الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١١١ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١١ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم ، وكيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين ( عبرة لأولي الألباب ) وهي العقول ، ( ما كان حديثا يفترى ) أي : وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله ، أي : يكذب ويختلق ، ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) أي : من الكتب المنزلة من السماء ، وهو يصدق ما فيها من الصحيح ، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير ، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير ، ( وتفصيل كل شيء ) من تحليل وتحريم ، ومحبوب ومكروه ، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات ، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات ، والإخبار عن الأمور على الجلية ، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية ، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات ، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات ، فلهذا كان : ( هدى ورحمة لقوم يؤمنون ) تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد ، ومن الضلالة إلى السداد ، ويبتغون به الرحمة من رب العباد ، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد .
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة ، يوم يفوز بالربح المبيضة وجوههم الناضرة ، ويرجع المسودة وجوههم بالصفقة الخاسرة .
آخر تفسير سورة يوسف ، ولله الحمد والمنة وبه المستعان وعليه التكلان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لقد كان في قصص يوسف وإخوته عبرة لأهل الحجا والعقول يعتبرون بها، وموعظة يتّعظون بها.
(49) وذلك أن الله جل ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجبّ ليهلك، ثم بِيع بَيْع العبيد بالخسيس من الثمن , وبعد الإسار والحبس الطويل، ملّكه مصر، ومكّن له في الأرض، وأعلاه على من بغاه سوءًا من إخوته , وجمع بينه وبين والديه وإخوته بقدرته، بعد المدة الطويلة , وجاء بهم إليه من الشُّقّة النائية البعيدة، فقال جل ثناؤه للمشركين من قريش من قوم نبيّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لقد كان لكم، أيها القوم، في قصصهم عبرةٌ لو اعتبرتم به , أن الذي فعل ذلك بيوسف وإخوته، لا يتعذَّر عليه فعلُ مثله بمحمد صلى الله عليه وسلم، (50) فيخرجه من بين أظهُرِكم، ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد، ويؤيده بالجند والرجال من الأتباع والأصحاب، وإن مرَّت به شدائد، وأتت دونه الأيام والليالي والدهور والأزمان.
* * * وكان مجاهد يقول: معنى ذلك: لقد كان في قصصهم عبرة ليوسف وإخوته.
* ذكر الرواية بذلك: 20038 - حدثنا محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله: ( لقد كان في قصصهم عبرة ) ، ليوسف وإخوته.
20039 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: عبرة ليوسف وإخوته.
20040 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
20041 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قوله: ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) ، قال: يوسف وإخوته.
* * * قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله مجاهد، وإن كان له وجه يحتمله التأويل، فإن الذي قلنا في ذلك أولى به ; لأنّ ذلك عَقِيب الخبر عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعن قومه من المشركين، وعَقِيب تهديدهم ووعيدهم على الكفر بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومنقطع عن خبر يوسف وإخوته , ومع ذلك أنه خبرٌ عام عن جميع ذوي الألباب , أنَّ قصصهم لهم عبرة , وغير مخصوص بعض به دون بعض.
فإذا كان الأمر على ما وصفنا في ذلك , فهو بأن يكون خبرًا عن أنه عبرة لغيرهم أشبه.
(51) والرواية التي ذكرناها عن مجاهد [من] رواية ابن جريج (52) أشبه به أن تكون من قوله ; لأن ذلك موافقٌ القولَ الذي قلناه في ذلك.
* * * وقوله: ( ما كان حديثًا يفترى ) ، يقول تعالى ذكره: ما كان هذا القول حديثًا يختلق ويُتَكذَّب ويُتَخَرَّص، (53) كما:- 20042 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( ما كان حديثًا يفترى ) ، و " الفرية ": الكذب.
* * * ، ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) ، يقول: ولكنه تصديق الذي بين يديه من كتب الله التي أنـزلها قبله على أنبيائه , كالتوراة والإنجيل والزبور , يصدِّق ذلك كله ويشهد عليه أنّ جميعه حق من عند الله، كما:- 20043 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) ، والفرقان تصديق الكتب التي قبله , ويشهد عليها.
* * * وقوله: ( وتفصيل كل شيء ) ، يقول تعالى ذكره: وهو أيضًا تفصيل كل ما بالعباد إليه حاجة من بيان أمر الله ونهيه، وحلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
(54) * * * وقوله: ( وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ، يقول تعالى ذكره: وهو بيان أمره , ورشاده لمن جهل سبيل الحق فعمي عنه، (55) إذا اتبعه فاهتدى به من ضلالته ، " ورحمة " لمن آمن به وعمل بما فيه , ينقذه من سخط الله وأليم عذابه , ويورِّثه في الآخرة جنانه، والخلودَ في النعيم المقيم ، ( لقوم يؤمنون ) ، يقول: لقوم يصدِّقون بالقرآن وبما فيه من وعد الله ووعيده، وأمره ونهيه , فيعملون بما فيه من أمره، وينتهون عما فيه من نهيه .
* * * آخر تفسير سورة يوسف صلَّى الله عليه وسلم (56) ------------------------- الهوامش: (49) انظر تفسير" القصص" فيما سلف 15 : 558 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
، وتفسير" العبرة" فيما سلف 6 : 242 ، 243 .
(50) في المطبوعة :" أن يفعل مثله" ، أساء قراءة المخطوطة ، وزاد" أن" من عند نفسه .
(51) قوله :" أشبه" ليست في المخطوطة ، لأنها مضطربة هنا ، وهي زيادة حكمية .
(52) زدت" من" بين القوسين ليستقيم الكلام ، وليست في المطبوعة ولا المخطوطة .
(53) انظر تفسير" الافتراء" فيما سلف من فهارس اللغة ( فرى ) .
(54) انظر تفسير" التفصيل" فيما سلف من فهرس اللغة ( فصل ) .
(55) في المطبوعة :" ورشاد من جهل ..." وفي المخطوطة :" ورشاده من جهل" ، فجعلتها" لمن جهل" ، وهو صواب إن شاء الله .
(56) في المخطوطة هنا ، بعد هذا ، ما نصه
قوله تعالى : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنونقوله تعالى : لقد كان في قصصهم أي في قصة يوسف وأبيه وإخوته ، أو في قصص الأمم .
" عبرة " أي فكرة وتذكرة وعظة ." لأولي الألباب " أي العقول .
وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي : إن يعقوب عاش مائة سنة وسبعا وأربعين سنة ، وتوفي أخوه عيصو معه في يوم واحد ، وقبرا في قبر واحد ; فذلك قوله : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب إلى آخر السورة .ما كان حديثا يفترى أي ما كان القرآن حديثا يفترى ، أو ما كانت هذه القصة حديثا يفترى .ولكن تصديق الذي بين يديه أي ولكن كان تصديقا ، ويجوز الرفع بمعنى لكن هو تصديق الذي بين يديه أي ما كان قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى ; وهذا تأويل من زعم أنه القرآن .وتفصيل كل شيء مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام والشرائع والأحكام .
" وهدى ورحمة لقوم يؤمنون " .
( لقد كان في قصصهم ) أي : في خبر يوسف وإخوته ( عبرة ) عظة ( لأولي الألباب ما كان ) يعني : القرآن ( حديثا يفترى ) أي : يختلق ( ولكن تصديق الذي ) أي : ولكن كان تصديق الذي ( بين يديه ) من التوراة والإنجيل ( وتفصيل كل شيء ) مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام والأمر والنهي ( وهدى ورحمة ) بيانا ونعمة ( لقوم يؤمنون ) .
«لقد كان في قصصهم» أي الرسل «عبرة لأولي الألباب» أصحاب العقول «ما كان» هذا القرآن «حديثا يفترى» يختلق «ولكن» كان «تصديق الذي بين يديه» قبله من الكتب «وتفصيل» تبيين «كل شيء» يحتاج إليه في الدين «وهدى» من الضلالة «ورحمة لقوم يؤمنون» خصوا بالذكر لانتفاعهم به دون غيرهم.
لقد كان في نبأ المرسلين الذي قصصناه عليك وما حلَّ بالمكذبين عظة لأهل العقول السليمة.
ما كان هذا القرآن حديثًا مكذوبًا مختلَقًا، ولكن أنزلناه مصدقًا لما سبقه من الكتب السماوية، وبيانًا لكل ما يحتاج إليه العباد من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه وغير ذلك، وإرشادًا من الضلال، ورحمة لأهل الإيمان تهتدي به قلوبهم، فيعملون بما فيه من الأوامر والنواهي.
ثم ختم - سبحانه - هذه السورة الكريمة بقوله : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب ) أى : لقد كان فى قصص أولئك الأنبياء الكرام وما جرى لهم من أقوامهم ، عبرة وعظة لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة ، بسبب ما اشتمل عليه هذا القصص من حكم وأحكام ، وآداب وهدايات .و ( مَا كَانَ ) هذا المقصوص فى كتاب الله - تعالى - ( حَدِيثاً يفترى ) أى يختلق .( ولكن ) كان ( تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ) من الكتب السابقة عليه ، كالتوراة والإِنجيل والزبور ، فهو المهيمن على هذه الكتب ، والمؤيد لما فيها من أخبار صحيحة ، والمبين لما وقع فيها من تحريف وتغيير ، والحاكم عليها بالنسخ أو بالتقرير .( وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ) أى : وكان فى هذا الكتاب - أيضاً - تفصيل وتوضيح كل شئ من الشرائع المجملة التى تحتاج إلى ذلك .( وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أى : وكان هداية تامة ، ورحمة شاملة ، لقوم يؤمنون به ، ويعملون بما فيه من أمر ونهى ، وينتفعون بما اشتمل عليه من وجوه العبر والعظات .وبعد : فهذا تفسير لسورة يوسف - عليه السلام - تلك السورة الزاخرة بالحكم والأحكام ، وبالآداب والأخلاق ، وبالمحاورات والمجادلات ، وبأحوال النفوس البشرية فى حبها وبغضها ، وعسرها ويسرها ، وخيرها وشرها .
وعطائها ومنعها وسرها وعلانيتها ، ورضاها وغضبها ، وحزنها وسرورها .
اعلم أن الاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، والمراد منه التأمل والتفكر، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور: الأول: أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد حبسه في السجن وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم، وجمعه مع والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة، لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته.
الثاني: أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب، فيكون معجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم.
الثالث: أنه ذكر في أول السورة ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص ﴾ ثم ذكر في آخرها: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الألباب ﴾ تنبيهاً على أن حسن هذه القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة.
والمراد من قصصهم قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه، ومن الناس من قال: المراد قصص الرسل لأنه تقدم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السلام.
فإن قيل: لم قال: ﴿ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الألباب ﴾ مع أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر بذلك.
قلنا: إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار، والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل، أو نقول: المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها وانتفعوا بمعرفتها، لأن ﴿ أُوْلِى الألباب ﴾ لفظ يدل على المدح والثناء فلا يليق إلا بما ذكرناه، واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات.
الصفة الأولى: كونها ﴿ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالباب ﴾ وقد سبق تقريره.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المراد الذي جاء به وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتري لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء فمن المحال أن يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير تفاوت، والثاني: أن المراد أنه ليس يكذب في نفسه، لأنه لا يصح الكذب منه، ثم إنه تعالى أكد كونه غير مفترى فقال: ﴿ ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ وهو إشارة إلى أن هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الإلهية، ونصب تصديقاً على تقدير ولكن كان تصديق الذي بين يديه كقوله تعالى: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله ﴾ قاله الفراء والزجاج، ثم قال: ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه.
والصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيء ﴾ وفيه قولان: الأول: المراد وتفصيل كل شيء من واقعة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته، والثاني: أنه عائد إلى القرآن، كقوله: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيء ﴾ فإن جعل هذا الوصف وصفاً لكل القرآن أليق من جعله وصفاً لقصة يوسف وحدها، ويكون المراد: ما يتضمن من الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين.
قال الواحدي على التفسيرين جميعاً: فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله: ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيء ﴾ يريد: كل شيء يجوز أن يدخل فيها وقوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء ﴾ .
الصفة الرابعة والخامسة: كونها هدى في الدنيا وسبباً لحصول الرحمة في القيامة لقوم يؤمنون خصهم بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا به كما قررناه في قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب قال المصنف رحمه الله تعالى تم تفسير هذه السورة بحمد الله تعالى يوم الأربعاء السابع من شعبان، ختم بالخير والرضوان، سنة إحدى وستمائة، وقد كنت ضيق الصدر جداً بسبب وفاة الولد الصالح محمد تغمده الله بالرحمة والغفران وخصه بدرجات الفضل والإحسان وذكرت هذه الأبيات في مرثيته على سبيل الإيجاز: فلو كانت الأقدار منقادة لنا *** فديناك من حماك بالروح والجسم ولو كانت الأملاك تأخذ رشوة *** خضعنا لها بالرق في الحكم والاسم ولكنه حكم إذا حان حينه *** سرى من مقر العرش في لجة اليم سأبكي عليك العمر بالدم دائما *** ولم أنحرف عن ذاك في الكيف والكم سلام على قبر دفنت بتربه *** وأتحفك الرحمن بالكرم الجم وما صدني عن جعل جفني مدفنا *** لجسمك إلا أنه أبداً يهمي وأقسم إن مسوا رفاتي ورمتي *** أحسوا بنار الحزن في مكمن العظم حياتي وموتي واحد بعد بعدكم *** بل الموت أولى من مداومة الغم رضيت بما أمضى الإله بحكمه *** لعلمي بأني لا يجاوزني حكمي وأنا أوصي من طالع كتابي واستفاد ما فيه من الفوائد النفيسة العالية أن يخص ولدي ويخصني بقراءة الفاتحة، ويدعو لمن قد مات في غربة بعيداً عن الإخوان والأب والأم بالرحمة والمغفرة فإني كنت أيضاً كثير الدعاء لمن فعل ذلك في حقي وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً آمين والحمد لله رب العالمين.
الضمير في ﴿ قَصَصِهِمْ ﴾ للرسل، وينصره قراءة من قرأ: ﴿ في قصصهم ﴾ بكسر القاف.
وقيل: هو راجع إلى يوسف وإخوته.
فإن قلت: فالإم يرجع الضمير في ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى ﴾ فيمن قرأ بالكسر؟
قلت: إلى القرآن، أي: ما كان القرآن حديثاً يفترى ﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي قبله من الكتب السماوية ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيْء ﴾ يحتاج إليه في الدين، لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد أدلة العقل.
وانتصاب ما نصب بعد ﴿ لَكِنِ ﴾ للعطف على خبر كان.
وقرئ: ذلك بالرفع على ﴿ ولكن هو تصديق الذي بين يديه ﴾ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوّة أن لا يحسد مسلماً» .
﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ ﴾ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ أوْ في قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ.
﴿ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ﴾ لِذَوِي العُقُولِ المُبَرَّأةِ مِن شَوائِبِ الإلْفِ والرُّكُونِ إلى الحِسِّ.
﴿ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴾ ما كانَ القُرْآنُ حَدِيثًا يُفْتَرى.
﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.
﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ إذْ ما مِن أمْرٍ دِينِيٍّ إلّا ولَهُ سَنَدٌ مِنَ القُرْآنِ بِوَسَطٍ أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ.
﴿ وَهُدًى ﴾ مِنَ الضَّلالِ.
﴿ وَرَحْمَةً ﴾ يُنالُ بِها خَيْرُ الدّارَيْنِ.
﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يُصَدِّقُونَهُ.
وَعَنِ النَّبِيِّ «عَلِّمُوا أرِقّاءَكم سُورَةَ يُوسُفَ، فَإنَّهُ أيُّما مُسْلِمٍ تَلاها وعَلَّمَها أهْلَهُ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَكَراتِ المَوْتِ وأعْطاهُ القُوَّةَ أنْ لا يَحْسُدُ مُسْلِمًا» .
{لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ} أي في قصص الأنبياء وأممهم أو في قصة يوسف وإخوته {عِبْرَةٌ لأَوْلِى الألباب} حيث نقل من غاية الحب إلى غيابة الجب ومن الحصير إلى السرير فصارت عاقبة الصبر سلامة وكرامة ونهاية المكر وخامة وندامة {مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى} ما كان القرآن حديثاً مفترى كما زعم الكفار {ولكن تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ} ولكن تصديق الكتب التي تقدمته {وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء} يحتاج إليه في الدين لأنه القانون الذي تستند إليه السنة والإجماع والقياس {وهدى} من الضلال {وَرَحْمَةً} من العذاب {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالله وأنبيائه وما نصب بعد لكن معطوف على خبر كان
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علموا أرقاءكم سورة يوسف فأيما عبد تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلما قال الشيخ أبو منصور رحمه الله في ذكر قصة يوسف عليه السلام وإخوته تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أذى قريش كأنه يقول إن إخوة يوسف مع موافقتهم إياه في الدين ومع الأخوّة عملوا بيوسف ما عملوا من الكيد والمكر وصبر على ذلك فأنت مع مخالفتهم إياك في الدين أحرى أن تصبر على أذاهم وقال وهب إن الله تعالى لم ينزل كتاباً إلا وفيه سورة يوسف عليه السلام تامة كما هي في القرآن العظيم والله أعلم
سورة الرعد مكية وهي ثلاث وأربعون آية كوفي وخمس وأربعون آية شامي
بسم الله الرحمن الرحيم
الرعد (١ _ ٣)
﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ ﴾ أيْ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ وقِيلَ: قَصَصُ يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقِيلَ: قَصَصُ أُولَئِكَ وهَؤُلاءِ والقَصَصُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ ورَجَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ الأوَّلَ بِقِراءَةِ أحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ عَنِ الكِسائِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( قِصَصِهِمْ ) بِكَسْرِ القافِ جَمْعُ قِصَّةٍ ورُدَّ بِأنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى قِصَصٍ وأخْبارٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلى أنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى الواحِدِ وفِيهِ أنَّهُ كَما قِيلَ إلّا أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ المُعْتادِ فَإنَّهُ يُقالُ في مِثْلِهِ قِصَّةُ قِصَصٍ واقْتَصَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ وهو ظاهِرٌ في اخْتِيارِهِ ﴿ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ﴾ أيْ لِذَوِي العُقُولِ المُبَرَّأةِ عَنِ الأوْهامِ النّاشِئَةِ عَنِ الإلْفِ والحِسِّ وأصْلُ اللُّبِّ الخالِصُ مِنَ الشَّيْءِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما زَكا مِنَ العَقْلِ فَكُلُّ لُبٍّ عَقَلٌ ولَيْسَ كُلُّ عَقْلٍ لُبًّا وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ اللُّبَّ هو العَقْلُ مُطْلَقًا وسُمِّي بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ خالِصَ ما في الإنْسانِ مِن قُواهُ ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ إلّا جَمْعًا والعِبْرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ الحالَةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها مِن مَعْرِفَةِ المَشاهِدِ إلى ما لَيْسَ بِمَشاهِدَ وفي البَحْرِ أنَّها الدَّلالَةُ الَّتِي تَعْبُرُ بِها إلى العِلْمِ ﴿ ما كانَ ﴾ أيِ القُرْآنُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ دَلالَةً واضِحَةً واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى القَصَصِ فِيما قَبْلُ واخْتارَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ لِأنَّهُ يَجْرِي عَلى القِراءَتَيْنِ بِخِلافِ عَوْدِهِ إلى المُتَقَدِّمِ فَإنَّهُ لا يَجْرِي عَلى قِراءَةِ القِصَصِ بِكَسْرِ القافِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ وجَوَّزَ بَعْضُهم عَوْدَهُ إلى القَصَصِ في القِراءَةِ بِهِ وإلَيْهِ في ضِمْنِ المَكْسُورِ في القِراءَةِ بِهِ وكَذا إلى المَكْسُورِ نَفْسِهِ والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ وهو كَما تَرى ﴿ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴾ أيْ يُخْتَلَقُ ﴿ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ﴿ وتَفْصِيلَ ﴾ أيْ تَبْيِينَ ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قِيلَ: أيْ مِمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ إذْ ما مِن أمْرٍ دِينِيٍّ إلّا وهو يَسْتَنِدُ إلى القُرْآنِ بِالذّاتِ أوْ بِوَسَطٍ وقالَ ابْنُ الكَمالِ: إنَّ ( كُلِّ ) لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْخِيمِ لا لِلْإحاطَةِ والتَّعْمِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ومَن لَمْ يَنْتَبِهْ لِهَذا احْتاجَ إلى تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ ثُمَّ تَكَلَّفَ في بَيانِهِ فَقالَ: إذْ ما مِن أمْرٍ ..
إلَخْ ولَمْ يَدْرِ أنَّ عِبارَةَ التَّفْصِيلِ لا تَتَحَمَّلُ هَذا التَّأْوِيلَ ورُدَّ بِأنَّهُ مَتى أمْكَنَ حَمْلُ كَلِمَةِ ( كُلِّ ) عَلى الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ لا يُحْمَلُ عَلى غَيْرِهِ والتَّخْصِيصُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ عَلى أنَّهُ نَفْسَهُ قَدِ ارْتَكَبَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وكَوْنُ عِبارَةِ التَّفْصِيلِ لا تَتَحَمَّلُ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ في حَيِّزِ المَنعِ ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ ( كُلِّ ) عَلى الِاسْتِغْراقِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ذاهِبًا إلى أنَّ في القُرْآنِ تَبْيِينَ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شاءَ اللَّهُ تَعالى ولَكِنَّ مَراتِبَ التَّبْيِينِ مُتَفاوِتَةٌ حَسَبَ تَفاوُتِ ذَوِي العِلْمِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِالبَعِيدِ عِنْدَ مَن لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ وقِيلَ: المُرادُ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ واقِعٍ لِيُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا يُهْتَمُّ بِهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في ( كانَ ) لِقَصَصِهِمْ ﴿ وهُدًى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ﴿ ورَحْمَةً ﴾ يَنالُ بِها خَيْرَ الدّارَيْنِ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
(111) .
يُصَدِّقُونَ تَصْدِيقًا بِهِ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ ونُصِبَ ﴿ تَصْدِيقَ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ مَحْذُوفًا أيْ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لا يَخْفى أمْرُهُ.
وقَرَأ حُمْرانُ بْنُ أعْيُنَ وعِيسى الكُوفَةُ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وعِيسى الثَّقَفِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ( تَصْدِيقُ ) بِالرَّفْعِ وكَذا بِرَفْعِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ ولَكِنْ هو تَصْدِيقُ ..
إلَخْ وقَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: وما كانَ مالِي مِن تُراثٍ ورِثْتُهُ ولا دِيَةَ كانَتْ ولا كَسْبَ مَأْثَمِ ولَكِنَّ عَطاءَ اللَّهِ مِن كُلِّ رِحْلَةٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَحْجُوبِ السُّرَدِاقِ خَضْرَمِ فَإنَّهُ رُوِيَ بِنَصْبِ عَطاءً ورَفْعِهِ هَذا واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ ) قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ وهو اقْتِصاصُ ما جَرى لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنَّما كانَ ذَلِكَ أحْسَنَ القَصَصِ لِتَضَمُّنِهِ ذِكْرَ العاشِقِ والمَعْشُوقِ وذَلِكَ مِمّا تَرْتاحُ لَهُ النُّفُوسُ أوْ لِما فِيهِ مِن بَيانِ حَقائِقِ مَحَبَّةِ المُحِبِّينَ وصَفاءِ سِرِّ العارِفِينَ والتَّنْبِيهُ عَلى حُسْنِ عَواقِبِ الصّادِقِينَ والحَثُّ عَلى سُلُوكِ سَبِيلِ المُتَوَكِّلِينَ والِاقْتِداءُ بِزُهْدِ الزّاهِدِينَ والدَّلالَةُ عَلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ والكَشْفُ عَنْ أحْوالِ الخائِنِينَ وقُبْحُ طَرائِقِ الكاذِبِينَ وابْتِلاءُ الخَواصِّ بِأنْواعِ المِحَنِ وتَبْدِيلُها بِأنْواعِ الألْطافِ والمِنَنِ مَعَ ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى سِياسَةِ المُلُوكِ وحالِهِمْ مَعَ رَعِيَّتِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: لِخُلُوِّ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي يَشْغَلُ سَماعُها القَلْبَ ﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ هَذِهِ أوَّلُ مَبادِي الكُشُوفِ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ أحْوالَ المُكاشِفِينَ أوائِلُها المَناماتُ فَإذا قَوِيَ الحالُ تَصِيرُ الرُّؤْيا كَشْفًا قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَلَكَ بِهِ نَحْوًا مِمّا سَلَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ وذَلِكَ أنَّهُ بُدِئَ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ كَما بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ بِها فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا كانَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ كَما حُبِّبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ السِّجْنِ بَعْدَ إيتاءِ النُّبُوَّةِ فَتَدَبَّرْ.
وذَكَرَ بَعْضُ الكِبارِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ آدَمَ الثّانِيَ لِما كانَ عَلَيْهِ مِن كُسْوَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ما كانَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَجْلى الحَقِّ لِلْخَلْقِ لَوْ يَعْلَمُونَ فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما رَأتْ مِن آدَمَ سَجَدُوا لَهُ وها هُنا سَجَدَ لِيُوسُفَ مَن سَجَدَ وهُمُ الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ المَعْدُودَةُ المُشارُ بِهِمْ إلى أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ الَّذِينَ هم عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّتِهِمْ خَيْرٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا بِدْعَ إذْ سَجَدُوا لِمَن يَتَلَأْلَأُ مِن وجْهِهِ الأنْوارُ القُدُسِيَّةُ والأشِعَّةُ السُّبُوحِيَّةُ.
لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ حَدِيثَها خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُودا وقَدْ يُقالُ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى في وجْنَةِ الكَوْكَبِ ونُقْطَةِ حالِ القَمَرِ وأُسْرَةِ جَبِينِ الشَّمْسِ أماراتِ الحَدَثانِ وصَرَفَ وجْهَهُ عَنْها مُتَوَجِّهًا إلى ساحَةِ القِدَمِ المُنَزَّهَةِ عَنِ التَّغَيُّرِ المَصُونَةِ عَمّا يُوجِبُ النَّقْصَ قائِلًا: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ أسْجَدَ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ والقَمَرَ وأسْجَدَ بَدَلَ الكَواكِبِ كَواكِبَ لِبَعْضِ بَنِيهِ إعْظامًا لِأمْرِهِ ومُبالَغَةً في تَنْزِيهِ جَلالِ الكِبْرِياءِ وحَيْثُ تَأخَّرَتِ البَراءَةُ إلى الثّالِثِ تَأخَّرَ أمْرُ الإسْجادِ إلى ثالِثِ البَنِينَ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا إلّا بَيانَ بَعْضٍ مِن أسْرارِ تَخْصِيصِ المَذْكُورِ بِالإراءَةِ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ هُناكَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ رُؤْياهُ ساجِدًا مُعَبِّرًا بِسُجُودِ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ لَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عالَمِ الحُسْنِ فَتَدَبَّرْ.
﴿ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى بَعْضِ آدابِ المُرِيدِينَ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُفْشُوا سِرَّ المُكاشَفَةِ إلّا لِشُيُوخِهِمْ وألّا يَقَعُوا في ورْطَةٍ ويَكُونُوا مُرْتَهِنِينَ بِعُيُونِ الغَيْرَةِ.
بِالسِّرِّ إنْ باحُوا تُباحُ دِماؤُهم وكَذا دِماءُ البائِحِينَ تُباحُ ﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ هَذا مِنَ الإلْهاماتِ المُجْمَلَةِ وهي إنْذاراتٌ وبِشاراتٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ مِنَ الرُّؤْيا قالَ بَعْضُهم: إنَّ يَعْقُوبَ دَبَّرَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ خَوْفًا عَلَيْهِ فَوُكِلَ إلى تَدْبِيرِهِ فَوَقَعَ بِهِ ما وقَعَ ولَوْ تَرَكَ التَّدْبِيرَ ورَجَعَ إلى التَّسْلِيمِ لَحُفِظَ ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ وذَلِكَ كَسَواطِعِ نُورِ الحَقِّ مِن وجْهِهِ وظُهُورِ عِلْمِ الغَيْبِ مِن قِبَلِهِ ومَزِيدِ الكَرَمِ مِن أفْعالِهِ وحُسْنِ عُقْبى الصَّبْرِ مِن عاقِبَتِهِ وكَسُوءِ حالِ الحاسِدِ وعَدَمِ نَقْضِ ما أبْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ مِنَ الآياتِ في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حُجَّةٌ عَلى كُلِّ مَن حَسَّنَ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ أنْ لا يُشَوِّهَهُ بِمَعْصِيَتِهِ ومَن لَمْ يُراعِ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى فَعَصى كانَ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالكَنِيفِ المُبَيَّضِ والرَّوْثِ المُفَضَّضِ.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: مِنَ الآياتِ أنْ لا يَسْمَعَ هَذِهِ القِصَّةَ مَحْزُونٌ مُؤْمِنٌ بِها إلّا اسْتَرْوَحَ وتَسَرّى بِهِ ما فِيهِ ﴿ وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ ﴾ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ بُكاءَ فَرَحٍ بِظَفَرِهِمْ بِمَقْصُودِهِمْ لَكِنَّهم أظْهَرُوا أنَّهُ بُكاءُ حُزْنٍ عَلى فَقْدِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ بُكاءً حَقِيقَةً وإنَّما هو تَباكٍ مِن غَيْرِ عَبْرَةٍ، وجاءَوُا عِشاءً لِيَكُونُوا أجْرَأ في الظُّلْمَةِ عَلى الِاعْتِذارِ أوْ لِيُدَلِّسُوا عَلى أبِيهِمْ ويُوهِمُوهُ أنَّ ذَلِكَ بُكاءٌ حَقِيقَةً لا تَباكٍ فَإنَّهم لَوْ جاءُوا ضُحًى لافْتُضِحُوا.
إذا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ في خُدُودٍ ∗∗∗ تَبَيَّنَ مَن بَكى مِمَّنْ تَباكى ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وهو السُّكُونُ إلى مَوارِدِ القَضاءِ سِرًّا وعَلَنًا وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الصَّبْرُ الجَمِيلُ أنْ يَتَلَقّى البَلاءَ بِقَلْبٍ رَحِيبٍ ووَجْهٍ مُسْتَبْشِرٍ وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هو أنْ يُلْقِيَ العَبْدُ عِنانَهُ إلى مَوْلاهُ ويُسَلِّمَ إلَيْهِ نَفْسَهُ مَعَ حَقِيقَةِ المَعْرِفَةِ فَإذا جاءَ حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ ثَبَتَ لَهُ مُسَلِّمًا ولا يُظْهِرُ لِوُرُودِهِ جَزَعًا ولا يُرى لِذَلِكَ مُغْتَمًّا وأنْشَدَ الشِّبْلِيُّ في حَقِيقَةِ الصَّبْرِ: عَبَراتٌ خَطَطْنَ في الخَدِّ سَطْرًا ∗∗∗ فَقَراهُ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ يَقْرا صابِرُ الصَّبْرِ فاسْتَغاثَ بِهِ الصَّبْرُ ∗∗∗ فَصاحَ المُحِبُّ بِالصَّبْرِ صَبْرا ﴿ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ قالَ جَعْفَرٌ: كانَ لِلَّهِ تَعالى في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سِرٌّ فَغَطّى عَلَيْهِمْ مَوْضِعَ سِرِّهِ ولَوْ كَشَفَ لِلسَّيّارَةِ عَنْ حَقِيقَةِ ما أوْدَعَ في ذَلِكَ البَدْرِ الطّالِعِ مِن بُرْجِ دَلْوِهِمْ لَما اكْتَفى قائِلُهم بِذَلِكَ ولَما اتَّخَذُوهُ بِضاعَةً ولِهَذا لَمّا كُشِفَ لِلنِّسْوَةِ بَعْضُ الأمْرِ قُلْنَ: ﴿ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ ولِجَهْلِهِمْ أيْضًا بِما أوْدَعَ فِيهِ مِن خَزائِنِ الغَيْبِ باعُوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ وهو مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: كُلُّ ما وقَعَ تَحْتَ العَدِّ والإحْصاءِ فَهو بَخْسٌ ولَوْ كانَ جَمِيعَ ما في الكَوْنَيْنِ فَلا يَكُنْ حَظُّكَ البَخْسَ مِن رَبِّكَ فَتَمِيلَ إلَيْهِ وتَرْضى بِهِ دُونَ رَبِّكَ جَلَّ جَلالُهُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: لَيْسَ ما باعَ إخْوَةُ يُوسُفَ مِن نَفْسٍ لا يَقَعُ عَلَيْها البَيْعُ بِأعْجَبَ مِن بَيْعِ نَفْسِكَ بِأدْنى شَهْوَةٍ بَعْدَ أنْ بِعْتَها مِن رَبِّكَ بِأوْفَرِ الثَّمَنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةَ فَبَيْعُ ما تَقَدَّمَ بَيْعُهُ باطِلٌ وإنَّما باعَ يُوسُفَ أعْداؤُهُ وأنْتَ تَبِيعُ نَفْسَكَ مِن أعْدائِكَ ﴿ وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ قِيلَ: أيْ لا تَنْظُرِي إلَيْهِ نَظَرَ الشَّهْوَةِ فَإنَّ وجْهَهُ مِرْآةٌ تُجْلِي الحَقَّ في العالَمِ أوْ لا تَنْظُرِي إلَيْهِ بِنَظَرِ العُبُودِيَّةِ ولَكِنِ انْظُرِي إلَيْهِ بِنَظَرِ المَعْرِفَةِ لِتَرَيْ فِيهِ أنْوارَ الرُّبُوبِيَّةِ أوِ اجْعَلِي مَحَبَّتَهُ في قَلْبِكِ لا في نَفْسِكِ فَإنَّ القَلْبَ مَوْضِعُ المَعْرِفَةِ والطّاعَةَ والنَّفْسَ مَوْضِعُ الفِتْنَةِ والشَّهْوَةِ ﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ قِيلَ: أيْ بِأنْ يُعَرِّفَنا مَنازِلَ الصِّدِّيقِينَ ومَراتِبَ الرَّوْحانِيِّينَ ويُبَلِّغَنا بِبَرَكَةِ صُحْبَتِهِ إلى مُشاهَدَةِ رَبِّ العالَمِينَ وقِيلَ: أرادَ حُسْنى صُحْبَتِهِ في الدُّنْيا لَعَلَّهُ أنْ يَشْفَعَ لَنا في العُقْبى ﴿ وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها ﴾ حَيْثُ غَلَبَ عَلَيْها العِشْقُ ﴿ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ قَطَّعَتِ الأسْبابَ وجَمَعَتِ الهِمَّةَ إلَيْهِ أوْ غَلَّقَتْ أبْوابَ الدّارِ غَيْرَةَ أنْ يَرى أحَدٌ أسْرارَهُما ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: هَمَّ شَهْوَةٍ ﴿ وهَمَّ بِها ﴾ هَمَّ زَجْرٍ عَمّا هَمَّتْ بِهِ بِضَرْبٍ أوْ نَحْوِهِ ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ وهو الواعِظُ الإلَهِيُّ في قَلْبِهِ ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ والخَواطِرَ الرَّدِيئَةَ ﴿ والفَحْشاءَ ﴾ الأفْعالَ القَبِيحَةَ وقِيلَ: البُرْهانُ هو أنَّهُ لَمْ يُشاهِدْ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى وقِيلَ: هو مُشاهَدَةُ أبِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عاضًّا عَلى سَبّابَتِهِ وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُ أجِلَّةِ مَشايِخِنا أحَدَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ لِلرّابِطَةِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ ساداتِنا النَّقْشَبَنْدِيَّةِ أصْلًا أصِيلًا وهو عَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ بِمَراحِلَ عَنْ ذَلِكَ ﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ فِرارًا مِن مَحَلِّ الخَطَرِ: قِيلَ: لَوْ فَرَّ إلى اللَّهِ تَعالى لَكَفاهُ ولَما نالَهُ بَعْدُ ما عَناهُ ﴿ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ نَفَتْ عَنْ نَفْسِها الذَّنْبَ لِأنَّها عَلِمَتْ إذْ ذاكَ أنَّها لَوْ بَيَّنَتِ الحَقَّ لَقُتِلَتْ وحُرِمَتْ مِن حَلاوَةِ مَحَبَّةِ يُوسُفَ والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ.
لِحُبِّكَ أحْبَبْتُ البَقاءَ لِمُهْجَتِي ∗∗∗ فَلا طالَ إنْ أعْرَضْتَ عَنِّي بَقائِيا وإنَّما عَرَّضَتْ بِنِسْبَةِ الذَّنْبِ إلَيْهِ لِعِلْمِها بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْقَ في البُؤْسِ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُؤْذِيَهُ لِما أنَّ وجْهَهُ سالِبٌ القُلُوبَ وجالِبٌ الأرْواحَ.
لَهُ في طَرْفِهِ لَحَظاتُ سِحْرٍ ∗∗∗ يُمِيتُ بِها ويُحْيِي مَن يُرِيدُ ويَسْبِي العالِمِينَ بِمُقْلَتَيْهِ ∗∗∗ كَأنَّ العالَمِينَ لَهُ عَبِيدُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّها إذْ ذاكَ لَمْ تَسْتَغْرِقْ في مَحَبَّتِهِ بَعْدُ فَلِذا لَمْ تُخْبِرْ بِالصِّدْقِ وآثَرَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ ولِهَذا لَمّا اسْتَغْرَقَتْ في المَحَبَّةِ آثَرَتْ نَفْسَهُ عَلى نَفْسِها فَقالَتِ: ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ الآيَةَ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسَعْهُ بَعْدَ تُهْمَتِها لَهُ إلّا الذَّبُّ عَنْ ساحَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هي أمانَةُ اللَّهِ تَعالى العُظْمى فَقالَ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ وإلّا فاللّائِقُ بِمَقامِ الكَرَمِ السُّكُوتُ عَنْ جَوابِها لِئَلّا يَفْضَحَها وقِيلَ: إنَّها ادَّعَتْ مَحَبَّةَ يُوسُفَ وتَبَرَّأتْ مِنها عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُلْزِمَها مَلامَةَ المَحَبَّةِ فَإنَّ المَلامَةَ شِعارُ المُحِبِّينَ ومَن لَمْ يَكُنْ مَلُومًا في العِشْقِ لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا فِيهِ أنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ عِظَمَ كَيْدِهِنَّ لِأنَّهُنَّ إذا ابْتُلِينَ بِالحُبِّ أظْهَرْنَ مِمّا يَجْلِبُ القَلْبَ ما يَعْجِزُ عَنْهُ إبْلِيسُ مَعَ مُساعَدَةِ الطَّبِيعَةِ إلى المَيْلِ إلَيْهِنَّ وقُوَّةِ المُناسِبَةِ بَيْنَ الرِّجالِ وبَيْنَهُنَّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ فَما في العالَمِ فِتْنَةٌ أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: الشَّغَفُ أنْ لا يَرى المُحِبُّ جَفاءً لَهُ جَفاءً بَلْ يَراهُ عَدْلًا مِنهُ ووَفاءً.
وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ ﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: في عِشْقٍ مُزْعِجٍ ﴿ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ ﴾ عَظَّمْنَهُ لَمّا رَأيْنَ في وجْهِهِ نُورَ الهَيْبَةِ ﴿ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ لِاسْتِغْراقِهِنَّ في عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ ولَعَلَّهُ كَشَفَ لَهُنَّ ما لَمْ يَكْشِفْ لِزُلَيْخا قالَ ابْنُ عَطاءٍ: دَهِشْنَ في يُوسُفَ وتَحَيَّرْنَ حَتّى قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ولَمْ يَشْعُرْنَ بِالألَمِ وهَذِهِ غَلَبَةُ مُشاهَدَةِ مَخْلُوقٍ لِمَخْلُوقٍ فَكَيْفَ بِمَن يَحْظى بِمُشاهَدَةٍ مِنَ الحَقِّ فَيَنْبَغِي أنَّ لا يُنْكَرَ عَلَيْهِ إنْ تَغَيَّرَ وصَدَرَ عَنْهُ ما صَدَرَ وأعْظَمُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا البابِ عِنْدَ ذَوِي الأبْصارِ السَّلِيمَةِ النُّورُ المُحَمَّدِيُّ المُنْقَدِحُ مِنَ النُّورِ الإلَهِيِّ والمُتَشَعْشِعُ في مِشْكاةِ خاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ لَعَمْرِي أبُو الأنْوارِ وما نُورُ يُوسُفَ بِالنِّسْبَةِ إلى نُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا النَّجْمُ وشَمْسُ النَّهارِ.
لِواحِي زُلَيْخا لَوْ رَأيْنَ جَبِينَهُ ∗∗∗ لَآثَرْنَ بِالقَطْعِ القُلُوبَ عَلى الأيْدِي وقُلْنَ: ﴿ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ قُلْنَ ذَلِكَ إعْظامًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنْ يَكُونَ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أرَدْنَ ما هَذا بِأهْلٍ أنْ يُدْعى إلى المُباشَرَةِ بَلْ مِثْلُهُ مَن يُكَرَّمُ ويُنَزَّهُ عَنْ مَواضِعِ الشُّبَهِ والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِها: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أرادَتْ أنْ لَوْ مُكِّنَ لَمْ يَقَعْ في مَحَزِّهِ وكَيْفَ يُلامُ مَن هَذا مَحْبُوبُهُ وكَأنَّها أشارَتْ إلى أنَّها مَجْبُورَةٌ في ذَلِكَ الوَلَهِ مَعْذُورَةٌ في مَزِيدِ حُبِّها لَهُ: خَلِيلَيَّ إنِّي قُلْتُ بِالعَدْلِ مَرَّةً ∗∗∗ ومُنْذُ عَلانِي الحُبُّ مَذْهَبِي الجَبْرُ وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ اللَّوْمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ خَلِيٍّ ولِذا لَمْ تُعاتِبْهُنَّ حَتّى رَأتْ ما صَنَعَ الهَوى بِهِنَّ وما أحْسَنَ ما قِيلَ: وكُنْتُ إذا ما حَدَّثَ النّاسُ بِالهَوى ∗∗∗ ضَحِكْتُ وهم يَبْكُونَ في حَسَراتِ فَصِرْتُ إذا ما قِيلَ هَذا مُتَيَّمٌ ∗∗∗ تَلَقَّيْتُهم بِالنَّوْحِ والعَبَراتِ وقالَ سُلْطانُ العاشِقِينَ: دَعْ عَنْكَ تَعْنِيفِي وذُقْ طَعْمَ الهَوى ∗∗∗ فَإذا عَشِقْتَ فَبَعْدَ ذَلِكَ عَنِّفِ ﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ قِيلَ: لِأنَّ السِّجْنَ مَقامُ الأُنْسِ والخَلْوَةِ والمُناجاةِ والمُشاهَداتِ والمُواصَلاتِ وفِيما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ ما يُوجِبُ البُعْدَ عَنِ الحَضْرَةِ والحِجابَ عَنْ مُشاهَدَةِ القُرْبَةِ وقِيلَ: طَلَبَ السَّجْنَ لِيَحْتَجِبَ عَنْ زُلَيْخا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِازْدِيادِ عِشْقِها وانْقِلابِهِ رُوحانِيًّا قُدُسِيًّا كَعِشْقِ أبِيهِ لَهُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَلَبِ ذَلِكَ إلّا الخَلاصُ مِنَ الزِّنا ولَعَلَّهُ لَوْ تَرَكَ الِاخْتِيارَ لَعُصِمَ مِن غَيْرِ امْتِحانٍ كَما عُصِمَ في وقْتِ المُراوَدَةِ ﴿ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: أحْسَنُ النّاسِ حالًا مَن رَأى نَفْسَهُ تَحْتَ ظِلِّ الفَضْلِ والمِنَّةِ لا تَحْتَ ظِلِّ العَمَلِ والسَّعْيِ ﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ دُعاءٌ إلى التَّوْحِيدِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وحُكِي أنَّ رَجُلًا قالَ لِلْفُضَيْلِ: عِظْنِي فَقَرَأ لَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ كانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ غَفْلَةً مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا يَقْتَضِيهِ مَقامُهُ ويُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ ولِهَذا أدَّبَهُ رَبُّهُ بِاللُّبْثِ في السِّجْنِ لِيَبْلُغَ أقْصى دَرَجاتِ الكَمالِ والأنْبِياءِ مُؤاخَذُونَ بِمَثاقِيلِ الذَّرِّ لِمَكانَتِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقَدْ يُحْمَلُ كَلامُهُ هَذا عَلى ما لا يُوجِبُ العِتابَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ ذَوِي الألْبابِ ﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ ﴾ قالَ أبُو حَفْصٍ: الصِّدِّيقُ مَن لا يَتَغَيَّرُ عَلَيْهِ باطِنُ أمْرِهِ مِن ظاهِرِهِ وقِيلَ: الَّذِي لا يُخالِفُ قالَهُ حالَهُ وقِيلَ: الَّذِي يَبْذُلُ الكَوْنَيْنِ في رِضا مَحْبُوبِهِ ﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّفْسَ بِطَبْعِها كَثِيرَةُ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ قالَ أبُو حَفْصٍ: النَّفْسُ ظُلْمَةٌ كُلُّها وسِراجُها التَّوْفِيقُ فَمَن لَمْ يَصْحَبْهُ التَّوْفِيقُ كانَ في ظُلْمَةٍ وقَدْ تَخْفى دَسائِسُ النَّفْسِ إلى حَيْثُ تَتَأمَّرُ بِخَيْرٍ وتُضْمِرُ فِيهِ شَرًّا ولا يَفْطَنُ لِدَسائِسِها إلّا لَوْذَعِيٌّ: فَخالِفِ النَّفْسَ والشَّيْطانَ واعْصِمْها وإنْ هُما مَحَضاكَ النُّصْحَ فاتَّهِمِ وذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ أنَّ النَّفْسَ تَتَرَقّى بِواسِطَةِ المُجاهَدَةِ والرِّياضَةِ مِن مَرْتَبَةِ كَوْنِها أمّارَةً إلى مَرْتَبَةٍ أُخْرى مِن كَوْنِها لَوّامَةً وراضِيَةً مَرْضِيَّةً ومُطَمْئِنَةً وغَيْرَ ذَلِكَ وجَعَلُوا لَها في كُلِّ مَرْتَبَةٍ ذِكْرًا مَخْصُوصًا وأطْنَبُوا في ذَلِكَ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ ﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ قِيلَ: خَزائِنُ الأرْضِ رِجالُها أيِ اجْعَلْنِي عَلَيْهِمْ أمِينًا فَإنِّيَ حَفِيظٌ لِما يُظْهِرُونَهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ وقِيلَ: أرادَ الظّاهِرَ إلّا أنَّهُ أشارَ أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ التَّصَرُّفِ مَعَ عَدَمِ الغَفْلَةِ أيْ حَفِيظٌ لِلْأنْفاسِ بِالذِّكْرِ ولِلْخَواطِرِ بِالفِكْرِ عَلِيمٌ بِسِواكِنِ الغُيُوبِ وخَفايا الأسْرارِ ﴿ وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ قالَ بَعْضُهم: لَمّا جَفَوْهُ صارَ جَفاؤُهم حِجابًا بَيْنَهم وبَيْنَ مَعْرِفَتِهِمُ إيّاهُ وكَذَلِكَ المَعاصِي تَكُونُ حِجابًا عَلى وجْهِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُكْمِلَ لِأبِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقامَ الحُزْنِ الَّذِي هو كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: مِن أعْلى المَقاماتِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ عَلاقَةَ المَحَبَّةِ كانَتْ بَيْنَ يُوسُفَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِنَ الجانِبَيْنِ فَتَعَلَّقَ أحَدُهُما بِالآخَرِ كَتَعَلُّقِ الآخَرِ بِهِ كَما يُرى ذَلِكَ في بَعْضِ العُشّاقِ مَعَ مَن يَعْشَقُونَهُ وأنْشَدُوا: لَمْ يَكُنِ المَجْنُونُ في حالَةٍ ∗∗∗ إلّا وقَدْ كُنْتَ كَما كانا لَكِنَّهُ باحَ بِسِرِّ الهَوى ∗∗∗ وإنَّنِي قَدْ ذُبْتُ كِتْمانا فَغارَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْظُرَ أبُوهُ إلى أخِيهِ نَظَرَهُ إلَيْهِ فَيَكُونا شِرْكَيْنِ في ذَلِكَ والمُحِبُّ غَيُورٌ فَطَلَبَ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ لِذَلِكَ والحَقُّ أنَّ الأمْرَ كانَ عَنْ وحْيٍ لِحِكْمَةٍ غَيْرِ هَذِهِ ﴿ وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ إشارَةٌ إلى العِلْمِ اللَّدُنِّي وهو عَلى نَوْعَيْنِ ظاهِرُ الغَيْبِ وهو عِلْمُ دَقائِقِ المُعامَلاتِ والمَقاماتِ والحالاتِ والكَراماتِ والفِراساتِ وباطِنُ الغَيْبِ وهو عِلْمُ بُطُونِ الأفْعالِ ويُسَمّى حِكْمَةَ المَعْرِفَةِ وعَلَمُ الصِّفاتِ ويُسَمّى المَعْرِفَةَ الخاصَّةَ وعِلْمُ الذّاتِ ويُسَمّى التَّوْحِيدَ والتَّفْرِيدَ والتَّجْرِيدَ وعِلْمُ أسْرارِ القِدَمِ ويُسَمّى عِلْمَ الفَناءِ والبَقاءِ وفي الأوَّلَيْنِ لِلرُّوحِ مَجالٌ وفي الثّالِثِ لِلسِّرِّ والرّابِعِ لِسِرِّ السِّرِّ وفي المَقامِ تَفْصِيلٌ وبَسْطٌ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ ﴿ ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيُعَرِّفَهُ الحالَ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى يَتَحَمَّلَ أثْقالَ السُّرُورِ إذِ المُفاجَأةُ في مِثْلِ ذَلِكَ رُبَّما تَكُونُ سَبَبَ الهَلاكِ ومِن هُنا كانَ كَشْفَ سُجُفِ الجَمالِ لِلسّالِكِينَ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ﴿ فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ﴾ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ شَرِيكًا لِإخْوَتِهِ في الإيذاءِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ فَلا يَخْجَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ إذا كُشِفَ الأمْرُ وحَيْثُ طُلِبَ قَلْبُ بِنْيامِينَ لِعَيْنٍ بِرُؤْيَةِ يُوسُفَ احْتَمَلَ المَلامَةَ وكَيْفَ لا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ وبَلاءُ العالِمِ مَحْمُولٌ بِلَمْحَةِ رُؤْيَةِ المَعْشُوقِ والعاشِقِ الصّادِقِ يُؤْثِرُ المَلامَةَ مِمَّنْ كانَتْ في هَوى مَحْبُوبِهِ.
أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيذَةً ∗∗∗ حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ وفِي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ لِمَحَبَّتِهِ ومُشاهَدَتِهِ وضَعَ في رَحْلِهِ صاعَ مَلامَةِ الثَّقَلَيْنِ ألا تَرى إلى ما فَعَلَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَفِيِّهِ كَيْفَ اصْطَفاهُ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الأمانَةَ الَّتِي لَمْ يَحْمِلْها السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ وأشْفَقْنَ مِنها فَحَمَلَها ثُمَّ هَيَّجَ شَهْوَتَهُ إلى حَبَّةِ حِنْطَةٍ ثُمَّ نادى عَلَيْهِ بِلِسانِ الأزَلِ ﴿ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ﴾ وذَلِكَ لِغايَةِ حُبِّهِ لَهُ حَتّى صَرَفَهُ عَنِ الكَوْنِ وما فِيهِ ومِن فِيهِ إلَيْهِ ولَوْلا أنْ كَشَفَ جَمالَهُ لَهُ لَمْ يَتَحَمَّلْ بَلاءَ المَلامَةِ وهَذا كَما فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأخِيهِ آواهُ إلَيْهِ وكَشَفَ جَمالَهُ لَهُ وخاطَبَهُ بِما خاطَبَهُ ثُمَّ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِهِ ثُمَّ نادى عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ لِيُبْقِيَهُ مَعَهُ ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أيْ نَرْفَعُ دَرَجاتِهِمْ في العِلْمِ فَلا يَزالُ السّالِكُونَ يَتَرَقَّوْنَ في العِلْمِ وتَشْرَبُ أطْيارُ أرْواحِهِمُ القُدُسِيَّةِ مِن بِحارِ عُلُومِهِ تَعالى عَلى مَقادِيرِ حَواصِلِها وتَنْتَهِي الدَّرَجاتُ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ عُلُومَ الخَلْقِ مَحْدُودَةٌ وعِلْمَهُ تَعالى غَيْرُ مَحْدُودٍ وإلى اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ الأُمُورُ ﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ قالَ بَعْضُ السّاداتِ: لَمّا كانَ بِنْيامِينُ بَرِيئًا مِمّا رُمِيَ بِهِ مِنَ السَّرِقَةِ أنْطَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَتّى رَمَوْا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالسَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ مِنها فَكانَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ واحِدَةٍ بِواحِدَةٍ لِيَعْلَمَ العالِمُونَ أنَّ الجَزاءَ واجِبٌ.
وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّهم صَدَقُوا بِنِسْبَةِ السَّرِقَةِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَكِنَّها سَرِقَةُ ألْبابِ العاشِقِينَ وأفْئِدَةِ المُحِبِّينَ بِما أوْدَعَ فِيهِ مِن مَحاسِنِ الأزَلِ ﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ﴾ الإشارَةُ في ذَلِكَ مِنَ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا نُفْشِيَ أسْرارَنا ونُدْنِيَ إلى حَضْرَتِنا إلّا مَن كانَ في قَلْبِهِ اسْتِعْدادُ قَبُولِ مَعْرِفَتِنا أوْ لا نَخْتارُ لِكَشْفِ جَمالِنا إلّا مَن كانَ في قَلْبِهِ شَوْقٌ إلى وِصالِنا وقالَ بَعْضُ الخُراسانِيِّينَ: الإشارَةُ فِيهِ أنّا لا نَأْخُذُ مِن عِبادِنا أشَدَّ أخْذٍ إلّا مَنِ ادَّعى فِينا أوْ أخْبَرَ عَنّا ما لَمْ يَكُنْ لَهُ الإخْبارُ عَنْهُ والِادِّعاءُ فِيهِ وقالَ بَعْضُهم: إلّا مَن مَدَّ يَدَهُ إلى مالِنا وادَّعاهُ لِنَفْسِهِ وقالَ أبُو عُثْمانَ: الإشارَةُ أنّا لا نَتَّخِذُ مِن عِبادِنا ولِيًّا إلّا مَنِ ائْتَمَنّاهُ عَلى ودائِعِنا فَحَفِظَها ولَمْ يَخُنْ فِيها ولَطِيفَةُ الواقِعَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرْضَ أنْ يَأْخُذَ بَدَلَ حَبِيبِهِ أذْ لَيْسَ لِلْحَبِيبِ بَدِيلٌ في شَرْعِ المَحَبَّةِ.
أبى القَلْبُ إلّا أُحِبُّ لَيْلى فَبُغِّضَتْ ∗∗∗ إلَيَّ نِساءٌ ما لَهُنَّ ذُنُوبُ ﴿ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ قالَ بَعْضُهم: إنَّهم صَدَقُوا بِذَلِكَ لَكِنَّهُ سَرَقَ أسْرارَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ سَمِعَ مِنهُ في الخَلْوَةِ ما سَمِعَ ولَمْ يُبْدِهِ لَهم ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى اشْتِدادَ البَلاءِ قَوِيَ رَجاؤُهُ بِالفَرَجِ فَقالَ ما قالَ.
اشْتَدِّي أزْمَةُ تَنْفَرِجِي ∗∗∗ قَدْ آذَنَ لَيْلُكِ بِالبَلَجِ وكَأنَّ لِسانَ حالِهِ يَقُولُ: دَنا وِصالُ الحَبِيبِ واقْتَرَبا ∗∗∗ وأطْرَبا لِلْوِصالِ وأطْرَبا ﴿ وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ تَأسُّفَهُ عَلى رُؤْيَةِ جَمالِ اللَّهِ تَعالى مِن مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ تَمَتَّعَ بِذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ حَتّى حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ طَوارِقُ الحَدَثانِ فَتَأسَّفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ واشْتاقَتْ نَفْسُهُ لِما هُنالِكَ.
سَقى اللَّهُ أيّامًا لَنا ولَيالِيا ∗∗∗ مَضَتْ فَجَرَتْ مِن ذِكْرِهِنَّ دُمُوعُ فَيا هَلْ لَها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ أوْبَةٌ ∗∗∗ وهَلْ لِي إلى أرْضِ الحَبِيبِ رُجُوعُ ﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ حَيْثُ بَكى حَتّى أضَرَّ بِعَيْنَيْهِ وكانَ ذَلِكَ حَتّى لا يَرى غَيْرَ حَبِيبِهِ.
لَمّا تَيَقَّنْتُ أنِّي لَسْتُ أُبْصِرُكم ∗∗∗ غَمَّضْتُ عَيْنَيَّ فَلَمْ أنْظُرْ إلى أحَدِ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الحِكْمَةُ في ذَهابِ بَصَرِ يَعْقُوبَ وبَقاءِ بَصَرِ آدَمَ وداوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ أنَّهُما بَكَيا دَهْرًا طَوِيلًا إنَّ بُكاءَ يَعْقُوبَ كانَ بُكاءَ حُزْنٍ مَعْجُونٍ بِألَمِ الفِراقِ حَيْثُ فَقَدْ تَجَلّى جَمالُ الحَقِّ مِن مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ ولا كَذَلِكَ بُكاءُ آدَمَ وداوُدَ فَإنَّهُ كانَ بُكاءَ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ وأيْنَ ذَلِكَ المَقامُ مِن مَقامِ العِشْقِ وقالَ أبُو سَعِيدٍ القُرَشِيُّ: إنَّما لَمْ يَذْهَبْ بَصَرُهُما لِأنَّ بُكاءَهُما كانَ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى فَحُفِظا وبُكاءُ يَعْقُوبَ كانَ لِفَقْدِ لَذَّةٍ فَعُوتِبَ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَهابُ بَصَرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ حِينَ بَكى لِغَيْرِهِ وإنْ كانَ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ولِهَذا جاءَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ يا يَعْقُوبُ أتَتَأسَّفُ عَلى غَيْرِي وعِزَّتِي لَآخُذَنَّ عَيْنَيْكَ ولا أرُدُّهُما عَلَيْكَ حَتّى تَنْساهُ واخْتارَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ ذَلِكَ الأسَفَ والبُكاءَ لَيْسا إلّا لِفَواتِ ما انْكَشَفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَمْرِي إنَّهُ لَوْ كانَ شاهِدُ تَجَلِّيهِ تَعالى في أوَّلِ التَّعَيُّناتِ وعَيْنِ أعْيانِ المَوْجُوداتِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنَسِيَ ما رَأى ولَما عَراهُ ما عَرا ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ سَيِّدِي ابْنِ الفارِضِ حَيْثُ يَقُولُ: لَوْ أسْمَعُوا يَعْقُوبَ بَعْضَ مَلاحَةٍ ∗∗∗ في وجْهِهِ نَسِيَ الجَمالَ اليُوسُفِيَّ ﴿ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ ﴾ هَذا مِنَ الجَهْلِ بِأحْوالِ العِشْقِ وما عَلَيْهِ العاشِقُونَ فَإنَّ العاشِقَ يَتَغَذّى بِذِكْرِ مَعْشُوقِهِ.
فَإنْ تَمْنَعُوا لَيْلى وحُسْنَ حَدِيثِها ∗∗∗ فَلَنْ تَمْنَعُوا مِنِّي البُكا والقَوافِيا وإذا لَمْ يَسْتَطِعْ ذِكْرَهُ بِلِسانِهِ كانَ مُسْتَغْرِقًا بِذِكْرِهِ إيّاهُ بِجَنانِهِ.
غابَ وفي قَلْبِي لَهُ شاهِدٌ ∗∗∗ يَوْلَعُ إضْمارِي بِذِكْراهُ مَثَّلَتِ الفِكْرَةُ لِي شَخْصَهُ ∗∗∗ حَتّى كَأنِّي أتَراءاهُ وكَيْفَ يُخَوَّفُ العاشِقُ بِالهَلاكِ في عِشْقِ مَحْبُوبِهِ وهَلاكِهِ عَيْنَ حَياتِهِ كَما قِيلَ: ولَكِنْ لَدى المَوْتِ فِيهِ صَبابَةً ∗∗∗ حَياةٌ لِمَن أهْوى عَلَيَّ بِها الفَضْلُ ومَن لَمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِ ∗∗∗ ودُونَ اجْتِناءِ النَّحْلِ ما جَنَتِ النَّحْلُ ﴿ قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ أنا لا أشْكُو إلى غَيْرِهِ فَإنِّي أعْلَمُ غَيْرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أحْبابِهِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وأيْضًا مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ تَعالى كَفاهُ ومَن أناخَ بِبابِهِ أعْطاهُ وأنْشَدَ ذُو النُّونِ: إذا ارْتَحَلَ الكِرامُ إلَيْكَ يَوْمًا ∗∗∗ لِيَلْتَمِسُوكَ حالًا بَعْدَ حالِ فَإنَّ رِحالَنا حَطَّتْ رِضاءً ∗∗∗ بِحُكْمِكَ عَنْ حُلُولٍ وارْتِحالِ فَسُسْنا كَيْفَ شِئْتَ ولا تَكِلْنا ∗∗∗ إلى تَدْبِيرِنا يا ذا المَعالِي وعَلى هَذا دَرَجَ العاشِقُونَ إذا اشْتَدَّ بِهِمُ الحالُ فَزِعُوا إلى المَلِكِ المُتَعالِ ومِن ذَلِكَ: إلى اللَّهِ أشْكُو ما لَقِيتُ مِنَ الهَجْرِ ∗∗∗ ومِن كَثْرَةِ البَلْوى ومِن ألَمِ الصَّبْرِ ومِن حَرْقٍ بَيْنَ الجَوانِحِ والحَشا ∗∗∗ كَجَمْرِ الغَضا بَلْ أحَرُّ مِنَ الجَمْرِ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما رَفَعَ قِصَّةَ شَكْواهُ إلى عالِمِ سِرِّهِ ونَجْواهُ اسْتِرْواحًا مِمّا يَجِدُهُ بِتِلْكَ المُناجاةِ كَما قِيلَ: إذا ما تَمَنّى النّاسُ رَوْحًا وراحَةً ∗∗∗ تَمَنَّيْتُ أنْ أشْكُوَ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ ﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَنَسَّمَ نَسائِمَ الفَرَجِ بَعْدَ أنْ رَفَعَ الأمْرُ إلى مَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ ذَلِكَ: ﴿ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ مِن رَحْمَتِهِ بِإرْجاعِهِما إلَيَّ أوْ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى بِتَوْفِيقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَفْعِ خَجالَتِكم إذا وجَدْتُمُوهُ ﴿ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ أرادُوا ضُرَّ المَجاعَةِ ولَوْ أنَّهم عَلِمُوا وأنْصَفُوا لَقَصَدُوا ضُرَّ فِراقِكَ فَإنَّهُ قَدْ أضَرَّ بِأبِيهِمْ وبِهِمْ وبِأهْلِهِمْ لَوْ يَعْلَمُونَ.
كَفى حُزْنًا بِالوالِهِ الصَّبِّ أنْ يَرى ∗∗∗ مَنازِلَ مَن يَهْوى مُعَطَّلَةً قَفْرا واعْلَمْ أنَّ فِيما قالَهُ إخْوَةُ يُوسُفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هُنا إلى المُتَصَدِّقِينَ تَعْلِيمَ آدابِ الدُّعاءِ والرُّجُوعَ إلى الأكابِرِ ومُخاطَبَةَ السّاداتِ فَمَن لَمْ يَرْجِعْ إلى بابِ سَيِّدِهِ بِالذِّلَّةِ والِافْتِقارِ وتَذْلِيلِ النَّفْسِ وتَصْغِيرِ ما يَبْدُو مِنها ويَرَ أنَّ ما مِن سَيِّدِهِ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الصُّدْفَةِ والفَضْلِ لا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ كانَ مُبْعَدًا مَطْرُودًا ويَنْبَغِي لِعُشّاقِ جَمالِ القِدَمِ إذا دَخَلُوا الحَضْرَةَ أنْ يَقُولُوا: يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا مِن ضُرِّ فِراقِكَ والبُعْدِ عَنْ ساحَةِ وِصالِكَ ما لا يَحْتَمِلُهُ الصُّمُّ الصِّلابُ.
خَلِيلَيَّ ما ألْقاهُ في الحُبِّ إنْ يَدُمْ ∗∗∗ عَلى صَخْرَةٍ صَمّاءَ يَنْفَلِقِ الصَّخْرُ ويَقُولُوا: ( جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) مِن أعْمالٍ مَعْلُولَةٍ وأفْعالٍ مَغْشُوشَةٍ ومَعْرِفَةٍ قَلِيلَةٍ لَمْ تُحِطْ بِذَرَّةٍ مِن أنْوارِ عَظَمَتِكَ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَمالِ عِزَّتِكَ وجَلالِ صَمَدِيَّتِكَ ﴿ فَأوْفِ لَنا ﴾ كَيْلَ قُرْبِكَ مِن بَيادِرِ جُودِكَ وفَضْلِكَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِنِعَمِ مُشاهَدَتِكَ فَإنَّهُ إذا عُومِلَ المَخْلُوقُ بِما عُومِلَ فَمُعامَلَةُ الخالِقِ بِذَلِكَ أوْلى ﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ خاطَبُوهُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ بِخِطابِ المَوَدَّةِ لا بِخِطابِ التَّكَلُّفِ وفِيهِ مِن حُسْنِ الظَّنِّ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فِيهِ.
إذا صَفَتِ المَوَدَّةُ بَيْنَ قَوْمٍ ∗∗∗ ودامَ ولاؤُهم سَمِجَ الثَّناءُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا عَرَفُوهُ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الهَيْبَةُ وهاجَتِ الحَمِيَّةُ فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ عَلى النَّمَطِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي ﴾ جَوابٌ لَهم لَكِنَّ زِيادَةً ﴿ وهَذا أخِي ﴾ قِيلَ: لِتَهْوِينِ حالِ بَدِيهَةِ الخَجَلِ وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أُخُوَّتَهم لا تُعَدُّ أُخُوَّةً لِأنَّ الأُخُوَّةَ الصَّحِيحَةَ ما لَمْ يَكُنْ فِيها جَفاءٌ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى اعْتِرافَهم واعْتِذارَهم قالَ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ وهَذا مِن شَرائِطِ الكَرَمِ فالكَرِيمُ إذا قَدَرَ عَفا.
والعُذْرُ عِنْدَ كِرامِ النّاسِ مَقْبُولُ وقالَ شاهٌ الكَرْمانِيُّ: مَن نَظَرَ إلى الخَلْقِ بِعَيْنِ الحَقِّ لَمْ يَعْبَأْ بِمُخالَفَتِهِمْ ومَن نَظَرَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ أفْنى أيّامَهُ بِمُخاصَمَتِهِمْ ألا تَرى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ مَجارِيَ القَضاءِ كَيْفَ عَذَرَ إخْوَتَهُ ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ لَمّا عَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أباهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَحْتَمِلُ الوِصالَ الكُلِّيَّ بِالبَدِيهَةِ جَعَلَ وِصالَهُ بِالتَّدْرِيجِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ بِقَمِيصِهِ ولَمّا كانَ مَبْدَأُ الهَمِّ الَّذِي أصابَهُ مِنَ القَمِيصِ الَّذِي جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ عَيَّنَ هَذا القَمِيصُ مَبْدَأً لِلسُّرُورِ دُونَ غَيْرِهِ مِن آثارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُدْخِلَ عَلَيْهِ السُّرُورَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ مِنها ﴿ وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ ﴾ كانَ كَرَمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي أنْ يَسِيرَ بِنَفْسِهِ إلى أبِيهِ ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَفْعَلْ لِعِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى أبِيهِ لِكَثْرَةِ مَن يَسِيرُ مَعَهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يَسِيرَ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ أوْ لِأنَّ في ذَلِكَ تَعَطُّلَ أمْرِ العامَّةِ ولَيْسَ هُناكَ مَن يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ أُخْرى وقِيلَ: إنَّ المَعْشُوقِيَّةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ ومَن رَأى مَعْشُوقًا رَحِيمًا بِعاشِقِهِ وفِيهِ ما لا يَخْفى ﴿ ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ يُقالُ: إنَّ رِيحَ الصَّبا سَألَتِ اللَّهَ تَعالى فَقالَتْ: يا رَبِّ خُصَّنِي أنْ أُبَشِّرَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِابْنِهِ فَأذِنَ لَها بِذَلِكَ فَحَمَلَتْ نَشْرَهُ إلى مَشامِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ ساجِدًا فَرَفَعَ رَأسَهُ وقالَ ذَلِكَ وكَأنَّ لِسانُ حالِهِ يَقُولُ: أيا جَبَلَيْ نُعْمانَ بِاللَّهِ خَلِّيا ∗∗∗ نَسِيمَ الصَّبا يَخْلُصْ إلى نَسِيمِها أجِدْ بَرْدَها أوْ تَشِفَّ مِنِّي حَرارَةٌ ∗∗∗ عَلى كَبِدٍ لَمْ يَبْقَ إلّا صَمِيمُها فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَسَّمَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها وهَكَذا عُشّاقُ الحَضْرَةِ لا يَزالُونَ يَتَعَرَّضُونَ لِنَفَحاتِ رِيحِ وِصالِ الأزَلِ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ الرَّحْمَنِ» ويُقالُ: المُؤْمِنُ المُتَحَقِّقُ يَجِدُ نَسِيمَ الإيمانِ في قَلْبِهِ ورُوحَ المَعْرِفَةِ السّابِقَةِ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في سِرِّهِ وإنَّما وجَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الرِّيحَ حَيْثُ بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ ودَنَتْ أيّامُ الوِصالِ وحانَ تَصَرَّمُ أيّامِ الهَجْرِ والبِلْبالِ وإلّا فَلِمَ لَمْ يَجِدْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ يُوسُفُ في الجُبِّ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ إلّا سُوَيْعَةٌ مِن نَهارٍ وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الأُمُورَ مَرْهُونَةٌ بِأوْقاتِها وعَلى هَذا كُشُوفاتُ الأوْلِياءِ فَإنَّهم آوِنَةٌ يُكْشَفُ لَهم عَلى ما قِيلَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وأُخْرى لا يَعْرِفُونَ ما تَحْتَ أقْدامِهِمْ ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ العاشِقَ الهائِمَ المُنْتَظَرَ لِقاءَ الحَقِّ سُبْحانَهُ إذا ذَهَبَتْ عَيْناهُ مِن طُولِ البُكاءِ يَجِيءُ إلَيْهِ بَشِيرُ تَجَلِّيهِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ قَمِيصَ أُنْسِهِ في حَضَراتِ قَدُسِهِ فَيَرْتَدُّ بَصِيرًا بِشَمِّ ذَلِكَ فَهُنالِكَ يَرى الحَقَّ بِالحَقِّ ويَنْجَلِي الغَيْنُ عَنِ العَيْنِ ويُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ارْتَدَّ بَصِيرًا حِينَ وضَعَ القَمِيصَ عَلى وجْهِهِ لِأنَّهُ وجَدَ لَذَّةَ نَفْحَةِ الحَقِّ تَعالى مِنهُ حَيْثُ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَحَلَّ تَجَلِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ وكانَ القَمِيصُ مُعَبَّقًا بِرِيحِ جِنانِ قُدُسِهِ فَعادَ لِذَلِكَ نُورُ بَصَرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَجارِيهِ فَأبْصَرُ ﴿ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وعَدَهم إلى أنْ يَتَعَرَّفَ مِنهم صِدْقَ التَّوْبَةِ أوْ حَتّى يَسْتَأْذِنَ رَبَّهُ تَعالى في الِاسْتِغْفارِ لَهم فَيَأْذَنَ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَكُونَ مَرْدُودًا فِيهِ كَما رُدَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ولَدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ وقالَ بَعْضُهم: وعَدَهُمُ الِاسْتِغْفارَ لِأنَّهُ لَمْ يَفْرَغْ بَعْدُ مِنَ اسْتِبْشارِهِ إلى اسْتِغْفارِهِ وقِيلَ: إنَّما أسْرَعَ يُوسُفُ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم ووَعَدَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ يَعْقُوبَ كانَ أشَدَّ حُبًّا لَهم فَعاتَبَهم بِالتَّأْخِيرِ ويُوسُفَ لَمْ يَرَهم أهْلًا لِلْعِتابِ فَتَجاوَزَ عَنْهم مِن أوَّلِ وهْلَةٍ أوِ اكْتَفى بِما أصابَهم مِنَ الخَجَلِ وكانَ خَجَلُهم مِنهُ أقْوى مِن خَجَلِهِمْ مِن أبِيهِمْ وفي المَثَلِ كَفى لِلْمُقَصِّرِ حَياءً يَوْمَ اللِّقاءِ ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ ﴾ لِأنَّهُما ذاقا طَعْمَ مَرارَةِ الفِراقِ فَخَصَّهُما مِن بَيْنِهِمْ بِمَزِيدِ الدُّنُوِّ يَوْمَ التَّلاقِي ومِن هُنا يَتَبَيَّنُ أيْنَ مَنازِلُ العاشِقِينَ يَوْمَ الوِصالِ ﴿ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ حَيْثُ بانَ لَهم أنْواعُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعايَنُوا ما عايَنَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ وقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ وما هو إذْ ذاكَ إلّا كَعْبَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فِيها آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِنَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾ مُفَوِّضًا إلَيْكَ شَأْنِيَ كُلَّهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لِي رُجُوعٌ إلى نَفْسِي ولا إلى سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ بِمَن أصْلَحْتَهم لِحَضْرَتِكَ وأسْقَطْتَ عَنْهم سِماتِ الخَلْقِ وأزَلْتَ عَنْهم رَعُوناتِ الطَّبْعِ ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّناءَ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الأدَبِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: مَنِ التَفَتَ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُشْرِكٌ وقالَ قائِلُهم: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ بَيانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وعِلْمٌ لا مُعارَضَةَ لِلنَّفْسِ والشَّيْطانِ فِيهِ ﴿ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ البَصِيرَةَ أعْلى مِنَ النُّورِ لِأنَّها لا تَصِحُّ لِأحَدٍ وهو رَقِيقُ المَيْلِ إلى السُّوى وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عارِفًا بِطَرِيقِ الإيصالِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِما يَجِبُ لَهُ تَعالى وما يَجُوزُ وما يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ والدُّعاةُ إلى اللَّهِ تَعالى اليَوْمَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَصَّبُوا أنْفُسَهم إلى الإرْشادِ بِزَعْمِهِمْ أجْهَلَ مِن حِمارِ الحَكِيمِ تُوما وهم لَعَمْرِي في ضَلالَةٍ مُدْلَهِمَّةٍ ومَهامِهَ يَحارُ فِيها الخِرِّيتُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ﴾ وهم ذَوُو الأحْوالِ مِنَ العارِفِينَ والعاشِقِينَ والصّابِرِينَ والصّادِقِينَ وغَيْرِهِمْ وفِيها أيْضًا عِبْرَةٌ لِلْمُلُوكِ في بَسْطِ العَدْلِ كَما فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأهْلِ التَّقْوى في تَرْكِ ما تُراوِدُهُمُ النَّفْسُ الشَّهْوانِيَّةُ عَلَيْهِ ولِلْمَمالِيكِ في حِفْظِ حَرَمِ السّادَةِ ولا أحَدَ أغَيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ولِلْقادِرِينَ في العَفْوِ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ ولِغَيْرِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ ولَكِنْ أيْنَ المُعْتَبِرُونَ أشْباحٌ ولا أرْواحَ ودِيارٌ ولا دِيارَ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ هَذا.
وقَدْ أوَّلَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم يُوسُفَ بِالقَلْبِ المُسْتَعِدِّ الَّذِي هو في غايَةِ الحُسْنِ ويَعْقُوبَ بِالعَقْلِ والإخْوَةَ بَنِيَ العِلّاتِ بِالحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ والخَمْسِ الباطِنَةِ والقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ وبِنْيامِينَ بِالقُوَّةِ العاقِلَةِ العَمَلِيَّةِ وراحِيلَ أُمَّ يُوسُفَ اللَّوّامَةَ ولِيا بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ والجُبَّ بِعَقْرِ الطَّبِيعَةِ البَدَنِيَّةِ والقَمِيصَ الَّذِي ألْبَسَهُ يُوسُفَ في الجُبِّ بِصِفَةِ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ والنُّورَ الفِطْرِيَّ والذِّئْبَ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ والدَّمَ الكَذِبَ بِأثَرِها وابْيِضاضَ عَيْنِ يَعْقُوبَ بِكَلالِ البَصِيرَةِ وفِقْدانَ نُورِ العَقْلِ وشِراؤُهُ مِن عَزِيزِ مِصْرَ بِثَمَنِ بَخْسٍ بِتَسْلِيمِ الطَّبِيعَةِ لَهُ إلى عَزِيزِ الرُّوحِ الَّذِي في مِصْرَ مَدِينَةِ القُدُسِ بِما يَحْصُلُ لِلْقُوَّةِ الفِكْرِيَّةِ مِنَ المَعانِي الفائِضَةِ عَلَيْها مِنَ الرُّوحِ وامْرَأةَ العَزِيزِ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ وقَدَّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ بِخَرْقِها لِباسَ الصِّفَةِ النُّورِيَّةِ الَّتِي هي مِن قِبَلِ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ووَجَدَ أنَّ السَّيِّدَ بِالبابِ بِظُهُورِ نُورِ الرُّوحِ عِنْدَ إقْبالِ القَلْبِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ تَذَكُّرِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ ووِرْدِ الوارِدِ القُدُسِيِّ عَلَيْهِ والشّاهِدِ بِالفِكْرِ الَّذِي هو ابْنُ عَمِّ امْرَأةِ العَزِيزِ أوْ بِالطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ الَّذِي هو ابْنُ خالَتِها والصّاحِبَيْنِ بِقُوَّةِ المَحَبَّةِ الرُّوحِيَّةِ وبِهَوى النَّفْسِ والخَمْرِ بِخَمْرِ العِشْقِ والخَبْزِ.
بِاللَّذّاتِ والطَّيْرَ بِطَيْرِ القُوى الجُسْمانِيَّةِ والمُلْكَ بِالعَقْلِ الفَعّالِ والبَقَراتِ بِمَراتِبِ النَّفْسِ والسِّقايَةَ بِقُوَّةِ الإدْراكِ والمُؤَذِّنَ بِالوَهْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وطَبَّقَ القِصَّةَ عَلى ما ذَكَرَ وتَكَلَّفَ لَهُ أشَدَّ تَكَلُّفٍ وما أغْناهُ عَنْ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.
قوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ يعني: في قصة يوسف وإخوته عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: لذوي العقول.
يعني: عجيبة لمن له عقل، لكيلا يحسد أحد أحداً.
ويقال: لمن أراد أن يعتبر بيوسف، ويقتدي به، ولا يكافئ أحداً بسيئة.
ويقال: عِبْرَةٌ يعني: دلالة لنبوة محمد لمن أراد أن يؤمن به مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى يعني: مثل هذا الكلام لا يكون اختلاقاً وكذباً وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب التوراة والإنجيل وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يعني: بيان الحلال والحرام وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً يعني: رحمة من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون بتوحيد الله تعالى، وبمحمد ، وبالقرآن والله أعلم.
عليه السلام: «الرّياء الشّرك الأصغر» «١» .
وقوله سبحانه: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ ...
الآية: إِشارةٌ إِلى دَعْوة الإِسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زَيْد: المعنى هذا أمري وسُنَّتي ومِنْهاجي «٢» وال بَصِيرَةٍ: اسم لمعتقد الإِنسان في الأمْر من الحقِّ واليقين.
وقوله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي: يحتمل أنْ يكون «أَنا» تأكيداً للضمير المستكنّ في «أدعو» و «مَنْ» معطوفٌ عليه وذلك بأنْ تكون الأمَّة كلُّها أُمَرَتْ بالمعروف داعية إِلى اللَّه الكَفَرَةَ والعُصَاة.
قال ص: ويجوزُ أنْ يكون «أَنا» مبتدأ، و «على بصيرة» خَبرٌ مقدَّم، و «مَنْ» معطوفٌ عليه انتهى، وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيهٌ للَّه، أي: وقل: سبحانَ اللَّهِ متبرِّياً من الشِّرْك.
وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ...
الآية: تتضمَّن الردَّ على من استغرب إِرسَالَ الرُّسُل من البشر، والْقُرى: المُدُن.
قال الحسن: لم يَبْعَثِ اللَّه رسولاً قطُّ من أهْل البادية «٣» .
قال ع «٤» : والتَّبَدِّي مَكْرُوه إِلا في الفتْنَة، وحين يُفَرُّ بالدين، ولا يعترضُ هذا بِبُدُوِّ يعقوب لأن ذلك البُدُوَّ لم يكُنْ في أهْل عمودٍ، بل هو بتَقَرٍّ، وفي منازلَ ورَبوع وأيضاً إِنما جعله بُدُواً بالإِضافة إِلى مصْر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى
الحواضر، ثم أحال سبحانه على الاعتبار في الأمم السالفة، ثم حَضَّ سبحانه على الآخرة، والاستعداد لها بقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ...
الآية.
قال ص: وَلَدارُ الْآخِرَةِ: خرَّجه الكوفيُّون على أنَّه من إِضافة الموصُوفِ لصفته، وأصله: «ولَلدَّارُ الآخرة» ، والبصريّون على أنه عن حَذْف الموصوف، وإِقامة صفته مُقَامَهُ، وأصله: «ولَدَارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أو النَّشْأَةِ الآخِرَةِ» .
انتهى.
ويتضمَّن قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أن الرسلَ الذين بعثهم اللَّهُ مِنْ أهْل القُرَى، دَعَوْا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى نزلَتْ بهم المَثُلاَتُ، فصاروا في حَيِّز مَنْ يُعْتَبَرُ بعاقبته، فلهذا المضمَّن حَسُنَ أَنْ تدخل «حتى» في قوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ.
وقرأ نافع وابن كثير «١» وأبو عمرو وابن عامر: «وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» /- بتشديد الذال-، وقرأ الباقون: «كُذِبُوا» - بضم الكاف، وكسْر الذال المخفَّفة، فأما الأولى، فمعناها أنَّ الرسل ظَنُّوا أن أممهم قَدْ كَذَّبتهم، و «الظَّنُّ» هنا: يحتملُ أنْ يكون بمعنى اليَقِينِ، ويحتمل أنْ يكون الظَّنُّ على بابه، ومعنى القراءة الثانية على المشهور من قول ابن عباس وابنِ جُبَيْر: أي: حتَّى إِذا استيأس الرسُلُ من إِيمان قومِهِم «٢» ، وظَنَّ المُرْسَلُ إِليهم أَنَّ الرسُلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما ادعوه من النبوَّة، أو فيما توعَّدوهم به من العذاب، لما طال الإِمهال، واتصلت العافيةُ، جاءهم نَصْرنا.
وأسند الطبريُّ «٣» أنَّ مسلم بن يَسَارٍ، قال لسعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، آيةٌ بلغت منّي كلّ مبلغ: «حتّى إذا استيأس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ» فهذا هو الموت أَنْ تظنَّ الرسُلُ أنهم قد كُذِبوا- مخفَّفة-، فقال له ابن جُبَيْر: يا أبا عبد الرحمن، إِنما يَئِسَ الرسُلُ مِنْ قومِهِم أنْ يجيبوهم، وظَنَ قومهم أن الرسل قد كذبتهم، فقام مسلم إلى سعيد،
فاعتنقه، وقال: فَرَّجْتَ عني، فَرَّجَ اللَّهُ عنك «١» .
قال ع «٢» : فرضِيَ اللَّهَ عَنْهم، كيف كَانَ خُلُقُهُمْ في العِلْمِ، وقال بهذا التأويل جماعةٌ، وهو الصَّواب، وأما تأويلُ مَنْ قال: إِن المعنى: وظَنُّوا أنهم قد كَذَبَهُمْ مَنْ أخبرهم عن اللَّه، فغير صحيحٍ، ولا يجوزُ هذا على الرسُلِ، وأين العَصْمة والعِلْم.
ت: قال عِيَاضٌ: فإِن قيل: فما معنَى قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا على قراءة التخفيف؟
قُلْنَا: المعنى في ذلك ما قَالَتْهُ عائشةُ رضي اللَّه عنها مَعَاذَ اللَّهِ أنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ، لَمَّا استيأسُوا، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ وعدهم النصْرَ مِنْ أتباعهم، كَذَبُوهم «٣» وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، وقيل: الضمير في «ظَنُّوا» عائدٌ على الأتباع والأممِ، لا على الأنبياء والرسل وهو قول ابن عباس والنَّخَعِيِّ وابنِ جُبَيْر «٤» وجماعةٍ، وبهذا المعنى قرأ مجاهدٌ: «كَذَبُوا» بالفَتْح، فلا تَشْغَلْ بالك مِنْ شَاذِّ التفسير بسواه ممَّا لا يليقُ بمَنْصِب العلماء، فكَيْفَ بالأنبياء، انتهى من «الشفا» .
وقوله سبحانه: جاءَهُمْ نَصْرُنا: أي: بتعذيب أممهم الكافرة.
فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ: أي: من أتباع الرسلِ.
وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ: أي: الكافرين، و «البَأْسُ» : العذاب.
وقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ: أي: في قصص يوسُفَ وإِخوته وسائِرِ الرسلِ الذين ذُكِرُوا على الجملة، ولَمَّا كان ذلك كلُّه في القرآن، قال عنه: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ التوراةُ والإِنجيلُ، وباقي الآية بيِّن واضحٌ.
ت: كنت في وَقْتٍ أَنْظُرُ في «السيرة» لابْنِ هِشامٍ، وأتأمَّل في خُطْبة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهي أوَّلُ خُطْبة خَطَبَها بالمَدِينَةِ، فإِذا هاتف يقولُ: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وقد كانَ حصل في القلب عبرة في أمره صلّى الله عليه وسلّم وأفاضِل أصحابه، رضي اللَّه عنهم أجمعين، وسلك بنا مَنَاهِجَهُمُ المَرْضيَّة، والحمد للَّه، وسَلاَمٌ على عباده الذين اصطفى/ وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ ﴾ أيْ: في خَبَرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، ورَوى عَبْدُ الوارِثِ كَسْرَ القافِ، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وأبِي الجَوْزاءِ.
" عِبْرَةٌ " أيْ: عِظَةٌ " لِأُولِي الألْبابِ " أيْ: لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما جَرى لِيُوسُفَ مِن إعْزازِهِ وتَمْلِيكِهِ بَعْدَ اسْتِعْبادِهِ، فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، قادِرٌ عَلى إعْزازِ مُحَمَّدٍ وتَعْلِيَةِ كَلِمَتِهِ.
والثّانِي: أنَّ مَن تَفَكَّرَ، عَلِمَ أنَّ مُحَمَّدًا مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى مُوافَقَةِ ما في التَّوْراةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ : ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ " وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ " يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ ﴿ وَهُدًى ﴾ بَيانًا ﴿ وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ .
وعَلى القَوْلِ الثّانِي وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ مِن نَبَإ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "قَصَصِهِمْ" عامٌّ لِيُوسُفَ وأبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ وسائِرِ الرُسُلِ الَّذِينَ ذُكِرُوا عَلى الجُمْلَةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ في القُرْآنِ قالَ عنهُ: ﴿ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴾ ، فَإذا تُأُمِّلَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ ظَهَرَ أنَّ في غَرائِبِها، وامْتِحانِ اللهِ فِيها لِقَوْمٍ في مَواضِعَ، ولُطْفِهِ لِقَوْمٍ في مَواضِعَ، وإحْسانِهِ لِقَوْمٍ في مَواضِعَ -مُعْتَبَرًا لِمَن لَهُ لُبٌّ وأجادَ النَظَرَ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ كُلَّ أمْرٍ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: "ما كانَ" صِيغَةُ مَنعٍ، وقَرِينَةُ الحالِ تَقْتَضِي أنَّ البُرْهانَ يَقُومُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُفْتَرى، وذَلِكَ بِأدِلَّةِ النُبُوَّةِ وأدِلَّةِ الإعْجازِ.
وَ"الحَدِيثُ" هُنا واحِدُ الأحادِيثِ، ولَيْسَ لِلَّذِي هو خِلافُ القَدِيمِ هاهُنا مَدْخَلٌ.
ونُصِبَ "تَصْدِيقَ" إمّا عَلى إضْمارِ مَعْنى كانَ، وإمّا عَلى أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" بِمَعْنى "لَكِنَّ" المُشَدَّدَةِ.
وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "تَصْدِيقُ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ كَلَّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ، التَقْدِيرُ: "هُوَ تَصْدِيقُ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ: النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: "وَلَكِنْ كانَ"، والرَفْعُ عَلى تَقْدِيرِ: "وَلَكِنَّ هُوَ"، ويُنْشَدُ بَيْتُ ذِي الرُمَّةِ بِالوَجْهَيْنِ: وما كانَ مالِي مِن تُراثٍ ورِثْتُهُ ∗∗∗ ولا دِيَةً كانَتْ ولا كَسْبَ مَأْثَمِ ولَكِنْ عَطاءُ اللهِ مِن كُلِّ رِحْلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَحْجُوبِ السُرادِقِ خِضْرَمِ رَفَعَ "عَطاءُ اللهِ"، والنَصْبُ أجْوَدُ.
و ﴿ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ هو التَوْراةُ والإنْجِيلُ، والضَمِيرُ في "يَدَيْهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وهو اسْمُ "كانَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والحَلالِ والحَرامِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
تَمَّ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَلاةُ والسَلامُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
هذا من رد العجز على الصدر فهي مرتبطة بجملة ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ [سورة يوسف: 102] وهي تتنزّل منها منزلة البيان لما تضمنه معنى الإشارة في قوله: ذلك من أنباء الغيب } من التعجيب، وما تضمنه معنى ﴿ وما كنتَ لديهم ﴾ من الاستدلال على أنه وحي من الله مع دلالة الأمية.
وهي أيضاً تتنزل منزلة التذييل للجمل المستطرد بها لقصد الاعتبار بالقصة ابتداء من قوله: ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾ [يوسف: 103].
فلها مواقع ثلاثة عجيبة من النظم المعجز.
وتأكيد الجملة ب (قد) واللام للتحقيق.
وأولو الألباب: أصحاب العقول.
وتقدم في قوله: ﴿ واتقون يا أولي الألباب ﴾ في أواسط سورة البقرة (197).
والعِبرة: اسم مصدر للاعتبار، وهو التوصل بمعرفة المشاهد المعلوم إلى معرفة الغائب وتطلق العِبرة على ما يحصل به الاعتبار المذكور من إطلاق المصدر على المفعول كما هنا.
ومعنى كون العبرة في قصصهم أنها مظروفة فيه ظرفية مجازية، وهي ظرفية المدلول في الدليل فهي قارة في قصصهم سواء اعتَبر بها من وُفّق للاعتبار أم لم يعتبر لها بعضُ الناس.
وجملة ما كان حديثا يفترى } إلى آخرها تعليل لجملة ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة ﴾ أي لأن ذلك القصص خبر صدق مطابق للواقع وما هو بقصة مخترعة.
ووجه التعليل أن الاعتبار بالقصة لا يحصل إلا إذا كانت خبراً عن أمر وقع، لأن ترتب الآثار على الواقعات رتّب طبيعي فمِن شأنها أن تترتب أمثالُها على أمثالها كلما حصلت في الواقع، ولأن حصولها ممكن إذ الخارج لا يقع فيه المحال ولا النادر وذلك بخلاف القصص الموضوعة بالخيال والتكاذيب فإنها لا يحصل بها اعتبار لاستبعاد السامع وقوعها لأن أمثالها لا يُعهد، مثل مبالغات الخرافات وأحاديث الجن والغُول عند العرب وقصة رستم وأسفنديار عند العجم، فالسامع يتلقاها تلقي الفكاهات والخيالات اللذيذة ولا يتهيأ للاعتبار بها إلاّ على سبيل الفرص والاحتمال وذلك لا تحتفظ به النفوس.
وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في أول السورة ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ [يوسف: 3] فكما سماه الله أحسن القصص في أول السورة نفى عنه الافتراء في هذه الآية تعريضاً بالنضر بن الحارث وأضرابه.
والافتراء تقدم في قوله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة العقود (103).
والذي بين يديه } : الكتب الإلهية السابقة.
وضمير بين ﴿ يديه ﴾ عائد إلى القرآن الذي من جملته هذه القصص.
والتفصيل: التبيين.
والمراد ب ﴿ كل شيء ﴾ الأشياء الكثيرة مما يرجع إلى الاعتبار بالقصص.
وإطلاق الكل على الكثرة مضى عند قوله تعالى: ﴿ وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ﴾ في سورة الأنعام (31).
والهُدى الذي في القصص: العبر الباعثة على الإيمان والتقوى بمشاهدة ما جاء من الأدلة في أثناء القصص على أن المتصرف هو الله تعالى، وعلى أن التقوى هي أساس الخير في الدنيا والآخرة، وكذلك الرحمة فإن في قصص أهل الفضل دلالة على رحمة الله لهم وعنايته بهم، وذلك رحمة للمؤمنين لأنهم باعتبارهم بها يأتون ويذرون، فتصلح أحوالهم ويكونون في اطمئنان بال، وذلك رحمة من الله بهم في حياتهم وسببٌ لرحمته إياهم في الآخرة كما قال تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [النحل: 97].
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ﴾ يَعْنِي في قَصَصِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ اعْتِبارٌ لِذَوِي العُقُولِ بِأنَّ مِن نَقْلِ يُوسُفَ مِنَ الجُبِّ والسِّجْنِ وعَنِ الذُّلِّ والرِّقِّ إلى أنْ جَعَلَهُ مَلِكًا مُطاعًا ونَبِيًّا مَبْعُوثًا، فَهو عَلى نَصْرِ رَسُولِهِ وإعْزازِ دِينِهِ وإهْلاكِ أعْدائِهِ قادِرٌ، وإنَّما الإمْهالُ إنْذارٌ وإعْذارٌ.
﴿ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴾ أنْ يَخْتَلِفَ ويُتَخَرَّصَ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ القُرْآنُ.
الثّانِي: يَعْنِي ولَكِنْ يُصَدِّقُهُ ما قَبْلَهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ القَصَصُ.
﴿ وَهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
تَمَّتْ سُورَةُ يُوسُفَ بِحَمْدِ اللَّهِ وعَوْنِهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة ﴾ قال: يوسف واخوته.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة ﴾ قال: معرفة ﴿ لأولي الألباب ﴾ قال: لذوي العقول.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ما كان حديثاً يفترى ﴾ والفرية، الكذب ﴿ ولكن تصديق الذي بين يديه ﴾ قال: القرآن، يصدق الكتب التي كانت قبله من كتب الله التي أنزلها قبله على أنبيائه، فالتوراة والإِنجيل والزبور، يصدق ذلك كله ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله ﴿ وتفصيل كل شيء ﴾ فصل الله به بين حرامه وحلاله، وطاعته ومعصيته.
وأخرج ابن السني والديلمي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عسر على المرأة ولادتها أخذ اناءٌ نظيفٌ وكُتِبَ عليه ﴿ كأنهم يوم يرون ما يوعدون...
﴾ [ الأحقاف: 35] إلى آخر الآية ﴿ وكأنهم يوم يرونها ﴾ [ النازعات: 46] إلى آخر الآية ﴿ ولقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب....
﴾ إلى آخر الآية، ثم تغسل وتسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفرجها» .
قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) وقال غيره (٣) ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ (٤) وقال أبو الهيثم (٥) ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .
قال أهل المعاني (٦) وقوله تعالى: ﴿ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ إن قيل: إن قوم محمد - - كانوا ذوي عقول وأحلام وفيهم من لم يعتبر بهذه القصص فلم عم الله تعالى أهل الألباب بالعبرة؟
قال أبو بكر بن الأنباري (٧) وقال غيره (٨) وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ﴾ أي: ما كان قصصهم حديثًا يتقوله بشر، على هذا دل كلام ابن عباس (٩) ﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، أي: من الكتب، أي: يصدق ما قبله من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، قاله ابن عباس (١٠) (١١) ونصب (تصديق) على تقدير: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، كقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ : قاله الفراء (١٢) (١٣) ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يحتاج إليه من أمور الدين من الحلال والحرام والحجاج والاعتبار، هذا إذا قلنا: ما كان القرآن، وإن قلنا: ما كان القصص، فالمعنى: وتفصيل كل شيء من نبأ يوسف وإخوته.
وهكذا فسر ابن عباس (١٤) ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من خبر يوسف وإخوته وأمورهم.
وعلى التفسيرين جميعًا: قوله ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من العام الذي أريد به الخاص كقوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يريد كل شيء يجوز أن يدخل فيها.
وقوله تعالى: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي: من كل شيء يجوز أن يؤتى مثلها.
وقوله تعالى: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ قال ابن عباس (١٥) -.
(١) "تنوير المقباس" ص 154، وانظر: الثعلبي 7/ 118 ب، والبغوي 4/ 287، و"زاد المسير" 4/ 297.
(٢) الطبري 16/ 312، وابن أبي حاتم 7/ 2213، وأبو الشيخ عن ابن عباس: معرفه، كما في "الدر" 4/ 87.
(٣) انظر "تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 3305 - 3306، و"اللسان" (عبر) 5/ 2783.
(٤) الحشر: 2، وفي جميع النسخ: يا أولي الألباب، وهو خطأ.
(٥) "تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 2305.
(٦) "زاد المسير" 4/ 297.
(٧) الرازي 18/ 228.
(٨) انظر: الطبري 13/ 90، و"البحر المحيط" 5/ 356.
(٩) "تنوير المقباس" ص 155.
(١٠) انظر: "زاد المسير" 4/ 297، البغوي 4/ 287، ابن كثير 2/ 546.
(١١) الطبري 13/ 90، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 78 عن قتادة، وابن أبي حاتم 7/ 2213 عن قتادة.
(١٢) "معاني القرآن" 2/ 56.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 133.
(١٤) "زاد المسير" 4/ 298، و"البحر المحيط" 5/ 356.
(١٥) "زاد المسير" 4/ 298، و"تنوير المقباس" ص 155
﴿ حتى إِذَا استيأس الرسل ﴾ متصل بالمعنى بقوله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً إلى قومه عاقبة الذين من قبلهم، ويأسهم: يحتمل أن يكون من إيمان قومهم أو من النصر، والأول أحسن ﴿ وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ قرئ بتشديد الذال وتخفيفها، فأما التشديد فالضمير في ظنوا وكذبوا للرسل، والظن يحتمل أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين: أي علم الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيئسوا من إيمانهم، وأما التخفيف، فالضميران فيه للقوم المرسل إليهم، أي ظنوا أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من الرسالة، أو من النصرة عليهم ﴿ فِي قَصَصِهِمْ ﴾ الضمير للرسل على الإطلاق، أو ليوسف وإخوته ﴿ مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ﴾ يعني القرآن ﴿ ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ تقدم معناه في البقرة.
القراءات: ﴿ سبيلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ نوحي ﴾ بالنون وكسر الحاء: حفص.
الآخرون بالياء وفتح الحاء ﴿ يعقلون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وابن كثير والأعشى والبرجمي.
والباقون بتاء الخطاب.
﴿ كذبوا ﴾ مخففاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويزيد.
الباقون بالتشديد.
﴿ فنجي ﴾ بضم النون وكسر الجيم المشددة وفتح الياء: ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب.
فعلى هذا يكون فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
وعن الكسائي مثل هذا ولكن بسكون الياء.
وخطأه علي بن عيسى بناء على أنه فعل مستقبل من الإنجاء والنون لا يدغم في الجيم، أو من التنجية والنون المتحركة لا تدغم في الساكن.
وأقول: إن كان فعلاً ماضياً من التنجية والنون المتحركة لا تدغم كما في القراءة الأولى ولكن سكن الياء للتخفيف لم يلزم منه خطأ.
الآخرون: قرأوا بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء فعلاً مضارعاً من الإنجاء على حكاية الحال الماضية.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ القرى ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ط رمن قرأ ﴿ فننجي ﴾ بالتخفيف ولا وقف على ﴿ من نشاء ﴾ ومن قرأ ﴿ فنجي ﴾ مشددة وصله بما قبله ووقف على ﴿ من نشاء ﴾ ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نبأ يوسف هو من أخبار الغيب وقد مر تفسير مثل هذا في آخر قصة زكريا في سورة آل عمران.
ومعنى إجماع الأمر العزم عليه كما مر في سورة يونس في قصة نوح.
وأراد عزمهم على إلقاء يوسف في البئر وهو المكر بعينه وذلك مع سائر الغوائل من المجيء على قميصه بدم كذب ومن شراهم إياه بثمن بخس.
قال أهل النظم: إن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله على سبيل التعنت، فاعتقد رسول الله أنه إذا ذكرها فربما أمنوا فلما ذكرها لهم أصروا على كفرهم فنزل: ﴿ وما أكثر الناس ﴾ أي أكثر خلق الله المكلفين أو أكثر أهل مكة قاله ابن عباس.
﴿ ولو حرصت ﴾ جوابه مثل ما تقدم أي ولو حرصت فما هم ﴿ بمؤمنين ﴾ والحرص طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد ونظير الآية قوله: ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ ﴿ وما تسألهم عليه ﴾ على ما تحدثهم به ﴿ من أجر ﴾ كما سأل القاص ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ عظة من الله ﴿ للعالمين ﴾ عامة على لسان رسوله.
﴿ وكأين من آية ﴾ الأكثرون على أنه لفظ مركب من كاف التشبيه وأيّ التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية.
والتمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلاً، والأكثر إدخال "من" في تمييزه وقد مر في سورة البقرة في تفسير قوله : ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ }.
{الآية: 164] وفي مواضع أخر تفصيل بعض الآيات السماوية والأرضية الدالة على توحيد الصانع وصفات جلاله.
ومن جلمة الآيات قصص الأوّلين وأحوال الأقدمين.
ومعنى ﴿ يمرون عليها ﴾ أشياء يشاهدونها ﴿ وهم عنها معرضون ﴾ لا يعتبرون بها.
وقرىء ﴿ والأرض ﴾ بالرفع على الابتداء خبره ﴿ يمرون ﴾ والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر.
والحاصل أن جملة العالم العلوي والعالم السفلي محتوية على الدلائل والبينات على وجود الصانع ونعوت كماله ولكن الغافل يتعامى عن ذلك.
﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ وذلك أنهم كانوا مقرين بإلاله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ لكنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية هو الأصنام ويقولون: هم الشفعاء.
وكان أهل مكة يقولون: الملائكة بنات الله.
وعن الحسن: هم أهل الكتاب يقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله.
وعن ابن عباس: هم الذين يشبهون الله بخلقه.
احتجت الكرامية بالآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار.
والجواب أن مجرد الإقرار لو كان كافياً لما اجتمع مع الشرك غاشية عقوبة تغشاهم وتغمرهم.
﴿ قل ﴾ يا محمد لهم ﴿ هذه ﴾ السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان ﴿ سبيلي ﴾ وسيرتي وقوله ﴿ أدعو إلى الله ﴾ تفسير لـ ﴿ سبيلي ﴾ و ﴿ على بصيرة ﴾ يتعلق بأدعوا و ﴿ أنا ﴾ تأكيد للمستتر في أدعو ﴿ ومن اتبعن ﴾ عطف عليه ويجوز أن يكون ﴿ على بصيرة ﴾ حالاً من أدعو عاملة في ﴿ أنا ومن اتبعن ﴾ ، ويجوز أن يكون ﴿ أنا ﴾ مبتدأ معطوفاً عليه و ﴿ من اتبعن ﴾ و ﴿ على بصيرة ﴾ خبراً مقدماً فيكون ابتداء إخبار بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى وتشهٍ ﴿ و ﴾ قل ﴿ سبحان الله ﴾ تنزيهاً له عما أشركوا ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ لا شركاً جلياً ولا شركاً خفياً.
قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ وفي "الأنبياء" ﴿ قبلك ﴾ بغير "من" لأن قبلاً اسم للزمان السابق على ما أضيف إليه و"من" تفيد استيعاب الطرفين، وفي هذه السورة أريد الاستيعاب.
قوله: ﴿ إلا رجالاً ﴾ ردّ على من زعم أن الرسول ينبغي أن يكون ملكاً أو يمكن أن يكون امرأة مثل سجاح المتنبئة.
وقوله: ﴿ من أهل القرى ﴾ خصهم بالاستنباء لما في أهل البادية في الغلظ والجفاء ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ قال : "من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل" ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة إنما قال: ﴿ أفلم يسيروا ﴾ بالفاء بخلاف ما في "الروم" والملائكة لاتصاله بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ فكان الفاء أنسب من الواو ﴿ ولدار الآخرة ﴾ موصوفه محذوف أي ولدار الساعة والحال الآخرة لأن للناس حالين: حال الدنيا وحال الآخرة.
وبيان الخيرية قد مر في "الأنعام".
وإنما خصت ههنا بالحذف لتقدم ذكر الساعة.
قال في الكشاف: حتى غاية لمحذوف دل عليه الكلام والتقدير فتراخى نصر أولئك الرجال حتى إذا استيأسوا عن النصر أو عن إيمان القوم ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ فيه وجوه لقراءتي التخفيف والتشديد ولإمكان عود الضمير في الفعلين إلى الرسل أو إلى المرسل إليهم الدال عليهم ذكر الرسل أو السابق ذكرهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ وأما وجوه التخفيف فمنها: وظن الرسل أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو كذب رجاؤهم لقولهم رجاء صادق وكاذب.
والمراد أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله قد تطاولت وتمادت حتى توهموا أن لا نصر لهم في الدنيا.
قال ابن عباس: ظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر.
قال: وكانوا بشراً ألا تراً إلى قوله: ﴿ وزلزلوا ﴾ والعلماء حملوا قول ابن عباس على ما يخطر بالبال شبه الوسواس وحديث النفس من عالم البشرية.
وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجانبين على الآخر فلا، لأن الرسل أعرف الناس بالله وبأن ميعاده مبرأ عن وصمة الأخلاف.
ومنها وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر.
ومنها وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليه ولم يصدقوهم فيه.
وأما قراءة التشديد فإن كان الظن بمعنى اليقين فمعناه أيقن الرسل أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر عنهم الإيمان بعد فحينئذ دعوا عليهم فهناك نزل عذاب الاستئصال، أو كذبوهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.
وإن كان بمعنى الحسبان فالمعنى توهم الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا تأويل عائشة قالت: ما وعد الله محمداً شيئاً إلا وعلم أنه سيوفيه، ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم.
﴿ لقد كان في قصصهم ﴾ قصص الرسل إضافة للمصدر إلى الفاعل، ويحسن أن يقال: الضمير لإخوة يوسف وله لاختصاص هذه السورة بهم.
والعبرة نوع من الاعتبار وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، ووجه الاعتبار على العموم أن يعلم أنه لا خير إلا في العمل الصالح والتزوّد بزاد التقوى فإن الملوك الذي عمروا البلاد وقهروا العباد ثم لم يراعوا حق الله في شيء من ذلك ماتوا وانقرضوا وبقي الوزر والوبال عليهم.
وعلى الخصوص أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب وإعلاء شأنه بعد حبسه في السجن واجتماعه بأهله بعد طول البعاد قادر على إظهار محمد وإعلاء كلمته.
والكل مشترك في الدلالة على صدق محمد لأن هذا النوع من القصص الذي أعجز حملة الأحاديث ورواة الأخبار ممن لم يطالع الكتب ولم يخالط العلماء دليل ظاهر وبرهان باهر على أنه بطريق الوحي والتنزيل، وإنما يكون دليلاً واعتباراً ﴿ لأولي الألباب ﴾ وأصحاب العقول الذين يتأملون ويتفكرون لا الذين يمرون ويعرضون على أن الدليل دليل في نفسه للعقلاء وإن لم ينظر فيه مستدل قط كما أن الرئيس الحقيقي من له أهلية الرياسة وإن كان في نهاية الخمول ﴿ ما كان ﴾ مدلول القصص وهو المقصوص أو القرآن ﴿ حديثاً يفترى ﴾ لظهور إعجازه ﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية ﴿ وتفصيل كل شيء ﴾ يحتاج إليه في الدين لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس.
وقيل: تفصيل كل شيء من واقعة يوسف مع أبيه وإخوته قال الواحدي: وعلى التفسيرين فهو ليس على عمومه لأن المراد به الأصول والقوانين وما يؤل إليها ﴿ وهدى ﴾ في الدنيا ﴿ ورحمه ﴾ في الآخرة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بذلك.
التأويل: ﴿ من أنباء الغيب ﴾ لأن هذا الترتيب في السلوك لا يعلمه إلا الوالجون ملكوت السماء الغوّاصون في بحر بطن القرآن ﴿ وما كنت لديهم ﴾ بالصورة ولكن كنت حاضراً بالمعنى ﴿ وما أكثر الناس ﴾ وهم صفات الناسوتية ﴿ وما تسألهم عليه من أجر ﴾ لأن اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية وإن دعتها إلى الاستكمال لأنها كاملة في ذاتها مكملة لغيرها ﴿ وكأين من آية ﴾ في سموات القلوب وأرض النفوس تمر الأوصاف الإنسانية عليها ﴿ وهم عنها معرضون ﴾ لإقبالها على الدنيا وشهواتها ﴿ وما يؤمن ﴾ أكثر الصفات الإنسانية بطلب الله وتبدل صفاته ﴿ إلا وهم مشركون ﴾ في طلب الدنيا وشهواتها، أو طلب الآخرة ونعمها، أو وما يؤمن أكثر الخلق بالله وطلبه إلا وهم مشركون برؤية الإيمان والطلب أنها منهم لا من الله، فكل من يرى السبب فهو مشرك، وكل من يرى المسبب فهو موحد كل شيء هالك في نظر الموحد إلا وجهه، أو وما يؤمن أكثر الناس بالله وبقدرته وإيجاده إلا وهم مشركون في طلب الحاجة من غير الله ﴿ غاشية ﴾ جذبة تقهر إرادتهم.
وتسلب اختيارهم كما قيل: العشق عذاب الله ﴿ أو تأتيهم الساعة ﴾ ساعة الانجذاب إلى الله ﴿ هذه سبيلي ﴾ لأن طريق السير والسلوك مختص به وبأمته ﴿ إلا رجالاً من أهل قرى ﴾ الملكوت دون مدن الملك والأجساد، والرجال من القرى ويشبه أن يعبر عن عالم الأرواح بالقرى لبساطتها.
والقرى أقل أجزاء من المدن ﴿ أفلم يسيروا في ﴾ أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة ليصلوا إلى فضاء عالم الحقيقة ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ ففي إبطاء النصر ابتلاء للرسل؛ الله حسبي ونعم الوكيل.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ ﴾ .
[قيل]: السبيل يؤنث ويذكّر.
ويحتمل: هذه الطاعة أو العبادة لله.
يحتمل قوله - -: ﴿ سَبِيلِيۤ ﴾ هذه التي أنا عليها، ويحتمل: هذه سبيلي التي أدعوكم إلى الله.
﴿ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي ﴾ .
البصيرة: العلم والبيان والحجة النيرة؛ أي هذه سبيلي التي أنا أدعوكم إليها؛ إنما أدعوكم على بصيرة؛ أي على علم وبيان وحجة قاطعة؛ وبرهان نير؛ ليس كسائر الأديان التي يدعى إليها على الهوى والشهوة بغير حجة ولا برهان؛ ﴿ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي ﴾ \[أي: ومن اتبعني\] - أيضاً - فإنما يدعوكم أيضاً على حجة وبرهان؛ إذ من يجيبني؛ فإنما يجيب على بصيرة وبيان وحجة.
﴿ وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
قيل: كأن هذا صلة قوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ سبحان الله: تنزيهاً لما قالوا؛ وتبرئة عما قالوا في الله بما لا يليق به.
﴿ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في ألوهيته وربوبية غيره؛ أو في عبادته.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .
ذكر رجالا - والله أعلم - أي: لم نبعث رسولا من قبل إلا بشراً؛ لم نبعث ملكاً ولا جنّاً؛ فكيف أنكرتم رسالة محمد بأنه بشر؛ ولم يروا رسولا من قبل ولا سمعوا إلا من البشر؛ كقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ وكقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ هذا والله أعلم.
﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ مثلك؛ بشراً لا ملكاً ولا جنّاً، أو ذكر رجالا؛ لأنه لم يبعث امرأة رسولا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ .
أي: إنما أرسل الرسل جملة من أهل الأمصار والمدن؛ لم يبعثوا من أهل البوادي وأهل البراري والقرى؛ إنما يريد الأمصار والبنيان، وقال الله - -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ قيل: هي مكة، جميع ما ذكر في القرآن من القرية والقرى؛ يريد به الأمصار والمدن؛ وإنما بعث الرسل والأنبياء من الأمصار؛ ولم يبعثهم من البوادي ومن أهل البراري - لوجهين - والله أعلم -: أحدهما: لأن لأهل الأمصار والمدن؛ اختلاطاً بأصناف الناس؛ وامتزاجاً بأنواع الخلق، ويكون لهم تجارب بالخلق؛ فهم أعقل وأحلم وأبصر من أهل البادية والبرية، إذ اختلاطهم وامتزاجهم إنما يكون بالماشية وأنواع البهائم؛ لذلك بعثوا من الأمصار دون البادية.
وبعدُ فإن الرسل يكون لهم أسباب وأعلام تتقدم عن وقت الرسالة تحتاج إلى أن يظهر ذلك للخلق؛ ليكون ذلك أسرع إلى الإجابة لهم؛ وأدعى وأنفذ إلى القبول، فإذا كانوا من أهل البوادي لا يظهر ذلك للخلق.
والثاني: أنه يراد من الرسالة إظهارها في الخلق؛ في الآفاق والأطراف والأمصار، والمدن هي الأمكنة التي ينتاب الناس إليها في التجارات وأنواع الحوائج من الآفاق والأطراف؛ فيظهر ذلك فيها.
وفي أهل الآفاق وأما أهل البوادي والبراري؛ ليس يدخلها ولا ينقلب إليها؛ إلا الشاذة من الناس؛ ولا يقضي فيها الحوائج؛ فلا يظهر في الخلق الرسالة وما يراد بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
أي: ألم ينظروا ويتفكروا؛ فيمن هلك من قبلهم من الأمم؛ بتكذيبهم الرسل أن كيف كان عاقبتهم بالتكذيب في الدنيا؛ ليمتنعوا عن تكذيب رسولهم.
وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية؛ يخرج على وجهين: أحدهما: أي قد ساروا ونظروا كيف كان عاقبة المكذبين؛ لكنهم عاندوا ولم يعتبروا.
والثاني: أي سيروا في الأرض؛ وانظروا، ولكن ليس على نفس السير في الأرض؛ ولكن على السؤال عما نزل بأولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ الشِّرك أو خِلافَ الله ورسوله.
﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أن ذلك أفضل وخير؛ [ممن لم يتق ذلك].
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ و ﴿ كُذِبُواْ ﴾ ؛ كلاهما لغتان، قال بعضهم: أيس الرسل عن إيمان قومهم وتصديقهم الرسل، ثم يحتمل استيئاسهم عن إيمانهم؛ لكثرة ما رأوا من اعتنادهم الآيات وتفريطهم في ردها؛ أيسوا عن إيمانهم، أو كان إياسهم بالخبر عن الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ...
﴾ الآية [هود: 36] وأمثاله.
وقوله: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ قال بعضهم: وظن الرسل أن أتباعهم الضعفة قد كذبوهم؛ لكن هذا إن كان من الرسل فهو ظن من الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ [لكثرة ما أصابهم من الشدائد، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، فوقع عند الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم وإن كان من الأعداء فقد استيقن الرسل أنهم كذبوهم].
وروي عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة؛ قال: فقلت: أرأيت قول الله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ أو ﴿ كُذِبُواْ ﴾ قال: فقالت: بل كذّبهم قومهم، قال: فقلت: [أرأيت قول الله ﴿ حَتَّىٰ ﴾ ] والله لقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم؛ وما هو بالظن؛ فقالت: يا عروة لقد استيقنوا بذلك، قال: قلت: فلعلهم ظنوا أن قد كُذِبوا، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها، [قال]: وما هذه الآية؟
قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم؛ وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر؛ حتى إذا استيئست الرسل ممن كذبهم من قومهم؛ وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم؛ جاءهم نصر الله عند ذلك.
وقال بعضهم: حتى إذا استيئس الرسل عن إيمان قومهم؛ وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما أوعدوا من العذاب أنه نازل بهم؛ لما أبطأ عليهم العذاب.
وقال بعضهم: وظنوا أنهم؛ أي ظن قومهم؛ أن رسلهم قد كذبوهم خبر السماء جاءهم نصرنا.
فإن كان الآية في أتباع الرسل؛ على ما ذكر بعضهم؛ فهو كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .
فإن كانت في غيرهم من المكذبين؛ فقد جاء الرسل نصر الله.
وقوله: ﴿ فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ ﴾ من المؤمنين؛ فهو في ظاهره خبر على المستقبل؛ أي: ينجي من يشاء من هؤلاء المؤمنين.
ويشبه أن يكون على الخبر في أولئك؛ فإن كان على هذا؛ فيجيء أن يكون نجينا من نشاء منهم؛ وأهلكنا من نشاء منهم، لكن يجوز هذا في اللغة، أو يكون في الآخرة ننجي من نشاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
أي لا يرد عذابنا إذا نزل عن المجرمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فِي قَصَصِهِمْ ﴾ قصة يوسف وإخوته وغيره؛ عبرة لأولي الألباب.
ويحتمل ﴿ قَصَصِهِمْ ﴾ : قصص الرسل والأمم السالفة جميعاً عبرة لأولى الألباب، والاعتبار إنما يكون لأولي الألباب؛ الذين ينتفعون بلبهم وعقلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ ﴾ .
يحتمل؛ أي: ما حديث محمد ؛ وما أخبر من القصص وأخبار الرسل والأمم السالفة؛ بالذي افتري؛ بل إنما أخبر ما كان في الكتب السالفة على غير تعلم منه ولا دراسة كتب.
ويحتمل: ما كان هذا القرآن بالذي يقدر أن يفترى.
﴿ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
أي: تصديق الذي نزل على رسول الله - الكتب التي كانت من قبل.
﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
أي تفصيل ما للناس حاجة إليه.
﴿ وَهُدًى ﴾ من الضلالة لمن اهتدى.
﴿ وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيما ذكر من قصة يوسف وإخوته على رسول الله دلالة التصبير على [أذى] قريش؛ يقول: إن إخوة يوسف - - مع موافقتهم إياه في الدين والنسب والموالاة - عملوا بيوسف ما عملوا من الكيد والمكر به؛ فقومك - مع مخالفتهم إياك في الدين - أحرى أن تصبر على أذاهم.
وبالله العصمة.
لقد كان في قصص الرسل وقصص أممهم، وفي قصة يوسف وإخوته موعظة يتعظ بها أصحاب العقول السليمة، ما كان القرآن المشتمل على ذلك كلامًا مختلقًا مكذوبًا على الله، ولكن كان تصديقًا للكتب السماوية المنزلة من عند الله، وتفصيلًا لكل ما يُحتاج إلى تفصيله من الأحكام والشرائع، وإرشادًا لكل خير، ورحمة لقوم يؤمنون به، فهم الذين ينتفعون بما فيه.
من فوائد الآيات من فضل الله تعالى أنه يُطْلع أنبياءه على بعض من أمور الغيب لغايات وحكم.
أن الداعية لا يملك تصريف قلوب العباد وحملها على الطاعات، وأن أكثر الخلق ليسوا من أهل الهداية.
ذم المعرضين عن آيات الله الكونية ودلائل توحيده المبثوثة في صفحات الكون.
شملت هذه الآية ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ .
ذكر بعض أركان الدعوة، ومنها: أ- وجود منهج: ﴿ ادْعُوَاْ إِلَى اللهِ ﴾ .
ب - ويقوم المنهج على العلم: ﴿ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾ .
ج - وجود داعية: ﴿ أَدْعُوا ﴾ ﴿ أَنَا ﴾ .
د - وجود مَدْعُوِّين: ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ .