الإسلام > القرآن > سور > سورة 111 المسد > الآية ٥ من سورة المسد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة المسد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
في جيدها حبل من مسد ) يعني : تحمل الحطب فتلقي على زوجها ، ليزداد على ما هو فيه ، وهي مهيأة لذلك مستعدة له .
( في جيدها حبل من مسد ) قال مجاهد وعروة : من مسد النار .
وعن مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والثوري ، والسدي : ( حمالة الحطب ) كانت تمشي بالنميمة ، [ واختاره ابن جرير ] .
وقال العوفي ، عن ابن عباس ، وعطية الجدلي ، والضحاك ، وابن زيد : كانت تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واختاره ابن جرير .
قال ابن جرير : وقيل : كانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر ، وكانت تحتطب ، فعيرت بذلك .
كذا حكاه ، ولم يعزه إلى أحد .
والصحيح الأول ، والله أعلم .
قال سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة فقالت : لأنفقنها في عداوة محمد يعني : فأعقبها الله بها حبلا في جيدها من مسد النار .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن سليم مولى الشعبي ، عن الشعبي قال : المسد : الليف .
وقال عروة بن الزبير : المسد : سلسلة ذرعها سبعون ذراعا .
وعن الثوري : هو قلادة من نار ، طولها سبعون ذراعا .
وقال الجوهري : المسد : الليف .
والمسد أيضا : حبل من ليف أو خوص ، وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها ، ومسدت الحبل أمسده مسدا : إذا أجدت فتله .
وقال مجاهد : ( في جيدها حبل من مسد ) أي : طوق من حديد ، ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا ؟
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي وأبو زرعة ، قالا : حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا الوليد بن كثير ، عن ابن تدرس ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : لما نزلت : ( تبت يدا أبي لهب ) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ، ولها ولولة ، وفي يدها فهر ، وهي تقول : مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر ، فلما رآها أبو بكر قال : يا رسول الله ، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها لن تراني " .
وقرأ قرآنا اعتصم به ، كما قال تعالى : ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) [ الإسراء : 45 ] .
فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا أبا بكر ، إني أخبرت أن صاحبك هجاني ؟
قال : لا ورب هذا البيت ما هجاك .
فولت وهي تقول : قد علمت قريش أني ابنة سيدها .
قال : وقال الوليد في حديثه أو غيره : فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت ، فقالت : تعس مذمم .
فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب : إني لحصان فما أكلم ، وثقاف فما أعلم ، وكلنا من بني العم ، وقريش بعد أعلم .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد وأحمد بن إسحاق ، قالا : حدثنا أبو أحمد ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( تبت يدا أبي لهب ) جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، ومعه أبو بكر .
فقال له أبو بكر : لو تنحيت لا تؤذيك بشيء .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه سيحال بيني وبينها " .
فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت : يا أبا بكر ، هجانا صاحبك .
فقال أبو بكر : لا ورب هذه البنية ما نطق بالشعر ولا يتفوه به .
فقالت : إنك لمصدق ، فلما ولت قال أبو بكر ، رضي الله عنه : ما رأتك ؟
قال : " لا ، ما زال ملك يسترني حتى ولت " .
ثم قال البزار : لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد ، عن أبي بكر ، رضي الله عنه .
وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى : ( في جيدها حبل من مسد ) أي : في عنقها حبل في نار [ جهنم ] ترفع به إلى شفيرها ، ثم يرمى بها إلى أسفلها ، ثم كذلك دائما .
قال أبو الخطاب بن دحية في كتابه التنوير - وقد روى ذلك - وعبر بالمسد عن حبل الدلو ، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب " النبات " : كل مسد : رشاء ، وأنشد في ذلك : وبكرة ومحورا صرارا ومسدا من أبق مغارا قال : والأبق : القنب .
وقال الآخر : يا مسد الخوص تعوذ مني إن تك لدنا لينا فإني ما شئت من أشمط مقسئن قال العلماء : وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة ، فإنه منذ نزل قوله تعالى : ( سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ) فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان ، لم يقيض لهما أن يؤمنا ، ولا واحد منهما لا ظاهرا ولا باطنا ، لا مسرا ولا معلنا ، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة .
[ آخر تفسير " تبت " ولله الحمد والمنة ]
وقوله ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) يقول في عنقها; والعرب تسمي العنق جيدا ; ومنه قول ذي الرمة: فعَيْنَــاكِ عَيْناهــا وَلَـوْنُكِ لَوْنُهـا وجِــيدُكِ إلا أنَّهَــا غَـيْرُ عَـاطِلِ (3) وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ ) قال: في رقبتها.
وقوله: ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) اختلف أهل التأويل في ذلك, فقال بعضهم: هي حبال تكون بمكة.
* ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: حبل من شجر, وهو الحبل الذي كانت تحتطب به.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, &; عن ابن عباس ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: هي حبال تكون بمكة; ويقال: المَسَد: العصا التي تكون في البكرة, ويقال المَسَد: قلادة من وَدَع.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: في قوله: ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: حبال من شجر تنبت في اليمن لها مسد, وكانت تفتل; وقال ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) : حبل من نار في رقبتها.
وقال آخرون: المسد: الليف.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن السدي, عن يزيد, عن عروة ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: سلسلة من حديد, ذرعها سبعون ذراعا.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن السدي, عن رجل يقال له يزيد, عن عروة بن الزبير ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: سلسلة ذرعها سبعون ذراعا.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن يزيد, عن عروة بن الزبير ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: سلسلة ذرعها سبعون ذراعا.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن أبيه, عن الأعمش, عن مجاهد ( مِنْ مَسَدٍ ) قال: من حديد.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: حبل في عنقها في النار مثل طوق طوله سبعون ذراعا.
وقال آخرون: المَسَد: الحديد الذي يكون في البَكرة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: الحديدة تكون في البكرة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: عود البكرة من حديد.
حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: الحديدة للبكرة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: ثنا المعمر بن سليمان, قال: قال أبو المعتمر: زعم محمد أن عكرمة قال: ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) إنه الحديدة التي في وسط البكرة.
وقال آخرون: هو قلادة من ودع في عنقها.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: قلادة من ودع.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) قال: قلادة من ودع.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب, قول من قال: هو حبل جُمع من أنواع مختلفة, ولذلك اختلف أهل التأويل في تأويله على النحو الذي ذكرنا, ومما يدلّ على صحة ما قلنا في ذلك قول الراجز: وَمَسَـــدٍ أُمِـــرَّ مِــنْ أيــانِقِ صُهْــبٍ عِتــاقٍ ذاتِ مُـخ زَاهِـق (4) فجعل إمراره من شتى, وكذلك المسد الذي في جيد امرأة أبي لهب, أمِرَّ من أشياء شتى, من ليف وحديد ولحاء, وجعل في عنقها طوقا كالقلادة من ودع; ومنه قول الأعشى: تُمْسِـي فَيَصْـرِفُ بَابَهـا مِـنْ دُونِنَـا غَلْقًــا صَــرِيفَ مَحَالَـةَ الأمْسَـادِ (5) يعني بالأمساد: جمع مَسَد, وهي الجبال.
آخر تفسير سورة تبت -------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) في خلاصة الخزرجي : سعيد بن مينا ، بكسر الميم ، ومد النون : مولى أبي ذباب ...
وثقه ابن معين وأبو حاتم .
(2) لعله يقصد بقوله : " وحمالة الحطب نكرة " أنها إضافة لفظية لا معنوية ، فهي في حكم النكرة .
(3) البيت لذي الرمة غيلان ( ديوانه 495 ) وقد استشهد به المؤلف على أن العرب تسمي العنق جيدا ، كما في بيت ذي الرمة .
والعاطل : التي لا حُلِيَّ عليها .
(4) البيتان : لعمارة بن طارق وهما من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( مصورة الجامعة 26390 عن مخطوطة مراد منلا بالآستانة ) قال : { حبل من مسد } من النار ، والمسد عند العرب : حبال تكون من ضروب .
قال : " ومسد أمر ...
" البيتين .
وفي ( اللسان : مسد ) قال : المسد ، بالتحريك : الليف .
وقال ابن سيده : المسد : حبل من ليف ، أو خوص ، أو شعر ، أو وبر ، أو صوف ، أو جلود الإبل ، أو جلود ، أو من شيء كان ، قال : وقد يكون من جلود الإبل ، أو من أوبارها .
وأنشد الأصمعي لعمارة بن طارق ، وقال أبو عبيدة : هو لعقبة الهجيمي : فـأعْجَلْ بِغَـرْبٍ مثْـلِ غَـرْبِ طارِقِ وَمَسَـــدٍ أُمِـــرَّ مِــنْ أيــانِقِ ليسَ بأنْيَــــابٍ وَلا حَقــــائِقِ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قال : يقول : اعْجَل بدلو مثل دلو طارق ، ومسد فتل من أيانق .
وأيانق : جمع أينُق ، وأينُق جمع ناقة .
والأنياب : جمع ناب ، وهي الهرمة ، والحقائق : جمع حقة ( بالكسر ) وهي التي دخلت في السنة الرابعة ، وليس جلدها بالقوى .
يريد ليس جلدها من الصغير ولا الكبير ، بل هو من جلد ثنية ، أو رباعية ، أو سديس ، أو بازل ؛ وخص به أبو عبيد الحبل من الليف .
وقيل : هو الحبل المضفور ، المحكم الفتل ، من جميع ذلك .
وقال الزجاج في قوله عز وجل : { في جيدها حبل من مسد } جاء في التفسير ؛ أنها سلسلة طولها سبعون ذراعا ، يسلك بها في النار .
والجمع : أمساد ، ومساد .
وانظر ( اللسان : مسد ) ، ففيه أقوال كثيرة أخرى في الآية .
(5) البيت من قصيدة لأعشى بني قيس بن ثعلبة في الفخر ( ديوانه 129 ) .
وقبله مباشرة : فــانْهَيْ خيــالَكِ أنْ يَـزُورَ فإنَّـهُ فــي كـلّ مَنزِلـةٍ يَعُـودُ وِسـادِي قال الدكتور محمد حسين شارح الديوان : المنزل والمنزلة ، مكان الإقامة .
والصريف : صوت الباب والأسنان والبكرة حين تدور .
المحالة : البكرة .
الأمساد : الحبال ، جمع مسد ( بفتحتين .
يشبه صوت الباب حين تغلقه من خلفها في المساء بصوت البكرة حين تدور على البئر ) .
ا هـ .
قوله تعالى : في جيدها حبل من مسد قوله تعالى : في جيدها أي عنقها .
وقال امرؤ القيس :وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطلحبل من مسد أي من ليف ؛ قال النابغة :مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسدوقال آخر :يا مسد الخوص تعوذ مني إن كنت لدنا لينا فإنيما شئت من أشمط مقسئنوقد يكون من جلود الإبل ، أو من أوبارها ؛ قال الشاعر :ومسد أمر من أيانق لسن بأنياب ولا حقائقوجمع الجيد أجياد ، والمسد أمساد .
أبو عبيدة : هو حبل يكون من صوف .
قال الحسن : هي حبال من شجر تنبت باليمن تسمى المسد ، وكانت تفتل .
قال الضحاك وغيره : هذا في الدنيا ؛ فكانت تعير النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في جيدها من ليف ، فخنقها الله جل وعز به فأهلكها ؛ وهو في الآخرة حبل من نار .
وقال ابن عباس في رواية أبي [ ص: 216 ] صالح : في جيدها حبل من مسد قال : سلسلة ذرعها سبعون ذراعا - وقاله مجاهد وعروة بن الزبير : تدخل من فيها ، وتخرج من أسفلها ، ويلوى سائرها على عنقها .
وقال قتادة : حبل من مسد قال : قلادة من ودع .
الودع : خرز بيض تخرج من البحر ، تتفاوت في الصغر والكبر .
قال الشاعر :والحلم حلم صبي يمرث الودعهوالجمع : ودعات .
الحسن : إنما كان خرزا في عنقها .
سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة من جوهر ، فقالت : واللات والعزى لأنفقتها في عداوة محمد .
ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة .
وقيل : إن ذلك إشارة إلى الخذلان ؛ يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء ، كالمربوط في جيده بحبل من مسد .
والمسد : الفتل .
يقال : مسد حبله يمسده مسدا ؛ أي أجاد فتله .
قال :يمسد أعلى لحمه ويأرمهيقول : إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار ويشده .
ودابة ممسودة الخلق : إذا كانت شديدة الأسر .
قال الشاعر :ومسد أمر من أيانق صهب عتاق ذات مخ زاهقلسن بأنياب ولا حقائقويروى :ولا ضعاف مخهن زاهققال الفراء : هو مرفوع والشعر مكفأ .
يقول : بل مخهن مكتنز ؛ رفعه على الابتداء .
قال : ولا يجوز أن يريد ولا ضعاف زاهق مخهن .
كما لا يجوز أن تقول : مررت برجل أبوه قائم ؛ بالخفض .
وقال غيره : الزاهق هنا : بمعنى الذاهب كأنه قال : ولا ضعاف مخهن ، ثم رد الزاهق على الضعاف .
ورجل ممسود : أي مجدول الخلق .
وجارية حسنة المسد والعصب والجدل والأرم ؛ وهي ممسودة ومعصوبة ومجدولة ومأرومة .
والمساد ، على فعال : لغة في المساب ، وهي نحي السمن ، وسقاء العسل .
قال جميعه الجوهري .
وقد اعترض فقيل : إن كان ذلك حبلها الذي تحتطب به ، فكيف يبقى في النار ؟
وأجيب عنه بأن الله - عز وجل - قادر على تجديده كلما احترق .
والحكم ببقاء أبي لهب وامرأته في النار مشروط [ ص: 217 ] ببقائهما على الكفر إلى الموافاة ؛ فلما ماتا على الكفر صدق الإخبار عنهما .
ففيه معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - .
فامرأته خنقها الله بحبلها ، وأبو لهب رماه الله بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال ، بعد أن شجته أم الفضل .
وذلك أنه لما قدم الحيسمان مكة يخبر خبر بدر ؛ قال له أبو لهب : أخبرني خبر الناس .
قال : نعم ، والله ما هو إلا أن لقينا القوم ، فمنحناهم أكتافنا ، يضعون السلاح منا حيث شاءوا ، ومع ذلك ما لمست الناس .
لقينا رجالا بيضا على خيل بلق ، لا والله ما تبقي منا ؛ يقول : ما تبقي شيئا .
قال أبو رافع : وكنت غلاما للعباس أنحت الأقداح في صفة زمزم ، وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، فرفعت طنب الحجرة ، فقلت : تلك والله الملائكة .
قال : فرفع أبو لهب يده ، فضرب وجهي ضربة منكرة ، وثاورته ، وكنت رجلا ضعيفا ، فاحتملني ، فضرب بي الأرض ، وبرك على صدري يضربني .
وتقدمت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة ، فتأخذه وتقول : استضعفته أن غاب عنه سيده !
وتضربه بالعمود على رأسه فتفلقه شجة منكرة .
فقام يجر رجليه ذليلا ، ورماه الله بالعدسة ، فمات ، وأقام ثلاثة أيام يدفن حتى أنتن ؛ ثم إن ولده غسلوه بالماء ، قذفا من بعيد ، مخافة عدوى العدسة .
وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون .
ثم احتملوه إلى أعلى مكة ، فأسندوه إلى جدار ، ثم رضموا عليه الحجارة .
وتجمع على ظهرها من الأوزار بمنزلة من يجمع حطبًا، قد أعد له في عنقه حبلًا { مِنْ مَسَدٍ } أي: من ليف.أو أنها تحمل في النار الحطب على زوجها، متقلدة في عنقها حبلًا من مسد، وعلى كل، ففي هذه السورة، آية باهرة من آيات الله، فإن الله أنزل هذه السورة، وأبو لهب وامرأته لم يهلكا، وأخبر أنهما سيعذبان في النار ولا بد، ومن لازم ذلك أنهما لا يسلمان، فوقع كما أخبر عالم الغيب والشهادة.
( في جيدها ) في عنقها ، وجمعه أجياد ، ( حبل من مسد ) واختلفوا فيه ، قال ابن عباس ، وعروة بن الزبير : سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا ، تدخل في فيها وتخرج من دبرها ، ويكون سائرها في عنقها ، وأصله من " المسد " وهو الفتل ، و " المسد " ما فتل وأحكم من أي شيء كان ، يعني : السلسلة التي في عنقها ففتلت من الحديد فتلا محكما .
وروى الأعمش عن مجاهد : " من مسد " أي من حديد ، والمسد : الحديدة التي تكون في البكرة ، يقال لها المحور .
وقال الشعبي ومقاتل : من ليف .
قال الضحاك وغيره : في الدنيا من ليف ، وفي الآخرة من نار .
وذلك الليف هو الحبل الذي كانت تحتطب به ، فبينما هي ذات يوم حاملة حزمة فأعيت فقعدت على حجر تستريح فأتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها .
قال ابن زيد : حبل من شجر ينبت باليمن يقال له مسد .
قال قتادة : قلادة من ودع وقال الحسن : كانت خرزات في عنقها [ فاخرة ] وقال سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة في عنقها فاخرة ، فقالت : لأنفقنها في عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
«في جيدها» عنقها «حبل من مسد» أي ليف وهذه الجملة حال من حمالة الحطب الذي هو نعت لامرأته أو خبر مبتدأ مقدر.
في عنقها حبل محكم الفَتْلِ مِن ليف شديد خشن، تُرْفَع به في نار جهنم، ثم تُرْمى إلى أسفلها.
وقوله - سبحانه - : ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ) زيادة فى تبشيع صورتها ، وتحقير هيئتها .والجيد : العنق ، والمسد : الليف المتين الذى فتل بشدة ، يقال : حبل ممسود ، أى مفتول فتلا قويا .والمعنى : سيصلى أبو لهب نارا شديدة ، وستصلى معه امرأته التى تضع الشوك فى طريق النبى صلى الله عليه وسلم هذه النار المشتعلة - أيضا - ، وسيزيد الله - تعالى - فى إذلالها وتحقيرها ، بأن يأمر ملائكته بأن تضع فى عنقها حبلا مفتولا فتلا قويا ، على سبيل الإِذلال والإِهانة لها ، لأنها كانت فى الدنيا تزعم أنها من بنات الأشراف الأكابر .روى عن سعيد بن المسيب أنه قال : كان لها قلادة ثمينة فقالت : لأبيعنها ولأنفقن ثمنها فى عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فأبدلها الله عنها حبلا فى جيدها من مسد النار .والذى يتأمل هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة وأبلغ المعجزات الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، فإن الله - تعالى - قد أخبر بشقاء أبى لهب وامرأته ، وأنهما سيصليان نارا ذات لهب .
.
وقد علما بما جاء فى هذه السورة من عقاب الله لهما .
.
ومع ذلك فقد بقيا على كفرهما حتى فارقا الحياة ، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد ، ولو فى الظاهر - فثبت أن هذا القرآن من عند الله ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل - .نسأل الله - تعالى - أن يلحقنا بعباده الصالحين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
قال الواحدي: المسد في كلام العرب الفتل، يقال مسد الحبل يمسده مسداً إذا أجاد فتله، ورجل ممسود إذا كان مجدول الخلق، والمسد ما مسد أي فتل من أي شيء كان، فيقال لما فتل من جلود الإبل، ومن الليف والخوص مسد.
ولما فتل من الحديد أيضاً مسد، إذا عرفت هذا فنقول ذكر المفسرون وجوهاً أحدها: في جيدها حبل مما مسد من الحبال لأنها كانت تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون، والمقصود بيان خساستها تشبيهاً لها بالحطابات إيذاء لها ولزوجها.
وثانيها: أن يكون المعنى أن حالها يكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل الحزمة من الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم وفي جيدها حبل من سلاسل النار.
فإن قيل: الحبل المتخذ من المسد كيف يبقى أبداً في النار؟
قلنا: كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبداً في النار، ومنهم من قال: ذلك المسد يكون من الحديد، وظن من ظن أن المسد لا يكون من الحديد خطأ، لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد أو من غيره، والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.
التباب: الهلاك.
ومنه قولهم: أشابة أم تابة؟
أي: هالكة من الهرم والتعجيز.
والمعنى: هلكت يداه، لأنه فيما يروى: أخذ حجراً ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَتَبَّ ﴾ وهلك كله.
أو جعلت يداه هالكتين.
والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ [الحج: 10] ومعنى: ﴿ وَتَبَّ ﴾ : وكان ذلك وحصل، كقوله: جَزَانِي جَزَاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزَائِه ** جَزَاءَ الْكلاَبِ الْعَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَلْ ويدلّ عليه قراءة ابن مسعود: ﴿ وقد تب ﴾ وروي: أنه لما نزل ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ [الشعراء: 214] رقى الصفا وقال: يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب.
فقال: «يا بني عبد المطلب، با بني فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقيَّ» ؟
قالوا: نعم؛ قال: «فإني نذير لكم بين يدي الساعة» ؛ فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا؟
فنزلت.
فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمة؟
قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهراً بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفاً بأحدهما، ولذلك تجري الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء، وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ ﴿ يدا أبو لهب ﴾ ، كما قيل: علي بن أبو طالب.
ومعاوية بن أبو سفيان؛ لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله- بالجرّ، والآخر عبد الله بالنصب.
كان بمكة رجل يقال له: عبد الله- بجرّة الدال، لا يعرف إلاّ هكذا.
والثاني: أنه كان اسمه عبد العزّى، فعدّل عنه إلى كنيته.
والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته؛ فكان جديراً بأن يذكر بها.
ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير.
وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا المهلب: أبا صفرة، بصفرة في وجهه.
وقيل: كنى بذلك لتهلب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكماً به، وبافتخاره بذلك.
وقرئ: ﴿ أبي لهب ﴾ بالسكون.
وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم ﴿ مَا أغنى ﴾ استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفي ﴿ وَمَا كَسَبَ ﴾ مرفوع.
وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه.
أو: وكسبه.
والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعني: رأس المال والأرباح.
أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا سابياء.
أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه.
أو ماله التالد والطارف.
وعن ابن عباس: ما كسب ولده.
وحكي أن بني أبي لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع فغضب، فقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعني كيده في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن قتادة: عمله الذي ظنّ أنه منه على شيء، كقوله: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ﴾ [الفرقان: 23] وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي ﴿ سيصلى ﴾ قرئ: بفتح الياء وبضمها مخففاً ومشدداً، والسين للوعيد، أي: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته ﴿ وامرأته ﴾ هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: كانت تمشى بالنميمة ويقال: للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أي: يوقد بينهم النائرة ويورث الشرّ.
قال: مِنَ الْبِيضِ لَمْ تَصْطَدْ عَلَى ظَهْرِ لَأْمَةٍ ** وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ الْحَيِّ بالْحَطَبِ الرَّطْبِ جعله رطباً ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشرّ، ورفعت عطفاً على الضمير في ﴿ سيصلى ﴾ أي: سيصلى هو وامرأته.
و ﴿ فِى جِيدِهَا ﴾ في موضع الحال، أو على الابتداء، وفي جيدها: الخبر.
وقرئ: ﴿ حمالة الحطب ﴾ بالنصب على الشتم؛ وأنا أستحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل: من أحب شتم أم جميل.
وقرئ: ﴿ حمالة الحطب ﴾ و ﴿ حمالة للحطب ﴾ : بالتنوين، بالرفع والنصب.
وقرئ: ﴿ ومريته ﴾ بالتصغير.
المسد: الذي فتل من الحبال فتلاً شديداً، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما.
قال: وَمَسَدٍ أُمِرَّ مِنْ أَيَانِقِ ورجل ممسود الخلق مجدوله.
والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيساً لحالها، وتحقيراً لها، وتصويراً لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها؛ وهما في بيت العزّ والشرف.
وفي منصب الثروة والجدة.
ولقد عيّر بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبي لهب بحمالة الحطب، فقال: مَاذَا أَرَدْتَ إلَى شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي ** أَمْ مَا تَعَيَّرُ مِنْ حَمَّالَةِ الْحَطَب غَرَّاءَ شَادِخَةٍ فِي الْمَجْدِ غُرَّتُهَا ** كَانَتْ سَلِيلَةَ شَيْخٍ نَاقِبِ الحَسَبِ ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك؛ فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار؛ كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة» .
﴿ وامْرَأتُهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى المُسْتَتِرِ في سَيَصْلى أوْ مُبْتَدَأٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ.
﴿ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ يَعْنِي حَطَبَ جَهَنَّمَ فَإنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الأوْزارَ بِمُعاداةِ الرَّسُولِ وتَحْمِلُ زَوْجَها عَلى إيذائِهِ، أوِ النَّمِيمَةِ فَإنَّها كانَتْ تُوقِدُ نارَ الخُصُومَةِ، أوْ حُزْمَةَ الشَّوْكِ أوِ الحَسَكِ، فَإنَّها كانَتْ تَحْمِلُها فَتَنْثُرُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ.
﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ أيْ مِمّا مُسِّدَ أيْ فُتِلَ، ومِنهُ رَجُلٌ مَمْسُودُ الخَلْقِ أيْ مَجْدُوَلُهُ، وهو تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ أوْ تَصْوِيرٌ لَها بِصُورَةِ الحَطّابَةِ الَّتِي تَحْمِلُ الحُزْمَةَ وتَرْبِطُها في جِيدِها تَحْقِيرًا لِشَأْنِها، أوْ بَيانًا لِحالِها في نارِ جَهَنَّمَ حَيْثُ يَكُونُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ جَهَنَّمَ كالزَّقُّومِ والضَّرِيعِ، وفي جِيدِها سِلْسِلَةٌ مِنَ النّارِ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ أوِ الخَبَرِ وحَبْلٌ مُرْتَفِعٌ بِهِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ تَبَّتْ رَجَوْتُ أنْ لا يَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي لَهَبٍ في دارٍ واحِدَةٍ».»
{فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ} حال أو خبر آخر والمسد الذي قتل من الحبال فتلاً شديداً من ليف كان أو جلدا وغيرهما والمعنى في جيدها حبل مما مسد من الحبال وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون تحقيراً لها وتصويراً لها بصورة بعض الحطابات لتجزع من ذلك ويجزع بعلها وهما في بيت العز والشرف وفي منصب التروة والجدة والله اعلم
سورة الاخلاص أربع آيات مكية عند الجمهور وقيل مدنية عند أهل البصرة
بسم الله الرحمن الرحيم
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: ﴿ حَمّالَةَ ﴾ وقِيلَ: مِن «امْرَأتُهُ» المَعْطُوفِ عَلى الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: الظَّرْفُ حالٌ مِنها و«حَبْلٌ» مُرْتَفَعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.
وقِيلَ لَهُ خَبَرٌ لِامْرَأتِهِ وهي مُبْتَدَأٌ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ، و«حَبْلٌ» فاعِلٌ.
وعَلى قِراءَةِ: «حَمّالَةُ» بِالرَّفْعِ قِيلَ: ( امْرَأتُهُ ) مُبْتَدَأٌ و«حَمّالَةُ» خَبَرٌ.
و«فِي جِيدِها حَبْلٌ» خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ حَمّالَةَ ﴾ أوِ الظَّرْفِ كَذَلِكَ.
و«حَبْلٌ» مُرْتَفَعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ ( امْرَأتُهُ ) مُبْتَدَأٌ و«حَمّالَةُ» صِفَتُهُ؛ لِأنَّهُ لِلْماضِي فَيَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ والخَبَرِ عَلى ما سَمِعْتَ، أوْ ( امْرَأتُهُ ) عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ و«حَمّالَةُ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي حَمّالَةٌ وما بَعْدُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ «حَمّالَةُ» عَلى نَظِيرِ ما مَرَّ.
وفي التَّرْكِيبِ غَيْرُ ذَلِكَ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ سَيَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبَعْضُ ما ذَكَرْناهُ هاهُنا غَيْرُ مُطَّرِدٍ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ في مَعْنى الآيَةِ كَما لا يَخْفى عِنْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْها عَلى المُتَأمِّلِ.
والمَسَدُ ما مُسِّدَ أيْ: فُتِلَ مِنَ الحِبالِ فَتْلًا شَدِيدًا مِن لِيفِ المُقْلِ، عَلى ما قالَ أبُو الفَتْحِ ومِن أيِّ لِيفٍ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: مِن لِحاءِ شَجَرٍ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقَدْ يَكُونُ كَما في البَحْرِ مِن جُلُودِ الإبِلِ أوْ أوْبارِها ومِنهُ قَوْلُهُ: ومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أيانِقِ لَيْسَتْ بِأنْيابٍ ولا حَقائِقِ أيْ: في عُنُقِها حَبَلٌ مِمّا مُسِّدَ مِنَ الحِبالِ، والمُرادُ تَصْوِيرُها بِصُوَرِ الحَطّابَةِ الَّتِي تَحْمِلُ الحُزْمَةَ وتَرْبُطُها في جِيدِها تَخْسِيسًا لِحالِها وتَحْقِيرًا لَها لِتَمْتَعِضَ مِن ذَلِكَ ويَمْتَعِضَ بَعْلُها إذْ كانا في بَيْتِ العِزِّ والشَّرَفِ وفي مَنصِبِ الثَّرْوَةِ والجِدَّةِ.
ولَقَدْ عَيَّرَ بَعْضُ النّاسِ الفَضْلَ بْنَ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ بِحَمّالَةِ الحَطَبِ فَقالَ: ماذا أرَدْتَ إلى شَتْمِي ومَنقَصَتِي ∗∗∗ أمْ ما تُعَيِّرُ مِن حَمّالَةِ الحَطَبِ غَرّاءُ شادِخَةٌ في المَجْدِ غُرَّتُها ∗∗∗ كانَتْ سَلِيلَةَ شَيْخٍ ثاقِبِ الحَسَبِ وقَدْ أغْضَبَها ذَلِكَ، فَيُرْوى أنَّها «لَمّا سَمِعَتِ السُّورَةَ أتَتْ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَسْجِدِ وبِيَدِها فِهْرٌ، فَقالَتْ: بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ وإنْ كانَ شاعِرًا فَأنا مِثْلُهُ أقُولُ: مُذَمَّمًا أبَيْنا ∗∗∗ ودِينَهُ قَلَيْنا وأمْرَهُ عَصَيْنا وأعْمى اللَّهُ تَعالى بَصَرَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ لَها: هَلْ تَرَيْنَ مَعِي أحَدًا؟
فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي؟
لا أرى غَيْرَكَ.
فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ومَضَتْ وهي تَقُولُ: قُرَيْشٌ تَعْلَمُ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَقَدْ حَجَبَنِي عَنْها مَلائِكَةٌ، فَما رَأتْنِي وكَفى اللَّهُ تَعالى شَرَّها»».
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ بِناءً عَلى اعْتِبارِهِ في حَمّالَةِ الحَطَبِ.
وفي الكَشّافِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الصُّورَةُ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها حِينَ كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةَ الشَّوْكِ فَلا تَزالُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ النّارِ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ أوْ مِنَ الضَّرِيعِ وفي جِيدِها حَبَلٌ مِمّا مُسِّدَ مِن سَلاسِلِ النّارِ كَما يُعَذَّبُ كُلُّ مُجْرِمٍ بِما يُجانِسُ حالَهُ في جِرْمِهِ، وعَلَيْهِ فالحَبْلُ مُسْتَعارٌ لِلسِّلْسِلَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٍ وسُفْيانَ.
وأمْرُ الإعْرابِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ إنْ نُصِبَ: ﴿ حَمّالَةَ ﴾ يَكُونُ حالًا هو والجُمْلَةُ؛ أعْنِي: ﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ ﴾ عَنِ المَعْطُوفِ عَلى الضَّمِيرِ: ﴿ سَيَصْلى ﴾ أيْ سَتَصْلى امْرَأتُهُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أوْ يَكُونُ ﴿ حَمّالَةَ ﴾ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ، والجُمْلَةُ وحْدَها حالًا أوِ «امْرَأتُهُ في جِيدِها حَبْلٌ» جُمْلَةٌ وقَعَتْ حالًا عَنِ الضَّمِيرِ، ويُحْتَمَلُ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ عَلى ضَعْفٍ.
وعَلى الرَّفْعِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا وأنْ يَكُونَ: ( امْرَأتَهُ ) عَطْفًا عَلى الفاعِلِ، «وحَمّالَةُ الحَطَبِ في جِيدِها» جُمْلَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وقَعَتْ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ صَلْيِها، أيْ: هي حَمّالَةُ الحَطَبِ.
انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وعَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ والِاحْتِمالاتِ إنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: «فِي عُنُقِها» والمَعْرُوفُ أنْ يُذْكَرَ العُنُقُ مَعَ الغُلِّ ونَحْوِهِ مِمّا فِيهِ امْتِهانٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ فِي أعْناقِهِمْ أغْلالا ﴾ والجِيدُ مَعَ الحُلِيِّ كَقَوْلِهِ: أوْ أحْسَنُ مِن جِيدِ المَلِيحَةِ حَلْيُها.
ولَوْ قالَ: «عُنُقِها» كانَ غَثًّا مِنَ الكَلامِ.
قالَ في الرَّوْضِ الآنِفِ: لِأنَّهُ تَهَكُّمٌ نَحْوَ: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ أيْ: لا جِيدَ لَها فَيُحَلّى، ولَوْ كانَ لَكانَتْ حِلْيَتُهُ هَذِهِ.
ولِتَحْقِيرِها قِيلَ: ( امْرَأتَهُ ) ولَمْ يَقُلْ زَوْجُهُ انْتَهى.
وهُوَ بَدِيعٌ جِدًّا إلّا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلى آخِرِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ ﴾ ولَعَلَّهُ اسْتَعانَ هاهُنا عَلى ما قالَ بِالمَقامِ.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ كانَ في جِيدِها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ الحَسَنِ: مِن خَرَزٍ.
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ قِلادَةً فاخِرَةً مِن جَوْهَرٍ وأنَّها قالَتْ: واللّاتِ والعُزّى لَأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ المُرادَ عَلى هَذا أنَّها تَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ ذاتَ قِلادَةٍ مِن حَدِيدٍ مَمْسُودٍ بَدَلَ قِلادَتِها الَّتِي كانَتْ تَقُولُ فِيها: لَأُنْفِقَنَّها إلَخْ.
وعَلى ما قَبْلَهُ تَهْجِينُ أمْرِ قِلادَتِها لِتَأْكِيدِ ذَمِّها بِالبُخْلِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ عَلى ما نَقَلْناهُ سابِقًا عَنْ قَتادَةَ، ويَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالجِيدِ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا لا يَخْفى.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْها بِالخَنْقِ بِالحَبْلِ وهو مِنَ الذِّهْنِ مَناطُ الثُّرَيّا.
نَعَمْ ذُكِرَ أنَّها ماتَتْ يَوْمَ ماتَتْ مَخْنُوقَةً بِحَبْلٍ حَمَلَتْ بِهِ حُزْمَةَ حَطَبٍ، لَكِنَّ هَذا لا يَسْتَدْعِي حَمْلَ ما ذُكِرَ عَلى الدُّعاءِ.
هَذا واسْتُشْكِلَ أمْرُ تَكْلِيفِ أبِي لَهَبٍ بِالإيمانِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَيَصْلى ﴾ إلَخْ بِأنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ سَيَصْلى النّارَ لا بُدَّ أنْ يَصْلاها ولا يَصْلاها إلّا الكافِرُ فالإخْبارُ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أصْلًا، فَمَتى كانَ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِنهُ ما ذُكِرَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنْ لا يُؤْمِنَ أصْلًا وهو جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الإمْكانِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ما كُلِّفَهُ هو الإيمانُ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إجْمالًا لا الإيمانُ بِتَفاصِيلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يُكَلَّفَ الإيمانَ بِعَدَمِ إيمانِهِ المُسْتَمِرِّ ويُقالَ نَحْوُ هَذا في الجَوابِ عَنْ تَكْلِيفِ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ إلَخْ بِالإيمانِ بِناءً عَلى تَعَيُّنِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ إلَخْ بِناءً عَلى دَلالَتِهِ عَلى اسْتِمْرارِ عَدَمِ عِبادَتِهِمْ ما يَعْبُدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَيَصْلى ﴾ إلَخْ لَيْسَ نَصًّا في أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أصْلًا؛ فَإنَّ صَلْيَ النّارِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالكُفّارِ فَيَجُوزُ أنْ يَفْهَمَ أبُو لَهَبٍ مِنهُ أنَّ دُخُولَهُ النّارَ لِفِسْقِهِ ومَعاصِيهِ لا لِكُفْرِهِ، ولا يَجْرِي هَذا في الجَوابِ عَنْ تَكْلِيفِ أُولَئِكَ الكافِرِينَ بِناءً عَلى فَهْمِهِمُ السُّورَةَ إرادَةَ الِاسْتِمْرارِ.
وأجابَ بَعْضٌ آخَرُ بِأنَّ مَن جاءَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ وعَلِمَ بِهِ مُكَلَّفٌ بِأنْ يُؤْمِنَ بِما عَداهُ مِمّا جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأجابَ الكَعْبِيُّ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ وكَذا القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِمّا رَدَّهُ الإمامُ، وقِيلَ في خُصُوصِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المَعْنى: سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ، ويُخَلَّدُ فِيها إنْ ماتَ ولَمْ يُؤْمِن فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمّا هو نَصٌّ في أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وما لِهَذِهِ الأجْوِبَةِ وما عَلَيْها يُطْلَبُ مِن مُطَوَّلاتِ كُتُبِ الأُصُولِ والكَلامِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وامْرَأتُهُ ) عَلى صِحَّةِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * * سُورَةُ الإخْلاصِ وسُمِّيَتْ بِها لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ، ولِذا سُمِّيَتْ أيْضًا بِالأساسِ؛ فَإنَّ التَّوْحِيدَ أصْلٌ لِسائِرِ أُصُولِ الدِّينِ.
وعَنْ كَعْبٍ كَما قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: أُسِّسَتِ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُونَ السَّبْعُ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ .
ورَواهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيٍّ وأنَسٍ مَرْفُوعًا ولَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ المُعْتَبَرِينَ كَذَلِكَ، وكَيْفَ كانَ فالمُرادُ بِهِ كَما قالَ: ما خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُونَ إلّا لِتَكُونَ دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ صِفاتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ.
وقِيلَ: مَعْنى تَأْسِيسِها عَلَيْها أنَّها إنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ﴿ ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ﴾ وهو العَدْلُ والتَّوْحِيدُ وهو إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى الأوَّلِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.
وقِيلَ: المُرادُ أنَّ مُصَحِّحَ إيجادِهِما أيْ: بَعْدَ إمْكانِهِما الذّاتِيِّ ما أشارَتْ إلَيْهِ السُّورَةُ مِن وحْدَتِهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ؛ إذْ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُهُما لِإمْكانِ التَّمانُعِ كَما قَرَّرَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ في تَوْجِيهِ بُرْهانِيَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ.
وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ.
كَما هو مَشْهُورٌ يُشِيرُ إلَيْهِ الأثَرُ أيْضًا، والمُقَشْقِشَةُ لِما سَمِعْتَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الكافِرُونَ، وسُورَةَ التَّوْحِيدِ، وسُورَةَ التَّفْرِيدِ، وسُورَةَ التَّجْرِيدِ، وسُورَةَ النَّجاةِ، وسُورَةَ الوِلايَةِ، وسُورَةَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى إنَّما تَتِمُّ بِمَعْرِفَةِ ما فِيها.
وفِي أثَرٍ «أنَّ رَجُلًا صَلّى فَقَرَأها فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ هَذا عَبْدٌ عَرَفَ رَبَّهُ»».
وسُورَةَ الجَمالِ قِيلَ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ».
فَسَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «أحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ»».
ولا أظُنُّ صِحَّةَ الخَبَرِ، وسُورَةَ النِّسْبَةِ لِوُرُودِها جَوابًا لِمَن قالَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ عَلى ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ: لِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرايِفِيِّ عَنِ الوازِعِ بْنِ نافِعٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لِكُلِّ شَيْءٍ نِسْبَةٌ، ونِسْبَةُ اللَّهِ تَعالى: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ»».
وهُوَ كَما قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ضَعِيفٌ جِدًّا، وعُثْمانُ يَرْوِي المَناكِيرَ.
وفي المِيزانِ أنَّهُ مَوْضُوعٌ، وسُورَةَ الصَّمَدِ، وسُورَةَ المُعَوِّذَةِ لِما أخْرَجَ النَّسائِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِي ثُمَّ قالَ: «قُلْ» فَلَمْ أدْرِ ما أقُولُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ فَقُلْتُ حَتّى فَرَغْتُ مِنها.
ثُمَّ قالَ: ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ ﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ فَقُلْتُ حَتّى فَرَغْتُ مِنها، ثُمَّ قالَ: ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ ﴾ فَقُلْتُ حَتّى فَرَغْتُ مِنها.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هَكَذا فَتَعَوَّذْ، وما تَعَوَّذَ المُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِنَّ قَطُّ»».
وسُورَةَ المانِعَةِ؛ قِيلَ: لِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ عُرِجَ بِهِ: أعْطَيْتُكَ سُورَةَ الإخْلاصِ؛ وهي مِن ذَخائِرِ كُنُوزِ عَرْشِي، وهي المانِعَةُ تَمْنَعُ كُرُباتِ القَبْرِ ونَفَحاتِ النِّيرانِ».
والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، ويُعارِضُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ أبِي أُمامَةَ: ««أرْبَعُ آياتٍ نَزَلَتْ مِن كَنْزِ العَرْشِ لَمْ يَنْزِلْ مِنهُ غَيْرُهُنَّ: أُمُّ الكِتابِ، وآيَةُ الكُرْسِيِّ، وخاتِمَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ، والكَوْثَرُ»».
وحُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ، بَلْ أخْرَجَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حِبّانَ والدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهُما بِالسَّنَدِ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا، وسُورَةَ المَحْضَرِ قِيلَ: لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَحْضُرُ لِاسْتِماعِها إذا قُرِئَتْ، وسُورَةَ المُنَفِّرَةِ؛ قِيلَ: لِأنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ عِنْدَ قِراءَتِها، وسُورَةَ البَراءَةِ؛ قِيلَ: «لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى رَجُلًا يَقْرَؤُها فَقالَ: «أمّا هَذا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ»».
ولَمْ أدْرِ مَن رَوى ذَلِكَ.
نَعَمْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُهاجِرٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ فَقالَ: «قَدْ بَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ»، وسَمِعَ آخَرَ يَقْرَأُ: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ فَقالَ: «غُفِرَ لَهُ»».
وعَلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِهَذا الِاسْمِ سُورَةُ الكافِرُونَ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما في حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أنَسٍ: ««مَن أرادَ أنْ يَنامَ عَلى فِراشِهِ فَنامَ عَلى يَمِينِهِ ثُمَّ قَرَأ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ مِائَةَ مَرَّةٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بَراءَةً مِنَ النّارِ»».
وسُورَةَ المُذَكِّرَةِ؛ لِأنَّها تُذَكِّرُ خالِصَ التَّوْحِيدِ، وسُورَةَ النُّورِ؛ قِيلَ: لِما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ نُورًا ونُورُ القُرْآنِ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ»».
وسُورَةَ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ بِدُونِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وقَدْ ذَكَرَ مُعْظَمَ هَذِهِ الأسْماءِ الإمامُ الرّازِيُّ وبَيَّنَ وجْهَ التَّسْمِيَةِ بِها بِما بَيَّنَ، والرَّجُلُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى- لَيْسَ بِإمامٍ في مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَرْوِيّاتِ لا يُمَيِّزُ غَثَّها مِن سَمِينِها أوْ لا يُبالِي بِذَلِكَ فَيَكْتُبُ ما ظَفِرَ بِهِ وإنْ عَرَفَ شِدَّةَ ضَعْفِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ قالَهُ في البَحْرِ.
وخَبَرُ ابْنِ عَبّاسٍ السّابِقُ -إنْ صَحَّ- ظاهِرٌ في أنَّها عِنْدَهُ مَكِّيَّةٌ، وفي الإتْقانِ فِيها قَوْلانِ لِحَدِيثَيْنِ في سَبَبِ نُزُولِها مُتَعارِضَيْنِ وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَهُما بِتَكَرُّرِ نُزُولِها، ثُمَّ ظَهَرَ لِي تَرْجِيحُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
اه.
وعَلى ما في الكِتابَيْنِ لا يَخْفى ما في قَوْلِ الدَّوانِيِّ إنَّها مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قِلَّةِ الِاطِّلاعِ.
وآيُها خَمْسٌ في المَكِّيِّ والشّامِيِّ، أرْبَعٌ في غَيْرِهِما.
ووُضِعَتْ هُنا قِيلَ لِلْوِزانِ في اللَّفْظِ بَيْنَ فَواصِلِها ومَقْطَعِ سُورَةِ المَسَدِ، وقِيلَ -وهُوَ الأوْلى- إنَّها مُتَّصِلَةٌ بِ: «قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ» في المَعْنى فَهُما بِمَنزِلَةِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ في النَّفْيِ والإثْباتِ؛ ولِذا يُسَمَّيانِ المُقَشْقِشَتَيْنِ، وقُرِنَ بَيْنَهُما في القِراءَةِ في صَلَواتٍ كَثِيرَةِ ما قالَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ كَرَكْعَتِي الفَجْرِ والطَّوافِ والضُّحى وسُنَّةِ المَغْرِبِ وصُبْحِ المُسافِرِ ومَغْرِبِ لَيْلَةِ الجُمْعَةِ إلّا أنَّهُ فُصِلَ بَيْنَهُما بِالسُّورَتَيْنِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهِ ونَحْوِهِ، وكانَ في إيلائِها سُورَةَ تَبَّتْ رَدًّا عَلى أبِي لَهَبٍ بِخُصُوصِهِ، وجاءَ فِيها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ فَضْلِها، مِنها ما تَقَدَّمَ آنِفًا.
ورَوى مُبارَكُ بْنُ فَضالَةَ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ قالَ: «إنَّ حُبَّكَ إيّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ»».
وأخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ عَنْ أبِي النَّضْرِ عَنْ مُبارَكٍ المَذْكُورِ عَنْ أنَسٍ.
وذَكَرَ البُخارِيُّ أنَّ حُبَّها يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ تَعْلِيقًا.
ورَوى مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: «سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أقْبَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وجَبَتْ» قُلْتُ: وما وجَبَتْ؟
قالَ: «الجَنَّةُ»».
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ.
وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مالِكٍ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ بُرَيْدَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ.
فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى»».
وفِي المُسْنَدِ عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأدْرَعِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخْلَ المَسْجِدَ فَإذا هو بِرَجُلٍ قَدْ قَضى صَلاتَهُ وهو يَتَشَهَّدُ ويَقُولُ: إنِّي أسْألُكَ يا اللَّهُ الواحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ أنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَلاثَ مَرّاتٍ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ»».
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومالِكٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «أنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ يُرَدِّدُها، فَلَمّا أصْبَحَ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وكانَ الرَّجُلُ يَتَقالُّها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلْثَ القُرْآنِ»».
وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِن طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أوْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن قَرَأ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَكَأنَّما قَرَأ بِثُلْثِ القُرْآنِ»».
وفِي رِوايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ الصَّفّارِ بِسَنَدِهِ عَنْ أُبَيٍّ مَرْفُوعًا: ««مَن قَرَأ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَكَأنَّما قَرَأ ثُلْثَ القُرْآنِ، وكُتِبَ لَهُ مِنَ الحَسَناتِ بِعَدَدِ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى وآمَنَ بِهِ»».
وجاءَ أنَّها تَعْدِلُ ثُلْثَ القُرْآنِ في عِدَّةِ أخْبارٍ مَرْفُوعَةٍ ومَوْقُوفَةٍ.
وفِي المُسْنَدِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «باتَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ يَقْرَأُ اللَّيْلَ كُلَّهُ بِ: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ أوْ ثُلْثَهُ»».
وحُمِلَ عَلى الشَّكِّ مِنَ الرّاوِي، والرِّواياتُ تُعَيِّنُ الثُّلْثَ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: المُرادُ أنَّها بِاعْتِبارِ مَعْناها ثُلْثٌ مِنَ القُرْآنِ المُجَزَّأِ إلى ثَلاثَةٍ، لا أنَّ ثَوابَ قِراءَتِها ثُلْثُ ثَوابِ القُرْآنِ، وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في بَيانِ ذَلِكَ فَقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى قِصَصٍ وأحْكامِها وعَقائِدَ، وهي كُلُّها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالعَقائِدِ فَكانَتْ ثُلْثًا بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ.
وقالَ الغَزالِيُّ في الجَواهِرِ ما حاصِلُهُ: هي عِدْلُ ثُلْثِهِ بِاعْتِبارِ أنْواعِ العُلُومِ الثَّلاثَةِ الَّتِي هي أُمُّ ما في القُرْآنِ: عِلْمُ المَبْدَأِ، وعِلْمُ المَعادِ، وعِلْمُ ما بَيْنَهُما؛ أعْنِي الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ.
وقالَ الجُونِيُّ: المَطالِبُ الَّتِي في القُرْآنِ مُعْظَمُها الأُصُولُ الثَّلاثَةُ الَّتِي بِها يَصِحُّ الإسْلامُ ويَحْصُلُ الإيمانُ؛ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِرافُ بِصِدْقِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واعْتِقادِ القِيامِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ تُفِيدُ الأصْلَ الأوَّلَ؛ فَهي ثُلْثُهُ مِن هَذا الوَجْهِ.
وقِيلَ: القُرْآنُ قِسْمانِ: خَبَرٌ وإنْشاءٌ، والخَبَرُ قِسْمانِ: خَبَرٌ عَنِ الخالِقِ وخَبَرٌ عَنِ المَخْلُوقِ.
فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أثْلاثٍ، وسُورَةُ الإخْلاصِ أخْلَصَتِ الخَبَرَ عَنِ الخالِقِ فَهي بِهَذا الِاعْتِبارِ ثُلْثٌ، وهَذا كَما تَرى.
وأيًّا ما كانَ قِيلَ: لا تَنافِيَ بَيْنَ رِوايَةِ الثُّلْثِ ورِوايَةِ عِدْلِ القُرْآنِ كُلِّهِ المَذْكُورَةِ في الكَشّافِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِها لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هي عِدْلُ القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَقْصُودَ التَّوْحِيدُ وما عَداهُ ذَرائِعُ إلَيْهِ.
ويُؤَيِّدُ اعْتِبارَ الأجْزاءِ أنْفُسِها دُونَ الثَّوابِ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««أيَعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ كُلَّ يَوْمٍ ثُلْثَ القُرْآنِ؟» قالُوا: نَعَمْ.
قالَ: «فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَزَّأ القُرْآنَ ثَلاثَةَ أجْزاءٍ؛ فَقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ثُلْثُ القُرْآنِ»».
وقِيلَ: المُرادُ تَعْدِلُ الثُّلْثَ ثَوابًا لِظَواهِرِ الأحادِيثِ.
وضَعَّفَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَلَهُ أجْرُ ثُلْثِ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن قَرَأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ»».
فَيَكُونُ ثَوابُ قِراءَةِ القُرْآنِ بِتَمامِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً بِالنِّسْبَةِ لِثَوابِ قِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، والدَّوانِيُّ أوْرَدَ هَذا إشْكالًا عَلى هَذا القَوْلِ ثُمَّ أجابَ بِأنَّ لِلْقارِئِ ثَوابَيْنِ: تَفْصِيلِيًّا بِحَسْبِ قِراءَةِ الحُرُوفِ، وإجْمالِيًّا: بِسَبَبِ خَتْمِهِ القُرْآنَ؛ فَثَوابُ: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ يَعْدِلُ ثُلْثَ ثَوابِ الخَتْمِ الإجْمالِيِّ لا غَيْرِهِ، ونَظِيرُهُ إذا عَيَّنَ أحَدٌ لِمَن يَبْنِي لَهُ دارًا في كُلِّ يَوْمٍ دَنانِيرَ، وعَيَّنَ لَهُ إذا أتَمَّهُ جائِزَةً أُخْرى غَيْرَ أُجْرَتِهِ اليَوْمِيَّةِ.
وفِي شَرْحِ البُخارِيِّ لِلْكِرْمانِيِّ: فَإنْ قُلْتَ: المَشَقَّةُ في قِراءَةِ الثُّلْثِ أكْثَرُ مِنها في قِراءَتِها فَكَيْفَ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَها؟
قُلْتُ: يَكُونُ ثَوابُ قِراءَةِ الثُّلْثِ بِعَشْرٍ، وثَوابُ قِراءَتِها بِقَدْرِ ثَوابِ مَرَّةٍ مِنها؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ في الأصْلِ دُونَ الزّائِدِ، وتِسْعٌ مِنها في مُقابَلَةِ زِيادَةِ المَشَقَّةِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ بَعْدَ أنْ قالَ: لَيْسَ فِيما ذُكِرَ ما يُثْلِجُ الصَّدْرَ ويَطْمَئِنُّ لَهُ البالُ، والَّذِي عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّ لِلنّاظِرِ في مَعْنى كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُتَدَبِّرِ لِآياتِهِ ثَوابًا ولِلتّالِي لَهُ وإنْ لَمْ يَفْهَمْهُ ثَوابٌ آخَرُ، فالمُرادُ أنَّ مَن تَلاها مُراعِيًا حُقُوقَ أدائِها فاهِمًا دَقِيقَ مَعانِيها كانَتْ تِلاوَتُهُ لَها مَعَ تَأمُّلِها وتَدَبُّرِها تَعْدِلُ ثَوابَ تِلاوَةِ ثُلْثِ القُرْآنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ في مَعانِيهِ أوْ ثُلُثٍ لَيْسَ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، ولا بِدْعَ في أشْرَفِ المَعانِي إذا ضُمَّ لِبَعْضٍ مِن أشْرَفِ الألْفاظِ أنْ يَعْدِلَ مِن جِنْسِ تِلْكَ الألْفاظِ مِقْدارًا كَثِيرًا كَلَوْحِ ذَهَبٍ زِنْتُهُ عَشَرَةُ مَثاقِيلَ مُرَصَّعٍ بِأنْفَسِ الجَواهِرِ يُساوِي ألْفَ مِثْقالٍ ذَهَبًا فَصاعِدًا انْتَهى.
ولا أرى لَهُ كَثِيرَ امْتِيازٍ عَلى غَيْرِهِ مِمّا تَقَدَّمَ.
والَّذِي أخْتارُهُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يَخُصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْضَ العِباداتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها كَثِيرُ مَشَقَّةٍ بِثَوابٍ أكْثَرَ مِن ثَوابِ ما هو جِنْسُها وأشَقُّ مِنها بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، وهو سُبْحانُهُ الَّذِي لا حَجْرَ عَلَيْهِ ولا يَتَناهى جُودُهُ وكَرَمُهُ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَتَفَضَّلَ جَلَّ وعَلا عَلى قارِئِ القُرْآنِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَناتٍ ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ أضْعافًا مُضاعَفَةً جِدًّا لِقارِئِ الإخْلاصِ بِحَيْثُ يَعْدِلُ ثَوابُهُ ثَوابَ قارِئِ ثُلْثٍ مِنهُ غَيْرِ مُشْتَمِلٍ عَلى تِلْكَ السُّورَةِ، ويُفَوِّضُ حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وكَذا يُقالُ في أمْثالِها وهَذا مُرادُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ ولَيْسَ هَذا بِأبْعَدَ ولا أبْدَعَ مِن تَخْصِيصِ بَعْضِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ المُتَّحِدَةِ الماهِيَّةِ بِأنَّ لِلْعِبادَةِ مِنهُ ولَوْ قَلِيلَةً مِنَ الثَّوابِ ما يَزِيدُ أضْعافًا مُضاعَفَةً عَلى ثَوابِ العِبادَةِ في مُجاوِرِهِ مَثَلًا ولَوْ كَثِيرَةً بَلْ قَدْ خَصَّ سُبْحانَهُ بَعْضَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ بِوُجُوبِ العِبادَةِ فِيهِ وبَعْضَها بِحُرْمَتِها فِيهِ، ولَهُ سُبْحانُهُ في كُلِّ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ ما هو بِهِ أعْلَمُ.
وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: السُّكُوتُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أفْضَلُ مِنَ الكَلامِ فِيها وأسْلَمُ، وكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعاوِيَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الإمامُ الكَلامَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وأبُو يَعْلى مِن طُرُقٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الوارِدَةُ فِيها تَكْفِي في فَضْلِها، بَلْ قِيلَ لِذَلِكَ: إنَّها أفْضَلُ سُورَةٍ في القُرْآنِ، ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما رَوى الدّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي المُغِيرَةِ عَنْ صَفْوانَ الكَلاعِيِّ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ سُوَرِ القُرْآنِ أعْظَمُ؟
قالَ: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ»».
وفِي المُسْنَدِ مِن طَرِيقَيْ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ وأُسَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ ثَلاثِ سُوَرٍ أُنْزِلَتْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والقُرْآنِ العَظِيمِ؟» قُلْتُ: بَلى.
قالَ: فَأقْرَأنِي: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ.
ثُمَّ قالَ: «يا عُقْبَةُ، لا تَنْساهُنَّ ولا تَبِتْ لَيْلَةً حَتّى تَقْرَأهُنَّ»».
ورَوى التِّرْمِذِيُّ بَعْضَ هَذا الحَدِيثِ وحَسَّنَهُ ولا يَدُلُّ عَلى أنَّها أفْضَلُ سُوَرِ القُرْآنِ مُطْلَقًا بَلْ عَلى أنَّها مِنَ الأفْضَلِ.
وقالَ ابْنُ الحَصّادِ: العَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ الِاخْتِلافَ في الفَضْلِ مَعَ كَثْرَةِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ فِيهِ، واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّفْضِيلِ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الفَضْلُ راجِعٌ إلى عِظَمِ ومُضاعَفَةِ الثَّوابِ بِحَسْبِ انْتِقالاتِ النَّفْسِ وخَشْيَتِها وتَدَبُّرِها عِنْدَ أوْصافِ العُلا.
وقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ لِذاتِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الإخْلاصِ مَثَلًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وصِفاتِهِ تَعالى لَيْسَ مَوْجُودًا في «تَبَّتْ» مَثَلًا، فالتَّفْضِيلُ إنَّما هو بِالمَعانِي العَجِيبَةِ وكَثْرَتِها.
ونَقَلَ الحَلِيمِيُّ عَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّ مَعْنى التَّفْضِيلِ بَيْنَ الآياتِ والسُّوَرِ يَرْجِعُ إلى أشْياءَ: أحَدُها أنْ يَكُونَ العَمَلُ بِها أوْلى مِنَ العَمَلِ بِأُخْرى وأعْوَدُ عَلى النّاسِ، وعَلى هَذا يُقالُ في آياتِ الأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوَعِيدِ خَيْرٌ مِن آياتِ القَصَصِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أُرِيدَ بِها تَأْكِيدُ الأمْرِ والنَّهْيِ والإنْذارِ والتَّنْشِيرِ ولا غِنى لِلنّاسِ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ، وقَدْ يَسْتَغْنُونَ عَنِ القَصَصِ فَكانَ ما هو أعْوَدُ عَلَيْهِمْ وأنْفَعُ لَهم مِمّا يَجْرِي مَجْرى الأُصُولِ خَيْرٌ لَهم مِمّا يُجْعَلُ تَبَعًا لِما لا بُدَّ مِنهُ.
الثّانِي أنْ يُقالَ: الآياتُ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى تَعْدِيدِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ صِفاتِهِ والدَّلالَةِ عَلى عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ أفْضَلُ؛ بِمَعْنى أنَّها أسْنى وأجَلُّ قَدْرًا مِمّا لا تَشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ.
الثّالِثُ أنْ يُقالَ: سُورَةٌ خَيْرٌ مِن سُورَةٍ، أوْ آيَةٌ خَيْرٌ مِن آيَةٍ؛ بِمَعْنى أنَّ القارِئَ يَتَعَجَّلُ لَهُ بِقِراءَتِها فائِدَةً سِوى الثَّوابِ الآجِلِ ويَتَأدّى مِنهُ بِتِلاوَتِها عِبادَةٌ كَآيَةِ الكُرْسِيِّ والإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ؛ فَإنَّ قارِئَها يَتَعَجَّلُ بِقِراءَتِها الِاحْتِرازَ مِمّا يَخْشى والِاعْتِصامَ بِاللَّهِ تَعالى، ويَتَأدّى بِتِلاوَتِها عِبادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما فِيها مِن ذِكْرِهِ تَعالى بِالصِّفاتِ العُلا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ لَها وسُكُونِ النَّفْسِ إلى فَضْلِ ذَلِكَ الذِّكْرِ وبَرَكَتِهِ.
وأمّا آياتُ الحِكَمِ فَلا يَقَعُ بِنَفْسِ تِلاوَتِها إقامَةُ حُكْمٍ وإنَّما يَقَعُ بِها عِلْمٌ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ سُورَةً أفْضَلُ مِن سُورَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ قِراءَتَها كَقِراءَةِ أضْعافِها مِمّا سِواها، وأوْجَبَ بِها مِنَ الثَّوابِ ما لَمْ يُوجِبْ سُبْحانَهُ لِغَيْرِها وإنْ كانَ المَعْنى الَّذِي لِأجْلِهِ بَلَغَ بِها هَذا المِقْدارَ لا يَظْهَرُ لَنا، وهَذا نَظِيرُ ما يُقالُ في تَفْضِيلِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا.
وبِالجُمْلَةِ التَّفْضِيلُ بِأحَدِ هَذِهِ الِاعْتِباراتِ لا يُنافِي كَوْنَ الكُلِّ كَلامَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُتَّحِدَ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما لا يَخْفى.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وهي خمس آيات مكية قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يعني: خسر أبو لهب وذلك أن النبيّ حين نزل قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] صعد على الصفا ونادى فاجتمعوا فقال النبيّ : «أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الأَقْرَبِينَ وَأَدْعُوهُمْ إِلَى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فَقُولُوا أَشْهَدْ لَكُمْ بِهَا عِنْدَ رَبِّي» فأنكروا ذلك فقال أبو لهب: تبا لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا، وروي في خبر آخر أنه اتخذ طعاماً ودعاهم ثم قال: «أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَأَطِيعُوا تَهْتَدُوا» فقال أبو لهب: تبا لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يعني: خسرت يدا أبي لهب عن التوحيد وَتَبَّ يعني: وقد خسر ويقال: إنما ذكر اليد وأراد به هو وقال مقاتل: تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وتب يعني: خسر نفسه وكان أبو لهب عن النبيّ واسمه «عبد العزى» ولهذا ذكره بالكنية ولم يذكر اسمه لأن اسمه كان منسوباً إلى صنم وقال بعضهم: كنيته كان اسمه ثم قال عز وجل: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ يعني: ما نفعه ماله في الآخرة إذ كفر في الدنيا وَما كَسَبَ يعني: ما ينفعه ولده في الآخرة إذا كفر في الدنيا والكسب أراد به الولد لأن ولد الرجل من كسبه ثم قال عز وجل: سَيَصْلى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ يعني: يدخل في النار ذات لهب يعني: ذات شعل ثم قال عز وجل: وَامْرَأَتُهُ يعني: امرأته تدخل النار معه حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قرأ عاصم حمالة الحطب بنصب الهاء ويكون على معنى الذم والشين ومعناه أعني حمالة الحطب والباقون بالضم على معنى الابتداء وحمالة الحطب جعل نعتاً لها فقال: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ يعني: حمالة الخطايا والذنوب.
ويقال: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ يعني: تمشي بالنميمة فسمى النميمة حطباً لأنه يلقي بني القوم العداوة والبغضاء وكانت تمشي بالنميمة في عداوة النبيّ وأصحابه ويقال: كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق النبيّ وأصحابه بالليل من بغضها لهم حتى بلغ النبي - - شدة وعناء فحملت ذات ليلة حزمة شوك لكي تطرحها في طريقهم فوضعتها على جدار وشدتها بحبل من ليف على صدرها فأتاها جبريل- - ومده خلف الجدار وخنقها حتى ماتت فذلك قوله: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي من ليف وقال أكثر أهل التفسير فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ يعني: في الآخرة في عنقها سلسلة من حديد وتحتها نار وفوقها نار، وروى سعيد بن جبير عن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ جاءت امرأة أبي لهب فقال أبو بكر لو تنحَّيْتَ يا رسول الله فإنها امرأة بذية فقال النبيّ : «سَيُحَال بَيْنِي وَبَيْنَهَا» فدخلت فلم تره فقالت لأبي بكر هجاناً صاحبك فقال والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله قالت إنك لمصدق فاندفعت راجعة فقال أبو بكر يا رسول الله ما رأتك فقال: «لَمْ يَزَلْ بَيْنِي وَبَيْنَها مَلَكٌ يَسْتُرُنِي عَنْهَا حَتَّى رَجِعَتْ» .
وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي يزيد بن زيد قال لما نزلت هذه السورة قيل لامرأة أبي لهب أن النبي قد هجاك فأتت رسول الله وهو جالس في الخلاء وقالت يا محمد على ماذا تهجوني فقال: «أَمَا وَلله مَا أَنَا هَجَوْتُكِ مَا هَجَاكِ إلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ» قالت هل رأيتني أحمل الحطب أو رأيت في جيدي حبل من مسد؟
وقال مجاهد: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ مثل حديد البكرة، وقال غيره يعني عروة سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعاً والله أعلم.
تفسير سورة «المسد»
وهي مكّيّة بإجماع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في «صحيح البخاري» وغيرِه عن ابن عباس: «لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟
فاجتمعوا/ إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبّاً لَكَ، مَا جَمَعْتَنَا إلاَّ لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إلى آخرها» «١» ، وتَبَّتْ معناه: خَسِرَتْ والتَّبابُ الخُسْرَانُ، والدَّمَارُ، وأسْنَدَ ذلك إلى اليدينِ من حيثُ إنَّ اليَدَ مَوضِعُ الكَسْبِ والرِّبْحِ، وضَمِّ مَا يُمْلَكُ، ثم أوْجَبَ عليه أنه قَدْ تَبَّ، أي: حُتِّمَ ذَلِكَ عَلَيْه، وفي قراءة ابن مسعود «٢» : «وقَدْ تَبَّ» ، وأبو لَهَبٍ هو عَبْدُ العُزَّى بْنُ عَبْدِ المطّلب، وهو عمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولكن سَبَقَتْ له الشقاوةُ، قال السهيليّ: كَنَّاهُ اللَّه بأبي لهبٍ لَمَّا خَلَقَهُ سبحانَه لِلَّهَبِ وإليه مصيرُه ألا تَرَاهُ تعالى قال: سَيَصْلى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ فَكَانَتْ كُنْيَتُه بأبي لَهَبٍ تَقَدَّمَتْ لِمَا يصيرُ إليه من اللهبِ، انتهى.
وقوله سبحانه: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ يحتملُ أن تَكُونَ «ما» نافيةً عَلَى معنى الخبرِ، ويحتملُ أنْ تكون «ما» استفهاميةً عَلَى وَجْهِ التقريرِ أي: أينَ الغَنَاءُ الذي لِمَالِه وَكَسْبهِ،
وَما كَسَبَ يُرَادُ به عَرَضُ الدنيا، من عَقَارٍ، ونحوه، وقيل: كَسْبُه بَنُوه.
وقوله سبحانه: سَيَصْلى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ حَتْمٌ عَلَيْهِ بِالنارِ وإعْلاَمٌ بأنه يَتَوَفَّى على كفرِه، نعوذُ باللَّهِ من سوءِ القَضَاءِ ودَرْكِ الشقاءِ.
وقوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ هي أمَّ جميلٍ أخْتُ أبي سفيانَ بن حرب، وكانت مؤْذِيةً/ للنبي صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنينَ بلسانِها وغايةِ قُدْرَتِها، وكانَتْ تَطْرَحُ الشّوْكَ في طريق النبي صلّى الله عليه وسلّم وطريق أصحابه لِيَعْقِرَهم فلذلكَ سُمِّيتْ حَمَّالَةَ الحَطَبِ قاله ابن عباس «١» ، وقيل هو استعارةٌ لذنوبِها، قال عياض: وذكر عَبْدُ بن حُمَيْدٍ قال: كَانَتْ حمالَة الحطبِ تَضَعُ العِضَاهَ، وَهِي جَمْرٌ على طريق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكأنَّما يَطَؤُهَا كَثِيباً أَهْيَلَ، انتهى، - ص-: وقُرِىءَ شاذًّا: «وَمُرَيْئَتُهُ» بالتصغيرِ «٢» ، والجيدُ هُو العُنُقُ، انتهى.
وقوله تعالى: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قال ابنُ عباس وجماعة: الإشَارَةُ إلى الحبلِ حَقِيقَةٌ، الذي رَبَطَتْ به الشوكَ «٣» ، والمَسَدُ: الليفُ، وقِيلَ ليفُ المُقْلِ، وفي «صحيحِ البخاري» : يُقَالُ مِنْ مسد لِيف المُقْلِ وهي السلسلةُ الَّتِي في النارِ، انتهى، ورُوِي في الحديثِ أنَّ هذهِ السورةَ لما نزلتْ وقُرِئَتْ بَلَغَتْ أُمَّ جميلٍ فَجَاءَتْ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ جَالسٌ معَ النبي صلّى الله عليه وسلّم في المسجدِ وَبِيَدِهَا فِهْرُ حَجَرٍ، فأخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا وقَالَتْ: يا أبا بكرٍ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، وَلَوْ وَجَدْتُه لَضَرَبْتُه بِهَذَا الفِهْرِ، وإنّي لَشَاعِرَة وَقْد قلت فيه: [منهوك الرجز]
مُذَمَّماً قَلَيْنَا ...
وَدِينَهُ أَبَيْنَا «٤»
فَسَكَتَ أبو بكرٍ، ومضت هي، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْهَا مَلاَئِكَةٌ فَمَا رَأَتْنِي وَكَفَانِيَ الله شرّها.
سُورَةُ تَبَّتْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَسَبَبُ نُزُولِها ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ صَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى الصَّفا فَقالَ: " يا صَباحاهُ " .
فاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقالُوا: ما لَكَ؟
فَقالَ: أرَأيْتَكم إنْ أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ، أوْ مُمَسِّيكُمْ، أما كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟، قالُوا: بَلى.
قالَ: " فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ " .
قالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، ألِهَذا دَعَوْتَنا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ » وَمَعْنى: تَبَّتْ: خَسِرَتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴿ وَتَبَّ ﴾ أيْ: وخَسِرَ هو.
قالَ الفَرّاءُ: الأوَّلُ: دُعاءٌ، والثّانِي: خَبَرٌ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: أهْلَكَكَ اللَّهُ وقَدْ أهْلَكَكَ، وجَعَلَكَ اللَّهُ صالِحًا وقَدْ جَعَلَكَ.
وقِيلَ: ذَكَرَ يَدَيْهِ، والمُرادُ نَفْسُهُ، ولَكِنْ هَذا عادَةُ العَرَبِ يُعَبِّرُونَ بِبَعْضِ الشَّيْءِ عَنْ جَمِيعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ .
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ ﴾ ولَدُ أبِي لَهَبٍ.
فَأمّا أبُو لَهَبٍ فَهو عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ .
وقِيلَ: إنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ " أبِي لَهْبٍ " بِإسْكانِ الهاءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ لُغَةً كالشَّمْعِ، والشَّمَعِ والنَّهْرِ، والنَّهَرِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَنّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي الكُنْيَةِ نَوْعُ تَعْظِيمٍ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ إنْ صَحَّ أنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى، فَكَيْفَ يَذْكُرُهُ اللَّهُ بِهَذا الِاسْمِ وفِيهِ مَعْنى الشِّرْكِ؟!
والثّانِي: أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ اشْتَهَرُوا بِكُناهُمْ، ولَمْ يُعْرَفْ لَهم أسْماءٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: خَبَّرَنِي غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ، وأبا سُفْيانَ ابْنَ العَلاءِ أسْماؤُهُما كُناهُما، فَإنْ كانَ اسْمُ أبِي لَهَبٍ كُنْيَتُهُ، فَإنَّما ذَكَرَهُ بِما لا يُعْرَفُ إلّا بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «لَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ أقْرَبِيهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قالَ أبُو لَهَبٍ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا، فَإنِّي أفْتَدِي بِمالِي، ووَلَدِي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ » قالَ الزَّجّاجُ: و " ما " في مَوْضِعِ رَفْعٍ.
المَعْنى: ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وكَسْبُهُ أيْ: ولَدُهُ.
وكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِكَسْبِهِ هاهُنا: ولَدُهُ.
و ﴿ أغْنى ﴾ بِمَعْنى يُغْنِي ﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ أيْ: تَلْتَهِبُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ دُخانٍ ﴿ وامْرَأتُهُ ﴾ أيْ: سَتَصْلى امْرَأتُهُ، وهي أمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ.
وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ وزَوْجَتَهُ يَمُوتانِ عَلى الكُفْرِ، فَكانَ كَذَلِكَ.
إذْ لَوْ قالا بِألْسِنَتِهِما: قَدْ أسْلَمْنا، لَوَجَدَ الكُفّارُ مُتَعَلَّقًا في الرَّدِّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُما لا يُسْلِمانِ باطِنًا ولا ظاهِرًا، فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَشَبَّهُوا النَّمِيمَةَ بِالحَطَبِ، والعَداوَةَ والشَّحْناءَ بِالنّارِ، لِأنَّهُما يَقَعانِ بِالنَّمِيمَةِ، كَما تَلْتَهِبُ النّارُ بِالحَطَبِ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ، فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ لَيْلًا، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالحَطَبِ: الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ بِالفَقْرِ، وكانَتْ تَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ بِالمالِ.
وَقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ " حَمّالَةَ الحَطَبِ " بِالنَّصْبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ " حَمّالَةَ " فَعَلى الذَّمِّ.
والمَعْنى: أعْنِي: حَمّالَةَ الحَطَبِ.
والجِيدُ: العُنُقُ.
والمَسَدُ في لُغَةِ العَرَبِ: الحَبْلُ إذا كانَ مِن لِيفِ المُقْلِ.
وقَدْ يُقالُ لِما كانَ مِن أوْبارِ الإبِلِ مِنَ الحِبالِ: " المَسَدُ " قالَ الشّاعِرُ: ومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أيانُقِ [صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مُخٍّ زاهِقِ] وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَسَدُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ: اللِّيفُ دُونَ غَيْرِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما المَسَدُ: كُلُّ ما ضُفِرَ وفُتِلَ مِنَ اللِّيفِ وغَيْرِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الحَبْلِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها حِبالٌ كانَتْ تَكُونُ بِمَكَّةَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الضَّحّاكُ: حَبَلٌ مِن شَجَرٍ كانَتْ تَحْتَطِبُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ قِلادَةٌ مَن ودَعٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذا الحَبْلِ: السِّلْسِلَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في النّارِ، طُولُها سَبْعُونَ ذِراعًا.
والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّلْسِلَةَ قَدْ فُتِلَتْ فَتْلًا مُحْكَمًا، [فَهِيَ] في عُنُقِها تُعَذَّبُ بِها في النّارِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المَسَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ ﴾ ﴿ ما أغْنى عنهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ ﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ ﴿ وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ ﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ قالَ: يا صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبَدِ المُطَّلِبِ، ويا فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لا أمْلِكُ لَكُما مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلانِي مِن مالِي ما شِئْتُما، ثُمَّ صَعِدَ الصَفا فَنادى بُطُونَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، ورُوِيَ أنَّهُ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا صَباحاهُ، فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَقالَ لَهُمْ: أرَأيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكم إنِّي أُنْذِرُكم خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟
قالُوا: نَعْمْ، قالَ: إنِّي نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٌ شَدِيدٌ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ اليَوْمَ: ألِهَذا، جَمَعْتَنا ؟
فافْتَرَقُوا عنهُ ونَزَلَتِ السُورَةُ.» و"تَبَّتْ" مَعْناهُ: خَسِرَتْ، والتَبابُ: الخَسارُ والدَمارُ، وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى اليَدَيْنِ مِن حَيْثُ اليَدُ مَوْضِعُ الكَسْبِ والرِبْحِ وضَمِّ ما يَمْلِكُ، ثُمَّ أوجَبَ تَعالى عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ تَبَّ، أيْ حَتَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ.
وقَدْ تَبَّ".
وأبُو لَهَبٍ هو عَبْدُ العُزّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو عَمُّ النَبِيِّ ، ولَكِنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أبِي لَهْبٍ" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِ الهاءِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في فَتْحِها في "ذاتِ لَهَبٍ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أغْنى عنهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، ويَكُونُ الكَلامُ خَبَرًا عن أنَّ جَمِيعَ أحْوالِهِ الدُنْياوِيَّةِ لَمْ تُغْنِ عنهُ شَيْئًا حِينَ حَتَّمَ عَذابَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى وجْهِ التَقْرِيرِ، أيْ: أيْنَ الغِناءُ الَّذِي لِمالِهِ ولِكَسْبِهِ؟
و"ما كَسَبَ" يُرادُ بِهِ عَرْضُ الدُنْيا مِن عَقارٍ ونَحْوِهِ، أو لِيَكُونَ الكَلامُ دالًّا عَلى أنَّهُ تَعِبَ في تَكَسُّبِهِ، لَمْ يَجِئْهُ عَفْوًا لا بِمِيراثٍ وهِبَةٍ ونَحْوِهِ.
وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِـ"ما كَسَبَ" بَنُوهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما أغْنى عنهُ مالُهُ ووَلَدُهُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "خَيْرُ ما كَسَبَ الرَجُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ ولَدَ الرَجُلِ مِن كَسْبِهِ".» ورُوِيَ أنَّ أولادَ أبِي لَهَبٍ اخْتَصَمُوا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَتَنازَعُوا وتَدافَعُوا، فَقامَ ابْنُ عَبّاسٍ لِيَحْجِزَ بَيْنَهم فَدَفَعَهُ أحَدُهم فَوَقَعَ عَلى فِراشِهِ، وكانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَغَضِبَ وصاحَ: أخْرِجُوا عَنِّي الكَسْبَ الخَبِيثَ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: "وَما اكْتَسَبَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ حَتْمَ عَلَيْهِ بِالنارِ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ يُوافِي عَلى كُفْرِهِ، وانْتَزَعَ أهْلُ العِلْمِ بِالأُصُولِ مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازَ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وأنَّهُ مَوْجُودٌ في قِصَّةِ أبِي لَهَبٍ، وذَلِكَ أنَّهُ مُخاطَبٌ مُكَلَّفٌ أنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ، ومُكَلَّفٌ أنْ يُؤْمِنَ بِهَذِهِ السُورَةِ وصِحَّتِها، فَكَأنَّهُ قَدْ كُلِّفَ أنْ يُؤْمِنَ، وأنْ يُؤْمِنَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: ومَتى ورَدَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ فَهي أمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَتَمَ عَذابَهُ، أيْ عَذابُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ، لِقِصَّةِ أبِي لَهَبٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَيَصْلى" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ، وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ هي أُمُّ جَمِيلٍ، أُخْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، عَمَّةُ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ.
وعَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "وامْرَأتُهُ" عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ دُونَ أنْ يُؤَكِّدَ الضَمِيرَ بِسَبَبِ الحائِلِ الَّذِي نابَ مَنابَ التَأْكِيدِ، وكانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ مُؤْذِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِلِسانِها وغايَةُ قُدْرَتِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ تَجِيءُ بِالشَوْكِ فَتَطْرَحُهُ في طَرِيقِ النَبِيِّ وطَرِيقِ أصْحابِهِ لِيَعْقِرَهُمْ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ حَمّالَةَ الحَطَبِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَـ "حَمّالَةَ" مَعْرِفَةٌ يُرادُ بِهِ الماضِي.
وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِذُنُوبِها الَّتِي تَحْطِبُها عَلى نَفْسِها لِآخِرَتِها، فَـ "حَمّالَةَ" -عَلى هَذا- نَكِرَةٌ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالَ، وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِسَعْيِها عَلى الدِينِ والمُؤْمِنِينَ، كَما تَقُولُ: "فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ"، فَكانَتْ هي تَحْطِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي حَبْلِ المُشْرِكِينَ، وقالَ الشاعِرُ: إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُوا الحَطَبِ هُمُ الوُشاةُ في الرِضا وفي الغَضَبِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَمُرَيْئَتُهُ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَمّالَةُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عاصِمٌ: "حَمّالَةَ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ والأعْرَجِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَمّالَةٌ لِلْحَطَبِ" بِالرَفْعِ ولامِ الجَرِّ وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "حامِلَةً" بِكَسْرِ المِيمِ بَعْدَ الألِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى الحَبْلِ حَقِيقَةٌ، وهو الَّذِي رُبِطَتْ بِهِ الشَوْكُ وحَطَبُهُ، قالَ السُدِّيُّ: والمَسَدُ اللِيفُ، وقِيلَ: لِيفُ المُقِلِّ ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو شَجَرٌ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدُ، تُصْنَعُ مِنهُ الحِبالُ، وقالَ النابِغَةُ: مَقْذُوفَةٍ بِدَخِيسِ النَحْضِ بازِلُها لَهُ ∗∗∗ صَرِيفٌ صَرِيفَ القَعْوِ بِالمَسَدِ القَعْوُ: البَكْرَةُ، والمَسَدُ: الحَبْلُ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هَذا الكَلامُ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ: سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا، ونَحْوُ هَذا مِنَ العِباراتِ، وقالَ قَتادَةُ: "حَبْلٌ مِن مَسَدٍ": قِلادَةٌ مَن ودِعٍ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ لَها قِلادَةً فاخِرَةً فَقالَتْ: لَأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنَّما عَبَّرَ عن قِلادَتِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ لَها، وذَكَرَ تَبَرُّجَها في هَذا السَعْيِ الخَبِيثِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ لَمّا نَزَلَتْ وقُرِئَتْ بَلَغَتْ أُمَّ جَمِيلٍ، فَجاءَتْ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهو مَعَ النَبِيِّ في المَسْجِدِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ، وإنِّي لَشاعِرَةٌ، وقَدْ قُلْتُ فِيهِ: مُذَمَّمًا قَلَيْنا ودِينُهُ أبَيْنا فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ، ومَضَتْ هِيَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : لَقَدْ حَجَبَنِي عنها مَلائِكَةٌ فَما رَأتْنِي، وكَفى اللهُ شَرَّهًا» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المَسَدِ]والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
أعقب ذم أبي لهب ووعيدهُ بمثل ذلك لامرأته لأنها كانت تشاركه في أذى النبي صلى الله عليه وسلم وتعينه عليه.
وامرأته: أي زوجُه، قال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿ وامرأته قائمة ﴾ [هود: 71] وفي قصة لوط: ﴿ إلا امرأته كانت من الغابرين ﴾ [الأعراف: 83] وفي قصة نسوة يوسف: ﴿ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ﴾ [يوسف: 30].
وامرأة أبي لهب هي أم جَميل، واسمها أرْوَى بنتُ حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وقيل: اسمها العَوراء، فقيل هو وصف وأنها كانت عوراء، وقيل: اسمها، وذكر بعضهم: أن اسمها العَوَّاء بهمزة بعد الواو.
وكانت أم جميل هذه تحمل حطب العضاه والشوككِ فتضعه في الليل في طريق النبي صلى الله عليه وسلم الذي يسلك منه إلى بيته ليعقِر قدميه.
فلما حصل لأبي لهب وعيد مقتبس من كنيته جُعل لامرأته وعيد مقتبَس لفظُه من فِعلها وهو حَمْل الحطب في الدنيا، فأُنذرت بأنها تحمل الحطب في جهنم ليوقَد به على زوجها، وذلك خزي لها ولزوجها إذ جعل شدة عذابه على يد أحب الناس إليه، وجعلها سبباً لعذاب أعز الناس عليها.
فقوله: ﴿ وامرأته ﴾ عطف على الضمير المستتر في ﴿ سيصلى ﴾ [المسد: 3] أي وتصلى امرأته ناراً.
وقوله: ﴿ حمالةُ الحطب ﴾ قرأه الجمهور برفع ﴿ حمالةُ ﴾ على أنه صفة لامرأته فيَحتمل أنها صفتها في جهنم ويحتمل أنها صفتها التي كانت تعمل في الدّنيا بجلب حطب العضاه لتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة التوجيه والإِيماء إلى تعليل تعذيبها بذلك.
وقرأه عاصم بنصب ﴿ حمالة ﴾ على الحال من ﴿ امرأته ﴾ .
وفيه من التوجيه والإِيماء ما في قراءة الرفع.
وجملة: ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ صفة ثانية أو حال ثانية وذلك إخبار بما تعامل به في الآخرة، أي جعل لها حبل في عنقها تحمِل فيه الحطب في جهنم لإِسعار النار على زوجها جزاء مماثلاً لعملها في الدنيا الذي أغضب الله تعالى عليها.
والجِيد: العُنق، وغلَب في الاستعمال على عنق المرأة وعلى محل القلادة منه فَقَلّ أن يذكر العُنق في وصف النساء في الشعر العربي إلا إذا كان عُنُقاً موصوفاً بالحسن وقد جمعهما امرؤ القيس في قوله: وجيدٍ كجِيد الرِئم ليس بفاحش *** إذا هي نَصَّتْه ولا بمُعَطَّل قال السهيلي في «الروض»: «والمعروف أن يذكر العنق إذا ذكر الحَلي أو الحُسن فإنما حَسُن هنا ذِكر الجيد في حكم البلاغة لأنها امرأة والنساء تحلي أجيادَهن وأم جميل لا حلي لها في الآخرة إلا الحَبل المجعول في عنقها فلما أقيم لها ذلك مقام الحَلي ذُكر الجيد معه، ألا ترى إلى قول الأعشى: يومَ تبدي لنا قتيلةُ عن جي *** د أسيل تزينُه الأطواق ولم يقل عن عنق، وقول الآخر: وأحسن من عقد المليحة جيدُها *** ولم يقل عنقها ولو قال لكان غثاً من الكلام.
ا ه.
قلت: وأما قول المعري: الحَجْلُ للرِّجْل والتاجُ المُنيفُ لما *** فوقَ الحِجَاج وعقْد الدرّ للعنق فإنما حسنه ما بين العقد والعنق من الجناس إتماماً للمجانسة التي بين الحَجْل والرجل، والتاج والحجاج، وهو مقصود الشاعر.
والحبْل: ما يربط به الأشياء التي يراد اتصالُ بعضها ببعض وتقيدُ به الدابة والمسجون كيلا يبرح من المكان، وهو ضفير من الليف أو من سُيور جلد في طول متفاوت على حسب قوة ما يشد به أو يربط في وتدٍ أو حلقة أو شجرة بحيث يمنع المربوط به من مغادرة موضعه إلى غيره على بعد يراد، وتربط به قلوع السفن وتشد به السفن في الأرض في الشواطئ، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ واعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ﴾ وقوله: ﴿ إلا بحبل من اللَّه وحبل من الناس ﴾ كلاها في سورة آل عمران (103 112)، ويقال: حبله إذا ربطه.
والمسدّ: ليف من ليف اليمن شديد، والحِبال التي تفتل منه تكون قوية وصُلبة.
وقدم الخبر من قوله: ﴿ في جيدها ﴾ للاهتمام بوصف تلك الحالة الفظيعة التي عوضت فيها بحبل في جيدها عن العقد الذي كانت تحلي به جيدها في الدنيا فتربط به إذ قد كانت هي وزوجها من أهل الثراء وسادة أهل البطحاء، وقد ماتت أم جميل على الشرك.
سُورَةُ المَسَدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها في أبِي لَهَبٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ «أنَّ أبا لَهَبٍ أتى النَّبِيَّ فَقالَ: ماذا أُعْطى إنْ آمَنتُ بِكَ يا مُحَمَّدُ؟
قالَ: ما يُعْطى المُسْلِمُونَ، قالَ: ما عَلَيْهِمْ فَضْلٌ؟
قالَ: وأيُّ شَيْءٍ تَبْتَغِي؟
قالَ: تَبًّا لِهَذا مِن دِينٍ أنْ أكُونَ أنا وهَؤُلاءِ سَواءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ » الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ أتى رَسُولُ اللَّهِ الصَّفا فَصَعِدَ عَلَيْها، ثُمَّ نادى يا صَباحاهُ!
فاجْتَمَعَ النّاسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم، صَدَّقْتُمُونِي؟
قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ أما دَعَوْتَنا إلّا لِهَذا؟
!
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ» .
الثّالِثُ: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسانَ أنَّهُ «كانَ إذا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ وفْدٌ انْطَلَقَ إلَيْهِمْ أبُو لَهَبٍ، فَيَسْألُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنَّهُ كَذّابٌ ساحِرٌ، فَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ، فَفَعَلَ مَعَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ ونَسْمَعَ كَلامَهُ، فَقالَ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ فاكْتَأبَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ تَبَّتْ ﴾ السُّورَةَ»، وفي ﴿ تَبَّتْ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خابَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ضَلَّتْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
الثّالِثُ: هَلَكَتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: صَفُرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ.
حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ لَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ سَمِعَ النّاسُ هاتِفًا يَقُولُ لَقَدْ خَلَّوْكَ وانْصَدَعُوا فَما آبُوا ولا رَجَعُوا ∗∗∗ ولَمْ يُوفُوا بِنَذْرِهِمُ ∗∗∗ فَيا تَبًّا لِما صَنَعُوا والخامِسُ: خَسِرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَواعَدَنِي قَوْمِي لِيَسْعَوْا بِمُهْجَتِي ∗∗∗ بِجارِيَةٍ لَهم تَبًّا لَهم تَبًّا وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفْسَ أبِي لَهَبٍ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِاليَدِ كَما قالَ تَعالى ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ أيْ نَفْسُكَ.
الثّانِي: أيْ عَمَلُ أبِي لَهَبٍ، وإنَّما نُسِبُ العَمَلُ إلى اليَدِ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَكُونُ بِها.
وَقِيلَ إنَّهُ كُنِّيَ أبا لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وتَلَهُّبِ وجْنَتِهُ، وفي ذِكْرِ اللَّهِ لَهُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ.
الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ مُسَمًّى بِعَبْدِ هُشْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ العُزّى فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ.
الثّالِثُ: لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، لِأنَّ الكُنْيَةَ إشارَةٌ إلَيْهِ بِاسْمِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ دَعا اللَّهُ أنْبِياءَهُ بِأسْمائِهِمْ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَتَبَّ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ مِن قَوْلِهِ ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ فَقالَ بَعْدَهُ ﴿ وَتَبَّ ﴾ تَأْكِيدًا.
الثّانِي: يَعْنِي تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ بِما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أذًى لِرَسُولِهِ، وتَبَّ بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ألِيمِ عِقابِهِ.
الثّالِثُ: يَعْنِي قَدْ تَبَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: يَعْنِي وتَبَّ ولَدُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ، جَعَلَهُ خَبَرًا، وهي عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ تَكُونُ دُعاءً كالأوَّلِ.
وَفِيما تَبَّتْ عَنْهُ يَدا أبِي لَهَبٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عَنِ الخَيْراتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ ما أغْنى عَنْهُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما دَفَعَ عَنْهُ.
الثّانِي: ما نَفَعَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفي ﴿ مالُهُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أغْنامَهُ، لِأنَّهُ كانَ صاحِبَ سائِمَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ تَلِيدَهُ وطارِفَهُ، والتَّلِيدُ: المَوْرُوثُ، والطّارِفُ: المُكْتَسَبُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَما كَسَبَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَمَلُهُ الخَبِيثُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (أوْلادُكم مِن كَسْبِكُمْ)» وكانَ ولَدُهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ مُبالِغًا في عَداوَةِ النَّبِيِّ كَأبِيهِ، فَقالَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿ والنَّجْمِ إذا هَوى ﴾ كَفَرْتُ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، وبِاَلَّذِي دَنا فَتَدَلّى، وتَفَلَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ إلى الشّامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (اَللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ)» .
وفِيما لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ وجْهانِ: أحَدُهُما: في عَداوَتِهِ النَّبِيَّ .
الثّانِي: في دَفْعِ النّارِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ في سِينِ سَيَصْلى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سِينُ سَوْفَ.
الثّانِي: سِينُ الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ﴾ و ﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا ﴾ وفي يَصْلًى وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلِيَ النّارَ، أيْ حَطَبًا ووَقُودًا، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
الثّانِي: يَعْنِي تُصْلِيهِ النّارُ، أيْ تُنْضِجُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِفَةً لَهُ في النّارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي صِفَةً لِلنّارِ.
وَفي ﴿ نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاتُ ارْتِفاعٍ وقُوَّةٍ واشْتِعالٍ، فَوَصَفَ نارَهُ ذاتَ اللَّهَبِ بِقُوَّتِها، لِأنَّ قُوَّةَ النّارِ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ لَهَبِها.
الثّانِي: ما في هَذِهِ الصِّفَةِ مِن مُضارَعَةِ كُنْيَتِهِ الَّتِي كانَتْ مِن نَذْرِهِ ووَعِيدِهِ.
وَهَذِهِ الآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ حَقَّ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ.
الثّانِي: إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ، وكانَ خَبَرُهُ صِدْقًا، ووَعِيدُهُ حَقًّا.
﴿ وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ.
وَفي ﴿ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ النَّبِيِّ لَيْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ بِالفَقْرِ، فَكانَ يَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِأنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ فَسُمِّيَ الماشِي بِالنَّمِيمَةِ حَمّالَ الحَطَبِ لِأنَّهُ يُشْعِلُ العَداوَةَ كَما تُشْعِلُ النّارُ الحَطَبَ، قالَ الشّاعِرُ إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ.
عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتْرى والحَرَبْ.
وَقالَ آخَرُ مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرٍ لَأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ والرَّطْبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ ما حَمَلَتْهُ مِنَ الآثامِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ لِأنَّهُ كالحَطَبِ في مَصِيرِهِ إلى النّارِ.
﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ ﴿ جِيدِها ﴾ : عُنُقُها.
وَفي ﴿ حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا ﴾ قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَتِ السِّلْسِلَةُ مَسَدًا لِأنَّها مَمْسُودَةٌ، أيْ مَفْتُولَةٌ.
الثّانِي: أنَّهُ حَبْلٌ مِن لِيفِ النَّخْلِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومِن قَوْلِ الشّاعِرِ أعُوذُ بِاَللَّهِ مِن لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي ∗∗∗ إلى مُضاجَعَةٍ كالدَّلْكِ بِالمَسَدِ.
الثّالِثُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ لَها، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حَبْلٌ ذُو ألْوانٍ مِن أحْمَرَ وأصْفَرَ تَتَزَيَّنُ بِهِ في جِيدِها، قالَهُ الحَسَنُ، ذُكِّرَتْ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ أيْضًا.
الخامِسُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن جَوْهَرٍ فاخِرٍ، قالَتْ لَأُنْفِقَنَّها في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَذابًا في جِيدِها يَوْمَ القِيامَةِ.
السّادِسُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الخِذْلانِ، يَعْنِي أنَّها مَرْبُوطَةٌ عَنِ الإيمانِ بِما سَبَقَ لَها مِنَ الشَّقاءِ كالمَرْبُوطَةِ في جِيدِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ.
السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ أوْزارَ كُفْرِها صارَتْ كالحامِلَةِ لِحَطَبِ نارِها الَّتِي تُصْلى بِها.
رَوى الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ تَبَّتْ يَدا ﴾ في أبِي لَهَبٍ واِمْرَأتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ أقْبَلَتْ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها قَهَرٌ وهي تَقُولُ مُذَمَّمًا عَصَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا.
وَرَسُولُ اللَّهِ في المَسْجِدِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا رَآها أبُو بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أقْبَلَتْ وإنِّي أخافُ أنْ تَراكَ، فَقالَ: إنَّها لَنْ تَرانِي، وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ فَأقْبَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ إنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، فَقالَ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ، فَوَلَّتْ فَعَثَرَتْ في مَرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مُذَمَّمٌ، وانْصَرَفَتْ» .
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: ما كان أبو لهب إلا من كفار قريش، ما هو حتى خرج من الشعب حين تمالأت قريش حتى حصرونا في الشعب وظاهرهم، فلما خرج أبو لهب من الشعب وظاهرهم، فلما خرج أبو لهب من الشعب لقي هنداً بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه، فقال: يا ابنت عتبة هل نصرت اللات والعزى؟
قالت: نعم فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة.
قال: إن محمداً يعدنا أشياء لا نراها كائنة، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فما ذاك وصنع في يدي، ثم نفخ في يديه ثم قال: تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد، فنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال ابن عباس: فحصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرة حتى إن الرجل ليخرج منا بالنفقة فما يبايع حتى يرجع حتى هلك فينا من هلك.
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين ﴾ [ الشعراء: 214] خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟
قالوا: ما جربنا عليك كذبا.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: تبًّا لك إنما جمعتنا لهذا؟
ثم قام فنزلت هذه السورة ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال: خسرت.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال: خسرت ﴿ وتب ﴾ قال: خسر.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ﴾ قال: خسرت يدا أبي لهب وخسر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: إنما سمي أبا لهب من حسنه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ابنه من كسبه، ثم قرأ ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ قالت: وما كسب ولده.
وأخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: كان يقال: ما أإنى عنه ماله وما كسب وولده كسبه ومجاهد وعائشة قالاه.
وأخرج الطبراني عن قتادة قال: كانت رقيه بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ سأل النبي صلى الله عليه وسلم طلاق رقية فطلقها فتزوّجها عثمان.
وأخرج الطبراني عن قتادة قال: تزوّج أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عتيبة بن أبي لهب، وكانت رقية عند أخيه عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال أبو لهب لابنيه عتيبة وعتبة: رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا بنتي محمد، وقالت أمهما بنت حرب بن أميه، وهي حمالة الحطب: طلقاهما فإنهما قد صبتا، فطلقاهما.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أن امرأة أبي لهب كانت تلقي في طريق النبي صلى الله عليه وسلم الشوك، فنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب، وامرأته حمالة الحطب ﴾ فلما نزلت بلغ امرأة أبي لهب أن النبي يهجوك، قالت: علام يهجوني؟
هل رأيتموني كما قال محمد أحمل حطباً في جيدي حبل من مسد؟
فمكثت ثم أتته فقالت: إن ربك قلاك وودعك، فأنزل الله: ﴿ والضحى ﴾ [ الضحى: 1] إلى ﴿ وما قلى ﴾ [ الضحى: 3] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تأتي بأغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق رسول الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تمشي بالنميمة ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ من نار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض ﴿ في جيدها حبل ﴾ قال: عنقها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تحمل النميمة فتأتي بها بطون قريش.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عروة بن الزبير ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ قال: سلسلة من حديد من نار ذرعها سبعون ذراعاً.
وأخرج ابن الأنباري عن قتادة رضي الله عنه ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ قال: من الودع.
وأخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه، ويقال: ﴿ حمالة الحطب ﴾ نقالة الحديث ﴿ حبل من مسد ﴾ قال: هي حبال تكون بمكة، ويقال المسد العصا التي تكون في البكرة، ويقال: المسد قلادة لها من ودع.
وأخرج ابن عساكر بسند فيه الكديمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت ولي أربع عمومة، فأما العباس فيكنى بأبي الفضل، ولولده الفضل إلى يوم القيامة، وأما حمزة فيكنى بأبي يعلى، فأعلى الله قدره في الدنيا والآخرة، وأما عبد العزى فيكنى بأبي لهب، فأدخله الله النار وألهبها عليه، وأما عبد مناف فيكنى بأبي طالب فله ولولده المطاولة والرفعة إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنه قال: مرت درة ابنة أبي لهب برجل فقال: هذه ابنة عدو الله أبي لهب، فأقبلت عليه فقالت ذكر الله أبي لنسابته وشرفه وترك أباك لجهالته، ثم ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فخطب الناس فقال: «لا يؤذين مسلم بكافر» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر وأبي هريرة وعمار بن ياسر رضي الله عنهم قالوا: قدمت درة بنت أبي لهب مهاجرة فقال لها نسوة: أنت درة بنت أبي لهب الذي يقول الله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فخطب فقال: «يا أيها الناس مالي أوذى في أهلي فوالله إن شفاعتي لتنال بقرابتي حتى إن حكما وحاء وصدا وسلهبا تنالها يوم القيامة بقرابتي» .
وقوله تعالى: ﴿ فِي جِيدِهَا ﴾ أي في عنقها.
﴿ حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (والمسد في كلام العرب الفتل، يقال مسد الحبل يَمْسُده، إذا أجاد فتله.
ورجل ممسود، إذا كان مجدول الخَلْق، وجارية ممسودة إذا كانت حسنة طي الخَلْق، والمسد: ما مسد، أي: فتل من أي شيء كان، فيقال لما فتل من جلود الإبل، ومن الليف، والخوص: مسد.
ولما فتل من حديد أيضًا: مسد.
والمعنى أن السلسلة التي في عنقها فُتلَتْ من الحديد فَتْلًا محكمًا، ولوي ليًا شديدًا) (٦) ﴿ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا ﴾ (٧) قالوا (٨) له صِريفٌ صَرِيف القَعْوِ بالمسَدِ (٩) وإلى هذا ذهب مجاهد (١٠) (١١) وهذا كالقول الأول، لأن المعنى: حبل من حديد، ووهم (١٢) (١٣) (وقال قتادة يعني: قلادة من ودع (١٤) (١٥) (١٦) وقال الحسن: كانت خرزات في عنقها (١٧) (وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة (١٨) (١٩) وقال ابن زيد: حبل من شجر تنبت باليمن يقال لها مسد (٢٠) (وقال مؤرج: تفتل من لحاء شجر الحرم (٢١) (٢٢) وكل هذا وهم، لا ذم لها في كون القلادة في عنقها.
والمراد بقوله: (في جيدها) يعني في النار، ولا يكون في جيدها في النار حبل من ليف، ولا من لحاء شجر.
(وذهب قوم إلى أنها كانت تحتطب على ظهرها بحبل من ليف في عنقها (٢٣) (٢٤) (قال ابن قتيبة: ولست أدري كيف هذا، لأن الله وصف زوجها بالمال والولد، ثم ذكر في المسد مثل ما ذكرنا، وهو أنه كل ما ضفر وقتل وإن كان حديدًا أو نارًا، وما شاء الله أن يكون (٢٥) (٢٦) وذكر أهل العلم (من المفسرين) (٢٧) - في هذه السورة وهو أنه أخبر أن أبا لهب وزوجه يدخلان النار، وذلك (٢٨) (٢٩) وسئل الحسن فقيل: هل كان يستطيع أبو لهب أن لا يصلى النار؟
فقال والله ما كان يستطيع لا يصلاها (٣٠) (٣١) (٣٢) (تمت) (٣٣) (١) "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، معالم التنزيل: 4/ 543، كما ورد في حاشية كتاب "زاد المسير" 8/ 328 عن النسخة الأزهرية.
"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242 من رواية أبي صالح عن ابن عباس، و"لباب التأويل" 4/ 425.
(٢) ورد معنى قوله في: "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"زاد المسير" 8/ 328 حاشية.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 340، و"بحر العلوم" 3/ 524، و"الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"المحرر الوجيز" 5/ 535، و"زاد المسير" 8/ 823، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 603، و"فتح القدير" 5/ 512.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٦) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 12/ 380، وعزا الأزهري القول من: (والمسد في كلام العرب ..) إلى (والخوص المسد) إلى ابن السكيت، ولم أجده في إصلاح المنطق.
(٧) سورة الحاقة: 32.
(٨) وهو قول ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعروة.
انظر: "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242.
(٩) شطر الأول منه: مَقْذُوفَةٍ بِدخِيسِ النَّحْضِ بازِلُها وقد ورد البيت في: ديوانه: 31: ط الموسوعة العربية للطباعة والنشر، و"المحرر الوجيز" 5/ 535، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 241 "فتح القدير" 5/ 512، و"الكامل" 2/ 846.
ومعنى: "القعو" ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب، فإن كان من حديد فهو خطاف، وقوله: "مقذوفة" يقول مرمية باللحم.
"الدخيس" الذي قد ركب بعضه بعضًا، و"والنحْص" للحم، و"بازلها" نابها.
"الكامل" 2/ 1023، وانظر: "ديوانه" -الحاشية-.
(١٠) "جامع البيان" 30/ 341، و"بحرالعلوم" 3/ 524، و"الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544.
(١١) "جامع البيان" 30/ 341.
(١٢) في (أ): وهم.
(١٣) "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"النكت والعيون" 6/ 368، و"معالم التنزيل" 4/ 544.
(١٤) الودع: خرز بيض تخرج من البحر تتفاوت في الصغر والكبر.
قاله القرطبي: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242.
(١٥) ورد قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 406، و"جامع البيان" 30/ 341، و"الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"النكت والعيون" 6/ 368، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"المحرر الوجيز" 5/ 535، و"زاد المسير" 8/ 268، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"الدر المنثور" 8/ 667 وعزاه إلى ابن الأنباري، و"فتح القدير" 5/ 512.
(١٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٧) "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"النكت والعيون" 6/ 368 بمعناه، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" 8/ 368 الهامش من النسخة الأزهرية، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 444.
(١٨) "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"المحرر الوجيز" 5/ 535، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"فتح القدير" 5/ 512.
(١٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٠) "جامع البيان" 30/ 340، و"الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، بمعناه في: "المحرر الوجيز" 5/ 535.
(٢١) "الكشف والبيان" 13/ 185 أ.
(٢٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٣) عزاه ابن قتيبة إلى بعض المتقدمين: "تأويل مشكل القرآن" ص 161 - 162، وقد قال به: قتادة كما في: "الكشف والبيان" 13/ 184 أ، و"النكت والعيون" 6/ 367.
(٢٤) ما بين القوسين ساقط من (أ) (٢٥) "تأويل مشكل القرآن" ص 161 - 162 باختصار.
(٢٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٧) ساقط من (أ).
(٢٨) في (ع): (كذلك).
(٢٩) قال بذلك الثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 243 و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 604 وعزاه إلى العلماء.
(٣٠) في (أ): (يصليها).
(٣١) في (أ): (في).
(٣٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).
﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ معنى تبت خسرت والتباب هو: الخسران، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وهو عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أشد الناس عداوة له.
فإن قيل: لم ذكره الله بكنيته دون اسمه؟
فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها: أن كنيته كانت أغلب عليه من اسمه كأبي بكر وغيره ويقال: أنه كُني بأبي لهب لتلهب وجهه جمالاً.
الثاني: أنه لما كان اسمه عبد العزى عدل عنه إلى الكنية.
الثالث: أنه لما كان من أهل النار واللهب، كنَّها أبا لهب وليناسب ذلك قوله: سيصلى ناراً ذات لهب.
﴿ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية يراد بها النفي، وماله: وهو رأس ماله وما كسب: الربح أو ماله: ما ورث، وما كسب: هو ما اكتسبه لنفسه، وقيل: جميع ماله وما كسب ﴿ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ هذا حتم عليه بدخول النار ومات بعد ذلك كافراً ﴿ وامرأته حَمَّالَةَ الحطب ﴾ اسم امرأته أم جميل بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان، وفي وصفها بحمالة الحطب أربعة أقوال.
أحدها: أنها تحمل حطباً وشوكاً فتلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن ذلك عبارة عن مشيها بالنميمة يقال: فلان يحمل الحطب بين الناس أي: يوقد بينهم نار العداوة بالنمائم.
الثالث: أنه عبارة عن سعيها بالمضرة على المسلمين يقال: فلان يحطِب على فلان إذا قصد الإضرار به.
الرابع: أنه عبارة عن ذنوبها وسوء أعمالها ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾ الجِيد: العنق والمسَد الليف، وقيل: الحبل المفتول، وفي المراد به ثلاثة أقوال: الأول: أنه إخبار عن حملها الحطب في الدنيا على القول الأول، وفي ذلك تحقير لها وإظهار لخساسة حالها.
والآخر: أنه حالها في جنهم يكون كذلك أي يكون في عنقها حبل.
الثالث: أنها كانت قلادة فاخرة، فقالت لأنفقنها على عداوة محمد، فأخبر عن قلادتها بحبل المسد على جهة التفاؤل والذم لها بتبرجها، ويحتمل قوله: وامرأته وما بعده وجوها من الإعراب يختلف الوقف باختلافها وهي: أن يكون امرأته وحمالة الحطب خبره، أو يكون حمالةَ الحطب نعت والخبر: في جيدها حبل من مسد أو يكون امرأته معطوفاً على الضمير في يصلى وحمالة الحطب نعت، أو خبر ابتداء مضمر.
القراءات ﴿ أبي لهب ﴾ بسكون الهاء: ابن كثير ﴿ سيصلى ﴾ بضم الياء: البرجمي ﴿ حمالة ﴾ بالنصب: عاصم ﴿ جيدها ﴾ ممالة: نصير.
الوقوف: ﴿ وتب ﴾ ه ﴿ كسب ﴾ ه ﴿ لهب ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ وامرأته ﴾ مبتدأ خبره ﴿ حمالة الحطب ﴾ أو ﴿ في جيدها ﴾ إلى آخره واحتمال كونه عطفاً على ضمير ﴿ سيصلى ﴾ والأوجه الوصل ﴿ وامرأته ﴾ ه لمن قرأ ﴿ حمالة ﴾ بالنصب على الذم، ويجوز الوقف لمن قرأ بالرفع أيضاً على تقدير هي حمالة الحطب.
ومن قرأ ﴿ حمالة ﴾ بالنصب فله أن يصل ﴿ ذات لهب ﴾ بما بعده ويقف على ﴿ مسد ﴾ ﴿ مسد ﴾ ه.
التفسير: لما أخبر عن فتح الولي وهو النبي نبه على مآل حال العدو في الدارين.
قال ابن عباس: "كان رسول الله يكتم أمره في أول المبعث ويصلي في شعاب مكة ثلاث سنين إلى أن نزل قوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فصعد الصفا ونادى: يا آل غالب فخرجت إليه من المسجد.
فقال أبو لهب: هذه غالب قد أتتك فما عندك؟
ثم نادى يا آل لؤي فرجع من لم يكن من لؤي فقال: هذه لؤي قد أتتك فما عندك؟
فقال يا آل - كلاب ثم قال بعده: يا آل قصي فقال أبو لهب: هذه قصي قد أتتك فما عندك، ثم قال: إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين وأنتم الأقربون، إني لا أملك لكم من الدنيا حظاً ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فأشهد لكم بها عند ربكم.
فقال أبو لهب عليه اللعنة: تباً لك ألهذا دعوتنا؟
فنزلت السورة" .
وقيل: "إن رسول الله جمع أعمامه وقدم إليهم طعاماً في صحفة فاستحقروه وقالوا: إن أحدنا يأكل الشاة فقال: كلوا فأكلوا فشبعوا ولم ينتقص من الطعام إلا قليل.
ثم قالوا فما عندك؟
فدعاهم إلى الإسلام.
فقال أبو لهب ما قال" .
وروي أنه قال أبو لهب: "فما لي إن أسلمت؟
فقال: ما للمسلمين.
فقال: أفلا أفضل عليهم؟
فقال النبي : وبماذا تفضل؟
فقال: تباً لهذا الدين الذي يستوي فيه أنا وغيري فنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ " التباب الهلاك كقوله ﴿ وما كيد فرعون إلا في تباب ﴾ وقيل: الخسران المفضي إلى الهلاك.
وقيل: الخيبة.
وقال ابن عباس: لأنه كان يدفع قائلاً إنه ساحر فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوى الشديدة فصار متهماً فلم يقبل قوله في الرسول بعد ذلك فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه.
قالوا: ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه فيقول: انصرف راشداً فإنه مجنون.
ويروى أنه أخذ حجراً ليرمي به رسول الله .
وعن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله في السوق يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد ادمى عقيبة وقال: لا تطيعوه إنه كذاب.
فقلت: من هذا؟
فقالوا: محمد وعمه أبو لهب.
وقال أهل المعاني: أراد باليدين الجملة كقوله ﴿ ذلك بما قدّمت يداك ﴾ لأن أكثر الأعمال إنما تعمل باليد، فاليمين كالسلاح واليسار كالجنة، بالأولى يجر المنفعة وبالأخرى يدفع المضرة، وروي أنه لما دعاه نهاراً فأبى ذهب إلى داره ليلاً مستناً بسنة نوح ليدعوه ليلاً كما دعاه نهاراً، فلما دخل عليه قال له: جئتني معتذراً.
فجلس النبي أمامه كالمحتاج وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال: ن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت.
فقال: لا أومن بك أو يؤمن هذا الجدي.
فقال النبي للجدي.
من أنا؟
فقال: أنت رسول الله وأطلق لسانه يثني عليه فاستولى الحسد على أبي لهب وأخذ يدي الجدي ومزقه وقال: تباً لك أثر فيك السحر.
فقال الجدي: بل تبت يدالك فنزلت السورة على وفق ذلك لتمزيقه يدي الحيوان الشاهد بالحق الناطق بالصدق.
وفي ذكر أبي لهب بالكنية الدالة على التعظيم المنبئة عن شبهة الكذب إذ لم يكن له ولد مسمى بلهب وجوه منها: أن الكنية قد تصير اسماً بالغلبة فلا تدل على التعظيم، وإيهام الكذب منتف لأنهم يريدون بها التفاؤل فلا يلزم منه أن يحصل له ولد يسمى بلهب.
ومناه أن اسمه كان عبد العزي فكان الاحتراز عن ذكره أولى.
ومنها أنه إشارة إلى أنه من أهل النار كما يقال " أبو الخير " لمن يلازمه.
وكما قال النبي لعلي " يا أبا تراب " لتراب لصق بظهره.
وقيل: سمي بذلك لتلهب وجنتيه فسماه الله بذلك تهكماً ورمزاً إلى مآل حاله وفي قوله ﴿ سيصلى ناراً ذات لهب ﴾ قال أهل الخطابة: إنام لم يقل في أوّل هذه السورة " قل تبت " كما قال ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ لئلا يشافه عمه بما يشتد غضبه رعاية للحرمة وتحقيقاً لقوله ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وأيضاً إن الكفار في تلك السورة طعنوا في الله فقال الله: يا محمد أجبهم عني ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي هذ السورة طعنوا في حق محمد فقال الله اسكت أنت فإنيّ أشتمهم ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ وفيه تنبيه على أن الذي لا يشافه السفيه كان الله ذاباً عنه وناصراً له.
يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتاً فجعل الرسول يذبه عنه ويزجر ذلك المؤذي فشرع أبو بكر في الجواب فسكت الرسول فقال أبو بكر: ما السبب في ذلك؟
فقال: لإنك حين كنت ساكتاً كان الملك يجيب عنك، فلما شرعت في الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان.
قال أبو الليث: اللهب واللهب لغتان كالنهر والنهر ولكن الفتح أوجه، ولهذا قرأ به أكثر القراء.
وأجمعوا في قوله ﴿ ذات لهب ﴾ على الفتح رعاية للفاصلة.
وفي دفع التكرار عن قوله ﴿ وتب ﴾ وجوه منها: أن الأول دعاء والثاني إخبار ويؤيده قراءة ابن مسعود و " قد تب "، ومنها أن الأول إخبار عن هلاك عمله لأن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه باليد، والثاني إخبار عن هلاك نفسه وهو قول أبي مسلم.
وقيل: الأول إهلاك ما له فقد يقال للمال ذات اليد، والآخر هلاك نفسه وهو قول أبي مسلم.
وقيل: الأول نفسه والثاني ولده عتبة على ما روي أن عتبة ابن أبي لهب خرج إلى الشام مع ناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم عتبة: بلغوا عني محمداً أني كفرت بالنجم إذا هوى.
وروى أنهقال ذلك في وجه رسول الله وتفل في جهه وكان مبالغاً في عداوته فقال: الله سلط عليه كلباً من كلابك.
فوقع الرعب في قلب عتبة وكان يحترز دائماً فسار ليلة من الليالي إلى قريب من الصبح فقال له أصحابه: هلكت الركاب.
فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب فأناح الإبل حوله كالسرادق فسلط الله الأسد وألقى السكينة على الإبل فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه.
فقوله ﴿ تبت ﴾ قبل هذه الواقعة على عادة إخبار الله في جعل المستقبل كالماضي المحقق.
والفرق بين المال والكسب من وجوه أحدها: أن المال عني به رأس المال والمكسوب هو الربح.
وثانيها أراد الماشية والذي كسبه من نسلها وكان صاحب النعم والنتاج.
وثالثها أريد ماله الموروث والذي كسبه بنفسه.
وعن ابن عباس: المكسوب الولد لقوله " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" روي أنه لما مات تركه أبناؤه ليلتين أو ثلاثاً حتى أنتن في بيته لعلة كانت به خافوا عدواها.
وقال الضحاك وقتادة: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة الرسول وسائر أعماله التي ظن أنه منها على شيء كقوله ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ﴾ وفي قوله ﴿ أغنى ﴾ بلفظ الماضي تأكيد وتحقيق على عادة إخبار الله وقد زاده تأكيداً بقوله ﴿ سيصلى ناراً ذات لهب ﴾ وطالما استدل به أهل السنة في وقوع تكليف ما لا يطاق قائلين إنه كلف أبا لهب بالإيمان، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه، ومما خبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن وبأن لا يؤمن وهو تكليف بالجمع بين النقيضين.
وأجيب بأنه كلف بتصديق الرسول فقط لا بتصديقه وعدم تصديقه حتى يجتمع النقيضان، وغاية ذلك أنهم كلفوا بالإيمان بعد علمهم بأنهم لا يؤمنون وليس فيه إلا انتفاء فائدة التكليف، لأن فائدة التكليف بما علم الله لا يكون هو الابتلاء وإلزام الحجة وهذا لا يتصور بعد أن يعلم المكلف حاله من امتناع صدور الفعل عنه، والتكليف من غير فائدة جائز عندكم لأن أفعاله غير معللة بغرض وفائدة على معتقدكم.
ثم إن امرأة أبي لهب أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية كانت في غاية العداوة لرسول الله ، فمن المفسرين من قال: كانت تحمل الشوك والحطب وتلقيهما بالليل في طريق النبي ، فلعلها مع كونها من بيت العز كانت خسيسة أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك والحطب لتلقيه في طريق الرسول .
ثم من هؤلاء من زعم أن الحبل اشتد في جيدها فماتت بسبب الاختناق، فقوله ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ يحتمل على هذا أن يكون دعاء عليها وقد وقع كما أريد وكان معجزاً.
ومنهم من قال: عيرها بذلك تشبيهاً لها بالحطابات وإيذاء لها ولزوجها.
وعن قتادة أنها كانت تعير رسول الله بالفقر فعيرها بأنها كانت تحتطب.
والأكثرون على أن المراد بقوله ﴿ حمالة الحطب ﴾ أنها كانت تمشي بالنميمة يقال للنمام المفسد بين الناس إنه يحمل الحطب بينهم أي يوقد بينهم النائرة.
ويقال للمكثار هو كحاطب ليل.
وقال أبو مسلم وسعيد بن جبير: أراد ما حملت من الآثام في عداوة الرسول لأنه كان كالحطب في مصيره إلى النار نظيره ﴿ فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ ﴿ وليحملن أثقالهم ﴾ "يروى عن أسماء أنه لما نزلت السورة جاءت أم جميل ولها ولولة وبيدها حجر فدخلت المسجد ورسول الله جالس ومعه أبو بكر وهي تقول: مذمماً قلينا.
ودينه أبينا.
وحكمه عصينا فقال أبو بكر: يا رسولالله قد أقبلت إليك فأنا أخاف أن تراك.
فقال : إنها لا تراني وقرأ ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ فقالت لأبي بكر: قد ذكر لي أن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب الكعبة ما هجاك" .
قالت العلماء: لعل أبا بكر عني بذلك أن الله قد هجاها ولم يهجها الرسول، أو اعتقد أن القرآن لا يسمى هجواً.
ثم إن أم جميل ولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها.
قال الواحدي: المسد في كلام العرب الفتل.
يقال: مسد الحبل مسداً إذا أجاد فتله.
ورجل ممسود إذا كان مجدول الخلق.
والمسد بالتحريك ما مسد أي فتل من أي شيء كان كالليف والخوص وجلود الإبل والحديد.
وقد عرفت معنى قوله ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ على رأي بعض أهل التفسير.
وقال الآخرون: المعنى أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها في المعنى عند النميمة، أو في الظاهر حين كانت تحمل الحزمة من الشوك فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم وفي جيده حبل من سلاسل النار.
قوله - عز وجل -: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ : أي: خسرت، وخابت، كذلك قال أبو عوسجة، يقال: تب يتب وتبايا.
ثم ما ذكر من قوله: ﴿ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ يحتمل حقيقة اليد.
ويحتمل أن يكون ذكر اليد على الصلة.
فإن كان على إرادة حقيقة اليد، فهو يخرج على وجوه: أحدها: ما ذكر: أنه [كان] كثير الإحسان إلى رسول الله ، والإنفاق عليه، والصنائع إليه، وكان يقول: إن كان الأمر لمحمد يومئذ؛ فيكون لي عنده يد، وإن كان لقريش فلي عندها يد؛ فأخبر - والله أعلم - أنه خسر فيما طمع ورجا من اليدن التي له عنده والإحسان الذي أحسن إليه؛ إذ لم يصدقه، ولم يؤمن به، وخسر - أيضا - ما ادعى من اليد له عند قريش.
والثاني: يحتمل أن يكون من أبي لهب تخويف لرسول الله بالبطش والأخذ باليد؛ فأمن الله - - رسوله عما خوفه [به]، حيث قال: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ ﴾ ، أي: خسرت يداه، ولا يقدر على البطش.
والثالث: يحتمل أن يكون اليد كناية عن القوة في نفسه وماله في دفع العذاب عن نفسه، وكذلك كانوا يدعون دفع العذاب عن أنفسهم؛ بقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ .
وذرك بعض أهل التأويل: أنه لما نزل قوله - - ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ ﴾ ، جمع عشائره الأقرب فالأقرب منهم، وقال: إني لا أملك لكم من الله نفعا في الدنيا والآخرة إلا بعد أن تقولوا شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله" فقال أبو لهب عند ذلك: "تبا لك يا محمد، ألهذا دعوتنا؟!" فنزل عند ذلك: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ مجازاة له.
فهذا وإن لم يكن في فعله ف يالقصة استعمال اليدين، فيجوز أنه كان يصرف الناس عن رسول الله بيده، أو حين دعى إلى الإيمان بالله - - مد يديه على التعجب من ذلك، وقال: "ألهذا دعوتنا؟" فرد الله - - عليه ذلك، وعيره به.
وقد يجوز أن يظهر في الجواب مقدمة السؤال وإن لم يذكر ذلك في السؤال؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ ﴾ ؛ فعلم بذلك أن السؤال إنما كان عن قربانهن في المحيض؛ فكذلك الأول.
وإن كان ذكر اليد على الصلة، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر اليد كناية عن العمل والفعل، إلا أنه ذكر اليد؛ لما باليد يقوم ويعمل؛ كقوله : ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، و ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، وذلك على الكناية عما كان منه من الصنيع، أي: خسرت أعماله وبطلت.
والثاني: يذكر اليد على إرادة: قدام وأمام؛ كقوله - -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ ، اي: أمامه وخلفه؛ فيكون معناه: ما قدم من الأعمال، والله أعلم.
ثم تخصيص أبي لهمب بالذكر من بين سائر الكفرة يحتمل وجوها: أحدها: خصه بالاسم؛ لأنه كان من الفراعنة والأكابر، وهو المقصود به، والفراعنة قد يذكرون بأسمائهم؛ لما هم المقصودون به، وإن كان من دونهم يشاركونهم في ذلك؛ كذكر فرعون، وعاد، وثمود، وغيره.
والثاني: كان شديد الهيبة والخوف؛ فذكره باسمه، وخصه به؛ ليعلم أن محمدا لا يهابه، ولا يخافه، والله أعلم.
والثالث: أنه كثير الأيادي والصنائع بحق رسول الله ، فلو كان الخطاب بهذا يعم الكفرة، لكان يظن بما سبق منه من الأيادي أنه غير داخل تحت الخطاب؛ فخصه بالذكر؛ ليعلم أنه لا يغنيه من الله شيء.
ثم ذكره بالكنية يخرج على وجوه: أحدها: يحتمل أن يكون بالكنية عرف عند الناس، وبها كان معروفا دون اسمه؛ فذكره بالذي كان معروفا به.
والثاني: ما ذكر أن اسمه كان عبد العزى؛ فلم يرد أن ينسبه إلى غيره، وهو العزى؛ فذكره بالكنية لهذا.
والثالث: أنه عيره بأشياء، وخوفه بمواعيد؛ فلو ذكره باسمه، فلعله يصرف ذلك الخطاب والوعيد الذي كان له إلى غيره؛ لما شرك غيره في الاسم؛ إذ كانوا يسمون أولادهم وينسبونهم إلى أصنامنهم، ولم يكن أحد شركه في كنيته؛ فلا يمكنه التحويل إلى غيره.
وقيل: ذكره بالكنية يخرج مخرج الوعيد له، أي: تصير النار له كالابن، وهو كالأب لها؛ وذلك لأن هذه الكنى إنما تذكر في المتعارف على وجه التفاؤل، كما يقال: أبو منصور؛ على رجاء أن يولد له ابن يسمى: منصورا.
ثم إن الله - - سمى النار في بعض الآيات: أما للكافر، كقوله: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ ، وفي بعضها: مولى؛ حيث قال: ﴿ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ؛ فجاز - أيضا - أن تكون النار إذا قربت منه، وانضمت إلى حجره أن تصير في التمثيل كالولد، ويصير ه و أبا لها؛ فقال: ﴿ أَبِي لَهَبٍ ﴾ ؛ على هذا الوجه من التأويل.
ووجه آخر: وهو أن ذكر الكنية وإن كان يراد بها التعظيم، فعند ذكر المواعيد والعقوبات يراد بها الاستخفاف والإهانة؛ وهو على ما ذكرنا في البشارة: أنها وإن كانت تذكر عندما يسر ويبهج في الأغلب، فعند ذكر العقوبة نذارة، كقوله - - ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ؛ فعلى ذلك الكنية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: لم يغن ماله وقوته وما كسب من عذا بالله شيئا، على ما يقولون: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ .
والثاني: أي شيء أغنى عنه ماله وما كسب؟!.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَسَبَ ﴾ يحتمل الولد، أي: ما أغنى عنه ما جمع من ماله وما كسب من الولد؛ على ما ذكر في الخبر، روى أبو الأسود عن عائشة - ا - عن النبي : "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه" وسئل ابن عباس - ما -: أيأخذ الرجل من مال ولده؟
فتلا ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً...
﴾ ، فهو مما وهب الله لنا؛ فهم وأموالهم لنا، والله أعلم.
ويحتمل أن ما أغنى عنه ما جمع من المال، وما كسب من العمل والإنفاق الذي أنفق على الطمع الذي فعل، أي: لم يغنه شيئا.
أو [لم يغنه] ما كسب عن صد الناس عن رسول الله والدخول في دينه والاتباع له، وسوء المقال الذي قال فيه.
وفي حرف ابن مسعود - -: (تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أعنى عنه ماله وما اكتسب).
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ : أي: ذات التهاب.
وفيه دلالة إثبات رسالته؛ حيث أخبر أن سيصلى نارا، ولا يصلى النار إلا بعد ما يختم بالكفر، ثم كان كما أخبر؛ دل أنه علم ذلك بالله .
وفي هذه السورة دلالتان أخريان يدلان على نبوته: إحداهما: أن رسول الله إنما قرأ هذه السورة عليهم بمكة حين لم يكن له ناصر في الدين، وكانت المنعة والقوة للكفرة، وكانوا جميعا أولياء أبي لهب وأنصارا له عن آخرهم، ولا يحتمل أن يكون محمد يقرأ هذه السورة عليه، وفيها سب له وتعيير إلى يوم القيامة، مع قلة أوليائه وكثرة أعدائه؛ إذ فيه خوف هلاكه - إلا برب العالمين.
ومعنى آخر: أنه - - كان موصوفا بحسن العشرة وإجمال الصحبة مع الأجانب؛ فما ظنك بالعشيرة والأقارب مع ما أنه كان متنزها عن الفواحش في جميع أوقاته؛ فما جاز له هذا إلا بالأمر من الله ؛ فدل ذلك على نبوته ورسالته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ ﴾ : قال بعضهم: أي: كانت حمالة النميمة والحديث بين الناس، فأوعدها الله - - لذلك في الآخر ما ذكر: ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾ وهي السلسلة، ومنه يقال: فلان يحطب؛ إذا أغرى.
وقال بعضهم: كانت حمالة الحطب حقيقة، كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك، وتطرحه في طريق رسول الله والمسلمين؛ فأوعدها الله - - بما ذكر من حبل من مسد في الآخرة.
ومنهم من قال: إنها ك انت كذلك في الدنيا، كانت تحمل الحطب إلى منزلها، وكان في جيدها حبل من ليف؛ فيعرها بذلك؛ لأنها كانت تعير رسول الله بالفقر والحاجة.
وذكر أنها كانت تمسك في عنقها حبلا من ليف سرا من وزوجها، وذلك مما لا يتحلى به النساء، وليس هو من أسباب الزينة؛ فأخبر الله - - عن سفهها وجهلها؛ ليكون ذلك سبا وتعييراً مجازاة لما كانت تقوله في رسول الله ؛ ولذلك قالت لأبي بكر [الصديق] - -: "أما رضي محمد أن يهجو عمه حتى هجاني؟!" أو قالت: "حتى هجاني رب محمد؟!" ، والله أعلم.
في عنقها حبل مُحْكَم الفَتْل تساق به إلى النار.
من فوائد الآيات المفاصلة مع الكفار.
مقابلة النعم بالشكر.
سورة المسد من دلائل النبوة؛ لأنها حكمت على أبي لهب بالموت كافرًا ومات بعد عشر سنين على ذلك.
صِحَّة أنكحة الكفار.
(أبو لهب): هو عبد العزى بن عبد المطلب عم رسول الله .
كان من أشد الناس عداوة له.
وصح في الخبر أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾ صعد النبي على الصفا ونادى بطون قريش، فاجتمع من جميع القبائل خلق كثير، حتى جعل الرجل إذا لم يذهب يرسل رسولًا لينظر ما الخبر.
وكان في المجتمعين أبو لهب - فقال رسول الله : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم، وما جربنا عليك إلا صدقًا.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: "تبًا لك سائر الأيام!
ألهذا جمعتنا؟".
وكان أبو لهب يتبع النبي في بعض غدواته إلى القبائل يدعوها إلى الله، فإذا قال رسو الله: "إني رسول الله إليكم" يكذبه عمه وينهي الناس عن تصديقه، وكانت امرأته -أم جميل بنت حرب أُخت أبي سفيان، وعمة معاوية - تسعى عند القوم بالنميمة على رسول الله لتفسد عليه قلوب القوم والعشيرة.
والساعي بالنميمة يلقب بحامل الحطب، كما قال الراجز: إن بني الأردم حمالو الحطب هم الوشاة في الرضاء والغضب وفي كلامهم كثير من الشواهد على ذلك.
ولقب عبد العزى بأبي لهب لتلهب وجنتيه وإشراقهما، كما زعموا.
وقد أنزل الله فيه وفي زوجته هذه السورة ليكون مثلًا يعتبر به من يعادي ما أنزل الله على نبيه مطاوعة لهواه، وإيثارًا لما ألفه من العقائد والعوائد والأعمال، واغترارًا بما عنده من الأموال وبما له من الصولة أو من المنزلة في قلوب الرجال.
قال تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ .
تبت يدا فلان أي خسر أو هلك والجملة الأولى (تبت يد أبي لهب) دعاء عليه بأن يخسر أو يهلك.
ولما كانت اليد هي آلة العمل والبطش، فإذا هلكت وانقطعت أو خسرت، كان الشخص كأنه معدوم هالك -عد العرب خسرانها كناية عن خسران الشخص نفسه، وهلاكها كناية عن هلاكه- فإذا دعي عليه بخسران يديه فقد دعي عليه بخسرانه.
ولذلك قال بعد الجملة الدعائية: (وتب) أي وهلك أو خسر هو أي أبو لهب، أي أن ما دعي به عليه لم يكن لمجرد نكايته وإظهار مقته وشدة الغضب عليه -كما جرت به سنة العرب في كلامهم- بل هذا دعاء فيه ما تعرفه العرب، وفيه -مع ذلك- أنه بأمر واقع، فإن أبا لهب قد هلك أو خسر بالفعل.
والواو في قوله: ﴿ وَتَبَّ ﴾ للاستئناف أي وهو قد تب.
ثم استأنف الكلام بغير حرف لبيان أن ما كان يتعزز به من المال والجاه لم يكن مما يفديه ويخلصه من الخسران ..
فقال: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ : أي لم يفده ماله ولا عمله الذي كان يأتيه في معاداة النبي طلبًا للعلو والظهور.
﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ : لهب النار: هو ما يسطع منها عند اشتعالها وتوقدها.
أراد بوصفها هذا أنها نار شديدة الحرارة.
والمراد من هذه النار نار الآخرة التي لا يعلم حقيقتها إلا الله، وسيعذب فيها أبو لهب جزاء ما كان يأتيه من العناد والمجاحدة، وسيصلاها معه امرأته أم جميل، كما قال الله ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب ﴾ .
فامرأته معطوفة على ضمير أبي لهب.
﴿ حَمَّالَةَ الْحَطَب ﴾ : نصب على فعل محذوف قصد به التخصيص بالذم: أي وامرأته -تلك النمامة الواشية التي تؤجج النار بين الناس بنميمتها- كأنها تحمل الحطب لتحرق ما بينهم من الصلات.
ولزيادة التبشيع في التصوير قال: ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ : أي في عنقها حبل من الليف، أي إنها -في تكليف نفسها المشقة الفادحة للإفساد بين الناس، وتأريث نيران العداوة بينهم- بمنزلة حامل الحطب الذي في عنقه حبل خشن يشد به ما حمله إلى عنقه حتى يستقل به.
وهذه أشنع صورة تظهر بها امرأة تحمل الحطب، وفي عنقها حبل من الليف تشد به الحطب إلى كاهلها حتى تكاد تختنق به.
وقد علمت مما أشرنا إليه سابقًا أن الله لم يعن بسب أبي لهب بلقبه المعروف به عند قومه لمجرد عداوته للنبي .
ولو كان كذلك لذكر الكتاب مثل عقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل وغيرهم من أكبار أعدائه -ممن كنى عنهم أحيانًا بأوصافهم، ولم يذكرهم- وإنما خص أبا لهب بالذكر لأنه قد اشتهر بالتكذيب وتأثر النبي في حركاته ليحبط مساعيه، ويصد الناس عن الإقبال عليه.
فكأنه بذلك صار ممثلًا للصاد عن الحق، المنفر للناس من فهم ما أنزل الله على نبيه، المحول لهم عن الإصغاء إلى الكلم الطيب وتناول ما ضمنته من الهدى والدلالة على نهج النجاة.
فما تضمنه الدعاء من النكاية، وما جاء به الوعيد من سوء العاقبة، يلاقي كل محول للناس عن تدبر كتاب الله وفهم ما جاء فيه من عبر وأحكام.
فجميع أولئك الذين يقولون لك إنك مهما بلغت من العلم لا يمكنك أن تعرف عن الله من كتابه ولا من كلام نبيه شيئًا من الأحكام والعقائد، ولا يجوز لك أن تستند في تقرير حكم إلى آيات الكتاب ولا إلى الصحيح من السنة والعقائد، وإنما الواجب عليك أن ترجع إلى قول فلان ورأي فلان.
وإن وصلت من معرفة لغة الكتاب والسنة إلى أعلى غاية ..
أولئك هم آباء لهب لا تغني عنهم أموالهم ولا أعمالهم شيئًا، وسيصلون ما يصلى، وكل امرأة تنم بين الناس لتفرق كلمتهم، وتذهب بهم مذاهب السوء ممثلة في هذا المثال نازل بها ذلك النكال.
نسأل الله العافية، ونحمده على هدايته الواقية.