تفسير الآية ١٠٩ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٠٩ من سورة يوسف

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٠٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠٩ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠٩ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء .

وهذا قول جمهور العلماء ، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة : أن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع .

وزعم بعضهم : أن سارة امرأة الخليل ، وأم موسى ، ومريم أم عيسى نبيات ، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب ، وبقوله : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) الآية .

[ القصص : 7 ] وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى - عليه السلام - وبقوله تعالى : ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) [ آل عمران : 42 ، 43 ] .

وهذا القدر حاصل لهن ، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك ، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف ، فهذا لا شك فيه ، ويبقى الكلام معه في أن هذا : هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا ؟

الذي عليه [ أئمة ] أهل السنة والجماعة ، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم : أنه ليس في النساء نبية ، وإنما فيهن صديقات ، كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) [ المائدة : 75 ] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية ، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام ، فهي صديقة بنص القرآن .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) أي : ليسوا من أهل السماء كما قلتم .

وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) الآية [ الفرقان : 20 ] وقوله تعالى : ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ) [ الأنبياء : 8 ، 9 ] وقوله تعالى : ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) الآية [ الأحقاف : 9 ] .

وقوله : ( من أهل القرى ) المراد بالقرى : المدن ، لا أنهم من أهل البوادي ، الذين هم أجفى الناس طباعا وأخلاقا .

وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعا ، وألطف من أهل سوادهم ، وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي; ولهذا قال تعالى : ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) [ التوبة : 97 ] .

وقال قتادة في قوله : ( من أهل القرى ) لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود .

وفي الحديث الآخر : أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقة ، فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " لقد هممت ألا أتهب هبة إلا من قرشي ، أو أنصاري ، أو ثقفي ، أو دوسي " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن يحيى بن وثاب ، عن شيخ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الأعمش : هو [ ابن ] عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " .

وقوله : ( أفلم يسيروا في الأرض ) [ يعني : هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ] ( فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) أي : من الأمم المكذبة للرسل ، كيف دمر الله عليهم ، وللكافرين أمثالها ، كقوله : ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الحج : 46 ] ، فإذا استمعوا خبر ذلك ، رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين ، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه; ولهذا قال تعالى : ( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) أي : وكما أنجينا المؤمنين في الدنيا ، كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة أيضا ، وهي خير لهم من الدنيا بكثير ، كما قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 50 ، 51 ] .

وأضاف الدار إلى الآخرة فقال : ( ولدار الآخرة ) كما يقال : " صلاة الأولى " و " مسجد الجامع " و " عام الأول " و " بارحة الأولى " و " يوم الخميس " .

قال الشاعر : أتمدح فقعسا وتذم عبسا ألا لله أمك من هجين ولو أقوت عليك ديار عبس عرفت الذل عرفان اليقين

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا، يا محمد، من قبلك إلا رجالا لا نساءً ولا ملائكة ، ( نوحي إليهم ) آياتنا، بالدعاء إلى طاعتنا وإفراد العبادة لنا ، ( من أهل القرى ) ، يعني: من أهل الأمصار , دون أهل البوادي، (12) كما:- 19985 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) ، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العَمُود (13) .

* * * وقوله: ( أفلم يسيروا في الأرض ) ، يقول تعالى ذكره: أفلم يسر هؤلاء المشركون الذين يكذبونك، يا محمد، ويجحدون نبوّتك , وينكرون ما جئتهم به من توحيد الله وإخلاص الطاعة والعبادة له ، ( في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) ، إذ كذبوا رسُلنا؟

ألم نُحِلّ بهم عقوبتنا , فنهلكهم بها , وننج منها رسلنا وأتباعنا , فيتفكروا في ذلك ويعتبروا؟

* * * * ذكر من قال ذلك: 19986 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , قال: قال ابن جريج: قوله: ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) ، قال: إنهم قالوا: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [سورة الأنعام: 91] ، قال: وقوله: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [سورة يوسف: 103، 104]، وقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا [سورة يوسف: 105]، وقوله: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ [سورة يوسف: 107] ، وقوله: ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ) ، من أهلكنا؟

قال: فكل ذلك قال لقريش: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم، فيعتبروا ويتفكروا؟

* * * وقوله: ( ولدار الآخرة خير ) ، يقول تعالى ذكره: هذا فِعْلُنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا , أَنّ عقوبتنا إذا نـزلت بأهل معاصينا والشرك بنا، أنجيناهم منها , وما في الدار الآخرة لهم خير.

* * * ، وترك ذكر ما ذكرنا، اكتفاء بدلالة قوله: ( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) ، عليه , وأضيفت " الدار " إلى " الآخرة " , وهي" الآخرة " , لاختلاف لفظهما , كما قيل: إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ، [سورة الواقعة: 95]، وكما قيل: " أتيتك عام الأوَّل , وبارحة الأولى , وليلة الأولى , ويوم الخميس "، (14) وكما قال: الشاعر: (15) أَتَمْــدَحُ فَقْعَسًــا وَتَــذُمُّ عَبْسًــا أَلا للـــهِ أُمُّــكَ مِــنْ هَجِــينِ وَلَــوْ أَقْــوَتْ عَلَيْـكَ دِيَـارُ عَبْسٍ عَــرَفْتَ الــذُّلَّ عِرْفَــانَ اليَقِيـنِ (16) يعني: عرفانًا له يقينًا .

(17) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: وللدار الآخرة خير للذين اتقوا الله، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه .

* * * وقوله: ( أفلا تعقلون ) ، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المشركون بالله حقيقةَ ما نقول لهم ونخبرهم به، من سوء عاقبة الكفر , وغِبّ ما يصير إليه حال أهله، مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا مما حلّ بمن قبلهم من الأمم الكافرة المكذبةِ رسلَ ربّها؟

(18) * * * ---------------------- الهوامش: (12) انظر تفسير" القرية" فيما سلف 8 : 453 / 12 : 299 .

(13) قوله" أهل العمود" ، العمود ( بفتح العين ) : وهو الخشبة القائمة في وسط الخباء ، والأخبية بيوت أهل البادية ، فقوله" أهل العمود" ، يعني أهل البادية ، كما يدل عليه السياق هنا ، وكما بينه ابن زيد في تفسير هذه الآية إذ قال :" أهل القرى أعلم وأحلم من أهل البادية" ( تفسير أبي حيان 5 : 353 ) .

وقال الزمخشري في الأساس" ويقال لأصحاب الأخبية : هم أهل عمود ، وأهل عماد ، وأهل عمد" ، وروى صاحب اللسان بيتًا ، وهو : ومَــا أهْــلُ العَمُــود لنَـا بـأَهْلٍ ولاَ النَّعَــمُ المُسَــامُ لَنــا بمَــالٍ فهذا قول رجل يبرأ من أن يكون من أهل البادية ، فذكر الخصائص التي يألفها أهل البادية ، ويكونون بها أهل بادية .

(14) هذا موجز كلام الفراء في معاني القرآن ، في تفسير الآية .

(15) لم أعرف قائله .

(16) رواهما الفراء في معاني القرآن ، في تفسير الآية .

وكان في المطبوعة :" ولو أفزت" ، وهو خطل محض ، وفي المخطوطة" ولو أفرت" ، غير منقوطة ، وهو تصحيف .

و" الهجين" ، ولد العربي لغير العربية .

و" أقوت الدار" : أقفرت وخلت من سكانها .

وظاهر هذا الشعر ، أن قائله يقوله في رجل من بني عبس ، كان هجينًا ، فمدح فقعسًا وذم قومه لخذلانهم إياه .

فهو يقول له : لو فارقت عبس مكانها وأفردتك فيه ، لعرفت الذل عرفانًا يقينًا .

(17) في المطبوعة والمخطوطة :" عرفانا به" ، وكأن الصواب ما أثبت .

وفي الفراء :" عرفانًا يقينًا" ، بغير" له" ، وهو أجود .

(18) في المطبوعة :" بما قبلهم من الأمم" ، والصواب من المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى هذا رد على القائلين : لولا أنزل عليه ملك أي أرسلنا رجالا ليس فيهم امرأة ولا جني ولا ملك ; وهذا يرد ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن في النساء أربع نبيات حواء وآسية وأم موسى ومريم .

وقد تقدم في " آل عمران " شيء من هذا .

من أهل القرى يريد المدائن ; ولم [ ص: 240 ] يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو ; ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم .

قال الحسن : لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ، ولا من النساء ، ولا من الجن .

وقال قتادة : من أهل القرى أي من أهل الأمصار ; لأنهم أعلم وأحلم .

وقال العلماء : من شرط الرسول أن يكون رجلا آدميا مدنيا ; وإنما قالوا آدميا تحرزا ; من قوله : يعوذون برجال من الجن والله أعلم .قوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم المكذبة لأنبيائهم فيعتبروا .ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ابتداء وخبره .

وزعم الفراء أن الدار هي الآخرة ; وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ ، كيوم الخميس ، وبارحة الأولى ; قال الشاعر :ولو أقوت عليك ديار عبس عرفت الذل عرفان اليقينأي عرفانا يقينا ; واحتج الكسائي بقولهم : صلاة الأولى ; واحتج الأخفش بمسجد الجامع .

قال النحاس : إضافة الشيء إلى نفسه محال ; لأنه إنما يضاف الشيء إلى غيره ليتعرف به ; والأجود الصلاة الأولى ، ومن قال صلاة الأولى فمعناه : عند صلاة الفريضة الأولى ; وإنما سميت الأولى لأنها أول ما صلي حين فرضت الصلاة ، وأول ما أظهر ; فلذلك قيل لها أيضا الظهر .

والتقدير : ولدار الحال الآخرة خير ، وهذا قول البصريين ; والمراد بهذه الدار الجنة ; أي هي خير للمتقين .

وقرئ : " وللدار الآخرة " .

وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم " أفلا تعقلون " بالتاء على الخطاب .

الباقون بالياء على الخبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا } أي: لم نرسل ملائكة ولا غيرهم من أصناف الخلق، فلأي شيء يستغرب قومك رسالتك، ويزعمون أنه ليس لك عليهم فضل، فلك فيمن قبلك من المرسلين أسوة حسنة { نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } أي: لا من البادية، بل من أهل القرى الذين هم أكمل عقولا، وأصح آراء، وليتبين أمرهم ويتضح شأنهم.

{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ } إذا لم يصدقوا لقولك، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } كيف أهلكهم الله بتكذيبهم، فاحذروا أن تقيموا على ما أقاموا عليه، فيصيبكم ما أصابهم، { وَلَدَارُ الْآخِرَةِ } أي: الجنة وما فيها من النعيم المقيم، { خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } الله في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن نعيم الدنيا منغص منكد، منقطع، ونعيم الآخرة تام كامل، لا يفنى أبدا، بل هو على الدوام في تزايد وتواصل، { عطاء غير مجذوذ } { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا تكون لكم عقول تؤثر الذي هو خير على الأدنى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما أرسلنا من قبلك ) يا محمد ( إلا رجالا ) لا ملائكة ( نوحي إليهم ) قرأ حفص : ( نوحي ) بالنون وكسر الحاء وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء .

( من أهل القرى ) يعني : من أهل الأمصار دون البوادي ، لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم .

[ وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا من بدو ، ولا من الجن ، ولا من النساء .

وقيل : إنما لم يبعث ] من أهل البادية لغلظهم وجفائهم .

( أفلم يسيروا في الأرض ) يعني : هؤلاء المشركين المكذبين ( فينظروا كيف كان عاقبة ) آخر أمر ( الذين من قبلهم ) يعني : الأمم المكذبة فيعتبروا .

( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) يقول جل ذكره : هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا; أن ننجيهم عند نزول العذاب ، وما في الدار الآخرة خير لهم ، فترك ما ذكرنا اكتفاء ، لدلالة الكلام عليه .

قوله تعالى : ( ولدار الآخرة ) قيل : معناه ولدار الحال الآخرة .

وقيل : هو إضافة الشيء إلى نفسه ، كقوله : ( إن هذا لهو حق اليقين ) ( الواقعة - 95 ) وكقولهم : يوم الخميس ، وربيع الآخر ( أفلا تعقلون ) فتؤمنون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى» وفي قراءة بالنون وكسر الحاء «إليهم» لا ملائكة «من أهل القرى» الأمصار لأنهم أعلم وأحلم بخلاف أهل البوادي لجفائهم وجهلهم «أفلم يسيروا» أهل مكة «في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» أي آخر أمرهم من إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم «ولدار الآخرة» أي الجنة «خير للذين اتقوا» الله «أفلا تعقلون» بالياء والتاء يا أهل مكة هذا فتؤمنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما أرسلنا من قبلك -أيها الرسول- للناس إلا رجالا منهم ننزل عليهم وحينا، وهم من أهل الحاضرة، فهم أقدر على فهم الدعوة والرسالة، يصدقهم المهتدون للحق، ويكذبهم الضالون عنه، أفلم يمشوا في الأرض، فيعاينوا كيف كان مآل المكذبين السابقين وما حلَّ بهم من الهلاك؟

ولَثواب الدار الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها للذين آمنوا وخافوا ربهم.

أفلا تتفكرون فتعتبروا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن رسالته - صلى الله عليه وسلم - ليست بدعا من بين الرسالات السماوية ، وإنما قد سبقه إلى ذلك رجال يشبهونه فى الدعوة إلى الله ، فقال - تعالى - ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى .

.

.

)أى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لتبليغ أوامرنا ونواهينا إلى الناس ، إلا رجالاً مثلك ، وهؤلاء الرجال اختصصناهم بوحينا ليبلغوه إلى من أرسلوا إليهم واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن ، لكونهم أصفى عقولاً وأكثر حلما .وإنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من الجن أو من غيرهم ، لأن الجنس إلى جنسه أميل ، وأكثرهم تفهما وإدراكاً لما يلقى عليه من أبناء جنسه .ثم نعى - سبحانه - على هؤلاء المشركين غفلتهم وجهالتهم فقال : ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ .

.

.

)أى : أوصلت الجهالة والغفلة بهؤلاء المشركين ، أنهم لم يتعظوا بما أصاب الجاحدين من قبلهم من عذاب دمرهم تدميراً ، وهؤلاء الجاحدين الذين دمروا ما زالت آثار بعضهم باقية وظاهرة فى الأرض .

وقومك - يا محمد - يمرون عليهم فى الصباح وفى المساء وهم فى طريقهم إلى بلاد الشام ، كقوم صالح وقوم لوط - عليهما السلام - .فالجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من كان على شاكلتهم فى الشرك والجحود .وقوله ( وَلَدَارُ الآخرة ) وما فيها من نعيم دائم ( خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا ) الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه .( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) أيها المشركون ما خاطبناكم به فيحملكم هذا التعقل والتدبر إلى الدخول فى الإِيمان ، ونبذ الكفر والطغيان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه قرأ حفص عن عاصم ﴿ نُوحِى ﴾ بالنون، والباقون بالياء ﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، ورواية حفص عن عاصم: ﴿ تَعْقِلُونَ ﴾ بالتاء على الخطاب، والباقون: بالياء على الغائب.

واعلم أن من جملة شبه منكري نبوته عليه الصلاة والسلام أن الله لو أراد إرسال رسول لبعث ملكاً، فقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى ﴾ فلما كان الكل هكذا فكيف تعجبوا في حقك يا محمد والآية تدل على أن الله ما بعث رسولاً إلى الحق من النسوان وأيضاً لم يبعث رسولاً من أهل البادية.

قال عليه الصلاة والسلام: «من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل».

ثم قال: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الارض فَيَنظُرُواْ ﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة وقوله: ﴿ وَلَدَارُ الاخرة خَيْرٌ ﴾ والمعنى دار الحالة الآخرة، لأن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله قوله صلاة الأولى أي صلاة الفريضة الأولى، وأما بيان أن الآخرة خير من الأولى فقد ذكرنا دلائله مراراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ لا ملائكة؛ لأنهم كانوا يقولون ﴿ لَوْ شآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ ملائكة ﴾ [فصلت: 14] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد ليست فيهم امرأة.

وقيل: في سجاح المتنبئة.

وَلَمْ تَزَلْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ ذُكْرَانَا وقرئ: ﴿ نوحي إليهم ﴾ ، بالنون.

﴿ مّنْ أَهْلِ القرى ﴾ لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة ﴿ وَلَدَارُ الآخرة ﴾ ولدار الساعة، أو الحال الآخرة ﴿ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا ﴾ للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه.

وقرئ: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ، بالتاء والياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ وقِيلَ مَعْناهُ نَفْيُ اسْتِنْباءِ النِّساءِ يُوحِي إلَيْهِمُ كَما يُوحِي إلَيْكَ ويُمَيَّزُونَ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ.

وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ نُوحِي ﴾ في كُلِّ القُرْآنِ ووافَقَهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ في سُورَةِ « الأنْبِياءِ» .

﴿ مِن أهْلِ القُرى ﴾ لِأنَّ أهْلَها أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البَدْوِ.

﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ، أوْ مِن مِنَ المَشْغُوفِينَ بِالدُّنْيا المُتَهالِكِينَ عَلَيْها فَيُقْلِعُوا عَنْ حُبِّها.

﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ ولَدارُ الحالِ أوِ السّاعَةِ أوِ الحَياةِ الآخِرَةِ.

﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ.

﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم لِيَعْرِفُوا أنَّها خَيْرٌ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ أيْ قُلْ لَهم أفَلا تَعْقِلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} لا ملائكة لأنهم كانوا يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة أو ليست فيهم امرأة {نُوحِى} بالنون حفص {إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى} لأنهم أعلم وأحلم وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة}

الآخرة أي ولدار الساعة الآخرة {خَيْرٌ لّلَّذِينَ اتقوا} الشرك وآمنوا به {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} وبالياء مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ( لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ) نَفْيٌ لَهُ وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ اسْتِنْباءِ النِّساءِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَجاحٍ بِنْتِ المُنْذِرِ المُنَبِّئَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيها الشّاعِرُ: أمْسَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطُوفُ بِها ولَمْ تَزَلْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ∗∗∗ فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمْ ∗∗∗ عَلى سَجاحٍ ومَن بِالإفْكِ أغْرانا أعْنِي مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ لا سُقِيَتْ ∗∗∗ أصْداؤُهُ ماءَ مُزْنٍ أيْنَما كانا وهُوَ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ لِأنَّ ادِّعاءَها النُّبُوَّةَ كانَ بَعْدَ النَّبِيِّ  وكَوْنُهُ إخْبارًا بِالغَيْبِ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ ﴿ نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( يُوحى ) /بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وقِراءَةُ النُّونِ وهي قِراءَةُحَفْصٍ وطَلْحَةَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُوافَقَةٌ لَأرْسَلْنا ﴿ مِن أهْلِ القُرى ﴾ لِأنَّ أهْلَها كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: وهو مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البادِيَةِ ولِذا يُقالُ: لِأهْلِ البادِيَةِ أهْلُ الجَفاءِ وذَكَرُوا أنَّ التَّبَدِّيَ مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ وفي الحَدِيثِ «مَن بَدا جَفا» قالَ قَتادَةُ: ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إلّا مِن أهْلِ القُرى ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ آنِفًا.

﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ صالِحٍ وسائِرِ مَن عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعالى فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ عاقِبَةَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ المَشْغُوفِينَ بِالدُّنْيا المُتَهالِكِينَ عَلَيْها فَيُقْلِعُوا ويَكُفُّوا عَنْ حُبِّها وكَأنَّهُ لاحَظَ المُجَوِّزُ ما سَيُذْكَرُ والِاسْتِفْهامُ عَلى ما في البَحْرِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ﴿ ولَدارُ الآخِرَةِ ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ الكُوفِيَّةِ أيْ ولا الدّارُ الآخِرَةُ وقَدَّرَ البَصْرِيُّ مَوْصُوفًا أيْ ولَدارُ الحالِ أوِ السّاعَةِ أوِ الحَياةِ الآخِرَةِ وهو المُخْتارُ عِنْدَ الكَثِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ .

(109) .

فَتَسْتَعْمِلُوا عُقُولَكم لِتَعْرِفُوا خَيْرِيَّةَ دارِ الآخِرَةِ فَتَتَوَسَّلُوا إلَيْها بِالِاتِّقاءِ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن مَقُولِ ( قُلْ ) أيْ قُلْ لَهم مُخاطِبًا أفَلا تَعْقِلُونَ فالخِطابُ عَلى ظاهِرِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ إلى ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أوِ ﴿ اتَّقَوْا ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ مَقُولِ القَوْلِ واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ هَذا التِفاتًا وقَرَأ جَماعَةٌ ( يَعْقِلُونَ ) بِالياءِ رَعْيًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: أَفَأَمِنُوا يعني: أهل مكة أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ يعني: يغشاهم العذاب، ويقال: غاشية قطعة مِنْ عَذابِ اللَّهِ في الدنيا أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً يعني: فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بقيامها قُلْ يا محمد هذِهِ سَبِيلِي يعني: ديني الإسلام، ويقال: هذه دعوتي أَدْعُوا الخلق إِلَى اللَّهِ تعالى.

ويقال: أدعوكم إلى توحيد الله وعبادته عَلى بَصِيرَةٍ أي: على يقين وحقيقة.

ويقال: على بيان أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي يعني: من اتبعني على ديني، فهو أيضاً على بصيرة وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيهاً له عن الشرك وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ضمن ذلك الطعْنُ على مكذِّبيه، والضمير في لَدَيْهِمْ: عائد على إخوة يوسف، وأَجْمَعُوا: معناه: عزموا، و «الأمر» ، هنا: هو إِلقاء يوسُفَ في الجُبِّ، وحكى الطبري «١» عن أبي عمران الجَوْنِيِّ أَنه قال: واللَّه ما قَصَّ اللَّه نبأهم ليُعَيِّرَهُمْ إِنهم الأَنبياءُ مِنْ أَهْلَ الجَنَّة، ولكنَّ اللَّه قَصَّ علينا نبأهم لئلاَّ يَقْنَطَ عَبْدُهُ.

وقوله سبحانه: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ...

الآية خطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ...

الآية توبيخٌ للكفَرة، وإِقامةٌ للحُجَّةِ عليهم، ثم ابتدأ الإِخبَارَ عن كتابه العزيز أنه ذكْرٌ وموعظةٌ لجميعِ العالَمِ، نفعنا الله به، ووفّر حظنا منه.

وقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: يعني ب الْآيَةَ هنا:

المخلوقاتُ المنصوبةُ للاعتبار الدالَّة على توحيد خالقها سبحانه، وفي مُصْحَفِ عبد اللَّه «٢» : «يَمْشُونَ/ عَلَيْهَا» .

وقوله سبحانه: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ: قال ابنُ عبَّاس: هي في أهْل الكتاب «٣» ، وقال مجاهد وغيره: هي في العَرَب «٤» ، وقيل: نزلَتْ بسبب قَوْل قُرَيْشٍ في الطَّوَافَ، والتلبيةِ: «لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلاَّ شَرِيكاً هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ» ، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذا سَمِعَ أَحدَهُمْ يَقُولُ: لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، يَقُولُ له: قطْ قطْ، أي: قفْ هنا، ولا تَزِدْ: إِلا شريكاً هو لك، والغاشية: ما يغشى ويغطّي ويغمّ، وبَغْتَةً: أيْ: فجأة، وهذه الآية من قوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ، وإِن كانَتْ في الكفَّار، فإِن العصاة يأخُذُونَ من ألفاظها بحظٍّ ويكون الإِيمانُ حقيقة، والشّرك لغويّا، كالرياء، فقد قال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ هَذا نَزَلَ مِن أجْلِ قَوْلِهِمْ: هَلّا بَعَثَ اللَّهُ مَلِكًا، فالمَعْنى: كَيْفَ تَعَجَّبُوا مِن إرْسالِنا إيّاكَ، وسائِرُ الرُّسُلِ كانُوا عَلى مَثْلِ حالِكَ " يُوحى إلَيْهِمْ " وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نُوحِي " بِالنُّونِ.

والمُرادُ بِالقُرى: المَدائِنُ.

وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ، ولا مِنَ الجِنِّ، ولا مِنَ النِّساءِ، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ أهْلَ القُرى أعْلَمُ وأحْلُمُ مِن أهْلِ العَمُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ نُبُوَّتَكَ ﴿ فَيَنْظُرُوا ﴾ إلى مَصارِعِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ.

﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ خَيْرٌ ﴾ مِنَ الدُّنْيا ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ.

قالَ الفَرّاءُ: أُضِيفَتِ الدّارُ إلى الآخِرَةِ، وهي الآخِرَةُ، لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُضِيفُ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ إذا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ  ﴾ والحَقُّ: هو اليَقِينُ، وقَوْلِهِمْ: أتَيْتُكَ عامَ الأوَّلِ، ويَوْمَ الخَمِيسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ، ويَعْقُوبُ: " تَعْقِلُونَ " بِالتّاءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: أفَلا يَعْقِلُونَ هَذا فَيُؤْمِنُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عنها مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللهِ أو تَأْتِيَهم الساعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ هاتانِ الآيَتانِ تَدُلّانِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهُما فِيها تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ ومُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  ، كَأنَّهُ قالَ: فَإخْبارُكَ بِالغُيُوبِ دَلِيلٌ قائِمٌ عَلى نُبُوَّتِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ وإنْ كُنْتَ أنْتَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، أيْ: يُؤْمِنُ مَن شاءَ اللهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ حَرَصْتَ ﴾ اعْتِراضٌ فَصِيحٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما تَسْألُهُمْ ﴾ الآيَةَ، تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: ما أسْفَهَهم في أنْ تَدْعُوَهم إلى اللهِ دُونَ أنْ تَبْتَغِيَ مِنهم أجْرًا فَيَقُولُ قائِلٌ: بِسَبَبِ الأجْرِ يَدْعُوهُمْ، وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "وَما نَسْألُهُمْ" بِالنُونِ.

ثُمَّ ابْتَدَأ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإخْبارَ عن كِتابِهِ العَزِيزِ أنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، نَفَعَنا اللهُ بِهِ، ووَفَّرَ حَظَّنا مِنهُ بِعِزَّتِهِ.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "وَكَأيِّنْ" بِهَمْزِ الألِفِ وشَدِّ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي كافُ التَشْبِيهِ اتَّصَلَتْ بِـ "أيٍّ"، ومَعْناها مَعْنى (كَمْ) في التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَكائِنْ" بِمَدِّ الألِفِ وهَمْزِ الياءِ، وهو مِنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "كانَ" فَهو كائِنٌ، ولَكِنَّ مَعْناهُ مَعْنى (كَمْ) أيْضًا.

وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القِراءاتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ  ﴾ .

و"الآيَةُ" هُنا: المَخْلُوقاتُ المَنصُوبَةُ لِلِاعْتِبارِ، والحَوادِثُ الدالَّةُ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ في مَصْنُوعاتِهِ، ومَعْنى ﴿ يَمُرُّونَ عَلَيْها ﴾ الآيَةَ: إذا جاءَ مِنها ما يُحَسُّ أو يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ لَمْ يَتَّعِظِ الكافِرُ بِهِ، ولا تَأمَّلَهُ، ولا اعْتَبَرَ بِهِ بِحَسَبَ شَهَواتِهِ وعَمَهِهِ، فَهو لِذَلِكَ- كالمُعْرِضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: تَمُرُّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها وَقَرَأ السُدِّيُّ: "والأرْضَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذا- في "السَمَواتِ"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "يَمُرُّونَ"، وعَلى القِراءَةِ بِخَفْضِ "الأرْضِ" فَـ "يَمُرُّونَ" نَعْتٌ لِـ "الآيَةِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والأرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْها".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ ﴾ الآيَةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ثُمَّ يُشْرِكُونَ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أو مِن حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي في كُفّارِ العَرَبِ، وإيمانُهم هو إقْرارُهم بِالخالِقِ والرازِقِ والمُمِيتِ، فَسَمّاهُ إيمانًا وإنْ أعْقَبَهُ إشْراكُهم بِالأوثانِ والأصْنامِ، فَهَذا الإيمانُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ مِن حَيْثُ هو تَصْدِيقٌ ما.

وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ قُرَيْشٍ في الطَوافِ والتَلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: "لا شَرِيكَ لَكَ" يَقُولُ لَهُ: (قَطْ قَطْ)،» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكً".

و"الغاشِيَةُ": ما يَغْشى ويُغَطِّي ويَغُمُّ، وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "أو يَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً" بِالياءِ.

و"بَغْتَةً" مَعْناها: فَجْأةً، وذَلِكَ أصْعَبُ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ: "وَكَأيِّنْ" وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ بِحُكْمِ ما قَبْلَها، فَإنَّ العُصاةَ يَأْخُذُونَ مِن ألْفاظِها بِحَظٍّ، ويَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً والشِرْكُ لُغَوِيًّا كالرِياءِ، فَقَدْ قالَ  : « "الرِياءُ الشِرْكُ الأصْغَرُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ الآيَةَ، إشارَةٌ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ والشَرِيعَةِ بِأسْرِها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: هَذا أمْرِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ هَذا سَبِيلِي"، والسَبِيلُ: المَسْلَكُ، وتُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وكَذَلِكَ الطَرِيقُ.

وَ"البَصِيرَةُ": اسْمٌ لِمُعْتَقَدِ الإنْسانِ في الأمْرِ مِنَ الحَقِّ واليَقِينِ، والبَصِيرَةُ أيْضًا -فِي كَلامِ العَرَبِ -: الطَرِيقَةُ في الدَمِ، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "تَنْظُرُ في النَصْلِ فَلا تَرى بَصِيرَةً"، وبِها فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ: راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتِدٌ وأى يَصِفُ قَوْمًا باعُوا دَمَ ولِيِّهِمْ، فَكَأنَّ دَمَهُ حَصَلَتْ مِنهُ طَرائِقُ عَلى أكْتافِهِمْ إذْ هم مَوْسُومُونَ عِنْدَ الناسِ بِبَيْعِ ذَلِكَ الدَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَصِيرَةُ في بَيْتِ الأشْعَرِ عَلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ، أيْ: جَعَلُوا اعْتِقادَهم طَلَبَ النارِ وبَصِيرَتَهم في ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَما تَقُولُ: طَرَحَ فَلانٌ أمْرِي وراءَ ظَهْرِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "أدْعُوا"، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّها أمّارَةً بِالمَعْرُوفِ داعِيَةً إلى اللهِ الكَفَرَةَ بِهِ والعُصاةَ.

و" سُبْحانَ اللهِ " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ، أيْ وقُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقُلْ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِرْكِ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ إلى آخِرِها كانَتْ مَرْقُومَةً عَلى راياتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للانتقال من الاعتبار بدلالة نزول هذه القصة للنبيء صلى الله عليه وسلم الأمّيّ على صدق نبُوءته وصدقه فيما جاء به من التوحيد إلى الاعتبار بجميع ما جاء به من هذه الشريعة عن الله تعالى، وهو المعبّر عنه بالسبيل على وجه الاستعارة لإبلاغها إلى المطلوب وهو الفوز الخالد كإبلاغ الطريق إلى المكان المقصود للسائر، وهي استعارة متكررة في القرآن وفي كلام العرب.

والسبيل يؤنث كما في هذه الآية، ويذكّر أيضاً كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ﴾ في سورة الأعراف (146).

والجملة استئناف ابتدائي معترضة بين الجمل المتعاطفة.

والإشارة إلى الشريعة بتنزيل المعقول منزلة المحسوس لبلوغه من الوضوح للعقول حداً لا يخفى فيه إلا عمّن لا يُعدّ مُدْركاً.

وما في جملة هذه سبيلي } من الإبهام قد فسرته جملة ﴿ ادعوا إلى الله على بصيرة ﴾ .

و ﴿ على ﴾ فيه للاستعلاء المجازي المراد به التمكن، مثل «على هدىً من ربهم».

والبصيرة: فعيلة بمعنى فاعلة، وهي الحجة الواضحة، والمعنى: أدعو إلى الله ببصيرة متمكناً منها، ووصف الحجة ببصيرة مجاز عقلي، والبصير: صاحب الحجة لأنه بها صار بصيراً بالحقيقة.

ومثله وصف الآية بمبصرة في قوله: ﴿ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ﴾ [سورة النمل: 13].

وبعكسه يوصف الخفاء بالعمى كقوله: ﴿ وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ﴾ [سورة هود: 28].

وضمير أنا } تأكيد للضمير المستتر في ﴿ أدعوا ﴾ ، أتي به لتحسين العطف بقوله: ﴿ ومن اتبعني ﴾ ، وهو تحسين واجب في اللغة.

وفي الآية دلالة على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين آمنوا به مأمورون بأن يدعوا إلى الإيمان بما يستطيعون.

وقد قاموا بذلك بوسائل بث القرآن وأركان الإسلام والجهاد في سبيل الله.

وقد كانت الدعوة إلى الإسلام في صدر زمان البعثة المحمدية واجباً على الأعيان لقول النبي صلى الله عليه وسلم " بلّغوا عنّي ولو آيةً " أي بقدر الاستطاعة.

ثم لمّا ظهر الإسلام وبلغت دعوته الأسماع صارت الدعوة إليه واجباً على الكفاية كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير الآية ﴾ في سورة آل عمران (104).

وعُطفت جملة وسبحان الله } على جملة ﴿ أدعوا إلى الله ﴾ ، أي أدعو إلى الله وأنزهه.

وسبحان: مصدر التسبيح جاء بدلاً عن الفعل للمبالغة.

والتقدير: وأسبح الله سبحاناً، أي أدعو الناس إلى توحيده وطاعته وأنزّهه عن النقائص التي يشرك بها المشركون من دّعاء الشركاء، والولد، والصاحبة.

وجملة ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ بمنزلة التذييل لما قبلها لأنها تعمّ ما تضمنته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن أهْلِ الأمْصارِ دُونَ البَوادِي لِأنَّهم أعْلَمُ وأحْلَمُ.

وَقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ قَطُّ، ولا مِنَ النِّساءِ، ولا مِنَ الجِنِّ.

﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ يَعْنِي بِالدّارِ الجَنَّةَ، وبِالآخِرَةِ القِيامَةَ، فَسَمّى الجَنَّةَ دارًا وإنْ كانَتِ النّارُ دارًا لِأنَّ الجَنَّةَ وطَنُ اخْتِيارٍ، والنّارَ مَسْكَنُ اضْطِرارٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ﴾ أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ قال: إنهم قالوا ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [ الأنعام: 91] وقوله: ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾ ﴿ وما تسألهم عليه من أجر ﴾ وقوله: ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها ﴾ وقوله: ﴿ أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ﴾ وقوله: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ قال: كل ذلك قال لقريش أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم فيعتبروا ويتفكروا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ﴾ قال: ما نعلم أن الله أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى، لأنهم كانوا أعلم وأحكم من أهل العمود.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ قال: فينظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح والأمم التي عذب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ﴾ قال ابن عباس (١) ﴿ نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ قال: يريد أهل المدائن؛ لأن الله تعالى لم يبعث نبيًا من بادية، وقال الحسن (٢) وقال المفسرون (٣)  : "من بدا جفا، ومن أَتبع الصيد غفل، ومن لزم أبواب الملوك افتتن" (٤) ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ هو يعني: المشركين المنكرين لنبوة محمد  ، يقول: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بهم.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ ﴾ قال الفراء (٥) ﴿ حَقُّ الْيَقِينِ  ﴾ ، ويوم الخميس، وجميع الأيام يضاف إلى أنفسها لاختلاف لفظها.

وقال أبو إسحاق (٦) (٧) وقال ابن الأنباري (٨) (٩) (١٠) وهذا الذي قاله أبو بكر إنما هو على مذهب البصريين؛ لأن عندهم لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظان (١١) ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ هذا فتؤمنوا.

(١) "البحر المحيط" 5/ 353، و"زاد المسير" 4/ 295، وابن كثير 2/ 544، والقرطبي 9/ 274.

(٢) "زاد المسير" 4/ 295، والقرطبي 9/ 274، وابن عطية 8/ 96.

(٣) الطبري 13/ 80، وهو مروي عن قتادة، والثعلبي 7/ 116 ب، والبغوي 4/ 285، وابن عطية 8/ 96، وابن أبي حاتم 7/ 2210.

(٤) أخرجه أحمد في "المسند" 2/ 371، 2/ 440، عن أبي هريرة، وفي 4/ 297 عن البراء، وصحح أحمد شاكر إسناده تحت رقم: (8823)، 17/ 24، وانظر: "صحيح الجامع" (6123)، (6124).

(٥) "معاني القرآن" 2/ 55.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 131.

(٧) عند قوله تعالى: ﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ  ﴾ ، قال هنالك: قرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بالإضافة، قال الفراء: يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين.

فإذا اتفقا لم تقل العرب: حق الحق ولا يقين اليقين.

وعند البصريين لا يجوز إضافة الثسيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظ، وقالوا في قراعه ابن عامر: لم يجعل (الآخرة) صفة (للدار) لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة.

(٨) انظر: القرطبي 9/ 275.

(٩) "تنوير المقباس" ص 154 (١٠) في (ج): (والجنة).

(١١) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 160، و"البحر المحيط" 5/ 353، والقرطبي 9/ 275، وابن عطية 8/ 98.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ هذه سبيلي ﴾ إشارة إلى شريعة الإسلام ﴿ أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ ﴾ أي أدعو الناس إلى عبادة الله، وأنا على بصيرة من أمري وحجة واضحة ﴿ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني ﴾ أنا تأكيد للضمير في أدعو، ومن اتبعني معطوف عليه وعلى بصيرة في موضع الحال وقيل: أنا مبتدأ وعلى بصيرة خبره، فعلى هذا يوقف على قوله أدعو إلى الله، وهذا ضعيف ﴿ وسبحان الله ﴾ تقديره وأقول سبحان الله ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ ردّ على من أنكر أن يكون النبي من البشر، وقيل فيه إشارة إلى أنه لم يبعث رسولاً من النساء ﴿ مِّنْ أَهْلِ القرى ﴾ أي من أهل المدن، لا من أهل البوادي، فإن الله لم يبعث رسولاً من أهل البادية لجفائهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.

﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.

﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.

﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.

الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.

﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.

﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.

التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.

والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.

والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.

وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟

الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.

قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.

قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.

وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.

روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله  أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟

وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.

ونقل أن جبريل  دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.

فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.

وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً  ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.

وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله  على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

ومما يدل على أن يعقوب  أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.

والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.

ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.

يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟

قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.

عن النبي  : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.

وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق  أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.

﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.

وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.

قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.

والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.

فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.

فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.

وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا  "أعوذ بك منك" .

ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.

يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.

فقال: الذي بي لكثرة غمومي.

فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟

فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.

فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.

وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.

واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله  بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟‍!

أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.

وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟

قال: لا يا نبي الله.

ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.

وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.

وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.

وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.

ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.

وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.

قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله  غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.

ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال  ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً  ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.

قال الكلبي.

هي من لغة العجم.

وقيل: لغة القبط.

والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.

قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.

وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.

وقيل: سويق المقل والأقط.

وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.

﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.

﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.

واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟

فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد  .

وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.

وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.

كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.

فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله  قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.

أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله  وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.

فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.

وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".

وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.

وفيه تصديق لقوله  : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا  ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.

وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.

وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.

ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم  فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.

ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.

وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.

﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.

ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.

قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.

وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".

والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.

قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.

واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.

سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.

وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.

وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.

وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.

وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.

ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.

وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.

يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.

فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.

عن رسول الله  أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟

قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.

فقال  : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .

قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.

وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.

وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.

روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.

عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.

وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.

﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.

قال أهل التحقيق: إن الله  أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.

والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.

﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين  ﴾ .

وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.

قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.

﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع  ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.

والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟

فقال: هو ملك مصر.

قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟

قال: على دين الإسلام.

قال: الآن تمت النعمة.

ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.

قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.

وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.

وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.

فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.

روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.

وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.

فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.

واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟

قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟

قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.

ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.

قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله  أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.

وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله  أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.

قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.

وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.

وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.

﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟

وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله  فمن أين جاز سجدة أبويه له؟

والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله  ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.

وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.

واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.

بأن الخرور قد يعني به المرور قال  .

﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً  ﴾ أي لم يمروا.

وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.

ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.

وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.

وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله  أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله  ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.

﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.

﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.

مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.

قال ابن الأنباري.

بدا موضع معروف هنالك.

روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.

قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه  أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.

وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.

﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.

﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!

قال: أمرني جبريل.

قال: أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب  ﴾ قال: فهلا خفتني.

ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.

فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.

ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون  ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.

قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟

والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله  كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.

وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟

أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.

سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.

فما الفائدة في الطلب؟

الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.

وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.

وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.

قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله  وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.

وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.

ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.

ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.

وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.

ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.

وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.

ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.

فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.

وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  ﴾ فليتذكر.

قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.

وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله  أعلم بحقائق الأمور.

التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم  حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ بل أول ملامتي هو الله  حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون  ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.

فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .

يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق  ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي ما أكثر الناس بمؤمنين؛ ولو حرصت يا محمد أن يكونوا مؤمنين؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ كان النبي  بلغ من شفقته ورحمته على الخلق؛ ورغبته في إيمانهم؛ حتى كادت نفسه تهلك في ذلك؛ حيث قال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ  ﴾ كان حرصه على إيمانهم بلغ ما ذكر؛ حتى خفف ذلك عليه بهذه الآيات.

وقال بعض أهل التأويل: قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ ﴾ يعني أهل مكة، ﴿ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وهم كذلك؛ كانوا أكثرهم غير مؤمنين، وأهل مكة وغيرهم سواء كلهم؛ كذلك كانوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: [على] ما تبلغ إليهم وتدعوهم إلى طاعة الله؛ وجعل العبادة له؛ وتوجيه الشكر إليه؛ لا تسألهم على ذلك أجراً؛ فما الذي يمنعهم عن الإجابة لك فيما تدعوهم؛ والائتمار بأمرك؟!

هذا يدل أنه لا يجوز أخذ الأجر على الطاعات والعبادات؛ حيث نهى وأخبر أنه لا يسألهم على ما يبلغ إليهم أجراً، وهو لم يتولَّ تبليغ جميع ما أمر بتبليغه بنفسه إلى الخلق كافة، بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ...

﴾ الآية [سبأ: 28] ولكنه ولى بعضه غيره؛ كقوله: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب"؛ فإذا لم يجز له أخذ الأجر فيما يبلغ هو؛ فالذي كان مأموراً أن يبلغ عنه أيضاً لا يجوز أن يأخذ الأجر على ما يبلغ.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ وجهان: أحدهما: أنه ليس يسألهم على الذي يبلغه إليهم ويدعوهم أجراً؛ حتى يمنع بذل ذلك وثقله عن الإجابة.

والثاني: إخبار أن ليس له أن يأخذ؛ وأن يجمع من الدنيا شيئاً؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...

﴾ الآية [طه: 131] ومعلوم أنه لا يمد عينيه إلى ما لا يحل؛ فيكون النهي عن أخذ المباح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي هذا القرآن الذي تبلغهم ليس إلا ذكرى؛ وموعظة للعالمين، أو هو نفسه عظة وذكرى للعالمين؛ أعني: النبي  .

وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ أي شرف وذكرى لمن اتبعه وقام به، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ أي منفعته تكون لمن اتبعه؛ فعلى ذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ...

﴾ الآية.

أي كم من آية في السماوات والأرض.

قال بعض أهل التأويل: الآيات التي في السماء مثل: الشمس والقمر والنجوم والسحاب؛ وأمثاله، والآيات التي في الأرض: من نحو: الجبال والأنهار والبحار والمدائن؛ ونحوها، لكن السماء نفسها آية، والأرض نفسها آية؛ وما يخرج منها من النبات آية.

﴿ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ .

أي: هم عنها معرضون عما جعلت من آيات؛ لأنها إنما جعلت آيات لوحدانية الله وألوهيته؛ فهم عما جعلت من آيات معرضون.

وبالله الهداية والعصمة.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ ﴾ أي: كم من آية دليل وعلامة على وحدانية الله؛ في خلق السماوات والأرض، وهو قريب مما ذكرنا.

وقال بعضهم: آيات السماء؛ ما ذكرنا من نحو الشمس والقمر والكواكب.

وآيات الأرض؛ فمثل آثار الأمم التي أهلكوا من قبل؛ من نحو قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط؛ وغيرهم؛ ممن قد أهلكوا؛ يمرون عليها ويرونها ولا يتعظون بهم.

والوجه فيه ما ذكرنا: أنهم معرضون عما جعلت تلك آيات؛ وإنما جعلت آيات لوحدانية الله وألوهيته، أو معرضون عن التفكر فيها والنظر إعراض معاندة ومكابرة.

ثم يحتمل الإعراض وجهين: أحدهما: أعرضوا: أي لم ينظروا فيها؛ ولم يتفكروا؛ ليدلهم على وحدانية الله وألوهيته؛ فهو إعراض عنها.

والثاني: نظروا وعرفوا أنها آيات [لوحدانية الله]؛ لكنهم أعرضوا عنها مكابرين معاندين، ليس في السماوات ولا في الأرض شيء - وإن لطف - إلا وفيه دلالة [على] وحدانية الله، وآية ألوهيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: في الاعتقاد؛ أي: وما يؤمن أكثرهم بالله بأنه الإله؛ إلا وهم مشركون الأصنام والأوثان في التسمية، وسموها آلهة؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً  ﴾ .

والثاني: إشراك في الفعل؛ أي: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم عبدوا غيره؛ من الأصنام والأوثان، أو أن يكون ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ ﴾ بلسانهم ﴿ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ بقلوبهم أو يقول: وما يؤمن أكثرهم بالله في النعمة أنها من الله  ؛ إلا وهم مشركون في الشكر له  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

أي: كيف أمنوا أن يأتيهم عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة؛ وقد سمعوا إتيان العذاب بمن قبلهم وهلاكهم، وقد جاء ما يخوفهم إتيان الساعة؛ وخافوا عنها؛ وإن لم يعلموا بذلك حقيقة؛ لما تركوا العلم بها ترك معاندة ومكابرة؛ لا ترك ما لم يبين لهم؛ ومن لم يأت له التخويف والإعلام.

و ﴿ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ : قال أبو عوسجة - رحمه الله -: أي مجللة تغشيهم، ومنه قوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ  ﴾ وهو ما يأتيهم العذاب من فوقهم.

وقال غيره: غاشية من عذاب الله: أي عذاب من عذاب الله  ؛ وهو كقوله: ﴿ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ  ﴾ ؛ يجب أن يكون أهل الإسلام معتبرين بقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ﴾ ، وكذلك بقوله: ﴿ أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ وإن كانت الآيتان نزلتا فيهم؛ لأنهم يمرون بما ذكر من الآيات ولا يعتبرون بما ذكر، وكذلك يكون آمنين عن غاشية من عذاب الله  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما بعثنا من قبلك -أيها الرسول- إلا رجالًا من البشر لا ملائكة، نوحي إليهم كما أوحينا إليك، من أهل المدن لا من أهل البوادي، فكذبتهم أممهم فأهلكناها، أفلم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بك في الأرض فيتأملوا كيف كانت نهاية المكذبين من قبلهم فيعتبروا بهم؟!

وما في الدار الآخرة من النعيم خير للذين اتقوا الله في الدنيا، أفلا تعقلون أن ذلك خير فتتقوا الله بامتثال أوامره -وأعظمها الإيمان- وباجتناب نواهيه، وأكبرها الشرك بالله.

<div class="verse-tafsir" id="91.72BGv"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله