الآية ١١٠ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١١٠ من سورة يوسف

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ١١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٠ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٠ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أن نصره ينزل على رسله ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى في أحوج الأوقات إلى ذلك ، كما في قوله تعالى : ( وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) [ البقرة : 214 ] ، وفي قوله : ( كذبوا ) قراءتان ، إحداهما بالتشديد : " قد كذبوا " ، وكذلك كانت عائشة - رضي الله عنها - تقرؤها ، قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله : ( حتى إذا استيئس الرسل ) قال : قلت : أكذبوا أم كذبوا ؟

فقالت عائشة : كذبوا .

فقلت : فقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم فما هو بالظن ؟

قالت : أجل ، لعمري لقد استيقنوا بذلك .

فقلت لها : وظنوا أنهم قد كذبوا ؟

قالت معاذ الله ، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها .

قلت : فما هذه الآية ؟

قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ، ( حتى إذا استيئس الرسل ) ممن كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم ، جاءهم نصر الله عند ذلك .

حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرنا عروة ، فقلت : لعلها قد كذبوا مخففة ؟

قالت : معاذ الله .

انتهى ما ذكره .

وقال ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة : أن ابن عباس قرأها : ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) خفيفة ، قال عبد الله هو ابن مليكة : ثم قال لي ابن عباس : كانوا بشرا وتلا ابن عباس : ( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) [ البقرة : 214 ] ، قال ابن جريج : وقال لي ابن أبي مليكة : وأخبرني عروة عن عائشة : أنها خالفت ذلك وأبته ، وقالت : ما وعد الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات ، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم .

قال ابن أبي مليكة في حديث عروة : كانت عائشة تقرؤها " وظنوا أنهم قد كذبوا " مثقلة ، للتكذيب .

وقال ابن أبي حاتم : أنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد قال : جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال : إن محمد بن كعب القرظي يقول هذه الآية : ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) فقال القاسم : أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) تقول : كذبتهم أتباعهم .

إسناد صحيح أيضا .

والقراءة الثانية بالتخفيف ، واختلفوا في تفسيرها ، فقال ابن عباس ما تقدم ، وعن ابن مسعود ، فيما رواه سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله أنه قرأ : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) مخففة ، قال عبد الله : هو الذي تكره .

وهذا عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - مخالف لما رواه آخرون عنهما .

أما ابن عباس فروى الأعمش ، عن مسلم ، عن ابن عباس في قوله : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) قال : لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم ، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم ، جاءهم النصر على ذلك ، ( فنجي من نشاء ) وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وعمران بن الحارث السلمي ، وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة ، والعوفي عن ابن عباس بمثله .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا عارم أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا شعيب حدثنا إبراهيم بن أبي حرة الجزري قال : سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال له : يا أبا عبد الله ، كيف هذا الحرف ، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) قال : نعم ، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم ، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا .

فقال الضحاك بن مزاحم : ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكأ!

لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا .

ثم روى ابن جرير أيضا من وجه آخر : أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك ، فأجابه بهذا الجواب ، فقام إلى سعيد فاعتنقه ، وقال : فرج الله عنك كما فرجت عني .

وهكذا روي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك ، وكذا فسرها مجاهد بن جبر ، وغير واحد من السلف ، حتى إن مجاهدا قرأها : " وظنوا أنهم قد كذبوا " ، بفتح الذال .

رواه ابن جرير ، إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله : ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) إلى أتباع الرسل من المؤمنين ، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم ، أي : وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا - مخففة - فيما وعدوا به من النصر .

وأما ابن مسعود فقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن جحش بن زياد الضبي ، عن تميم بن حذلم قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية : ( حتى إذا استيأس الرسل ) من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا ، بالتخفيف .

فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس ، وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك ، وانتصر لها ابن جرير ، ووجه المشهور عن الجمهور ، وزيف القول الآخر بالكلية ، ورده وأباه ، ولم يقبله ولا ارتضاه ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى , فدعوْا من أرسلنا إليهم , فكذبوهم , وردُّوا ما أتوا به من عند الله ، ( حتى إذا استيئسَ الرسل )، الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله، (19) ويصدِّقوهم فيما أتوهم به من عند الله ، وظن الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذِّبة أن الرسل الذين أرسلناهم قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله، من وَعده إياهم نصرَهم عليهم ، ( جاءهم نصرنا ).

* * * وذلك قول جماعة من أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 19987 - حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة , قال: حدثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن مسلم , عن ابن عباس , في قوله: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا) ، قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومُهم , وظنَّ قومهم أن الرسل قد كذَبَوهم , جاءهم النصر على ذلك , فننجّي من نشاء.

19988 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا أبو معاوية الضرير, قال: حدثنا الأعمش , عن مسلم , عن ابن عباس، بنحوه ، غير أنه قال في حديثه، قال: " أيست الرسل " , ولم يقل: " لما أيست ".

(20) 19989 - حدثنا محمد بن بشار , قال: حدثنا مؤمل , قال: حدثنا سفيان , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير: (حتى إذا استيئس الرسل) ، أن يسلم قومهم , وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبُوا جاءهم نصرنا.

19990 - حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا مؤمل , قال: حدثنا سفيان , عن الأعمش , عن أبي الضحى , عن ابن عباس , مثله .

19991 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمران بن عيينة , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا) ، قال: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم , وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا ,(جاءهم نصرنا).

19992 - حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن حصين , عن عمران السلمي , عن ابن عباس: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا) ، أيس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم , وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم.

(21) 19993 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد , قال: حدثنا جرير, عن حصين , عن عمران بن الحارث السلمي , عن عبد الله بن عباس , في قوله: (حتى إذا استيئس الرسل ) ، قال: استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم ، (وظنوا أنهم قد كذبوا)، قال: ظن قومهم أنهم جاؤوهم بالكذب.

19994 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا ابن إدريس , قال: سمعت حصينًا , عن عمران بن الحارث , عن ابن عباس: حتى إذا استيأس الرسل من أن يستجيب لهم قومهم , وظنَّ قومهم أن قد كذبوهم ، (جاءهم نصرنا).

19995 - حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس , قال: حدثنا عبثر , قال: حدثنا حصين , عن عمران بن الحارث , عن ابن عباس , في هذه الآية: (حتى إذا استيئس الرسل ) ، قال: استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا , وظنَّ قومُهم أن الرسل قد كَذَبوهم فيما وعدوا وكذبوا ، ( جاءهم نصرنا ).

(22) 19996 - حدثنا محمد بن المثنى , قال: حدثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن حصين , عن عمران بن الحارث , عن ابن عباس , قال: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، من نصر قومهم ، ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، ظن قومهم أنهم قد كَذَبوهم.

19997 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا محمد بن الصباح , قال: حدثنا هشيم , قال: أخبرنا حصين , عن عمران بن الحارث , عن ابن عباس , في قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، قال : من قومهم أن يؤمنوا بهم , وأن يستجيبوا لهم , وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم ( جاءهم نصرنا ) ، يعني الرسلَ.

19998 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن حصين , عن عمران بن الحارث , عن ابن عباس، بمثله سواء .

19999 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء , عن هارون , عن عباد القرشي , عن عبد الرحمن بن معاوية , عن ابن عباس: ( وظنوا أنهم قد كُذِبوا ) خفيفة , وتأويلها عنده: وظن القومُ أن الرسل قد كذبوا.

(23) 20000 - حدثنا أبو بكر , قال: حدثنا طلق بن غنام , عن زائدة , عن الأعمش , عن مسلم , عن ابن عباس , قال: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، من قومهم أن يصدِّقوهم , وظن قومُهم أن قد كذبتهم رُسُلهم ، ( جاءهم نصرنا ) .

(24) 20001 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، يعني: أيس الرسل من أن يتّبعهم قومهم , وظن قومُهم أن الرسل قد كَذَبوا , فينصر الله الرسل , ويبعثُ العذابَ.

20002 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) ، حتى إذا استيأس الرسلُ من قومهم أن يطيعوهم ويتبعوهم , وظنَّ قومُهم أن رسلهم كذبوهم ، ( جاءهم نصرنا ).

20003 - حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا محمد بن فضيل , عن حصين , عن عمران بن الحارث , عن ابن عباس: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، من قومهم ، ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، قال: فما أبطأ عليهم إلا من ظن أنهم قد كَذَبوا.

20004 - ....

قال: حدثنا آدم العسقلاني , قال: حدثنا شعبة , قال: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن , عن عمران بن الحارث قال: سمعت ابن عباس يقول: ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) خفيفةً .

وقال ابن عباس: ظن القومُ أنّ الرسل قد كَذَبوهم، خفيفةً.

20005 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا جرير , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , في قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، من قومهم , وظنّ قومُهم أن الرسل قد كَذَبوهم .

20006 - ....

قال: حدثنا محمد بن فضيل , عن خصيف , قال: سألت سعيد بن جبير , عن قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، من قومهم , وظن الكفار أنهم هم كَذَبوا.

20007 - حدثني يعقوب والحسن بن محمد , قالا حدثنا إسماعيل بن علية .

قال: حدثنا كلثوم بن جبر , عن سعيد بن جبير , قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، من قومهم أن يؤمنوا , وظن قومُهم أن الرسل قد كَذَبتهم.

20008 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عارم أبو النعمان , قال: حدثنا حماد بن زيد , قال: حدثنا شعيب , قال: حدثني إبراهيم بن أبي حرة الجزري , قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير , فقال له: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنَّيت أن لا أقرأ هذه السورة: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) ؟

قال: نعم , حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم , وظن المرسَلُ إليهم أن الرُّسُل كَذَبوا .

قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكَّأ!!

لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا!

(25) 20009 - حدثني المثنى , قال: حدثنا الحجاج , قال: حدثنا ربيعة بن كلثوم , قال: حدثني أبي , أن مسلم بن يسار , سأل سعيد بن جبير ; فقال: يا أبا عبد الله , آية بلغت مني كل مبلغ: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، فهذا الموتُ , أن تظنّ الرسل أنهم قد كُذِبوا , أو نظنّ أنهم قد كَذَبوا، مخففة!

(26) قال: فقال سعيد بن جبير: يا أبا عبد الرحمن , حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم , وظن قومُهم أن الرسل كذبتهم ، ( جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) .

قال: فقام مسلم إلى سعيد , فاعتنقه وقال: فرّج الله عنك كما فرّجت عني (27) 20010 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا يحيى بن عباد , قال: حدثنا وهيب , قال: حدثنا أبو المعلى العطار , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم ; وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبوهم , ما كانوا يخبرونهم ويبلِّغونهم.

(28) 20011 - ....

قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله ;( حتى إذا استيئس الرسل ) أن يصدقهم قومهم , وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا , جاء الرسل نَصرُنا.

20012 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

20013 - حدثني المثنى: قال: حدثنا الحجاج , قال: حدثنا حماد , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , في هذه الآية: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبت.

20014 - ....

قال: حدثنا حماد , عن كلثوم بن جبر , قال: قال لي سعيد بن جبير: سألني سيد من ساداتكم عن هذه الآية فقلت: استيأس الرسل من قومهم , وظنَّ قومهم أن الرسل قد كذبت.

(29) 20015 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، قال: استيأس الرسل أن يؤمن قومهم بهم , وظنَّ قومهم المشركون أن الرسل قد كَذَبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم عليهم، وأخْلِفُوا، وقرأ: ( جاءهم نصرنا ) ، قال: جاء الرسلَ النصرُ حينئذ.

قال: وكان أبيّ يقرؤها: " كُذِبُوا ".

20016 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء , عن سعيد , عن أبي المتوكل , عن أيوب ابن أبي صفوان , عن عبد الله بن الحارث , أنه قال: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، من إيمان قومهم ، ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، وظن القوم أنهم قد كذبوهم فيما جاءوهم به.

(30) 20017 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب , عن جويبر , عن الضحاك , قال: ظن قومهم أن رسلهم قد كَذَبوهم فيما وعدوهم به.

20018 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثنا محمد بن فضيل , عن جحش بن زياد الضبي , عن تميم بن حذلم , قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية: " حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا " ، قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم , وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كَذَبوا بالتخفيف.

(31) 20019 - حدثنا أبو المثنى , قال: حدثنا محمد بن جعفر , قال: حدثنا شعبة , &; 16-304 &; عن أبي المعلى , عن سعيد بن جبير , في قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، قال: استيأس الرسل من نصر قومهم , وظنّ قومُ الرسل أن الرسل قد كَذَبوهم.

(32) 20020 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال: حدثنا أبو أحمد , قال: حدثنا عمرو بن ثابت , عن أبيه , عن سعيد بن جبير: حتى إذا استيأس الرسل أن يصدِّقوهم , وظن قومُهم أن الرسل قد كذبوهم.

(33) 20021 - ....

قال: حدثنا أبو أحمد , قال: حدثنا إسرائيل , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: حتى إذا استيأس الرسل أن يصدّقهم قومهم , وظن قومُهم أن الرسل قد كَذَبوهم.

20022 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك في قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، يقول: استيأسوا من قومهم أن يجيبوهم , ويؤمنوا بهم ، " وظنوا "، يقول: وظن قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبوهم الموعد.

* * * قال أبو جعفر: والقراءة على هذا التأويل الذي ذكرنا في قوله: ( كُذِبُوا ) بضم الكاف وتخفيف الذال.

وذلك أيضًا قراءة بعض قرأة أهل المدينة وعامة قرأة أهل الكوفة .

وإنما اخترنا هذا التأويل وهذه القراءة , لأن ذلك عقيب قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فكان ذلك دليلا على أن إياس الرسل كان من إيمان قومهم الذين أهلكوا , وأن المضمر في قوله: ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، إنما هو من ذكر الذين من قبلهم من الأمم الهالكة , وزاد ذلك وضوحًا أيضًا، إتباعُ الله في سياق الخبر عن الرسل وأممهم قوله: ( فنجي من نشاء ) ، إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنوا ان الرسل قد كذبتهم، (34) فكَذَّبوهم ظنًّا منهم أنهم قد كَذَبوهم.

* * * وقد ذهب قوم ممن قرأ هذه القراءة، إلى غير التأويل الذي اخترنا , ووجّهوا معناه إلى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم , وظنَّتِ الرسل أنهم قد كُذِبوا فيما وُعِدُوا من النصر .

* ذكر من قال ذلك: 20023 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عثمان بن عمر , قال: حدثنا ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: قرأ ابن عباس: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا ) ، قال: كانوا بشرًا ضَعفُوا ويَئِسوا.

20024 - ....

قال: حدثنا حجاج بن محمد , عن ابن جريج , قال: أخبرني ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , قرأ: ( وظنوا أنهم قد كُذِبوا ) ، خفيفة، قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخْلِفوا.

قال عبد الله: قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا.

وتلا ابن عباس: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة: 214] ، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضَعُفوا فظنوا أنهم أخْلِفوا.

20025 - حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا مؤمل , قال: حدثنا سفيان , عن الأعمش , عن أبي الضحى , عن مسروق , عن عبد الله , أنه قرأ: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا ) ، مخففة.

قال عبد الله: هو الذي تَكْرَه.

20026 - ....

قال: حدثنا أبو عامر , قال: حدثنا سفيان , عن سليمان , عن أبي الضحى , عن مسروق , أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، قال: هو الذي تكره ، مخففةً.

20027 - ....

قال: حدثنا محمد بن جعفر , قال: حدثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير , أنه قال في هذه الآية: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) ، قلت: " كُذِبوا "!

قال: نعم ألم يكونوا بشرًا؟

20028 - حدثنا الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا ) ، قال: كانوا بشرًا، قد ظنُّوا.

* * * قال أبو جعفر: وهذا تأويلٌ وقولٌ , غيرُه من التأويل أولى عندي بالصواب، (35) وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء، والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعدِ الله إياهم ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسَل إليهم فيعذروا في ذلك، فإن المرسَلَ إليهم لأوْلى في ذلك منهم بالعذر.

(36) وذلك قول إن قاله قائلٌ لا يخفى أمره.

* * * وقد ذُكِر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة , فأنكرته أشد النُكرة فيما ذكر لنا.

* ذكر الرواية بذلك عنها، رضوانُ الله عليها: 20029 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عثمان بن عمر , قال: حدثنا &; 16-307 &; ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: قرأ ابن عباس: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا )، فقال: كانوا بشرًا، ضعفوا ويئسوا ، قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة , فقال: قالت عائشة: معاذ الله!

ما حدَّث الله رسوله شيئًا قطُّ إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت , ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى ظن الأنبياء أن من تبعهم قد كذّبوهم .

فكانت تقرؤها: " قَدْ كُذِّبُوا " ، تثقلها.

(37) 20030 - ....

قال: حدثنا حجاج , عن ابن جريج , قال: أخبرني ابن أبي مليكة , أن ابن عباس قرأ: ( وظنوا أنهم قد كُذِبوا ) ، خفيفة، قال عبد الله: ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا وتلا ابن عباس: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة: 214] ، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: يذهب بها إلى أنهم ضَعُفوا , فظنوا أنهم أُخْلِفوا .

قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة , أنها خالفت ذلك وأبته , وقالت: ما وعد الله محمدًا صلى الله عليه وسلم من شيء إلا وقد علم أنه سيكون حتى مات , ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أنَّ من معهم من المؤمنين قد كذَّبوهم.

قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها: " وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا " مثقَّله , للتكذيب.

(38) 20031 - ....

قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي , قال: حدثنا إبراهيم بن سعد , قال: حدثني صالح بن كيسان , عن ابن شهاب , عن عروة , عن عائشة قال: قلت لها قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا ) ، قال: قالت عائشة: لقد استيقنوا أنهم قد كُذِّبوا .

قلت: " كُذِبوا ".

قالت: معاذ الله , لم تكن الرُّسل تظُنُّ بربها، (39) إنما هم أتباع الرُّسُل، لما استأخر عنهم الوحيُ، واشتد عليهم البلاء، ظنت الرسل أن أتباعهم قد كذَّبوهم ، ( جاءهم نصرنا ).

(40) 20032 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة , قالت: حتى إذا استيأس الرجل ممن كذبهم من قومهم أن يصدّقوهم , وظنَّت الرسل أن من قد آمن من قومهم قد كَذَّبوهم , جاءهم نصر الله عند ذلك.

(41) * * * قال أبو جعفر: فهذا ما روي في ذلك عن عائشة , غير أنها كانت تقرأ: " كُذِّبُوا " ، بالتشديد وضم الكاف , بمعنى ما ذكرنا عنها: من أن الرسل ظنَّت بأتباعها الذين قد آمنوا بهم، أنهم قد كذَّبوهم , فارتدُّوا عن دينهم , استبطاءً منهم للنصر .

وقد بيّنا أن الذي نختار من القراءة في ذلك والتأويل غيرَه في هذا الحرف خاصّةً.

* * * وقال آخرون ممن قرأ قوله: " كُذِّبُوا " بضم الكاف وتشديد الذال , معنى ذلك: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم ويصدِّقوهم , وظنَّت الرسل، بمعنى: واستيقنت، أنهم قد كذّبهم أممهم، جاءَتِ الرُّسل نُصْرَتنا .

وقالوا: " الظن " في هذا بمعنى العلم، (42) من قول الشاعر: (43) فَظُنُّــوا بِــأَلْفَيْ فَــارِسٍ مُتَلَبِّـبٍ سَــرَاتُهُمْ فِــي الفَارِسِـيّ المُسَـرَّدِ (44) * * * * ذكر من قال ذلك: 20033 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن ، وهو قول قتادة ، : " حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم , وظنوا أنهم قد كُذِّبوا "، أي: استيقنوا أنه لا خير عند قومهم , ولا إيمان ، ( جاءهم نصرنا).

* * * 20034 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( حتى إذا استيئس الرسل ) ، قال: من قومهم ، ( وظنوا أنهم قد كذِّبوا )، قال: وعلموا أنهم قد كذبوا ، ( جاءهم نصرنا).

* * * قال أبو جعفر: وبهذه القراءة كانت تقرأ عامة قرأة المدينة والبصرة والشأم , أعني بتشديد الذال من " كُذِّبُوا " وضم كافها.

* * * وهذا التأويل الذي ذهب إليه الحسن وقتادة في ذلك، إذا قرئ بتشديد الذال وضم الكاف، خلافٌ لما ذكرنا من أقوال جميع من حكينا قوله من الصحابة , لأنه لم يوجه " الظن " في هذا الموضع منهم أحدٌ إلى معنى العلم واليقين , مع أن " الظنّ" إنما استعمله العرب في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر أو من غير وجه المشاهده والمعاينة.

فأما ما كان من علم أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة، فإنها لا تستعمل فيه " الظن " , لا تكاد تقول: " أظنني حيًّا، وأظنني إنسانًا " , بمعنى: أعلمني إنسانًا، وأعلمني حيًا .

والرسل الذين كذبتهم أممهم , لا شك أنها كانت لأممها شاهدة، ولتكذيبها إياها منها سامعة , فيقال فيها: ظنّت بأممها أنها كَذَّبتها.

* * * وروي عن مجاهد في ذلك قولٌ هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين الذين سَمَّينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم، وتأويلٌ خلاف تأويلهم، وقراءةٌ غير قراءة جميعهم , وهو أنه، فيما ذُكِر عنه، كان يقرأ: " وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا " بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال.

* ذكر الرواية عنه بذلك: 20035 - حدثني أحمد بن يوسف , قال: حدثنا أبو عبيد , قال: حدثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , أنه قرأها: " كَذَبُوا " بفتح الكاف بالتخفيف.

* * * ، وكان يتأوّله كما: - 20036 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد: استيأس الرجل أن يُعَذَّبَ قومهم , وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا ، ( جاءهم نصرنا ) , قال: جاء الرسلَ نصرنا .

قال مجاهد: قال في" المؤمن " (45) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ، قال: قولهم: " نحن أعلم منهم ولن نعذّب " .

وقوله: وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ، [سورة غافر: 83] ، قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق.

* * * قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، (46) لإجماع الحجة من قرأة الأمصار على خلافها.

ولو جازت القراءة بذلك، لاحتمل وجهًا من التأويل، وهو أحسن مما تأوله مجاهد , وهو: حتى إذا استيأس الرسل من عذاب الله قومَها المكَذِّبة بها , وظنَّت الرسل أن قومها قد كَذَبوا وافتروا على الله بكفرهم بها ، ويكون " الظن " موجِّهًا حينئذ إلى معنى العلم , على ما تأوَّله الحسن وقتادة.

* * * وأما قوله: ( فنجي من نشاء ) فإن القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأه عامة قرأة أهل المدينة ومكة والعراق: " فَنُنْجِي مَنْ نَشَاء "، مخفّفة بنونين، (47) بمعنى: فننجي نحنُ من نشاء من رسلنا والمؤمنين بنا , دون الكافرين الذين كَذَّبوا رُسلنا، إذا جاء الرسلَ نصرُنا.

* * * واعتلّ الذين قرءوا ذلك كذلك، أنه إنما كتب في المصحف بنون واحدة، وحكمه أن يكون بنونين , لأن إحدى النونين حرف من أصل الكلمة , من: " أنجى ينجي" , والأخرى " النون " التي تأتي لمعنى الدلالة على الاستقبال , من فعل جماعةٍ مخبرةٍ عن أنفسها، لأنهما حرفان، أعني النونين، من جنس واحدٍ يخفى الثاني منهما عن الإظهار في الكلام , فحذفت من الخط، واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة , كما يفعل ذلك في الحرفين اللذين يُدْغم أحدهما في صاحبه.

* * * وقرأ ذلك بعض الكوفيين على هذا المعنى , غير أنه أدغم النون الثانية وشدّد الجيم.

* * * وقرأه آخر منهم بتشديد الجيم ونصب الياء، على معنى فعل ذلك به من: " نجَّيته أنجّيه ".

* * * وقرأ ذلك بعض المكيين: " فَنَجَا مَنْ نَشَاءُ" بفتح النون والتخفيف , من: " نجا ينجو ".

(48) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأه: " فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ" بنونين , لأن ذلك هو القراءة التي عليها القرأة في الأمصار , وما خالفه ممن قرأ ذلك ببعض الوجوه التي ذكرناها، فمنفرد بقراءته عما عليه الحجة مجمعة من القرأة.

وغير جائز خلاف ما كان مستفيضًا بالقراءة في قرأة الأمصار.

* * * قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: فننجي الرسلَ ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا، كما: - 20037 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال حدثني عمي: قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: " فننجي من نشاء " ، فننجي الرسل ومن نشاء ، ( ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين ) ، وذلك أن الله تبارك وتعالى بَعَث الرسل , فدعوا قومهم، وأخبروهم أنه من أطاع نجا، ومن عصاه عُذِّب وغَوَى.

* * * وقوله ( ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين ) ، يقول: ولا تردُّ عقوبتنا وبطشنا بمن بطشنا به من أهل الكفر بنا وعن القوم الذين أجرموا , فكفروا بالله، وخالفوا رسله وما أتوهم به من عنده.

* * * ---------------------- الهوامش: (19) انظر تفسير" استيأس" فيما سلف ص : 203 ، 204 ، وفهارس اللغة ( يأس ) .

(20) مرة أخرى ، أوقفك على هذه الدقة البليغة في رواية أخبارنا ، فضلاً عن رواية حديث نبينا صلى الله عليه وسلم .

ومع ذلك كله فالسفهاء يقولون ، متبعين أهواء أصحاب الضلالة من المستشرقين وأشباههم .

فليت قومي يعلمون أي تراث يضيعون ، وأي سخف يتبعون .

انظر ما سلف ص : 265 ، تعليق : 1 .

(21) الأثر : 19992 -" عمران السلمي" ، هو" عمران بن الحارث السلمي" ،" أبو الحكم" تابعي كوفي ثقة ، روى عن ابن عباس ، وابن الزبير ، وابن عمر .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 296 .

وستأتي روايته هذه في الأخبار التالية إلى رقم : 19998 .

(22) الأثر : 19995 -" عبد الله بن أحمد بن يونس" ، هو" عبد الله بن أحمد بن عبد الله ابن يونس اليربوعي" ،" أبو حصين" ، شيخ الطبري ، سلف برقم : 12336 .

و" عبثر" ، هو" عبثر بن القاسم الزبيدي" ، ثقة ، مضى برقم : 12336 ، 12402 ، 17106 .

(23) الأثر : 19999 -" عبد الوهاب بن عطاء" ، هو الخفاف ، مضى مرارًا آخرها رقم : 16842 و" هرون" ، كأنه" هرون بن سفيان بن بشير" ،" أبو سفيان" ، المعروف بالديك ، مستملي يزيد بن هارون ، روى عن معاذ بن فضالة ، وأبي زيد النحوي ، ومطرف بن عبد الله المديني ، ومحمد بن عمر الواقدي .

مترجم في تاريخ بغداد 14 : 25 ، رقم : 7357 .

و" عباد القرسي" ، هو" عباد بن موسى القرشي البصري" ، ثقة ، روى عن إسرائيل بن يونس ، وإبراهيم بن طهمان ، وسفيان الثوري ، وروى عنه هرون بن سفيان المستملي ، مترجم في التهذيب .

و" عبد الرحمن بن معاوية" ، هو" عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث الأنصاري ، الزرقي" ،" أبو الحويرث" ، روى عن ابن عباس ، وغيره ، مضى برقم : 15756 .

(24) الأثر : 20000 -" أبو بكر" ، لم أعرف من هو من شيوخ أبي جعفر ، وظني أن صوابه" أبو كريب" ، فهو الذي ذكروا أنه يروي عن طلق بن غنام .

و" طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي" ثقة ، لم يكن بالمتبحر في العلم ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 361 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 491 .

(25) الأثر : 20008 -" شعيب" ، هو" شعيب بن الحبحاب الأزدي" ، ثقة ، مضى برقم : 6180 ، 6442 .

و" إبراهيم بن أبي حرة الجزري" ، وثقه ابن معين ، وأحمد ، وقال ابن أبي حاتم : ثقة ، لا بأس به وضعفه الساجي ، وذكره ابن حبان في الثقات .

كان قليل الحديث .

مترجم في لسان الميزان 1 : 46 ، والكبير 1 / 1 / 281 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 96 ، وابن سعد 7 / 2 / 179 .

وكان في المطبوعة :" ابن أبي حمزة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، ولأن الناسخ وضع أمام هذا السطر علامة الشك .

والفتى المذكور هنا ، هو" مسلم بن يسار : كما يظهر من الأثر التالي .

وأما كلمة الضحاك بن مزاحم ، فهي كلمة رجل قد ملأ حب العلم قلبه ، وقل من الناس من يمتلئ قلبه بحب العلم حتى يقول مثل هذه المقالة ، إلا ما كان من أسلافنا هؤلاء ، فإن الله قد نشأهم أحسن تنشئة في حجور الأنبياء والصالحين من صحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم .

(26) في المخطوطة :" وظنوا أنهم قد كذبوا ، ونظن أنهم قد كذبوا مخففة ..." ، سقط من الكلام ما أتمه ناشر المطبوعة الأولى من الدر المنثور للسيوطي 4 : 41 .

(27) الأثر : 20009 -" ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري" ، ثقة ، مضى برقم 6240 ، 12522 .

وأبوه :" كلثوم بن جبر البصري" ، ثقة ، مضى أيضًا برقم : 6240 ، 12522 .و" مسلم بن يسار البصري" ، أبو عبد الله الفقيه ، روى عن أبيه ، وابن عباس ، وابن عمر تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 275 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 198 .

وانظر الخبر الآتي رقم : 20014 .

(28) الأثر : 20010 -" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني" ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا آخرها رقم : 18807 ، 18817 .

و" يحيى بن عباد الضبعي" ،" أبو عباد البصري" ، ثقة ، حدث عنه أهل بغداد ، وقال الخطيب : أحاديثه مستقيمة، لا نعلمه روى منكرًا .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 292 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 173 ، وتاريخ بغداد 14 : 144 -146 .

و"وهيب" هو" وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 4345 ، 12444 .

و" أبو المعلى العطار" ، هو" يحيى بن ميمون" ، ثقة ليس به بأس ، مضى برقم : 8346 ، 8347 ، 11162 .

(29) الأثر : 20014 - انظر الخبرين السالفين رقم : 20008 ، 20009 .

(30) الأثر : 20016 -" سعيد" ، هو" سعيد بن أبي عروبة" .

وأما" أبو المتوكل" فلا أدري ما هو ، وسيأتي أنه عند البخاري و ابن أبي حاتم :" المتوكل" ، ومع ذلك ، فلست أدري من يكون على التحقيق .

و" أيوب بن أبي صفوان" ، هكذا جاء في ترجمة" أيوب بن صفوان" في التاريخ الكبير للبخاري ، أي هكذا يقال فيه أيضًا ، وأما ابن أبي حاتم فاقتصر على أنه :" أيوب بن صفوان" ، مولى عبد الله بن الحارث ، وفي ترجمة أبي حاتم تخليط كثير .

قال البخاري في ترجمته :" قال عبد الأعلى ، حدثنا سعيد ، عن متوكل ، عن أيوب بن صفوان ، مولى عبد الله بن الحارث الهاشمي ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم هانئ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم" ، يعني في صلاة الضحى" .

ثم ذكره في إسناد آخر هكذا" أيوب بن أبي صفوان" ، كالذي هنا .

وأما ابن أبي حاتم فقال :" أيوب بن صفوان ، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل ، روى عن المتوكل ، عن عبد الله بن الحارث ، روى عنه سعيد بن أبي عروبة" ، وهو خلط أرجح أن صوابه :" روى عنه المتوكل ، عن عبد الله بن الحارث ، وروى عن المتوكل سعيد بن أبي عروبة" .

وهذا خبر مشكل إسناده كما ترى ، ولا حيلة لنا فيه ، حتى نجد شيئًا يهدي إلى الصواب فيه .

(31) الأثر : 20018 -" جحش بن زياد الضبي" ، روى عن تميم بن حذلم ، روى عنه سفيان الثوري ، وجرير ، ومحمد بن فضيل ، وأبو بكر بن عياش .

لم يذكروا فيه جرحًا ، مترجم في الكبير 1 / 2 / 251 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 550 .

و" تميم بن حذلم الضبي" ، من أصحاب ابن مسعود ، ثقة ، قليل الحديث ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 13623 .

في ترجمة ولده .

(32) الأثر : 20019 -" أبو المعلي" ، هو العطار ،" يحيى بن ميمون" ، مضى قريبًا برقم : 20010 .

(33) الأثر : 20020 -" عمرو بن ثابت بن هرمز البكري" ، روى عن أبيه ، ضعيف جدًا ليس بثقة ، مضى برقم : 641 ، 680 ، 5969 .

وأبوه" ثابت بن هرمز" ، الحداد ،" أبو المقدام" ، ثقة ، مضى برقم : 641 ، 680 ، 5969 ، 16645 .

(34) في المخطوطة :" إن الذين أهلكوا" ، والصواب ما في المطبوعة .

(35) في المطبوعة والمخطوطة :" هذا تأويل وقول غيره من أهل التأويل ..." بزيادة" أهل" ، وهو لا يستقيم ، لأنه لو عنى ذلك لقال :" وقول غيرهما" ، لأن الراوية قبل عند عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود .

ويصحح ما فعلت من حذف هذه الزيادة ، قوله بعد :" وخلافه من القول ...." .

(36) في المطبوعة و المخطوطة :" أن المرسل إليهم" بغير الفاء ، وهي واجبة في جواب الشرط من قوله :" والرسل إن جاز أن يرتابوا ...

فإن المرسل إليهم ..." .

(37) الأثر : 20029 -" عثمان بن عمر بن فارس العبدي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .

وابن جريج ، هو الإمام المشهور .

و" ابن أبي مليكة" ، هو" عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة" ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة .

وهذا إسناد صحيح ، رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 140 ) ، من طريق إبراهيم بن موسى ، عن هشام ، عن ابن جريج .

(38) الأثر : 20030 - مكرر الذي قبله ، وهو إسناد صحيح .

(39) في المطبوعة والمخطوطة :" تظن يومًا" ، ورجحت أن هذا تصحيف من الناسخ ، لم يحسن قراءة" بربها" ، فكتب مكانها "يومًا" ، لشبه ما بينها في الرسم ، والذي في حديث البخاري :" تظن ذلك بربها" ، وهو يؤيد ما ذهبت إليه .

(40) الأثر : 20031 - بهذا الإسناد ، عن" عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان" ، رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 277 - 279 ) ، مطولا .

ولفظ أبي جعفر مختصر أشد الاختصار .

وكتب ابن حجر فصلاً جيدًا مستوفى في شرح هذا الحديث .

(41) الأثر : 20032 - وهذا إسناد صحيح إلى عائشة .

(42) انظر تفسير "الظن" بهذا المعنى فيما سلف من فهارس اللغة ( ظنن ) .

(43) هو دريد بن الصمة .

(44) مضى البيت بغير هذه الرواية 2 : 18 ، تعليق : 1 ، وبينت ذلك هناك .

(45) " المؤمن" هي سورة غافر ، أي : سورة مؤمن آل فرعون .

(46) في المطبوعة وحدها :" وهذه القراءة" ، غير الكلام بلا معنى .

(47) في المطبوعة أسقط" مخففة" ، وكان في المخطوطة :" فننجي مخففة من نشاء بنونين" ، والذي أثبته أولى وأجود .

(48) في المخطوطة :" من نجا عذاب الله من نشاء ينجو" وفي المطبوعة :" من نجا من عذاب الله من نشاء ينجو" ، زاد" من" ليستقيم الكلام .

بيد أني أقطع بأن الصواب هو ما أثبت ، كما فعل في أخواتها السالفة ، وإنما زاد الناسخ ما زاد سهوًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : حتى إذا استيأس الرسل تقدم القراءة فيه ومعناه .

وظنوا أنهم قد كذبوا هذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم .

وهذا الباب عظيم ، وخطره جسيم ، ينبغي الوقوف عليه لئلا يزل الإنسان فيكون في سواء الجحيم .

المعنى : وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالا ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب .

حتى إذا استيأس الرسل أي يئسوا من إيمان قومهم .

" وظنوا أنهم قد كذبوا " بالتشديد ; أي أيقنوا أن قومهم كذبوهم .

وقيل المعنى : حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كذبوهم ، لا أن القوم كذبوا ، ولكن الأنبياء ظنوا وحسبوا أنهم يكذبونهم ; أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك ; فيكون وظنوا على بابه في هذا التأويل .

وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو جعفر بن القعقاع [ ص: 241 ] والحسن وقتادة وأبو رجاء العطاردي وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف " كذبوا " بالتخفيف ; أي ظن القوم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ، ولم يصدقوا .

وقيل : المعنى ظن الأمم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من نصرهم .

وفي رواية عن ابن عباس ; ظن الرسل أن الله أخلف ما وعدهم .

وقيل : لم تصح هذه الرواية ; لأنه لا يظن بالرسل هذا الظن ، ومن ظن هذا الظن لا يستحق النصر ; فكيف قال : جاءهم نصرنا ؟

!

قال القشيري أبو نصر : ولا يبعد إن صحت الرواية أن المراد خطر بقلوب الرسل هذا من غير أن يتحققوه في نفوسهم ; وفي الخبر : إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمل به .

ويجوز أن يقال : قربوا من ذلك الظن ; كقولك : بلغت المنزل ، أي قربت منه .

وذكر الثعلبي والنحاس عن ابن عباس قال : كانوا بشرا فضعفوا من طول البلاء ، ونسوا وظنوا أنهم أخلفوا ; ثم تلا : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله .

وقال الترمذي الحكيم : وجهه عندنا أن الرسل كانت تخاف بعد ما وعد الله النصر ، لا من تهمة لوعد الله ، ولكن لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط والعهد الذي عهد إليهم ; فكانت إذا طالت عليهم المدة دخلهم الإياس والظنون من هذا الوجه .

وقال المهدوي عن ابن عباس : ظنت الرسل أنهم قد أخلفوا على ما يلحق البشر ; واستشهد بقول إبراهيم - عليه السلام - : رب أرني كيف تحي الموتى الآية .

والقراءة الأولى أولى .

وقرأ مجاهد وحميد - " قد كذبوا " بفتح الكاف والذال مخففا ; على معنى : وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا ، لما رأوا من تفضل الله - عز وجل - في تأخير العذاب .

ويجوز أن يكون المعنى : ولما أيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا على الله بكفرهم جاء الرسل نصرنا .

وفي البخاري عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله - عز وجل - : حتى إذا استيئس الرسل قال قلت : أكذبوا أم كذبوا ؟

قالت عائشة : كذبوا .

قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن ؟

قالت : أجل !

لعمري !

لقد استيقنوا بذلك ; فقلت لها : وظنوا أنهم قد كذبوا قالت : معاذ الله !

لم تكن الرسل تظن ذلك بربها .

قلت : فما هذه الآية ؟

قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن [ ص: 242 ] كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك .

وفي قوله تعالى : جاءهم نصرنا قولان : أحدهما : جاء الرسل نصر الله ; قال مجاهد .

الثاني : جاء قومهم عذاب الله ; قاله ابن عباس .فنجي من نشاء قيل : الأنبياء ومن آمن معهم .

وروي عن عاصم فنجي من نشاء بنون واحدة مفتوحة الياء ، و " من " في موضع رفع ، اسم ما لم يسم فاعله ; واختار أبو عبيد هذه القراءة لأنها في مصحف عثمان ، وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة .

وقرأ ابن محيصن " فنجا " فعل ماض ، و " من " في موضع رفع لأنه الفاعل ، وعلى قراءة الباقين نصبا على المفعول .ولا يرد بأسنا أي عذابنا .عن القوم المجرمين أي الكافرين المشركين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى: أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل.

حتى إن الرسل - على كمال يقينهم، وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده - ربما أنه يخطر بقلوبهم نوع من الإياس، ونوع من ضعف العلم والتصديق، فإذا بلغ الأمر هذه الحال { جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ } وهم الرسل وأتباعهم، { وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } أي: ولا يرد عذابنا، عمن اجترم، وتجرأ على الله { فما لهم من قوة ولا ناصر }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) اختلف القراء في قوله : ( كذبوا ) .

فقرأ أهل الكوفة ، وأبو جعفر : ( كذبوا ) بالتخفيف وكانت عائشة تنكر هذه القراءة .

وقرأ الآخرون بالتشديد .

فمن شدد قال : معناه حتى استيأس الرسل من إيمان قومهم .

[ روي عن مجاهد أنه قرأ : وقد كذبوا بفتح الكاف والذال مخففة ، ولها تأويلان : أحدهما معناه : أن القوم المشركين ظنوا أن الرسل قد كذبوا .

والثاني : معناه : أن الرسل ظنوا - أي : علموا - أن قومهم قد افتروا على الله بكفرهم من إيمان قومهم ] .

وظنوا : أي أيقنوا - يعني الرسل - أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعد إيمانهم .

والظن بمعنى اليقين : وهذا معنى قول قتادة .

وقال بعضهم : معناه : حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم وظنوا أن من آمن بهم من قومهم قد كذبوهم وارتدوا عن دينهم لشدة المحنة والبلاء عليهم واستبطاء النصر .

ومن قرأ بالتخفيف قال : معناه : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أي : ظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم في وعيد العذاب .

وروي عن ابن عباس : معناه ضعف قلوب الرسل يعني : وظنت الرسل أنهم كذبوا فيما وعدوا من النصر .

وكانوا بشرا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم أخلفوا ثم تلا ( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) ( البقرة - 214 ) أي : جاء الرسل نصرنا .

( فنجي من نشاء ) [ قرأ العامة بنونين أي : نحن ننجي من نشاء ] .

وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، ويعقوب بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة فيكون محل ( من ) رفعا على هذه القراءة .

وعلى القراءة الأولى يكون نصبا فنجي من نشاء عند نزول العذاب وهم المؤمنون المطيعون .

( ولا يرد بأسنا ) عذابنا ( عن القوم المجرمين ) يعني : المشركين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حتى» غاية لما دل عليه (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) أي فتراخى نصرهم حتى «إذا استيئس» يئس «الرسل وظنوا» أيقن الرسل «أنهم قد كذِّبوا» بالتشديد تكذيبا لا إيمان بعده والتخفيف أي ظن الأمم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به من النصر «جاءهم نصرنا فَنُنَجِّي» بنونين مشددا ومخففا وبنون مشددا ماض «من نشاء ولا يرد بأسنا» عذابنا «عن القوم المجرمين» المشركين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تستعجل -أيها الرسول- النصر على مكذبيك، فإن الرسل قبلك ما كان يأتيهم النصر عاجلا لحكمة نعلمها، حتى إذا يئس الرسل من قومهم، وأيقنوا أن قومهم قد كذبوهم ولا أمل في إيمانهم، جاءهم نصرنا عند شدة الكرب، فننجي من نشاء من الرسل وأتباعهم، ولا يُرَدُّ عذابنا عمَّن أجرم وتجرَّأ على الله.

وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل فقال : ( حتى إِذَا استيأس الرسل وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا .

.

.

)وفى قوله ( قَدْ كُذِبُواْ ) وردت قراءتان سبعيتان إحداهما بتشديد الذال والثانية بالتخفيف .وعلى القراءتين فالغاية فى قوله - تعالى - ( حتى إِذَا استيأس الرسل ) غاية لكلام محذوف دل عليه السياق .والمعنى على القراءة التى بالتشديد .

لقد أرسلنا رسلنا لهداية الناس ، فأعرض الكثيرون منهم عن دعوتهم ، ووقفوا منهم موقف المنكر والمعاند والمحارب لهدايتهم ، وضاق الرسل ذرعاً بموقف هؤلاء الجاحدين ، حتى إذا استيأس الرسل الكرام من إيمان هؤلاء الجاحدين ، وظنوا - أى الرسل - أن أقوامهم الجاحدين قد كذبوهم فى كل ما جاءوهم به لكثرة إعراضهم عنهم ، وإيذائهم لهم ..

.

أى : حتى إذا ما وصل الرسل إلى هذا الحد من ضيقهم بأقوامهم الجاحدين جاءهم نصرنا الذى لا يتخلف .والمعنى على القراءة الثانية التى هى بالتخفيف : حتى إذا يئس الرسل من إيمان أقوامهم يأساً شديداً ، وظن هؤلاء الأقوم أن الرسل قد كذبوا عليهم فيما جاءوهم به ، وفيما هددوهم به من عذاب إذا ما استمروا على كفرهم .

.حتى إذا ما وصل الأمر بالرسل وبالأقوام إلى هذا الحد ، جاء نصرنا الذى لا يتخلف إلى هؤلاء الرسل ، فضلاً منا وكرماً .

.

.فالضمير فى قوله ( كُذِّبواْ ) بالتشديد يعود على الرسل ، أما على قراءة التخفيف ( كُذِبوا ) فيعود إلى الأقوام الجاحدين .ومنهم من جعل الضمير - أيضاً - على قراءة ( كذبوا ) بالتخفيف يعود على الرسل ، فيكون المعنى : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم ، وظنوا - أى الرسل - أن نفوسهم قد كذبت عليهم فى تحديد موعد انتصارهم على أعدائهم لأن البلاء قد طال .

والنصر قد تأخر .

.

جاءهم - أى الرسل - نصرنا الذى لا يتخلف .قال الشيخ القاسمى فى بيان هذا المعنى : قال الحكيم الترمذى : ووجهه - أى هذا القول السابق - أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر ، أن يتخلف النصر ، لا عن تهمة بوعد الله ، بل عن تهمة لنفوسهم أن تكون قد أحدثت حدثاً ينقض ذلك الشرط ، فكان النصر إذا طال انتظاره واشتد البلاء عليهم ، دخلهم الظن من هذه الجهة .وهذا يدل على شدة محاسبة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لنفوسهم ، وحسن صلتهم بخالقهم - عز وجل - .وقوله - سبحانه - ( فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين ) معطوف على ما قبله ، ومتفرع عليه .أى : جاءهمنصرنا الذى وعدناهم به ، بأن أنزلنا العذاب على أعدائهم ، فنجا من نشاء إنجاءه وهم المؤمنون بالرسل ، ولا يرد بأسنا وعذابنا عن القوم المجرمين عند نزوله بهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ بالتخفيف، وكسر الذال والباقون بالتشديد، ومعنى التخفيف من وجهين: أحدهما: أن الظن واقع بالقوم، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر.

فإن قيل: لم يجر فيما سبق ذكر المرسل إليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير إليهم.

قلنا: ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم وإن شئت قلت أن ذكرهم جرى في قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ  ﴾ فيكون الضمير عائداً إلى الذين من قبلهم من مكذبي الرسل والظن هاهنا بمعنى التوهم والحسبان.

والوجه الثاني: أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد، لأن المؤمن لا يجوز أن يطن بالله الكذب، بل يخرج بذلك عن الإيمان فكيف يجوز مثله على الرسل، وأما قراءة التشديد ففيها وجهان: الأول: أن الظن بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال، وورود الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ  ﴾ أي يتيقنون ذلك.

والثاني: أن يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية، روي أن ابن أبي مليكة نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وظن الرسل أنهم كذبوا، لأنهم كانوا بشراً ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله  ﴾ قال فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فأنكرته وقالت: ما وعد الله محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا وقد علم أنه سيوفيه ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة.

وأما قوله: ﴿ جَاءهُمْ نَصْرُنَا ﴾ أي لما بلغ الحال إلى الحد المذكور ﴿ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ مَن نَّشَاء ﴾ قرأ عاصم وابن عامر ﴿ فَنُجّىَ مَن نَّشَاء ﴾ بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله، واختاره أبو عبيدة لأنه في المصحف بنون واحدة.

وروي عن الكسائي: إدغام إحدى النونين في الأخرى وقرأ بنون واحدة وتشديد الجيم وسكون الياء، قال بعضهم: هذا خطأ لأن النون متحركة فلا تدغم في الساكن، ولا يجوز إدغام النون في الجيم، والباقون بنونين، وتخفيف الجيم وسكون الياء على معنى: ونحن نفعل بهم ذلك.

واعلم أن هذا حكاية حال، ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال كما أن قوله: ﴿ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوّهِ  ﴾ إشارة إلى الحاضر والقصة ماضية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حتى ﴾ متعلقة بمحذوف دلّ عليه الكلام، كأنه قيل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ فتراخى نصرهم حتى إذا استيأسوا عن النصر ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ أي كذبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنهم ينصرون، أو رجاؤهم لقولهم: رجاء صادق، ورجاء كاذب.

والمعنى أنّ مدّة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت، حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر وقال: كانوا بشراً، وتلا قوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ﴾ [البقرة: 214] فإن صح هذا عن ابن عباس، فقد أراد بالظنّ: ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية.

وأمّا الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم، وأنه متعال عن خلف الميعاد، منزه عن كل قبيح؟

وقيل: وظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا، أي: أخلفوا.

أو: وظنّ المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل، أيّ: كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم يصدّقوهم فيه.

وقرئ: ﴿ كذبوا ﴾ بالتشديد على وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.

وقرأ مجاهد ﴿ كذبوا ﴾ بالتخفيف، على البناء للفاعل، على: وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من النصرة، إمّا على تأويل ابن عباس، وإمّا على أنّ قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثراً قالوا لهم: إنكم قد كذبتمونا فيكونون كاذبين عند قومهم.

أو وظنّ المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا.

ولو قرئ بهذا مشدّداً لكان معناه؛ وظنّ الرسل أن قومهم كذبوهم في موعدهم.

وقرئ: ﴿ فننجى ﴾ بالتخفيف والتشديد، من أنجاه ونجاه.

وفنجى، على لفظ الماضي المبني للمفعول، وقرأ ابن محيصن ﴿ فنجا ﴾ والمراد ب ﴿ مَّن نَّشَاء ﴾ المؤمنون، لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم.

وقد بين ذلك بقوله ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ﴾ غايَةَ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لا يَغْرُرْهم تَمادِي أيّامِهِمْ فَإنَّ مَن قَبْلَهم أُمْهِلُوا حَتّى أيِسَ الرُّسُلُ عَنِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عَنْ إيمانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ مُتَرَفِّهِينَ مُتَمادِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ وازِعٍ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ أيْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ، أوْ كَذَّبَهُمُ القَوْمُ بِوَعْدِ الإيمانِ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ أيْ وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم بِالدَّعْوَةِ والوَعِيدِ.

وقِيلَ الأوَّلُ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ والثّانِي لِلرُّسُلِ أيْ وظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا وأخْلَفُوا فِيما وُعِدَ لَهم مِنَ النَّصْرِ وخَلَطَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ.

وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الرُّسُلَ ظَنُّوا أنَّهم أُخْلِفُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ، إنْ صَحَّ فَقَدْ أرادَ بِالظَّنِّ ما يَهْجِسُ في القَلْبِ عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ.

هَذا وأنَّ المُرادَ بِهِ المُبالَغَةُ في التَّراخِي والإمْهالِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ.

وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ بِالتَّشْدِيدِ أيْ وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ القَوْمَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما أوْعَدُوهم.

وقُرِئَ « كَذَبُوا» بِالتَّخْفِيفِ وبِناءِ الفاعِلِ أيْ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا فِيما حَدَّثُوا بِهِ عِنْدَ قَوْمِهِمْ لَمّا تَراخى عَنْهم ولَمْ يَرَوْا لَهُ أثَرًا.

﴿ جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ﴾ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهم لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْتَأْهِلُونَ إنْ يَشاءُ نَجاتَهم لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهم.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ عَلى لَفْظِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وقُرِئَ « فَنَجا» ﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ إذا نَزَلَ بِهِمْ وفِيهِ بَيانٌ لِلْمَشِيئَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{حتى إذا استيأس الرسل} يئسوا من إيمان القوم {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قد كذَّبوا} وأيقن الرسل أن قومهم كذبوهم وبالتخفيف كوفي أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا أي أخلفوا أو وظن المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في انهم ينصرون عليهم ولم يصدقوهم فيه {جَاءهُمْ نَصْرُنَا} للأنبياء والمؤمنين بهم فجأة من غير احتساب {فَنُجّىَ} بنونٍ واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء شامي وعاصم على لفظ الماضي المبني للمفعول والقائم مقام الفاعل من الباقون فنجى بنونين ثانيتهما ساكنة مخفاة للجيم بعدها وإسكان الياء {مَّن نَّشَاء} أي النبي ومن آمن به {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا} عذابنا {عَنِ القوم المجرمين} الكافرين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ﴾ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لا يَغُرَّنَّهم تَمادِيهِمْ فِيما هم فِيهِ مِنَ الدَّعَةِ والرَّخاءِ فَإنَّ مَن قَبْلَهم قَدْ أُمْهِلُوا حَتّى يَئِسَ الرُّسُلُ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوْ مِن إيمانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ مِن غَيْرِ وازِعٍ وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا فَدَعَوْا قَوْمَهم فَكَذَّبُوهم وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ ﴾ ..

إلَخْ وقالَ القُرْطُبِيُّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا ثُمَّ لَمْ نُعاقِبُ أُمَمَهم حَتّى إذا اسْتَيْأسَ ..

إلَخْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا فَتَراخى النَّصْرُ حَتّى إذا ..

إلَخْ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ كَثْرَةُ حَذْفٍ والِاسْتِفْعالُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ ( وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وطَلْحَةَ والأعْمَشِ والكُوفِيِّينَ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ: الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ لِلرُّسُلِ والظَّنُّ بِمَعْنى التَّوَهُّمِ لا بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ ولا بِمَعْناهُ المَجازِيِّ أعْنِي اليَقِينَ وفاعِلُ ( كُذِبُوا ) المُقَدَّرُ إمّا أنْفُسُهم أوْ رَجاؤُهم فَإنَّهُ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ أيْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ أوْ كَذَبَهم رَجاؤُهُمُ النَّصْرَ والمَعْنى أنَّ مُدَّةَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ مِنَ الكُفّارِ وانْتِظارِ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَطاوَلَتْ وتَمادَتْ حَتّى اسْتَشْعَرُوا القُنُوطَ وتَوَهَّمُوا أنْ لا نَصْرَ لَهم في الدُّنْيا ﴿ جاءَهم نَصْرُنا ﴾ فَجْأةً وقِيلَ: الضَّمائِرُ كُلُّها لِلرُّسُلِ والظَّنُّ بِمَعْناهُ وفاعِلُ ( كُذِبُوا ) المُقَدَّرُ مَن أخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ قَدْ ( كُذِبُوا ) مُخَفَّفَةً ثُمَّ قالَ: يَقُولُ أُخْلِفُوا وكانُوا بَشَرًا وتَلا ﴿ حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّهم يَئِسُوا أوْ ضَعُفُوا فَظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا ورَوى ذَلِكَ عَنْهُ البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ واسْتُشْكِلَ هَذا بِأنَّ فِيهِ ما لا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ إلى صالِحِي الأُمَّةِ ولِذا نُقِلَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا فَقالَتْ عائِشَةُ بَلْ كُذِّبُوا يَعْنِي فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ لِتَظُنَّ ذَلِكَ بِرَبِّها قُلْتُ: فَما هَذِهِ الآيَةُ قالَتْ: هُمُ أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وصَدَّقُوهم وطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ وظَنَّتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهم قَدْ كَذَّبُوهم جاءَ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ.

وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالظَّنِّ ما يَخْطِرُ بِالبالِ ويَهْجِسُ بِالقَلْبِ مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ عَلى ما عَلَيْهِ البَشَرِيَّةُ وذَهَبَ المَجْدُ بْنُ تَيْمِيَةَ إلى رُجُوعِ الضَّمائِرِ جَمِيعِها أيْضًا إلى الرُّسُلِ مائِلًا إلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُدَّعِيًا أنَّهُ الظّاهِرُ وأنَّ الآيَةَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ﴾ فَإنَّ الإلْقاءَ في قَلْبِهِ وفي لِسانِهِ وفي عَمَلِهِ مِن بابٍ واحِدٍ واللَّهُ تَعالى يَنْسَخُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ قالَ: والظَّنُّ لا يُرادُ بِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ كَما هو في اصْطِلاحِ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ ويُسَمُّونَ الِاعْتِقادَ المَرْجُوحَ وهْمًا فَقَدْ قالَ  : «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ فالِاعْتِقادُ المَرْجُوحُ هو ظَنٌّ وهو وهْمٌ وهَذا قَدْ يَكُونُ ذَنْبًا يُضْعِفُ الإيمانَ ولا يُزِيلُهُ وقَدْ يَكُونُ حَدِيثَ النَّفْسِ المَعْفُوَّ عَنْهُ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسُها ما لَمْ تَتَكَلَّمْ أوْ تَعْمَلْ» وقَدْ يَكُونُ مِن بابِ الوَسْوَسَةِ الَّتِي هي صَرِيحُ الإيمانِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أحَدَنا لَيَجِدُ في نَفْسِهِ ما أنْ يُحْرَقَ حَتّى يَصِيرَ حِمَمًا أوْ يَخِرَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قالَ  : أوَقَدْ وجَدْتُمُوهُ قالُوا: نَعَمْ قالَ: ذَلِكَ صَرِيحُ الإيمانِ» وفي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ أحَدَنا لَيَجِدُ ما يَتَعاظَمُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلى الوَسْوَسَةِ» ونَظِيرُ هَذا ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ  : «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ: ﴿ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ » فَسَمّى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الإيمانِ والِاطْمِئْنانِ شَكًّا بِإحْياءِ المَوْتى وعَلى هَذا يُقالُ: الوَعْدُ بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا لِشَخْصٍ قَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُؤْمِنًا بِإنْجازِهِ ولَكِنْ قَدْ يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ فِيهِ فَلا يَطْمَئِنُّ فَيَكُونُ فَواتُ الِاطْمِئْنانِ ظَنًّا أنَّهُ كَذِبٌ فالشَّكُّ وظَنُّ أنَّهُ كَذِبٌ مِن بابٍ واحِدٍ وهَذِهِ الأُمُورُ لا تَقْدَحُ في الإيمانِ الواجِبِ وإنْ كانَ فِيها ما هو ذَنْبٌ فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الإقْرارِ عَلى ذَلِكَ كَما في أفْعالِهِمْ عَلى ما عُرِفَ مِن أُصُولِ السُّنَّةِ والحَدِيثِ وفي قَصِّ مِثْلِ ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يُبْتَلَوْا بِما هو أكْثَرُ مِن ذَلِكَ فَلا يَيْأسُوا إذا ابْتُلُوا ويَعْلَمُونَ أنَّهُ قَدِ ابْتُلِيَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وكانَتِ العاقِبَةُ إلى خَيْرٍ فَيَتَيَقَّنُ المُرْتابُ ويَتُوبُ المُذْنِبُ ويَقْوى إيمانُ المُؤْمِنِ وبِذَلِكَ يَصِحُّ الِاتِّساءُ بِالأنْبِياءِ ومِن هُنا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ﴾ ولَوْ كانَ المَتْبُوعُ مَعْصُومًا مُطْلَقًا لا يَتَأتّى الِاتِّساءُ فَإنَّهُ يَقُولُ: التّابِعُ أنا لَسْتُ مِن جِنْسِهِ فَإنَّهُ لا يُذَكَّرُ بِذَنْبٍ فَإذا أذْنَبَ اسْتَيْأسَ مِنَ المُتابَعَةِ والِاقْتِداءِ لِما أتى بِهِ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي يُفْسِدُ المُتابِعَةَ عَلى القَوْلِ بِالعِصْمَةِ بِخِلافِ ما إذا عُلِمَ أنَّهُ قَدْ وقَعَ شَيْءٌ وجُبِرَ بِالتَّوْبَةِ فَإنَّهُ يَصِحُّ حِينَئِذٍ أمْرُ المُتابَعَةِ كَما قِيلَ: أوَّلُ مَن أذْنَبَ وأجْرَمَ ثُمَّ تابَ ونَدِمَ أبُو البَشَرِ آدَمُ.

ومَن يُشابِهْ أبَهُ فَما ظَلَمَ ولا يَلْزَمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ فِيما نُهُوا عَنْهُ ووَقَعَ مِنهم ثُمَّ تابُوا عَنْهُ لِتَحَقُّقِ الأمْرِ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيما أقَرُّوا عَلَيْهِ ولَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ ووَقَعَ مِنهم ولَمْ يَتُوبُوا مِنهُ وما ذُكِرَ لَيْسَ بِدُونِ المَنسُوخِ مِن أفْعالِهِمْ وإذا كانَ ما أُمِرُوا بِهِ وأُبِيحَ لَهم ثُمَّ نُسِخَ تَنْقَطِعُ فِيهِ المُتابِعَةُ فَما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ ووَقَعَ مِنهم وتابُوا عَنْهُ أحْرى وأوْلى بِانْقِطاعِ المُتابَعَةِ فِيهِ.

اهَـ.

ولا يَخْفى أنْ ما ذَكَرَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِجَوازِ وُقُوعِ الكَبائِرِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحاشاهم مِن غَيْرِ أنْ يُقِرُّوا عَلى ذَلِكَ والقَوْلُ بِهِ جَهْلٌ عَظِيمٌ ولا يُقْدِمُ عَلَيْهِ ذُو قَلْبٍ سَلِيمٍ عَلى أنَّ في كَلامِهِ بُعْدٌ ما فِيهِ ولَيْتَهُ اكْتَفى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ لِلرُّسُلِ وتَفْسِيرِ الظَّنِّ بِالتَّوَهُّمِ كَما فَعَلَ غَيْرُهُ فَإنَّهُ ما لا بَأْسَ بِهِ وكَذا لا بَأْسَ في حَمْلِ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالظَّنِّ فِيهِ ما هو عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ ومِثالُها مِن حَدِيثِ النَّفْسِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الوَسْوَسَةِ المُنَزَّهِ عَنْها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في التَّراخِي وطُولِ المُدَّةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنَّ شُبَهَ المُبالَغَةِ في التَّراخِي بِظَنِّ الكَذِبِ بِاعْتِبارٍ اسْتَلْزَمَ كُلٌّ مِنهُما لِعَدَمِ تَرَتُّبِ المَطْلُوبِ فاسْتُعْمِلَ ما لِأحَدِهِما في الآخَرِ وقِيلَ: إنَّ الضَّمائِرَ الثَّلاثَةَ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ ذِكْرَ الرُّسُلِ مُتَقاضٍ ذاكَ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أمِنَكَ البَرْقَ أرْقُبُهُ فَهاجا ∗∗∗ وبِتُّ أخالُهُ دَهْمًا خِلاجا فَإنَّ ضَمِيرَ أخالُهُ لِلرَّعْدِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَلِ اكْتَفى بِوَمِيضِ البَرْقِ عَنْهُ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّ ذِكْرَهم قَدْ جَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمَعْنى ظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما ادَّعُوهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وفِيما وعَدُوا بِهِ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ العِقابِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا فَقَدْ أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( كُذِبُوا ) مُخَفَّفَةً ويَقُولُ: حَتّى إذا يَئِسَ الرُّسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما جاءُوا بِهِ جاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنا ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ سَألَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ آيَةٌ قَدْ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ فَإنَّ المَوْتَ أنْ تَظُنَّ الرُّسُلَ أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا مُثَقَّلَةً أوْ تَظُنُّ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً فَقالَ سَعِيدٌ: حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ كَذَبَتْهم جاءَهم نَصْرُنا فَقامَ مُسْلِمٌ إلَيْهِ فاعْتَنَقَهُ وقالَ: فَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ كَما فَرَّجْتَ عَنِّي ورُوِيَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الضَّحّاكِ فَقالَ لَهُ: لَوْ رَحَلْتُ في هَذِهِ إلى اليَمَنِ لَكانَ قَلِيلًا وقِيلَ: ضَمِيرُ ( ظَنُّوا ) لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ وضَمِيرُ ( أنَّهم ) و( كُذِبُوا ) لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْ وظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُخْلِفُوا فِيما وُعِدَ لَهم مِنَ النَّصْرِ وخَلَطَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ والأعْرَجُ وعائِشَةُ في المَشْهُورِ ( كُذِّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والضَّمائِرُ عَلى هَذا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْ ظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ أُمَمَهم كَذَّبُوهم فِيما جاءُوا بِهِ لِطُولِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ فَجاءَهم نَصْرُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ وهو تَفْسِيرُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها الَّذِي رَواهُ البُخارِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والظَّنُّ بِمَعْناهُ أوْ بِمَعْنى اليَقِينِ أوِ التَّوَهُّمِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّهم قَرَؤُوا ( كُذِبُوا ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فَضَمِيرُ ( ظَنُّوا ) لِلْأُمَمِ وضَمِيرُ ﴿ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ لِلرُّسُلِ أيْ ظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما وعَدُوهم بِهِ مِنَ النَّصْرِ أوِ العِقابِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ ظَنُّوا ﴾ لِلرُّسُلِ وضَمِيرُ ﴿ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ أيْ ظَنَّ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ الأُمَمَ كَذَّبَتْهم فِيما وعَدُوهم بِهِ مِن أنَّهم يُؤْمِنُونَ والظَّنُّ الظّاهِرُ كَما قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ وقُرِئَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: ( كَذَّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وأوَّلُ ذَلِكَ بِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ظَنُّوا أنَّ الأُمَمَ قَدْ كَذَّبُوهم في وعْدِهِمْ هَذا والمَشْهُورُ اسْتِشْكالُ الآيَةِ مِن جِهَةِ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ ظاهِرًا عَلى القِراءَةِ الأُولى نِسْبَةَ ما لا يَلِيقُ مِنَ الظَّنِّ إلى الأنْبِياءِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم نِسْبَةَ الِاسْتِيئاسِ إلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُمُ اسْتَيْأسُوا مِمّا وُعِدُوا بِهِ وأُخْبِرُوا بِكَوْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِمّا لا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يُرادُ ذَلِكَ وإنَّما يُرادُ أنَّهُمُ اسْتَيْأسُوا مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُبْعِدُهُ عَطْفُ ﴿ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ الظّاهِرِ في أنَّهم ظَنُّوا كَوْنَهم مَكْذُوبِينَ فِيما وعَدُوا بِهِ عَلَيْهِ.

وذَكَرَ المَجْدُ في هَذا المَقامِ غَيْرَ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا وهو أنَّ الِاسْتِيئاسَ وظَنَّ أنَّهم مَكْذُوبِينَ كِلَيْهِما مُتَعَلِّقانِ بِما ضُمَّ لِلْمَوْعُودِ بِهِ اجْتِهادًا وذَلِكَ أنَّ الخَبَرَ عَنِ اسْتِيئاسِهِمْ مُطْلَقٌ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِهِ بِما وُعِدُوا بِهِ وأُخْبِرُوا بِكَوْنِهِ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا وعَدَ الرُّسُلَ بِنَصْرٍ مُطْلَقٍ كَما هو غالِبُ إخْباراتِهِ لَمْ يُعَيَّنْ زَمانُهُ ولا مَكانُهُ ولا صِفَتُهُ فَكَثِيرًا ما يَعْتَقِدُ النّاسُ في المَوْعُودِ بِهِ صِفاتٍ أُخْرى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْها خِطابُ الحَقِّ تَعالى بَلِ اعْتَقَدُوها بِأسْبابٍ أُخْرى كَما اعْتَقَدَ طائِفَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إخْبارَ النَّبِيِّ  لَهم أنَّهم يَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ ويَطُوفُونَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عامَ الحُدَيْبِيَةَ لِأنَّ النَّبِيَّ  خَرَجَ مُعْتَمِرًا ورَجا أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ ذَلِكَ العامَ ويَطُوفَ ويَسْعى فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِن ذَلِكَ ذَلِكَ العامَ لَمّا صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ حَتّى قاضاهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الصُّلْحِ المَشْهُورِ بَقِيَ في قَلْبِ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَعَ أنَّهُ كانَ مِنَ المُحَدِّثِينَ: ألَمْ تُخْبِرْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنّا نَدْخُلُ البَيْتَ ونَطُوفُ قالَ: بَلى أفَأخْبَرْتُكَ إنَّكَ تَدْخُلُهُ هَذا العامَ قالَ: لا قالَ: إنَّكَ داخِلُهُ ومُطَوِّفٌ بِهِ وكَذَلِكَ قالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ الوَعْدَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ وكَوْنُهُ  سَعى في ذَلِكَ العامِ إلى مَكَّةَ وقَصَدَها لا يُوجِبُ تَخْصِيصًا لِوَعْدِهِ تَعالى بِالدُّخُولِ في تِلْكَ السَّنَةِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما سَعى بِناءً عَلى ظَنِّ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن شَرْطِ النَّبِيِّ  أنْ يَكُونَ كُلُّ ما قَصَدَهُ بَلْ مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَ بِهِ عَمّا يَقْصِدُهُ إلى أمْرٍ آخَرَ هو أنْفَعُ مِمّا قَصَدَهُ إنْ كانَ كَما كانَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ ولا يَضُرُّ أيْضًا خُرُوجُ الأمْرِ عَلى خِلافِ ما يَظُنُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ في تَأْبِيرِ النَّخْلِ: إنَّما ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلا تُؤاخِذُونِي بِالظَّنِّ ولَكِنْ إذا حَدَّثْتُكم عَنِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإنِّي لَنْ أكْذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى» ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ  في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ: «ما قُصِرَتِ الصَّلاةَ ولا نَسِيتُ» ثُمَّ تَبَيَّنَ النِّسْيانُ وفي قِصَّةِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ النّازِلِ فِيها ﴿ إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ الآيَةَ وقِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ النّازِلِ فِيها ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ ما فِيهِ كِفايَةٌ في العِلْمِ بِأنَّهُ  قَدْ يَظُنُّ الشَّيْءَ فَيُبَيِّنُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى وجْهٍ آخَرَ وإذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ  وهو هو هَكَذا فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومِمّا يَزِيدُ هَذا قُوَّةً أنَّ جُمْهُورَ المُحَدِّثِينَ والفُقَهاءِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الِاجْتِهادُ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ويَجُوزُ عَلَيْهِمُ الخَطَأُ في ذَلِكَ لَكِنْ لا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا شَكَّ أنَّ هَذا دُونَ الخَطَأِ في ظَنِّ ما لَيْسَ مَنِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في شَيْءٍ وإذا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُخْبِرُوا بِعَذابِ قَوْمِهِمْ ولَمْ يُعَيَّنَ لَهم وقْتٌ لَهُ فاجْتَهَدُوا وعَيَّنُوا لِذَلِكَ وقْتًا حَسْبَما ظَهَرَ لَهم كَما عُيِّنَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  عامَ الحُدَيْبِيَةِ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ اسْتَيْأسُوا وظَنُّوا كَذِبَ أنْفُسِهِمْ وغَلَطَ اجْتِهادُهم ولَيْسَ في ذَلِكَ ظَنٌّ بِكَذِبِ وعْدِهِ تَعالى ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ أصْلًا فَلا مَحْذُورَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْفَقَ بِتَعْظِيمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأبْعَدُ عَنِ الحَوْمِ حَوْلَ حِمى ما لا يَلِيقُ بِهِمُ القَوْلُ بِنِسْبَةِ الظَّنِّ إلى غَيْرِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ جاءَهُمْ ﴾ عَلى سائِرِ القِراءاتِ والوُجُوهِ لِلرُّسُلِ وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلَيْهِمْ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ الرُّسُلَ ومَن آمَنَ بِهِمْ نَصْرُنا ﴿ فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ﴾ أنْجاهُ وهُمُ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ بِهِمْ وإنَّما لَمْ يُعَيَّنُوا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْتَأْهِلُونَ أنْ يَشاءَ نَجاتَهم ولا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهم.

وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ( فَنُجِّيَ ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى أنَّهُ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ و( مَن ) نائِبُ الفاعِلِ وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الياءَ وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الفِعْلَ ماضٍ أيْضًا كَما في القِراءَةِ الَّتِي قَبْلَها إلّا أنَّهُ سُكِّنَتِ الياءُ عَلى لُغَةِ مَن يَسْتَثْقِلُ الحَرَكَةَ عَلى الياءِ مُطْلَقًا ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ( ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم ) بِسُكُونِ الياءِ وقِيلَ: الأصْلُ نُنْجِي بِنُونَيْنِ فَأُدْغِمُ النُّونُ في الجِيمِ ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّها لا تُدْغَمُ فِيها وتُعُقِّبَ بِأنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى جَوازِ إدْغامِها ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ونافِعٍ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَما قَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِنُونَيْنِ مُضارِعُ أُنْجِيَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الياءَ ورَواها هُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ إذْ لا وجْهَ لِلْفَتْحِ وفِيهِ أنَّ الوَجْهَ ظاهِرٌ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُما المُضارِعُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ ( وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرَ ) بِنَصْبِ يَغْفِرَ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ أداةُ الشَّرْطِ جازِمَةً أوْ غَيْرَ جازِمَةٍ.

وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى البَصْرَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وكَذا الحَسَنُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ ( فَنَجا ) ماضِيًا مُخَفَّفًا و( مَن ) فاعِلُهُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ شَدَّدَ الجِيمَ والفاعِلُ حِينَئِذٍ ضَمِيرُ النَّصْرِ و( مَن ) مَفْعُولُهُ وقَدْ رُجِّحَتْ قِراءَةُ عاصِمٍ ومَن مَعَهُ بِأنَّ المَصاحِفَ اتَّفَقَتْ عَلى رَسْمِها بِنُونٍ واحِدَةٍ وقالَ مَكِّيٌّ: أكْثَرُ المَصاحِفِ عَلَيْهِ فَأشْعُرُ بِوُقُوعِ خِلافٍ في الرَّسْمِ وحِكايَةُ الِاتِّفاقِ نُقِلَتْ عَنِ الجَعْبَرِيِّ وابْنِ الجَزَرِيِّ وغَيْرِهِما وعَنِ الجَعْبَرِيِّ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ بِنُونَيْنِ تُوافِقُ الرَّسْمَ تَقْدِيرًا لِأنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ ساكِنَةٌ مُخْفاةٌ عِنْدَ الجِيمِ كَما هي مُخْفاةٌ عِنْدَ الصّادِ والظّاءِ في ( لَنَنْصُرُ ) والإخْفاءُ لِكَوْنِهِ سَتْرًا يُشْبِهُ الإدْغامَ لِكَوْنِهِ تَغْيِيبًا فَكَما يُحْذَفُ عِنْدَ الإدْغامِ يُحْذَفُ عِنْدَ الإخْفاءِ بَلْ هو عِنْدَهُ أوْلى لِمَكانِ الِاتِّصالِ وعَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ قَرَأ ( فَنُجِّيَ مَن يَشاءُ ) بِياءِ الغَيْبَةِ أيْ مَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى نَجاتَهُ ﴿ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا ﴾ عَذابُنا ﴿ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ .

(110) .

إذا نَزَلَ بِهِمْ وفِيهِ بَيانٌ لِمَن تَعَلَّقَ بِهِمُ المَشِيئَةُ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنَ المُقابَلَةِ أنَّهم مَن لَيْسُوا بِمُجْرِمِينَ وقَرَأ الحَسَنُ ( بَأْسُهُ ) بِضَمِيرِ الغائِبِ أيْ بَأْسُ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ لِمُعاصِرِي النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ يعني: الأنبياء كانوا من الآدميين، ولم يكونوا من الملائكة.

قرأ عاصم في رواية حفص: نُوحِي إِلَيْهِمْ بالنون.

وقرأ الباقون بالياء يُوحَى إِلَيْهِمْ، ومعناهما واحد مِنْ أَهْلِ الْقُرى يعني: منسوبين إليها.

ثم أمرهم بأن يعتبروا، فقال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا يعني: يسافروا فِي الْأَرْضِ ويقال: يقرءوا القرآن فَيَنْظُرُوا يعني: يعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كيف كان آخر المنذرين من قبلهم من الأمم الخالية وَلَدارُ الْآخِرَةِ وهي الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة أفضل من الدنيا.

ثم رجع إلى حديث الرسل الذين كذبهم قومهم، فقال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ يعني: أيسوا من إيمان قومهم أن يؤمنوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قرأ أهل الكوفة: عاصم وحمزة والكسائي كُذِبُوا بتخفيف الذال.

وقرأ الباقون: بالتشديد.

وروى الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، أنه قرأ: كُذِبُوا بتخفيف الذال.

ويقال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم بالنصرة.

وروى ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قال: «كانوا بشراً فضعفوا وسئموا وظنوا أنهم قد كذبوا، وأشار بيده إلى السماء» .

قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة.

فقال: قالت عائشة  ا: «معاذ الله ما حدث رسوله شيئاً إلا وعلم الله أنه سيكون قبل أن يموت.

قالت: ولكن نزل بالأنبياء البلاء حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين كذبوهم وكانت تقرأ قَدْ كُذِبُوا بالتشديد.

وعن عائشة قالت: «استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم، وظنوا أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذبوهم» (١) ثم قال: فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ يعني: من آمن بالأنبياء.

قرأ عاصم وابن عامر: فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ بنون واحدة مع التشديد، وقرأ الباقون بالنونين إلا أن من قرأ بنون واحدة، أدغم إحداهما في الأُخرى ثم قال: وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا يعني: عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ يعني: الكافرين.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 595 إلى أبي عبيد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عروة عن عائشة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عليه السلام: «الرّياء الشّرك الأصغر» «١» .

وقوله سبحانه: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ ...

الآية: إِشارةٌ إِلى دَعْوة الإِسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زَيْد: المعنى هذا أمري وسُنَّتي ومِنْهاجي «٢» وال بَصِيرَةٍ: اسم لمعتقد الإِنسان في الأمْر من الحقِّ واليقين.

وقوله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي: يحتمل أنْ يكون «أَنا» تأكيداً للضمير المستكنّ في «أدعو» و «مَنْ» معطوفٌ عليه وذلك بأنْ تكون الأمَّة كلُّها أُمَرَتْ بالمعروف داعية إِلى اللَّه الكَفَرَةَ والعُصَاة.

قال ص: ويجوزُ أنْ يكون «أَنا» مبتدأ، و «على بصيرة» خَبرٌ مقدَّم، و «مَنْ» معطوفٌ عليه انتهى، وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيهٌ للَّه، أي: وقل: سبحانَ اللَّهِ متبرِّياً من الشِّرْك.

وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ...

الآية: تتضمَّن الردَّ على من استغرب إِرسَالَ الرُّسُل من البشر، والْقُرى: المُدُن.

قال الحسن: لم يَبْعَثِ اللَّه رسولاً قطُّ من أهْل البادية «٣» .

قال ع «٤» : والتَّبَدِّي مَكْرُوه إِلا في الفتْنَة، وحين يُفَرُّ بالدين، ولا يعترضُ هذا بِبُدُوِّ يعقوب لأن ذلك البُدُوَّ لم يكُنْ في أهْل عمودٍ، بل هو بتَقَرٍّ، وفي منازلَ ورَبوع وأيضاً إِنما جعله بُدُواً بالإِضافة إِلى مصْر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى

الحواضر، ثم أحال سبحانه على الاعتبار في الأمم السالفة، ثم حَضَّ سبحانه على الآخرة، والاستعداد لها بقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ...

الآية.

قال ص: وَلَدارُ الْآخِرَةِ: خرَّجه الكوفيُّون على أنَّه من إِضافة الموصُوفِ لصفته، وأصله: «ولَلدَّارُ الآخرة» ، والبصريّون على أنه عن حَذْف الموصوف، وإِقامة صفته مُقَامَهُ، وأصله: «ولَدَارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أو النَّشْأَةِ الآخِرَةِ» .

انتهى.

ويتضمَّن قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أن الرسلَ الذين بعثهم اللَّهُ مِنْ أهْل القُرَى، دَعَوْا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى نزلَتْ بهم المَثُلاَتُ، فصاروا في حَيِّز مَنْ يُعْتَبَرُ بعاقبته، فلهذا المضمَّن حَسُنَ أَنْ تدخل «حتى» في قوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ.

وقرأ نافع وابن كثير «١» وأبو عمرو وابن عامر: «وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» /- بتشديد الذال-، وقرأ الباقون: «كُذِبُوا» - بضم الكاف، وكسْر الذال المخفَّفة، فأما الأولى، فمعناها أنَّ الرسل ظَنُّوا أن أممهم قَدْ كَذَّبتهم، و «الظَّنُّ» هنا: يحتملُ أنْ يكون بمعنى اليَقِينِ، ويحتمل أنْ يكون الظَّنُّ على بابه، ومعنى القراءة الثانية على المشهور من قول ابن عباس وابنِ جُبَيْر: أي: حتَّى إِذا استيأس الرسُلُ من إِيمان قومِهِم «٢» ، وظَنَّ المُرْسَلُ إِليهم أَنَّ الرسُلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما ادعوه من النبوَّة، أو فيما توعَّدوهم به من العذاب، لما طال الإِمهال، واتصلت العافيةُ، جاءهم نَصْرنا.

وأسند الطبريُّ «٣» أنَّ مسلم بن يَسَارٍ، قال لسعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، آيةٌ بلغت منّي كلّ مبلغ: «حتّى إذا استيأس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ» فهذا هو الموت أَنْ تظنَّ الرسُلُ أنهم قد كُذِبوا- مخفَّفة-، فقال له ابن جُبَيْر: يا أبا عبد الرحمن، إِنما يَئِسَ الرسُلُ مِنْ قومِهِم أنْ يجيبوهم، وظَنَ قومهم أن الرسل قد كذبتهم، فقام مسلم إلى سعيد،

فاعتنقه، وقال: فَرَّجْتَ عني، فَرَّجَ اللَّهُ عنك «١» .

قال ع «٢» : فرضِيَ اللَّهَ عَنْهم، كيف كَانَ خُلُقُهُمْ في العِلْمِ، وقال بهذا التأويل جماعةٌ، وهو الصَّواب، وأما تأويلُ مَنْ قال: إِن المعنى: وظَنُّوا أنهم قد كَذَبَهُمْ مَنْ أخبرهم عن اللَّه، فغير صحيحٍ، ولا يجوزُ هذا على الرسُلِ، وأين العَصْمة والعِلْم.

ت: قال عِيَاضٌ: فإِن قيل: فما معنَى قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا على قراءة التخفيف؟

قُلْنَا: المعنى في ذلك ما قَالَتْهُ عائشةُ رضي اللَّه عنها مَعَاذَ اللَّهِ أنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ، لَمَّا استيأسُوا، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ وعدهم النصْرَ مِنْ أتباعهم، كَذَبُوهم «٣» وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، وقيل: الضمير في «ظَنُّوا» عائدٌ على الأتباع والأممِ، لا على الأنبياء والرسل وهو قول ابن عباس والنَّخَعِيِّ وابنِ جُبَيْر «٤» وجماعةٍ، وبهذا المعنى قرأ مجاهدٌ: «كَذَبُوا» بالفَتْح، فلا تَشْغَلْ بالك مِنْ شَاذِّ التفسير بسواه ممَّا لا يليقُ بمَنْصِب العلماء، فكَيْفَ بالأنبياء، انتهى من «الشفا» .

وقوله سبحانه: جاءَهُمْ نَصْرُنا: أي: بتعذيب أممهم الكافرة.

فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ: أي: من أتباع الرسلِ.

وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ: أي: الكافرين، و «البَأْسُ» : العذاب.

وقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ: أي: في قصص يوسُفَ وإِخوته وسائِرِ الرسلِ الذين ذُكِرُوا على الجملة، ولَمَّا كان ذلك كلُّه في القرآن، قال عنه: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ التوراةُ والإِنجيلُ، وباقي الآية بيِّن واضحٌ.

ت: كنت في وَقْتٍ أَنْظُرُ في «السيرة» لابْنِ هِشامٍ، وأتأمَّل في خُطْبة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهي أوَّلُ خُطْبة خَطَبَها بالمَدِينَةِ، فإِذا هاتف يقولُ: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وقد كانَ حصل في القلب عبرة في أمره صلّى الله عليه وسلّم وأفاضِل أصحابه، رضي اللَّه عنهم أجمعين، وسلك بنا مَنَاهِجَهُمُ المَرْضيَّة، والحمد للَّه، وسَلاَمٌ على عباده الذين اصطفى/ وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ﴾ المَعْنى مُتَعَلِّقٌ بِالآيَةِ الأُولى، فَتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا، فَدَعَوْا قَوْمَهم، فَكَذَّبُوهم، وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اسْتَيْأسُوا مِن تَصْدِيقِ قَوْمِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مِن أنْ نُعَذِّبَ قَوْمَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " كُذِّبُوا " مُشَدَّدَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، والمَعْنى: وتَيَقَّنَ الرُّسُلُ أنَّ قَوْمَهم قَدْ كَذَّبُوهم، فَيَكُونُ الظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " كُذِبُوا " خَفِيفَةً، والمَعْنى: ظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا فِيما وُعِدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ، لِأنَّ الرُّسُلَ لا يَظُنُّونَ ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: " كَذَبُوا " بِفَتْحِ الكافِ والذّالِ خَفِيفَةً، والمَعْنى: ظَنَّ قَوْمُهم أيْضًا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاءَهم نَصْرُنا ﴾ يَعْنِي: الرُّسُلَ " فَنُنْجِي مَن نَشاءُ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَنُنْجِي " بِنُونَيْنِ، الأُولى مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ والياءُ ساكِنَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ، جَمِيعًا عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: " فَنُجِّيَ " مُشَدَّدَةَ الجِيمِ مَفْتُوحَةَ الياءِ بِنُونٍ واحِدَةٍ، يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ، نَجَوْا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى مُسْتَغْرِبِي إرْسالِ الرُسُلِ مِنَ البَشَرِ، كالطائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿ أبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولا  ﴾ ، وكالطائِفَةِ الَّتِي اقْتَرَحَتْ مَلِكًا، وغَيْرِهِما.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى إلَيْهِمْ" بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ في رِوايَةِ حَفْصٍ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وطَلْحَةَ.

و"القُرى": المُدُنُ، وخَصَّصَها دُونَ القَوْمِ المُنْتَوِينَ أهْلِ العَمُودِ، فَإنَّهم في كُلِّ أُمَّةٍ أهْلُ جَفاءٍ وجَهالَةٍ مُفْرِطَةٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرى أعْلَمُ وأحْلُمُ مِن أهْلِ العَمُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنَّهم قَلِيلٌ نُبْلُهُمْ، ولَمْ يُنَبِّئِ اللهُ مِنهم قَطُّ رَسُولًا.

وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ رَسُولًا قَطُّ مِن أهْلِ البادِيَةِ، ولا مِنَ النِساءِ، ولا مِنَ الجِنِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَبَدِّي مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ وحِينَ يُفَرُّ بِالدِينِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرُ مالِ المُسْلِمِ غَنَمًا"» الحَدِيثَ.

وفي ذَلِكَ أذِنَ رَسُولُ اللهِ  لِسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ.

وَقَدْ قالَ  : « "لا تَعَرُّبَ في الإسْلامِ"،» وقالَ: « "مَن بَدا جَفا"،» ورَوى عنهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: « (الشَيْطانُ ذِئْبُ الإنْسانِ كَذِئْبِ الغَنَمِ يَأْخُذُ الشاةَ القاصِيَةَ، فَإيّاكم والشِعابَ، وعَلَيْكم بِالمَساجِدِ والجَماعاتِ والعامَّةِ).» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْتَرَضُ هَذا بِبَدْوِ يَعْقُوبَ، ويُنْفَصَلُ عن ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ البَدْوَ لَمْ يَكُنْ في أهْلِ عَمُودٍ، بَلْ هو بِتَقَرٍّ وفي مَنازِلَ ورُبُوعٍ، والثانِي: أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ بَدْوًا بِالإضافَةِ إلى مِصْرَ، كَما هي بَناتُ الحَواضِرِ بَدْوٌ بِالإضافَةِ إلى الحَواضِرِ.

ثُمَّ أحالَهم عَلى الِاعْتِبارِ في الأُمَمِ السالِفَةِ في أقْطارِ الأرْضِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها فَحاقَ بِها عَذابُ اللهِ، ثُمَّ حَضَّ عَلى الآخِرَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها والِاتِّقاءِ مِنَ المُوبِقاتِ فِيها، ثُمَّ وقَّفَهم مُوَبَّخًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ زِيادَةٌ في وصْفِ إنْعامِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: عَذَّبَ الكُفّارَ ونَجّى المُؤْمِنِينَ ولَدارُ الآخِرَةِ أحْسَنُ لَهم.

وأمًّا إضافَةُ الدارِ إلى الآخِرَةِ فَقالَ الفَرّاءُ: هي إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ، كَما قالَ الشاعِرُ: فَإنَّكَ لَوْ حَلَلْتَ دِيارَ عَبَسٍ ∗∗∗ عَرَفْتَ الذُلَّ عِرْفانَ اليَقِينِ وَفِي رِوايَةٍ: "فَلَوْ أقْوَتْ عَلَيْكَ دِيارُ عَبْسٍ" - وكَما يُقالُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" ونَحْوُ هَذا، وقالَ البَصْرِيُّونَ: هَذِهِ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ"، أوِ "المُدَّةِ الآخِرَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي هي لِلْأجْناسِ كَمَسْجِدٍ وثَوْبٍ وحَقٍّ وجَبَلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ- إذا نَطَقَ بِها الناطِقُ لَمْ يُدْرَ ما يُرِيدُ بِها فَتُضافُ إلى مُعَرِّفٍ مُخَصِّصٍ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، فَقَدْ تُضافُ إلى جِنْسٍ آخَرَ كَقَوْلِكَ: "ثَوْبُ خَزٍّ" و"جَبَلُ تُرابٍ"، وقَدْ تُضافُ إلى صِفَةٍ كَقَوْلِكَ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"حَقُّ اليَقِينِ"، وقَدْ تُضافُ إلى اسْمٍ خاصٍّ كَقَوْلِكَ: "جَبَلُ أُحُدٍ" ونَحْوَهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وعَلْقَمَةُ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ، واخْتُلِفَ عَنِ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ.

ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أنَّ الرُسُلَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللهُ مِن أهْلِ القُرى دَعَوْا أُمَمَهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى نَزَلَتْ بِهِمُ المَثُلاتُ، فَصارُوا في حَيِّزِ مَن يُعْتَبَرُ بِعاقِبَتِهِ، فَلِهَذا المُضَمَّنِ حَسُنَ أنْ تَدْخُلَ "حَتّى" في قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ ﴾ .

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وعائِشَةُ -بِخِلافٍ- وعِيسى، وقَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: "كُذِّبُوا" بِتَشْدِيدِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ: "كُذِبُوا" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الذالِ وتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، والضَحّاكِ، وإبْراهِيمَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ورَواها شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ عَنِ القاسِمِ عن عائِشَةَ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-: "كَذَبُوا" بِفَتْحِ الكافِ والذالِ.

فَأمًّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ، ويَكُونَ الضَمِيرُ في "ظَنُّوا" وفي "كَذَّبُوا" لِلرُّسُلِ، ويَكُونَ المُكَذِّبُونَ مُشْرِكِي مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، والمَعْنى: وتَيَقَّنَ الرُسُلُ أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوهم وصَمَّمُوا عَلى ذَلِكَ، وأنْ لا انْحِرافَ عنهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ عَلى بابِهِ، والضَمِيرانِ لِلرُّسُلِ، والمُكَذِّبُونَ مُؤْمِنُو مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، أيْ: لَمّا طالَتِ المَواعِيدُ حَسِبَ الرُسُلُ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا قَدْ كَذَّبُوهم وارْتابُوا بِقَوْلِهِمْ.

وأمًّا القِراءَةُ الثانِيَةُ -وَهِيَ ضَمُّ الكافِ وكَسْرُ الذالِ وتَخْفِيفُها- فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُسُلُ مِنَ النَصْرِ، أو مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ -عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ- وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ النُبُوَّةِ، أو فِيما تَوَعَّدُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، لَمّا طالَ الإمْهالُ واتَّصَلَتِ العافِيَةُ، فَلَمّا كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُكَذِّبِينَ، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ في قَوْلِهِ: "كُذِبُوا"، هَذا مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، آيَةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مُبْلَغٍ، ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ ، فَهَذا هو أنْ تَظُنَّ الرُسُلُ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً، فَقالَ لَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ: "يا أبا عَبْدِ الرَحْمَنِ، إنَّما يَئِسَ الرُسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يُجِيبُوهُمْ، وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُسُلَ كَذَبَتْهُمْ، فَحِينَئِذٍ جاءَ النَصْرُ"، فَقامَ مُسْلِمٌ إلى سَعِيدٍ فاعْتَنَقَهُ وقالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللهُ عنكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَضِيَ اللهُ عنهُمْ، كَيْفَ كانَ خُلُقُهم في العِلْمِ، وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ -فِي هَذِهِ القِراءَةِ- ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا التَأْوِيلَ، وقالَ: إنَّ رَدَّ الضَمِيرِ في "ظَنُّوا" وفي "كُذِبُوا" عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ -وَإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ صَرِيحٌ- جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الرُسُلِ يَقْتَضِي ذِكْرَ مُرْسَلٍ إلَيْهِ.

والآخَرُ: أنَّ ذِكْرَهم قَدْ أُشِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "ظَنُّوا" وفي "كُذِبُوا" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والمَعْنى: كَذَبَهم مَن أخْبَرَهم عَنِ اللهِ، والظَنُّ عَلى بابِهِ، وحَكى هَذا التَأْوِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، والرُسُلُ بَشَرٌ، فَضَعُفُوا وساءَ ظَنُّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ جُبَيْرٍ وقالَ: ألَمْ يَكُونُوا بَشَرًا؟

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَن سَألَهُ عن هَذا: "هُوَ الَّذِي نَكْرَهُ"، ورَدَّتْ هَذا التَأْوِيلَ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأعْظَمُوا أنْ تُوصَفَ الرُسُلُ بِهَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرُسُلِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَوابُ، وأيْنَ العِصْمَةُ والعِلْمُ؟

وأمًّا القِراءَةُ الثالِثَةُ، وهي فَتْحُ الكافِ والذالِ، فالضَمِيرُ في "ظَنُّوا" لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في "كَذَبُوا" لِلرُّسُلِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلرُّسُلِ، أيْ: ظَنَّ الرُسُلُ أنَّهم قَدْ كَذَبُوا مِن حَيْثُ نَقَلُوا الكَذِبَ وإنْ كانُوا لَمْ يَتَعَمَّدُوهُ، فَيَرْجِعُ هَذا التَأْوِيلُ إلى المَعْنى المَرْدُودِ الَّذِي تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ جاءَهم نَصْرُنا ﴾ أيْ: بِتَعْذِيبِ أُمَمِهِمُ الكافِرَةِ.

ثُمَّ وصَفَ حالَ مَجِيءِ العَذابِ في أنَّهُ يُنْجِي الرُسُلَ وأتْباعَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ شاءَ رَحْمَتَهُمْ، ويُحِلُّ بَأْسَهُ بِالمُجْرِمِينَ الكَفَرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَنُنْجِي" بِنُونَيْنِ، مَن أنَجى.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فَنُنَجِّي"، النُونُ الثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ، وهو مِن نَجّى يُنَجِّي.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا وقَتادَةُ "فَنُجِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وشَدِّ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها كالأُولى أُدْغِمَتِ النُونُ الثانِيَةُ في الجِيمِ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ هَذا مَوْضِعَ إدْغامٍ لِتَنافُرِ النُونِ والجِيمِ في الصِفاتِ لا في المَخارِجِ، وقالَ: إنَّما حُذِفَتِ النُونُ في الكِتابِ لا في اللَفْظِ، وقَدْ حُكِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، ونافِعٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ "فَنُجِّيَ" بِفَتْحِ الياءِ، عَلى وزْنِ فُعِّلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَنُنْجِيَ" بِنُونَيْنِ وفَتْحِ الياءِ، رَواها هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ، وهي غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٍ: "فَنَجا" فِعْلٌ ماضٍ بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وابْنِ السَمَيْفَعِ، وأبِي حَيْوَةَ.

قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: "وَقَرَأْتُ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ: "فَنَجّى" بِشَدِّ الجِيمِ، عَلى مَعْنى: فَنَجّى النَصْرُ".

و"البَأْسُ": العَذابُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مَن يَشاءُ" بِالياءِ، وجاءَ الإخْبارُ عن هَلاكِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا ﴾ الآيَةَ، إذْ في هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وتَهْدِيدٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "بَأْسُهُ" بِالهاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وما أكثر الناس ﴾ [سورة يوسف: 103] الخ.

هاتان الآيتان متّصل معناهما بما تضمنه قوله تعالى: ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ [سورة يوسف: 102] إلى قوله: ﴿ إن هو إلاّ ذكر للعالمين ﴾ [سورة يوسف: 104] وقوله: ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ الآية [سورة يوسف: 108]، فإن تلك الآي تضمنت الحجة على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما جاءهم به، وتضمنت أن الذين أشركوا غير مصدقينه عناداً وإعراضاً عن آيات الصدق.

فالمعنى أن إرسال الرسل عليهم السلام سنّة إلهية قديمة فلماذا يَجعل المشركون نبوءتك أمراً مستحيلاً فلا يصدّقون بها مع ما قارنها من آيات الصدق فيقولون: أبعث الله بشراً رسولاً } .

وهل كان الرسل عليهم السلام السابقون إلا رجالاً من أهل القرى أوحى الله إليهم فبماذا امتازوا عليك، فسلم المشركون ببعثتهم وتحدّثوا بقصصهم وأنكروا نبوءتك.

وراء هذا معنى آخر من التذكير باستواء أحوال الرسل عليهم السلام وما لقوه من أقوامهم فهو وعيد باستواء العاقبة للفريقين.

و ﴿ من قبلك ﴾ يتعلق ب ﴿ أرسلنا ﴾ ف ﴿ من ﴾ لابتداء الأزمنة فصار ما صدق القبل الأزمنة السابقة، أي من أول أزمنة الإرسال.

ولولا وجود ﴿ من ﴾ لكان ﴿ قبلك ﴾ في معنى الصفة للمرسَلين المدلول عليهم بفعل الإرسال.

والرجال: اسم جنس جامد لا مفهوم له.

وأطلق هنا مراداً به أناساً كقوله صلى الله عليه وسلم «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» أي إنسان أو شخص، فليس المراد الاحتراز عن المرأة.

واختير هنا دون غيره لِمطابقته الواقع فإن الله لم يرسل رسلاً من النساء لحكمة قبول قيادتهم في نفوس الأقوام إذ المرأة مستضعفة عند الرجال دون العكس؛ ألا ترى إلى قول قيس بن عاصم حين تنبأت سَجَاحِ: أضحت نبيئتُنا أنثى نُطِيف بها *** وأصبحت أنبياءُ الناس ذكرانا وليس تخصيص الرجال وأنهم من أهل القرى لقصد الاحتراز عن النساء ومن أهل البادية ولكنه لبيان المماثلة بين مَن سلّموا برسالتهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾ [الأنبياء: 5] و ﴿ قالوا لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى ﴾ [القصص: 48]، أي فما كان محمد صلى الله عليه وسلم بِدعاً من الرسل حتى تبادروا بإنكار رسالته وتُعرضوا عن النظر في آياته.

فالقصر إضافي، أي لم يكن الرسل عليهم السلام قبلك ملائكةً أو ملوكاً من ملوك المدن الكبيرة فلا دلالة في الآية على نفي إرسال رسول من أهل البادية مثل خالد بن سنان العبسي، ويعقوب عليه السلام حين كان ساكناً في البَدْو كما تقدم.

وقرأ الجمهور، ﴿ يُوحَى ﴾ بتحتية وبفتح الحاء مبنياً للنائب، وقرأه حفص بنون على أنه مبني للفاعل والنون نون العظمة.

وتفريع قوله: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض ﴾ على ما دلت عليه جملة ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ من الأسوة، أي فكذّبهم أقوامهم من قبل قومك مثل ما كذّبك قومك وكانت عاقبتهم العقاب.

أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الأقوام السابقين، أي فينظروا آثار آخر أحوالهم من الهلاك والعذاب فيعلم قومك أن عاقبتهم على قياس عاقبة الذين كذّبوا الرسل قبلهم، فضمير ﴿ يسيروا ﴾ عائد على معلوم من المقام الدال عليه ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ [سورة يوسف: 108].

والاستفهام إنكاري.

فإن مجموع المتحدّث عنهم ساروا في الأرض فرأوا عاقبة المكذبين مثل عاد وثمود.

وهذا التفريع اعتراض بالوعيد والتهديد.

وكيف} استفهام معلّق لفعل النظر عن مفعوله.

وجملة ﴿ ولدار الآخرة ﴾ خبر.

معطوفة على الاعتراض فلها حكمه، وهو اعتراض بالتبشير وحسن العاقبة للرسل عليهم السلام ومن آمن بهم وهم الذين اتقوا.

وهو تعريض بسلامة عاقبة المتقين في الدنيا.

وتعريض أيضاً بأن دار الآخرة أشد أيضاً على الذين من قبلهم من العاقبة التي كانت في الدنيا فحصل إيجاز بحذف جملتين.

وإضافة ﴿ دار ﴾ إلى ﴿ آخرة ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل «يا نساء المسلمات» في الحديث.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ بتاء الخطاب على الالتفات، لأن المعاندين لما جرى ذكرهم وتكرر صاروا كالحاضرين فالتفت إليهم بالخطاب.

وقرأه الباقون بياء الغيبة على نسق ما قبله.

و ﴿ حتى ﴾ من قوله: ﴿ حتى إذا استيأس الرسل ﴾ ابتدائية، وهي عاطفة جملة ﴿ إذا استيأس الرسل ﴾ على جملة ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ باعتبار أنها حجة على المكذبين، فتقدير المعنى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم فكذبهم المرسل إليهم واستمروا على التكذيب حتى إذا استيئس الرسل إلى آخره، فإن ﴿ إذا ﴾ اسم زمان مضمن معنى الشرط فهو يلزم الإضافة إلى جملة تبين الزمان، وجملة ﴿ استيأس ﴾ مضاف إليها ﴿ إذا ﴾ ، وجملة ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ لأن هذا الترتيب في المعنى هو المقصود من جلب ﴿ إذا ﴾ في مثل هذا التركيب.

والمراد بالرسل عليهم السلام غير المراد ب ﴿ رجالا ﴾ ، فالتعريف في الرسل عليهم السلام تعريف العهد الذَكريّ وهو من الإظهار في مقام الإضمار لإعطاء الكلام استقلالاً بالدلالة اهتماماً بالجملة.

وآذن حرف الغاية بمعنى محذوف دل عليه جملة ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ﴾ بما قصد بها من معنى قصد الإسوة بسلفه من الرسل عليهم السلام.

والمعنى: فدام تكذيبهم وإعراضهم وتأخر تحقيق ما أنذرُوهم به من العذاب حتى اطمأنوا بالسلامة وسخروا بالرسل وأيس الرسل عليهم السلام من إيمان قَومهم.

و ﴿ استيأس ﴾ مبالغة في يئس، كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ [سورة يوسف: 87].

وتقدم أيضاً قراءة البزي بخلاف عنه بتقديم الهمزة على الياء.

فهذه أربع كلمات في هذه السورة خالف فيها البزي رواية عنه.

وفي صحيح البخاري } عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها: «أكُذِبوا أم كُذّبوا أي بالخفيف أم بالشدّ؛ قالت: كذّبوا أي بالشد قال: فقد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن فهي ﴿ قد كذبوا ﴾ أي بالتخفيف، قالت: معاذ الله لم يكن الرسل عليهم السلام تظن ذلك بربها وإنما هم أتباع الذين آمنوا وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر النصر حتى إذا استيأس الرسل عليهم السلام من إيمان من كذبهم من قومهم، وظنت الرسل عليهم السلام أن أتباعهم مُكذّبوهم» ا ه.

وهذا الكلام من عائشة رضي الله عنها رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون ﴿ كذبوا ﴾ مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل، وذلك ليس بمتعيّن، ولم تكن عائشة قد بلغتْها رواية ﴿ كذبوا ﴾ بالتخفيف.

وتفريع ﴿ فننجي من نشاء ﴾ على ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ لأن نصر الرسل عليهم السلام هو تأييدهم بعقاب الذين كذبوهم بنزول العذاب وهو البأس، فينجي الله الذين آمنوا ولا يردّ البأس عن القوم المجرمين.

والبأس: هو عذاب المجرمين الذي هو نصر للرسل عليهم السلام..

والقوم المجرمون: الذين كذبوا الرسل.

وقرأ الجمهور ﴿ فنُنْجِي ﴾ بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء مضارع أنجى.

و ﴿ من نشاء ﴾ مفعول ﴿ ننجي ﴾ .

وقرأه ابن عامر وعاصم ﴿ فنجّي ﴾ بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم مكسورة وفتح التحتية على أنه ماضي ﴿ نجّى المضاعف بني للنائب، وعليه فمن نشاء ﴾ هو نائب الفاعل، والجمع بين الماضي في (نجّي) والمضارع في ﴿ نشاء ﴾ احتباك تقديره فنُجي من شئنا ممن نجا في القرون السالفة وننجي من نشاء في المستقبل من المكذبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

الثّانِي: أنْ يُعَذِّبَ قَوْمَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: اسْتَيْأسُوا مِنَ النَّصْرِ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ في "كُذِبُوا" قِراءَتانِ: أحَدُهُما: بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ وتَشْدِيدِها، قَرَأ بِها الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ قَوْمَهم ظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَّبُوهُمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ "كُذِبُوا" بِضَمِّ الكافِ وتَخْفِيفِ الذّالِ، قَرَأ بِها الكُوفِيُّونَ، وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: فَظَنَّ أتْباعُ الرُّسُلِ أنَّهم قَدْ كُذِّبُوا فِيما ذَكَرُوهُ لَهم.

الثّانِي: فَظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهم قَدْ كُذِّبُوا فِيما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ بِهِمْ.

﴿ جاءَهم نَصْرُنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جاءَ الرُّسُلَ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: جاءَ قَوْمَهم عَذابُ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ﴾ قِيلَ الأنْبِياءُ ومَن آمَنَ مَعَهم.

﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي عَذابُنا إذا نَزَلَ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو عبيد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عروة، أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله: ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ قال: قلت: أكذبوا، أم كذبوا؟

قالت عائشة- رضي الله عنها بل ﴿ كذّبوا ﴾ يعني بالتشديد، قلت: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، فما هو بالظن.

قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك.

فقلت لعلها ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ مخففة.

قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها.

قلت: فما هذه الآية؟

قالت: هم اتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن عبد الله بن أبي مليكة رضي الله عنه أن ابن عباس- رضي الله عنهما- قرأها عليه ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ مخففة.

يقولوا اخلفوا، وقال ابن عباس- رضي الله عنهما- وكانوا بشراً، وتلا ﴿ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ [ البقرة: 214] قال ابن أبي مليكة: فذهب ابن عباس- رضي الله عنهما- إلى أنهم يئسوا وضعفوا، فظنوا أنهم قد أخلفوا، قال ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته وقالت: ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم، وكانت تقرؤها ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ مثقلة للتكذيب.

وأخرج ابن مردويه من طريق عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ بالتشديد.

وأخرج ابن مردويه من طريق عمرة، عن عائشة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قرأ ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ مخففة.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه كان يقرأ ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ مخففة.

قال: يئس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم فيما جاؤوهم به ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ قال: جاء الرسل نصرنا.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ، عن تميم بن حرام قالت: قرأ على ابن مسعود رضي الله عنه القرآن فلم يأخذ علي إلا حرفين ﴿ كل أتوه داخرين ﴾ فقال: أتوه، مخففة.

وقرأت عليه ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ فقال: ﴿ كذبوا ﴾ مخففة قال: ﴿ استيأس الرسل ﴾ من أيمان قومهم أن يؤمنوا لهم، وظن قومهم حين ابطأ الأمر ﴿ أنهم قد كذبوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الأحوص، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة يوسف ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ خفيفة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ربيعة بن كلثوم قال: حدثني أبي أن مسلم بن يسار رضي الله عنه سأل سعيد بن جبير رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الله، آية قد بلغت مني كل مبلغ ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ فهذا الموت إن نظن الرسل أنهم قد كذبوا أو نظن أنهم قد كذبوا مخففة.

فقال سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ حتى إذا استيأس الرسل ﴾ من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم، عن أبي حمزة الجزري قال: صنعت طعاماً فدعوت ناساً من أصحابنا، منهم سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم، فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف؟

فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ قال: نعم ﴿ حتى إذا استيأس الرسل ﴾ من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل ﴿ قد كذبوا ﴾ فقال الضحاك رضي الله عنه لو رحلت في هذه إلى اليمن، لكان قليلاً.

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأها ﴿ كذبوا ﴾ بفتح الكاف والتخفيف.

قال: استيأس الرسل أن يعذب قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ قال: جاء الرسل نصرنا.

قال مجاهد: قال في المؤمن ﴿ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ﴾ [ غافر: 83] قال قولهم: نحن أعلم منهم ولن نعذب، وقوله: ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ [ الزمر: 48] قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما ﴿ فننجي من نشاء ﴾ قال: فننجي الرسل ومن نشاء ﴿ ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ﴾ وذلك أن الله تعالى بعث الرسل يدعون قومهم، فأخبروهم أنه من أطاع الله نجا، ومن عصاه عذب وغوى.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ قال: العذاب.

وأخرج أبو الشيخ عن نصر بن عاصم- أنه قرأ ﴿ فنجا من نشاء ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر- أنه قرأ ﴿ فننجي من نشاء ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ، عن السدي- ﴿ ولا يرد بأسنا ﴾ قال عذابه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾ الآية، (حتى) هاهنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعدها كما يستأنف بعد "أما، وإذا"، وذلك أن (حتى) لها ثلاثة أحوال: إما أن تكون جارة، أو عاطفة، [أو كانت من حروف الابتداء، وليست هاهنا جارة ولا عاطفة] (١) (٢) وحَتّى الجِيَادُ ما يُقَدْنَ بأرْسَانِ (٣) ألا ترى أنها ليست عاطفة لدخول حرف العطف عليها، ولا جارة لارتفاع الاسم بعدها، ومثله (٤) حتى إذا سَلَخَا جُمَادَى ستةً ...

جَزَءًا فطالَ صيامُه وصيامُها ومعني قوله: ﴿ اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾ أي من إيمان قومهم، قال ابن عباس (٥) ﴿ اسْتَيْأَسَ ﴾ عند قوله: ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ﴾ أي: أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، وهذا معنى قول عطاء (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠)  ا: ما زال النبلاء بهم حتى ظنوا أن من آمن بهم من أتباعهم قد كذبهم (١١) (١٢) وقرأ أهل الكوفة (كُذِبوا) مخففة، ومعناه: ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم وإهلاك أعدائهم، هذا معنى قول ابن عباس (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) و (كُذبوا) من قولهم: كذبتك الحديث، أي: لم أصدقك، ومنه قوله تعالى (٢٠) ﴿ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ ، قال أبو علي (٢١) ﴿ وَظَنُّوا ﴾ على هذه القراءة للمرسل إليهم، لتقدير ظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به، من أنهم لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب وإنما ظنوا ذلك لما شاهدوا من إمهال الله إيماهم، ولا يمتنع حمل الضمير في ﴿ وَظَنُّوا ﴾ هو على المرسل إليهم وإن لم يتقدم ذكرهم؛ لأن ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم، وإن شئت قلت: إن ذكرهم جرى في قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  ﴾ فيكون الضمير للذين من قبلهم من مكذبي الرسل، والظن هاهنا على معنى: التوهم والحسبان.

وهذا معنى ما روى سفيان عن أبي حصين (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾ من قومهم الإجابة، وظن القوم أن الرسل قد كُذِبُوا فيما وعدوا من نصرهم وإهلاك من كذبهم، والثاني: وتيقن الرسل أنهم قد كُذِبُوا في وعد قومهم إياهم الإيمان: أي وعدوا أن يؤمنوا ثم لم يؤمنوا.

والأول هو قول سعيد بن جبير (٢٥) (٢٦) (٢٧) وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس (٢٨) (٢٩) قال أبو بكر بن الأنباري: وهذا غير معول عليه من جهتين: إحداهما (٣٠) ﴿ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ﴾ دلالة على أن أهل الكفر لما ظنوا ما لا يجوز ظن مثله واستضعفوا رسل الله، نصر الرسل ولو كان الظن للرسل كان ذلك منهم خطأً عظيمًا لا يستحقون ظفرًا ولا نصرًا، وتنزيه الأنبياء وتطهيرهم واجب علينا إذا وجدنا إلى ذلك سبيلًا.

وقال أبو إسحاق (٣١) (٣٢)  لم يوعد بشيء يخلف فيه، وعنها (٣٣) قال أبو علي (٣٤) وقال الأزهري (٣٥) (٣٦)  أنه قال: "تجاوز الله عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم ينطق به لسان أو تعمله يد" (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ﴾ قال ابن عباس (٣٨) ﴿ فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ﴾ كتبت في المصحف بنون واحدة كراهة لاجتماع المثلين، كما كتبوا: الدنيا والعليا ومحيا ونحو ذلك، بالألف؛ كراهة لاجتماع المثلين، ولولا ذلك لكتبت بالياء كما كتبت: حبلى ونخشى، وما لم يكن فيه ياء من هذا النحو بالياء، فلما كرهوا اجتماع المثلين في الخط حذفوا النون، وقوى ذلك أنه لا يكون في هذه النون إلا الإخفاء ولا يجوز البيان؛ لأنها لا تتبين عند حروف الفم فأشبه بذلك الإدغام؛ لأن الإخفاء لا يتبين فيه الحروف المخففة (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ وأما قراءة العامة ﴿ فننجي من نشاء ﴾ وقال أبو علي (٤٣) ﴿ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ  ﴾ أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.

(١) ما بين المعقوفتين في (ب)، وهو ساقط من (أ)، (ج).

(٢) في (أ)، (ج): (وقوله تعالى).

(٣) البيت لامرئ القيس، وصدره: سريتُ بهم حتى تكلَّ مطيُّهُمْ وهو في "ديوانه" ص 95، و"الدر" 6/ 141، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 420، و"الكتاب" 3/ 27، و"اللسان" (غزا)، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 228، و"شرح شواهد المغني" 1/ 374، و"شرح المفصل" 5/ 79.

(٤) البيت للبيد وهو من معلقته البيت رقم (28) في "شرح ديوانه" ص 305، و"تهذيب اللغة" (سلخ) 2/ 1731، و"اللسان" 4/ 2063، و"تاج العروس" (سلخ) 4/ 277، و (جمادى) ستة هي جمادى الآخرة، وهي تمام ستة أشهر من أول السنة.

(٥) الطبري 13/ 83، وأبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي في "الكبرى" 6/ 369 (11256)، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2211، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 77، والثعلبي 7/ 117 ب، و"زاد المسير" 4/ 296.

(٦) "زاد المسير" 4/ 296.

(٧) الطبري 13/ 88، وعبد الرزاق 2/ 329، والثعلبي 7/ 118 أ، والبغوي 4/ 286.

(٨) الطبري 13/ 88، و"زاد المسير" 4/ 296.

(٩) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿ كُذِبُوا ﴾ الشديد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿ كُذِبُوا ﴾ بالتخفيف.

وكلهم بضم الكاف.

انظر: "السبعة" ص 351، 352، و"إتحاف" / 268، والطبري 13/ 85، 87، وابن عطية 9/ 392، و"البحر" 5/ 354.

(١٠) الطبري 13/ 87، وأبو عبيد والبخاري (4695) كتاب التفسير، باب قوله ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾ والنسائي في "الكبرى" 6/ 369 (11254)، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2211، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 77، والثعلبي 7/ 118أ.

(١١) في (ب): (كذبوهم).

(١٢) في (أ)، (ج): ﴿ ظَنَنتُ ﴾ بنونين.

(١٣) الطبري 13/ 82 - 87، وأبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي في "الكبرى" 6/ 369 (11256)، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2212، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 77.

(١٤) الطبري 13/ 85، وعبد الرزاق 2/ 329، وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ كما في "الدر".

(١٥) الطبري 13/ 84 - 86، وأبو الشيخ، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 77.

(١٦) الطبري 13/ 84.

(١٧) الطبري 13/ 84 - 85.

(١٨) الطبري 13/ 85.

(١٩) الطبري 13/ 85، والثعلبي 7/ 117 أ، والبغوي 4/ 286، و"زاد المسير" 4/ 296، وابن عطية 8/ 100، و"البحر المحيط" 5/ 354، والقرطبي 9/ 275، و"معاني الفراء" 2/ 56، و"معاني الزجاج" 3/ 132.

(٢٠) (تعالى) ساقط من (أ)، (ج).

(٢١) "الحجة" 4/ 442.

(٢٢) هو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، روى له الجماعة، ثقة ثبت سنّي، ربما دلّس، توفي سنة 127 هـ.

انظر: "التقريب" ص 384 (4484).

وفي رواية الطبري حصين بدل أبي حصين، وحصين هذا هو حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، ثقة تغيّر حفظه في الآخر، روى له الجماعة، توفي سنة 136 هـ، انظر: "التقريب" ص 170 (1369).

(٢٣) عمران بن الحارث السلمي، أبو الحكم الكوفي: ثقة، روى لي مسلم والنسائي، روى عن ابن عباس.

انظر: "التقريب" ص 429 (5147).

وهذا الإسناد صحيح.

(٢٤) الطبري 13/ 82، وفي الرواية سفيان، عن حصين، عن عمران، عن ابن عباس.

(٢٥) في الطبري 13/ 84، رواية إسماعيل بن علية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد (20007)، وفي رواية أخرى: وهيب، عن أبي المعليّ العطار، عن سعيد (20010).

(٢٦) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بابن عُليّه، ثقة حافظ، روى له الجماعة، توفي سنة 193 هـ.

انظر: "التقريب" ص 105 (416).

(٢٧) هو يحيي بن ميمون الضبي، أبو المعلي العطار الكوفي، ثقة، روى له البخاري تعليقًا، والنسائي وابن ماجه، توفي سنة 132 هـ.

انظر: "التقريب" ص 597 (7658).

(٢٨) الطبري 13/ 87.

(٢٩) الطبري 13/ 87.

(٣٠) في (ج): (إحديهما).

(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 132.

(٣٢) الطبري 13/ 87، وصححه أحمد شاكر في تعليقه، و"الفتح" 8/ 140.

(٣٣) الطبري 13/ 87، وابن أبي حاتم 7/ 2211، وأخرجه البخاري (4695) كتاب التفسير باب: قوله ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾ ، والحاكم في "المستدرك" 3/ 349، وقال على شرط الشريخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(٣٤) "الحجة" 4/ 443.

(٣٥) "تهذيب اللغة" (كذب) 4/ 3115.

(٣٦) في "التهذيب" 4/ 3115: ونكنه كان خاطرًا بغلبة اليقين.

(٣٧) أخرجه الترمذي بلفظه (1183) الطلاق واللعان، باب: ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وبنحوه في البخاري، (2028) كتاب العتق باب: الخطأ والنسيان في العتاقة، والطلاق وفي مسلم (127) كتاب: الأيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر.

(٣٨) الطبري بلفظ فينصر الله الرسل 13/ 83.

(٣٩) في (ب): (المخفا الصحيح).

(٤٠) في (ج): (لأجل) من غير واو.

(٤١) قرأ ابن عامر وعاصم (فنُجِّي) مشددة الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي (فنُنْجي) بنونين الأول مضمومة والثانية ساكنة والياء ساكنة وروى عن أبي عمرو (فَنَّجِّي) يدغم.

انظر: "السبعة" ص 352، و"إتحاف" /268، والطبري 13/ 89، و"البحر" 5/ 355.

(٤٢) ما بين المعقوفين في (ب) وساقط من (أ)، (ج).

(٤٣) "الحجة" 4/ 445.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حتى إِذَا استيأس الرسل ﴾ متصل بالمعنى بقوله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً إلى قومه عاقبة الذين من قبلهم، ويأسهم: يحتمل أن يكون من إيمان قومهم أو من النصر، والأول أحسن ﴿ وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ قرئ بتشديد الذال وتخفيفها، فأما التشديد فالضمير في ظنوا وكذبوا للرسل، والظن يحتمل أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين: أي علم الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيئسوا من إيمانهم، وأما التخفيف، فالضميران فيه للقوم المرسل إليهم، أي ظنوا أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من الرسالة، أو من النصرة عليهم ﴿ فِي قَصَصِهِمْ ﴾ الضمير للرسل على الإطلاق، أو ليوسف وإخوته ﴿ مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ﴾ يعني القرآن ﴿ ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ تقدم معناه في البقرة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سبيلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ نوحي ﴾ بالنون وكسر الحاء: حفص.

الآخرون بالياء وفتح الحاء ﴿ يعقلون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وابن كثير والأعشى والبرجمي.

والباقون بتاء الخطاب.

﴿ كذبوا ﴾ مخففاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويزيد.

الباقون بالتشديد.

﴿ فنجي ﴾ بضم النون وكسر الجيم المشددة وفتح الياء: ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب.

فعلى هذا يكون فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.

وعن الكسائي مثل هذا ولكن بسكون الياء.

وخطأه علي بن عيسى بناء على أنه فعل مستقبل من الإنجاء والنون لا يدغم في الجيم، أو من التنجية والنون المتحركة لا تدغم في الساكن.

وأقول: إن كان فعلاً ماضياً من التنجية والنون المتحركة لا تدغم كما في القراءة الأولى ولكن سكن الياء للتخفيف لم يلزم منه خطأ.

الآخرون: قرأوا بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء فعلاً مضارعاً من الإنجاء على حكاية الحال الماضية.

الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ القرى ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ط رمن قرأ ﴿ فننجي ﴾ بالتخفيف ولا وقف على ﴿ من نشاء ﴾ ومن قرأ ﴿ فنجي ﴾ مشددة وصله بما قبله ووقف على ﴿ من نشاء ﴾ ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نبأ يوسف هو من أخبار الغيب وقد مر تفسير مثل هذا في آخر قصة زكريا في سورة آل عمران.

ومعنى إجماع الأمر العزم عليه كما مر في سورة يونس في قصة نوح.

وأراد عزمهم على إلقاء يوسف في البئر وهو المكر بعينه وذلك مع سائر الغوائل من المجيء على قميصه بدم كذب ومن شراهم إياه بثمن بخس.

قال أهل النظم: إن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله  على سبيل التعنت، فاعتقد رسول الله أنه إذا ذكرها فربما أمنوا فلما ذكرها لهم أصروا على كفرهم فنزل: ﴿ وما أكثر الناس ﴾ أي أكثر خلق الله المكلفين أو أكثر أهل مكة قاله ابن عباس.

﴿ ولو حرصت ﴾ جوابه مثل ما تقدم أي ولو حرصت فما هم ﴿ بمؤمنين ﴾ والحرص طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد ونظير الآية قوله: ﴿ إنك لا تهدي من أحببت  ﴾ ﴿ وما تسألهم عليه ﴾ على ما تحدثهم به ﴿ من أجر ﴾ كما سأل القاص ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ عظة من الله ﴿ للعالمين ﴾ عامة على لسان رسوله.

﴿ وكأين من آية ﴾ الأكثرون على أنه لفظ مركب من كاف التشبيه وأيّ التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية.

والتمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلاً، والأكثر إدخال "من" في تمييزه وقد مر في سورة البقرة في تفسير قوله  : ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ }.

{الآية: 164] وفي مواضع أخر تفصيل بعض الآيات السماوية والأرضية الدالة على توحيد الصانع وصفات جلاله.

ومن جلمة الآيات قصص الأوّلين وأحوال الأقدمين.

ومعنى ﴿ يمرون عليها ﴾ أشياء يشاهدونها ﴿ وهم عنها معرضون ﴾ لا يعتبرون بها.

وقرىء ﴿ والأرض ﴾ بالرفع على الابتداء خبره ﴿ يمرون ﴾ والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر.

والحاصل أن جملة العالم العلوي والعالم السفلي محتوية على الدلائل والبينات على وجود الصانع ونعوت كماله ولكن الغافل يتعامى عن ذلك.

﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ وذلك أنهم كانوا مقرين بإلاله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ لكنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية هو الأصنام ويقولون: هم الشفعاء.

وكان أهل مكة يقولون: الملائكة بنات الله.

وعن الحسن: هم أهل الكتاب يقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله.

وعن ابن عباس: هم الذين يشبهون الله بخلقه.

احتجت الكرامية بالآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار.

والجواب أن مجرد الإقرار لو كان كافياً لما اجتمع مع الشرك غاشية عقوبة تغشاهم وتغمرهم.

﴿ قل ﴾ يا محمد لهم ﴿ هذه ﴾ السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان ﴿ سبيلي ﴾ وسيرتي وقوله ﴿ أدعو إلى الله ﴾ تفسير لـ ﴿ سبيلي ﴾ و ﴿ على بصيرة ﴾ يتعلق بأدعوا و ﴿ أنا ﴾ تأكيد للمستتر في أدعو ﴿ ومن اتبعن ﴾ عطف عليه ويجوز أن يكون ﴿ على بصيرة ﴾ حالاً من أدعو عاملة في ﴿ أنا ومن اتبعن ﴾ ، ويجوز أن يكون ﴿ أنا ﴾ مبتدأ معطوفاً عليه و ﴿ من اتبعن ﴾ و ﴿ على بصيرة ﴾ خبراً مقدماً فيكون ابتداء إخبار بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى وتشهٍ ﴿ و ﴾ قل ﴿ سبحان الله ﴾ تنزيهاً له عما أشركوا ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ لا شركاً جلياً ولا شركاً خفياً.

قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ وفي "الأنبياء" ﴿ قبلك  ﴾ بغير "من" لأن قبلاً اسم للزمان السابق على ما أضيف إليه و"من" تفيد استيعاب الطرفين، وفي هذه السورة أريد الاستيعاب.

قوله: ﴿ إلا رجالاً ﴾ ردّ على من زعم أن الرسول ينبغي أن يكون ملكاً أو يمكن أن يكون امرأة مثل سجاح المتنبئة.

وقوله: ﴿ من أهل القرى ﴾ خصهم بالاستنباء لما في أهل البادية في الغلظ والجفاء ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ قال  : "من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل" ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة إنما قال: ﴿ أفلم يسيروا ﴾ بالفاء بخلاف ما في "الروم" والملائكة لاتصاله بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ فكان الفاء أنسب من الواو ﴿ ولدار الآخرة ﴾ موصوفه محذوف أي ولدار الساعة والحال الآخرة لأن للناس حالين: حال الدنيا وحال الآخرة.

وبيان الخيرية قد مر في "الأنعام".

وإنما خصت ههنا بالحذف لتقدم ذكر الساعة.

قال في الكشاف: حتى غاية لمحذوف دل عليه الكلام والتقدير فتراخى نصر أولئك الرجال حتى إذا استيأسوا عن النصر أو عن إيمان القوم ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ فيه وجوه لقراءتي التخفيف والتشديد ولإمكان عود الضمير في الفعلين إلى الرسل أو إلى المرسل إليهم الدال عليهم ذكر الرسل أو السابق ذكرهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ وأما وجوه التخفيف فمنها: وظن الرسل أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو كذب رجاؤهم لقولهم رجاء صادق وكاذب.

والمراد أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله قد تطاولت وتمادت حتى توهموا أن لا نصر لهم في الدنيا.

قال ابن عباس: ظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر.

قال: وكانوا بشراً ألا تراً إلى قوله: ﴿ وزلزلوا ﴾ والعلماء حملوا قول ابن عباس على ما يخطر بالبال شبه الوسواس وحديث النفس من عالم البشرية.

وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجانبين على الآخر فلا، لأن الرسل أعرف الناس بالله وبأن ميعاده مبرأ عن وصمة الأخلاف.

ومنها وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر.

ومنها وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليه ولم يصدقوهم فيه.

وأما قراءة التشديد فإن كان الظن بمعنى اليقين فمعناه أيقن الرسل أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر عنهم الإيمان بعد فحينئذ دعوا عليهم فهناك نزل عذاب الاستئصال، أو كذبوهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.

وإن كان بمعنى الحسبان فالمعنى توهم الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا تأويل عائشة قالت: ما وعد الله محمداً شيئاً إلا وعلم أنه سيوفيه، ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم.

﴿ لقد كان في قصصهم ﴾ قصص الرسل إضافة للمصدر إلى الفاعل، ويحسن أن يقال: الضمير لإخوة يوسف وله لاختصاص هذه السورة بهم.

والعبرة نوع من الاعتبار وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، ووجه الاعتبار على العموم أن يعلم أنه لا خير إلا في العمل الصالح والتزوّد بزاد التقوى فإن الملوك الذي عمروا البلاد وقهروا العباد ثم لم يراعوا حق الله في شيء من ذلك ماتوا وانقرضوا وبقي الوزر والوبال عليهم.

وعلى الخصوص أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب وإعلاء شأنه بعد حبسه في السجن واجتماعه بأهله بعد طول البعاد قادر على إظهار محمد وإعلاء كلمته.

والكل مشترك في الدلالة على صدق محمد لأن هذا النوع من القصص الذي أعجز حملة الأحاديث ورواة الأخبار ممن لم يطالع الكتب ولم يخالط العلماء دليل ظاهر وبرهان باهر على أنه بطريق الوحي والتنزيل، وإنما يكون دليلاً واعتباراً ﴿ لأولي الألباب ﴾ وأصحاب العقول الذين يتأملون ويتفكرون لا الذين يمرون ويعرضون على أن الدليل دليل في نفسه للعقلاء وإن لم ينظر فيه مستدل قط كما أن الرئيس الحقيقي من له أهلية الرياسة وإن كان في نهاية الخمول ﴿ ما كان ﴾ مدلول القصص وهو المقصوص أو القرآن ﴿ حديثاً يفترى ﴾ لظهور إعجازه ﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية ﴿ وتفصيل كل شيء ﴾ يحتاج إليه في الدين لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس.

وقيل: تفصيل كل شيء من واقعة يوسف مع أبيه وإخوته قال الواحدي: وعلى التفسيرين فهو ليس على عمومه لأن المراد به الأصول والقوانين وما يؤل إليها ﴿ وهدى ﴾ في الدنيا ﴿ ورحمه ﴾ في الآخرة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بذلك.

التأويل: ﴿ من أنباء الغيب ﴾ لأن هذا الترتيب في السلوك لا يعلمه إلا الوالجون ملكوت السماء الغوّاصون في بحر بطن القرآن ﴿ وما كنت لديهم ﴾ بالصورة ولكن كنت حاضراً بالمعنى ﴿ وما أكثر الناس ﴾ وهم صفات الناسوتية ﴿ وما تسألهم عليه من أجر ﴾ لأن اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية وإن دعتها إلى الاستكمال لأنها كاملة في ذاتها مكملة لغيرها ﴿ وكأين من آية ﴾ في سموات القلوب وأرض النفوس تمر الأوصاف الإنسانية عليها ﴿ وهم عنها معرضون ﴾ لإقبالها على الدنيا وشهواتها ﴿ وما يؤمن ﴾ أكثر الصفات الإنسانية بطلب الله وتبدل صفاته ﴿ إلا وهم مشركون ﴾ في طلب الدنيا وشهواتها، أو طلب الآخرة ونعمها، أو وما يؤمن أكثر الخلق بالله وطلبه إلا وهم مشركون برؤية الإيمان والطلب أنها منهم لا من الله، فكل من يرى السبب فهو مشرك، وكل من يرى المسبب فهو موحد كل شيء هالك في نظر الموحد إلا وجهه، أو وما يؤمن أكثر الناس بالله وبقدرته وإيجاده إلا وهم مشركون في طلب الحاجة من غير الله ﴿ غاشية ﴾ جذبة تقهر إرادتهم.

وتسلب اختيارهم كما قيل: العشق عذاب الله ﴿ أو تأتيهم الساعة ﴾ ساعة الانجذاب إلى الله ﴿ هذه سبيلي ﴾ لأن طريق السير والسلوك مختص به وبأمته ﴿ إلا رجالاً من أهل قرى ﴾ الملكوت دون مدن الملك والأجساد، والرجال من القرى ويشبه أن يعبر عن عالم الأرواح بالقرى لبساطتها.

والقرى أقل أجزاء من المدن ﴿ أفلم يسيروا في ﴾ أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة ليصلوا إلى فضاء عالم الحقيقة ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ ففي إبطاء النصر ابتلاء للرسل؛ الله حسبي ونعم الوكيل.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ ﴾ .

[قيل]: السبيل يؤنث ويذكّر.

ويحتمل: هذه الطاعة أو العبادة لله.

يحتمل قوله -  -: ﴿ سَبِيلِيۤ ﴾ هذه التي أنا عليها، ويحتمل: هذه سبيلي التي أدعوكم إلى الله.

﴿ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي ﴾ .

البصيرة: العلم والبيان والحجة النيرة؛ أي هذه سبيلي التي أنا أدعوكم إليها؛ إنما أدعوكم على بصيرة؛ أي على علم وبيان وحجة قاطعة؛ وبرهان نير؛ ليس كسائر الأديان التي يدعى إليها على الهوى والشهوة بغير حجة ولا برهان؛ ﴿ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي ﴾ \[أي: ومن اتبعني\] - أيضاً - فإنما يدعوكم أيضاً على حجة وبرهان؛ إذ من يجيبني؛ فإنما يجيب على بصيرة وبيان وحجة.

﴿ وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

قيل: كأن هذا صلة قوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ سبحان الله: تنزيهاً لما قالوا؛ وتبرئة عما قالوا في الله بما لا يليق به.

﴿ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في ألوهيته وربوبية غيره؛ أو في عبادته.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .

ذكر رجالا - والله أعلم - أي: لم نبعث رسولا من قبل إلا بشراً؛ لم نبعث ملكاً ولا جنّاً؛ فكيف أنكرتم رسالة محمد بأنه بشر؛ ولم يروا رسولا من قبل ولا سمعوا إلا من البشر؛ كقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ وكقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً  ﴾ هذا والله أعلم.

﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ مثلك؛ بشراً لا ملكاً ولا جنّاً، أو ذكر رجالا؛ لأنه لم يبعث امرأة رسولا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ .

أي: إنما أرسل الرسل جملة من أهل الأمصار والمدن؛ لم يبعثوا من أهل البوادي وأهل البراري والقرى؛ إنما يريد الأمصار والبنيان، وقال الله -  -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ  ﴾ قيل: هي مكة، جميع ما ذكر في القرآن من القرية والقرى؛ يريد به الأمصار والمدن؛ وإنما بعث الرسل والأنبياء من الأمصار؛ ولم يبعثهم من البوادي ومن أهل البراري - لوجهين - والله أعلم -: أحدهما: لأن لأهل الأمصار والمدن؛ اختلاطاً بأصناف الناس؛ وامتزاجاً بأنواع الخلق، ويكون لهم تجارب بالخلق؛ فهم أعقل وأحلم وأبصر من أهل البادية والبرية، إذ اختلاطهم وامتزاجهم إنما يكون بالماشية وأنواع البهائم؛ لذلك بعثوا من الأمصار دون البادية.

وبعدُ فإن الرسل يكون لهم أسباب وأعلام تتقدم عن وقت الرسالة تحتاج إلى أن يظهر ذلك للخلق؛ ليكون ذلك أسرع إلى الإجابة لهم؛ وأدعى وأنفذ إلى القبول، فإذا كانوا من أهل البوادي لا يظهر ذلك للخلق.

والثاني: أنه يراد من الرسالة إظهارها في الخلق؛ في الآفاق والأطراف والأمصار، والمدن هي الأمكنة التي ينتاب الناس إليها في التجارات وأنواع الحوائج من الآفاق والأطراف؛ فيظهر ذلك فيها.

وفي أهل الآفاق وأما أهل البوادي والبراري؛ ليس يدخلها ولا ينقلب إليها؛ إلا الشاذة من الناس؛ ولا يقضي فيها الحوائج؛ فلا يظهر في الخلق الرسالة وما يراد بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

أي: ألم ينظروا ويتفكروا؛ فيمن هلك من قبلهم من الأمم؛ بتكذيبهم الرسل أن كيف كان عاقبتهم بالتكذيب في الدنيا؛ ليمتنعوا عن تكذيب رسولهم.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ يخرج على وجهين: أحدهما: أي قد ساروا ونظروا كيف كان عاقبة المكذبين؛ لكنهم عاندوا ولم يعتبروا.

والثاني: أي سيروا في الأرض؛ وانظروا، ولكن ليس على نفس السير في الأرض؛ ولكن على السؤال عما نزل بأولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ الشِّرك أو خِلافَ الله ورسوله.

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أن ذلك أفضل وخير؛ [ممن لم يتق ذلك].

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ و ﴿ كُذِبُواْ ﴾ ؛ كلاهما لغتان، قال بعضهم: أيس الرسل عن إيمان قومهم وتصديقهم الرسل، ثم يحتمل استيئاسهم عن إيمانهم؛ لكثرة ما رأوا من اعتنادهم الآيات وتفريطهم في ردها؛ أيسوا عن إيمانهم، أو كان إياسهم بالخبر عن الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ...

﴾ الآية [هود: 36] وأمثاله.

وقوله: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ قال بعضهم: وظن الرسل أن أتباعهم الضعفة قد كذبوهم؛ لكن هذا إن كان من الرسل فهو ظن من الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ [لكثرة ما أصابهم من الشدائد، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، فوقع عند الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم وإن كان من الأعداء فقد استيقن الرسل أنهم كذبوهم].

وروي عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة؛ قال: فقلت: أرأيت قول الله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ أو ﴿ كُذِبُواْ ﴾ قال: فقالت: بل كذّبهم قومهم، قال: فقلت: [أرأيت قول الله ﴿ حَتَّىٰ ﴾ ] والله لقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم؛ وما هو بالظن؛ فقالت: يا عروة لقد استيقنوا بذلك، قال: قلت: فلعلهم ظنوا أن قد كُذِبوا، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها، [قال]: وما هذه الآية؟

قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم؛ وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر؛ حتى إذا استيئست الرسل ممن كذبهم من قومهم؛ وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم؛ جاءهم نصر الله عند ذلك.

وقال بعضهم: حتى إذا استيئس الرسل عن إيمان قومهم؛ وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما أوعدوا من العذاب أنه نازل بهم؛ لما أبطأ عليهم العذاب.

وقال بعضهم: وظنوا أنهم؛ أي ظن قومهم؛ أن رسلهم قد كذبوهم خبر السماء جاءهم نصرنا.

فإن كان الآية في أتباع الرسل؛ على ما ذكر بعضهم؛ فهو كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ  ﴾ .

فإن كانت في غيرهم من المكذبين؛ فقد جاء الرسل نصر الله.

وقوله: ﴿ فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ ﴾ من المؤمنين؛ فهو في ظاهره خبر على المستقبل؛ أي: ينجي من يشاء من هؤلاء المؤمنين.

ويشبه أن يكون على الخبر في أولئك؛ فإن كان على هذا؛ فيجيء أن يكون نجينا من نشاء منهم؛ وأهلكنا من نشاء منهم، لكن يجوز هذا في اللغة، أو يكون في الآخرة ننجي من نشاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

أي لا يرد عذابنا إذا نزل عن المجرمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِي قَصَصِهِمْ ﴾ قصة يوسف وإخوته وغيره؛ عبرة لأولي الألباب.

ويحتمل ﴿ قَصَصِهِمْ ﴾ : قصص الرسل والأمم السالفة جميعاً عبرة لأولى الألباب، والاعتبار إنما يكون لأولي الألباب؛ الذين ينتفعون بلبهم وعقلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ ﴾ .

يحتمل؛ أي: ما حديث محمد  ؛ وما أخبر من القصص وأخبار الرسل والأمم السالفة؛ بالذي افتري؛ بل إنما أخبر ما كان في الكتب السالفة على غير تعلم منه ولا دراسة كتب.

ويحتمل: ما كان هذا القرآن بالذي يقدر أن يفترى.

﴿ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

أي: تصديق الذي نزل على رسول الله - الكتب التي كانت من قبل.

﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

أي تفصيل ما للناس حاجة إليه.

﴿ وَهُدًى ﴾ من الضلالة لمن اهتدى.

﴿ وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيما ذكر من قصة يوسف وإخوته على رسول الله دلالة التصبير على [أذى] قريش؛ يقول: إن إخوة يوسف -  - مع موافقتهم إياه في الدين والنسب والموالاة - عملوا بيوسف ما عملوا من الكيد والمكر به؛ فقومك - مع مخالفتهم إياك في الدين - أحرى أن تصبر على أذاهم.

وبالله العصمة.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هؤلاء الرسل الذين نرسلهم نمهل أعداءهم، ولا نعاجلهم العقوبة استدراجًا لهم، حتى إذا تأخر إهلاكهم، ويئس الرسل من هلاكهم، وظن الكفار أن رسلهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به من العقاب للمكذبين، وإنجاء المؤمنين؛ جاء نصرنا لرسلنا، ونجِّي الرسل والمؤمنون من الهلاك الواقع على المكذبين، ولا يرد عذابنا عن القوم المجرمين عندما ننزله بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.8JNep"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر