الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٤٢ من سورة يوسف
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 116 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٢ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
لما ظن يوسف - عليه السلام - نجاة أحدهما ، وهو الساقي ، قال له يوسف خفية عن الآخر .
والله أعلم .
لئلا يشعره أنه المصلوب قال له : ( اذكرني عند ربك ) يقول : اذكر قصتي عند ربك - وهو الملك - فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك ، وكان من جملة مكايد الشيطان ، لئلا يطلع نبي الله من السجن .
هذا هو الصواب أن الضمير في قوله : ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) عائد على الناجي ، كما قال مجاهد ، ومحمد بن إسحاق وغير واحد .
ويقال : إن الضمير عائد على يوسف ، عليه السلام ، رواه ابن جرير ، عن ابن عباس ، ومجاهد أيضا ، وعكرمة ، وغيرهم .
وأسند ابن جرير هاهنا حديثا فقال : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " لو لم يقل - يعني : يوسف - الكلمة التي قال : ما لبث في السجن طول ما لبث .
حيث يبتغي الفرج من عند غير الله " .
وهذا الحديث ضعيف جدا; لأن سفيان بن وكيع ضعيف ، وإبراهيم بن يزيد - هو الخوزي - أضعف منه أيضا .
وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما ، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن .
والله أعلم .
وأما " البضع " ، فقال مجاهد وقتادة : هو ما بين الثلاث إلى التسع .
وقال وهب بن منبه : مكث أيوب في البلاء سبعا ويوسف في السجن سبعا ، وعذاب بختنصر سبعا .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : فلبث في السجن بضع سنين قال : ثنتا عشرة سنة .
وقال الضحاك : أربع عشرة سنة .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: (9) (اذكرني عند ربك) يقول: اذكرني عند سيدك ، (10) وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم ، كما:- 19303 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ،قال ، يعني لنبو ، (اذكرني عند ربك) : أي اذكر للملك الأعظم مظلمتي وحبسي في غير شيء، قال: أفعل.
19304 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله: (اذكرني عند ربك) قال للذي نجا من صاحبي السجن ، يوسف يقول: اذكرني عند الملك.
19305- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه .
19306 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن جابر ، عن أسباط: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك)، قال: عند ملك الأرض.
19307 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (اذكرني عند ربك)، يعني بذلك الملك.
19308- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك)، الذي نجا من صاحبي السجن ، يقول يوسف: اذكرني للملك.
19309 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال أخبرنا العوّام بن حوشب ، عن إبراهيم التيمي: أنه لما انتهى به إلى باب السجن، قال له صاحبٌ له: حاجتَك أوصني بحاجتك !
قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك ، سوى الربِّ ، قال يوسف.
(11) * * * وكان قتادة يوجِّه معنى " الظن " في هذا الموضع، إلى " الظنِّ"، الذي هو خلاف اليقين .
19310 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك)، وإنما عبارة الرؤيا بالظن ، فيحقُّ الله ما يشاءُ ويُبْطِل ما يشاء.
* * * قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة، من أن عبارة الرؤيا ظن ، فإن ذلك كذلك من غير الأنبياء .
فأما الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائنٌ ثم لا يكون ، أو أنه غير كائن ثم يكون، مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن، لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارها، لم يُؤمَن مثل ذلك في كل أخبارها.
وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها، سقطت حُجَّتها على من أرسلت إليه .
فإذا كان ذلك كذلك، كان غير جائزٍ عليها أن تخبر بخبرٍ إلا وهو حق وصدق .
فمعلومٌ، إذ كان الأمر على ما وصفت، أن يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن ، فيقول لأحدهما: أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ، ثم يؤكد ذلك بقوله: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ، عند قولهما: ( لم تر شيئا) ، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه، أنه كائن لا محالة لا شك فيه.
وليقينه بكون ذلك، قال للناجي منهما: (اذكرني عند ربك) .
فبيِّنٌ إذًا بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة في معنى قوله: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما) .
* * * وقوله: (فأنساه الشيطان ذكر ربه) وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن غفلة عَرَضت ليوسف من قبل الشيطان، نسي لها ذكر ربه الذي لو به استغاث لأسرع بما هو فيه خلاصه ، ولكنه زلَّ بها فأطال من أجلها في السجن حبسَه، وأوجع لها عقوبته، كما:- 19311 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، عن بسطام بن مسلم ، عن مالك بن دينار قال: لما قال يوسف للساقي: (اذكرني عند ربك)، قال: قيل: يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلا؟
لأطيلن حبسك!
فبكى يوسف وقال: يا ربّ، أنسى قلبي كثرة البلوى ، فقلت كلمة ، فويل لإخوتي.
19312 - حدثنا الحسن قال ،أخبرنا عبد الرزاق قال ،أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أنه ، يعني يوسف ، قال الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث.
19313 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال ، حدثنا يونس ، عن الحسن قال: قال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طولَ ما لبث ، يعني قوله: (اذكرني عند ربك)، قال: ثم يبكي الحسن فيقول: نحن إذا نـزل بنا أمرٌ فزعنا إلى الناس .
19314- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن في قوله: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك)، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا كلمة يوسُف، ما لبث في السجن طولَ ما لبث .
19315 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن إبراهيم بن يزيد ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو لم يقل يوسف ، يعني الكلمة التي قال ، ما لبث في السجن طول ما لبث ، يعني حيث يبتغي الفرج من عند غير الله.
(12) 19316 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لم يستعن يوسف على ربّه، ما لبث في السجن طول ما لبث.
.
19317 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لولا أنّ يوسف استشفع على ربه، ما لبث في السجن طول ما لبث ، ولكن إنما عوقب باستشفاعه على ربّه .
19318 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: قال له: (اذكرني عند ربك)، قال: فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا، وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكرَ ربه ، وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده، فلبث في السجن بضع سنين) بقوله: (اذكرني عند ربك).
19319- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه ، غير أنه قال: فلبث في السجن بضع سنين، عقوبةً لقوله: (اذكرني عند ربك).
19320- ...
قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو، سواء .
19321- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثل حديث المثنى ، عن أبي حذيفة .
* * * وكان محمد بن إسحاق يقول: إنما أنسى الشيطانُ الساقي ذكر أمر يوسف لملكهم .
19322 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: لما خرج ، يعني الذي ظنّ أنه ناج منهما ، رُدّ على ما كان عليه ، ورضي عنه صاحبه ، فأنساه الشيطان ذكر ذلك للملك الذي أمره يوسف أن يذكره ، فلبث يوسف بعد ذلك في السجن بضع سنين .
يقول جل ثناؤه: فلبث يوسف في السجن، لقيله للناجي من صاحبي السجن من القيل: " اذكرني عند سيدك "، بضع سنين ، عقوبةً له من الله بذلك.
* * * واختلف أهل التأويل في قدر " البضع " الذي لبث يوسف في السجن.
فقال بعضهم: هو سبع سنين .
*ذكر من قال ذلك: 19323 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد أبو عثمة قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: لبث يوسف في السجن سبعَ سنين.
(13) 19324- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (فلبث في السجن بضع سنين)، قال: سبع سنين.
19325 - حدثنا الحسن قال ،أخبرنا عبد الرزاق قال ،أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعاني قال: سمعت وهبًا يقول: أصاب أيُّوب البلاء سبع سنين، وترك في السجن يوسف سبع سنين ، وعذب بختنصر، فحُوِّل في السباع سبع سنين.
(14) 19326- حدثني المثنى قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال: زعموا أنها ، يعني" البضع " ، سبع سنين ، كما لبث يوسف.
* * * وقال آخرون: " البضع "، ما بين الثلاث إلى التسع .
*ذكر من قال ذلك: 19327 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا سليمان قال ، حدثنا أبو هلال قال: سمعت قتادة يقول: " البضع "، ما بين الثلاث إلى التسع.
19328 - حدثنا وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن منصور ، عن مجاهد: (بضع سنين)، قال: ما بين الثلاث إلى التسع.
* * * وقال آخرون: بل هو ما دون العشر .
*ذكر من قال ذلك: 19329 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ،قال ابن جريج ، قال ابن عباس: (بضع سنين)، دون العشرة.
* * * وزعم الفراء أن " البضع " لا يذكر إلا مع " عشر " ، ومع " العشرين " إلى التسعين ، وهو " نَيِّفٌ" ما بين الثلاثة إلى التسعة .
(15) وقال: كذلك رأيت العرب تفعل.
ولا يقولون: " بضع ومئة " (16) ولا " بضع وألف " ، وإذا كانت للذكران قيل: " بضع " .
* * * قال أبو جعفر :- والصواب في" البضع " من الثلاث إلى التسع، إلى العشر ، ولا يكون دون الثلاث.
وكذلك ما زاد على العقد إلى المئة ، وما زاد على المئة فلا يكون فيه " بضع " .
---------------------- الهوامش: (9) انظر تفسير" الظن" فيما سلف من فهارس اللغة ( ظنن ) .
(10) انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص : 107 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(11) في المطبوعة :" أن تذكرني عند ربك ، ينوي الرب الذي ملك يوسف" ، غير ما في المخطوطة ، وأثبت ما فيها ، إلا أنه كان هنا" أن تذكرني عند رب" بغير كاف ، والصواب ما أثبت .
(12) الأثر : 19315 -" إبراهيم بن يزيد الخوزي القرشي" ، متروك منكر الحديث ، ليس بثقة ، كان يتهم بالكذب .
مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17313 .
فهذا خبر ضعيف الإسناد جدًا ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 39 ، مطولا ، قال :" رواه الطبراني ، وفيه إبراهيم بن يزيد القرشي المكي ، وهو متروك" .
ورواه الطبري في تاريخه 1 : 177 .
أما سائر الأخبار قبله وبعده ، فهي مرسلة لا حجة في شيء منها .
(13) الأثر : 19323 -" محمد ، أبو عثمة" ، هو :" محمد بن خالد بن عثمة" ، سلف مرارًا ، آخرها رقم : 10142 ، وانظر رقم : 5314 ، 5483 ، ورواية محمد بن بشار عنه ، وروايته هو عن" سعيد بن بشير" ، عن قتادة .
(14) الأثر : 19325 -" عمران أبو الهذيل الصنعاني" ، هو :" عمران بن عبد الرحمن بن مرثد" ،" أبو الهذيل" ثقة سمع وهب بن منبه ، وزياد بن فيروز ، والقاسم بن تنخسره .
مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 301 .
وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 177 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة :" يجول في السباع" والمخطوطة غير منقوطة .
والصواب من التاريخ ، وعنى بقوله" حول في السباع" .
أي : مسخ سبعًا من السباع .
(15) الأثر : 19327 - :" ابن بشار" ، هو" محمد بن بشار" مضى مرارًا .
و" سلمان" هو" وسليمان بن داود بن الجارود" ، أبو داود الطيالسي الإمام المشهور ، مضى مرارًا .
و" أبو هلال" هو" محمد بن سليم الراسبي" ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 15351 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة" سمعت أبا قتادة" ، وهو خطأ ، فإن أبا هلال الراسبي ، يروي عن" قتادة" .
(16) هذه عبارة غير واضحة .
وقد نقل صاحب اللسان عن ابن بري قال :" وحكى عن الفراء في قوله :" بضع سنين" ، أن" البضع" لا يذكر إلا مع العشر والعشرين إلى التسعين .
ولا يقال فيما بعد ذلك ، يعني أنه يقال : مئة ونيف" .
اللسان ( بضع ) .
قوله تعالى : وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنينفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : وقال للذي ظن " ظن " هنا بمعنى أيقن ، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين ; قال : إنما ظن يوسف نجاته لأن [ ص: 170 ] العابر يظن ظنا وربك يخلق ما يشاء ; والأول أصح وأشبه بحال الأنبياء وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا كان عن وحي ، وإنما يكون ظنا في حكم الناس ، وأما في حق الأنبياء فإن حكمهم حق كيفما وقع .الثانية : قوله تعالى : اذكرني عند ربك أي سيدك ، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد رب ; قال الأعشى :ربي كريم لا يكدر نعمة وإذا تنوشد في المهارة أنشداأي اذكر ما رأيته ، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك ، وأخبره أني مظلوم محبوس بلا ذنب .
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضئ ربك ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي مولاي ولا يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي فتاتي غلامي .
وفي القرآن : " اذكرني عند ربك " إلى ربك " إنه ربي أحسن مثواي " أي صاحبي ; يعني العزيز .
ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه : قد ربه يربه ، فهو رب له .
قال العلماء قوله - عليه السلام - : لا يقل أحدكم وليقل من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى ; لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم ; ولأنه قد جاء عنه - عليه السلام - أن تلد الأمة ربها أي مالكها وسيدها ; وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ ; فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن .
وقد قيل : إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين : أحدهما : أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى ; ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه ، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه ; وذلك غير جائز .
والثاني : أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية ، فيحمله ذلك على سوء الطاعة .
وقال ابن شعبان في " الزاهي " : لا يقل السيد عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربي ولا ربتي وهذا محمول على ما ذكرنا .
وقيل : إنما قال - صلى الله عليه وسلم - لا يقل العبد ربي وليقل سيدي لأن الرب من أسماء الله - تعالى - المستعملة بالاتفاق ; واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا ؟
فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح ; إذ لا التباس ولا إشكال ، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا الاستعمال كلفظ [ ص: 171 ] الرب ، فيحصل الفرق .
وقال ابن العربي : يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف - عليه السلام - .الثالثة : قوله تعالى : فأنساه الشيطان ذكر ربه الضمير في " فأنساه " فيه قولان : أحدهما : أنه عائد إلى يوسف - عليه السلام - أي أنساه الشيطان ذكر الله - عز وجل - ; وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك - حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك - اذكرني عند ربك نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به ، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق ; فعوقب باللبث .
قال عبد العزيز بن عمير الكندي : دخل جبريل على يوسف النبي - عليه السلام - في السجن فعرفه يوسف ، فقال : يا أخا المنذرين !
ما لي أراك بين الخاطئين ؟
!
فقال جبريل - عليه السلام - : يا طاهر ابن الطاهرين !
يقرئك السلام رب العالمين ويقول : أما استحيت إذ استغثت بالآدميين ؟
!
وعزتي !
لألبثنك في السجن بضع سنين ; فقال : يا جبريل !
أهو عني راض ؟
قال : نعم !
قال : لا أبالي الساعة .
وروي أن جبريل - عليه السلام - جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطول سجنه ، وقال له : يا يوسف !
من خلصك من القتل من أيدي إخوتك ؟
!
قال : الله تعالى ، قال : فمن أخرجك من الجب ؟
قال : الله تعالى قال : فمن عصمك من الفاحشة ؟
قال : الله تعالى ، قال : فمن صرف عنك كيد النساء ؟
قال : الله تعالى ، قال : فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله ؟
!
قال : يا رب كلمة زلت مني !
أسألك يا إله إبراهيم وإسحاق والشيخ يعقوب - عليهم السلام - أن ترحمني ; فقال له جبريل : فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين .
وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال : اذكرني عند ربك ما لبث في السجن بضع سنين .
وقال ابن عباس : عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما اذكرني عند ربك ولو ذكر يوسف ربه لخلصه .
وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لولا كلمة يوسف - يعني قوله : اذكرني عند ربك - ما لبث في السجن ما لبث قال : ثم يبكي الحسن ويقول : نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس .
وقيل : إن الهاء تعود على الناجي ، فهو الناسي ; أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه ، أي لسيده ; وفيه حذف ، أي أنساه الشيطان ذكره لربه ; وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال : لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن ; إذ الناسي غير مؤاخذ .
[ ص: 172 ] وأجاب أهل القول الأول بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك ، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب ; رد عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى : وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة فدل على أن الناسي هو الساقي لا يوسف ; مع قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان ، وليس له على الأنبياء سلطنة ؟
!
قيل : أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد ، وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلغونه ، فإنهم معصومون فيه ; وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقا ، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم ، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم ; قال - صلى الله عليه وسلم - : نسي آدم فنسيت ذريته .
وقال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون .
وقد تقدم .الرابعة : قوله تعالى : فلبث في السجن بضع سنين البضع قطعة من الدهر مختلف فيها ; قال يعقوب عن أبي زيد : يقال بضع وبضع بفتح الباء وكسرها ، قال أكثرهم : ولا يقال بضع ومائة ، وإنما هو إلى التسعين .
وقال الهروي : العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع .
والبضع والبضعة واحد ، ومعناهما القطعة من العدد .
وحكى أبو عبيدة أنه قال : البضع ما دون نصف العقد ، يريد ما بين الواحد إلى أربعة ، وهذا ليس بشيء .
وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - : وكم البضع فقال : ما بين الثلاث إلى السبع .
فقال : اذهب فزائد في الخطر .
وعلى هذا أكثر المفسرين ، أن البضع سبع ، حكاه الثعلبي .
قال الماوردي : وهو قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقطرب .
وقال مجاهد : من ثلاث إلى تسع ، وقاله الأصمعي .
ابن عباس : من ثلاث إلى عشرة .
وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس قال الفراء : والبضع لا يذكر إلا مع العشرة والعشرين إلى التسعين ، ولا يذكر بعد المائة .
وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجونا ثلاثة أقاويل :[ ص: 173 ] أحدها : سبع سنين ، قاله ابن جريج وقتادة ووهب بن منبه ، قال وهب : أقام أيوب في البلاء سبع سنين ، وأقام يوسف في السجن سبع سنين .
الثاني : - اثنتا عشرة سنة ، قاله ابن عباس .
الثالث : أربع عشرة سنة ، قاله الضحاك .
وقال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس قال : مكث يوسف في السجن خمسا وبضعا .
واشتقاقه من بضعت الشيء أي قطعته ، فهو قطعة من العدد ، فعاقب الله يوسف بأن حبس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت ، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله .
قال وهب بن منبه : حبس يوسف في السجن سبع سنين ، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين ، وعذب بختنصر بالمسخ سبع سنين .
وقال عبد الله بن راشد البصري عن سعيد بن أبي عروبة : إن البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرة سنة .الخامسة : في هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلا فإن الأمور بيد مسببها ، ولكنه جعلها سلسلة ، وركب بعضها على بعض ، فتحريكها سنة ، والتعويل على المنتهى يقين .
والذي يدل على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر ; وهذا بين فتأملوه .
أي: { وَقَالَ } يوسف عليه السلام: { لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا } وهو: الذي رأى أنه يعصر خمرا: { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } أي: اذكر له شأني وقصتي، لعله يرقُّ لي، فيخرجني مما أنا فيه، { فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذكر الله تعالى، وذكر ما يقرب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذكر يوسف الذي يستحق أن يجازى بأتم الإحسان، وذلك ليتم الله أمره وقضاءه.
{ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } والبضع من الثلاث إلى التسع، ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج يوسف من السجن، قدر لذلك سببا لإخراج يوسف وارتفاع شأنه وإعلاء قدره، وهو رؤيا الملك.
( وقال ) يعني : يوسف عند ذلك ( للذي ظن ) علم ( أنه ناج منهما ) وهو الساقي ( اذكرني عند ربك ) يعني : سيدك الملك ، وقل له : إن في السجن غلاما محبوسا ظلما طال حبسه .
( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) قيل : أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك ، تقديره : فأنساه الشيطان ذكره لربه .
قال ابن عباس وعليه الأكثرون : أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه حين ابتغى الفرج ، من غيره واستعان بمخلوق ، وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان .
( فلبث ) فمكث ( في السجن بضع سنين ) واختلفوا في معنى البضع ، فقال مجاهد : ما بين الثلاث إلى السبع .
وقال قتادة : ما بين الثلاث إلى التسع .
وقال ابن عباس : ما دون العشرة .
وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين ، وكان قد لبث قبله خمس سنين فجملته اثنتا عشرة سنة .
وقال وهب : أصاب أيوب البلاء سبع سنين ، وترك يوسف في السجن سبع سنين ، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين .
قال مالك بن دينار : لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك ، قيل له : يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك ، فبكى يوسف وقال : يا رب ، أنسى قلبي كثرة البلوى ، فقلت كلمة ولن أعود .
وقال الحسن : دخل جبريل على يوسف في السجن ، فلما رآه يوسف عرفه ، فقال له : يا أخا المنذرين مالي أراك بين الخاطئين ؟
فقال له جبريل : يا طاهر الطاهرين ، يقرأ عليك السلام رب العالمين ، ويقول لك : أما استحييت مني أن استشفعت بالآدميين ، فوعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين ، قال يوسف : وهو في ذلك عني راض ؟
قال : نعم ، قال : إذا لا أبالي .
وقال كعب : قال جبريل ليوسف إن الله تعالى يقول من خلقك ؟
قال : الله ، قال : فمن حببك إلى أبيك ؟
قال : الله ، قال : فمن نجاك من كرب البئر ؟
قال : الله ، قال : فمن علمك تأويل الرؤيا ؟
قال : الله ، قال : فمن صرف عنك السوء والفحشاء ؟
قال : الله ، قال : فكيف استشفعت بآدمي مثلك ؟
.
«وقال للذي ظن» أيقن «أنه ناج منهما» وهو الساقي «اذكرني عند ربك» سيدك فقل له إن في السجن غلاما محبوسا ظلما فخرج «فأنساه» أي الساقي «الشيطان ذكْرَ» يوسف عند «ربه فلبث» مكث يوسف «في السجن بضع سنين» قيل سبعا وقيل اثنتي عشرة.
وقال يوسف للذي علم أنه ناجٍ من صاحبيه: اذكرني عند سيِّدك الملك وأخبره بأني مظلوم محبوس بلا ذنب، فأنسى الشيطان ذلك الرجل أن يذكر للملك حال يوسف، فمكث يوسف بعد ذلك في السجن عدة سنوات.
ثم ختم يوسف - عليه السلام - حديثه مع صاحبيه فى السجن ، بأن أوصى الذى سينجوا منهما بوصية حكاها القرآن فى قوله : ( وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذكرني عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ ) .أى : " وقال " يوسف - عليه السلام - للفتى الذى اعتقد أنه سينجو منهما وهو ساقى الملك ، أيها الساقى بعد أن تخرج من السجن وتعود إلى عملك عند سيدك الملك ، اذكر حقيقة حالى عنده ، وأنى سجين مظلوم .ولكن الساقى بعد أن عاد إلى عمله عند الملك ، لم ينفذ الوصية ، لأن الشيطان أنساه ما قاله له يوسف ، فكانت النتيجة أن لبث يوسف - عليه السلام - فى السجن مظلوما بعض سنين .والبضع - بالكسر - من ثلاث إلى تسع ، وهو مأخذو من البضع - بالفتح - بمعنى القطع والشق .
يقال : بضعت الشئ أى : قطعته .وقد اختلفوا فى المدة الى قضاها يوسف فى السجن على أقوال من أشهرها أنه لبث فيه سبع سنين .وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى " فأنساه " يعود إلى ساقى الملك ، ويكون المراد بربه أى : سيده ملك مصر .وهناك من يرى أن الضمير فى قوله " فأنساه " يعود إلى يوسف - عليه السلام - وأن المراد بالرب عننا : الخالق - عز وجل - ، وعليه يكون المعنى .وقال يوسف - عليه السلام - للفتى الذى اعتقد نجاته وهو ساقى الملك : اذكر مظلمتى عند سيدك الملك عندما تعود إليه .
واذكر له إحسانى لتفسير الرؤى .
.وقوله ( فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ ) أى : فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر حاجته لله وحد ، ولا يذركها للساقى ليبلغها إلى الملك .فكانت النتيجة أن لبث يوسف فى السجن بضع سنين بسبب هذا الاعتماد على المخلوق؟والذى يبدو لنا أن التفسير الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ..
.
) يدل دلالة واضحة على أن الضمير فى قوله " فأنساه " يعود إلى ساقى الملك ، وأن المراد بربه أى سيده .وقد علق الإِمام الرازى على هذه الآية تعليقا يشعر بترجيحه للرأى الثانى فقال ما ملخصه : " واعلم أن الاستعانة بالناس فى دفع الظلم جائزة فى الشريعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق ، إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية ، وألا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب .
.ثم قال والذى جربته من أول عمري إلى آخره أ الإِنسان كلما عول فى أمر من الأمور على غير الله ، صار ذلك سببا إلى البلاء وإلى المحنة .
.
وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه ، فهذه التجربة قد استمرت لى من أول عمرى إلى هذا الوقت الذى بعث فيه السابعة والخمسين من عمرى .ثم قال : واعلم أن الحق هو قول من قال إن الضمير فى قوله : ( فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ ) راجع إلى يوسف .
.
والمعنى : أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر به وخالقه .
.ونحن مع احترامنا لرأى الفخر الرازى ، إلا أننا ما زلنا نرى أن عودة الضمير فى قوله " فأنساه " إلى الساقى الذى ظن يوسف أنه هو الناجى من العقوبة ، أولى لما سبق أن ذكرناه .قال ابن كثير : وقوله ( اذكرني عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ .
.
.
)أى : " قال يوسف اذكر قصتى عند ربك وهو الملك ، فنسى ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك ، وكان نسيانه من جملة مكايد الشيطان .
.
هذا هو الصواب أن الضمير فى قوله : " فأنساه " .
.
عائد على الناجى كما قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد .
.وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا بأسلوبها المشوق الحكيم جابنا من حياة يوسف - عليه السلام - فى السجن فماذا كان بعد ذلك؟
فيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الموصوف بالظن هو يوسف عليه السلام أو الناجي فعلى الأول كان المعنى وقال الرجل الذي ظن يوسف عليه السلام كونه ناجياً، وعلى هذا القول وجهان: الأول: أن تحمل هذا الظن على العلم واليقين، وهذا إذا قلنا بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الوحي.
قال هذا القائل وورود لفظ الظن بمعنى اليقين كثير في القرآن.
قال تعالى: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ رَّبُّهُمْ ﴾ وقال: ﴿ إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ ﴾ والثاني: أن تحمل هذا الظن على حقيقة الظن، وهذا إذا قلنا إنه عليه السلام ذكر ذلك التعبير لا بناء على الوحي، بل على الأصول المذكورة في ذلك العلم، وهي لا تفيد إلا الظن والحسبان.
والقول الثاني: أن هذا الظن صفة الناجي، فإن الرجلين السائلين ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف ورسالته، ولكنهما كانا حسني الاعتقاد فيه، فكان قوله لا يفيد في حقهما إلا مجرد الظن.
المسألة الثانية: قال يوسف عليه السلام لذلك الرجل الذي حكم بأنه يخرج من الحبس ويرجع إلى خدمة الملك ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ أي عند الملك.
والمعنى: اذكر عنده أنه مظلوم من جهة إخوته لما أخرجوه وباعوه، ثم إنه مظلوم في هذه الواقعة التي لأجلها حبس، فهذا هو المراد من الذكر.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبّهِ ﴾ وفيه قولان: الأول: أنه راجع إلى يوسف، والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه، وعلى هذا القول ففيه وجهان: أحدهما: أن تمسكه بغير الله كان مستدركاً عليه، وتقريره من وجوه: الأول: أن مصلحته كانت في أن لا يرجع في تلك الواقعة إلى أحد من المخلوقين وأن لا يعرض حاجته على أحد سوى الله، وأن يقتدي بجده إبراهيم عليه السلام، فإنه حين وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار جاءه جبريل عليه السلام وقال: هل من حاجة، فقال أما إليك فلا، فلما رجع يوسف إلى المخلوق لا جرم وصف الله ذلك بأن الشيطان أنساه ذلك التفويض، وذلك التوحيد، ودعاه إلى عرض الحاجة إلى المخلوقين، ثم لما وصفه بذلك ذكر أنه بقي لذلك السبب في السجن بضع سنين، والمعنى أنه لما عدل عن الانقطاع إلى ربه إلى هذا المخلوق عوقب بأن لبث في السجن بضع سنين، وحاصل الأمر أن رجوع يوسف إلى المخلوق صار سبباً لأمرين: أحدهما: أنه صار سبباً لاستيلاء الشيطان عليه حتى أنساه ذكر ربه.
الثاني: أنه صار سبباً لبقاء المحنة عليه مدة طويلة.
الوجه الثاني: أن يوسف عليه السلام قال في إبطال عبادة الأوثان ﴿ أَأرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار ﴾ ثم إنه هاهنا أثبت رباً غيره حيث قال: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ ومعاذ الله أن يقال إنه حكم عليه بكونه رباً بمعنى كونه إلهاً، بل حكم عليه بالربوبية كما يقال: رب الدار، ورب الثوب على أن إطلاق لفظ الرب عليه بحسب الظاهر يناقض نفي الأرباب.
الوجه الثالث: أنه قال في تلك الآية ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، وذلك نفي للشرك على الإطلاق، وتفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى، فهاهنا الرجوع إلى غير الله تعالى كالمناقض لذلك التوحيد.
واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فهذا وإن كان جائزاً لعامة الخلق إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب.
الوجه الثاني: في تأويل الآية أن يقال: هب أنه تمسك بغير الله وطلب من ذلك الساقي أن يشرح حاله عند ذلك الملك، إلا أنه كان من الواجب عليه أن لا يخلي ذلك الكلام من ذكر الله مثل أن يقول إن شاء الله أو قدر الله فلما أخلاه عن هذا الذكر وقع هذا الاستدراك.
القول الثاني: أن يقال إن قوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبّهِ ﴾ راجع إلى الناجي والمعنى: أن الشيطان أنسى ذلك الفتى أن يذكر يوسف للملك حتى طال الأمر ﴿ فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ ﴾ بهذا السبب، ومن الناس من قال القول الأول أولى لما روي عنه عليه السلام قال: «رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن».
وعن قتادة أن يوسف عليه السلام عوقب بسبب رجوعه إلى غير الله، وعن إبراهيم التيمي أنه لما انتهى إلى باب السجن قال له صاحبه: ما حاجتك قال: أن تذكرني عند رب سوى الرب الذي قال يوسف، وعن مالك لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قيل: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فقلت هذه الكلمة فويل لإخوتي.
قال مصنف الكتاب فخر الدين الرازي رحمه الله، والذي جربته من أول عمري إلى آخره أن الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سبباً إلى البلاء والمحنة، والشدة والرزية، وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق ذلك المطلوب على أحسن الوجوه فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين، فعند هذا استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه ومن الناس من رجح القول الثاني لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل أولى من صرفها إلى يوسف الصديق، ولأن الاستعانة بالعباد في التخلص من الظلم جائزة.
واعلم أن الحق هو القول الأول وما ذكره هذا القائل الثاني تمسك بظاهر الشريعة وما قرره القائل الأول تمسك بأسرار الحقيقة ومكارم الشريعة، ومن كان له ذوق في مقام العبودية وشرب من مشرب التوحيد عرف أن الأمر كما ذكرناه، وأيضاً ففي لفظ الآية ما يدل على أن هذا القول ضعيف، لأنه لو كان المراد ذلك لقال فأنساه الشيطان ذكره لربه.
المسألة الثالثة: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة لا إنكار عليه إلا أنه لما كان ذلك مستدركاً من المحققين المتوغلين في بحار العبودية لا جرم صار يوسف عليه السلام مؤاخذاً به، وعند هذا نقول: الذي يصير مؤاخذاً بهذا القدر لأن يصير مؤاخذاً بالإقدام على طلب الزنا ومكافأة الإحسان بالإساءة كان أولى فلما رأينا الله تعالى آخذه بهذا القدر، ولم يؤاخذه في تلك القضية ألبتة، وما عابه بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء علمنا أنه عليه السلام كان مبرأ مما نسبه الجهال والحشوية إليه.
المسألة الرابعة: الشيطان يمكنه إلقاء الوسوسة، وأما النسيان فلا، لأنه عبارة عن إزالة العلم عن القلب، والشيطان لا قدرة له عليه، وإلا لكان قد أزال معرفة الله تعالى عن قلوب بني آدم.
وجوابه: أنه يمكنه من حيث إنه بوسوسته يدعو إلى سائر الأعمال واشتغال الإنسان بسائر الأعمال يمنعه عن استحضار ذلك العلم وتلك المعرفة.
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: بحسب اللغة قال الزجاج: اشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت ومعناه القطعة من العدد قال الفراء: ولا يذكر البضع إلا مع عشرة أو عشرين إلى التسعين وذلك يقتضي أن يكون مخصوصاً بما بين الثلاثة إلى التسعة، وقال هكذا رأيت العرب يقولون وما رأيتهم يقولون بضع ومائة، وروى الشعبي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: كم البضع قالوا الله ورسوله أعلم قال: ما دون العشرة واتفق الأكثرون على أن المراد هاهنا ببضع سنين، سبع سنين قالوا: إن يوسف عليه السلام حين قال لذلك الرجل: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ كان قد بقي في السجن خمس سنين ثم بقي بعد ذلك سبع سنين.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما تضرع يوسف عليه السلام إلى ذلك الرجل كان قد اقترب وقت خروجه فلما ذكر ذلك لبث في السجن بعده سبع سنين، وروي أن الحسن روى قوله صلوات الله عليه وسلامه: رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن هذه المدة الطويلة ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر تضرعنا إلى الناس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ ﴾ الظانّ هو يوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي، ويكون الظنّ بمعنى اليقين ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ صفني عند الملك بصفتي، وقص عليه قصتي لعله يرحمني وينتاشني من هذه الورطة ﴿ فَأَنْسَاهُ الشيطان ﴾ فأنسى الشرابي ﴿ ذِكْرَ رَبّهِ ﴾ أن يذكره لربه.
وقيل فأنسي يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره ﴿ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ البضع ما بين الثلاث إلى التسع، وأكثر الأقاويل على أنه لبث فيه سبع سنين.
فإن قلت: كيف يقدر الشيطان على الإنسان؟
قلت: يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشيء من أسباب النسيان، حتى يذهب عنه ويزل عن قلبه ذكره، وأما الإنساء ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله عز وجل ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ [البقرة: 106] .
فإن قلت: ما وجه إضافة الذكر إلى ربه إذا أريد به الملك؟
وما هي بإضافة المصدر إلى الفاعل ولا إلى المفعول؟
قلت: قد لابسه في قولك: فأنساه الشيطان ذكر ربه، أو عند ربه فجازت إضافته إليه، لأنّ الإضافة تكون بأدنى ملابسة.
أو على تقدير: فأنساه الشيطان ذكر أخبار ربه، فحذف المضاف الذي هو الإخبار.
فإن قلت: لم أنكر على يوسف الاستعانة بغير الله في كشف ما كان فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى ﴾ [المائدة: 2] وقال حكاية عن عيسى عليه السلام ﴿ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله ﴾ [آل عمران: 52] وفي الحديث: «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم» .
«من فرّج عن مؤمن كربة فرّج الله عنه كربة من كربات الآخرة» .
وعن عائشة رضي الله عنها: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذه النوم ليلة من الليالي، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه» وهل ذلك إلا مثل التداوي بالأدوية والتقوّى بالأشربة والأطعمة.
وإن كان ذلك لأنّ الملك كان كافراً، فلا خلاف في جواز أن يستعان بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق ونحو ذلك من المضارّ؟
قلت: كما اصطفى الله تعالى الأنبياء على خليقته فقد اصطفى لهم أحسن الأمور وأفضلها وأولاها والأحسن والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه، ولا يعتضد إلا به، خصوصاً إذا كان المعتضد به كافراً؛ لئلا يشمت به الكفار ويقولوا لو كان هذا على الحق وكان له رب يغيثه لما استغاث بنا.
وعن الحسن أنه كان يبكي إذا قرأها ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما ﴾ الظّانُّ يُوسُفُ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ وإنْ ذَكَرَهُ عَنْ وحْيٍ فَهو النّاجِي إلّا أنْ يُؤَوَّلَ الظَّنُّ بِاليَقِينِ.
﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ اذْكُرْ حالِي عِنْدَ المَلِكِ كَيْ يُخَلِّصَنِي.
﴿ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ فَأنْسى الشَّرّابِيَّ أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ، فَأضافَ إلَيْهِ المَصْدَرَ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ أوْ عَلى تَقْدِيرِ ذِكْرِ أخْبارِ رَبِّهِ، أوْ أُنْسِيَ يُوسُفُ ذِكْرَ اللَّهِ حَتّى اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ الخَمْسِ» .
والِاسْتِعانَةُ بِالعِبادِ في كَشْفِ الشَّدائِدِ وإنْ كانَتْ مَحْمُودَةً في الجُمْلَةِ لَكِنَّها لا تَلِيقُ بِمَنصِبِ الأنْبِياءِ.
﴿ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ مِنَ البِضْعِ وهو القَطْعُ.
<div class="verse-tafsir"
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
{وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا} الظان هو يوسف عليه السلام إن كان تأويله بطريق الاجتهاد وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي أو يكون الظن بمعنى اليقين {اذكرني عند ربك} صفنى عند المك بصفتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني من هذه الورطة {فَأَنْسَاهُ الشيطان} فأنسى الشرابي {ذِكْرَ رَبّهِ} أن يذكره لربه أو عند ربه أو فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره وفي الحديث رحم الله
أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً {فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ} أي سبعاً عند الجمهور والبضع ما بين الثلاث إلى التسع
﴿ وقالَ ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ ﴾ أُوثِرَ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مُبالَغَةً في الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ النَّجاةِ حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ إلَخْ، وهو السِّرُّ في إيثارِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: لِلَّذِي ظَنَّهُ ناجِيًا ﴿ مِنهُما ﴾ أيْ مِن صاحِبَيْهِ، وإنَّما ذَكَرَ بِوَصْفِ النَّجاةِ تَمْهِيدًا لِمَناطِ التَّوْصِيَةِ بِالذِّكْرِ بِما يَدُورُ عَلَيْهِ الِامْتِيازُ بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ المَذْكُورِ بِوَصْفِ الهَلاكِ، والظّانُّ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا صاحِبُهُ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ لِأنَّ التَّوْصِيَةَ لا تَدُورُ عَلى ظَنِّ النّاجِي بَلْ عَلى ظَنِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِمَعْنى اليَقِينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ ونَظائِرِهِ.
ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ والتَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى فالتَّعْبِيرُ عَلى هَذا بِالوَحْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ( قُضِيَ الأمْرُ ) إلَخْ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ، والتَّعْبِيرُ بِالِاجْتِهادِ والحُكْمُ بِقَضاءِ الأمْرِ أيْضًا اجْتِهادِيٌّ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا ظَنِّيٌّ لا قَطْعِيٌّ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ -لِناجٍ- أوِ الحالِ مِنَ المَوْصُولِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا -بِناجٍ- لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ ﴿ اذْكُرْنِي ﴾ بِما أنا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ والصِّفَةِ.
﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ سَيِّدِكَ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْتَهى بِالنّاجِي في اليَوْمِ الثّالِثِ إلى بابِ السِّجْنِ قالَ لَهُ: أوْصِنِي بِحاجَتِكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: حاجَتِي أنْ تَذْكُرَنِي عِنْدَ رَبِّكَ وتَصِفَنِي بِصِفَتِيِ الَّتِي شاهَدْتَها ﴿ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ أنْسى ذَلِكَ النّاجِيَ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ في قَلْبِهِ أشْغالًا حَتّى يُذْهَلَ عَنِ الذِّكْرِ، وإلّا فالإنْساءُ حَقِيقَةً لِلَّهِ تَعالى، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَإنَّ تَوْصِيَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُتَضَمِّنَةَ لِلِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَتْ باعِثَةً لِما ذَكَرَ مِن إنْسائِهِ ﴿ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ أيْ ذِكْرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ المَلِكِ، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذِكْرِ إخْبارِ رَبِّهِ (فَلَبِثَ) أيْ فَمَكَثَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ أوِ الإنْساءِ ﴿ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ مِنَ الثَّلاثِ إلى السَّبْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، ولا يُذْكَرُ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: إلّا مَعَ العَشَراتِ دُونَ المِائَةِ والألْفِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البِضْعِ بِمَعْنى القَطْعِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا في أكْثَرِ الأقاوِيلِ سَبْعُ سِنِينَ وهي مُدَّةُ لُبْثِهِ كُلُّها فِيما صَحَّحَهُ البَعْضُ، وسَنَتانِ مِنها كانَتْ مُدَّةَ لُبْثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ فاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأنَّ لُبْثَ هَذا المَجْمُوعِ مُسَبَّبٌ عَمّا ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ السَّبْعَ مُدَّةُ لُبْثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ، وقَدْ لَبِثَ قَبْلَها خَمْسًا فَجَمِيعُ المُدَّةِ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ «”رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ خَمْسٍ“،» وتُعُقِّبَ بِأنَّ الخَبَرَ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذا اللَّفْظِ وإنَّما الثّابِتُ في عِدَّةِ رِواياتٍ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ وهو لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعى، ورَوى ابْنُ حاتِمٍ عَنْ طاوُسٍ والضَّحّاكِ تَفْسِيرَ البِضْعِ هَهُنا بِأرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وهو خِلافُ المَعْرُوفِ في تَفْسِيرِهِ، والأوْلى أنْ لا يُجْزَمَ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ كَما قَدَّمْنا، وكَوْنُ هَذا اللُّبْثِ مُسَبَّبًا عَنِ القَوْلِ هو الَّذِي تَظافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ كالخَبَرِ السّابِقِ، والخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أنَسٍ قالَ: ”أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ؟
قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ؟
قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ؟
قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما بالُكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا؟
قالَ: يا رَبِّ كَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: وعِزَّتِي لَأُدْخِلَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ“، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولا يُشْكَلُ عَلى هَذا أنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالعِبادِ في كَشْفِ الشَّدائِدِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ﴾ فَكَيْفَ عُوتِبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ، واللّائِقُ بِمَناصِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَرْكُ ذَلِكَ والأخْذُ بِالعَزائِمِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ لِلشَّرابِيِّ ما قالَ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى هِدايَةِ المَلِكِ وإيمانِهِ بِاللَّهِ تَعالى كَما تَوَصَّلَ إلى إيضاحِ الحَقِّ لِصاحِبَيْهِ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ الِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيجِ كَرْبِهِ وخَلاصِهِ مِنَ السَّجْنِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، ومُوجِبٌ لِلطَّعْنِ في غَيْرِ ما خَبَرٍ، نَعَمْ إنَّهُ اللّائِقُ بِمَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ -أنْساهُ- و(رَبِّهِ) عائِدَيْنِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْساءُ الشَّيْطانِ لَيْسَ مِنَ الإغْواءِ في شَيْءٍ بَلْ هو تَرْكُ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ لِمَقامِ الخَواصِّ الرّافِعِينَ لِلْأسْبابِ مِنَ البَيْنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِمَكانِ الفاءِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"
ثم دعاهما إلى الإسلام فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ يعني: الخباز والساقي أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ أي: الآلهة وعبادتها خَيْرٌ أَمِ عبادة اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.
ثم قال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أي: من الآلهة إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يعني: لا عذر ولا حجة بعبادتكم إياها، إِنِ الْحُكْمُ يعني: ما القضاء فيكم إِلَّا لِلَّهِ في الدنيا والآخرة أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ يعني: أمر في الكتاب أن لا تطيعوا في التوحيد إلا إياه ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني: هذا التوحيد هو الدين المستقيم، وهو دين الإسلام الذي لا عوج فيه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَّ يَعْلَمُونَ أن دين الله هو الإسلام.
ثم أخبرهما بتأويل الرؤيا، بعد ما نصحهما ودعاهما إلى الإسلام، وأخذ عليهما الحجة فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وهو الساقي.
قال له يوسف: تكون في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج، فتكون على عملك، وتسقي سيدك خمراً.
وقرأ بعضهم: فَيَسْقِي بضمّ الياء من أسقيته إذا جعلت له سقيا يعني: تتخذ الشراب الذي تسقي للملك.
قراءة العامة فَيَسْقِي بنصب الياء، يقال: سَقَيْتُهُ إذا ناولته.
ثم بيّن تأويل رؤيا الآخر فقال: وَأَمَّا الْآخَرُ وهو الخباز فَيُصْلَبُ يعني: يخرج من السجن بعد ثلاثة أيام ويصلب فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ.
فلما أخبرهما يوسف بتأويل الرؤيا، قالا: ما رأينا شيئاً، فقال لهما يوسف : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ يعني: تسألان، رأيتماها أو لم ترياها، قلتما لي، وقلت لكما، فكذلك يكون.
وروى إبراهيم النخعي عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «إنهما كان يتحاكما ليجرّباه، فلما أوَّلَ رؤياهما، قالا: إنما كنا نلعب» قال يوسف: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : فعلى هذا إِنما أعلمهم بأنه يعلم مغيَّباتٍ لا تعلُّق لها برؤْيَا، وقصد بذلك أحَدَ الوجهَيْنِ المتقدِّمين، وهذا على ما روي أنه نبىء في السجن فإِخباره كإِخبار عيسَى عليه السلام.
وقوله: تَرَكْتُ، مع أنه لم يتشبَّثْ بها جائزٌ صحيحٌ وذلك أنه أخبر عن تجنّبه من أول بالترك، وساق لفظ التَّرْك استجلابا لهما عسَى أن يتركا الترْكَ الحقيقيَّ الذي هو بَعْد الأخْذ في الشيء، والقَوْمُ المتروكُ ملتهم: المَلِكَ وأتباعه.
وقوله: وَاتَّبَعْتُ ...
الآية: تمَادٍ من يوسُفَ عليه السلام في دعائهما إِلى الملَّة الحنيفيَّة.
وقوله: مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، «مِنْ» : هي الزائدةُ المؤكِّدة التي تكونُ مع الجُحُودِ.
وقوله: لاَ يَشْكُرُونَ: يريد: الشكْرَ التَّامَّ الذي فيه الإيمان بالله عزّ وجلّ.
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
وقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ: وصْفُه لهما ب صاحِبَيِ السِّجْنِ من حيثُ سُكْنَاه كما قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ وأَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صُحْبَتَهُما له في السِّجْنِ، كأنه قال: يا صَاحِبَايَ في السجْنِ، وعرْضُه عليهما بطلاَن أمْرِ الأوثان بأنْ وصَفَها بالتفرُّق، ووَصْفُ اللَّه تعالى بالوَحْدة والقَهْر تلطُّفٌ حَسَنٌ، وأخْذٌ بيسيرِ الحُجَّة قبل كثيرها الذي ربَّما نَفَرَتْ منه طباعُ الجَاهِلِ وعانَدَتْه، وهكذا الوجْهُ في محاجَّة الجاهِلِ: أَنْ يؤخَذَ بدَرَجَةٍ يسيرةٍ من الاحتجاج يقبلها، فإِذا قبلها، لزمته عَنْها درجةٌ أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصلَ إِلى الحقِّ، وإِن أُخِذَ الجاهلُ بجميعِ المَذْهَبِ الذي يُسَاقُ إِليه دفعةً أباه للحين وعانَدَهُ، ولقد ابتلي بأربابٍ
متفرِّقين مَنْ يَخْدُم أبناء الدنيا ويؤمِّلهم.
وقوله: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً: أي: مسمَّيات، ويحتملُ- وهو الراجحُ المختار- أن يريد: ما تَعْبُدُون من دونه ألوهيَّة، ولا لكُمْ تعلُّق بإله إِلا بحَسَبِ أنْ سمَّيْتُمْ أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لا للَّه إِلا بالاسم فقطْ لا بالحقيقة، وأما الحقيقة: فَهِيَ وسائرُ الحجارة والخَشَب سواءٌ، وإِنما تعلّقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم، ومفعولُ «سميتم» الثاني محذوفٌ، تقديره: آلهة هذا على أن الأسماء يراد بها ذواتُ الأصنام، وأما على المعنى المُخْتارِ من أنَّ عبادتهم إِنما هي لمعانٍ تعطيها الأسماءُ، وليسَتْ موجودةً في الأصنام، فقوله: سَمَّيْتُمُوها بمنزلةِ وضَعْتُمُوهَا، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: أي ليس لأصنامكم، والْقَيِّمُ: معناه المستقيم، وأَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لجهالتهم وكُفْرهم، ثم نادَى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ثانيةً لتجتمع أنفسهما، لسماعِ الجواب، فروي أنه قال لنبو: أمَّا أنْتَ، فتعودُ إِلى مرتبتك وسقايةِ ربِّك، وقال لمجلث: أما أنْتَ، فتُصْلَب، وذلك كلَّه بعد ثلاثٍ، فروي أنهما قالا له: ما رَأَيْنَا شيئاً، وإِنما تحالمنا لنجرِّبك، وروي أنه لم يَقُلْ ذلك إِلا الذي حدَّثه بالصَّلْبِ، وقيل: كانا رَأَيَا، ثم أنْكَرا، ثم أخبرهما/ يوسُفُ عَنْ غَيْبِ عِلمَهُ من اللَّه تعالى، أَن الأمر قد قُضِيَ ووافَقَ القدر.
وقوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ...
الآية: الظَّنُّ هنا: بمعنى اليقين لأن ما تقدَّم من قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ يلزم ذلك، وقال قتادة: الظنُّ هنا على بابه لأن عبارة الرؤْيا «١» ظنٌّ.
قال ع «٢» : وقول يوسف عليه السلام: قُضِيَ الْأَمْرُ: دالٌّ على وحْيٍ، ولا يترتَّب قول قتادة إِلا بأَن يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ: أيْ: قُضِيَ كلامِي، وقلْتُ ما عِنْدي، وَتَمَّ، واللَّه أعلم بما يكُونُ بَعْدُ، وفي الآية تأويلٌ آخر: وهو أن يكون «ظَنَّ» مسنداً إِلى الذي قيل له: إِنه يسقي ربه خمراً لأنه داخَلَه السرور بما بُشِّر به، وغلَبَ على ظنّه ومعتقده أنه ناج.
وقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: يحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل: أن يذكره بمظلمته، وما امتحن به بغير حقّ، أو يذكره بجملة ذلك، والضمير في فَأَنْساهُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما ﴾ يَعْنِي السّاقِيَ.
وَفِي هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى العِلْمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الظَّنُّ الَّذِي يُخالِفُ اليَقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أيْ: عِنْدَ صاحِبِكَ، وهو المَلِكُ، وقُلْ لَهُ: إنَّ في السِّجْنِ غُلامًا حُبِسَ ظُلْمًا.
واسْمُ المَلِكِ الوَلِيدُ بْنُ الرَّيّانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَأنْسى الشَّيْطانُ السّاقِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ لِرَبِّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّانِي: فَأنْسى الشَّيْطانُ يُوسُفَ ذِكْرَ رَبِّهِ، وأمَرَهَ بِذِكْرِ المَلِكِ ابْتِغاءَ الفَرْجِ مِن عِنْدِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ، وهَذا نِسْيانُ عَمْدٍ، لا نِسْيانُ سَهْوٍ، وعَكْسُهُ القَوْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ أيْ: غَيْرَ ما كانَ قَدْ لَبِثَ قَبْلَ ذَلِكَ، عُقُوبَةً لَهُ عَلى تَعَلُّقِهِ بِمَخْلُوقٍ.
وَفِي البِضْعِ تِسْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ السَّبْعِ والتِّسْعِ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا ناحَبَ قُرَيْشًا عِنْدَ نُزُولِ ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ \[الرُّومِ ١،٢\] قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ " ألا احْتَطْتَ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ السَّبْعِ إلى التِّسْعِ "» .
والثّانِي: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما بَيْنَ الخَمْسِ إلى السَّبْعِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّهُ ما بَيْنَ الأرْبَعِ إلى التِّسْعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والسّادِسُ: ما بَيْن الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، والزَّجّاجُ.
والسّابِعُ: أنْ يَكُونَ البِضْعُ بَيْنَ الثَّلاثِ والتِّسْعِ والعَشَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّامِنُ: أنَّهُ ما دُونَ العَشْرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقالَ الأخْفَشُ: البِضْعُ: مِن واحِدٍ إلى عَشْرَةٍ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ ما لَمْ يَبْلُغِ العَقْدَ ولا نَصِفَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْنِي ما بَيْنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ.
ورَوى الأثْرَمُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: البِضْعُ: ما بَيْنَ ثَلاثٍ وخَمْسٍ.
وَفِي جُمْلَةِ ما لَبِثَ في السِّجْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أرْبَعَ عَشْرَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَمّا قالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ، قِيلَ لَهُ: يا يُوسُفُ، أتَّخَذْتَ مِن دُونِي وكِيلًا ؟
لِأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكى، وقالَ: يارَبِّ، أنْسى قَلْبِي كَثْرَةُ البَلْوى، فَقُلْتُ كَلِمَةً، فَوَيْلٌ لِإخْوَتِي.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ وصْفُهُ لَهُما بِـ ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ ﴾ هُوَ: إمّا عَلى أنَّ نَسَبَهُما بِصُحْبَتِهِما لِلسِّجْنِ مِن حَيْثُ سَكَناهُ، كَما قالَ تَعالى: " أصْحابُ الجَنَّةِ "، و " أصْحابِ الجَحِيمِ "، ونَحْوَ هَذا، وإمّا أنْ يُرِيدَ صُحْبَتَهُما لَهُ في السِجْنِ، فَأضافَهُما إلى السَجْنِ بِذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: يا صاحِبَيَّ في السِجْنِ، وهَذا كَما قِيلَ في الكُفّارِ: إنَّ الأصْنامَ شُرَكاؤُهم.
وعَرَضَهُ عَلَيْهِما بِطُولِ أمْرِ الأوثانِ بِأنْ وصَفَها بِالتَفَرُّقِ، ووَصَفَ اللهَ تَعالى بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ تَلَطُّفٌ حَسَنٌ وأخْذٌ بِيَسِيرِ الحُجَّةِ قَبْلَ كَثِيرِها الَّذِي رُبَّما نَفَرَتْ مِنهُ طِباعُ الجاهِلِ وعانَدَتْهُ، وهَكَذا الوَجْهُ في مُحاجَّةِ الجاهِلِ، أنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجاجِ يَقْبَلُها، فَإذا قَبِلَها لَزِمَتْهُ عنها دَرَجَةٌ أُخْرى فَوْقَها، ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا حَتّى يَصِلَ إلى الحَقِّ، وإنَّ أخْذَ الجاهِلِ بِجَمِيعِ المَذْهَبِ الَّذِي يُساقُ إلَيْهِ دَفْعَةً أباهُ لِلْحِينِ وعانَدَهُ، وقَدِ ابْتُلِيَ بِأرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ مَن يَخْدِمُ أبْناءَ الدُنْيا ويُؤَمِّلُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أسْماءً ﴾ ، ذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ أوقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ الأسْماءَ عَلى المُسَمَّياتِ وعَبَّرَ عنها بِها إذْ هي ذَواتُ أسْماءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاسْمُ الَّذِي هُوَ: (ألِفٌ وسِينٌ ومِيمٌ) قَدْ يَجْرِي في اللُغَةِ مَجْرى النَفْسِ والذاتِ والعَيْنِ، فَإنْ حَمَلْتَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ صَحَّ المَعْنى، ولَيْسَ الِاسْمُ -عَلى هَذا- بِمَنزِلَةِ التَسْمِيَةِ الَّتِي هِيَ: رَجُلٌ وحَجَرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الأسْماءِ الَّتِي في الآيَةِ أسْماءَ الأصْنامِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ اللاتِ والعُزّى ونَحْوِ ذَلِكَ مِن تَسْمِيَتِها آلِهَةً، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا ذَواتَ أسْماءٍ، وحَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ.
ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الراجِحُ المُخْتارُ إنْ شاءَ اللهُ- أنْ يُرِيدَ: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ أُلُوهِيَّةً، ولا لَكم تَعَلُّقٌ بِإلَهٍ إلّا بِحَسْبَ أنْ سَمَّيْتُمْ أصْنامَكم آلِهَةً، فَلَيْسَتْ عِبادَتُكم لِإلَهٍ إلّا بِاسْمٍ فَقَطْ لا بِالحَقِيقَةِ، وأمّا الحَقِيقَةُ فَهي وسائِرُ الحِجارَةِ والخَشَبِ سَواءٌ، فَإنَّما تَعَلَّقَتْ عِبادَتُكم بِحَسْبَ الِاسْمِ الَّذِي وضَعْتُمْ، فَذَلِكَ هو مَعْبُودُكم إذا حَصَلَ أمْرُكُمْ، فَعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِاللَفْظِ المَسْرُودِ في الآيَةِ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ وهِمَ مَن قالَ: (فِي قَوْلِنا: رَجُلٌ وحَجَرٌ) إنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى في كُلِّ حالٍ، وقَدْ بانَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ في صَدْرِ التَعْلِيقِ.
ومَفْعُولُ "سَمَّيْتُمْ" الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: آلِهَةً، هَذا عَلى أنَّ الأسْماءَ يُرادُ بِها ذَواتُ الأصْنامِ، وأمّا عَلى المَعْنى المُخْتارِ مِن أنَّ عِبادَتَهم إنَّما هي لِمَعانٍ تُعْطِيها الأسْماءُ ولَيْسَتْ مَوْجُودَةً في الأصْنامِ- فَقَوْلُهُ "سَمَّيْتُمُوها" بِمَنزِلَةِ: وضَعْتُمُوها، فالضَمِيرُ لِلتَّسْمِياتِ، وأكَّدَ الضَمِيرَ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ.
والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ لِأصْنامِكُمُ الَّتِي سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِنَ الحُكْمِ والأقْدارِ والأرْزاقِ شَيْءٌ، أيْ: فَما بالُها إذَنْ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرَدَّ عَلى حُكْمِهِمْ في نَصْبِهِمْ آلِهَةً دُونَ اللهِ تَعالى: ولَيْسَ لَهم تَعِدِّي أمْرِ اللهِ في ألّا يُعْبَدَ غَيْرُهُ.
و"القَيِّمُ" مَعْناهُ: المُسْتَقِيمُ، و ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لِجَهالَتِهِمْ وغَلَبَةِ الكُفْرِ.
ثُمَّ نادى ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ ﴾ ثانِيَةً لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ الجَوابِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لِنَبْوَ: أمّا أنْتَ فَتَعُودُ إلى مَرْتَبَتِكَ وسِقايَةِ رَبِّكَ، وقالَ لِمِجْلَثَ: أمّا أنْتَ فَتُصْلَبُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ ثَلاثٍ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا لَهُ: ما رَأيْنا شَيْئًا وإنَّما تَحالَمْنا لِنُجَرِّبَكَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا الَّذِي حَدَّثَهُ بِالصَلْبِ، وقِيلَ: كانا رَأيا ثُمَّ أنْكَرا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْقِي رَبَّهُ" مِن سَقى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيُسْقى" مِن أسْقى، وهُما لُغَتانِ لِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، "فَيُسْقى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ، أيْ: ما يُرْوِيهِ.
وأخْبَرَهُما يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ -عن غَيْبٍ عَلِمَهُ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى- أنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ ووافَقَ القَدَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ ﴾ الآيَةُ.
الظَنُّ هاهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ يَلْزَمُ ذَلِكَ، وهو يَقِينٌ فِيما لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ إلى الوُجُودِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ لِأنَّ عِبارَةَ الرُؤْيا ظَنٌّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ دالٌّ عَلى وحْيٍ، ولا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ قَتادَةَ إلّا بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ ، أيْ: قُضِيَ كَلامِي وقُلْتُ ما عِنْدِي واللهُ أعْلَمُ بِما يَكُونُ بَعْدُ.
وَفِي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهُوَ: أنْ يَكُونَ "ظَنَّ" مُسْنَدًا إلى الَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا، لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ أُبَّهَةُ السُرُورِ بِما بُشِّرَ بِهِ، وصارَ في رُتْبَةِ مَن يُؤَمَّلُ حِينَ ظَنَّ وغَلَبَ عَلى مُعْتَقَدِهِ أنَّهُ ناجٍ وذَلِكَ بِخِلافِ ما نَزَلَ بِالآخَرِ المُعَرَّفِ بِالصَلْبِ.
ومَعْنى الآيَةِ: قالَ يُوسُفُ لِساقِي المَلِكِ حِينَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى مَعَ المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ المَلِكِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنْ يُذَكِّرَهُ بِعِلْمِهِ ومَكانَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُذَكِّرَهُ بِمَظْلَمَتِهِ وما امْتُحِنَ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أو يُذَكِّرَهُ بِهِما.
والضَمِيرُ في "فَأنْساهُ" قِيلَ: هو عائِدٌ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: نَسِيَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَشْتَكِيَ إلى اللهِ، وجَنَحَ إلى الِاعْتِصامِ بِمَخْلُوقٍ، فَرُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَهُ فَعاتَبَهُ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ، وطُوِّلَ سِجْنُهُ عُقُوبَةً عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: أُوحِيَ إلَيْهِ: يا يُوسُفُ اتَّخَذَتْ مِن دُونِي وكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، وقِيلَ: إنِ الضَمِيرَ في "فَأنْساهُ" عائِدٌ عَلى الساقِي، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، أيْ: نَسِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ عِنْدَ رَبِّهِ، فَأضافَ الذَكَرُ إلى رَبِّهِ إذْ هو عِنْدَهُ، والرَبُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ: المَلِكُ.
والبِضْعُ في كَلامِ العَرَبِ اخْتُلِفَ فِيهِ -فالأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مِنَ الثَلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وعَلى هَذا هو فِقْهُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في الدَعاوِي والأيْمانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البِضْعُ لا يَبْلُغُ العَقْدَ ولا نِصْفَ العَقْدِ، وإنَّما هو مِنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: البِضْعُ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقالَ قَتادَةُ: البِضْعُ مِنَ الثَلاثَةِ إلى التِسْعَةِ، ويُقَوِّي هَذا ما رُوِيَ مِن «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِأبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ في قِصَّةِ خَطَرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ في غَلَبَةِ الرُومِ لِفارِسَ: "أما عَلِمْتَ أنَّ البِضْعَ مِنَ الثَلاثِ إلى التِسْعِ؟!"،» وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الثَلاثَةِ إلى السَبْعَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: ولا يُذْكَرُ البِضْعُ إلّا مَعَ العَشَراتِ، لا يُذْكَرُ مَعَ مِائَةٍ ولا مَعَ ألْفٍ، والَّذِي رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ سُجِنَ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ لَهُ قِصَّةُ الفَتَيَيْنِ، وعُوقِبَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ بِالبَقاءِ في السِجْنِ سَبْعَ سِنِينَ، فَكانَتْ مُدَّةُ سِجْنِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: عُوقِبَ بِبَقاءِ سَنَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "لَوْلا كَلِمَتُهُ ما لَبِثَ في السِجْنِ طُولَ ما لَبِثَ"،» ثُمَّ بَكى الحَسَنُ وقالَ: نَحْنُ إذا نَزَلَ بِنا أمْرٌ فَزِعْنا إلى الناسِ.
<div class="verse-tafsir"
قال يوسف عليه السّلام للذي ظن نجاته من الفتيين وهو الساقي.
والظن هنا مستعمل في القريب من القطع لأنه لا يشك في صحة تعبيره الرؤيا.
وأراد بذكره ذكر قضيته ومظلمته، أي اذكرني لربك، أي سيدك.
وأراد بربه ملك مصر.
وضميرا ﴿ فأنساه ﴾ و ﴿ ربه ﴾ يحتملان العود إلى ﴿ الذي ﴾ ، أي أنسى الشيطان الذي نجا أن يَذكره لربه، فالذكر الثاني هو الذكر الأول.
ويحتمل أن يعود الضميران إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ وقال ﴾ أي يوسف عليه السّلام أنساه الشيطان ذكر الله، فالذكر الثاني غير الذكر الأول.
ولعل كلا الاحتمالين مراد، وهو من بديع الإيجاز.
وذلك أن نسيان يوسف عليه السّلام أن يَسأل الله إلهام الملِك تذكر شأنه كان من إلقاء الشيطان في أمنيته، وكان ذلك سبباً إلهياً في نسيان الساقي تذكير الملك، وكان ذلك عتاباً إلهياً ليوسف عليه السّلام على اشتغاله بعَون العباد دون استعانة ربه على خلاصه.
ولعل في إيراد هذا الكلام على هذا التوْجيه تلطفاً في الخبر عن يوسف عليه السّلام، لأن الكلام الموجه في المعاني الموجهة ألطف من الصريح.
والبضع: من الثلاث إلى التسع.
وفيما حكاه القرآن عن حال سجنهم ما يُنبئ على أن السجن لم يكن مضبوطاً بسجل يذكر فيه أسماء المساجين، وأسبابُ سجنهم، والمدةُ المسجون إليها، ولا كان من وزعة السجون ولا ممن فوقهم من يتعهّد أسباب السجن ويفتقد أمر المساجين ويرفع إلى الملك في يوم من الأسبوع أو من العام.
وهذا من الإهمال والتهاون بحقوق الناس وقد أبطله الإسلام، فإن من الشريعة أن ينظر القاضي أول ما ينظر فيه كلّ يوم أمرَ المساجين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لِلَّذِي عَلِمَ أنَّهُ ناجٍ، فَعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالظَّنِّ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ مِن غَيْرِ يَقِينٍ.
وَفي ظَنِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ عِبارَةَ الرُّؤْيا بِالظَّنِّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ صِدْقَهُما في الرُّؤْيا فَكانَ الظَّنُّ في الجَوابِ لِشَكِّهِ في صِدْقِهِما.
﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أيْ عِنْدَ سَيِّدِكَ يَعْنِي المَلِكَ الأكْبَرَ الوَلِيدَ بْنَ الرَّيّانِ تَأْمِيلًا لِلْخَلاصِ إنْ ذَكَرَهُ عِنْدَهُ.
﴿ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي نَجا مِنهُما أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ يُوسُفَ عِنْدَ سَيِّدِهِ حَتّى رَأى المَلِكُ الرُّؤْيا.
قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ في الِاسْتِغاثَةِ بِهِ والتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ.
رَوى أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْلا الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ ما لَبِثَ )» .
﴿ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُوقِبَ يُوسُفُ بِطُولِ السَّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ لَمّا قالَ لِلَّذِي نَجا مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، ولَوْ ذَكَرَ يُوسُفُ رَبَّهُ لَخَلَّصَهُ.
وَفي (البِضْعِ) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِن ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وقُطْرُبٍ.
الثّانِي: مِن ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والأصْمَعِيُّ.
الثّالِثُ: مِن ثَلاثٍ إلى عَشْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: والبِضْعُ لا يُذْكَرُ إلّا مَعَ العَشَرَةِ والعِشْرِينَ إلى التِّسْعِينَ، ولا يُذْكَرُ بَعْدَ المِائَةِ.
وَفي المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ فِيها يُوسُفُ مَسْجُونًا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَبِثَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: لَبِثَ أرْبَعَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ، وإنَّما البِضْعُ مُدَّةُ العُقُوبَةِ لا مُدَّةُ الحَبْسِ كُلِّهِ.
وَقالَ وهْبٌ: حُبِسَ يُوسُفُ سَبْعَ سِنِينَ، ومَكَثَ أيُّوبُ في البَلاءِ سَبْعَ سِنِينَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: حُبِسَ سَبْعَ سِنِينَ بَعْدَ الخَمْسِ السِّنِينَ الَّتِي قالَ فِيها ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن سابط رضي الله عنه ﴿ وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ قال: عند ملك الأرض.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني بذلك الملك.
وأخرج ابن جرير، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال لما انتهى به إلى باب السجن، قال له: اوصني بحاجتك.
قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك.
ينوي الرب الذي ملك يوسف عليه السلام.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال للذي ظن أنه ناج ﴾ قال إنما عبارة الرؤيا بالظن، فَيُحِقُّ الله ما يشاء ويبطل ما يشاء.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لم يقل يوسف عليه السلام الكلمة التي قال: ما لبث في السجن طول ما لبث.
حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أنه يعني يوسف قال الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله يوسف، لو لم يقل: اذكرني عند ربك، ما لبث في السجن طول ما لبث» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث، قوله اذكرني عند ربك» ثم بكى الحسن رضي الله عنه وقال: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن يوسف استشفع على ربه، ما لبث في السجن طول ما لبث.
ولكن، إنما عوقب باستشفاعه على ربه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أنس رضي الله عنه قال: أوحى إلى يوسف: من استنقذك من القتل حين همَّ اخوتك أن يقتلوك؟
قال: أنت يا رب.
قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟
قال: أنت يا رب.
قال: فمن استنقذك من المرأة إذ هممت بها؟
قال: أنت يا رب.
قال: فما لك نسيتني وذكرت آدمياً؟
قال: جزعاً، وكلمة تكلم بها لساني.
قال: فوعزتي، لأخلدنك في السجن بضع سنين.
فلبث في السجن بضع سنين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: لما قال يوسف عليه السلام للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلاً؟
لأطيلن حبسك: فبكى يوسف عليه السلام وقال: يا رب، تشاغل قلبي من كثرة البلوى فقلت كلمة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ قال يوسف للذي نجا من صاحبي السجن: اذكرني للملك، فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا، وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكر ربه وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده، فلبث في السجن بضع سنين عقوبة لقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ قال: بلغنا أنه لبث في السجن سبع سنين.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أصاب أيوب عليه السلام البلاء سبع سنين، وترك يوسف عليه السلام في السجن سبع سنين، وعذب بخت نصر خون في السباع سبع سنين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ اثنتي عشرة سنة.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش، عن الكلبي رضي الله عنه قال: قال يوسف عليه السلام كلمة واحدة، حبس بها سبع سنين قال أبو بكر: وحبس قبل ذلك خمس سنين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس والضحاك في قوله: ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ قالا أربع عشرة سنة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: البضع، ما بين الثلاث إلى التسع.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: البضع، ما بين الثلاث إلى التسع.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: البضع دون العشرة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: قوله اذكرني عند ربك، وقوله لإخوته إنكم لسارقون، وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب.
فقال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت؟
فقال: وما أبرئ نفسي.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ذهب يوسف عليه السلام وهو ابن سبع عشرة ولبث في الجب سبعاً، وفي السجن سبعاً، وجمع الطعام في سبع، فيرون أنه التقى هو وأبوه عند ذلك.
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي المليح رضي الله عنه قال: كان دعاء يوسف عليه السلام في السجن اللهم إن كان خلق وجهي عندك، فإني أتقرب إليك بوجه يعقوب أن تجعل لي فرجاً ومخرجاً ويسراً، وترزقني من حيث لا أحتسب.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن عبد الله مؤذن الطائف قال: جاء جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام فقال: يا يوسف، اشتد عليك الحبس؟
قال نعم.
قال: قل اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وكربني من أمر دنياي وأمر آخرتي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنبي وثبت رجائي، واقطعه من سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ وقال قتادة (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أي عند الملك (٨) (٩) ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ الكناية في قوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ﴾ راجعة على يوسف في قول الأكثرين، قال مجاهد (١٠) وهذا قول ابن عباس (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قال ابن الأنباري: فمن أعاد الهاء على يوسف احتج بأنها لو عادت على الساقي دخل الكلام حذف وإضمار، لأنه يكون التقدير: فأنساه الشيطان ذكره لربه، ويكون كقوله ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ (١٧) (١٨) ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ عامدًا لا ناسيًا.
وقوله تعالى: ﴿ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ قال أبو عبيدة (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال الفراء (٢٣) وقال المبرد (٢٤) (٢٥) (٢٦) وروى الشعبي (٢٧) قال لأصحابة: "كم البضع؟
" فقالوا: من واحد إلى عشرة، وهذا قول ابن عباس (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ وذهب مقاتل (٣٢) قال ابن عباس (٣٣) وروى الحسن (٣٤) قال: "رحم الله يوسف، لولا الكلمة التي قالها: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ما لبث في السجن طول ما لبث"، ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس (٣٥) (١) "تنوير المقباس" ص150، و"زاد المسير" 4/ 227.
(٢) "تفسير مقاتل" 154 أ.
(٣) "الكشاف" 2/ 322، والرازي 18/ 143، و"الدر المصون" 6/ 499، 500.
(٤) في (أ): (موافق القول)، وفي (ج): (موافقًا لقول).
(٥) في (أ)، (ب)، (ج): (الذي).
(٦) القرطبي 16/ 110، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 37، و"زاد المسير" 4/ 227، والقرطبي 9/ 194، وابن عطية 7/ 515.
(٧) في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (من).
(٨) رواه الطبري 12/ 222 - 223، عن ابن إسحاق ومجاهد وأسباط وقتادة.
(٩) الثعلبي 7/ 84 ب، الطبري 12/ 222.
(١٠) الطبري 222 - 224، والثعلبي 7/ 84 ب، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم 7/ 2149، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 39، و"زاد المسير" 4/ 227.
(١١) البغوي 4 - 244، و"تنوير المقباس" ص150، وابن أبي حاتم 7/ 2149 بنحوه بدون سند لابن عباس.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وقال ابن كثير 2/ 526: (قوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ الضمير عائد إلى الناجي كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد).
(١٤) "تنوير المقباس" ص 150.
(١٥) الطبري 12/ 224، الثعلبي 7/ 84 ب، "زاد المسير" 4/ 227، ابن عطية 7/ 516.
(١٦) "معاني القرآن" 2/ 46.
(١٧) آل عمران: 175.
(١٨) وقد ذهب إلى هذا القول عامة المفسرين ومنهم الطبري 12/ 222 وابن عطية 7/ 516، والقرطبي 9/ 196، والبغوي 4 - 244، والرازي 18/ 145، وأما القول الثاني على أن الناسي هو الساقي فرجحه ابن كثير 2/ 526، وأبو حيان 5/ 311.
(١٩) "تهذيب اللغة" (بضع) 1/ 346، و"اللسان" (بضع) 1/ 298.
(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 112، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 430.
(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112.
(٢٢) الطبري 12/ 224، الئعلبي 7/ 84 ب.
"معاني القرآن" للنحاس 3/ 429، "الدر المصون" 4/ 185.
(٢٣) "معاني القرآن" 2/ 46، و"التهذيب" (بضع) 1/ 346، و"اللسان" (بضع) 1/ 298، والثعلبي 7/ 84 ب، وا لطبري 12/ 225.
(٢٤) "تاج العروس" 11/ 19.
(٢٥) "معاني القرآن للفراء" 2/ 46، و"زاد المسير" 4/ 228.
(٢٦) "معاني القرآن" للنحاس 3/ 430، و"الزاهر" 2/ 342، 343، و"زاد المسير" 4/ 228.
(٢٧) الحديث أخرجه أحمد 4/ 168، والطبري 21/ 17، والترمذي 2/ 150، وحسنه من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في "صحيح الجامع".
(٢٨) الثعلبي 7/ 84 ب، الطبري 12/ 225.
(٢٩) الطبري 12/ 224، وابن أبي حاتم 7/ 2150.
(٣٠) "معاني القرآن" للنحاس 3/ 430، وفي "الماوردي" 3/ 40 أنه قال: من ثلاث إلى سبع.
(٣١) روى ذلك الطبري 12/ 225 عن قتادة ووهب وابن جريج، وذكره الثعلبي 7/ 84 ب ونسبه إلى أكثر المفسرين.
(٣٢) "تفسير مقاتل" 154 أ.
(٣٣) روي عن ابن عباس مرفوعًا نحوه انظر: ابن أبي الدنيا كتاب العقوبات، والطبري 12/ 223، والطبراني وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 37.
(٣٤) الطبري 12/ 223، وأحمد في "الزهد" وابن أبي حاتم 7/ 2148، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 37، الثعلبي 7/ 84 ب، الرازي في 18/ 150.
(٣٥) اختلف العلماء في مسألة البضع، معناها والمراد بهاهنا.
والأظهر والله أعلم أن المراد بها هنا سبع سنين.
انظر: "معاني النحاس" 3/ 429 - 431، الماوردي 40/ 3، أبو حبان 5/ 311، "تاج العروس" (بضع) 11/ 19.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياصاحبي السجن ﴾ نسبهما إلى السجن إما لأنهما سكناه أو لأنهما صاحباه فيه، كأنه قال يا صاحبيَّ في السجن ﴿ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ ﴾ الآية: دعاهما إلى توحيد الله، وأقام عليهما الحجة رغبة في إيمانهما ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً ﴾ أوقع الأسماء هنا موقع المسميات والمعنى سميتم ما لا يستحق الألوهية آلهة ثم عبدتموها ﴿ مِن سلطان ﴾ أي حجة وبرهان ﴿ فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً ﴾ يعني الملك ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ﴾ الظن هنا يحتمل أن يكون بمعنى اليقين، لأن قوله: قضي الأمر يقتضي ذلك، أو يكون على بابه، لأنه عبارة الرؤيا ظن ﴿ اذكرني عِندَ رَبِّكَ ﴾ يعني الملك ﴿ فأنساه الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ قيل: الضمير ليوسف، أي نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن، وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو الساقي.
أي نسي ذكر يوسف عند ربه، فأضاف الذكر إلى ربه إذ هو عنده، والرب على هذا التأويل الملك ﴿ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ البضع من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة، وروي أن يوسف عليه السلام سجن خمس سنين أولاً، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.
والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.
وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.
الآخرون بالضم للإتباع.
﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.
الباقون.
بالكسر.
الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.
قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .
﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.
روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.
والمعنى ولقد جاء آباءكم.
وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.
وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.
ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.
وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.
وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.
ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟
واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .
ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.
وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.
وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.
ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.
والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.
﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.
ثم إنه بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.
وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.
والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.
فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.
قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.
واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.
والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.
عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.
ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.
والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.
يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.
قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.
وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.
وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.
وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.
وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.
وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.
ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.
وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله لأنه مسبب الأسباب.
الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.
وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.
قوله ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر بإسناده عن علي بن أبي طالب : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.
وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.
وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.
وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟
فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.
أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟
فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.
فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.
وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟
وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.
وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.
وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.
وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.
فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟
وقيل: رأى تمثال العزيز.
وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.
وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.
قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.
قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.
وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.
ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.
ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم .
فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.
وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.
وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.
روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.
وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.
روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.
ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟
فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.
وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.
ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.
وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.
وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.
قال ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .
وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.
وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.
واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.
وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.
والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.
قال في الكشاف: التنكير في "قبل".
و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.
أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.
يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.
وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.
﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.
قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.
وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.
وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.
والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.
﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.
وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.
وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف فلهذا سمي مكراً.
وقيل: كن أربعين.
﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.
وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.
وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.
وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.
وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا كان أملح.
قيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.
وعن النبي : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟
فقال: يوسف.
فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟
قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.
يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.
وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.
الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.
وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.
وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.
قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.
وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.
﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.
واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.
وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟
وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.
وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.
ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.
﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.
والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف إلى الله قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.
﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.
ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.
وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.
عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.
وعن الحسن: خمس سنين.
وعن غيره سبع سنين.
وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.
التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.
﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.
﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.
﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.
﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.
﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.
﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾ .
قيل: عبدين للملك؛ غضب عليهما الملك.
﴿ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ .
وقال بعضهم: أرض يُدعى العنب بها خمرا، أو سمي خمراً باسم سببه وباسم أصله، [وجائز في اللغة تسمية الشيء باسم سببه وباسم أصله].
﴿ وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ﴾ كان أحدهما خبازاً للملك، والآخر ساقيه.
﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال بعضهم: إحسانه في السجن؛ لما كانوا رأوه يداوي المرضي، ويعزّي حزينهم، ويجتهد في نفسه في العبادة لربّه.
هذا يحتمل لعله كان يبرّ أهل السجن ويصلهم، ويجتهد في العبادة لله في الصلاة له والصوم، وأنواع العبادة التي تكون فيما بينه وبين ربه، فسمياه محسناً لذلك.
ويشبه أن يكون قالوا: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوا به سيما الخير وآثاره، أو يدعوهم إلى توحيد الله والعبادة له، وخلعهم عن عبادة الأصنام والأوثان والانتزاع من ذلك، فسمياه محسناً لذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوه أحسن إلى أهل السجن، ويحتمل الإحسان - هاهنا -: العلم؛ أي: نراك من العالمين؛ وهو قول الفراء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .
سمى التعبير: تأويلا؛ لأن التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك سموه تأويلا، ثم خرج تأويل الذي كان يعصر الخمر على العود إلى ما كان في أمره؛ من السقي للملك؛ وهو كان ساقيه؛ على ما ذكر، فلما رأى أنه دام على أمره، أول له بالعود إلى أمره الذي كان فيه.
والآخر كان خبّازاً؛ على ما ذكر، وهو إنما كان يخبز للناس، فلما رأى أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه يأكل الطير - علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه، وخروجه يكون بهلاكه؛ لأنه كان من قبل يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم؛ فاستدل بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائماً منتصباً، فأول على ما كان أمره.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ هذا - والله أعلم - كان يقول لهم ذلك؛ ليعرفهم أن عنده علم ذلك؛ علم ما لا يُحتاج إليه؛ فعلم ما يحتاج إليه أحرى أن يعلم ذلك، وهذا - والله أعلم - منه احتيال؛ لينزعهم عما هم فيه من عبادة الأوثان، وعبادتهم غير الله، وليرغبهم في توحيد الله، وصرف العبادة إليه؛ ولهذا قال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ هذا باللطف ما أضاف إليه أنه علمه، وإلا التعليم لا يكون إلا باختلاف الملائكة إليه، وذلك لطف من الله للرسل عليهم السلام.
وقوله: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ .
تأويله - والله أعلم - أي: لا يأتيكما طعام رأيتما آثار ذلك في المنام إلا نبأتكما بتأويل ذلك قبل أن يأتي ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ .
أخبر أنه ترك: ﴿ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ليس أنه كان فيه ثم تركه، ولكن تركه ابتداء؛ ما لو لم يكن تركه كان آخذاً بغيره؛ وهو كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ ليس أنها كانت موضوعة فرفعها، ولكن رفعها أول ما خلقها.
وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا ﴾ ليس أنها مرفوعة ثم وضعها؛ أي أنشأها مرفوعة وموضوعة.
وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ليس أنهم كانوا فيها فأخرجهم، ولكن عصمهم حتى لم يدخلوا فيها.
فعلى ذلك الأول.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .
قال في الآية الأولى: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ، وأخبر أنهم كافرون بالله واليوم الآخر، وفيه أن من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو كافر، فهذا ينقض على المعتزلة؛ حيث جعلوا بين الكفر والإيمان رتبة ثالثة، ويوسف يخبر أن من لم يؤمن بالله فهو كافر؛ وهم يقولون: صاحب الكبيرة غير مؤمن بالله، وهو ليس بكافر.
ثم أخبر أنه ترك ملة أولئك الذين لا يؤمنون بالله، واتبع ملة آبائه إبراهيم ومن ذكر، ثم أخبر عن ملة آبائه وهو ما ذكر.
﴿ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
عرفهم ملة آبائه ودينهم؛ وهو على ترك الإشراك بالله، وجعل الألوهية له، وصرف العبادة إليه.
وفيه: أن الملة ليست إلا ملتين: ملّة كفر، وملة إسلام.
وأخبر أن من لم يكن في ملة الإسلام كان في ملة الكفر.
ثم خص بذكر هؤلاء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأن هؤلاء كانوا مكرمين عند الناس كافة، كل أهل الدين يدّعون أنهم على دين أولئك؛ فأخبر أنهم على دين الإسلام.
والحنيف: المخلص، ليس على ما تزعمون أنتم؛ ولهذا قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ دلالة أن الكفر كله ملة واحدة؛ حيث أخبر أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون على اختلاف مذاهبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ .
أي: ذلك الدين والملة التي أنا عليها وآبائي من فضل الله علينا وعلى الناس؛ لأنه - عز وجل - فطر الناس على فطرة؛ يعرفون وحدانية الله وربوبيته بعقول ركبت فيهم؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله وما ركب فيهم من العقول، أو ذلك الدين والهداية الذي أعطاهم من فضل الله؛ لكن أكثر الناس يتركون ذلك الدين وتلك الهداية، والله أعلم.
وقول الله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
يوسف - لما سئل عن تأويل الرؤيا - دعاهم إلى توحيد الله ودلهم عليه؛ فقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ ، وقال: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ ، أي: عبادة رب واحد وإرضاؤه خير أم عبادة عدد وإرضاء نفر؟
لأنه إذا عبد بعضاً واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته؛ إذ لا يقدر على إرضائهم جميعاً، وإن اجتهد، وأما الواحد: فإنه يقدر على إرضائه؛ إذ لا يزال يكون في عبادته وإرضائه؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده.
والثاني: يخبر أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب ومن تعبدون؛ فعبادة الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ﴾ .
من الأصنام والأوثان.
﴿ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ .
آلهة.
﴿ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ ﴾ .
ولا يستحقون العبادة ولا التسمية بالألوهية؛ إنما المستحق لذلك: الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض.
﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .
أي: ما أنزل الله على ما عبدتموهم وسميتم أنتم وآباؤكم آلهة من حجة ولا برهان.
﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ .
أي: ما الحكم - في الألوهية والربوبية والعبادة - إلا لله [ليس كما تقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .
وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: ما الحكم في العبادة والألوهية إلا لله].
أو يقول: ما الحكم في الخلق إلا لله؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ أي: له الخلق وله الأمر في الخلق.
و ﴿ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
حكمه هذا: أمر ألا تعبدوا إلا إياه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .
أي: عبادة الله وتوحيده هو الدين القيم؛ لأنه دين قام على الحجة والبرهان، وأمّا سائر الأديان فليست بقيمة؛ إذ لا حجة قامت عليها ولا برهان.
والقيم: هو القائم الذي قام بحجة وبرهان، وقال أهل التأويل: القيم: المستقيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
يحتمل: لا يعلمون؛ لما لم يتفكروا فيه ولم ينظروا؛ فلم يعلموا، ولو نظروا فيه وتفكروا لعلموا، وهذا يدلّ أن العقوبة تلزم - وإن جهل - إن أمكن له العلم به؛ فلا عذر له في الجهل إذا أمكن العلم به.
أو علموا لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم؛ فنفى عنهم العلم لذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه تأول رؤيا الساقي، وعبرها على العود إلى ما كان يعمل من قبل؛ لما رأى أنه كان عمل على ما كان يعمل من قبل.
وعبر رؤيا الخبّاز بالهلاك؛ لما رأى أنه حمل الخبز على الرأس، والخبز إذا خبزه الخباز لا يحمله على رأسه؛ فرأى أنه قد انتهى أمره؛ إذ عمل على خلاف ما كان يعمل من قبل؛ فتأكل الطير من رأسه، فعبّر أنه يصلب وتأكل من رأسه لما رأى أنه حمل الخبز على رأسه؛ لما كان يخبز من قبل للعباد، فلما رأى أنه يخبز لغيره عبر أنه يهلك فتأكل الطير من رأسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إنه لما عبر لهما رؤياهما، قال الذي عبر له الصلب والقتل: لم أر شيئاً؛ إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ أي: فرغ وانتهى، لكن هذا لا يعلم: أقالا ذلك أم لم يقولا، سوى أن فيه أنه عَبّر رؤياهما، وكان ما عبّر لهما، وقد علم ذلك بتعليم من الله إياه؛ بقوله: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ﴾ .
قال بعضهم: ظن الذي صدق [يوسف: أنه يسقي ربه، وأنه ناج.
وقال بعضهم: قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما، بجعل الظن ليوسف، فإن كان الذي ظن] هو ذلك الرجل؛ فكان الظن في موضع الظن؛ وإن كان الظانّ هو يوسف - فهو علم ويقين؛ أي: علم وأيقن أنه ناج منهما؛ لأنه لا يحتمل أن يشك فيما يعبر وقد علمه الله تأويل الأحاديث بقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ ، وقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ .
ويحتمل على حقيقة الظن من يوسف؛ أي: وقال للذي ناج منهما ظن أنه يذكره عند ربه، وهو على التقديم والتأخير.
وقوله - عز وجل: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما فزع إلى غير الله [وطلب إخراجه من السجن من الملك أنساه الله فيه سنين وأقره فيه عقوبة له حين رجا غير ربه لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يكون يوسف يفزع إلى غير الله]؛ ويدفع قلبه عن الله ويشغله بمن دونه، لكنه رأى - والله أعلم - أن الله - عز وجل - جعل سبب نجاته على يديه، وأنه بقي فيه منسيّاً؛ لما علم أنه لم يكن منه سبب يلزمهم الحبس في السجن، سوى الاعتذار إلى الناس، والاعتلال لهم على نفي ما اقترفت به زوجته، أو لينقطع ذلك الخبر [عن ألسن] الناس، ويبعد عن أوهامهم، فرأى أنه إذا ذكّره؛ لعله أخرجه من ذلك لما رأى أنه جعل سبب نجاته على يديه؛ لا أنه رأى ذلك منه ورفع قلبه عن الله.
وهكذا جعل الله أمور الدنيا كلها بأسباب.
وعلى ذلك تعبّد عباده؛ باستعمال الأسباب مع اعتقاد القلب القدر من الله؛ نحو: ما جعل الأنزال والزراعة بأسباب يكتسبونها، ونحو الأسلحة التي اتخذت للحرب والقتال بها مما يكثر عدد ذلك، وإنما يحاربون بالله، وبه يقاتلون، ومن عنده يُنصرون.
وقد أمر بذلك كله وبتلك الأسباب؛ فقال: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ وليس كل من فعل هذا كان فزع إلى غير الله، أو رأى النصر والنجاة من ذلك الشيء والسبب؛ بل رأى ذلك كله من الله ومن عنده؛ فعلى ذلك يوسف لا يجوز أن يتوهم أنه فزع إلى مخلوق مثله، ورأى نجاته من عند ذلك، ولكن للوجه الذي ذكرناه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: اذكرني عند ربك؛ لعلي حبست بلا علم منه وبغير أمره؛ لأن تلك المرأة هي التي أوعدت له السجن؛ فوقع عنده أنها هي التي احتالت في حبسه؛ فقال لذلك ما قال.
والثاني: يقول: اذكرني بالذي رأيت مني وسمعت؛ لأنه دعاهما في السجن إلى التوحيد؛ حيث قال: ﴿ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: أنسى الشيطان يوسف دعاء ربه الذي أنشأه وخلقه؛ فلم يدع ربه الذي هو في الحقيقة ربّ.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ الذي قال له يوسف: اذكرني عند ربك ذكر ربه، وهذا أشبه، والأوّل بعيد؛ لأنه قال في آخره: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ ، أي: بعد حين ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾ دل هذا أنه إنما أنسى الشيطان على ذلك الرجل فلم يذكره عنده حيناً.
وقال بعضهم: لم ينسه الشيطان، ولكن تركه عمداً؛ لم يذكره عنده؛ لعله يتذكر ما تقدم من المقال فيزداد غضباً عليه، فتركه عمداً إلى أن جاء وقته - والله أعلم - وأضاف الإنساء إلى الشيطان، وكذلك قال موسى: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لأن بدء كل شرّ يكون من الشيطان؛ لأنه يخطر بباله ويقذف في قلبه ويوسوسه، ثم يكون من العبد العزيمة على ذلك والفعل، وفائدة النسيان - والله أعلم - هو أن الله أراد أن يظهر آية رسالته وحجة نبوته؛ بكونه في السجن ويظهر براءته في شأن تلك المرأة بشهادة أولئك النسوان، وذلك علم الأحاديث التي ذكر والرؤيا التي عبرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: خمس سنين.
وقال بعضهم: سبع سنين؛ ونحو ذلك.
ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى [أنه] لبث فيه حيناً.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ ٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ﴾ \[سماهم: أصحاب السجن؛ لأنه كانوا في السجن، كما يقال: أصحاب النار، وأصحاب الجنة، ونحوه، لكنه لو كان ما ذكر لقال: يا صاحبا السجن\] بالألف؛ فلما لم يقل هذا دل أنه أضافه إلى نفسه؛ كأنه قال: يا صاحبي في السجن؛ لأنهما كانا معه في السجن.
وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .
قيل: فرغ.
وقيل: انتهى الأمر الذي فيه تستفتيان وأنهي؛ كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...
﴾ الآية [الإسراء: 4].
وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ كأنه بلغ إليهما وحياً أوحي إليه وأمر به؛ أي: هو كائن من غير رجوع كان منهما؛ على ما يقوله أهل التأويل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقال يوسف للذي ظن أنَّه ناجٍ منهما -وهو ساقي الملك-: اذكر قصتي وشأني عند الملك؛ لعله يخرجني من السجن، فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف عند الملك، فمكث يوسف في السجن بعد ذلك عدة سنوات.
<div class="verse-tafsir" id="91.eVYRO"