منه؛ فعلى ذلك إضافته إيانا بالخلق من الأرض، وإن لم يخلق أنفسنا منها، أي: خلق أصلنا وأنشأه من الأرض، فأضاف إنشاءنا إلى ما أنشأ أصلنا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ أي: جعل نشأة الخلائق كلهم ونماءهم وحياتهم ومعاشهم بالخارج من الأرض؛ إذ به نشوءهم ونماؤهم وحياتهم وقوامهم منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: [أسكنكم فيها، وقال بعضهم: استخلفكم فيها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: جعلكم عمار الأرض تعمرونها لمعادكم ومعاشكم، جعل عمارة هذه الأرض إلى الخلق هم الذين يقومون بعمارتها وبنائها وأنواع الانتفاع بها، ويرجع كله إلى واحد.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ ﴾ ] أي: جعل عمركم طويلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : هذا قد ذكرنا فيما تقدم في قصة نوح، أي: كونوا بحال يغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ كأنه قال: فإن انتهوا عن الكفر يغفر لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ : لحفظ الخلائق أو قريب لمن أنعم عليهم وأمثاله، أو قريب إلى كل من يفزغ إليه، مجيب لدعاء كل داع استجاب له؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي...

﴾ الآية [البقرة: 186]؛ وكقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...

﴾ الآية [البقرة: 40].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ : قال بعضهم: قولهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنت ترحم الضعفاء وتعود المرضي ونحو ذلك من الكلام، فالساعة صرت على خلاف ذلك.

وقال بعضهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل هذا الذي تدعونا إليه، فالساعة صرت تشتم آلهتنا وتذكرها بعيب، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا، أي: ما كنا نعرف أن آباءنا عندك سفهاء من قبل هذا، فالساعة تسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام.

﴿ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ \[قالوا هذا؛ احتجاجاً لهم عليه فيما دعاهم إلى توحيد الله وعبادتهم إياه، فقالوا: إنا على يقين أن آباءنا قد عبدوا هذه الآلهة من غير شك فما تدعونا إليه مريب\] أي: يريبنا أمرك ودعاؤك لنا إلى هذا الدين.

قد قيل هذا، ولكنا لا نعلم ما كانوا يرجون فيه، وأما المعنى الذي قالوا له قد كنت فينا مرجوا سوى أنا نعلم أنه كان مرجوا فيهم بالعقل والدين والعلم والبصيرة ونحوه، فكان مرجوا فيهم بالأشياء التي ذكرنا.

هذا نعلمه ولا نعلم ما عنى أولئك بقولهم: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: إن كنت على حجة وبرهان وبيان من ربي فيما أدعوكم إلى توحيد الله وصرف العبادة إليه.

والثاني: قوله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: قد كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة يحتمل قوله: رحمة أي: آتاني هدى ونبوة من عنده.

﴿ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: من يمنعني من عذاب الله إن عصيته ورجعت إلى دينكم، أي: لا أحد ينصرني إن أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه، أي: لا أحد ينصرني دون الله لو أجبتكم وأطعتكم فيما دعوتموني إليه.

ثم الذي دعوه إليه يحتمل ترك تبليغ الرسالة إليهم، أو دعوه إلى عبادة الأصنام التي عبدوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: فما تزيدونني بمجادلتكم إياي فيما تجادلونني إلا خسراناً.

وقال بعضهم: فما تزدادون بمعصيتكم إياي إلا خسراناً لأنفسكم.

وقال القتبي: غير تخسير، أي: غير نقصان.

وقال أبو عوسجة: غير تخسير هو من الخسران، يقال: خسرته أي: ألزمته الخسران.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ : قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية على صدق صالح فيما ادعى من الرسالة، أو هذه ناقة الله لكم [فذروها تأكل في أرض الله، قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية]، أي: لكم آية التي سألتموها من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ ﴾ : أضاف إليه لخصوصية كانت فيها نحن لا نعرف ذلك، ليست تلك الخصوصية في غيرها من النوق؛ لما جعلها آية لرسالته ونبوته خارجة عما عاينوا من النوق وشاهدوها، وهكذا كانت آيات الرسل كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلم أنها سماوية.

ثم لا نعرف أية خصوصية كانت لها عظم جسمها وغلظ بدنها، حيث قسم الشرب بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويوماً لهم بقوله: ﴿ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ ، ولم يقسم مراعيها بينها وبينهم بقوله: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ ، وأما ما قاله بعض الناس: إنها خرجت من صخرة كذا، وأنها كانت تحلب كل يوم كذا وأشياء أخر ذكروها، فإنا لا نعرف ذلك ولا نقطع القول فيه أنه كان كذلك، سوى أنا نعرف أن لها كانت خصوصية ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق، ولو كانت لنا إلى تلك الخصوصية حاجة لبينتها لنا، وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيف جزئية الأشياء إلى الله  فهو على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه، وإذا أضيف إليه كلية الأشياء فهو على إرادة التعظيم لله والتبجيل له؛ نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ نهاهم أن يمسوها بسوء، ولم يبين ما ذلك السوء، فيحتمل أن يكون ذلك شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ أي: لا تعقروها فيأخذكم عذاب قريب، لما كان ذلك على أثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حيث قال: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ ، وما ذكر أيضاً أن وجوههم اصفرت في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، ثم نزل بهم العذاب في اليوم الرابع، فذلك أيضاً مما لا نعرفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ قيل: سريعاً لا تمهلون حتى تعذبوا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَعْدٌ ﴾ من الله ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ : ليس فيه كذب، وكان عذابهم إنما نزل على أثر سؤال الآية، سألوا ذلك فلما أن جاءهم بها كذبوها، فنزل بهم العذاب، وهكذا السنة في الأمم السالفة أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا بها نزل بهم العذاب، وهو قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الإسراء: 59]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء ما أمر به كما يقال: جاء وعد ربنا، أي: جاء موعود ربنا؛ لأن وعده وأمره لا يجيء، ولكن جاء ما أمر به ووعد به وهو العذاب، أو نقول: جاء أي أتى وقت وقوع ما أمر به ووعد، وهو العذاب الذي وعد وأمر به، والله أعلم.

﴿ نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : بنعمة منا أو بفضل منا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قيل: الخزي هو العذاب الذي يفضحهم، وقيل: كل عذاب فهو خزي، أي: نجاهم من خزي ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ قيل: القوي: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز هو الذي يذل من دونه، وقيل: القوي هو المنتقم المنتصر لأوليائه من أعدائه، والعزيز: هو المنيع في ملكه وسلطانه الذي لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ : قيل: عذابهم كان صيحة صاح بهم جبريل، وقيل: الصيحة الصاعقة وكل عذاب فهو صيحة، لكن لا ندري كيف كان، أو أن يكون عذابهم قدر صيحة لسرعة وقوعه بهم، أو يسمى ذلك العذاب صيحة لما رأوه ما يصيحون فيما بينهم أو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ : قال هاهنا: ديارهم، وقال في سورة الأعراف: دارهم، والقصة واحدة.

قال بعضهم: دارهم قراهم، وديارهم منازلهم، ولكن هو واحد أصبحوا جاثمين في دارهم ومنازلهم سواءٌ.

وقوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ قيل: خامدين موتى وأصل قوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ أي: منكبين على وجوههم، يقال: جثم الطائر إذا انكب على وجهه مخافة الصيد، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ قيل: كأن لم يعيشوا فيها، وقيل: كأن لم يسكنوا فيها، وقيل: كأن لم يعمروا فيها، وأصله أنهم صاروا كأن لم يكونوا فيها لما لا يذكرون بعد هلاكهم، فصاروا من حيث لا يذكرون كأن لم يكونوا، وأما الأخيار والأبرار فإنهم وإن ماتت أبدانهم وصارت كأن لم تكن ففي الذكر كأنهم أحياء حيث يذكرون بعد موتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ قيل: كفروا نعمة ربهم، أو كفروا بآيات ربهم، فذلك كله كفر بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ ﴾ \[أي: ألا بعداً لثمود\] من رحمة الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالت الملائكة لسارة لمَّا تعجبت من البشرى: أتعجبين من قضاء الله وقدره؟

فمثلك لا يخفى عليه أن الله قادر على مثل هذا، رحمة الله وبركاته عليكم -يا أهل بيت إبراهيم- إن الله حميد في صفاته وأفعاله، ذو مجد ورفعة.

<div class="verse-tafsir" id="91.VqavG"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر