الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٤١ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤١ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول لهما : ( ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا ) وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا ، ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك ، ولهذا أبهمه في قوله : ( وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ) وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا .
ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه ، وهو واقع لا محالة; لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت .
وقال الثوري ، عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم ، عن عبد الله قال : لما قالا ما قالا وأخبرهما ، قالا ما رأينا شيئا .
فقال : ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) ورواه محمد بن فضيل عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود به ، وكذا فسره مجاهد ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم .
وحاصله أن من تحلم بباطل وفسره ، فإنه يلزم بتأويله ، والله أعلم ، وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، عن معاوية بن حيدة ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت " وفي مسند أبي يعلى ، من طريق يزيد الرقاشي ، عن أنس مرفوعا : " الرؤيا لأول عابر "
القول في تأويل قوله تعالى : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه، مخبرًا عن قِيل يوسف للذين دخلا معه السجن: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا)، هو الذي رأى أنه يعصر خمرًا ، فيسقي ربَّه ، يعني سيده، وهو ملكهم (5) ، " خمرا " ، يقول: يكون صاحب شرابه .
* * * 19294 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ، في قوله: (فيسقي ربه خمرًا)، قال: سيده.
* * * ، وأما الآخر ، وهو الذي رأى أن على رأسه خبزًا تأكل الطير منه " فيصلب فتأكل الطير من رأسه "، فذكر أنه لما عبَر ما أخبراه به أنهما رأياه في منامهما ، قالا له: ما رأينا شيئًا !
فقال لهما: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) يقول: فُرغ من الأمر الذي فيه استفتيتما ، (6) ووجب حُكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به .
(7) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل العلم .
*ذكر من قال ذلك: 19295 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال: قال اللذان دخلا السجن على يوسف: ما رأينا شيئًا !
فقال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان).
19296- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، ، عن سفيان ، عن عمارة بن القعقاع ، عن إبراهيم ، عن عبد الله: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، قال: لما قالا ما قالا أخبرهما ، فقالا ما رأينا شيئا !
فقال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان).
19297- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف والرؤيا، إنما كانا تحالما ليجرّباه، فلما أوَّل رؤياهما قالا إنما كنا نلعب !
قال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان).
19298- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا ، إنما كانا تحالما ليجرّبا علمه، فقال أحدهما: إني أراني أعصر عنبًا!
وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟
نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ !
قال: ( يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه).
فلما عبَّر ، قالا ما رأينا شيئًا!
قال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، على ما عبَّر يوسف.
19299 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: قال: لمجلث: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك.
وقال لنبو: أما أنت فتردُّ على عملك ، فيرضى عنك صاحبك، (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) ، أو كما قال.
19300 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ،قال ابن جريج...........
فيه تستفتيان.
(8) 19301 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، عند قولهما: ما رأينا رؤيا إنما كنا نلعب !
قال: قد وقعت الرؤيا على ما أوَّلتُ.
19302- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله: (الذي فيه تستفتيان)، فذكر مثله.
* * * ---------------------- الهوامش: (5) انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص : 32 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(6) انظر تفسير" قضى" فيما سلف 15 : 151 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(7) انظر تفسير" الاستفتاء" فيما سلف 9 : 253 ، 430 .
(8) هذا خبر سقط منه شيء كثير ، فوضعت النقط مكان السقط .
قوله تعالى : ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : أما أحدكما فيسقي ربه خمرا أي قال للساقي : إنك ترد على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام ، وقال للآخر : وأما أنت فتدعى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك ، قال : والله ما رأيت شيئا ; قال : رأيت أو لم تر قضي الأمر الذي فيه تستفتيان .
وحكى أهل اللغة أن سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد ، كما قال الشاعر :سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلالقال النحاس : الذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب ، أو صب الماء في حلقه ومعنى أسقاه جعل له سقيا ; قال الله تعالى : وأسقيناكم ماء فراتا .[ ص: 169 ] الثانية : قال علماؤنا : إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حكمها ؟
قلنا : لا يلزمه ; وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي ، وتعبير النبي حكم ، وقد قال : إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته ; فإن قيل : فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال : إني رأيت كأني أعشبت ثم أجدبت ثم أعشبت ثم أجدبت ، فقال له عمر : أنت رجل تؤمن ثم تكفر ، ثم تؤمن ثم تكفر ، ثم تموت كافرا ; فقال الرجل : ما رأيت شيئا ; فقال له عمر : قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف ; قلنا : ليست لأحد بعد عمر ; لأن عمر كان محدثا ، وكان إذا ظن ظنا كان وإذا تكلم به وقع ، على ما ورد في أخباره ; وهي كثيرة ; منها : أنه دخل عليه رجل فقال له : أظنك كاهنا فكان كما ظن ; خرجه البخاري .
ومنها : أنه سأل رجلا عن اسمه فقال له فيه أسماء النار كلها ، فقال له : أدرك أهلك فقد احترقوا ، فكان كما قال : خرجه الموطأ .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " الحجر " إن شاء الله تعالى .
{ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا } وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا، فإنه يخرج من السجن { فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا } أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمرا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، { وَأَمَّا الْآخَرُ } وهو: الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه.
{ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ } فإنه عبر [عن] الخبز الذي تأكله الطير، بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يقبر ويستر عن الطيور، بل يصلب ويجعل في محل، تتمكن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأن هذا التأويل الذي تأوله لهما، أنه لا بد من وقوعه فقال: { قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره.
( يا صاحبي السجن أما أحدكما ) وهو صاحب الشراب ( فيسقي ربه ) [ يعني الملك ] ( خمرا ) والعناقيد الثلاثة ثلاثة أيام يبقى في السجن ثم يدعوه الملك بعد الثلاثة أيام ، ويرده إلى منزلته التي كان عليها ( وأما الآخر ) يعني : صاحب الطعام فيدعوه الملك بعد ثلاثة أيام ، والسلال الثلاث الثلاثة أيام يبقى في السجن ، ثم يخرجه ( فيصلب فتأكل الطير من رأسه ) .
قال ابن مسعود : لما سمعا قول يوسف قالا ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب ، قال يوسف : ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) ، أي : فرغ من الأمر الذي عنه تسألان ، ووجب حكم الله عليكما الذي أخبرتكما به ، رأيتما أو لم تريا .
«يا صاحبي السجن أما أحدكما» أي الساقي فيخرج بعد ثلاث «فيسقي ربه» سيده «خمرا» على عادته «وأما الآخر» فيخرج بعد ثلاث «فيصلب فتأكل الطير من رأسه» هذا تأويل رؤياكما فقالا ما رأينا شيئا فقال «قضي» تمَّ «الأمر الذي فيه تستفتيان» سألتما عنه صدقتما أم كذبتما.
يا صاحبيَّ في السجن، إليكما تفسيرَ رؤياكما: أما الذي رأى أنه يعصر العنب في رؤياه فإنه يخرج من السجن ويكون ساقي الخمر للملك، وأما الآخر الذي رأى أنه يحمل على رأسه خبزًا فإنه يُصْلب ويُتْرك، وتأكل الطير من رأسه، قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان وفُرغ منه.
بعد كل ذلك شرع فى تفسير رؤياهما ثقة فى قوله ، فقال : ( ياصاحبي السجن أَمَّآ أَحَدُكُمَا ) وهو ساقى الملك ، فيخرج من السجن برئيا ويسقى " ربه " أى : سيده الملك " خمرا " .( وَأَمَّا الآخر ) وهو خباز الملك وصاحب طعامه " فيصلب " أى : فيقتل ثم يصلب ( فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ ) بعد موته .ولم يعين يوسف - عليه السلام - من هو الذى سيسقى ربه خمرا ، ومن هو الذى سيصلب ، وإنما اكتفى بقوله " أما أحدكما .
.
.
وأما الآخر " تلطفا معهما ، وتحرجا من مواجهة صاحب المصير السئ بمصيره ، وإن كان فى تعبيره ما يشير إلى مصير كل منهما بطريق غير مباشر .ثم أكد لهما الأمر واثقا من صدق العلم الذى علمه الله إياه ، فقال : ( قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ) .والاستفتاء : مصدر استفتى إذا طلب الفتوىو من غيره فى أمر خفى عليه فهمه أى : ثم التفسير الصحيح لرؤييكما اللتين سألتمانى عن تأويلهما .
اعلم أنه عليه السلام لما قرر أمر التوحيد والنبوة عاد إلى الجواب عن السؤال الذي ذكراه، والمعنى ظاهر، وذلك لأن الساقي لما قص رؤياه على يوسف، وقد ذكرنا كيف قص عليه قال له يوسف: ما أحسن ما رأيت أما حسن العنبة فهو حسن حالك، وأما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيردك إلى عملك فتصير كما كنت بل أحسن، وقال للخباز: لما قص عليه بئسما رأيت السلال الثلاث ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيصلبك وتأكل الطير من رأسك، ثم نقل في التفسير أنهما قالا ما رأينا شيئاً فقال: ﴿ قُضِىَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ واختلف فيما لأجله قالا ما رأينا شيئاً فقيل إنهما وضعا هذا الكلام ليختبرا علمه بالتعبير مع أنهما ما رأيا شيئاً وقيل: إنهما لما كرها ذلك الجواب قالا ما رأينا شيئاً.
فإن قيل: هذا الجواب الذي ذكره يوسف عليه السلام ذكره بناء على الوحي من قبل الله تعالى أو بناء على علم التعبير، والأول باطل لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نقل أنه إنما ذكره على سبيل التعبير، وأيضاً قال تعالى: ﴿ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا ﴾ ولو كان ذلك التعبير مبنياً على الوحي لكان الحاصل منه القطع واليقين لا الظن والتخمين، والثاني: أيضاً باطل لأن علم التعبير مبني على الظن والحسبان.
الجواب: لا يبعد أن يقال: إنهما لما سألاه عن ذلك المنام صدقا فيه أو كذبا فإن الله تعالى أوحى إليه أن عاقبة كل واحد منهما تكون على الوجه المخصوص، فلما نزل الوحي بذلك الغيب عند ذلك السؤال وقع في الظن أنه ذكره على سبيل التعبير، ولا يبعد أيضاً أن يقال: إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير، وقوله: ﴿ قُضِىَ الامر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ ما عنى به أن الذي ذكره واقع لا محالة بل عنى به أنه حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمَّا أَحَدُكُمَا ﴾ يريد الشرابي ﴿ فَيَسْقِى رَبَّهُ ﴾ سيده.
وقرأ عكرمة ﴿ فيسقي ربه ﴾ أي يسقي ما يروي به على البناء للمفعول.
روي أنه قال للأوّل: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده؛ وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن، ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه، وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل ﴿ قُضِىَ الأمر ﴾ قطع وتم ما ﴿ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ فيه من أمركما وشأنكما.
فإن قلت: ما استفتيا في أمر واحد، بل في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟
قلت: المراد بالأمر ما اتهما به من سمّ الملك وما سجنا من أجله، وظناً أنّ ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فكأنهما كانا يستفتيانه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك، فقال لهما: قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان، أي: ما يجرّ إليه من العاقبة، وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر.
وقيل: جحدا وقالا: ما رأينا شيئاً، على ما روي أنهما تحالما له، فأخبرهما أن ذلك كائن صدقتما أو كذبتما.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما ﴾ يَعْنِي الشَّرابِيَّ.
﴿ فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾ كَما كانَ يَسْقِيهِ قَبْلُ ويَعُودُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ.
﴿ وَأمّا الآخَرُ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَبّازَ.
﴿ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ ﴾ فَقالا كَذَبَنا فَقالَ ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ أيْ قُطِعَ الأمْرُ الَّذِي تَسْتَفْتِيانِ فِيهِ، وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُكُما ولِذَلِكَ وحَّدَهُ، فَإنَّهُما وإنِ اسْتَفْتَيا في أمْرَيْنِ لَكِنَّهُما أرادا اسْتِبانَةَ عاقِبَةِ ما نَزَلَ بِهِما.
<div class="verse-tafsir"
ثم عبر الرؤيا فقال {يا صاحبي السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا} يريد الشرابي {فَيَسْقِى رَبَّهُ} سيده {خَمْرًا} أي يعود إلى عمله {وَأَمَّا الآخر} أي الخباز {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ} روي أنه قال للأول ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه وقال للثاني ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل ولما سمع الخباز صلبه قال ما رأيت شيئاً فقال يوسف {قُضِىَ الأمر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر
ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ وبَيانِهِ لَهُما مِقْدارَ عِلْمِهِ الواسِعِ شَرَعَ في إنْبائِهِما عَمّا اسْتَنْبَآهُ عَنْهُ، ولِكَوْنِهِ بَحْثًا مُغايِرًا لِما سَبَقَ فَصْلُهُ عَنْهُ بِتَكْرِيرِ الخِطابِ فَقالَ: ﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما ﴾ أرادَ بِهِ الشَّرابِيَّ، وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثِقَةً بِدَلالَةِ التَّعْبِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حُسْنِ الصُّحْبَةِ ﴿ فَيَسْقِي رَبَّهُ ﴾ أيْ سَيِّدَهُ ﴿ خَمْرًا ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ الكَرْمَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السِّجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ (فَيُسْقِي) بِضَمِّ الياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن أسْقى، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يُقالُ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ (نَسْقِيكُمْ) و(نُسْقِيكُمْ) بِالفَتْحِ والضَّمِّ، والمَعْرُوفُ أنَّ سَقاهُ ناوَلَهُ لِيَشْرَبَ وأسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سَقْيًا، ونُسِبَ ضَمُّ الياءِ لِعِكْرِمَةَ، والجَحْدَرِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ (فَيُسْقى) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و-رَيِّهِ- بِالياءِ المُثَنّاةِ والرّاءِ المَكْسُورَةِ، والمُرادُ بِهِ ما يُرْوى بِهِ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ -لِيَسْقِي- والمَفْعُولُ الأوَّلُ الضَّمِيرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ العائِدِ عَلى أحَدٍ، ونُصِبَ (خَمْرًا) حِينَئِذٍ عَلى التَّمْيِيزِ ﴿ وأمّا الآخَرُ ﴾ وهو الخَبّازُ ﴿ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ السِّلالِ الثَّلاثِ ثَلاثَةَ أيّامٍ تَمُرُّ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصْلَبُ (قُضِيَ) أتَمَّ وأُحْكِمَ ﴿ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُكُما وتَدُلُّ عَلَيْهِ رُؤْياكُما مِن نَجاةِ أحَدِكُما وهَلاكِ الآخَرِ، ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ سُؤالُهُما عَنْهُ، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( قُضِيَ الأمْرُ ) إلَخْ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ اهـ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ ما اتُّهِما بِهِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عاقِبَةُ ذَلِكَ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ ما رَأياهُ مِنَ الرُّؤْيَتَيْنِ، ونَفى أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُما، قالَ: لِأنَّ الِاسْتِفْتاءَ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ لا في حُكْمِها يُقالُ: اسْتَفْتى الفَقِيهُ في الحادِثَةِ أيْ طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِها ولا يُقالُ: اسْتَفْتاهُ في حُكْمِها وكَذا الإفْتاءُ، يُقالُ: أفْتى في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ بِكَذا ولا يُقالُ: أفْتى في حُكْمِها بِكَذا؛ ومِمّا هو عِلْمٌ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ طَلَبَهُما لِتَأْوِيلِهِ بِقَوْلِهِما ﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأمْرِ وعَنْ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ بِالِاسْتِفْتاءِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ إذْ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في النَّوازِلِ المُشَكِّلَةِ الحُكْمِ المُبْهَمَةِ الجَوابِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِما أنَّهُما بِصَدَدِ الِاسْتِفْتاءِ إلى أنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَوابِ وطَرَهُ، وإسْنادُ القَضاءِ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ مِن أحْوالِ مَآلِهِ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ عَيْنُ ذَلِكَ المَآلِ، وقَدْ ظَهَرَ في عالَمِ المِثالِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، وأمّا تَوْحِيدُهُ مَعَ تَعَدُّدِ رُؤْياهُما فَوارِدٌ عَلى حَسَبِ ما وحَّداهُ في قَوْلِهِما: ﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ لا لِأنَّ الأمْرَ ما اتُّهِما بِهِ وسُجِنا لِأجْلِهِ مِن سَمِّ المَلِكِ فَإنَّهُما لَمْ يَسْتَفْتِيا فِيهِ ولا فِيما هو صُورَتُهُ بَلْ فِيما هو صُورَةٌ لِمَآلِهِ وعاقِبَتِهِ فَتَأمَّلْ، اهـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالأمْرِ المَآلُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ إسْنادِ القَضاءِ إلَيْهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ، وتُجْعَلُ -فِي- لِلسَّبَبِيَّةِ مِثْلَها في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ» ويَكُونُ مَعْنى الِاسْتِفْتاءِ فِيهِ الِاسْتِفْتاءَ بِسَبَبِهِ أيْ طَلَبَ بَيانَ حُكْمِ الرُّؤْيَتَيْنِ لِأجْلِهِ، وهُما إنَّما طَلَبا ذَلِكَ لِتُعْرَفَ حالُهُما ومَآلُ أمْرِهِما.
وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ فَأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْتاءُ في الأمْرِ مَعَ أنَّ الِاسْتِفْتاءَ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ، وهي هُنا الرُّؤْيَتانِ لِما أنَّ بَيْنَ الأمْرِ وتِلْكَ الحادِثَةِ اتِّحادًا كَما ادَّعاهُ هُوَ، ووَجَّهَ بِهِ إسْنادَ القَضاءِ إلى الأمْرِ بِالمَعْنى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ مِن أحْوالِ مَآلِهِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِصِحَّةِ اعْتِبارِ العَيْنِيَّةِ في إسْنادِ القَضاءِ وعَدَمِ صِحَّةِ اعْتِبارِها في تَعَلُّقِ الِاسْتِفْتاءِ إذْ بَعْدَ اعْتِبارِ العَيْنِيَّةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَكُونُ صِحَّةُ نِسْبَةِ ما هو مِن أحْوالِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ دُونَ صِحَّةِ نِسْبَةِ ما هو مِن أحْوالِ ذَلِكَ الآخَرِ إلَيْهِ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ مُكابَرَةً، ويُرَجَّحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ أنَّ فِيهِ سَلامَةَ مَن نَزَعَ الخُفَّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَيَمَّمَ كَعْبَةَ الإنْصافِ، وبِأنَّ ما ذَكَرَهُ في تَعْلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ تَفْسِيرِ الأمْرِ بِما اتُّهِما بِهِ وسُجِنا لِأجْلِهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ تَعْرِيضًا بِصاحِبِ الكَشّافِ وهُوَ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ: ما عَنى بِالأمْرِ إلّا العاقِبَةَ، نَعَمْ صَدْرُ كَلامِهِ ظاهِرٌ فِيما ذَكَرَ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، ولَعَلَّ وجْهَ الأمْرِ بِالتَّأمُّلِ في كَلامِ هَذا المُحَقِّقِ مَجْمُوعُ ما ذَكَرْناهُ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ هَذا الإخْبارَ كَما يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِما حَسْبَما ورَدَ في الأثَرِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِتَعْبِيرِهِ وتَأْكِيدًا لَهُ، ولا يَشْكُلُ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لا داعِيَ لِجُحُودِ الشَّرابِيِّ لِأنّا نَقُولُ عَلى تَقْدِيرِ كَذِبِهِما في ذَلِكَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِمُراعاةِ جانِبِ صاحِبِهِ الخَبّازِ.
وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ”إنَّ الَّذِي جَحَدَ هو الخَبّازُ“ فَحِينَئِذٍ الأمْرُ واضِحٌ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى ما هو المَشْهُورُ مِن أنَّ الرُّؤْيا تَقَعُ كَما تُعَبَّرُ، ولِذا قِيلَ: المَنامُ عَلى جَناحِ طائِرٍ إذا قُصَّ وقَعَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم دعاهما إلى الإسلام فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ يعني: الخباز والساقي أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ أي: الآلهة وعبادتها خَيْرٌ أَمِ عبادة اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.
ثم قال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أي: من الآلهة إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يعني: لا عذر ولا حجة بعبادتكم إياها، إِنِ الْحُكْمُ يعني: ما القضاء فيكم إِلَّا لِلَّهِ في الدنيا والآخرة أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ يعني: أمر في الكتاب أن لا تطيعوا في التوحيد إلا إياه ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني: هذا التوحيد هو الدين المستقيم، وهو دين الإسلام الذي لا عوج فيه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَّ يَعْلَمُونَ أن دين الله هو الإسلام.
ثم أخبرهما بتأويل الرؤيا، بعد ما نصحهما ودعاهما إلى الإسلام، وأخذ عليهما الحجة فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وهو الساقي.
قال له يوسف: تكون في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج، فتكون على عملك، وتسقي سيدك خمراً.
وقرأ بعضهم: فَيَسْقِي بضمّ الياء من أسقيته إذا جعلت له سقيا يعني: تتخذ الشراب الذي تسقي للملك.
قراءة العامة فَيَسْقِي بنصب الياء، يقال: سَقَيْتُهُ إذا ناولته.
ثم بيّن تأويل رؤيا الآخر فقال: وَأَمَّا الْآخَرُ وهو الخباز فَيُصْلَبُ يعني: يخرج من السجن بعد ثلاثة أيام ويصلب فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ.
فلما أخبرهما يوسف بتأويل الرؤيا، قالا: ما رأينا شيئاً، فقال لهما يوسف : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ يعني: تسألان، رأيتماها أو لم ترياها، قلتما لي، وقلت لكما، فكذلك يكون.
وروى إبراهيم النخعي عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «إنهما كان يتحاكما ليجرّباه، فلما أوَّلَ رؤياهما، قالا: إنما كنا نلعب» قال يوسف: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : فعلى هذا إِنما أعلمهم بأنه يعلم مغيَّباتٍ لا تعلُّق لها برؤْيَا، وقصد بذلك أحَدَ الوجهَيْنِ المتقدِّمين، وهذا على ما روي أنه نبىء في السجن فإِخباره كإِخبار عيسَى عليه السلام.
وقوله: تَرَكْتُ، مع أنه لم يتشبَّثْ بها جائزٌ صحيحٌ وذلك أنه أخبر عن تجنّبه من أول بالترك، وساق لفظ التَّرْك استجلابا لهما عسَى أن يتركا الترْكَ الحقيقيَّ الذي هو بَعْد الأخْذ في الشيء، والقَوْمُ المتروكُ ملتهم: المَلِكَ وأتباعه.
وقوله: وَاتَّبَعْتُ ...
الآية: تمَادٍ من يوسُفَ عليه السلام في دعائهما إِلى الملَّة الحنيفيَّة.
وقوله: مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، «مِنْ» : هي الزائدةُ المؤكِّدة التي تكونُ مع الجُحُودِ.
وقوله: لاَ يَشْكُرُونَ: يريد: الشكْرَ التَّامَّ الذي فيه الإيمان بالله عزّ وجلّ.
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
وقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ: وصْفُه لهما ب صاحِبَيِ السِّجْنِ من حيثُ سُكْنَاه كما قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ وأَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صُحْبَتَهُما له في السِّجْنِ، كأنه قال: يا صَاحِبَايَ في السجْنِ، وعرْضُه عليهما بطلاَن أمْرِ الأوثان بأنْ وصَفَها بالتفرُّق، ووَصْفُ اللَّه تعالى بالوَحْدة والقَهْر تلطُّفٌ حَسَنٌ، وأخْذٌ بيسيرِ الحُجَّة قبل كثيرها الذي ربَّما نَفَرَتْ منه طباعُ الجَاهِلِ وعانَدَتْه، وهكذا الوجْهُ في محاجَّة الجاهِلِ: أَنْ يؤخَذَ بدَرَجَةٍ يسيرةٍ من الاحتجاج يقبلها، فإِذا قبلها، لزمته عَنْها درجةٌ أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصلَ إِلى الحقِّ، وإِن أُخِذَ الجاهلُ بجميعِ المَذْهَبِ الذي يُسَاقُ إِليه دفعةً أباه للحين وعانَدَهُ، ولقد ابتلي بأربابٍ
متفرِّقين مَنْ يَخْدُم أبناء الدنيا ويؤمِّلهم.
وقوله: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً: أي: مسمَّيات، ويحتملُ- وهو الراجحُ المختار- أن يريد: ما تَعْبُدُون من دونه ألوهيَّة، ولا لكُمْ تعلُّق بإله إِلا بحَسَبِ أنْ سمَّيْتُمْ أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لا للَّه إِلا بالاسم فقطْ لا بالحقيقة، وأما الحقيقة: فَهِيَ وسائرُ الحجارة والخَشَب سواءٌ، وإِنما تعلّقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم، ومفعولُ «سميتم» الثاني محذوفٌ، تقديره: آلهة هذا على أن الأسماء يراد بها ذواتُ الأصنام، وأما على المعنى المُخْتارِ من أنَّ عبادتهم إِنما هي لمعانٍ تعطيها الأسماءُ، وليسَتْ موجودةً في الأصنام، فقوله: سَمَّيْتُمُوها بمنزلةِ وضَعْتُمُوهَا، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: أي ليس لأصنامكم، والْقَيِّمُ: معناه المستقيم، وأَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لجهالتهم وكُفْرهم، ثم نادَى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ثانيةً لتجتمع أنفسهما، لسماعِ الجواب، فروي أنه قال لنبو: أمَّا أنْتَ، فتعودُ إِلى مرتبتك وسقايةِ ربِّك، وقال لمجلث: أما أنْتَ، فتُصْلَب، وذلك كلَّه بعد ثلاثٍ، فروي أنهما قالا له: ما رَأَيْنَا شيئاً، وإِنما تحالمنا لنجرِّبك، وروي أنه لم يَقُلْ ذلك إِلا الذي حدَّثه بالصَّلْبِ، وقيل: كانا رَأَيَا، ثم أنْكَرا، ثم أخبرهما/ يوسُفُ عَنْ غَيْبِ عِلمَهُ من اللَّه تعالى، أَن الأمر قد قُضِيَ ووافَقَ القدر.
وقوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ...
الآية: الظَّنُّ هنا: بمعنى اليقين لأن ما تقدَّم من قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ يلزم ذلك، وقال قتادة: الظنُّ هنا على بابه لأن عبارة الرؤْيا «١» ظنٌّ.
قال ع «٢» : وقول يوسف عليه السلام: قُضِيَ الْأَمْرُ: دالٌّ على وحْيٍ، ولا يترتَّب قول قتادة إِلا بأَن يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ: أيْ: قُضِيَ كلامِي، وقلْتُ ما عِنْدي، وَتَمَّ، واللَّه أعلم بما يكُونُ بَعْدُ، وفي الآية تأويلٌ آخر: وهو أن يكون «ظَنَّ» مسنداً إِلى الذي قيل له: إِنه يسقي ربه خمراً لأنه داخَلَه السرور بما بُشِّر به، وغلَبَ على ظنّه ومعتقده أنه ناج.
وقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: يحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل: أن يذكره بمظلمته، وما امتحن به بغير حقّ، أو يذكره بجملة ذلك، والضمير في فَأَنْساهُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ﴾ إنَّما جَمَعَ في الخِطابِ لَهُما، لِأنَّهُ أرادَ جَمِيعَ مَن شارَكَهُما في شِرْكِهِما.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: مِن دُونِ اللَّهِ ﴿ إلا أسْماءً ﴾ يَعْنِي: الأرْبابَ والآلِهَةَ ولا يَصِحُّ مَعانِي تِلْكَ الأسْماءِ لِلْأصْنامِ، فَكَأنَّها أسْماءٌ فارِغَةٌ، فَكَأنَّهم يَعْبُدُونَ الأسْماءَ، لِأنَّها لا تَصِحُّ مَعانِيها.
﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ: مِن حُجَّةٍ بِعِبادَتِها.
﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ أيْ: ما القَضاءُ والأمْرُ والنَّهْيُ إلّا لَهُ.
﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ، يُشِيرُ إلى التَّوْحِيدِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَةُ غَيْرِهِ.
والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ مالِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوابِ ولِلْعاصِينَ مِنَ العِقابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾ الرَّبُّ هاهُنا: السَّيِّدُ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ لَمّا قَصَّ السّاقِي رُؤْياهُ عَلى يُوسُفَ، قالَ لَهُ: ما أحْسَنَ ما رَأيْتَ !
أمّا الأغْصانُ الثَّلاثَةُ، فَثَلاثَةُ أيّامٍ، يَبْعَثُ إلَيْكَ المَلِكُ عِنْدَ انْقِضائِها، فَيَرُدُّكَ إلى عَمَلِكَ، فَتَعُودُ كَأحْسَنِ ما كُنْتَ فِيهِ، وقالَ لِلْخَبّازِ: بِئْسَ ما رَأيْتَ، السِّلالُ الثَّلاثُ، ثَلاثَةُ أيّامٍ، ثُمَّ يَبْعَثُ إلَيْكَ المَلِكُ عِنْدَ انْقِضائِهِنَّ، فَيَقْتُلُكَ ويَصْلُبُكَ ويَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِكَ، فَقالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، فَقالَ: " قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ " أيْ: فُرِغَ مِنهُ، وسَيَقَعُ بِكُما، صَدَقْتُما أوْ كَذَبْتُما.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ حَتَّمَ عَلى وُقُوعِ التَّأْوِيلِ، ورُبَّما صَدَقَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيا وكَذَبَ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ لِوَحْيٍ أتاهُ مِنَ اللَّهِ، وسَبِيلُ المَنامِ المَكْذُوبِ فِيهِ أنْ لا يَقَعَ تَأْوِيلُهُ، فَلَمّا قالَ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ ، دَلَّ عَلى أنَّهُ بِوَحْيٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُحَتِّمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما ﴾ ، قالَ أصْحابُ هَذا الجَوابِ: مَعْنى ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ : قُطِعَ الجَوابُ الَّذِي التَمَسْتُماهُ مِن جِهَتِي، ولَمْ يَعْنِ أنَّ الأمْرَ واقِعٌ بِكُما.
وقالَ أصْحابُ الجَوابِ الأوَّلِ: الظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ وصْفُهُ لَهُما بِـ ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ ﴾ هُوَ: إمّا عَلى أنَّ نَسَبَهُما بِصُحْبَتِهِما لِلسِّجْنِ مِن حَيْثُ سَكَناهُ، كَما قالَ تَعالى: " أصْحابُ الجَنَّةِ "، و " أصْحابِ الجَحِيمِ "، ونَحْوَ هَذا، وإمّا أنْ يُرِيدَ صُحْبَتَهُما لَهُ في السِجْنِ، فَأضافَهُما إلى السَجْنِ بِذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: يا صاحِبَيَّ في السِجْنِ، وهَذا كَما قِيلَ في الكُفّارِ: إنَّ الأصْنامَ شُرَكاؤُهم.
وعَرَضَهُ عَلَيْهِما بِطُولِ أمْرِ الأوثانِ بِأنْ وصَفَها بِالتَفَرُّقِ، ووَصَفَ اللهَ تَعالى بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ تَلَطُّفٌ حَسَنٌ وأخْذٌ بِيَسِيرِ الحُجَّةِ قَبْلَ كَثِيرِها الَّذِي رُبَّما نَفَرَتْ مِنهُ طِباعُ الجاهِلِ وعانَدَتْهُ، وهَكَذا الوَجْهُ في مُحاجَّةِ الجاهِلِ، أنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجاجِ يَقْبَلُها، فَإذا قَبِلَها لَزِمَتْهُ عنها دَرَجَةٌ أُخْرى فَوْقَها، ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا حَتّى يَصِلَ إلى الحَقِّ، وإنَّ أخْذَ الجاهِلِ بِجَمِيعِ المَذْهَبِ الَّذِي يُساقُ إلَيْهِ دَفْعَةً أباهُ لِلْحِينِ وعانَدَهُ، وقَدِ ابْتُلِيَ بِأرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ مَن يَخْدِمُ أبْناءَ الدُنْيا ويُؤَمِّلُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أسْماءً ﴾ ، ذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ أوقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ الأسْماءَ عَلى المُسَمَّياتِ وعَبَّرَ عنها بِها إذْ هي ذَواتُ أسْماءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاسْمُ الَّذِي هُوَ: (ألِفٌ وسِينٌ ومِيمٌ) قَدْ يَجْرِي في اللُغَةِ مَجْرى النَفْسِ والذاتِ والعَيْنِ، فَإنْ حَمَلْتَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ صَحَّ المَعْنى، ولَيْسَ الِاسْمُ -عَلى هَذا- بِمَنزِلَةِ التَسْمِيَةِ الَّتِي هِيَ: رَجُلٌ وحَجَرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الأسْماءِ الَّتِي في الآيَةِ أسْماءَ الأصْنامِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ اللاتِ والعُزّى ونَحْوِ ذَلِكَ مِن تَسْمِيَتِها آلِهَةً، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا ذَواتَ أسْماءٍ، وحَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ.
ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الراجِحُ المُخْتارُ إنْ شاءَ اللهُ- أنْ يُرِيدَ: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ أُلُوهِيَّةً، ولا لَكم تَعَلُّقٌ بِإلَهٍ إلّا بِحَسْبَ أنْ سَمَّيْتُمْ أصْنامَكم آلِهَةً، فَلَيْسَتْ عِبادَتُكم لِإلَهٍ إلّا بِاسْمٍ فَقَطْ لا بِالحَقِيقَةِ، وأمّا الحَقِيقَةُ فَهي وسائِرُ الحِجارَةِ والخَشَبِ سَواءٌ، فَإنَّما تَعَلَّقَتْ عِبادَتُكم بِحَسْبَ الِاسْمِ الَّذِي وضَعْتُمْ، فَذَلِكَ هو مَعْبُودُكم إذا حَصَلَ أمْرُكُمْ، فَعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِاللَفْظِ المَسْرُودِ في الآيَةِ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ وهِمَ مَن قالَ: (فِي قَوْلِنا: رَجُلٌ وحَجَرٌ) إنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى في كُلِّ حالٍ، وقَدْ بانَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ في صَدْرِ التَعْلِيقِ.
ومَفْعُولُ "سَمَّيْتُمْ" الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: آلِهَةً، هَذا عَلى أنَّ الأسْماءَ يُرادُ بِها ذَواتُ الأصْنامِ، وأمّا عَلى المَعْنى المُخْتارِ مِن أنَّ عِبادَتَهم إنَّما هي لِمَعانٍ تُعْطِيها الأسْماءُ ولَيْسَتْ مَوْجُودَةً في الأصْنامِ- فَقَوْلُهُ "سَمَّيْتُمُوها" بِمَنزِلَةِ: وضَعْتُمُوها، فالضَمِيرُ لِلتَّسْمِياتِ، وأكَّدَ الضَمِيرَ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ.
والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ لِأصْنامِكُمُ الَّتِي سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِنَ الحُكْمِ والأقْدارِ والأرْزاقِ شَيْءٌ، أيْ: فَما بالُها إذَنْ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرَدَّ عَلى حُكْمِهِمْ في نَصْبِهِمْ آلِهَةً دُونَ اللهِ تَعالى: ولَيْسَ لَهم تَعِدِّي أمْرِ اللهِ في ألّا يُعْبَدَ غَيْرُهُ.
و"القَيِّمُ" مَعْناهُ: المُسْتَقِيمُ، و ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لِجَهالَتِهِمْ وغَلَبَةِ الكُفْرِ.
ثُمَّ نادى ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ ﴾ ثانِيَةً لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ الجَوابِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لِنَبْوَ: أمّا أنْتَ فَتَعُودُ إلى مَرْتَبَتِكَ وسِقايَةِ رَبِّكَ، وقالَ لِمِجْلَثَ: أمّا أنْتَ فَتُصْلَبُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ ثَلاثٍ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا لَهُ: ما رَأيْنا شَيْئًا وإنَّما تَحالَمْنا لِنُجَرِّبَكَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا الَّذِي حَدَّثَهُ بِالصَلْبِ، وقِيلَ: كانا رَأيا ثُمَّ أنْكَرا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْقِي رَبَّهُ" مِن سَقى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيُسْقى" مِن أسْقى، وهُما لُغَتانِ لِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، "فَيُسْقى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ، أيْ: ما يُرْوِيهِ.
وأخْبَرَهُما يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ -عن غَيْبٍ عَلِمَهُ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى- أنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ ووافَقَ القَدَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ ﴾ الآيَةُ.
الظَنُّ هاهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ يَلْزَمُ ذَلِكَ، وهو يَقِينٌ فِيما لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ إلى الوُجُودِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ لِأنَّ عِبارَةَ الرُؤْيا ظَنٌّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ دالٌّ عَلى وحْيٍ، ولا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ قَتادَةَ إلّا بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ ، أيْ: قُضِيَ كَلامِي وقُلْتُ ما عِنْدِي واللهُ أعْلَمُ بِما يَكُونُ بَعْدُ.
وَفِي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهُوَ: أنْ يَكُونَ "ظَنَّ" مُسْنَدًا إلى الَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا، لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ أُبَّهَةُ السُرُورِ بِما بُشِّرَ بِهِ، وصارَ في رُتْبَةِ مَن يُؤَمَّلُ حِينَ ظَنَّ وغَلَبَ عَلى مُعْتَقَدِهِ أنَّهُ ناجٍ وذَلِكَ بِخِلافِ ما نَزَلَ بِالآخَرِ المُعَرَّفِ بِالصَلْبِ.
ومَعْنى الآيَةِ: قالَ يُوسُفُ لِساقِي المَلِكِ حِينَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى مَعَ المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ المَلِكِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنْ يُذَكِّرَهُ بِعِلْمِهِ ومَكانَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُذَكِّرَهُ بِمَظْلَمَتِهِ وما امْتُحِنَ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أو يُذَكِّرَهُ بِهِما.
والضَمِيرُ في "فَأنْساهُ" قِيلَ: هو عائِدٌ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: نَسِيَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَشْتَكِيَ إلى اللهِ، وجَنَحَ إلى الِاعْتِصامِ بِمَخْلُوقٍ، فَرُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَهُ فَعاتَبَهُ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ، وطُوِّلَ سِجْنُهُ عُقُوبَةً عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: أُوحِيَ إلَيْهِ: يا يُوسُفُ اتَّخَذَتْ مِن دُونِي وكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، وقِيلَ: إنِ الضَمِيرَ في "فَأنْساهُ" عائِدٌ عَلى الساقِي، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، أيْ: نَسِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ عِنْدَ رَبِّهِ، فَأضافَ الذَكَرُ إلى رَبِّهِ إذْ هو عِنْدَهُ، والرَبُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ: المَلِكُ.
والبِضْعُ في كَلامِ العَرَبِ اخْتُلِفَ فِيهِ -فالأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مِنَ الثَلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وعَلى هَذا هو فِقْهُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في الدَعاوِي والأيْمانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البِضْعُ لا يَبْلُغُ العَقْدَ ولا نِصْفَ العَقْدِ، وإنَّما هو مِنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: البِضْعُ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقالَ قَتادَةُ: البِضْعُ مِنَ الثَلاثَةِ إلى التِسْعَةِ، ويُقَوِّي هَذا ما رُوِيَ مِن «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِأبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ في قِصَّةِ خَطَرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ في غَلَبَةِ الرُومِ لِفارِسَ: "أما عَلِمْتَ أنَّ البِضْعَ مِنَ الثَلاثِ إلى التِسْعِ؟!"،» وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الثَلاثَةِ إلى السَبْعَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: ولا يُذْكَرُ البِضْعُ إلّا مَعَ العَشَراتِ، لا يُذْكَرُ مَعَ مِائَةٍ ولا مَعَ ألْفٍ، والَّذِي رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ سُجِنَ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ لَهُ قِصَّةُ الفَتَيَيْنِ، وعُوقِبَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ بِالبَقاءِ في السِجْنِ سَبْعَ سِنِينَ، فَكانَتْ مُدَّةُ سِجْنِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: عُوقِبَ بِبَقاءِ سَنَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "لَوْلا كَلِمَتُهُ ما لَبِثَ في السِجْنِ طُولَ ما لَبِثَ"،» ثُمَّ بَكى الحَسَنُ وقالَ: نَحْنُ إذا نَزَلَ بِنا أمْرٌ فَزِعْنا إلى الناسِ.
<div class="verse-tafsir"
افتتح خطابهما بالنداء اهتماماً بما يلقيه إليهما من التعبير، وخاطبهما بوصف ﴿ صاحبي السجن ﴾ أيضاً.
ثم إذا كان الكلام المحكي عن يوسف عليه السّلام في الآية صدر منه على نحو النظم الذي نظم به في الآية وهو الظاهر كان جَمع التأويلَ في عبارة واحدة مجملة، لأن في تأويل إحدى الرؤيين ما يسوء صاحبَها قصداً لتلقيه ما يسوء بعدَ تأمل قليل كيلا يفجأه من أول الكلام، فإنه بعد التأمل يعلم أن الذي يسقي ربه خمراً هو رَائي عَصر الخمر، وأن الذي تأكل الطير من رأسه هو رائي أكل الطير من خبزٍ على رأسه.
وإذا كان نظم الآية على غير ما صَدر من يوسف عليه السّلام كان في الآية إيجاز لحكاية كلام يوسف عليه السّلام، وكان كلاماً معيّناً فيه كل من الفتيين بأن قال: أما أنتَ فكيْت وكيْت، وأما أنت فكَيْت وكيْت، فحُكي في الآية بالمعنى.
وجملة ﴿ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ﴾ تحقيق لما دلت عليه الرؤيا، وأن تعبيرها هو ما أخبرهما به فإنهما يستفتيان في دلالة الرؤيا على ما سيكون في شأن سجنهما لأن ذلك أكبر همهما، فالمراد بالأمر تعبير رؤياهما.
والاستفتاء: مصدر استفتَى إذا طلب الإفتاء.
وهو: الإخبار بإزالة مشكل، أو إرشاد إلى إزالة حيرة.
وفعله أفتى مُلازم للهمز ولم يسمع له فعل مُجرد، فدلا ذلك على أن همزه في الأصل مجتلب لمعنًى، قالوا: أصل اشتقاق أفتى من الفتى وهو الشاب، فكأنّ الذي يفتيه يقوي نهجه ببيانه فيصير بقوة بيانه فَتِيّا أي قوياً.
واسم الخبر الصادر من المفتي: فتوى بفتح الفاء وبضمها مع الواو مقصوراً، وبضم الفاء مع الياء مقصوراً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾ وهو الَّذِي قالَ: إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا، بَشَّرَهُ بِالنَّجاةِ وعَوْدِهِ إلى سَقْيِ سَيِّدِهِ خَمْرًا لِأنَّهُ كانَ ساقِيَهُ.
﴿ وَأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ ﴾ وهو الَّذِي قالَ ﴿ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴾ فَأنْذَرَهُ بِالهَلَكَةِ وكانَ خَبّازَ المَلِكِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُهُ مِجْلَثًا، واسْمُ السّاقِي نَبُوًا.
فَلَمّا سَمِعَ الهالِكُ مِنهُما تَأْوِيلَ رُؤْياهُ قالَ: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ.
قالَ ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُضِيَ السُّؤالُ والجَوابُ.
الثّانِي: سَيُقْضى تَأْوِيلُهُ ويَقَعُ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قَطَعَ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وهو عِنْدَهُ ظَنٌّ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ الَّذِي لا يُقْطَعُ فِيهِ؟
فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قالَهُ عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: لِأنَّهُ نَبِيٌّ يَقْطَعُ بِتَحْقِيقِ ما أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى وأجْراهُ عَلى لِسانِهِ، بِخِلافِ مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال: أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة من عنب، فنبتت فخرج فيه عناقيد فعصرتهن، ثم سقيتهن الملك.
فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمراً.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيسقي ربه خمراً ﴾ قال: سيده.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما رأى صاحبا سجن يوسف عليه السلام شيئاً، إنما تحاكما إليه ليجرّبا علمه، فلما أوّل رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب ولم نر شيئاً، فقال: ﴿ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ﴾ يقول: وقعت العبارة، فصار الأمر على ما عبر يوسف عليه السلام.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: كان أحد اللذين قصا على يوسف الرؤيا كاذباً.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ﴾ قال عند قولهما: ما رأينا رؤيا، إنما كنا نلعب.
قال: قد وقعت الرؤيا على ما أوّلت.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: قال يوسف عليه السلام للخباز: إنك تصلب، فتأكل الطير من رأسك.
وقال لساقيه: أما أنت، فترد على عملك، فذكر لنا أنهما قالا حين عبر: لم نر شيئاً.
قال: ﴿ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه خمراً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا ﴾ الآية، قال الكلبي عن ابن عباس (١) ﴿ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ يعني سيقع بكما ما عبرت لكما، صدقتما أم كذبتما، فإن قيل كيف حكم يوسف بوقوع تأويل المنامين وربما صدق تأويل المنام وكذب؟
والجواب عن هذا: أن حكم (٢) قال ابن عباس (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ ﴾ والظان شاك غير عالم، والصحيح هو الأول؛ لأنه أشبه بحال الأنبياء (٧) (٨) (١) "زاد المسير" 4/ 226، "تنوير المقباس" ص 150، البغوي 4/ 243 بنحوه، الرازي 18/ 142، الثعلبي 7/ 84 أ.
(٢) في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (حكم).
(٣) "تنوير المقباس" ص 150.
(٤) الطبري 12/ 221، وابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2148، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 36، الثعلبي 7/ 84 أ.
(٥) أخرجه أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 36.
(٦) وهو قول مجاهد والسدي والطبري وغير واحد، انظر: الطبري 12/ 221، وابن أبي حاتم، و"البحر المحيط" 5/ 311.
(٧) هذا الذي رجحه ابن جرير الطبري 12/ 222 - 223، وابن عطية 7/ 515، والقرطبي 9/ 194.
(٨) عند قوله تعالى ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ﴾ .
قال هناك: (الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة واستفتيته فأفتاني إفتاء، ويقال: أفتيت فلانا في رؤياه إذا عبرتها له.
اهـ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياصاحبي السجن ﴾ نسبهما إلى السجن إما لأنهما سكناه أو لأنهما صاحباه فيه، كأنه قال يا صاحبيَّ في السجن ﴿ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ ﴾ الآية: دعاهما إلى توحيد الله، وأقام عليهما الحجة رغبة في إيمانهما ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً ﴾ أوقع الأسماء هنا موقع المسميات والمعنى سميتم ما لا يستحق الألوهية آلهة ثم عبدتموها ﴿ مِن سلطان ﴾ أي حجة وبرهان ﴿ فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً ﴾ يعني الملك ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ﴾ الظن هنا يحتمل أن يكون بمعنى اليقين، لأن قوله: قضي الأمر يقتضي ذلك، أو يكون على بابه، لأنه عبارة الرؤيا ظن ﴿ اذكرني عِندَ رَبِّكَ ﴾ يعني الملك ﴿ فأنساه الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ قيل: الضمير ليوسف، أي نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن، وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو الساقي.
أي نسي ذكر يوسف عند ربه، فأضاف الذكر إلى ربه إذ هو عنده، والرب على هذا التأويل الملك ﴿ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ البضع من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة، وروي أن يوسف عليه السلام سجن خمس سنين أولاً، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.
الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.
أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.
والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.
﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.
الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.
الباقون على الغيبة.
﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.
﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.
﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.
﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.
رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.
وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.
والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.
وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.
وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.
فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟
فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.
فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.
وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.
وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.
أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.
بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى ﴿ وأنبئكم بما تأكلون ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.
فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.
ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.
ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.
وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.
والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.
وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.
ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.
ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.
ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.
وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.
قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.
وقيل: جحدا رؤياهما.
وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.
﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.
والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟
وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.
والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.
ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.
والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.
والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.
وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.
وعن النبي : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.
فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.
قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.
فقد روي أن النبي لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.
وقال حكاية عن عيسى : ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟
فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.
ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله .
فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.
ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.
ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.
واعلم أن الله خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.
ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.
وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.
ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.
وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.
والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.
وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.
وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.
وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.
والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.
فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.
وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.
ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.
واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.
ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.
﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.
وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.
وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.
ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.
والمعنى مروني باستعباره.
وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.
وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.
وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.
وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.
وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.
وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ﴾ .
﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.
قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.
و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.
وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.
وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.
والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.
وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.
ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.
فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.
عن قتادة: زاده الله علم سنة.
وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.
والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.
وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.
ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.
﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.
وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.
ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.
ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.
عن النبي : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.
ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .
﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟
قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.
وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.
﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.
وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.
أما قوله : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.
قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.
والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.
وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.
ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.
وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟
وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.
ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف من كل سوء.
قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.
فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.
فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.
ولما كان قول يوسف ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.
وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.
ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.
قال المحققون.
النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.
وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.
ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.
وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.
وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.
التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.
والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.
وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.
ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.
ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.
وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.
ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.
ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾ .
قيل: عبدين للملك؛ غضب عليهما الملك.
﴿ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ .
وقال بعضهم: أرض يُدعى العنب بها خمرا، أو سمي خمراً باسم سببه وباسم أصله، [وجائز في اللغة تسمية الشيء باسم سببه وباسم أصله].
﴿ وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ﴾ كان أحدهما خبازاً للملك، والآخر ساقيه.
﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال بعضهم: إحسانه في السجن؛ لما كانوا رأوه يداوي المرضي، ويعزّي حزينهم، ويجتهد في نفسه في العبادة لربّه.
هذا يحتمل لعله كان يبرّ أهل السجن ويصلهم، ويجتهد في العبادة لله في الصلاة له والصوم، وأنواع العبادة التي تكون فيما بينه وبين ربه، فسمياه محسناً لذلك.
ويشبه أن يكون قالوا: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوا به سيما الخير وآثاره، أو يدعوهم إلى توحيد الله والعبادة له، وخلعهم عن عبادة الأصنام والأوثان والانتزاع من ذلك، فسمياه محسناً لذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوه أحسن إلى أهل السجن، ويحتمل الإحسان - هاهنا -: العلم؛ أي: نراك من العالمين؛ وهو قول الفراء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .
سمى التعبير: تأويلا؛ لأن التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك سموه تأويلا، ثم خرج تأويل الذي كان يعصر الخمر على العود إلى ما كان في أمره؛ من السقي للملك؛ وهو كان ساقيه؛ على ما ذكر، فلما رأى أنه دام على أمره، أول له بالعود إلى أمره الذي كان فيه.
والآخر كان خبّازاً؛ على ما ذكر، وهو إنما كان يخبز للناس، فلما رأى أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه يأكل الطير - علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه، وخروجه يكون بهلاكه؛ لأنه كان من قبل يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم؛ فاستدل بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائماً منتصباً، فأول على ما كان أمره.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ هذا - والله أعلم - كان يقول لهم ذلك؛ ليعرفهم أن عنده علم ذلك؛ علم ما لا يُحتاج إليه؛ فعلم ما يحتاج إليه أحرى أن يعلم ذلك، وهذا - والله أعلم - منه احتيال؛ لينزعهم عما هم فيه من عبادة الأوثان، وعبادتهم غير الله، وليرغبهم في توحيد الله، وصرف العبادة إليه؛ ولهذا قال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ هذا باللطف ما أضاف إليه أنه علمه، وإلا التعليم لا يكون إلا باختلاف الملائكة إليه، وذلك لطف من الله للرسل عليهم السلام.
وقوله: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ .
تأويله - والله أعلم - أي: لا يأتيكما طعام رأيتما آثار ذلك في المنام إلا نبأتكما بتأويل ذلك قبل أن يأتي ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ .
أخبر أنه ترك: ﴿ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ليس أنه كان فيه ثم تركه، ولكن تركه ابتداء؛ ما لو لم يكن تركه كان آخذاً بغيره؛ وهو كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ ليس أنها كانت موضوعة فرفعها، ولكن رفعها أول ما خلقها.
وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا ﴾ ليس أنها مرفوعة ثم وضعها؛ أي أنشأها مرفوعة وموضوعة.
وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ليس أنهم كانوا فيها فأخرجهم، ولكن عصمهم حتى لم يدخلوا فيها.
فعلى ذلك الأول.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .
قال في الآية الأولى: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ، وأخبر أنهم كافرون بالله واليوم الآخر، وفيه أن من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو كافر، فهذا ينقض على المعتزلة؛ حيث جعلوا بين الكفر والإيمان رتبة ثالثة، ويوسف يخبر أن من لم يؤمن بالله فهو كافر؛ وهم يقولون: صاحب الكبيرة غير مؤمن بالله، وهو ليس بكافر.
ثم أخبر أنه ترك ملة أولئك الذين لا يؤمنون بالله، واتبع ملة آبائه إبراهيم ومن ذكر، ثم أخبر عن ملة آبائه وهو ما ذكر.
﴿ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
عرفهم ملة آبائه ودينهم؛ وهو على ترك الإشراك بالله، وجعل الألوهية له، وصرف العبادة إليه.
وفيه: أن الملة ليست إلا ملتين: ملّة كفر، وملة إسلام.
وأخبر أن من لم يكن في ملة الإسلام كان في ملة الكفر.
ثم خص بذكر هؤلاء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأن هؤلاء كانوا مكرمين عند الناس كافة، كل أهل الدين يدّعون أنهم على دين أولئك؛ فأخبر أنهم على دين الإسلام.
والحنيف: المخلص، ليس على ما تزعمون أنتم؛ ولهذا قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ دلالة أن الكفر كله ملة واحدة؛ حيث أخبر أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون على اختلاف مذاهبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ .
أي: ذلك الدين والملة التي أنا عليها وآبائي من فضل الله علينا وعلى الناس؛ لأنه - عز وجل - فطر الناس على فطرة؛ يعرفون وحدانية الله وربوبيته بعقول ركبت فيهم؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله وما ركب فيهم من العقول، أو ذلك الدين والهداية الذي أعطاهم من فضل الله؛ لكن أكثر الناس يتركون ذلك الدين وتلك الهداية، والله أعلم.
وقول الله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
يوسف - لما سئل عن تأويل الرؤيا - دعاهم إلى توحيد الله ودلهم عليه؛ فقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ ، وقال: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ ، أي: عبادة رب واحد وإرضاؤه خير أم عبادة عدد وإرضاء نفر؟
لأنه إذا عبد بعضاً واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته؛ إذ لا يقدر على إرضائهم جميعاً، وإن اجتهد، وأما الواحد: فإنه يقدر على إرضائه؛ إذ لا يزال يكون في عبادته وإرضائه؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده.
والثاني: يخبر أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب ومن تعبدون؛ فعبادة الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ﴾ .
من الأصنام والأوثان.
﴿ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ .
آلهة.
﴿ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ ﴾ .
ولا يستحقون العبادة ولا التسمية بالألوهية؛ إنما المستحق لذلك: الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض.
﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .
أي: ما أنزل الله على ما عبدتموهم وسميتم أنتم وآباؤكم آلهة من حجة ولا برهان.
﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ .
أي: ما الحكم - في الألوهية والربوبية والعبادة - إلا لله [ليس كما تقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .
وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: ما الحكم في العبادة والألوهية إلا لله].
أو يقول: ما الحكم في الخلق إلا لله؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ أي: له الخلق وله الأمر في الخلق.
و ﴿ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
حكمه هذا: أمر ألا تعبدوا إلا إياه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .
أي: عبادة الله وتوحيده هو الدين القيم؛ لأنه دين قام على الحجة والبرهان، وأمّا سائر الأديان فليست بقيمة؛ إذ لا حجة قامت عليها ولا برهان.
والقيم: هو القائم الذي قام بحجة وبرهان، وقال أهل التأويل: القيم: المستقيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
يحتمل: لا يعلمون؛ لما لم يتفكروا فيه ولم ينظروا؛ فلم يعلموا، ولو نظروا فيه وتفكروا لعلموا، وهذا يدلّ أن العقوبة تلزم - وإن جهل - إن أمكن له العلم به؛ فلا عذر له في الجهل إذا أمكن العلم به.
أو علموا لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم؛ فنفى عنهم العلم لذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه تأول رؤيا الساقي، وعبرها على العود إلى ما كان يعمل من قبل؛ لما رأى أنه كان عمل على ما كان يعمل من قبل.
وعبر رؤيا الخبّاز بالهلاك؛ لما رأى أنه حمل الخبز على الرأس، والخبز إذا خبزه الخباز لا يحمله على رأسه؛ فرأى أنه قد انتهى أمره؛ إذ عمل على خلاف ما كان يعمل من قبل؛ فتأكل الطير من رأسه، فعبّر أنه يصلب وتأكل من رأسه لما رأى أنه حمل الخبز على رأسه؛ لما كان يخبز من قبل للعباد، فلما رأى أنه يخبز لغيره عبر أنه يهلك فتأكل الطير من رأسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إنه لما عبر لهما رؤياهما، قال الذي عبر له الصلب والقتل: لم أر شيئاً؛ إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ أي: فرغ وانتهى، لكن هذا لا يعلم: أقالا ذلك أم لم يقولا، سوى أن فيه أنه عَبّر رؤياهما، وكان ما عبّر لهما، وقد علم ذلك بتعليم من الله إياه؛ بقوله: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ﴾ .
قال بعضهم: ظن الذي صدق [يوسف: أنه يسقي ربه، وأنه ناج.
وقال بعضهم: قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما، بجعل الظن ليوسف، فإن كان الذي ظن] هو ذلك الرجل؛ فكان الظن في موضع الظن؛ وإن كان الظانّ هو يوسف - فهو علم ويقين؛ أي: علم وأيقن أنه ناج منهما؛ لأنه لا يحتمل أن يشك فيما يعبر وقد علمه الله تأويل الأحاديث بقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ ، وقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ .
ويحتمل على حقيقة الظن من يوسف؛ أي: وقال للذي ناج منهما ظن أنه يذكره عند ربه، وهو على التقديم والتأخير.
وقوله - عز وجل: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما فزع إلى غير الله [وطلب إخراجه من السجن من الملك أنساه الله فيه سنين وأقره فيه عقوبة له حين رجا غير ربه لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يكون يوسف يفزع إلى غير الله]؛ ويدفع قلبه عن الله ويشغله بمن دونه، لكنه رأى - والله أعلم - أن الله - عز وجل - جعل سبب نجاته على يديه، وأنه بقي فيه منسيّاً؛ لما علم أنه لم يكن منه سبب يلزمهم الحبس في السجن، سوى الاعتذار إلى الناس، والاعتلال لهم على نفي ما اقترفت به زوجته، أو لينقطع ذلك الخبر [عن ألسن] الناس، ويبعد عن أوهامهم، فرأى أنه إذا ذكّره؛ لعله أخرجه من ذلك لما رأى أنه جعل سبب نجاته على يديه؛ لا أنه رأى ذلك منه ورفع قلبه عن الله.
وهكذا جعل الله أمور الدنيا كلها بأسباب.
وعلى ذلك تعبّد عباده؛ باستعمال الأسباب مع اعتقاد القلب القدر من الله؛ نحو: ما جعل الأنزال والزراعة بأسباب يكتسبونها، ونحو الأسلحة التي اتخذت للحرب والقتال بها مما يكثر عدد ذلك، وإنما يحاربون بالله، وبه يقاتلون، ومن عنده يُنصرون.
وقد أمر بذلك كله وبتلك الأسباب؛ فقال: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ وليس كل من فعل هذا كان فزع إلى غير الله، أو رأى النصر والنجاة من ذلك الشيء والسبب؛ بل رأى ذلك كله من الله ومن عنده؛ فعلى ذلك يوسف لا يجوز أن يتوهم أنه فزع إلى مخلوق مثله، ورأى نجاته من عند ذلك، ولكن للوجه الذي ذكرناه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: اذكرني عند ربك؛ لعلي حبست بلا علم منه وبغير أمره؛ لأن تلك المرأة هي التي أوعدت له السجن؛ فوقع عنده أنها هي التي احتالت في حبسه؛ فقال لذلك ما قال.
والثاني: يقول: اذكرني بالذي رأيت مني وسمعت؛ لأنه دعاهما في السجن إلى التوحيد؛ حيث قال: ﴿ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: أنسى الشيطان يوسف دعاء ربه الذي أنشأه وخلقه؛ فلم يدع ربه الذي هو في الحقيقة ربّ.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ الذي قال له يوسف: اذكرني عند ربك ذكر ربه، وهذا أشبه، والأوّل بعيد؛ لأنه قال في آخره: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ ، أي: بعد حين ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾ دل هذا أنه إنما أنسى الشيطان على ذلك الرجل فلم يذكره عنده حيناً.
وقال بعضهم: لم ينسه الشيطان، ولكن تركه عمداً؛ لم يذكره عنده؛ لعله يتذكر ما تقدم من المقال فيزداد غضباً عليه، فتركه عمداً إلى أن جاء وقته - والله أعلم - وأضاف الإنساء إلى الشيطان، وكذلك قال موسى: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لأن بدء كل شرّ يكون من الشيطان؛ لأنه يخطر بباله ويقذف في قلبه ويوسوسه، ثم يكون من العبد العزيمة على ذلك والفعل، وفائدة النسيان - والله أعلم - هو أن الله أراد أن يظهر آية رسالته وحجة نبوته؛ بكونه في السجن ويظهر براءته في شأن تلك المرأة بشهادة أولئك النسوان، وذلك علم الأحاديث التي ذكر والرؤيا التي عبرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: خمس سنين.
وقال بعضهم: سبع سنين؛ ونحو ذلك.
ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى [أنه] لبث فيه حيناً.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ ٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ﴾ \[سماهم: أصحاب السجن؛ لأنه كانوا في السجن، كما يقال: أصحاب النار، وأصحاب الجنة، ونحوه، لكنه لو كان ما ذكر لقال: يا صاحبا السجن\] بالألف؛ فلما لم يقل هذا دل أنه أضافه إلى نفسه؛ كأنه قال: يا صاحبي في السجن؛ لأنهما كانا معه في السجن.
وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .
قيل: فرغ.
وقيل: انتهى الأمر الذي فيه تستفتيان وأنهي؛ كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...
﴾ الآية [الإسراء: 4].
وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ كأنه بلغ إليهما وحياً أوحي إليه وأمر به؛ أي: هو كائن من غير رجوع كان منهما؛ على ما يقوله أهل التأويل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يا رفيقَي السجن، أما الَّذي رأى أنَّه يعصر عنبًا ليصير خمرًا فإنه يخرج من السجن، ويرجع إلى عمله، فيسقي الملك، وأما الَّذي رأى أن فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه فإنه يقتل ويصلب، فتأكل الطير من لحم رأسه، فرغ الأمر الَّذي طلبتما الفُتْيَا فيه وتم، فهو واقع لا محالة.
<div class="verse-tafsir" id="91.2YOzp"