الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٠٩ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٩ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء .
وهذا قول جمهور العلماء ، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة : أن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع .
وزعم بعضهم : أن سارة امرأة الخليل ، وأم موسى ، ومريم أم عيسى نبيات ، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب ، وبقوله : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) الآية .
[ القصص : 7 ] وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى - عليه السلام - وبقوله تعالى : ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) [ آل عمران : 42 ، 43 ] .
وهذا القدر حاصل لهن ، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك ، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف ، فهذا لا شك فيه ، ويبقى الكلام معه في أن هذا : هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا ؟
الذي عليه [ أئمة ] أهل السنة والجماعة ، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم : أنه ليس في النساء نبية ، وإنما فيهن صديقات ، كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) [ المائدة : 75 ] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية ، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام ، فهي صديقة بنص القرآن .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) أي : ليسوا من أهل السماء كما قلتم .
وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) الآية [ الفرقان : 20 ] وقوله تعالى : ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ) [ الأنبياء : 8 ، 9 ] وقوله تعالى : ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) الآية [ الأحقاف : 9 ] .
وقوله : ( من أهل القرى ) المراد بالقرى : المدن ، لا أنهم من أهل البوادي ، الذين هم أجفى الناس طباعا وأخلاقا .
وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعا ، وألطف من أهل سوادهم ، وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي; ولهذا قال تعالى : ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) [ التوبة : 97 ] .
وقال قتادة في قوله : ( من أهل القرى ) لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود .
وفي الحديث الآخر : أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقة ، فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " لقد هممت ألا أتهب هبة إلا من قرشي ، أو أنصاري ، أو ثقفي ، أو دوسي " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن يحيى بن وثاب ، عن شيخ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الأعمش : هو [ ابن ] عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " .
وقوله : ( أفلم يسيروا في الأرض ) [ يعني : هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ] ( فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) أي : من الأمم المكذبة للرسل ، كيف دمر الله عليهم ، وللكافرين أمثالها ، كقوله : ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الحج : 46 ] ، فإذا استمعوا خبر ذلك ، رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين ، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه; ولهذا قال تعالى : ( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) أي : وكما أنجينا المؤمنين في الدنيا ، كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة أيضا ، وهي خير لهم من الدنيا بكثير ، كما قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 50 ، 51 ] .
وأضاف الدار إلى الآخرة فقال : ( ولدار الآخرة ) كما يقال : " صلاة الأولى " و " مسجد الجامع " و " عام الأول " و " بارحة الأولى " و " يوم الخميس " .
قال الشاعر : أتمدح فقعسا وتذم عبسا ألا لله أمك من هجين ولو أقوت عليك ديار عبس عرفت الذل عرفان اليقين
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا، يا محمد، من قبلك إلا رجالا لا نساءً ولا ملائكة ، ( نوحي إليهم ) آياتنا، بالدعاء إلى طاعتنا وإفراد العبادة لنا ، ( من أهل القرى ) ، يعني: من أهل الأمصار , دون أهل البوادي، (12) كما:- 19985 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) ، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العَمُود (13) .
* * * وقوله: ( أفلم يسيروا في الأرض ) ، يقول تعالى ذكره: أفلم يسر هؤلاء المشركون الذين يكذبونك، يا محمد، ويجحدون نبوّتك , وينكرون ما جئتهم به من توحيد الله وإخلاص الطاعة والعبادة له ، ( في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) ، إذ كذبوا رسُلنا؟
ألم نُحِلّ بهم عقوبتنا , فنهلكهم بها , وننج منها رسلنا وأتباعنا , فيتفكروا في ذلك ويعتبروا؟
* * * * ذكر من قال ذلك: 19986 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , قال: قال ابن جريج: قوله: ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) ، قال: إنهم قالوا: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [سورة الأنعام: 91] ، قال: وقوله: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [سورة يوسف: 103، 104]، وقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا [سورة يوسف: 105]، وقوله: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ [سورة يوسف: 107] ، وقوله: ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ) ، من أهلكنا؟
قال: فكل ذلك قال لقريش: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم، فيعتبروا ويتفكروا؟
* * * وقوله: ( ولدار الآخرة خير ) ، يقول تعالى ذكره: هذا فِعْلُنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا , أَنّ عقوبتنا إذا نـزلت بأهل معاصينا والشرك بنا، أنجيناهم منها , وما في الدار الآخرة لهم خير.
* * * ، وترك ذكر ما ذكرنا، اكتفاء بدلالة قوله: ( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) ، عليه , وأضيفت " الدار " إلى " الآخرة " , وهي" الآخرة " , لاختلاف لفظهما , كما قيل: إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ، [سورة الواقعة: 95]، وكما قيل: " أتيتك عام الأوَّل , وبارحة الأولى , وليلة الأولى , ويوم الخميس "، (14) وكما قال: الشاعر: (15) أَتَمْــدَحُ فَقْعَسًــا وَتَــذُمُّ عَبْسًــا أَلا للـــهِ أُمُّــكَ مِــنْ هَجِــينِ وَلَــوْ أَقْــوَتْ عَلَيْـكَ دِيَـارُ عَبْسٍ عَــرَفْتَ الــذُّلَّ عِرْفَــانَ اليَقِيـنِ (16) يعني: عرفانًا له يقينًا .
(17) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: وللدار الآخرة خير للذين اتقوا الله، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه .
* * * وقوله: ( أفلا تعقلون ) ، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المشركون بالله حقيقةَ ما نقول لهم ونخبرهم به، من سوء عاقبة الكفر , وغِبّ ما يصير إليه حال أهله، مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا مما حلّ بمن قبلهم من الأمم الكافرة المكذبةِ رسلَ ربّها؟
(18) * * * ---------------------- الهوامش: (12) انظر تفسير" القرية" فيما سلف 8 : 453 / 12 : 299 .
(13) قوله" أهل العمود" ، العمود ( بفتح العين ) : وهو الخشبة القائمة في وسط الخباء ، والأخبية بيوت أهل البادية ، فقوله" أهل العمود" ، يعني أهل البادية ، كما يدل عليه السياق هنا ، وكما بينه ابن زيد في تفسير هذه الآية إذ قال :" أهل القرى أعلم وأحلم من أهل البادية" ( تفسير أبي حيان 5 : 353 ) .
وقال الزمخشري في الأساس" ويقال لأصحاب الأخبية : هم أهل عمود ، وأهل عماد ، وأهل عمد" ، وروى صاحب اللسان بيتًا ، وهو : ومَــا أهْــلُ العَمُــود لنَـا بـأَهْلٍ ولاَ النَّعَــمُ المُسَــامُ لَنــا بمَــالٍ فهذا قول رجل يبرأ من أن يكون من أهل البادية ، فذكر الخصائص التي يألفها أهل البادية ، ويكونون بها أهل بادية .
(14) هذا موجز كلام الفراء في معاني القرآن ، في تفسير الآية .
(15) لم أعرف قائله .
(16) رواهما الفراء في معاني القرآن ، في تفسير الآية .
وكان في المطبوعة :" ولو أفزت" ، وهو خطل محض ، وفي المخطوطة" ولو أفرت" ، غير منقوطة ، وهو تصحيف .
و" الهجين" ، ولد العربي لغير العربية .
و" أقوت الدار" : أقفرت وخلت من سكانها .
وظاهر هذا الشعر ، أن قائله يقوله في رجل من بني عبس ، كان هجينًا ، فمدح فقعسًا وذم قومه لخذلانهم إياه .
فهو يقول له : لو فارقت عبس مكانها وأفردتك فيه ، لعرفت الذل عرفانًا يقينًا .
(17) في المطبوعة والمخطوطة :" عرفانا به" ، وكأن الصواب ما أثبت .
وفي الفراء :" عرفانًا يقينًا" ، بغير" له" ، وهو أجود .
(18) في المطبوعة :" بما قبلهم من الأمم" ، والصواب من المخطوطة .
قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى هذا رد على القائلين : لولا أنزل عليه ملك أي أرسلنا رجالا ليس فيهم امرأة ولا جني ولا ملك ; وهذا يرد ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن في النساء أربع نبيات حواء وآسية وأم موسى ومريم .
وقد تقدم في " آل عمران " شيء من هذا .
من أهل القرى يريد المدائن ; ولم [ ص: 240 ] يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو ; ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم .
قال الحسن : لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ، ولا من النساء ، ولا من الجن .
وقال قتادة : من أهل القرى أي من أهل الأمصار ; لأنهم أعلم وأحلم .
وقال العلماء : من شرط الرسول أن يكون رجلا آدميا مدنيا ; وإنما قالوا آدميا تحرزا ; من قوله : يعوذون برجال من الجن والله أعلم .قوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم المكذبة لأنبيائهم فيعتبروا .ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ابتداء وخبره .
وزعم الفراء أن الدار هي الآخرة ; وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ ، كيوم الخميس ، وبارحة الأولى ; قال الشاعر :ولو أقوت عليك ديار عبس عرفت الذل عرفان اليقينأي عرفانا يقينا ; واحتج الكسائي بقولهم : صلاة الأولى ; واحتج الأخفش بمسجد الجامع .
قال النحاس : إضافة الشيء إلى نفسه محال ; لأنه إنما يضاف الشيء إلى غيره ليتعرف به ; والأجود الصلاة الأولى ، ومن قال صلاة الأولى فمعناه : عند صلاة الفريضة الأولى ; وإنما سميت الأولى لأنها أول ما صلي حين فرضت الصلاة ، وأول ما أظهر ; فلذلك قيل لها أيضا الظهر .
والتقدير : ولدار الحال الآخرة خير ، وهذا قول البصريين ; والمراد بهذه الدار الجنة ; أي هي خير للمتقين .
وقرئ : " وللدار الآخرة " .
وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم " أفلا تعقلون " بالتاء على الخطاب .
الباقون بالياء على الخبر .
ثم قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا } أي: لم نرسل ملائكة ولا غيرهم من أصناف الخلق، فلأي شيء يستغرب قومك رسالتك، ويزعمون أنه ليس لك عليهم فضل، فلك فيمن قبلك من المرسلين أسوة حسنة { نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } أي: لا من البادية، بل من أهل القرى الذين هم أكمل عقولا، وأصح آراء، وليتبين أمرهم ويتضح شأنهم.
{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ } إذا لم يصدقوا لقولك، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } كيف أهلكهم الله بتكذيبهم، فاحذروا أن تقيموا على ما أقاموا عليه، فيصيبكم ما أصابهم، { وَلَدَارُ الْآخِرَةِ } أي: الجنة وما فيها من النعيم المقيم، { خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } الله في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن نعيم الدنيا منغص منكد، منقطع، ونعيم الآخرة تام كامل، لا يفنى أبدا، بل هو على الدوام في تزايد وتواصل، { عطاء غير مجذوذ } { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا تكون لكم عقول تؤثر الذي هو خير على الأدنى.
( وما أرسلنا من قبلك ) يا محمد ( إلا رجالا ) لا ملائكة ( نوحي إليهم ) قرأ حفص : ( نوحي ) بالنون وكسر الحاء وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء .
( من أهل القرى ) يعني : من أهل الأمصار دون البوادي ، لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم .
[ وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا من بدو ، ولا من الجن ، ولا من النساء .
وقيل : إنما لم يبعث ] من أهل البادية لغلظهم وجفائهم .
( أفلم يسيروا في الأرض ) يعني : هؤلاء المشركين المكذبين ( فينظروا كيف كان عاقبة ) آخر أمر ( الذين من قبلهم ) يعني : الأمم المكذبة فيعتبروا .
( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) يقول جل ذكره : هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا; أن ننجيهم عند نزول العذاب ، وما في الدار الآخرة خير لهم ، فترك ما ذكرنا اكتفاء ، لدلالة الكلام عليه .
قوله تعالى : ( ولدار الآخرة ) قيل : معناه ولدار الحال الآخرة .
وقيل : هو إضافة الشيء إلى نفسه ، كقوله : ( إن هذا لهو حق اليقين ) ( الواقعة - 95 ) وكقولهم : يوم الخميس ، وربيع الآخر ( أفلا تعقلون ) فتؤمنون .
«وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى» وفي قراءة بالنون وكسر الحاء «إليهم» لا ملائكة «من أهل القرى» الأمصار لأنهم أعلم وأحلم بخلاف أهل البوادي لجفائهم وجهلهم «أفلم يسيروا» أهل مكة «في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» أي آخر أمرهم من إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم «ولدار الآخرة» أي الجنة «خير للذين اتقوا» الله «أفلا تعقلون» بالياء والتاء يا أهل مكة هذا فتؤمنون.
وما أرسلنا من قبلك -أيها الرسول- للناس إلا رجالا منهم ننزل عليهم وحينا، وهم من أهل الحاضرة، فهم أقدر على فهم الدعوة والرسالة، يصدقهم المهتدون للحق، ويكذبهم الضالون عنه، أفلم يمشوا في الأرض، فيعاينوا كيف كان مآل المكذبين السابقين وما حلَّ بهم من الهلاك؟
ولَثواب الدار الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها للذين آمنوا وخافوا ربهم.
أفلا تتفكرون فتعتبروا؟
ثم بين - سبحانه - أن رسالته - صلى الله عليه وسلم - ليست بدعا من بين الرسالات السماوية ، وإنما قد سبقه إلى ذلك رجال يشبهونه فى الدعوة إلى الله ، فقال - تعالى - ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى .
.
.
)أى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لتبليغ أوامرنا ونواهينا إلى الناس ، إلا رجالاً مثلك ، وهؤلاء الرجال اختصصناهم بوحينا ليبلغوه إلى من أرسلوا إليهم واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن ، لكونهم أصفى عقولاً وأكثر حلما .وإنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من الجن أو من غيرهم ، لأن الجنس إلى جنسه أميل ، وأكثرهم تفهما وإدراكاً لما يلقى عليه من أبناء جنسه .ثم نعى - سبحانه - على هؤلاء المشركين غفلتهم وجهالتهم فقال : ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ .
.
.
)أى : أوصلت الجهالة والغفلة بهؤلاء المشركين ، أنهم لم يتعظوا بما أصاب الجاحدين من قبلهم من عذاب دمرهم تدميراً ، وهؤلاء الجاحدين الذين دمروا ما زالت آثار بعضهم باقية وظاهرة فى الأرض .
وقومك - يا محمد - يمرون عليهم فى الصباح وفى المساء وهم فى طريقهم إلى بلاد الشام ، كقوم صالح وقوم لوط - عليهما السلام - .فالجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من كان على شاكلتهم فى الشرك والجحود .وقوله ( وَلَدَارُ الآخرة ) وما فيها من نعيم دائم ( خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا ) الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه .( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) أيها المشركون ما خاطبناكم به فيحملكم هذا التعقل والتدبر إلى الدخول فى الإِيمان ، ونبذ الكفر والطغيان .
اعلم أنه قرأ حفص عن عاصم ﴿ نُوحِى ﴾ بالنون، والباقون بالياء ﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، ورواية حفص عن عاصم: ﴿ تَعْقِلُونَ ﴾ بالتاء على الخطاب، والباقون: بالياء على الغائب.
واعلم أن من جملة شبه منكري نبوته عليه الصلاة والسلام أن الله لو أراد إرسال رسول لبعث ملكاً، فقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى ﴾ فلما كان الكل هكذا فكيف تعجبوا في حقك يا محمد والآية تدل على أن الله ما بعث رسولاً إلى الحق من النسوان وأيضاً لم يبعث رسولاً من أهل البادية.
قال عليه الصلاة والسلام: «من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل».
ثم قال: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الارض فَيَنظُرُواْ ﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة وقوله: ﴿ وَلَدَارُ الاخرة خَيْرٌ ﴾ والمعنى دار الحالة الآخرة، لأن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله قوله صلاة الأولى أي صلاة الفريضة الأولى، وأما بيان أن الآخرة خير من الأولى فقد ذكرنا دلائله مراراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ لا ملائكة؛ لأنهم كانوا يقولون ﴿ لَوْ شآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ ملائكة ﴾ [فصلت: 14] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد ليست فيهم امرأة.
وقيل: في سجاح المتنبئة.
وَلَمْ تَزَلْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ ذُكْرَانَا وقرئ: ﴿ نوحي إليهم ﴾ ، بالنون.
﴿ مّنْ أَهْلِ القرى ﴾ لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة ﴿ وَلَدَارُ الآخرة ﴾ ولدار الساعة، أو الحال الآخرة ﴿ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا ﴾ للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه.
وقرئ: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ، بالتاء والياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ وقِيلَ مَعْناهُ نَفْيُ اسْتِنْباءِ النِّساءِ يُوحِي إلَيْهِمُ كَما يُوحِي إلَيْكَ ويُمَيَّزُونَ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ.
وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ نُوحِي ﴾ في كُلِّ القُرْآنِ ووافَقَهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ في سُورَةِ « الأنْبِياءِ» .
﴿ مِن أهْلِ القُرى ﴾ لِأنَّ أهْلَها أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البَدْوِ.
﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ، أوْ مِن مِنَ المَشْغُوفِينَ بِالدُّنْيا المُتَهالِكِينَ عَلَيْها فَيُقْلِعُوا عَنْ حُبِّها.
﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ ولَدارُ الحالِ أوِ السّاعَةِ أوِ الحَياةِ الآخِرَةِ.
﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ.
﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم لِيَعْرِفُوا أنَّها خَيْرٌ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ أيْ قُلْ لَهم أفَلا تَعْقِلُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} لا ملائكة لأنهم كانوا يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة أو ليست فيهم امرأة {نُوحِى} بالنون حفص {إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى} لأنهم أعلم وأحلم وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة}
الآخرة أي ولدار الساعة الآخرة {خَيْرٌ لّلَّذِينَ اتقوا} الشرك وآمنوا به {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} وبالياء مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي
﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ( لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ) نَفْيٌ لَهُ وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ اسْتِنْباءِ النِّساءِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَجاحٍ بِنْتِ المُنْذِرِ المُنَبِّئَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيها الشّاعِرُ: أمْسَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطُوفُ بِها ولَمْ تَزَلْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ∗∗∗ فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمْ ∗∗∗ عَلى سَجاحٍ ومَن بِالإفْكِ أغْرانا أعْنِي مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ لا سُقِيَتْ ∗∗∗ أصْداؤُهُ ماءَ مُزْنٍ أيْنَما كانا وهُوَ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ لِأنَّ ادِّعاءَها النُّبُوَّةَ كانَ بَعْدَ النَّبِيِّ وكَوْنُهُ إخْبارًا بِالغَيْبِ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ ﴿ نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( يُوحى ) /بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وقِراءَةُ النُّونِ وهي قِراءَةُحَفْصٍ وطَلْحَةَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُوافَقَةٌ لَأرْسَلْنا ﴿ مِن أهْلِ القُرى ﴾ لِأنَّ أهْلَها كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: وهو مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البادِيَةِ ولِذا يُقالُ: لِأهْلِ البادِيَةِ أهْلُ الجَفاءِ وذَكَرُوا أنَّ التَّبَدِّيَ مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ وفي الحَدِيثِ «مَن بَدا جَفا» قالَ قَتادَةُ: ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إلّا مِن أهْلِ القُرى ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ آنِفًا.
﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ صالِحٍ وسائِرِ مَن عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعالى فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ عاقِبَةَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ المَشْغُوفِينَ بِالدُّنْيا المُتَهالِكِينَ عَلَيْها فَيُقْلِعُوا ويَكُفُّوا عَنْ حُبِّها وكَأنَّهُ لاحَظَ المُجَوِّزُ ما سَيُذْكَرُ والِاسْتِفْهامُ عَلى ما في البَحْرِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ﴿ ولَدارُ الآخِرَةِ ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ الكُوفِيَّةِ أيْ ولا الدّارُ الآخِرَةُ وقَدَّرَ البَصْرِيُّ مَوْصُوفًا أيْ ولَدارُ الحالِ أوِ السّاعَةِ أوِ الحَياةِ الآخِرَةِ وهو المُخْتارُ عِنْدَ الكَثِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ .
(109) .
فَتَسْتَعْمِلُوا عُقُولَكم لِتَعْرِفُوا خَيْرِيَّةَ دارِ الآخِرَةِ فَتَتَوَسَّلُوا إلَيْها بِالِاتِّقاءِ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن مَقُولِ ( قُلْ ) أيْ قُلْ لَهم مُخاطِبًا أفَلا تَعْقِلُونَ فالخِطابُ عَلى ظاهِرِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ إلى ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أوِ ﴿ اتَّقَوْا ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ مَقُولِ القَوْلِ واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ هَذا التِفاتًا وقَرَأ جَماعَةٌ ( يَعْقِلُونَ ) بِالياءِ رَعْيًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ يعني: الأنبياء كانوا من الآدميين، ولم يكونوا من الملائكة.
قرأ عاصم في رواية حفص: نُوحِي إِلَيْهِمْ بالنون.
وقرأ الباقون بالياء يُوحَى إِلَيْهِمْ، ومعناهما واحد مِنْ أَهْلِ الْقُرى يعني: منسوبين إليها.
ثم أمرهم بأن يعتبروا، فقال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا يعني: يسافروا فِي الْأَرْضِ ويقال: يقرءوا القرآن فَيَنْظُرُوا يعني: يعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كيف كان آخر المنذرين من قبلهم من الأمم الخالية وَلَدارُ الْآخِرَةِ وهي الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة أفضل من الدنيا.
ثم رجع إلى حديث الرسل الذين كذبهم قومهم، فقال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ يعني: أيسوا من إيمان قومهم أن يؤمنوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قرأ أهل الكوفة: عاصم وحمزة والكسائي كُذِبُوا بتخفيف الذال.
وقرأ الباقون: بالتشديد.
وروى الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، أنه قرأ: كُذِبُوا بتخفيف الذال.
ويقال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم بالنصرة.
وروى ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قال: «كانوا بشراً فضعفوا وسئموا وظنوا أنهم قد كذبوا، وأشار بيده إلى السماء» .
قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة.
فقال: قالت عائشة ا: «معاذ الله ما حدث رسوله شيئاً إلا وعلم الله أنه سيكون قبل أن يموت.
قالت: ولكن نزل بالأنبياء البلاء حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين كذبوهم وكانت تقرأ قَدْ كُذِبُوا بالتشديد.
وعن عائشة قالت: «استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم، وظنوا أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذبوهم» (١) ثم قال: فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ يعني: من آمن بالأنبياء.
قرأ عاصم وابن عامر: فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ بنون واحدة مع التشديد، وقرأ الباقون بالنونين إلا أن من قرأ بنون واحدة، أدغم إحداهما في الأُخرى ثم قال: وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا يعني: عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ يعني: الكافرين.
(١) عزاه السيوطي: 4/ 595 إلى أبي عبيد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عروة عن عائشة.
<div class="verse-tafsir"
عليه السلام: «الرّياء الشّرك الأصغر» «١» .
وقوله سبحانه: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ ...
الآية: إِشارةٌ إِلى دَعْوة الإِسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زَيْد: المعنى هذا أمري وسُنَّتي ومِنْهاجي «٢» وال بَصِيرَةٍ: اسم لمعتقد الإِنسان في الأمْر من الحقِّ واليقين.
وقوله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي: يحتمل أنْ يكون «أَنا» تأكيداً للضمير المستكنّ في «أدعو» و «مَنْ» معطوفٌ عليه وذلك بأنْ تكون الأمَّة كلُّها أُمَرَتْ بالمعروف داعية إِلى اللَّه الكَفَرَةَ والعُصَاة.
قال ص: ويجوزُ أنْ يكون «أَنا» مبتدأ، و «على بصيرة» خَبرٌ مقدَّم، و «مَنْ» معطوفٌ عليه انتهى، وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيهٌ للَّه، أي: وقل: سبحانَ اللَّهِ متبرِّياً من الشِّرْك.
وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ...
الآية: تتضمَّن الردَّ على من استغرب إِرسَالَ الرُّسُل من البشر، والْقُرى: المُدُن.
قال الحسن: لم يَبْعَثِ اللَّه رسولاً قطُّ من أهْل البادية «٣» .
قال ع «٤» : والتَّبَدِّي مَكْرُوه إِلا في الفتْنَة، وحين يُفَرُّ بالدين، ولا يعترضُ هذا بِبُدُوِّ يعقوب لأن ذلك البُدُوَّ لم يكُنْ في أهْل عمودٍ، بل هو بتَقَرٍّ، وفي منازلَ ورَبوع وأيضاً إِنما جعله بُدُواً بالإِضافة إِلى مصْر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى
الحواضر، ثم أحال سبحانه على الاعتبار في الأمم السالفة، ثم حَضَّ سبحانه على الآخرة، والاستعداد لها بقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ...
الآية.
قال ص: وَلَدارُ الْآخِرَةِ: خرَّجه الكوفيُّون على أنَّه من إِضافة الموصُوفِ لصفته، وأصله: «ولَلدَّارُ الآخرة» ، والبصريّون على أنه عن حَذْف الموصوف، وإِقامة صفته مُقَامَهُ، وأصله: «ولَدَارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أو النَّشْأَةِ الآخِرَةِ» .
انتهى.
ويتضمَّن قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أن الرسلَ الذين بعثهم اللَّهُ مِنْ أهْل القُرَى، دَعَوْا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى نزلَتْ بهم المَثُلاَتُ، فصاروا في حَيِّز مَنْ يُعْتَبَرُ بعاقبته، فلهذا المضمَّن حَسُنَ أَنْ تدخل «حتى» في قوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ.
وقرأ نافع وابن كثير «١» وأبو عمرو وابن عامر: «وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» /- بتشديد الذال-، وقرأ الباقون: «كُذِبُوا» - بضم الكاف، وكسْر الذال المخفَّفة، فأما الأولى، فمعناها أنَّ الرسل ظَنُّوا أن أممهم قَدْ كَذَّبتهم، و «الظَّنُّ» هنا: يحتملُ أنْ يكون بمعنى اليَقِينِ، ويحتمل أنْ يكون الظَّنُّ على بابه، ومعنى القراءة الثانية على المشهور من قول ابن عباس وابنِ جُبَيْر: أي: حتَّى إِذا استيأس الرسُلُ من إِيمان قومِهِم «٢» ، وظَنَّ المُرْسَلُ إِليهم أَنَّ الرسُلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما ادعوه من النبوَّة، أو فيما توعَّدوهم به من العذاب، لما طال الإِمهال، واتصلت العافيةُ، جاءهم نَصْرنا.
وأسند الطبريُّ «٣» أنَّ مسلم بن يَسَارٍ، قال لسعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، آيةٌ بلغت منّي كلّ مبلغ: «حتّى إذا استيأس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ» فهذا هو الموت أَنْ تظنَّ الرسُلُ أنهم قد كُذِبوا- مخفَّفة-، فقال له ابن جُبَيْر: يا أبا عبد الرحمن، إِنما يَئِسَ الرسُلُ مِنْ قومِهِم أنْ يجيبوهم، وظَنَ قومهم أن الرسل قد كذبتهم، فقام مسلم إلى سعيد،
فاعتنقه، وقال: فَرَّجْتَ عني، فَرَّجَ اللَّهُ عنك «١» .
قال ع «٢» : فرضِيَ اللَّهَ عَنْهم، كيف كَانَ خُلُقُهُمْ في العِلْمِ، وقال بهذا التأويل جماعةٌ، وهو الصَّواب، وأما تأويلُ مَنْ قال: إِن المعنى: وظَنُّوا أنهم قد كَذَبَهُمْ مَنْ أخبرهم عن اللَّه، فغير صحيحٍ، ولا يجوزُ هذا على الرسُلِ، وأين العَصْمة والعِلْم.
ت: قال عِيَاضٌ: فإِن قيل: فما معنَى قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا على قراءة التخفيف؟
قُلْنَا: المعنى في ذلك ما قَالَتْهُ عائشةُ رضي اللَّه عنها مَعَاذَ اللَّهِ أنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ، لَمَّا استيأسُوا، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ وعدهم النصْرَ مِنْ أتباعهم، كَذَبُوهم «٣» وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، وقيل: الضمير في «ظَنُّوا» عائدٌ على الأتباع والأممِ، لا على الأنبياء والرسل وهو قول ابن عباس والنَّخَعِيِّ وابنِ جُبَيْر «٤» وجماعةٍ، وبهذا المعنى قرأ مجاهدٌ: «كَذَبُوا» بالفَتْح، فلا تَشْغَلْ بالك مِنْ شَاذِّ التفسير بسواه ممَّا لا يليقُ بمَنْصِب العلماء، فكَيْفَ بالأنبياء، انتهى من «الشفا» .
وقوله سبحانه: جاءَهُمْ نَصْرُنا: أي: بتعذيب أممهم الكافرة.
فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ: أي: من أتباع الرسلِ.
وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ: أي: الكافرين، و «البَأْسُ» : العذاب.
وقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ: أي: في قصص يوسُفَ وإِخوته وسائِرِ الرسلِ الذين ذُكِرُوا على الجملة، ولَمَّا كان ذلك كلُّه في القرآن، قال عنه: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ التوراةُ والإِنجيلُ، وباقي الآية بيِّن واضحٌ.
ت: كنت في وَقْتٍ أَنْظُرُ في «السيرة» لابْنِ هِشامٍ، وأتأمَّل في خُطْبة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهي أوَّلُ خُطْبة خَطَبَها بالمَدِينَةِ، فإِذا هاتف يقولُ: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وقد كانَ حصل في القلب عبرة في أمره صلّى الله عليه وسلّم وأفاضِل أصحابه، رضي اللَّه عنهم أجمعين، وسلك بنا مَنَاهِجَهُمُ المَرْضيَّة، والحمد للَّه، وسَلاَمٌ على عباده الذين اصطفى/ وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ هَذا نَزَلَ مِن أجْلِ قَوْلِهِمْ: هَلّا بَعَثَ اللَّهُ مَلِكًا، فالمَعْنى: كَيْفَ تَعَجَّبُوا مِن إرْسالِنا إيّاكَ، وسائِرُ الرُّسُلِ كانُوا عَلى مَثْلِ حالِكَ " يُوحى إلَيْهِمْ " وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نُوحِي " بِالنُّونِ.
والمُرادُ بِالقُرى: المَدائِنُ.
وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ، ولا مِنَ الجِنِّ، ولا مِنَ النِّساءِ، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ أهْلَ القُرى أعْلَمُ وأحْلُمُ مِن أهْلِ العَمُودِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ نُبُوَّتَكَ ﴿ فَيَنْظُرُوا ﴾ إلى مَصارِعِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ.
﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ خَيْرٌ ﴾ مِنَ الدُّنْيا ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ.
قالَ الفَرّاءُ: أُضِيفَتِ الدّارُ إلى الآخِرَةِ، وهي الآخِرَةُ، لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُضِيفُ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ إذا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ ﴾ والحَقُّ: هو اليَقِينُ، وقَوْلِهِمْ: أتَيْتُكَ عامَ الأوَّلِ، ويَوْمَ الخَمِيسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ، ويَعْقُوبُ: " تَعْقِلُونَ " بِالتّاءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: أفَلا يَعْقِلُونَ هَذا فَيُؤْمِنُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى مُسْتَغْرِبِي إرْسالِ الرُسُلِ مِنَ البَشَرِ، كالطائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿ أبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولا ﴾ ، وكالطائِفَةِ الَّتِي اقْتَرَحَتْ مَلِكًا، وغَيْرِهِما.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى إلَيْهِمْ" بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ في رِوايَةِ حَفْصٍ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وطَلْحَةَ.
و"القُرى": المُدُنُ، وخَصَّصَها دُونَ القَوْمِ المُنْتَوِينَ أهْلِ العَمُودِ، فَإنَّهم في كُلِّ أُمَّةٍ أهْلُ جَفاءٍ وجَهالَةٍ مُفْرِطَةٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرى أعْلَمُ وأحْلُمُ مِن أهْلِ العَمُودِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنَّهم قَلِيلٌ نُبْلُهُمْ، ولَمْ يُنَبِّئِ اللهُ مِنهم قَطُّ رَسُولًا.
وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ رَسُولًا قَطُّ مِن أهْلِ البادِيَةِ، ولا مِنَ النِساءِ، ولا مِنَ الجِنِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَبَدِّي مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ وحِينَ يُفَرُّ بِالدِينِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرُ مالِ المُسْلِمِ غَنَمًا"» الحَدِيثَ.
وفي ذَلِكَ أذِنَ رَسُولُ اللهِ لِسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ.
وَقَدْ قالَ : « "لا تَعَرُّبَ في الإسْلامِ"،» وقالَ: « "مَن بَدا جَفا"،» ورَوى عنهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: « (الشَيْطانُ ذِئْبُ الإنْسانِ كَذِئْبِ الغَنَمِ يَأْخُذُ الشاةَ القاصِيَةَ، فَإيّاكم والشِعابَ، وعَلَيْكم بِالمَساجِدِ والجَماعاتِ والعامَّةِ).» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْتَرَضُ هَذا بِبَدْوِ يَعْقُوبَ، ويُنْفَصَلُ عن ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ البَدْوَ لَمْ يَكُنْ في أهْلِ عَمُودٍ، بَلْ هو بِتَقَرٍّ وفي مَنازِلَ ورُبُوعٍ، والثانِي: أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ بَدْوًا بِالإضافَةِ إلى مِصْرَ، كَما هي بَناتُ الحَواضِرِ بَدْوٌ بِالإضافَةِ إلى الحَواضِرِ.
ثُمَّ أحالَهم عَلى الِاعْتِبارِ في الأُمَمِ السالِفَةِ في أقْطارِ الأرْضِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها فَحاقَ بِها عَذابُ اللهِ، ثُمَّ حَضَّ عَلى الآخِرَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها والِاتِّقاءِ مِنَ المُوبِقاتِ فِيها، ثُمَّ وقَّفَهم مُوَبَّخًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ زِيادَةٌ في وصْفِ إنْعامِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: عَذَّبَ الكُفّارَ ونَجّى المُؤْمِنِينَ ولَدارُ الآخِرَةِ أحْسَنُ لَهم.
وأمًّا إضافَةُ الدارِ إلى الآخِرَةِ فَقالَ الفَرّاءُ: هي إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ، كَما قالَ الشاعِرُ: فَإنَّكَ لَوْ حَلَلْتَ دِيارَ عَبَسٍ ∗∗∗ عَرَفْتَ الذُلَّ عِرْفانَ اليَقِينِ وَفِي رِوايَةٍ: "فَلَوْ أقْوَتْ عَلَيْكَ دِيارُ عَبْسٍ" - وكَما يُقالُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" ونَحْوُ هَذا، وقالَ البَصْرِيُّونَ: هَذِهِ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ"، أوِ "المُدَّةِ الآخِرَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي هي لِلْأجْناسِ كَمَسْجِدٍ وثَوْبٍ وحَقٍّ وجَبَلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ- إذا نَطَقَ بِها الناطِقُ لَمْ يُدْرَ ما يُرِيدُ بِها فَتُضافُ إلى مُعَرِّفٍ مُخَصِّصٍ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، فَقَدْ تُضافُ إلى جِنْسٍ آخَرَ كَقَوْلِكَ: "ثَوْبُ خَزٍّ" و"جَبَلُ تُرابٍ"، وقَدْ تُضافُ إلى صِفَةٍ كَقَوْلِكَ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"حَقُّ اليَقِينِ"، وقَدْ تُضافُ إلى اسْمٍ خاصٍّ كَقَوْلِكَ: "جَبَلُ أُحُدٍ" ونَحْوَهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وعَلْقَمَةُ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ، واخْتُلِفَ عَنِ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ.
ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أنَّ الرُسُلَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللهُ مِن أهْلِ القُرى دَعَوْا أُمَمَهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى نَزَلَتْ بِهِمُ المَثُلاتُ، فَصارُوا في حَيِّزِ مَن يُعْتَبَرُ بِعاقِبَتِهِ، فَلِهَذا المُضَمَّنِ حَسُنَ أنْ تَدْخُلَ "حَتّى" في قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ ﴾ .
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وعائِشَةُ -بِخِلافٍ- وعِيسى، وقَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: "كُذِّبُوا" بِتَشْدِيدِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ: "كُذِبُوا" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الذالِ وتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، والضَحّاكِ، وإبْراهِيمَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ورَواها شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ عَنِ القاسِمِ عن عائِشَةَ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-: "كَذَبُوا" بِفَتْحِ الكافِ والذالِ.
فَأمًّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ، ويَكُونَ الضَمِيرُ في "ظَنُّوا" وفي "كَذَّبُوا" لِلرُّسُلِ، ويَكُونَ المُكَذِّبُونَ مُشْرِكِي مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، والمَعْنى: وتَيَقَّنَ الرُسُلُ أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوهم وصَمَّمُوا عَلى ذَلِكَ، وأنْ لا انْحِرافَ عنهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ عَلى بابِهِ، والضَمِيرانِ لِلرُّسُلِ، والمُكَذِّبُونَ مُؤْمِنُو مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، أيْ: لَمّا طالَتِ المَواعِيدُ حَسِبَ الرُسُلُ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا قَدْ كَذَّبُوهم وارْتابُوا بِقَوْلِهِمْ.
وأمًّا القِراءَةُ الثانِيَةُ -وَهِيَ ضَمُّ الكافِ وكَسْرُ الذالِ وتَخْفِيفُها- فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُسُلُ مِنَ النَصْرِ، أو مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ -عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ- وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ النُبُوَّةِ، أو فِيما تَوَعَّدُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، لَمّا طالَ الإمْهالُ واتَّصَلَتِ العافِيَةُ، فَلَمّا كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُكَذِّبِينَ، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ في قَوْلِهِ: "كُذِبُوا"، هَذا مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، آيَةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مُبْلَغٍ، ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ ، فَهَذا هو أنْ تَظُنَّ الرُسُلُ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً، فَقالَ لَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ: "يا أبا عَبْدِ الرَحْمَنِ، إنَّما يَئِسَ الرُسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يُجِيبُوهُمْ، وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُسُلَ كَذَبَتْهُمْ، فَحِينَئِذٍ جاءَ النَصْرُ"، فَقامَ مُسْلِمٌ إلى سَعِيدٍ فاعْتَنَقَهُ وقالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللهُ عنكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَضِيَ اللهُ عنهُمْ، كَيْفَ كانَ خُلُقُهم في العِلْمِ، وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ -فِي هَذِهِ القِراءَةِ- ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا التَأْوِيلَ، وقالَ: إنَّ رَدَّ الضَمِيرِ في "ظَنُّوا" وفي "كُذِبُوا" عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ -وَإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ صَرِيحٌ- جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الرُسُلِ يَقْتَضِي ذِكْرَ مُرْسَلٍ إلَيْهِ.
والآخَرُ: أنَّ ذِكْرَهم قَدْ أُشِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "ظَنُّوا" وفي "كُذِبُوا" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والمَعْنى: كَذَبَهم مَن أخْبَرَهم عَنِ اللهِ، والظَنُّ عَلى بابِهِ، وحَكى هَذا التَأْوِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، والرُسُلُ بَشَرٌ، فَضَعُفُوا وساءَ ظَنُّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ جُبَيْرٍ وقالَ: ألَمْ يَكُونُوا بَشَرًا؟
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَن سَألَهُ عن هَذا: "هُوَ الَّذِي نَكْرَهُ"، ورَدَّتْ هَذا التَأْوِيلَ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأعْظَمُوا أنْ تُوصَفَ الرُسُلُ بِهَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرُسُلِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَوابُ، وأيْنَ العِصْمَةُ والعِلْمُ؟
وأمًّا القِراءَةُ الثالِثَةُ، وهي فَتْحُ الكافِ والذالِ، فالضَمِيرُ في "ظَنُّوا" لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في "كَذَبُوا" لِلرُّسُلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلرُّسُلِ، أيْ: ظَنَّ الرُسُلُ أنَّهم قَدْ كَذَبُوا مِن حَيْثُ نَقَلُوا الكَذِبَ وإنْ كانُوا لَمْ يَتَعَمَّدُوهُ، فَيَرْجِعُ هَذا التَأْوِيلُ إلى المَعْنى المَرْدُودِ الَّذِي تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ جاءَهم نَصْرُنا ﴾ أيْ: بِتَعْذِيبِ أُمَمِهِمُ الكافِرَةِ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ مَجِيءِ العَذابِ في أنَّهُ يُنْجِي الرُسُلَ وأتْباعَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ شاءَ رَحْمَتَهُمْ، ويُحِلُّ بَأْسَهُ بِالمُجْرِمِينَ الكَفَرَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَنُنْجِي" بِنُونَيْنِ، مَن أنَجى.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فَنُنَجِّي"، النُونُ الثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ، وهو مِن نَجّى يُنَجِّي.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا وقَتادَةُ "فَنُجِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وشَدِّ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها كالأُولى أُدْغِمَتِ النُونُ الثانِيَةُ في الجِيمِ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ هَذا مَوْضِعَ إدْغامٍ لِتَنافُرِ النُونِ والجِيمِ في الصِفاتِ لا في المَخارِجِ، وقالَ: إنَّما حُذِفَتِ النُونُ في الكِتابِ لا في اللَفْظِ، وقَدْ حُكِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، ونافِعٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ "فَنُجِّيَ" بِفَتْحِ الياءِ، عَلى وزْنِ فُعِّلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَنُنْجِيَ" بِنُونَيْنِ وفَتْحِ الياءِ، رَواها هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ، وهي غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٍ: "فَنَجا" فِعْلٌ ماضٍ بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وابْنِ السَمَيْفَعِ، وأبِي حَيْوَةَ.
قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: "وَقَرَأْتُ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ: "فَنَجّى" بِشَدِّ الجِيمِ، عَلى مَعْنى: فَنَجّى النَصْرُ".
و"البَأْسُ": العَذابُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مَن يَشاءُ" بِالياءِ، وجاءَ الإخْبارُ عن هَلاكِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا ﴾ الآيَةَ، إذْ في هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وتَهْدِيدٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "بَأْسُهُ" بِالهاءِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وما أكثر الناس ﴾ [سورة يوسف: 103] الخ.
هاتان الآيتان متّصل معناهما بما تضمنه قوله تعالى: ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ [سورة يوسف: 102] إلى قوله: ﴿ إن هو إلاّ ذكر للعالمين ﴾ [سورة يوسف: 104] وقوله: ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ الآية [سورة يوسف: 108]، فإن تلك الآي تضمنت الحجة على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما جاءهم به، وتضمنت أن الذين أشركوا غير مصدقينه عناداً وإعراضاً عن آيات الصدق.
فالمعنى أن إرسال الرسل عليهم السلام سنّة إلهية قديمة فلماذا يَجعل المشركون نبوءتك أمراً مستحيلاً فلا يصدّقون بها مع ما قارنها من آيات الصدق فيقولون: أبعث الله بشراً رسولاً } .
وهل كان الرسل عليهم السلام السابقون إلا رجالاً من أهل القرى أوحى الله إليهم فبماذا امتازوا عليك، فسلم المشركون ببعثتهم وتحدّثوا بقصصهم وأنكروا نبوءتك.
وراء هذا معنى آخر من التذكير باستواء أحوال الرسل عليهم السلام وما لقوه من أقوامهم فهو وعيد باستواء العاقبة للفريقين.
و ﴿ من قبلك ﴾ يتعلق ب ﴿ أرسلنا ﴾ ف ﴿ من ﴾ لابتداء الأزمنة فصار ما صدق القبل الأزمنة السابقة، أي من أول أزمنة الإرسال.
ولولا وجود ﴿ من ﴾ لكان ﴿ قبلك ﴾ في معنى الصفة للمرسَلين المدلول عليهم بفعل الإرسال.
والرجال: اسم جنس جامد لا مفهوم له.
وأطلق هنا مراداً به أناساً كقوله صلى الله عليه وسلم «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» أي إنسان أو شخص، فليس المراد الاحتراز عن المرأة.
واختير هنا دون غيره لِمطابقته الواقع فإن الله لم يرسل رسلاً من النساء لحكمة قبول قيادتهم في نفوس الأقوام إذ المرأة مستضعفة عند الرجال دون العكس؛ ألا ترى إلى قول قيس بن عاصم حين تنبأت سَجَاحِ: أضحت نبيئتُنا أنثى نُطِيف بها *** وأصبحت أنبياءُ الناس ذكرانا وليس تخصيص الرجال وأنهم من أهل القرى لقصد الاحتراز عن النساء ومن أهل البادية ولكنه لبيان المماثلة بين مَن سلّموا برسالتهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾ [الأنبياء: 5] و ﴿ قالوا لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى ﴾ [القصص: 48]، أي فما كان محمد صلى الله عليه وسلم بِدعاً من الرسل حتى تبادروا بإنكار رسالته وتُعرضوا عن النظر في آياته.
فالقصر إضافي، أي لم يكن الرسل عليهم السلام قبلك ملائكةً أو ملوكاً من ملوك المدن الكبيرة فلا دلالة في الآية على نفي إرسال رسول من أهل البادية مثل خالد بن سنان العبسي، ويعقوب عليه السلام حين كان ساكناً في البَدْو كما تقدم.
وقرأ الجمهور، ﴿ يُوحَى ﴾ بتحتية وبفتح الحاء مبنياً للنائب، وقرأه حفص بنون على أنه مبني للفاعل والنون نون العظمة.
وتفريع قوله: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض ﴾ على ما دلت عليه جملة ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ من الأسوة، أي فكذّبهم أقوامهم من قبل قومك مثل ما كذّبك قومك وكانت عاقبتهم العقاب.
أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الأقوام السابقين، أي فينظروا آثار آخر أحوالهم من الهلاك والعذاب فيعلم قومك أن عاقبتهم على قياس عاقبة الذين كذّبوا الرسل قبلهم، فضمير ﴿ يسيروا ﴾ عائد على معلوم من المقام الدال عليه ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ [سورة يوسف: 108].
والاستفهام إنكاري.
فإن مجموع المتحدّث عنهم ساروا في الأرض فرأوا عاقبة المكذبين مثل عاد وثمود.
وهذا التفريع اعتراض بالوعيد والتهديد.
وكيف} استفهام معلّق لفعل النظر عن مفعوله.
وجملة ﴿ ولدار الآخرة ﴾ خبر.
معطوفة على الاعتراض فلها حكمه، وهو اعتراض بالتبشير وحسن العاقبة للرسل عليهم السلام ومن آمن بهم وهم الذين اتقوا.
وهو تعريض بسلامة عاقبة المتقين في الدنيا.
وتعريض أيضاً بأن دار الآخرة أشد أيضاً على الذين من قبلهم من العاقبة التي كانت في الدنيا فحصل إيجاز بحذف جملتين.
وإضافة ﴿ دار ﴾ إلى ﴿ آخرة ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل «يا نساء المسلمات» في الحديث.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ بتاء الخطاب على الالتفات، لأن المعاندين لما جرى ذكرهم وتكرر صاروا كالحاضرين فالتفت إليهم بالخطاب.
وقرأه الباقون بياء الغيبة على نسق ما قبله.
و ﴿ حتى ﴾ من قوله: ﴿ حتى إذا استيأس الرسل ﴾ ابتدائية، وهي عاطفة جملة ﴿ إذا استيأس الرسل ﴾ على جملة ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ باعتبار أنها حجة على المكذبين، فتقدير المعنى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم فكذبهم المرسل إليهم واستمروا على التكذيب حتى إذا استيئس الرسل إلى آخره، فإن ﴿ إذا ﴾ اسم زمان مضمن معنى الشرط فهو يلزم الإضافة إلى جملة تبين الزمان، وجملة ﴿ استيأس ﴾ مضاف إليها ﴿ إذا ﴾ ، وجملة ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ لأن هذا الترتيب في المعنى هو المقصود من جلب ﴿ إذا ﴾ في مثل هذا التركيب.
والمراد بالرسل عليهم السلام غير المراد ب ﴿ رجالا ﴾ ، فالتعريف في الرسل عليهم السلام تعريف العهد الذَكريّ وهو من الإظهار في مقام الإضمار لإعطاء الكلام استقلالاً بالدلالة اهتماماً بالجملة.
وآذن حرف الغاية بمعنى محذوف دل عليه جملة ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ﴾ بما قصد بها من معنى قصد الإسوة بسلفه من الرسل عليهم السلام.
والمعنى: فدام تكذيبهم وإعراضهم وتأخر تحقيق ما أنذرُوهم به من العذاب حتى اطمأنوا بالسلامة وسخروا بالرسل وأيس الرسل عليهم السلام من إيمان قَومهم.
و ﴿ استيأس ﴾ مبالغة في يئس، كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ [سورة يوسف: 87].
وتقدم أيضاً قراءة البزي بخلاف عنه بتقديم الهمزة على الياء.
فهذه أربع كلمات في هذه السورة خالف فيها البزي رواية عنه.
وفي صحيح البخاري } عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها: «أكُذِبوا أم كُذّبوا أي بالخفيف أم بالشدّ؛ قالت: كذّبوا أي بالشد قال: فقد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن فهي ﴿ قد كذبوا ﴾ أي بالتخفيف، قالت: معاذ الله لم يكن الرسل عليهم السلام تظن ذلك بربها وإنما هم أتباع الذين آمنوا وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر النصر حتى إذا استيأس الرسل عليهم السلام من إيمان من كذبهم من قومهم، وظنت الرسل عليهم السلام أن أتباعهم مُكذّبوهم» ا ه.
وهذا الكلام من عائشة رضي الله عنها رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون ﴿ كذبوا ﴾ مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل، وذلك ليس بمتعيّن، ولم تكن عائشة قد بلغتْها رواية ﴿ كذبوا ﴾ بالتخفيف.
وتفريع ﴿ فننجي من نشاء ﴾ على ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ لأن نصر الرسل عليهم السلام هو تأييدهم بعقاب الذين كذبوهم بنزول العذاب وهو البأس، فينجي الله الذين آمنوا ولا يردّ البأس عن القوم المجرمين.
والبأس: هو عذاب المجرمين الذي هو نصر للرسل عليهم السلام..
والقوم المجرمون: الذين كذبوا الرسل.
وقرأ الجمهور ﴿ فنُنْجِي ﴾ بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء مضارع أنجى.
و ﴿ من نشاء ﴾ مفعول ﴿ ننجي ﴾ .
وقرأه ابن عامر وعاصم ﴿ فنجّي ﴾ بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم مكسورة وفتح التحتية على أنه ماضي ﴿ نجّى المضاعف بني للنائب، وعليه فمن نشاء ﴾ هو نائب الفاعل، والجمع بين الماضي في (نجّي) والمضارع في ﴿ نشاء ﴾ احتباك تقديره فنُجي من شئنا ممن نجا في القرون السالفة وننجي من نشاء في المستقبل من المكذبين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن أهْلِ الأمْصارِ دُونَ البَوادِي لِأنَّهم أعْلَمُ وأحْلَمُ.
وَقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ قَطُّ، ولا مِنَ النِّساءِ، ولا مِنَ الجِنِّ.
﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ يَعْنِي بِالدّارِ الجَنَّةَ، وبِالآخِرَةِ القِيامَةَ، فَسَمّى الجَنَّةَ دارًا وإنْ كانَتِ النّارُ دارًا لِأنَّ الجَنَّةَ وطَنُ اخْتِيارٍ، والنّارَ مَسْكَنُ اضْطِرارٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ﴾ أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ قال: إنهم قالوا ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [ الأنعام: 91] وقوله: ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾ ﴿ وما تسألهم عليه من أجر ﴾ وقوله: ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها ﴾ وقوله: ﴿ أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ﴾ وقوله: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ قال: كل ذلك قال لقريش أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم فيعتبروا ويتفكروا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ﴾ قال: ما نعلم أن الله أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى، لأنهم كانوا أعلم وأحكم من أهل العمود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ قال: فينظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح والأمم التي عذب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ﴾ قال ابن عباس (١) ﴿ نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ قال: يريد أهل المدائن؛ لأن الله تعالى لم يبعث نبيًا من بادية، وقال الحسن (٢) وقال المفسرون (٣) : "من بدا جفا، ومن أَتبع الصيد غفل، ومن لزم أبواب الملوك افتتن" (٤) ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ هو يعني: المشركين المنكرين لنبوة محمد ، يقول: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بهم.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ ﴾ قال الفراء (٥) ﴿ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾ ، ويوم الخميس، وجميع الأيام يضاف إلى أنفسها لاختلاف لفظها.
وقال أبو إسحاق (٦) (٧) وقال ابن الأنباري (٨) (٩) (١٠) وهذا الذي قاله أبو بكر إنما هو على مذهب البصريين؛ لأن عندهم لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظان (١١) ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ هذا فتؤمنوا.
(١) "البحر المحيط" 5/ 353، و"زاد المسير" 4/ 295، وابن كثير 2/ 544، والقرطبي 9/ 274.
(٢) "زاد المسير" 4/ 295، والقرطبي 9/ 274، وابن عطية 8/ 96.
(٣) الطبري 13/ 80، وهو مروي عن قتادة، والثعلبي 7/ 116 ب، والبغوي 4/ 285، وابن عطية 8/ 96، وابن أبي حاتم 7/ 2210.
(٤) أخرجه أحمد في "المسند" 2/ 371، 2/ 440، عن أبي هريرة، وفي 4/ 297 عن البراء، وصحح أحمد شاكر إسناده تحت رقم: (8823)، 17/ 24، وانظر: "صحيح الجامع" (6123)، (6124).
(٥) "معاني القرآن" 2/ 55.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 131.
(٧) عند قوله تعالى: ﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ ، قال هنالك: قرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بالإضافة، قال الفراء: يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين.
فإذا اتفقا لم تقل العرب: حق الحق ولا يقين اليقين.
وعند البصريين لا يجوز إضافة الثسيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظ، وقالوا في قراعه ابن عامر: لم يجعل (الآخرة) صفة (للدار) لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة.
(٨) انظر: القرطبي 9/ 275.
(٩) "تنوير المقباس" ص 154 (١٠) في (ج): (والجنة).
(١١) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 160، و"البحر المحيط" 5/ 353، والقرطبي 9/ 275، وابن عطية 8/ 98.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ هذه سبيلي ﴾ إشارة إلى شريعة الإسلام ﴿ أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ ﴾ أي أدعو الناس إلى عبادة الله، وأنا على بصيرة من أمري وحجة واضحة ﴿ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني ﴾ أنا تأكيد للضمير في أدعو، ومن اتبعني معطوف عليه وعلى بصيرة في موضع الحال وقيل: أنا مبتدأ وعلى بصيرة خبره، فعلى هذا يوقف على قوله أدعو إلى الله، وهذا ضعيف ﴿ وسبحان الله ﴾ تقديره وأقول سبحان الله ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ ردّ على من أنكر أن يكون النبي من البشر، وقيل فيه إشارة إلى أنه لم يبعث رسولاً من النساء ﴿ مِّنْ أَهْلِ القرى ﴾ أي من أهل المدن، لا من أهل البوادي، فإن الله لم يبعث رسولاً من أهل البادية لجفائهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سبيلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ نوحي ﴾ بالنون وكسر الحاء: حفص.
الآخرون بالياء وفتح الحاء ﴿ يعقلون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وابن كثير والأعشى والبرجمي.
والباقون بتاء الخطاب.
﴿ كذبوا ﴾ مخففاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويزيد.
الباقون بالتشديد.
﴿ فنجي ﴾ بضم النون وكسر الجيم المشددة وفتح الياء: ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب.
فعلى هذا يكون فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
وعن الكسائي مثل هذا ولكن بسكون الياء.
وخطأه علي بن عيسى بناء على أنه فعل مستقبل من الإنجاء والنون لا يدغم في الجيم، أو من التنجية والنون المتحركة لا تدغم في الساكن.
وأقول: إن كان فعلاً ماضياً من التنجية والنون المتحركة لا تدغم كما في القراءة الأولى ولكن سكن الياء للتخفيف لم يلزم منه خطأ.
الآخرون: قرأوا بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء فعلاً مضارعاً من الإنجاء على حكاية الحال الماضية.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ القرى ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ط رمن قرأ ﴿ فننجي ﴾ بالتخفيف ولا وقف على ﴿ من نشاء ﴾ ومن قرأ ﴿ فنجي ﴾ مشددة وصله بما قبله ووقف على ﴿ من نشاء ﴾ ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نبأ يوسف هو من أخبار الغيب وقد مر تفسير مثل هذا في آخر قصة زكريا في سورة آل عمران.
ومعنى إجماع الأمر العزم عليه كما مر في سورة يونس في قصة نوح.
وأراد عزمهم على إلقاء يوسف في البئر وهو المكر بعينه وذلك مع سائر الغوائل من المجيء على قميصه بدم كذب ومن شراهم إياه بثمن بخس.
قال أهل النظم: إن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله على سبيل التعنت، فاعتقد رسول الله أنه إذا ذكرها فربما أمنوا فلما ذكرها لهم أصروا على كفرهم فنزل: ﴿ وما أكثر الناس ﴾ أي أكثر خلق الله المكلفين أو أكثر أهل مكة قاله ابن عباس.
﴿ ولو حرصت ﴾ جوابه مثل ما تقدم أي ولو حرصت فما هم ﴿ بمؤمنين ﴾ والحرص طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد ونظير الآية قوله: ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ ﴿ وما تسألهم عليه ﴾ على ما تحدثهم به ﴿ من أجر ﴾ كما سأل القاص ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ عظة من الله ﴿ للعالمين ﴾ عامة على لسان رسوله.
﴿ وكأين من آية ﴾ الأكثرون على أنه لفظ مركب من كاف التشبيه وأيّ التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية.
والتمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلاً، والأكثر إدخال "من" في تمييزه وقد مر في سورة البقرة في تفسير قوله : ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ }.
{الآية: 164] وفي مواضع أخر تفصيل بعض الآيات السماوية والأرضية الدالة على توحيد الصانع وصفات جلاله.
ومن جلمة الآيات قصص الأوّلين وأحوال الأقدمين.
ومعنى ﴿ يمرون عليها ﴾ أشياء يشاهدونها ﴿ وهم عنها معرضون ﴾ لا يعتبرون بها.
وقرىء ﴿ والأرض ﴾ بالرفع على الابتداء خبره ﴿ يمرون ﴾ والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر.
والحاصل أن جملة العالم العلوي والعالم السفلي محتوية على الدلائل والبينات على وجود الصانع ونعوت كماله ولكن الغافل يتعامى عن ذلك.
﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ وذلك أنهم كانوا مقرين بإلاله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ لكنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية هو الأصنام ويقولون: هم الشفعاء.
وكان أهل مكة يقولون: الملائكة بنات الله.
وعن الحسن: هم أهل الكتاب يقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله.
وعن ابن عباس: هم الذين يشبهون الله بخلقه.
احتجت الكرامية بالآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار.
والجواب أن مجرد الإقرار لو كان كافياً لما اجتمع مع الشرك غاشية عقوبة تغشاهم وتغمرهم.
﴿ قل ﴾ يا محمد لهم ﴿ هذه ﴾ السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان ﴿ سبيلي ﴾ وسيرتي وقوله ﴿ أدعو إلى الله ﴾ تفسير لـ ﴿ سبيلي ﴾ و ﴿ على بصيرة ﴾ يتعلق بأدعوا و ﴿ أنا ﴾ تأكيد للمستتر في أدعو ﴿ ومن اتبعن ﴾ عطف عليه ويجوز أن يكون ﴿ على بصيرة ﴾ حالاً من أدعو عاملة في ﴿ أنا ومن اتبعن ﴾ ، ويجوز أن يكون ﴿ أنا ﴾ مبتدأ معطوفاً عليه و ﴿ من اتبعن ﴾ و ﴿ على بصيرة ﴾ خبراً مقدماً فيكون ابتداء إخبار بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى وتشهٍ ﴿ و ﴾ قل ﴿ سبحان الله ﴾ تنزيهاً له عما أشركوا ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ لا شركاً جلياً ولا شركاً خفياً.
قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ وفي "الأنبياء" ﴿ قبلك ﴾ بغير "من" لأن قبلاً اسم للزمان السابق على ما أضيف إليه و"من" تفيد استيعاب الطرفين، وفي هذه السورة أريد الاستيعاب.
قوله: ﴿ إلا رجالاً ﴾ ردّ على من زعم أن الرسول ينبغي أن يكون ملكاً أو يمكن أن يكون امرأة مثل سجاح المتنبئة.
وقوله: ﴿ من أهل القرى ﴾ خصهم بالاستنباء لما في أهل البادية في الغلظ والجفاء ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ قال : "من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل" ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة إنما قال: ﴿ أفلم يسيروا ﴾ بالفاء بخلاف ما في "الروم" والملائكة لاتصاله بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ فكان الفاء أنسب من الواو ﴿ ولدار الآخرة ﴾ موصوفه محذوف أي ولدار الساعة والحال الآخرة لأن للناس حالين: حال الدنيا وحال الآخرة.
وبيان الخيرية قد مر في "الأنعام".
وإنما خصت ههنا بالحذف لتقدم ذكر الساعة.
قال في الكشاف: حتى غاية لمحذوف دل عليه الكلام والتقدير فتراخى نصر أولئك الرجال حتى إذا استيأسوا عن النصر أو عن إيمان القوم ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ فيه وجوه لقراءتي التخفيف والتشديد ولإمكان عود الضمير في الفعلين إلى الرسل أو إلى المرسل إليهم الدال عليهم ذكر الرسل أو السابق ذكرهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ وأما وجوه التخفيف فمنها: وظن الرسل أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو كذب رجاؤهم لقولهم رجاء صادق وكاذب.
والمراد أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله قد تطاولت وتمادت حتى توهموا أن لا نصر لهم في الدنيا.
قال ابن عباس: ظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر.
قال: وكانوا بشراً ألا تراً إلى قوله: ﴿ وزلزلوا ﴾ والعلماء حملوا قول ابن عباس على ما يخطر بالبال شبه الوسواس وحديث النفس من عالم البشرية.
وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجانبين على الآخر فلا، لأن الرسل أعرف الناس بالله وبأن ميعاده مبرأ عن وصمة الأخلاف.
ومنها وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر.
ومنها وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليه ولم يصدقوهم فيه.
وأما قراءة التشديد فإن كان الظن بمعنى اليقين فمعناه أيقن الرسل أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر عنهم الإيمان بعد فحينئذ دعوا عليهم فهناك نزل عذاب الاستئصال، أو كذبوهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.
وإن كان بمعنى الحسبان فالمعنى توهم الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا تأويل عائشة قالت: ما وعد الله محمداً شيئاً إلا وعلم أنه سيوفيه، ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم.
﴿ لقد كان في قصصهم ﴾ قصص الرسل إضافة للمصدر إلى الفاعل، ويحسن أن يقال: الضمير لإخوة يوسف وله لاختصاص هذه السورة بهم.
والعبرة نوع من الاعتبار وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، ووجه الاعتبار على العموم أن يعلم أنه لا خير إلا في العمل الصالح والتزوّد بزاد التقوى فإن الملوك الذي عمروا البلاد وقهروا العباد ثم لم يراعوا حق الله في شيء من ذلك ماتوا وانقرضوا وبقي الوزر والوبال عليهم.
وعلى الخصوص أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب وإعلاء شأنه بعد حبسه في السجن واجتماعه بأهله بعد طول البعاد قادر على إظهار محمد وإعلاء كلمته.
والكل مشترك في الدلالة على صدق محمد لأن هذا النوع من القصص الذي أعجز حملة الأحاديث ورواة الأخبار ممن لم يطالع الكتب ولم يخالط العلماء دليل ظاهر وبرهان باهر على أنه بطريق الوحي والتنزيل، وإنما يكون دليلاً واعتباراً ﴿ لأولي الألباب ﴾ وأصحاب العقول الذين يتأملون ويتفكرون لا الذين يمرون ويعرضون على أن الدليل دليل في نفسه للعقلاء وإن لم ينظر فيه مستدل قط كما أن الرئيس الحقيقي من له أهلية الرياسة وإن كان في نهاية الخمول ﴿ ما كان ﴾ مدلول القصص وهو المقصوص أو القرآن ﴿ حديثاً يفترى ﴾ لظهور إعجازه ﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية ﴿ وتفصيل كل شيء ﴾ يحتاج إليه في الدين لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس.
وقيل: تفصيل كل شيء من واقعة يوسف مع أبيه وإخوته قال الواحدي: وعلى التفسيرين فهو ليس على عمومه لأن المراد به الأصول والقوانين وما يؤل إليها ﴿ وهدى ﴾ في الدنيا ﴿ ورحمه ﴾ في الآخرة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بذلك.
التأويل: ﴿ من أنباء الغيب ﴾ لأن هذا الترتيب في السلوك لا يعلمه إلا الوالجون ملكوت السماء الغوّاصون في بحر بطن القرآن ﴿ وما كنت لديهم ﴾ بالصورة ولكن كنت حاضراً بالمعنى ﴿ وما أكثر الناس ﴾ وهم صفات الناسوتية ﴿ وما تسألهم عليه من أجر ﴾ لأن اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية وإن دعتها إلى الاستكمال لأنها كاملة في ذاتها مكملة لغيرها ﴿ وكأين من آية ﴾ في سموات القلوب وأرض النفوس تمر الأوصاف الإنسانية عليها ﴿ وهم عنها معرضون ﴾ لإقبالها على الدنيا وشهواتها ﴿ وما يؤمن ﴾ أكثر الصفات الإنسانية بطلب الله وتبدل صفاته ﴿ إلا وهم مشركون ﴾ في طلب الدنيا وشهواتها، أو طلب الآخرة ونعمها، أو وما يؤمن أكثر الخلق بالله وطلبه إلا وهم مشركون برؤية الإيمان والطلب أنها منهم لا من الله، فكل من يرى السبب فهو مشرك، وكل من يرى المسبب فهو موحد كل شيء هالك في نظر الموحد إلا وجهه، أو وما يؤمن أكثر الناس بالله وبقدرته وإيجاده إلا وهم مشركون في طلب الحاجة من غير الله ﴿ غاشية ﴾ جذبة تقهر إرادتهم.
وتسلب اختيارهم كما قيل: العشق عذاب الله ﴿ أو تأتيهم الساعة ﴾ ساعة الانجذاب إلى الله ﴿ هذه سبيلي ﴾ لأن طريق السير والسلوك مختص به وبأمته ﴿ إلا رجالاً من أهل قرى ﴾ الملكوت دون مدن الملك والأجساد، والرجال من القرى ويشبه أن يعبر عن عالم الأرواح بالقرى لبساطتها.
والقرى أقل أجزاء من المدن ﴿ أفلم يسيروا في ﴾ أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة ليصلوا إلى فضاء عالم الحقيقة ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ ففي إبطاء النصر ابتلاء للرسل؛ الله حسبي ونعم الوكيل.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ ﴾ .
[قيل]: السبيل يؤنث ويذكّر.
ويحتمل: هذه الطاعة أو العبادة لله.
يحتمل قوله - -: ﴿ سَبِيلِيۤ ﴾ هذه التي أنا عليها، ويحتمل: هذه سبيلي التي أدعوكم إلى الله.
﴿ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي ﴾ .
البصيرة: العلم والبيان والحجة النيرة؛ أي هذه سبيلي التي أنا أدعوكم إليها؛ إنما أدعوكم على بصيرة؛ أي على علم وبيان وحجة قاطعة؛ وبرهان نير؛ ليس كسائر الأديان التي يدعى إليها على الهوى والشهوة بغير حجة ولا برهان؛ ﴿ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي ﴾ \[أي: ومن اتبعني\] - أيضاً - فإنما يدعوكم أيضاً على حجة وبرهان؛ إذ من يجيبني؛ فإنما يجيب على بصيرة وبيان وحجة.
﴿ وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
قيل: كأن هذا صلة قوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ سبحان الله: تنزيهاً لما قالوا؛ وتبرئة عما قالوا في الله بما لا يليق به.
﴿ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في ألوهيته وربوبية غيره؛ أو في عبادته.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .
ذكر رجالا - والله أعلم - أي: لم نبعث رسولا من قبل إلا بشراً؛ لم نبعث ملكاً ولا جنّاً؛ فكيف أنكرتم رسالة محمد بأنه بشر؛ ولم يروا رسولا من قبل ولا سمعوا إلا من البشر؛ كقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ وكقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ هذا والله أعلم.
﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ مثلك؛ بشراً لا ملكاً ولا جنّاً، أو ذكر رجالا؛ لأنه لم يبعث امرأة رسولا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ .
أي: إنما أرسل الرسل جملة من أهل الأمصار والمدن؛ لم يبعثوا من أهل البوادي وأهل البراري والقرى؛ إنما يريد الأمصار والبنيان، وقال الله - -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ قيل: هي مكة، جميع ما ذكر في القرآن من القرية والقرى؛ يريد به الأمصار والمدن؛ وإنما بعث الرسل والأنبياء من الأمصار؛ ولم يبعثهم من البوادي ومن أهل البراري - لوجهين - والله أعلم -: أحدهما: لأن لأهل الأمصار والمدن؛ اختلاطاً بأصناف الناس؛ وامتزاجاً بأنواع الخلق، ويكون لهم تجارب بالخلق؛ فهم أعقل وأحلم وأبصر من أهل البادية والبرية، إذ اختلاطهم وامتزاجهم إنما يكون بالماشية وأنواع البهائم؛ لذلك بعثوا من الأمصار دون البادية.
وبعدُ فإن الرسل يكون لهم أسباب وأعلام تتقدم عن وقت الرسالة تحتاج إلى أن يظهر ذلك للخلق؛ ليكون ذلك أسرع إلى الإجابة لهم؛ وأدعى وأنفذ إلى القبول، فإذا كانوا من أهل البوادي لا يظهر ذلك للخلق.
والثاني: أنه يراد من الرسالة إظهارها في الخلق؛ في الآفاق والأطراف والأمصار، والمدن هي الأمكنة التي ينتاب الناس إليها في التجارات وأنواع الحوائج من الآفاق والأطراف؛ فيظهر ذلك فيها.
وفي أهل الآفاق وأما أهل البوادي والبراري؛ ليس يدخلها ولا ينقلب إليها؛ إلا الشاذة من الناس؛ ولا يقضي فيها الحوائج؛ فلا يظهر في الخلق الرسالة وما يراد بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
أي: ألم ينظروا ويتفكروا؛ فيمن هلك من قبلهم من الأمم؛ بتكذيبهم الرسل أن كيف كان عاقبتهم بالتكذيب في الدنيا؛ ليمتنعوا عن تكذيب رسولهم.
وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية؛ يخرج على وجهين: أحدهما: أي قد ساروا ونظروا كيف كان عاقبة المكذبين؛ لكنهم عاندوا ولم يعتبروا.
والثاني: أي سيروا في الأرض؛ وانظروا، ولكن ليس على نفس السير في الأرض؛ ولكن على السؤال عما نزل بأولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ الشِّرك أو خِلافَ الله ورسوله.
﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أن ذلك أفضل وخير؛ [ممن لم يتق ذلك].
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ و ﴿ كُذِبُواْ ﴾ ؛ كلاهما لغتان، قال بعضهم: أيس الرسل عن إيمان قومهم وتصديقهم الرسل، ثم يحتمل استيئاسهم عن إيمانهم؛ لكثرة ما رأوا من اعتنادهم الآيات وتفريطهم في ردها؛ أيسوا عن إيمانهم، أو كان إياسهم بالخبر عن الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ...
﴾ الآية [هود: 36] وأمثاله.
وقوله: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ قال بعضهم: وظن الرسل أن أتباعهم الضعفة قد كذبوهم؛ لكن هذا إن كان من الرسل فهو ظن من الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ [لكثرة ما أصابهم من الشدائد، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، فوقع عند الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم وإن كان من الأعداء فقد استيقن الرسل أنهم كذبوهم].
وروي عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة؛ قال: فقلت: أرأيت قول الله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ أو ﴿ كُذِبُواْ ﴾ قال: فقالت: بل كذّبهم قومهم، قال: فقلت: [أرأيت قول الله ﴿ حَتَّىٰ ﴾ ] والله لقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم؛ وما هو بالظن؛ فقالت: يا عروة لقد استيقنوا بذلك، قال: قلت: فلعلهم ظنوا أن قد كُذِبوا، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها، [قال]: وما هذه الآية؟
قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم؛ وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر؛ حتى إذا استيئست الرسل ممن كذبهم من قومهم؛ وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم؛ جاءهم نصر الله عند ذلك.
وقال بعضهم: حتى إذا استيئس الرسل عن إيمان قومهم؛ وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما أوعدوا من العذاب أنه نازل بهم؛ لما أبطأ عليهم العذاب.
وقال بعضهم: وظنوا أنهم؛ أي ظن قومهم؛ أن رسلهم قد كذبوهم خبر السماء جاءهم نصرنا.
فإن كان الآية في أتباع الرسل؛ على ما ذكر بعضهم؛ فهو كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .
فإن كانت في غيرهم من المكذبين؛ فقد جاء الرسل نصر الله.
وقوله: ﴿ فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ ﴾ من المؤمنين؛ فهو في ظاهره خبر على المستقبل؛ أي: ينجي من يشاء من هؤلاء المؤمنين.
ويشبه أن يكون على الخبر في أولئك؛ فإن كان على هذا؛ فيجيء أن يكون نجينا من نشاء منهم؛ وأهلكنا من نشاء منهم، لكن يجوز هذا في اللغة، أو يكون في الآخرة ننجي من نشاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
أي لا يرد عذابنا إذا نزل عن المجرمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فِي قَصَصِهِمْ ﴾ قصة يوسف وإخوته وغيره؛ عبرة لأولي الألباب.
ويحتمل ﴿ قَصَصِهِمْ ﴾ : قصص الرسل والأمم السالفة جميعاً عبرة لأولى الألباب، والاعتبار إنما يكون لأولي الألباب؛ الذين ينتفعون بلبهم وعقلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ ﴾ .
يحتمل؛ أي: ما حديث محمد ؛ وما أخبر من القصص وأخبار الرسل والأمم السالفة؛ بالذي افتري؛ بل إنما أخبر ما كان في الكتب السالفة على غير تعلم منه ولا دراسة كتب.
ويحتمل: ما كان هذا القرآن بالذي يقدر أن يفترى.
﴿ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
أي: تصديق الذي نزل على رسول الله - الكتب التي كانت من قبل.
﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
أي تفصيل ما للناس حاجة إليه.
﴿ وَهُدًى ﴾ من الضلالة لمن اهتدى.
﴿ وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيما ذكر من قصة يوسف وإخوته على رسول الله دلالة التصبير على [أذى] قريش؛ يقول: إن إخوة يوسف - - مع موافقتهم إياه في الدين والنسب والموالاة - عملوا بيوسف ما عملوا من الكيد والمكر به؛ فقومك - مع مخالفتهم إياك في الدين - أحرى أن تصبر على أذاهم.
وبالله العصمة.
وما بعثنا من قبلك -أيها الرسول- إلا رجالًا من البشر لا ملائكة، نوحي إليهم كما أوحينا إليك، من أهل المدن لا من أهل البوادي، فكذبتهم أممهم فأهلكناها، أفلم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بك في الأرض فيتأملوا كيف كانت نهاية المكذبين من قبلهم فيعتبروا بهم؟!
وما في الدار الآخرة من النعيم خير للذين اتقوا الله في الدنيا، أفلا تعقلون أن ذلك خير فتتقوا الله بامتثال أوامره -وأعظمها الإيمان- وباجتناب نواهيه، وأكبرها الشرك بالله.
<div class="verse-tafsir" id="91.72BGv"