الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٨٨ من سورة يوسف
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 119 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٨٨ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( فلما دخلوا عليه ) تقدير الكلام : فذهبوا فدخلوا بلد مصر ، ودخلوا على يوسف ، ( قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام ، ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) أي : ومعنا ثمن الطعام الذي تمتاره ، وهو ثمن قليل .
قاله مجاهد ، والحسن ، وغير واحد .
وقال ابن عباس : الرديء لا ينفق ، مثل خلق الغرارة ، والحبل ، والشيء ، وفي رواية عنه : الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان .
وكذا قال قتادة ، والسدي .
وقال سعيد بن جبير [ وعكرمة ] هي الدراهم الفسول .
وقال أبو صالح : هو الصنوبر وحبة الخضراء .
وقال الضحاك : كاسدة لا تنفق .
وقال أبو صالح : جاءوا بحب البطم الأخضر والصنوبر .
وأصل الإزجاء : الدفع لضعف الشيء ، كما قال حاتم الطائي : ليبك على ملحان ضيف مدفع وأرملة تزجي مع الليل أرملا وقال أعشى بني ثعلبة : الواهب المائة الهجان وعبدها عوذا تزجي خلفها أطفالها وقوله إخبارا عنهم : ( فأوف لنا الكيل ) أي : أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك .
وقرأ ابن مسعود : " فأوقر ركابنا وتصدق علينا " .
وقال ابن جريج : ( وتصدق علينا ) برد أخينا إلينا .
وقال سعيد بن جبير والسدي : ( وتصدق علينا ) يقولون : تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة ، وتجوز فيها .
وسئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي ، صلى الله عليه وسلم ؟
فقال : ألم تسمع قوله : ( فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ) رواه ابن جرير عن الحارث ، عن القاسم ، عنه .
وقال ابن جرير : حدثنا الحارث ، حدثنا القاسم ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن عثمان بن الأسود : سمعت مجاهدا وسئل : هل يكره أن يقول الرجل في دعائه : اللهم تصدق علي ؟
فقال : نعم ، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب .
القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قال أبو جعفر: وفي الكلام متروك قد استغني بذكر ما ظهر عما حذف ، وذلك: فخرجوا راجعين إلى مصر حتى صاروا إليها ، فدَخلوا على يوسف ، ( فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) ، أي الشدة من الجدب والقحط (2) ، ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) .
كما:- 19740- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال، وخرجوا إلى مصر راجعين إليها ، (ببضاعة مزجاة): أي قليلة ، لا تبلغ ما كانوا يتبايعون به ، إلا أن يتجاوز لهم فيها ، وقد رأوا ما نـزل بأبيهم ، وتتابعَ البلاء عليه في ولده وبصره ، حتى قدموا على يوسف.
فلما دخلوا عليه قالوا: (يا أيها العزيز ) ، رَجَاةَ أن يرحمهم في شأن أخيهم (3) ، ( مسنا وأهلنا الضر ) .
* * * وعنى بقوله: ( وجئنا ببضاعة مُزْجاة ) بدراهم أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام إلا لمن يتجاوز فيها .
* * * وأصل " الإزجاء ": السوق بالدفع ، كما قال النابغة الذبياني: وَهَبّـتِ الـرِّيحُ مِـنْ تِلْقَـاءِ ذِي أُرُلٍ تُزْجِـي مَـعَ اللَّيْلِ مِنْ صَرَّادِهَا صِرَمَا (4) يعني تسوق وتدفع ; ومنه قول أعشى بني ثعلبة: الــوَاهِبُ المِئــةَ الهِجَـانَ وعَبْدَهَـا عُــوذًا تُزَجِّــي خَلْفَهــا أطْفَالَهـا (5) وقول حاتم: لِبَيْـكِ عَـلَى مِلْحَـانَ ضَيْـفٌ مُـدَفَّعٌ وَأَرْمَلَـةٌ تُزْجِـى مَـعَ اللَّيـلِ أَرْمَـلا (6) يعني أنها تسوقه بين يديها على ضعف منه عن المشي وعجز ; ولذلك قيل: ( ببضاعة مزجاة ) ، لأنها غير نافقة ، وإنما تُجَوَّز تجويزًا على وَضعٍ من آخذيها.
(7) * * * وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك ، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة .
*ذكر أقوال أهل التأويل في ذلك: 19741- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: ( ببضاعة مزجاة ) قال: رديَّةٍ زُيُوفٍ لا تنفق حتى يُوضَع منها.
19742- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: الردِيّة التي لا تنفق حتى يُوضَع منها.
19743- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: خَلَقٍ (8) الغِرَارة والحبلُ والشيء.
19744- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن ابن أبي مليكة قال، سمعت ابن عباس ، وسئل عن قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: رِثَّةُ المتاع، (9) الحبلُ والغرارةُ والشيء.
19745- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، مثله .
19746- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: " البضاعة "، الدراهم ، (10) و " المزجاة ": غير طائل.
19747- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن ابن أبي زياد ، عمن حدثه ، عن ابن عباس قال، كاسدة غير طائل.
19748- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين ، عن سعيد بن جبير، وعكرمة،: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال سعيد: ناقصة ، وقال عكرمة: دراهم فُسُول.
(11) 19749- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير وعكرمة ، مثله .
19750- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير وعكرمة: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال أحدهما: ناقصة .
وقال الآخر: رديَّةٌ.
19751- ...
وبه قال، حدثنا أبي عن سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث قال، كان سَمْنًا وصُوفًا.
19752- حدثنا الحسن قال، حدثنا علي بن عاصم ، عن يزيد بن أبي زياد قال: سأل رجل عبد الله بن الحارث وأنا عنده عن قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: قليلةٌ ، متاعُ الأعراب: الصوفُ والسَّمن.
19753- حدثنا إسحاق بن زياد القطان أبو يعقوب البصري ، قال، حدثنا محمد بن إسحاق البلخي ، قال:حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن مروان بن عمرو العذري ، عن أبي إسماعيل ، عن أبي صالح ، في قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال الصنوبر والحبة الخضراء.
(12) 19754- حدثنا ابن حميد ، قال:حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن يزيد بن الوليد ، عن إبراهيم ، في قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال:قليلة ، ألا تسمع إلى قوله: " فَأَوْقِرْ رِكَابَنَا " ، وهم يقرءون كذلك.
(13) 19755- حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال:حدثنا هشيم ، قال، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم ، أنه قال: ما أراها إلا القليلة ، لأنها في مصحف عبد الله: " وَأَوْقِرْ رِكَابَنا " ، يعني قوله: " مزجاة ".
19756- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا جرير ، عن القعقاع بن يزيد ، عن إبراهيم قال، قليلة ، ألم تسمع إلى قوله: " وَأَوْقِرْ رِكَابنَا "؟
19757- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا عمرو بن محمد ، عن أبي بكر الهذلي ، عن سعيد بن جبير والحسن: بضاعة مزجاة قال سعيد:الرديّة ، وقال الحسن:القليلة.
19758- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا ابن إدريس ، عن يزيد ، عن عبد الله بن الحارث قال، متاع الأعراب سمنٌ وصوف.
19759- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية قال، دراهم ليست بطائل.
(14) 19760- حدثني محمد بن عمرو ، قال، حدثنا أبو عاصم ، قال:حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( مزجاة ) ، قال:قليلة.
19761- حدثنا الحسن بن محمد ، قال:حدثنا شبابة ، قال:حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( مزجاة ) قال:قليلة.
19762- حدثني المثنى ، قال:حدثنا أبو حذيفة ، قال:حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
19763- ...
قال، حدثنا قبيصة بن عقبة ، قال، حدثنا سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) قال:شيء من صوف ، وشيء من سمن.
19764- ...
قال، حدثنا عمرو بن عون ، قال، أخبرنا هشيم ، عن منصور ، عن الحسن قال: قليلة.
19765- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، عمن حدثه ، عن مجاهد: ( مزجاة ) قال:قليلة.
19766- حدثنا القاسم ، قال:حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
19767- ...
قال:حدثنا الحسين ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن عكرمة قال: ناقصة ، وقال سعيد بن جبير: فُسُولٌ.
19768- ...
قال:حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن سعيد بن جبير: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال:رديّة.
19769- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك قال: كاسدة لا تنفق .
19770- حدثني المثنى ، قال:حدثنا عمرو بن عون ، قالأخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك قال: كاسدة.
19771- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا عبدة ، عن جويبر ، عن الضحاك قال: كاسدة غير طائل.
19772- حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال:سمعت أبا معاذ يقول:حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( ببضاعة مزجاة ) ، يقول:كاسدة غير نافقة.
19773- حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال:حدثنا إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قالالناقصة ، وقال عكرمة: فيها تجوُّزٌ.
19774- ...
قال، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: الدراهم الرديّة التي لا تجوز إلا بنقصان.
19775- ...
قال، حدثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى، عن مجاهد قال: الدراهم الرُّذَال، (15) التي لا تجوز إلا بنقصان.
(16) 19776- حدثنا ابن وكيع ، قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي قال: دراهم فيها جَوازٌ.
19777- حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد ، قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) :، أي: يسيرة.
19778- حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله .
19779- حدثنا يونس ، قال، أخبرنا ابن وهب ، قال، قال ابن زيد ، في قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) قال: " المزجاة "، القليلة.
19780- حدثنا ابن حميد ، قال:حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) :، أي قليلة لا تبلغ ما كنا نشتري به منك ، إلا أن تتجاوز لنا فيها.
* * * وقوله: ( فأوف لنا الكيل ) .....
بها (17) وأعطنا بها ما كنت تعطينا قبل بالثمن الجيّد والدراهم الجائزة الوافية التي لا تردّ، كما:- 19781- حدثنا ابن حميد ، قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: ( فأوف لنا الكيل ) : ، أي أعطنا ما كنت تعطينا قَبْلُ ، فإن بضاعتنا مزجاة.
19782- حدثنا ابن وكيع ، قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : ( فأوف لنا الكيل ) قال:كما كنت تعطينا بالدراهم الجياد.
* * * وقوله: ( وتصدق علينا ) يقول تعالى ذكره: قالوا: وتفضل علينا بما بَيْنَ سعر الجياد والرديّة ، فلا تنقصنا من سعر طَعامك لرديِّ بضاعتنا ، ( إن الله يجزي المتصدقين ) ، يقول: إن الله يثيب المتفضلين على أهل الحاجة بأموالهم .
(18) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 19783- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي: ( وتصدق علينا ) ، قال:تفضل بما بين الجياد والرديّة.
19784- حدثنا القاسم ، قال:حدثنا الحسين ، قال:حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن سعيد بن جبير: ( فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ) ، لا تنقصنا من السعر من أجل رديّ دراهمنا.
* * * واختلفوا في الصدقة ، هل كانت حلالا للأنبياء قبل نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أو كانت حرامًا؟
فقال بعضهم:لم تكن حلالا لأحدٍ من الأنبياء عليهم السلام .
*ذكر من قال ذلك: 19785- حدثنا القاسم ، قال:حدثنا الحسين ، قال:حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن سعيد بن جبير قال، ما سأل نبيٌّ قطٌّ الصَّدقَة ، ولكنهم قالوا: ( جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ) ، لا تنقصنا من السعر.
* * * وروي عن ابن عيينة ما:- 19786- حدثني به الحارث ، قال:حدثنا القاسم قال: يحكى عن سفيان بن عيينة أنه سئل:هل حرمت الصدقة على أحدٍ من الأنبياء قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم؟
فقال: ألم تسمع قوله: ( فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ).
، قال الحارث: قال القاسم: يذهب ابن عيينة إلى أنهم لم يقولوا ذلك إلا والصدقة لهم حلالٌ ، وهم أنبياء ، فإن الصدقة إنما حُرِّمت على محمد صلى الله عليه وسلم ، وعليهم .
(19) * * * وقال آخرون:إنما عنى بقوله: ( وتصدق علينا ) وتصدق علينا بردّ أخينا إلينا .
*ذكر من قال ذلك: 19787- حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين ، قال:حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله: ( وتصدق علينا ) قال:رُدَّ إلينا أخانا.
* * * قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن جريج ، وإن كان قولا له وجه، فليس بالقول المختار في تأويل قوله: ( وتصدَّق علينا ) لأن " الصدقة " في متعارف [العرب]، (20) إنما هي إعطاء الرجل ذا حاجةٍ بعض أملاكه ابتغاءَ ثواب الله عليه، (21) وإن كان كلّ معروف صدقةً ، فتوجيه تأويل كلام الله إلى الأغلب من معناه في كلام من نـزل القرآن بلسانه أولى وأحرى .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد .
19788- حدثني الحارث ، قال، حدثنا القاسم ، قال، حدثنا مروان بن معاوية ، عن عثمان بن الأسود ، قال:سمعت مجاهدًا ، وسئل: هل يُكْرَهُ أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدّق عليّ؟
فقال:نعم ، إنما الصَّدقة لمن يبغي الثوابَ.
* * * ---------------------- الهوامش: (1) انظر تفسير" اليأس" فيما سلف 9 : 516 .
(2) انظر تفسير" الضر" فيما سلف من فهارس اللغة ( ضرر ) .
(3) في المطبوعة :" رجاء" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو بمثل معناه .
(4) ديوانه : 52 ، و" ذو أرل" ، جبل بديار غطفان .
و" الصراد" ، سحاب بارد رقيق تسفره الريح وتسوقه .
و" الصرم" جمع صرمة ، وهي قطع السحاب .
وقبل البيت : هَـلاَّ سَـأَلْتَ بَنـي ذُبْيَـانَ ما حَسَبي إذَا الدُّخَـانُ تَغَشَّـى الأشْـمَطَ البَرَمَـا من أبيات يذكر فيها كرمه في زمن الجدب والشتاء .
(5) ديوانه : 25 ، من قصيدته في قيس بن معد يكرب ، مضت منها أبيات .
و" الهجان" ، الإبل الأبيض ، وهي كرام الإبل .
و" العوذ" جمع عائذ ، وهي الناقة الحديثة النتاج .
(6) ليس في ديوانه ، وأنشده ابن بري غير منسوب ( اللسان : رمل ) ، وظاهر أن الشعر لحاتم ، لأن" ملحان" ، هو ابن عمه" ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي" ، وكنت وقفت على أبيات من هذا الشعر ، ثم أضعتها اليوم .
(7) في المخطوطة والمطبوعة :" على نفع من آخذيها" ، والصواب ما أثبتناه ، إن شاء الله ، تدل عليه الآثار الآتية بعد .
ولو قرئت" على دفع" ، فلا بأس بذلك .
(8) الخلق : البالي .
(9) الرث ( بفتح الراء ) ، والرثة ( بكسرها ) ، والرثيث : الخلق الخسيس البالي من كل شيء .
(10) انظر تفسير" البضاعة" فيما سلف : ص : 4 ، 156 .
(11) " فسول" جمع" فسل" ( بفتح فسكون ) : وهو الردئ الرذل من كل شيء .
يقال :" دراهم فسول" ، أي : زيوف .
(12) الأثر : 19753 -" إسحاق بن زياد القطان" ،" أبو يعقوب البصري" ، شيخ الطبري لم أجد له بعد ترجمة ، وقد مضى برقم : 14146 ، وهو هناك" العطار النصري" ، ثم في رقم : 17430 ، وهو هناك :" إسحاق بن زيادة العطار ؛" بزيادة التاء .
ولا طاقة لنا بالفصل في ذلك ، حتى نجد ما يدل عليه .
و" محمد بن إسحاق البلخي : مضى برقم : 14146 ، روى عنه هناك" إسحاق بن زياد" أيضًا .
و" مروان بن معاوية الفزاري" ، مضى مرارًا آخرها : 15446 .
أما" مروان بن عمرو العذري" ، فلم أجد له ذكرًا في كتب التراجم ، وأخشى أن كون فيه تحريف وأما" أبو إسماعيل" .
فلم أتبين من يكون ، لما في هذا الإسناد من الظلمة .
(13) يعني أصحاب عبد الله بن مسعود ، كما سترى في الأثر التالي .
(14) ]في المخطوطة :" ليس بطائل" ، ولا بأس به .
(15) ]يقال :" هذا رذل" و" هذا رذال" ( بضم الراء ) أي : دون خسيس رديء .
وفي المخطوطة (الرذل) وهو مثله .
(16) الأثر (19775) في المطبوعة (إسرائيل عن ابن أبي نجيح) غير ما في المخطوطة، فإنه كان فيها :" عن أبي يحيى" كأنه أراد أن يكتب" نجيح" ، ثم صيرها :" يحيى" ، غير منقوطة .
و" أبو يحيى" ، هو :" أبو يحيى القتات الكوفي" ، وهو الذي يروي عن مجاهد ، وقد سلف برقم : 12139 ، 15697 .
(17) لا شك عندي أنه قد سقط من كلام أبي جعفر شيء في تفسير" أوف لنا" ، لم يبق منه إلا قوله :" بها" ، فلذلك وضعت هذه النقط .
والمراد من ذلك ظاهر ، كأنه كتب :" فأتم لنا حقوقنا في الكيل بها،وأعطنا ..." ، وانظر تفسير" الإيفاء" فيما سلف 12 : 224 ، 554 .
(18) انظر تفسير" التصدق" فيما سلف 9 : 31 ، 37 ، 38 / 14 : 369 .
(19) في المطبوعة :" صلى الله عليه وسلم لا عليهم" ، غير ما في المخطوطة ، كأنه ظن أن قوله :" وعليهم" ، معطوف على قوله :" إنما حرمت على محمد ...
وعليهم" ، وظاهر أن المراد :" صلى الله عليه وسلم وعليهم" ، أي : وصلى عليهم .
(20) في المطبوعة :" في المتعارف" ، وفي المخطوطة :" في متعارف إنما هي" ، وفي الكلام سقط لا شك فيه ، وإنما سقط منه لأن" متعارف" هي آخر كلمة في الصفحة ، و" إنما" في أول الصفحة الأخرى ، فسها الناسخ ، فاستظهرت هذه الزيادة التي بين القوسين .
(21) في المطبوعة :" إعطاء الرجل ذا الحاجة" ، وهو خطأ وتصرف في نص المخطوطة لا وجه له والصواب ما في المخطوطة كما أثبته .
وقوله :" ذا حاجة" مفعول المصدر من قوله :" إعطاء الرجل ..
." .
قوله تعالى : فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقينقوله تعالى : فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز أي الممتنع .مسنا وأهلنا الضر هذه المرة الثالثة من عودهم إلى مصر ; وفي الكلام حذف ، أي فخرجوا إلى مصر ، فلما دخلوا على يوسف قالوا : مسنا أي أصابنا وأهلنا الضر أي الجوع والحاجة ; وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر ، أي الجوع ; بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع ; كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه ; ولا يكون ذلك قدحا في التوكل ، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط ; والصبر والتجلد في النوائب أحسن ، والتعفف عن المسألة أفضل ; وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى ; وذلك قول يعقوب : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون أي من جميل صنعه ، وغريب لطفه ، وعائدته على عباده ; فأما الشكوى على غير مشك فهو السفه ، إلا أن يكون على وجه البث والتسلي ; كما قال ابن دريد :لا تحسبن يا دهر أني ضارع لنكبة تعرقني عرق المدى مارست ما لو هوت الأفلاك منجوانب الجو عليه ما شكا [ ص: 221 ] لكنها نفثة مصدور إذاجاش لغام من نواحيها غماقوله تعالى : وجئنا ببضاعة البضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شيء ; تقول : أبضعت الشيء واستبضعته أي جعلته بضاعة ; وفي المثل : كمستبضع التمر إلى هجر .قوله تعالى : " مزجاة " صفة لبضاعة ; والإزجاء السوق بدفع ; ومنه قوله تعالى : ألم تر أن الله يزجي سحابا والمعنى أنها بضاعة تدفع ; ولا يقبلها كل أحد .
قال ثعلب : البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة .
اختلف في تعيينها هنا ; فقيل : كانت قديدا وحيسا ; ذكره الواقدي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
وقيل : خلق الغرائر والحبال ; روي عن ابن عباس .
وقيل : متاع الأعراب صوف وسمن ; قاله عبد الله بن الحارث .
وقيل : الحبة الخضراء والصنوبر وهو البطم ، حب شجر بالشام ; يؤكل ويعصر الزيت منه لعمل الصابون ، قاله أبو صالح ; فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام ، وتنفق فيما بين الناس ; فقالوا : خذها منا بحساب جياد تنفق من الطعام .
وقيل : دراهم رديئة ; قاله ابن عباس أيضا .
وقيل : ليس عليها صورة يوسف ، وكانت دراهم مصر عليهم صورة يوسف .
وقال الضحاك : النعال والأدم ; وعنه : كانت سويقا منخلا .
والله أعلم .قوله تعالى : فأوف لنا الكيل وتصدق فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : فأوف لنا الكيل يريدون كما تبيع بالدراهم الجياد لا تنقصنا بمكان دراهمنا ; هذا قول أكثر المفسرين .
وقال ابن جريج .
فأوف لنا الكيل يريدون الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم .
وتصدق علينا أي تفضل علينا بما بين سعر الجياد والرديئة .
قاله سعيد بن جبير والسدي والحسن : لأن الصدقة تحرم على الأنبياء .
وقيل المعنى : تصدق علينا بالزيادة على حقنا ; قاله سفيان بن عيينة .
قال مجاهد : ولم تحرم الصدقة إلا على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقال ابن جريج : المعنى تصدق علينا برد أخينا إلينا .
وقال ابن شجرة : تصدق علينا تجوز عنا ; استشهد بقول الشاعر :تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب وأمر علينا الأشعري ليالياإن الله يجزي المتصدقين يعني في الآخرة ; يقال : هذا من معاريض الكلام ; لأنه [ ص: 222 ] لم يكن عندهم أنه على دينهم ، فلذلك لم يقولوا : إن الله يجزيك بصدقتك ، فقالوا لفظا يوهمه أنهم أرادوه ، وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل ; قاله النقاش وفي الحديث : ( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ) .الثانية : استدل مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع ; قال ابن القاسم وابن نافع قال مالك : قالوا ليوسف فأوف لنا الكيل فكان يوسف هو الذي يكيل ، وكذلك الوزان والعداد وغيرهم ، لأن الرجل إذا باع عدة معلومة من طعامه ، وأوجب العقد عليه ، وجب عليه أن يبرزها ويميز حق المشتري من حقه ، إلا أن يبيع منه معينا - صبرة أو ما لا حق توفية فيه - فخلى ما بينه وبينه ، فما جرى على المبيع فهو على المبتاع ; وليس كذلك ما فيه حق توفية من كيل أو وزن ، ألا ترى أنه لا يستحق البائع الثمن إلا بعد التوفية ، وإن تلف فهو منه قبل التوفية .الثالثة : وأما أجرة النقد فعلى البائع أيضا ; لأن المبتاع الدافع لدراهمه يقول : إنها طيبة ، فأنت الذي تدعي الرداءة فانظر لنفسك ; وأيضا فإن النفع يقع له فصار الأجر عليه ، وكذلك لا يجب على الذي يجب عليه القصاص ; لأنه لا يجب عليه أن يقطع يد نفسه ، إلا أن يمكن من ذلك طائعا ; ألا ترى أن فرضا عليه أن يفدي يده ، ويصالح عليه إذا طلب المقتص ذلك منه ، فأجر القطاع على المقتص .
وقال الشافعي في المشهور عنه : إنها على المقتص منه كالبائع .الرابعة : يكره للرجل أن يقول في دعائه : اللهم تصدق علي ; لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب ، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم لا رب غيره ; وسمع الحسن رجلا يقول : اللهم تصدق علي ; فقال الحسن : يا هذا !
إن الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبتغي الثواب ; أما سمعت قول الله تعالى : إن الله يجزي المتصدقين قل : اللهم أعطني وتفضل علي .
فذهبوا { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ } أي: على يوسف { قَالُوا } متضرعين إليه: { يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } أي: قد اضطررنا نحن وأهلنا { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ } أي: مدفوعة مرغوب عنها لقلتها، وعدم وقوعها الموقع، { فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ } أي: مع عدم وفاء العرض، وتصدق علينا بالزيادة عن الواجب.
{ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } بثواب الدنيا والآخرة.
( فلما دخلوا عليه ) وفيه إضمار تقديره : فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف عليه السلام .
( قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) أي : الشدة والجوع ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) أي : قليلة رديئة كاسدة ، لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها ، وأصل الإزجاء : السوق والدفع .
وقيل : للبضاعة مزجاة لأنها غير نافقة ، وإنما تجوز على دفع من آخذها .
واختلفوا فيها ، فقال ابن عباس : كانت دراهم رديئة زيوفا .
وقيل : كانت خلق الغرائر والحبال .
وقيل : كانت من متاع الأعراب من الصوف والأقط .
وقال الكلبي ، ومقاتل : كانت الحبة الخضراء .
وقيل : كانت من سويق المقل .
وقيل : كانت الأدم والنعال .
( فأوف لنا الكيل ) أي : أعطنا ما كنت تعطينا قبل بالثمن الجيد الوافي .
( وتصدق علينا ) أي : تفضل علينا بما بين الثمنين الجيد والرديء ولا تنقصنا .
هذا قول أكثر المفسرين .
وقال ابن جريج ، والضحاك : وتصدق علينا برد أخينا إلينا .
( إن الله يجزي ) يثيب ( المتصدقين ) .
وقال الضحاك : لم يقولوا إن الله يجزيك; لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن .
وسئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبينا عليه الصلاة والسلام فقال سفيان : ألم تسمع قوله تعالى : ( وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ) ، يريد أن الصدقة كانت حلالا لهم .
وروي أن الحسن سمع رجلا يقول : اللهم تصدق علي ، فقال : إن الله لا يتصدق وإنما يتصدق من يبغي الثواب ، قل : اللهم أعطني أو تفضل علي .
«فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر» الجوع «وجئنا ببضاعة مزجاة» مدفوعة يدفعها كل من رآها لرداءتها وكانت دراهم زيوفا أو غيرها «فأوف» أتم «لنا الكيل وتصدق علينا» بالمسامحة عن رداءة بضاعتنا «إن الله يجزي المتصدقين» يثيبهم فَرَقَّ لهم وأدركته الرحمة ورفع الحجاب بينه وبينهم.
فذهبوا إلى "مصر"، فلما دخلوا على يوسف قالوا: يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا القحط والجدب، وجئناك بثمن رديء قليل، فأعطنا به ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد، وتصدَّقْ علينا بقبض هذه الدراهم المزجاة وتجوَّز فيها، إن الله تعالى يثيب المتفضِّلين على أهل الحاجة بأموالهم.
واستجاب الأبناء لنصيحة أبيهم ، فأعدوا عدتهم للرحيل إلى مصر للمرة الثالثة ، ثم ساروا فى طريقهم حتى دخلوها ، والتقوا بعزيز مصر الذى احتجز أخاهم بنيامين ، وتحكى السورة الكريمة ما دار بينهم وبينه فتقول :( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز .
.
.
) .قوله - تعالى - ( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ .
.
.
) حكاية لما قاله إخوة يوسف له ، بعد أن امتثلوا أمر أبيهم ، فخجوا إلى مصر للمرة الثالثة ، ليتحسسوا من يوسف وأخيه ، وليشتروا من عزيزها ما هم فى حاجة إليه من طعام .والبضاعة : هى القطعة من المال ، يقصد بها شراء شئ .والمزجاة : هى القليلة الرديئة التى ينصرف عنها التجار إهمالاً لها .وقالوا : وكانت بضاعتهمدراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة - أى : بأقل قيمة - وقيل غير ذلك .وأصل الإِزجاء : السوق والدفع قليلاً قليلاً ، ومنه قوله - تعالى - ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً .
.
.
) أى : يرسله رويدا رويدا .
.
.وسميت البضاعة الرديئة القلية مزجاة ، لأنها ترد وتدفع ولا يقبلها التجار إلى بأبخس الأثمان .والمعنى : وقال إخوة يوسف له بأدب واستعطاف ، بعد أن دخلوا عليه للمرة الثالثة ( ياأيها العزيز ) أى : الملك صاحب الجاه والسلطان والسعة فى الرزق ، ( مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر ) أى : أصابنا وأصاب أهلنا معنا الفقر والجدب والهزل من شدة الجوع .( وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ) أى : وجئنا معنا من بلادنا ببضاعة قليلة رديئة يردها وينصرف عنها كل من يراها من التجار ، إهمالاً لها ، واحتقارا لشأنها .وإنما قالوا له ذلك : استدراراً لعطفه ، وتحريكاً لمروءته وسخائه ، قبل أن يخبروه بمطلبهم الذى حكاه القرآن فى قوله :( فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ .
.
.
) أى : هذا هو حالنا شرحناه لك ، وهو يدعو إلى الشفقة والرحمة ، ما دام أمرنا كذلك ، فأتمم لنا كيلنا ولا تنقص منه شيئا ، وتصدق علينا فوق حقنا بما أنت أهل له من كرم ورحمة ( إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين ) على غيرهم جزاء كريما حسنا .
واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جداً وأعرض عنهم وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم وعاد إليهم.
أما المقام الأول: وهو أنه أعرض عنهم، وفر منهم فهو قوله: ﴿ وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياأسفى على يُوسُفَ ﴾ .
واعلم أنه لما ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين عظم أسفه على يوسف عليه السلام: ﴿ وَقَالَ يأَبَتِ دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه: الوجه الأول: أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة: وقد لامني عند القبور على البكا *** رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته *** لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى *** فدعني فهذا كله قبر مالك وذلك لأنه إذا رأى قبراً فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى.
وقال آخر: فلم تنسني أو في المصيبات بعده *** ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع والوجه الثاني: أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد.
الوجه الثالث: أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا، وكان الأسف عليه أسفاً على الكل.
الرابع: أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها.
وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوماً له، وأيضاً أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله.
المسألة الثانية: من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله: ﴿ ياأسفى على يُوسُفَ ﴾ قال: لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله وأنه لا يجوز، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل، وتقريره أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه، وهو المراد من قوله: ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ ثم أمسك لسانه عن النياحة، وذكر مالا ينبغي، وهو المراد من قوله: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق بدليل قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ وكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته فإنه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم.
روي أن يوسف عليه السلام سأل جبريل هل لك علم بيعقوب؟
قال نعم قال: وكيف حزنه؟
قال: حزن سبعين ثكلى وهي التي لها ولد واحد ثم يموت.
قال: فهل له فيه أجر؟
قال: نعم أجر مائة شهيد.
فإن قيل: روي عن محمد بن علي الباقر قال: مر بيعقوب شيخ كبير فقال له أنت إبراهيم فقال: أنا ابن ابنه والهموم غيرتني وذهبت بحسني وقوتي، فأوحى الله تعالى إليه: حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني لأبدلنك لحماً خيراً من لحمك ودماً خيراً من دمك فكان من بعد يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ليعقوب أخ مواخ» فقال له: ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين، فأوحى الله تعالى إليه أما تستحي تشكوني إلى غيري فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال يا رب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري، وأذهبت بصري، فاردد عليَّ ريحانتي يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال: لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعاماً للمساكين، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائماً نادى مثله عند الإفطار.
وروي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر، فقال له رجل: ما هذا الذي أراه بك، قال طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب فقال: يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.
قلنا: إنا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة.
وروي أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له: جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي فقال: لا، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك، وأما البكاء فليس من المعاصي.
وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام: بكى على ولده إبراهيم عليه السلام وقال: «إن القلب ليحزن والعين تدمع، ولا نقول: ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» وأيضاً فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره، فلا يكون ذلك داخلاً تحت التكليف وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وأيضاً ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لابد وأن يرجع إلى الله تعالى، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حياً أم صار ميتاً، فكان متوقفاً فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة، وكان أحواله في هذه الواقعة مختلفة، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق الهم بذكر الله تعالى، فإن عن تذكر هذا الواقعة، فكان ذكرها كلا سواها، فلهذا السبب صارت هذا الواقعة بالنسبة إليه، جارية مجرى الإلقاء في النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لابنه الذبيح.
فإن قيل: أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون ﴾ حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله: ﴿ أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون ﴾ .
قلنا: قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ ﴾ إشارة إلى أنا مملوكون لله وهو الذي خلقنا وأوجدنا، وقوله: ﴿ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون ﴾ إشارة إلى أنه لابد من الحشر والقيامة، ومن المحال أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لابد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى، فهناك تحصل السلوة التامة عند تلك المصيبة، ومن المحال أن يكون لمؤمن بالله غير عارف بذلك.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ نداء الأسف وهو كقوله: يا عجباً والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول: هذا وقت حصولك وأوان مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله: ﴿ حَاشَ للَّهِ ﴾ والأسف الحزن على ما فات.
قال الليث: إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزني ومتأسف أيضاً.
قال الزجاج: الأصل ﴿ يا أسفى ﴾ إلا أن ياء الإضافة يجوز إبدالها بالألف لخفة الألف والفتحة.
ثم قال تعالى: ﴿ عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ وفيه وجهان: الوجه الأول: أنه لما قال يا أسفى على يوسف غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء وقوله: ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ كناية عن غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسناً ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى وهذا للتفسير مع الدليل رواه الواحدي في البسيط عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والوجه الثاني: أن المراد هو العمى قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام وهو قوله: ﴿ فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ قيل إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام حينما كان في السجن فقال إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك فوضع يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني ولم أك حزناً على أبي، والقائلون بهذا التأويل قالوا: الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى، فالحزن كان سبباً للعمى بهذه الواسطة، وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى، لأنه يورث كدورة في سوداء العين، ومنهم من قال: ما عمي لكنه صار بحيث يدرك إدراكاً ضعيفاً.
قيل: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام إلى حين لقائه، وتلك المدة ثمانون عاماً، وما كان على وجه الأرض عبداً أكرم على الله تعالى من يعقوب عليه السلام.
أما قوله تعالى: ﴿ مِنَ الحزن ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ مِنَ الحزن ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي.
قال الواحدي: واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم: الحزن البكاء والحزن ضد الفرح، وقال قوم: هما لغتان يقال أصابه حزن شديد، وحزن شديد، وهو مذهب أكثر أهل اللغة، وروى يونس عن أبي عمرو قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله: ﴿ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً ﴾ وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله: ﴿ مِنَ الحزن ﴾ وقوله: ﴿ أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ قال هو في موضع رفع الابتداء.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة: ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم، ومعناه المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه، ويجوز أيضاً أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده.
واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة، فبين تعالى أنها كانت غريقة في الغم فاللسان كان مشغولاً بقوله: ﴿ يا أسفى ﴾ والعين بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه وهذه مبالغة في وصف ذلك الغم.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ تالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت يقال: ما زلت أفعله وما فتئت أفعله وما برحت أفعله ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد.
قال ابن قتيبة يقال: ما فتيت وما فتئت لغتان فتيا وفتوأ إذا نسيته وانقطعت عنه قال النحويون وحرف النفي هاهنا مضمر على معنى قالوا: ما تفتؤا ولا تفتؤ وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو والله لتفعلن فلما كان بغير اللام والنون عرف أن كلمة لا مضمرة وأنشدوا قول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعداً *** والمعنى: لا أبرح قاعداً ومثله كثير.
وأما المفسرون فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة لا تزال تذكره، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.
المسألة الثانية: حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وقوله: حرضت فلاناً على فلان تأويله أفسدته وأحميته عليه، وقال تعالى: ﴿ حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لإرادة أنه ذو حرض فحذف المضاف أو لإرادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ونفس الفساد.
وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معاً.
إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين فيه عبارات: أحدها: الحرض والحارض هو الفاسد في جسمه وعقله.
وثانيهما: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال: الفاسد الدنف.
وثالثها: أنه الذي يكون لا كالأحياء ولا كالأموات، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: ﴿ حتى تَكُونَ حَرَضاً ﴾ بضم الحاء وتسكين الراء قال يعني مثل عود الأشنان، وقوله: ﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين ﴾ أي من الأموات، ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم إنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم كأنهم قالوا: أنت الآن في بلاء شديد ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء والأسف.
فإن قيل: لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعاً؟
قلنا: إنهم بنوا هذا الأمر على الظاهر.
فإن قيل: القائلون بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ تالله ﴾ من هم؟
قلنا: الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الإخوة الذين قد تولى عنهم، بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه.
ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ يعني أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وإنما أذكره في حضرة الله تعالى، والإنسان إذا بث شكواه إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين كما قال عليه الصلاة والسلام: «أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك» والله هو الموفق، والبث هو التفريق قال الله تعالى: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ ﴾ فالحزن إذا ستره الإنسان كان هماً وإذا ذكره لغيره كان بثاً وقالوا: البث أشد الحزن والحزن أشد الهم، وذلك لأنه متى أمكنه أن يمسك لسانه عن ذكره لم يكن ذلك الحزن مستولياً عليه وأما إذا عظم وعجز الإنسان عن ضبطه وانطلق اللسان بذكره شاء أم أبى كان ذلك بثاً وذلك يدل على أن الإنسان صار عاجزاً عنه وهو قد استولى على الإنسان، فقوله: ﴿ بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله، وقرأ الحسن: ﴿ وَحُزْنِى ﴾ بفتحتين وحزني بضمتين، قيل: دخل على يعقوب رجل وقال: يا يعقوب ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً فقال الذي بي لكثرة غمومي، فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي، فقال يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفرها له، وكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ وروي أنه أوحى الله إليه إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إليَّ الأنبياء والمساكين فاصنع طعاماً وادع إليه المساكين، وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.
ثم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه.
وذكروا لسبب هذا التوقع أموراً: أحدها: أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟
قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر وقال: أطلبه هاهنا.
وثانيها: أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطئ.
وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عين الوقت فلهذا بقي في القلق.
ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف وقال: يبعد أن يظهر في الكفار مثله.
وخامسها: علم قطعاً أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام الأول.
والمقام الثاني: أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف وهو قوله: ﴿ تَعْلَمُونَ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .
واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف بناء على الأمارات المذكورة قال لبنيه: تحسسوا من يوسف، والتحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع والبصر، قال أبو بكر الأنباري يقال: تحسست عن فلان ولا يقال من فلان، وقيل: هاهنا من يوسف لأنه أقام من مقام عن، قال: ويجوز أن يقال: من للتبعيض، والمعنى تحسسوا خبراً من أخبار يوسف، واستعلموا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة ﴿ مِنْ ﴾ لما فيها من الدلالة على التجيض، وقرئ ﴿ تَجَسَّسُواْ ﴾ بالجيم كما قرئ بهما في الحجرات.
ثم قال: ﴿ وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ﴾ قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه وتركيب الراء والواو الحاء يفيد الحركة والاهتزاز، فكلما يهتز انسان له ويلتذ بوجوده فهو روح.
وقال ابن عباس: لا تيئسوا من روح الله يريد من رحمة الله، وعن قتادة: من فضل الله، وقال ابن زيد: من فرج الله، وهذه الألفاظ متقاربة، وقرأ الحسن وقتادة: من روح الله بالضم أي من رحمته.
ثم قال: ﴿ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء.
واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم بل هو بخيل وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً والله أعلم، وقد بقي من مباحث هذه الآية سؤالات: السؤال الأول: أن بلوغ يعقوب في حب يوسف إلى هذا الحد العظيم لا يليق إلا بمن كان غافلاً عن الله، فإن من عرف الله أحبه ومن أحب الله لم يتفرغ قلبه لحب شيء سوى الله تعالى، وأيضاً القلب الواحد لا يتسع للحب المستغرق لشيئين، فلما كان قلبه مستغرقاً في حب ولده امتنع أن يقال: إنه كان مستغرقاً في حب الله تعالى.
والسؤال الثاني: أن عند استيلاء الحزن الشديد عليه كان من الواجب أن يشتغل بذكر الله تعالى، وبالتفويض إليه والتسليم لقضائه.
وأما قوله: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ فذلك لا يليق بأهل الدين والعلم فضلاً عن أكابر الأنبياء.
والسؤال الثالث: لا شك أن يعقوب كان من أكابر الأنبياء، وكان أبوه وجده وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الدنيا، ومن كذلك ثم وقعت له واقعة هائلة صعبة في أعز أولاده عليه لم تبق تلك الواقعة خفية، بل لابد وأن يبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كل أحد لا سيما وقد انقضت المدة الطويلة فيها وبقي يعقوب على حزنه الشديد وأسفه العظيم، وكان يوسف في مصر وكان يعقوب في بعض بلاد الشام قريباً من مصر، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة مخفية.
السؤال الرابع: لم لم يبعث يوسف عليه السلام أحداً إلى يعقوب ويعلمه أنه في الحياة وفي السلامة ولا يقال: إنه كان يخاف إخوته لأنه بعد أن صار ملكاً قاهراً كان يمكنه إرسال الرسول إليه وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع الرسول.
والسؤال الخامس: كيف جاز ليوسف عليه السلام أن يضع الصاع في وعاء أخيه ثم يستخرجه منه ويلصق به تهمة السرقة مع أنه كان بريئاً عنها.
السؤال السادس: كيف رغب في إلصاق هذه التهمة به وفي حبسه عند نفسه مع أنه كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى.
والجواب عن الأول: أن مثل هذه المحنة الشديدة تزيل عن القلب كل ما سواه من الخواطر.
ثم إن صاحب هذه المحنة الشديدة يكون كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدعاء والتضرع فيصير ذلك سبباً لكمال الاستغراق.
والجواب عن الثاني: أن الداعي الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة فتارة كان يقول: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ وتارة كان يقول: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ وأما بقية الأسئلة فالقاضي أجاب عنها بجواب كلي حسن، فقال هذه الوقائع التي نقلت إلينا إما يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن فإن كان الأول فلا إشكال، وإن كان الثاني فنقول: كان ذلك الزمان زمان الأنبياء عليهم السلام وخرق العادة في هذا الزمان غير مستبعد، فلم يمتنع أن يقال: إن بلدة يعقوب عليه السلام مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه السلام، ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل نقض العادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الضر ﴾ الهزال من الشدّة والجوع ﴿ مُّزْجَاةٍ ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً لها، من أزجيته إذا دفعته وطردته، والريح تزجي السحاب، قيل: كانت من متاع الأعراب صوفاً وسمناً.
وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء، وقيل: سويق المقل والأقط.
وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة ﴿ فَأَوْفِ لَنَا الكيل ﴾ الذي هو حقنا ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو زدنا على حقنا، فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة، لأنّ الصدقات محظورة على الأنبياء، وقيل كانت تحل لغير نبينا.
وسئل ابن عيينة عن ذلك فقال: ألم تسمع ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ أراد أنها كانت حلالاً لهم.
والظاهر أنهم تمسكنوا له وطلبوا إليه أن يتصدّق عليهم، ومن ثم رق لهم وملكته الرحمة عليهم، فلم يتمالك أن عرّفهم نفسه.
وقوله: ﴿ إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين ﴾ شاهد لذلك لذكر الله وجزائه، والصدقة العطية التي تبتغي بها المثوبة من الله ومنه قول: الحسن لمن سمعه يقول اللهم تصدق عليّ:- إن الله تعالى لا يتصدق، إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، قل: اللهم أعطني، أو تفضل عليّ، أو ارحمني.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ رَجْعَةً ثانِيَةً.
﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ شِدَّةُ الجُوعِ.
﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ رَدِيئَةٍ أوْ قَلِيلَةٍ تُرَدُّ وتُدْفَعُ رَغْبَةً عَنْها، مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ ومِنهُ تَزْجِيَةُ الزَّمانِ.
قِيلَ كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا وقِيلَ صُوفًا وسَمْنًا.
وقِيلَ الصَّنَوْبَرُ والحَبَّةُ الخَضْراءُ.
وقِيلَ الأقْطُ وسَوِيقُ المَقْلِ.
﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ فَأتْمِمْ لَنا الكَيْلَ.
﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ بِرَدِّ أخِينا أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها.
واخْتُلِفَ في أنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ تَعُمُّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ تَخْتَصُّ بِنَبِيِّنا .
﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ أحْسَنَ الجَزاءِ والتَّصَدُّقُ التَّفَضُّلُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في القَصْرِ «هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» .
لَكِنَّهُ اخْتُصَّ عُرْفًا بِما يُبْتَغى بِهِ ثَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} على يوسف {قَالُواْ يا أَيُّهَا العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر} الهزال من الشدة والجوع {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً لها من أزجيته إذا دفعته وطردته قيل كانت دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة وقيل كانت صوفاً وسمناً {فَأَوْفِ لَنَا الكيل} الذي هو حقنا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة أو زدنا على حقنا أو هب لنا أخانا {إن الله يجزي المتصدقين}
يوسف (٨٩ _ ٩٢)
لما قالوا مسنا وأهلنا الضر وتضرعوا إليه وطلبوا منه أن يتصدق عليهم ارفضت عيناه ولم يتمالك أن عرفهم نفسه حيث قال
﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ بِمُوجِبِ أمْرِ أبِيهِمْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِمُسارَعَتِهِمْ إلى ما أُمِرُوا بِهِ وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يَفْتَقِرُ إلى الذِّكْرِ والبَيانِ وأنْكَرَ اليَهُودُ رُجُوعَهم بَعْدَ أخْذِ بِنْيامِينَ إلى أبِيهِمْ ثُمَّ عَوْدَهم إلى مِصْرَ وزَعَمُوا أنَّهم لَمّا جاءُوا أوَّلًا لِلْمِيرَةِ اتَّهَمَهم بِأنَّهم جَواسِيسُ فاعْتَذَرُوا وذَكَرُوا أنَّهم أوْلادُ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ وأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا هَلَكَ واحِدٌ مِنهم وتَخَلَّفَ أخُوهُ عِنْدَ أبِيهِمْ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُحِبُّهُ كَثِيرًا فَقالَ: ائْتُونِي بِهِ لِأتَحَقَّقَ صِدْقَكم وحُبِسَ شَمْعُونُ عِنْدَهُ حَتّى يَجِيئُوا فَلَمّا أتَوْا بِهِ ووَقَعَ ما وقَعَ مِن أمْرِ السَّرِقَةِ أظْهَرُوا الخُضُوعَ والِانْكِسارَ فَلَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ حَتّى تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ ثُمَّ أمَرَهم بِالعَوْدِ إلى أبِيهِمْ لِيُخْبِرُوهُ الخَبَرَ ويَأْتُوا بِهِ وهو الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ تَوْراتُهُمُ اليَوْمَ وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ ﴿ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ خاطَبُوهُ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ عَلى حَدِّ خِطابِهِمُ السّابِقِ بِهِ عَلى ما هو ظاهِرٌ وهَلْ كانُوا يَعْرِفُونَ اسْمَهُ أمْ لا لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَإنْ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ازْدادَ أمْرُ جَهالَتِهِمْ غَرابَةً والمُرادُ عَلى ما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ يا أيُّها المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ الهُزالُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والمُرادُ بِالأهْلِ ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ وغَيْرَها ﴿ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ مَدْفُوعَةٍ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ والرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ وأنْشَدُوا لِحاتِمٍ: لِيَبْكِ عَلى مُلْحانَ ضَيْفٌ مُدْفَعٌ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا وكُنِّيَ بِها عَنِ القَلِيلِ أوِ الرَّدِيءِ لِأنَّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِناءِ يُرْمى ويُطْرَحُ قِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم مِن مَتاعِ الأعْرابِ صُوفًا وسَمْنًا وقِيلَ: الصَّنَوْبَرُ وحَبَّةُ الخَضْراءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وقِيلَ: سَوِيقُ المَقْلِ والأقْطُ وقِيلَ: قَدِيدٌ وحَشٌّ وقِيلَ: حِبالًا وأعْدالًا وأحْقابًا وقِيلَ: كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا لا تُؤْخَذُ إلّا بِوَضِيعَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُها بِقَلِيلَةٍ لا غَيْرَ وعَلى كُلٍّ فَمُزْجاةٌ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلْبِضاعَةِ وقالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ والمَعْنى إنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ يُدْفَعُ بِها الزَّمانُ ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ بِها الأيّامُ أيْ تُدْفَعُ بِها ويُصَبَّرُ عَلَيْها حَتّى تَنْقَضِيَ كَما قِيلَ: دَرِّجِ الأيّامَ تَنْدَرِجْ ∗∗∗ وبُيُوتُ الهَمِّ لا تُلَجْ وما ذُكِرَ أوَّلًا هو الأوْلى وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُزْجاةً مِن لُغَةِ العَجَمِ وقِيلَ: مِن لُغَةِ القِبْطِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ فالنِّسْبَةُ إلى ذَلِكَ مُزْجاةٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مُزْجِيةٍ ) بِالإمالَةِ لِأنَّ أصْلَها الياءُ والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما قَدَّمُوا هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْعافِ مَرامِهِمْ بِبَعْثِ الشَّفَقَةِ وهَزِّ العَطْفِ والرَّأْفَةِ وتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرَّحْمَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ أيْ أتْمِمْهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِقِلَّةِ بِضاعَتِنا أوْ رَداءَتِها واسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ ولا دَلِيلَ فِيهِ ﴿ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ ظاهِرُهُ بِالإيفاءِ أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها.
وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ إنَّهم أرادُوا تَصَدَّقْ عَلَيْنا بَرَدِّ أخِينا بِنْيامِينَ عَلى أبِيهِ قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرِ أبِيهِمْ وكَأنَّهم أرادُوا تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِذَلِكَ لِأنَّ رَدَّ الأخِ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ حَقِيقَةً وقَدْ جاءَتِ الصَّدَقَةُ بِمَعْنى التَّفَضُّلِ كَما قِيلَ: ومِنهُ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلى فُلانٍ بِكَذا وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ لِمَن سَمِعَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَصَدَّقُ إنَّما يَتَصَدَّقُ مَن يَبْغِي الثَّوابَ قُلِ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي أوْ تَفَضَّلْ عَلَيَّ أوِ ارْحَمْنِي فَقَدْ رُدَّ بِقَوْلِهِ : «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» وأُجِيبَ عَنْهُ مَجازًا ومُشاكَلَةً وإنَّما رَدَّ الحَسَنُ عَلى القائِلِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلِيغًا كَما في قِصَّةِ المُتَوَفّى وادَّعى بَعْضُهم تَعَيُّنَ الحَمْلِ عَلى المَجازِ أيْضًا إذا كانَ المُرادُ طَلَبَ الزِّيادَةِ عَلى ما يُعْطى بِالثَّمَنِ بِناءً عَلى أنَّ حُرْمَةَ أخْذِ الصَّدَقَةِ لَيْسَتْ خاصَّةً بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بَلْ هي عامَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وآلِهِمْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ والسّائِلُونَ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ لا مَحالَةَ وتُعُقِّبَ بِأنّا لَوْ سَلَّمْنا العُمُومَ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُحَرَّمَ أخْذُ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا بَلِ المُحَرَّمُ إنَّما هو أخْذُ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ وما هُنا لَيْسَ مِنها والظّاهِرُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم تَمَسْكَنُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ مَسَّنا ﴾ ..
إلَخْ وطَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ( تَصَدَّقْ عَلَيْنا ) فَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى الظّاهِرِ لَما طابَقَهُ ذَلِكَ التَّمْهِيدُ ولا هَذا التَّوْطِيدُ أعْنِي ﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ .
(88) .
بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وجَزائِهِ الحامِلِينَ عَلى ذَلِكَ وإنَّ فاعِلَهُ مِنهُ تَعالى بِمَكانٍ.
قالَ النَّقّاشُ: وفي العُدُولِ عَنْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ فَهو مِنَ المَعارِيضِ فَإنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الضَّحّاكِ ووَجْهُ عَدَمِ بَدْئِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ عَلى القَوْلِ بِخِلافِ الظّاهِرِ في مُتَعَلِّقِ التَّصَدُّقِ بِأنَّ فِيما سَلَكُوهُ اسْتِجْلابًا لِلشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ فَكَأنَّهم أرادُوا أنْ يَمْلَؤُوا حِياضَ قَلْبِهِ مِن نَمِيرِها لِيَسْقُوا بِهِ أشْجارَ تَحَسُّسِهِمْ لِتُثْمِرَ لَهم غَرَضَ أبِيهِمْ ووَجَّهَهُ بَعْضُهم بِمِثْلِ هَذا ثُمَّ قالَ: عَلى أنَّ قَوْلَهم ﴿ وتَصَدَّقْ ﴾ ..
إلَخْ كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى المَحْمَلَيْنِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهُ عَلى طَلَبِ الرَّدِّ ولِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ يعني: أن بنيه قالوا ليعقوب: لا تزال تذكر يوسف حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أي: دنفاً من الوجع.
ويقال: حتى تبلى وتهرم.
وقال القتبي: لا تحذف من الكلام، ويراد به إثباتها، لقوله تَفْتَؤُا أي: لا تفتأ، أي لا تزال تذكر يوسف كقوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات: 2] أي: لكيلا تحبط أعمالكم حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً.
وقال الربيع بن أنس: حتى تكون بالياً، يابس الجلد، وقال محمد بن إسحاق: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً يعني: لا عقل لك أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ يعني: من الميتين.
وقال مجاهد: الحرض ما دون الموت، والهالك الميت الَ يعقوب نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي يعني: همي وغمي لَى اللَّهِ لما رأى من فظاظتهم، وسوء لفظهم، ولا أشكو ذلك إليكم.
وقال القتبي: البث أشد الحزن، إنما سمي الحزن البث، لأن صاحبه لا يصبر عليه، حتى يبثه أي: يفشوه.
ثم قال: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أن يوسف حي، وليس بميت.
وإنما كان يعلم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف، حين رأى في المنام أحد عشر كوكباً، أن ذلك سيكون.
ويقال: إن يعقوب رأى ملك الموت في المنام، وسأله: هل قبضت روح قرة عيني يوسف؟
قال: لا، ولكن هو في الدنيا حي، فلذلك قال: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
ثم قال تعالى: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ يعني: انطلقوا إلى مصر، فاطلبوا خبر يوسف وَأَخِيهِ قالوا له: أما بنيامين فلا نترك الجهد في أمره، وأما يوسف فإنه ميت، وإنا لا نطلب الأموات.
فقال لهم يعقوب: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ يعني: لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ يعني: الجاحدين لنعمة الله.
<div class="verse-tafsir"
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)
وقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا الآية: المعنى: تالله لا تفتأ فتحذف «لا» في هذا الموضع من القَسمِ لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل]
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً ...
وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي «١»
ومنه قول الآخر: [البسيط] تَاللَّهِ يبقى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حيد...............
.........
«٢»
أراد: لا أبْرَحُ، ولاَ يَبْقَى، و «فَتِىءَ» : بمنزلة زَالَ وبَرَحَ في المعنَى والعملِ تقول:
واللَّهِ، لا فَتِئْتَ قَاعِداً كما تقول: لاَ زلت ولا برحت، وعبارة الداوديّ: وعن ابن عباس: تَفْتَأُ أي: لا تزالُ تَذْكُرُ يوسُفَ، حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً «١» .
انتهى، والحَرَضُ:
الذي قد نهاه الهَرَمُ أو الحُبُّ أو الحُزْنُ إِلى حالِ فَسادِ الأَعضاء وَالبَدَنِ والحسِّ، يقال:
رجلٌ حَارِضٌ، أي: ذو همٍّ وحزنٍ ومنه قول الشاعر: [البسيط]
إِنِّي امرؤ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي ...
حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ «٢»
والحَرِضُ بالجملة الذي فَسَدَ ودنا موته، قال مجاهد: الحَرَضُ: ما دون الموت «٣» وفي حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمْرَضُ حَتَّى يُحْرِضَهُ المَرَضُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ» «٤» انتهى من «رقائق ابن المبارك» .
ثم أجابهم يعقوبُ عليه السلام بقوله: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
: أي: إِني لست ممَّن يَجْزَعُ ويَضْجَرُ، وإِنما أَشكو إِلى اللَّه، والبَثُّ: ما في صَدْرِ الإِنسان مما هو مُعْتَزِمٌ أَنْ يبثه وينشره.
وقال أبو عبيدة وغيره: البثّ: أشدّ الحزن «٥» قال الداوديّ عن ابن جُبَيْر، قال: مَنْ بَثَّ، فلم يصبر، ثم قرأ: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
.
انتهى.
وقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ...
الآية: «الرَّوْحُ» : الرحمة، ثم جعل اليأْسَ مِنْ رحمة اللَّه وتفريجه مِنْ صفة الكافرين إِذ فيه إِما التكذيبُ بالرُّبوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى، / والبضاعة: القِطْعة من المال يُقْصَدُ بها شراءُ شَيْءٍ، ولزمها عُرْفُ الفقْهِ فيما لا حَظَّ لحاملها من الربْحِ، وال مُزْجاةٍ: معناها: المدفوعَةُ المتحيَّل لها،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: واللَّهِ، وجَوابُ هَذا القَسَمِ " لا " المُضْمَرَةُ الَّتِي تَأْوِيلُها: تاللَّهِ لا تَفْتَأُ، فَلَمّا كانَ مَوْضِعُها مَعْلُومًا خَفَّفَ الكَلامَ بِسُقُوطِها مِن ظاهِرِهِ، كَما تَقُولُ العَرَب: واللَّهِ أقْصِدُكَ أبَدًا، يَعْنُونَ: لا أقْصِدُكَ، قالَ امْرُؤ القَيْسِ: فَقُلْت يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي يُرِيدُ: لا أبْرَحُ، وقالَتِ الخَنْساءُ: فَأقْسَمْتُ آسى عَلى هالِكٍ ∗∗∗ أوْ أسْألُ نائِحَةً مالَها أرادَتْ: لا آسى، وقالَ الآخَرُ: لَمْ يَشْعُرِ النَّعْشُ ما عَلَيْهِ مِنَ الـ ∗∗∗ ـعُرْفِ ولا الحامِلُونَ ما حَمَلُوا ∗∗∗ تاللَّهِ أنْسى مُصِيبَتِي أبَدًا ∗∗∗ ما أسْمَعَتْنِي حَنِينَها الإبِلُ وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: " قالُوا بِاللَّهِ " بِالباءِ، وكَذَلِكَ كَلُّ قَسَمٍ في القُرْآنِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ تَفْتَأُ ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى " تَفْتَأُ " تَزالُ، فَمَعْنى الكَلامِ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ وَأنْشَدَ ابْنُ القاسِمِ: فَما فَتِئَتْ مِنّا رِعالٌ كَأنَّها ∗∗∗ رِعالُ القَطا حَتّى احْتَوَيْنَ بَنِي صَخْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدَّنِفُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أحْرَضَهُ الحُزْنُ، أيْ: أدْنَفَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَرْضُ: الَّذِي قَدْ أذابَهُ الحُزْنُ أوِ الحُبُّ، وهي في مَوْضِعِ مُحْرَضٍ.
وأنْشَدَ: إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ أيْ: أذابَنِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَضُ: الفاسِدُ في جِسْمِهِ، والمَعْنى: حَتّى تَكُونَ مُدْنَفًا مَرِيضًا.
والثّانِي: أنَّهُ الذّاهِبُ العَقْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفاسِدُ العَقْلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ يَكُونُ الحَرَضُ: الفاسِدُ في أخْلاقِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الفاسِدُ في جِسْمِهِ وعَقْلِهِ، يُقالُ: رَجُلٌ حارِضٌ وحَرَضٌ، فَحارِضٌ يُثَنَّي ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ، وحَرَضٌ لا يُجْمَعُ ولا يُثَنّى، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والرّابِع: أنَّهُ الهَرَمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ ﴾ يَعْنُونَ المَوْتى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَلَفُوا عَلى شَيْءٍ يَجُوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ ؟
فالجَوابُ: أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، تَقْدِيرُهُ: إنَّ هَذا في تَقْدِيرِنا وظَنِّنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أشْكُو بَثِّي ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَثُّ: أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ صاحِبَهُ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتّى يَبُثَّهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ المَعْنى: إنِّي لا أشْكُو إلَيْكم، وذَلِكَ لَمّا عَنَّفُوهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
ورَوى الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أنَس ِبْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «كانَ لِيَعْقُوبَ أخٌ مُؤاخٍ، فَقالَ لَهُ ذاتَ يَوْمٍ: يا يَعْقُوبُ، ما الَّذِي أذْهَبَ بَصَرَكَ ؟
وما الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرَكَ ؟
قالَ: أمّا الَّذِي أذْهَبَ بَصَرِي، فالبُكاءُ عَلى يُوسُفَ، وأمّا الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرِي، فالحُزْنُ عَلى بِنْيامِينَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا يَعْقُوبُ إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: أما تَسْتَحِي أنْ تَشْكُوَ إلى غَيْرِي ؟
فَقالَ: إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَشْكُو، ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ: أيْ رَبِّ، أما تَرْحَمُ الشَّيْخَ الكَبِيرَ ؟
أذْهَبْتَ بَصَرِي، وقَوَّسْتَ ظَهْرِي، فارْدُدْ عَلَيَّ رَيْحانِي أشُمُّهُ شَمَّةً قَبْلَ المَوْتِ، ثُمَّ اصْنَعْ بِي يا رَبِّ ما شِئْتَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا يَعْقُوبُ، إنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ ويَقُولُ: أبْشِرْ، فَوَعِزَّتِي لَوْ كانا مَيِّتَيْنِ لَنَشْرْتُهُما لَكَ، اصْنَعْ طَعامًا لِلْمَساكِينِ، فَإنْ أحَبَّ عِبادِي إلَيَّ المَساكِينُ، وتَدْرِي لِمَ أذْهَبْتُ بَصَرَكَ، وقَوَّسْتُ ظَهْرَكَ، وصَنَعَ إخْوَةُ يُوسُفَ بِيُوسُفَ ما صَنَعُوا، لِأنَّكم ذَبَحْتُمْ شاةً، فَأتاكم فُلانٌ المِسْكِينُ وهو صائِمٌ، فَلَمْ تُطْعِمُوهُ مِنها.
فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أرادَ الغَداءَ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: ألا مَن أرادَ الغَداءَ مِنَ المَساكِينِ فَلْيَتَغَدَّ مَعَ يَعْقُوبَ، وإذا كانَ صائِمًا، أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: مَن كانَ صائِمًا فَلْيُفْطِرْ مَعَ يَعْقُوبَ» .
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى يَعْقُوبَ: أتُدْرِي لِمَ عاقَبْتُكَ وحَبَسْتُ عَنْكَ يُوسُفُ ثَمانِينَ سَنَةً ؟
قالَ: لا، قالَ: لِأنَّكَ شَوَيْت عَناقًا وقَتَّرْتَ عَلى جارِكَ، وأكَلْتَ ولَمْ تُطْعِمْهُ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ ذَبَحَ عِجْلَ بَقَرَةٍ بَيْنَ يَدَيْها، وهي تَخُورُ فَلَمْ يَرْحَمْها.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَبَرَ يُوسُفُ عَنْ أبِيهِ بَعْدَ أنْ صارَ مَلِكًا ؟
فَقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ ثَلاثَةَ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهو الأظْهَرُ.
والثّانِي: لِئَلّا يَظُنُّ المَلِكُ بِتَعْجِيلِ اسْتِدْعائِهِ أهْلَهُ، شِدَّةَ فاقَتِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أحَبَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ أنْ يُدَرِّجَ نَفْسَهُ إلى كَمالِ السُّرُورِ.
والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، لِيَرْفَعَ دَرَجَةَ يَعْقُوبَ بِالصَّبْرِ عَلى البَلاءِ.
وكانَ يُوسُفُ يُلاقِي مِنَ الحُزْنِ لِأجْلِ حُزْنِ أبِيهِ عَظِيمًا، ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ سَبَبِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنّا سَنَسْجُدُ لَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أعْلَمُ مِن سَلامَةِ يُوسُفَ ما لا تَعْلَمُونَ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: وذَلِكَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ أتاهُ، فَقالَ لَهُ يَعْقُوبُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ ابْنِي يُوسُف ؟
قالَ: لا.
والثّالِثُ: أعْلَمُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ مالا تَعْلَمُونَ، قالَهُ عَطاءٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ بَنُوهُ بِسِيرَةِ العَزِيزِ، طَمِعَ أنْ يَكُونَ هو يُوسُفَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ قالَ لَهُمُ: ﴿ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا ﴾ .
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا قالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: ما قَبَضْتُ رُوحَ يُوسُفَ، تَباشَرَ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أصْبَحَ، فَقالَ لِبَنِيهِ: ﴿ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " تَحَسَّسُوا " أيْ: تَخَبَّرُوا والتَمِسُوا في المَظانِّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ مِن يُوسُفَ ﴾ والغالِبُ أنْ يُقالَ: تَحَسَّسْتُ عَنْ كَذا ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: عَنْ يُوسُفَ، ولَكِنْ نابَتْ عَنْها " مِن " كَما تَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنِي فُلانٌ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّ " مِن " أُوثِرَتْ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: تَحَسَّسُوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والثّانِي: مِن فَرَجِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: مِن تَوْسِعَةِ اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ القاسِمِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ: الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ.
وقالَ أهْلُ المَعانِي: لا تَيْأسُوا مِن الرَّوْحِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ اللَّهُ، " إنَّهُ لا يَيْأسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ " لِأنَّ المُؤْمِنَ يَرْجُو اللَّهَ في الشَّدائِدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللهِ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ المَعْنى: اذْهَبُوا إلى الأرْضِ الَّتِي جِئْتُمْ مِنها وتَرَكْتُمْ أخَوَيْكم بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ.
"فَتَحَسَّسُوا"، أيِ: اسْتَقْصُوا وتَفَرَّقُوا، والتَحَسُّسُ: طَلَبُ الشَيْءِ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَرِّ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في الخَيْرِ هَذِهِ الآيَةُ، وفي الشَرِّ نَهْيُ النَبِيِّ في قَوْلِهِ: « "وَلا تَحَسَّسُوا".» وَقَوْلُهُ: ﴿ مِن يُوسُفَ ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَعْمَلُ فِيهِ "تَحَسَّسُوا"، التَقْدِيرُ: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً أو حَقِيقَةً مِن أمْرِ يُوسُفَ، لَكِنْ يُحْذَفُ ما يَدُلُّ ظاهِرُ القَوْلِ عَلَيْهِ إيجازًا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَيْأسُوا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأيَسُوا" عَلى ما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تِئَسُوا" بِكَسْرِ التاءِ، وخُصَّ يُوسُفُ وبِنْيامِينُ بِالذِكْرِ لِأنَّ رُوبِيلَ إنَّما بَقِيَ مُخْتارًا، وهَذانِ قَدْ مُنِعا الأوبَةَ.
والرَوْحُ: الرَحْمَةُ، ثُمَّ جَعَلَ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللهِ وتَفْرِيجِهِ مِن صِفَةِ الكافِرِينَ، إذْ فِيهِ: إمّا التَكْذِيبُ بِالرُبُوبِيَّةِ، وإمّا الجَهْلُ بِصِفاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "مِن رُوحِ اللهِ" بِضَمِّ الراءِ، وكَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ فَيُرْجى"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وفي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ ومِن هَذا قَوْلُ عُبَيْدٍ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ∗∗∗ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ ويَظْهَرُ مِن حَدِيثِ الَّذِي قالَ: « (إذا مِتُّ فاحْرُقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي في البَحْرِ والبَرِّ في يَوْمِ راحٍ، فَلَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ فَلْيُعَذِّبْنِي عَذابًا ما عَذَّبَهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ):» إنَّهُ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ النَبِيِّ في آخِرِ الحَدِيثِ: « "فَغَفَرَ اللهُ لَهُ"» يَقْتَضِي أنَّهُ ماتَ مُؤْمِنًا إذْ لا يَغْفِرُ اللهُ لِكافِرٍ، فَبَقِيَ أنْ يُتَأوَّلَ الحَدِيثُ، إمّا عَلى أنْ (قَدَرَ) بِمَعْنى: ضَيَّقَ وناقَشَ الحِسابَ، فَذَلِكَ مَعْنًى بَيِّنٌ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ "القُدْرَةِ"، ويَكُونُ خَطَؤُهُ في أنْ ظَنَّ في أنَّ الِاجْتِماعَ بَعْدَ السَحْقِ والتَذْرِيَةِ مُحالٌ لا يُوصَفُ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَغَلِطَ في أنْ جَعَلَ الجائِزَ مُحالًا، ولا يَلْزَمُهُ بِهَذا كُفْرٌ.
قالَ النَقّاشَ: وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن فَضْلِ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن رَحْمَةِ اللهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ الآيَةَ، في هَذا المَوْضِعِ اخْتِصارُ مَحْذُوفاتٍ يُعْطِيها الظاهِرُ، وهي أنَّهم نَفَذُوا مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ ووَصَلُوها، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى يُوسُفَ.
و"الضُرُّ" أرادُوا بِهِ المَسْغَبَةُ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها وأمْرُ أخِيهِمُ الَّذِي أهَمَّ أباهم وغَمَّ جَمِيعَهُمْ، و"البِضاعَةُ": القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ، ولَزِمَها عُرْفُ الفِقْهِ فِيما لا حَظَّ لِحامِلِها مِنَ الرِبْحِ، و"المُزْجاةُ" مَعْناها: المَدْفُوعَةُ المُتَحَيَّلُ لَها، ومِنهُ: إزْجاءُ السَحابِ، ومِنهُ إزْجاءُ الإبِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ: عَلى زَواحِفَ تُزْجى مُخُّها رِيرُ وكَما قالَ النابِغَةُ: وهَبَّتِ الرِيحُ مِن تِلْقاءِ ذِي أُرُلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ مِن صُرّادِها صِرَما وَقالَ الأعْشى: الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها وقالَ الآخَرُ: وحاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِنَ الحاجِ وقالَ حاتِمٌ: لِيَبْكِ عَلى مِلْحانِ ضَيْفٌ مُدَّفَعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ أرْمَلا فَجُمْلَةُ هَذا أنَّ مَن يَسُوقُ شَيْئًا ويَتَلَطَّفُ في تَسْيِيرِهِ فَقَدْ أزْجاهُ، فَإذا كانَتِ الدَراهِمُ المَدْفُوعَةُ نازِلَةَ القَدْرِ تَحْتاجُ أنْ يُعْتَذَرَ مَعَها ويُشْفَعَ لَها فَهي مُزْجاةٌ، فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ زُيُوفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ قَلِيلَةً، وقِيلَ: كانَتْ ناقِصَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم عُرُوضًا فَلِذَلِكَ قالُوا هَذا، واخْتُلِفَ في تِلْكَ العُرُوضِ -ما كانَتْ؟
فَقِيلَ: كانَتِ السَمْنَ والصُوفَ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ قَدِيدَ وحْشٍ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتِ الصَنَوْبَرَ والحَبَّةَ الخَضْراءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "وَهِيَ الفُسْتُقُ": وقِيلَ: كانَتِ المُقْلَ، وقِيلَ: كانَتِ القُطْنَ، وقِيلَ: كانَتِ الحِبالَ والأعْدالَ والأقْتابَ.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللهُ قالَ: المُزْجاةُ: الجائِزَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا أعْرِفُ لِهَذا وجْهًا، والمَعْنى يَأْباهُ.
ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صُحِّفَ عَلى مالِكٍ، وأنَّ لَفْظَهُ بِالحاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وبِالراءِ، واسْتَنَدَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ إلى هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِنها ولَيْسَ بِنَصٍّ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ مَعْناهُ: بِما بَيْنَ الدَراهِمِ الجِيادِ وهَذِهِ المُزْجاةِ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: كانَتِ الصَدَقَةُ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ عَلى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ، وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ حَدِيثُ النَبِيِّ في قَوْلِهِ: « "نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا تَحِلُّ لَنا الصَدَقَةُ".» وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ الصَدَقَةُ عَلَيْهِمْ مُحَرَّمَةً ولَكِنْ قالُوا هَذا تَجَوُّزًا واسْتِعْطافًا مِنهم فِي المُبايَعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُساوِمُهُ في سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِن ثَمَنِها كَذا وخُذْ كَذا، فَلَمْ تَقْصِدْ أنْ يَهَبَكَ، وإنَّما حَسَّنْتَ لَهُ الِانْفِعالَ حَتّى يَرْجِعَ مَعَكَ إلى سَوْمِكَ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ أمْرَ أخِيهِمْ (يامِينَ)، أيْ: أوفِ لَنا الكَيْلَ في المُبايَعَةِ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِصَرْفِ أخِينا إلى أبِيهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ .
قالَ النَقّاشُ: يُقالُ: هو مِنَ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ولَوْ قالُوا: "إنَّ اللهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ في الآخِرَةِ" كَذَبُوا، فَقالُوا لَهُ لَفَظًا يُوهِمُهُ أنَّهم أرادُوهُ، وهم يَصِحُّ لَهم إخْراجُهُ مِنهُ بِالتَأْوِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
الفاء عاطفة على كلام مقدّر دل عليه المقام، أي فارتحلوا إلى مصر بقصد استطلاق بنيامين من عزيز مصر ثم بالتعرض إلى التحسّس من يوسف عليه السلام، فوصلوا مصر، فدخلوا على يوسف، ﴿ فلما دخلوا عليه ﴾ الخ...
وقد تقدم آنفاً وجه دعائهم يوسف عليه السلام بوصف العزيز.
وأرادوا بمسّ الضر إصَابته.
وقد تقدم إطلاق مسّ الضرّ على الإصابة عند قوله تعالى: ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ في سورة الأنعام (17).
والبضاعة تقدمت آنفاً.
والمزجاة: القليلة التي لا يرغب فيها فكأنّ صاحبها يُزجيها، أي يدفعها بكفة ليقبلها المدفوعة إليه.
والمراد بها مال قليل للامتيار، ولذلك فرع عليه فأوف لنا الكيل}.
وطلبوا التصدّق منه تعريضاً بإطلاق أخيهم لأن ذلك فضل منه إذ صار مملوكاً له كما تقدم.
وجملة ﴿ إن الله يجزي المتصدّقين ﴾ تعليل لاستدعائهم التصدّق عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ أيِ اسْتَعْلِمُوا وتَعَرَّفُوا، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: فَإنْ حَيِيتَ فَلا أحْسَسْكَ في بَلَدِي وإنْ مَرِضْتَ فَلا تَحْسِسْكَ عُوّادِي وَأصْلُهُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحِسِّ.
﴿ وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن فَرَجِ اللَّهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
والثّانِي: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي بِالنَّفْعِ.
وَإنَّما قالَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَنَبَّهَ عَلى يُوسُفَ بِرَدِّ البِضاعَةِ واحْتِباسِ أخِيهِ وإظْهارِ الكَرامَةِ ولِما حُكِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ مَلَكَ المَوْتِ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ؟
فَقالَ: لا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ وهَذا مِن ألْطَفِ تَرْفِيقٍ وأبْلَغِ اسْتِعْطافٍ.
وَفي قَصْدِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِأنْ يَرُدَّ أخاهم عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّانِي: تَوْفِيَةُ كَيْلِهِمْ والمُحاباةُ لَهم، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ وأصْلُ الإزْجاءِ السَّوْقُ بِالدَّفْعِ، وفِيهِ قَوْلُ الشّاعِرِ عَدِيِّ بْنِ الرِّقاعِ.
تُزْجِي أغَنَّ كَأنَّ إبْرَةَ رَوَقِهِ ∗∗∗ قَلَمٌ أصابَ مِنَ الدَّواةِ مِدادَها وَفِي بِضاعَتِهِمْ هَذِهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَتاعُ الأعْرابِ، صُوفٌ وسَمْنٌ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ.
الثّالِثُ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ وصَنَوْبَرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الرّابِعُ: سَوِيقُ المَقْلِ.
قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: خَلِقُ الحَبْلِ والغِرارَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَفي المُزْجاةِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الرَّدِيئَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الكاسِدَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: القَلِيلَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وهي الَّتِي لا تَبْلُغُ قَدْرَ الحاجَةِ ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ومُرْسِلٍ بِرَسُولٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ ∗∗∗ وحاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِنَ الحاجِ وَقالَ الكَلْبِيُّ: هي كَلِمَةٌ مِن لُغَةِ العَجَمِ، وقالَ الهَيْثَمِيُّ: مِن لُغَةِ القِبْطِ.
﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَيْلُ الَّذِي كانَ قَدْ كالَهُ لِأخِيهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: مِثْلُ كَيْلِهِمُ الأوَّلِ لِأنَّ بِضاعَتَهُمُ الثّانِيَةَ أقَلُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّدَقَةَ تَحْرُمُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ.
الثّانِي: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ: ولَمْ تَحْرُمِ الصَّدَقَةُ إلّا عَلى مُحَمَّدٍ وحْدَهُ.
الثّالِثُ: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِرَدِّ أخِينا إلَيْنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وكُرِهَ لِلرَّجُلِ أنْ يَقُولَ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ لِمَن يَبْتَغِي الثَّوابَ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ تَجَوَّزْ عَنّا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وابْنُ زَيْدٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ ؎ تَصَدَّقْ عَلَيْنا يا ابْنَ عَفّانَ واحْتَسِبْ ∗∗∗ وأْمُرْ عَلَيْنا الأشْعَرِيَّ لَيالِيا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ﴾ أي الضر في المعيشة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وجئنا ببضاعة ﴾ قال: دراهم ﴿ مزجاة ﴾ قال: كاسدة غير طائلة.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: رثة المتاع، خلق الحبل والغرارة والشيء.
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: الورق الردية الزيوف، التي لا تنفق حتى يوضع فيها.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: قليلة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: دراهم زيوف.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير وعكرمة- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال أحدهما: ناقصة.
وقال الآخر: فلوس رديئة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: متاع الإِعراب، الصوف والسمن.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: حبة الخضراء، وصنوبر وقطن.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: ببعيرات وبقرات عجاف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ مزجاة ﴾ قال: كاسدة.
وأخرج ابن النجار، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: سويق المقل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس- رضي الله عنهما- أنه سئل عن أجر الكيالين: أيؤخذ من المشتري؟
قال: الصواب- والذي يقع في قلبي- أن يكون على البائع.
وقد قال إخوة يوسف عليهم السلام: ﴿ أوف لنا الكيل وتصدق علينا ﴾ .
وكان يوسف عليه السلام هو الذي يكيل.
وأخرج ابن جرير، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: في مصحف عبد الله ﴿ فأوف لنا الكيل وأوقر ركابنا ﴾ .
وأخرج ابن جرير، عن سفيان بن عيينة- رضي الله عنه، أنه سئل: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟
فقال: ألم تسمع قوله: ﴿ فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: الأنبياء عليهم السلام لا يأكلون الصدقة، إنما كانت دراهم نفاية لا تجوز بينهم، فقالوا: تجوّز عنا ولا تُنْقِصْنا من السعر لأجل رديء دراهمنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتصدق علينا ﴾ قال: اردد علينا أخانا.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن رجلاً قال له: تصدق عليَّ، تصدق الله عليك بالجنة، فقال: ويحك، إن الله لا يتصدق، ولكن الله يجزي المتصدقين.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه أنه سئل: أيكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق علي؟
فقال نعم إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: قيل لبني يعقوب: إن بمصر رجلاً يطعم المسكين ويملأ حجر اليتيم.
قالوا: ينبغي أن يكون هذا منا أهل البيت، فنظروا فإذا هو يوسف بن يعقوب.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ﴾ قال أهل اللغة (١) ﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ ﴾ أي: أصابنا ومن يختص بنا الجوع والحاجة، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزجَنةٍ} معني الإزجاء في اللغة (٢) (٣) ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ﴾ ، والبقرة تُزَجّى ولدها: اى تسوقه، قال وأمّ عَيْنَاء تُزَجِّي معها إِزْجَاء (٤) وزجيت فلانًا، بالقول أي (٥) وقال (٦) وصَاحِبٍ ذِي غِمْرةٍ زاجَيْتُه ...
زَجَّيْتُه بالقَوْلِ وازدَجَيْته وفلان يزجِّي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، يقال (٧) (٨) تَزَجَّ من دُنْيَاكَ بالبَلَاغِ بكسْرَةٍ لينةِ المِضَاغِ بالمِلْحِ أو ما جَفَّ في الصِّبَاغِ هذا معنى الإزجاء في اللغة، قال ابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) وروى سعيد عن قتادة (١٣) ﴿ بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاة ﴾ قال يسيرة، وقال عبد الله بن الحارث (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ثم اختلفوا في هذه البضاعة الرديئة القليلة أيش كانت، وذكرنا قول ابن عباس فيها في رواية ابن جريج ومثله روى عنه ابن أبي مليكة (٢٢) وقال الحسن (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال مقاتل بن حيان (٢٦) (٢٧) (٢٨) واختلف أهل المعاني: لِمَ سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟
فقال أبو إسحاق (٢٩) وقال أبو عبيد (٣٠) (٣١) ليَبْكِ على مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَعٌ ...
وأرْمَلة تُزْجِي مع اللَّيلِ أرْمَلا أي: تدفع وتسوق، وقال غيره (٣٢) (٣٣) وقال الكلبي (٣٦) قال الهيثم بن عدي (¬2): هي من لغة القبط.
قال الأنباري (¬3): لا ينبغي أن يجعل حرف عربي معروف المباني والاشتقاق والتصرف منسوبًا إلى القبط ودونهم؛ إذ كلام أولئك يدور (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ﴾ قال المفسرون (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ أكثر المفسرين (٣٩) بهذه الآية، وعلى قول سفيان: سألوه أن يتصدق عليهم بشيء زيادة على ما يستحقونه ببضاعتهم المزجاة، وقول العامة: أشبه بحال الأنبياء وأولاد الأنبياء؛ إذ هم يأنفون عن الخضوع للمخلوقين، ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغناء بأقسامه (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (١) انظر: الطبري 13/ 49، الثعلبي 7/ 106 أ، البغوي 4/ 271، ابن عطية 8/ 60، "زاد المسير" 4/ 277، القرطبي 9/ 252.
(٢) "تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1511، و"اللسان" (زجا) 3/ 1815.
(٣) في (ب): (السرق).
(٤) من الرجز، ولم أقف عليه.
(٥) (أي) ساقط من (ب).
(٦) البيان من الرجز، وهما بلا نسبة في تهذيب (زاج) 2/ 1511، "واللسان" (زجا) 3/ 1815 برواية (داجيته).
(٧) "تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1511.
(٨) الرجز بلا نسبة وهو كما يلي: تزج من دنياك بالبلاغ وباكر المعدة بالدِّباغ بكسرة جيِّدة المضاغ بالملح أو ما خف من صباغ وهو في "اللسان" (زجا) 3/ 1815، (بلغ) 1/ 346، (صبغ) 4/ 2395، و"تاج العروس" (بلغ) 12/ 8، (صبغ) 12/ 40، (وضع) 11/ 516، وأساس البلاغة (زجى).
(٩) الطبري 13/ 50، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 106 أ، و"زاد المسير" 4/ 278، والقرطبي 9/ 253.
(١٠) القرطبي 9/ 253، الرازى 18/ 201.
(١١) ذكره الطبري 13/ 51 بسنده عن سعيد بن جبير وعكرمة ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ﴾ قال سعيد ناقصة، وقال عكرمة: دراهم فسول، وانظر الطبري 13/ 51، وابن أبي حاتم 7/ 2192.
(١٢) "معاني القرآن" 2/ 55.
(١٣) الطبري 13/ 52، عبد الرزاق 2/ 328.
(١٤) الطبري 13/ 52.
(١٥) الطبري 13/ 52، وابن عطية 8/ 62، وابن أبي حاتم 7/ 2192، و"البحر" 5/ 340، الرازى 18/ 201.
(١٦) البغوي 4/ 272 من غير عزو.
(١٧) الطبري 13/ 52، و"زاد المسير" 4/ 277.
(١٨) البخاري "فتح" 8/ 208.
(١٩) الغرارة: الجُوَالق، واحدة الغرائر.
"تهذيب اللغة" 3/ 2651، و"اللسان" 6/ 3236.
(٢٠) الطبري 13/ 53.
(٢١) الطبري 13/ 53.
(٢٢) الطبري 13/ 50، وعبد الرزاق 2/ 328، وسعيد بن منصور وابن أي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 64، والثعلبي 7/ 106 أ.
(٢٣) الثعلبي 7/ 106 ب، و"زاد المسير" 4/ 277.
(٢٤) الطبرى 13/ 51، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، والثعلبي 7/ 106 أ، وابن عطية 8/ 62، و"زاد المسير" 4/ 277.
(٢٥) الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، "زاد المسير" 4/ 277، القرطبي 9/ 253.
(٢٦) الثعلبى 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272.
(٢٧) الحبة الخضراء هي الفستق، و"البحر المحيط" 5/ 340.
(٢٨) الطبري 13/ 51 عن أبي صالح، ابن أبي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ عنه أيضًا كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، "تنوير المقباس" ص 153.
(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 127.
(٣٠) الرازي 18/ 201، و"زاد المسير" 4/ 278، ونسبه إلى أبي عبيدة، ولم أجده في "مجاز القرآن".
(٣١) نسبه الطبري 13/ 50 إلى حاتم، وعلق محمود شاكر بقوله: ليس في ديوانه، وأنشده ابن بري غير منسوب "اللسان" (رمل) 3/ 1735، والظاهر أن الشعر لحاتم؛ لأن (ملحان) هوابن عمه -ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي- وكنت وقفت على أبيات من هذا الشعر، ثم أضعتها اليوم.
انظر: "ديوانه" 86، و"الزاهر" 2/ 97، و"السان" (رمل) 3/ 1735، وابن عطية 8/ 61، و"البحر المحيط" 5/ 340، و"الدر المصون" 6/ 550، و"زاد المسير" 4/ 278.
(٣٢) الرازي 18/ 202، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 456.
(٣٣) (لا ينفق) ساقط من (أ)، (ج).
(٣٤) في (أ)، (ج): (لا يدرون).
(٣٥) الطبري 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، الرازي 18/ 202.
(٣٦) الطبري 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، ابن عطية 8/ 63.
(٣٧) "زاد المسير" 4/ 278.
(٣٨) الطبرى 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، ابن عطية 8/ 63، البغوي 4/ 272، "زاد المسير" 4/ 279، القرطبي 9/ 254.
(٣٩) قلت: وهذا هو الراجح أنهم لم يقصدوا الصدقة التي حُرمت على الأنبياء قال ابن عطية 8/ 63 عن قول سفيان: وهذا ضعيف يرده حديث النبي في قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة".
وانظر: الرازي 18/ 202.
(٤٠) الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، القرطبي 9/ 255، الرازي 18/ 202.
(٤١) الطبري 13/ 54، وأبو عبيد وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 62، الرازي 18/ 202.
(٤٢) الرازي 18/ 202، وانظر: "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1991.
(٤٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1991 (صدق).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يابني اذهبوا ﴾ يعني إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ أي تعرّفوا خبرهما، والتحسّس طلب الشيء بالحواس؛ السمع والبصر، وإنما لم يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك اختياراً منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحب إليه ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ﴾ أي من رحمة الله ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون ﴾ إنما جعل اليأس من صفة الكافر، لأن سببه تكذيب الربوبية أو جهلاً بصفات الله من قدرته وفضله ورحمته ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ أي على يوسف وقيل: هذا محذوف تقديره فرجعوا إلى مصر ﴿ الضر ﴾ يريدون به المجاعة أو الهم على إخوتهم ﴿ بِبِضَاعَةٍ مزجاة ﴾ يعنون الدراهم التي جاؤوا بها لشراء الطعام، والمزجاة القليلة، وقيل: الرديئة، وقيل: الناقصة، وقيل: إن بضاعتهم كانت عروضاً فلذلك قالوا هذا ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ قيل: يعنون بما بين الدراهم الجياد ودراهم من فوق وقيل: أوف لنا الكيل الذي هو حقنا وزدنا على حقنا، وسموا الزيادة صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: تصدق علينا برد أخينا إلينا ﴿ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين ﴾ قال النقاش: هو من المعاريض وذلك أنهم كانوا يعتقدون أنه كافر، لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين أهل مصر، فلو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظاً يوهم أنهم أرادوه وهم لم يريدوه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أني أنا أخوك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بالإضافة وبياء الغيبة في الفعلين: سهل ويعقوب.
بالنون وبالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون وعلى الإضافة.
﴿ فلما استيأسوا ﴾ وبابه بالألف ثم الياء: أبو ربيعة عن البزي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة الباقون: بياء ثم همزة على الأصل ﴿ لي أبي ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وافق ابن كثير في أبي.
الوقوف: ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لسارقون ﴾ ه ﴿ تفقدون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه ﴿ سارقين ﴾ ه ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فهو جزاؤه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من وعاء أخيه ﴾ ط ﴿ ليوسف ﴾ ط ﴿ يشاء الله ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مكاناً ﴾ ج ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ مكانه ﴾ ج الثلاثة لانقطاع النظم مع اتصال المعنى المحسنين} ه عنده لا لتعلق "إذا" بما قبلها ﴿ لظالمون ﴾ ه ﴿ نجيا ﴾ ط ﴿ يوسف ﴾ ط للابتداء بالنفي مع فاء التعقيب ﴿ يحكم الله لي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء أو الحال ﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ سرق ﴾ ج لانقطاع النظممع اتحاد القائل ﴿ حافظين ﴾ ه ﴿ أقبلنا فيها ﴾ ط لاختلاف الجملتين والابتداء بأنّ: ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: روي أنهم لما أتوه بأخيهم بنيامين أنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه.
فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته.
ثم أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً وقال: هذا لا ثاني له فاتركوه معى فآواه إليه أي أنزله في المنزل الذي كان يأوي إليه: فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح.
ولما رأى تأسفه لأخ هلك قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟
قال: من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل: فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و ﴿ قال إني أنا أخوك ﴾ قال وهب: أراد إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس وعدم التوحش.
وقال ابن عباس وسائر المفسرين: أراد تعريف النسب لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورة ﴿ فلا تبتئس ﴾ افتعال من البؤس الشدّة والضر أراد نهيه عن اجتلاب الحزن ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ من دواعي الحسد والأعمال المنكرة التي أقدموا عليها.
يروى أن بنيامين قال ليوسف: أنا لا أفارقك.
فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن أنسبك إلى ما ليس يحسن.
قال: أنا راض بما رضيت.
قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك أنك قد سرقته فذلك قوله ﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ والسقاية مشربة يسقى بها وهي الصواع كان يسقى بها الملك أو الدواب ثم جعلت صاعاً يكال به.
وكان مستطيلاً من ذهب أو فضة مموهة بالذهب أو مرصعاً بالجواهر أقوال ﴿ ثم أذن مؤذن ﴾ نادى منادٍ ومعناه راجع إلى الإيذان والإعلام إلا أن التشديد يفيد التكثير أو التصويب بالنداء ﴿ أيتها العير ﴾ أراد أصحاب العير كقوله : "يا خيل الله اركبي" والعير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء.
وقيل: هي قافلة الحمير كأنها جمع عير وأصلها "فعل" بالضم كسقف فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء كما في "بيض" ثم كثر في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز لنبي الله أن يرضى بنسبة قومه إلى السرقة وهم برآء؟
وأجاب العلماء بأنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا السقاية غلب على ظنونهم أنهم أخذوها، أو المؤذن ذكر ما ذكر على سبيل الاستفهام، أو المراد أنهم سرقوا يوسف من أبيهم، أو المراد أن فيكم سارقاً وهو الأخ الذي رضي بذلك البهتان فلا ذنب لأن الخصم رضي بأن يقال في حقه ذلك.
ثم إن إخوة يوسف ﴿ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ﴾ قيل: صواع اسم للصاع والسقاية وصف ﴿ ولمن جاء به ﴾ أي بالصواع ﴿ حمل بعير ﴾ من طعام جعلاً لمن حصله ﴿ وأنا به زعيم ﴾ كفيل هو من قول المؤذن وفيه أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم أيضاً إذا كان معلوماً فكأن حمل بعير كان عندهم شيئاً معلوماً كوسق مثلاً إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهو كفالة ما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم ﴿ قالوا تالله ﴾ التاء مبدلة من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل.
حلفوا على أمرين معجبين: أحدهما أنهم علموا أن إخوة يوسف ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض بالنهب والغصب ونحو ذلك حتى روي أنهم دخلوا وأفواه دوابهم مشدودة خوفاً من أن تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد في الطرق والأسواق، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ورد المظالم حتى حكي أنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم.
وثانيهما أنهم ما وصفوا قط بالسرقة.
﴿ قالوا ﴾ أي أصحاب يوسف: ﴿ فما جزاؤه ﴾ قال في الكشاف: الضمير للصواع والمضاف محذوف أي فما جزاء سرقته إن كنتم من الكاذبين في جحودكم وادعائكم البراءة؟
قلت: ويحتمل أن يعود إلى السارق، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في الجزاء حتى ﴿ قالوا جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي جزاؤه الرق.
قال الزجاج: وقوله ﴿ فهو جزاؤه ﴾ زيادة في البيان أي فأخد السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كما يقال حق السارق القطع جزاؤه لتقرر ما ذكر من استحقاقه، ويجوز أن يكون مبتدأ وباقي الكلام جملة شرطية مرفوعة المحل بالخبرية على أن الأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ليكون الضمير الثاني عائد إلى المبتدأ والأول إلى "من" ولكنه وضع المظهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة.
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ جزاؤه ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه.
أما قوله: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء ﴿ نجزي الظالمين ﴾ فيحتمل أن يكون من بقية كلام إخوة يوسف وأن يكون من كلام أصحاب يوسف والله أعلم.
ثم قال لهم المؤذن ومن معه: لا بد من تفتيش أوعيتكم فانصرف بهم إلى يوسف ﴿ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ﴾ لنفي التهمة والوعاء كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به.
قال قتاة: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثماً مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا أخوه قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً.
فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فنظر.
﴿ ثم استخرجها ﴾ أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث.
﴿ من وعاء أخيه ﴾ فأخذوا برقبته وحكموا برقيته.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الكيد العظيم ﴿ كدنا ليوسف ﴾ يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه.
والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر به في أمر مكروه ولا سبيل إلى دفعه، وقد سبق فيما تقدم أن أمثال هذه الألفاظ في حقه محمولة على النهايات لا على البدايات.
وما هذا الكيد؟
قيل: هو أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره والله نصره وقواه.
وقيل: الكيد يستعمل في الخير أيضاً والمعنى كفعلنا بيوسف من الإحسان إليه ابتداء فعلنا به انتهاء وقيل: تفسير هذا الكيد هو قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ لأن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم مثلي ما سرق فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه بناء على دين الملك وحكمه.
ومعنى ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ هو أن الله كاد له فأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق حتى توصل بذلك إلى أخذ أخيه، وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى بعض الأغراض الدينية والدنيوية.
ثم مدحه على الهداية إلى هذه الحيلة كما مدح إبراهيم على ما حكى عنه من دلائل التوحيد والبراءة من إلهية الكوكب ثم القمر ثم الشمس فقال: ﴿ نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ فوقه أرفع درجة منه في علمه.
ثم إن أطلق على الله أنه ذو علم كان هذا العام مخصوصاً لأنه لا عليم فوقه، وإن قيل: إنه عالم بلا علم كما يقوله بعض المعتزلة كان النص باقياً على عمومه، وإن قلنا إن الكل بمعنى المجموع كان المعنى وفوق جميع العلماء عليم هم دونه في العلم وهو الله والميل إلى هذا التفسير لأن قوله: ﴿ ذو علم ﴾ مشعر بكون علمه زائداً على حقيقته ووصفه عين ذاته، وفي هذا البحث طول وفي الرمز كفاية.
يروى أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت ففضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع؟
فقال: بنو راحيل هم الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم فعند ذلك ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ عنوا به يوسف.
واختلف في تلك السرقة فعن سعيد بن جبير أن جده أبا أمه كان يعبد الوثن فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادتها.
وقيل: سرق عناقاً من أبيه أو دجاجة ودفعها إلى مسكين.
وقيل: كانت لإبراهيم منطقة يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته عمة يوسف فحضنت يوسف إلى أن شب فأراد يعقوب أن ينتزعه منها وكانت تحبه حباً شديداً فشدت المنطقة على يوسف تحت ثيابه ثم زعمت أنه قد سرقها، وكان في شرعهم استرقاق السارق فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها.
وقيل إنهم كذبوا عليه وبهتوه حسداً وغيظاً.
﴿ فأسرّها يوسف ﴾ قال الزجاج وغيره: الضمير يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل: فأسر الجملة في نفسه ولم يبدها لهم، ثم فسرها بقوله: ﴿ قال أنتم شر مكاناً ﴾ والمعنى أنه قال هذه الجملة على سبيل الخفية.
وطعن الفارسي في هذا الوجه فقال: إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل، والحق أن القرآن حجة على غيره.
وقيل: الضمير: عائد على الإجابة أي أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر.
وقيل: يعود إلى المقالة أو السرقة أي لم يبين يوسف أن تلك السرقة كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والعار.
وعن ابن عباس أنه قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: عوقب بالحبس لأجل همه بها، وبالحبس الطويل لقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وبقولهم: ﴿ فقد سرق أخ له من قبل ﴾ لقوله: ﴿ إنكم لسارقون ﴾ ومعنى ﴿ شر مكاناً ﴾ شر منزلة لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم على التحقيق وقلتم أكله الذئب ﴿ والله أعلم بما تصفون ﴾ المراد أنه يعلم أني لست بسارق في التحقيق ولا أخي، أو الله أعلم بأن الذي وصفتموه هل يوجب ذماً أم لا.
قال ابن عباس: لما قال يوسف هذا القول غضب يهوذا وكان إذا غضب وصاح لم تسمع صوته حامل إلا وضعت وقام شعره على جلده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه.
فقال لبعض إخوته: اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف لابن صغير له: مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف رجله على الأرض ليريه أن شديد وجذبه فسقط فعند ذلك ﴿ قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً ﴾ في السن أو في القدر وهو أحب إليه منا ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ استعباداً أو رهناً حتى نبعث الفداء إليك فلعل العفو أو الفداء كان جائزاً أيضاً عندهم ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ لو فعلت ذلك أو من المحسنين إلينا بأنواع الكرامة ورد البضاعة إلى رحالنا أو أرادوا الإحسان إلى أهل مصر حيث أعتقهم بعدما اشترى رقابهم بالطعام ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ معاذ الله ﴾ من ﴿ أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً ﴾ أي إذا أخذنا غيره ﴿ لظالمون ﴾ في مذهبكم لأن استعباد غير من وجد الصواع في رحله ظلم عندكم، أو أراد إن الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملاً بخلاف الوحي ﴿ فلما استيأسوا منه ﴾ حيث لم يقبل الشفاعة أي يئسوا والزيادة للبالغة.
﴿ خلصوا ﴾ اعتزلوا عن الناس خالصين لا يخالطهم غيرهم ﴿ نجياً ﴾ مصدر والمضاف محذوف أي ذوي نجوى، أو المراد أنهم التناجي في أنفسهم لاستجماعهم بذلك واندفاعهم فيه بجد واهتمام كما يقال: رجل جور ورجال عدل، أو صفة لموصوف محذوف أي فوجاً نجياً بمعنى مناجياً بعضهم لبعض كالعشير بمعنى المعاشر.
وفيم كان تناجيهم؟
الجواب في تدبير أمرهم على أيّ وجه يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم فعند ذلك ﴿ قال كبيرهم ﴾ في السن وهو روبيل، أو في القدر وهو شمعون لأنه كان رئيسهم، أو في العقل والرأي وهو يهوذا.
وقوله: ﴿ ما فرطتم ﴾ إما أن تكون "ما" صلة أي ومن قبل هذا قصرتم ﴿ في ﴾ شأن ﴿ يوسف ﴾ ولم توفوا بعهدكم أباكم، وإما أن تكون مصدرية محله الرفع على الابتداء وخبره بالظرف تقديره ومن قبل تفريطكم أي وقع من قبل تقصيركم في حقه، أو النصب عطفاً على مفعول ألم تعلموا كأنه ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل، وإما أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في شأن يوسف من الجناية والخيانة ومحل الموصول الرفع أو النصب على الوجهين.
﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ فلن أفارق أرض مصر ﴿ حتى يأذن لي أبي ﴾ في الانصراف ﴿ أو يحكم الله لي ﴾ بالخروج منها أو بالانتصاف من أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب.
ثم إنه بقي ذلك الكبير في مصر وقال لغيره من الإخوة.
﴿ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق ﴾ قاله بناء على ما شاهد من استخراج الصواع من وعائه، أو أراد أنه سرق في قول الملك وأصحابه كقول قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ أي في زعمك واعتقادك، أو المراد إن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة.
وإطلاق اسم أحد الشبيهين على الآخر جائز أو القوم ما كانوا حينئذ أنبياء فلا يبعد منهم الذنب.
وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ سرق ﴾ مشدداً مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة.
وعلى هذا فلا إشكال، ومما يدل على أنهم بنوا الأمر على الظاهر قوله ﴿ وما شهدنا إلا بما علمنا ﴾ أي إلا بقدر ما تيقناه من رؤية الصواع في وعائه ﴿ وما كنا للغيب ﴾ للأمر الخفي ﴿ حافظين ﴾ فإن الغيب لا يعلمه إلا الله.
وعن عكرمة أن الغيب الليل معناه لعل الصواع دس في رحله بالليل من حيث لا يشعر، أو ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق قاله مجاهد والحسن وقتادة، أو ما علمنا أنا إذا قلنا إن شرع بني إسرائيل هو استرقاق السارق أخذ أخونا بتلك الحيلة.
ثم بالغوا في إزالة التهمة فقالوا: ﴿ واسأل القرية التي كنا فيها ﴾ الأكثرون على أنها مصر.
وقيل: قرية على باب مصر وقع فيها التفتيش أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة ﴿ و ﴾ اسأل أصحاب ﴿ العير التي أقبلنا فيها ﴾ وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب.
وقيل: قوماً من أهل صنعاء.
وقال ابن الأنباري: إن يعقوب كان من أكابر الأنبياء فلا يبعد أن يحمل سؤال القرية على الحقيقة بأن ينطق الله الجمادات لأجله معجزة، فالمراد اسأل القرية والعير والجدران والحيطان فإنها تجبيك بصحة ما ذكرنا.
وقيل: إن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً فقد يقال سل عنه السماء والأرض وجميع الأشياء ويراد إنه ليس للشك فيه مجال.
ثم زادوا في تأكيد نفي التهمة قائلين ﴿ وإنا لصادقون ﴾ وليس غرضهم إثبات صدقهم فإن ذلك يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ولكن الإنسان إذا ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده أنا صادق فتأمل فيما ذكرته ليزول عنك الشك.
وههنا إضمار التقدير فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ما قال لهم أخوهم فعند ذلك: ﴿ قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ وقد مر تفسيره في أول السورة.
ولكن المفسرين زادوا شيئاً آخر فقيل: المراد أنه خيل إليكم أنه سرق وما سرق.
وقيل: أراد سوّلت لكم أنفسكم إخراج بنيامين والمسير به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم عليّ في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله ربما جاء على خلاف تقديركم.
وقيل: أراد فتواهم وتعليمهم وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته.
واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز على يعقوب السعي في إخفاء حكم الله ؟
وأجيب بأن ذلك الحكم لعله كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق له مسلماً وكان الملك في ظن يعقوب كافراً، ولما طال بلاؤه ومحنته علم بحسن الظن والرجاء أنه سيجعل له فرجاً ومخرجاً عما قريب، أو لعله علم بالوحي أن يوسف حي وكان بنيامين والكبير الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ قد بقيا في مصر فلذلك قال: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم ﴾ أي بالثلاثة الغائبين ﴿ جميعاً إنه هو العليم ﴾ بحالي ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما يفعله من الابتلاء والإبلاء.
التأويل: لما دخل الأوصاف البشرية ومعهم السر ﴿ على يوسف ﴾ القلب ﴿ آوى ﴾ القلب السر ﴿ إليه ﴾ لأنه أخوه الحقيقي بالمناسبة الروحانية ﴿ فلا تبتئس ﴾ إذا وصلت بي ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ معك في مفارقتي لأن السر مهما كان مفارقاً من قلب مقارناً للأوصاف كان محروماً عن كمالات هو مستعد لها ﴿ فلما جهزهم ﴾ جهز القلب الأوصاف بما يلائم أحوالها ﴿ جعل السقاية ﴾ وهي مشربة كان منها شربه ﴿ في رحل أخيه ﴾ لأنهما رضيعا لبان واحد ﴿ إنكم لسارقون ﴾ سرقتم في الأول يوسف القلب وشريتموه بثمن بخس من متاع الدنيا وشهواتها، وسرقتم في الآخر مشربة ليست من مشاربكم، وفيه أن من ادعى الشرب من مشارب الرجال وهو طفل بعد أخذ بالسرقة واستردت منه ﴿ ولمن جاء به حمل بعير ﴾ من علف الدواب ومراتع الحيوانات لأنه ليس مستحقاً للشرب من مشارب الملوك ﴿ لقد علمتم ﴾ أن المقبولين المقبلين على يوسف القلب لا نريد الإفساد في أرض الدنيا كما قالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما كنا سارقين ﴾ إذ أخذنا يوسف القلب وألقيناه في غيابة الجب البشرية بل سعينا في أن ينال مملكة مصر العبودية ليكون عزيزاً فيها ونحن أذلاء له ﴿ جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي لكل شارب مشرب ولكل شرب فدية.
ففدية الشارب من مشرب الدنيا صنعته وحرفته وكسبه، وفدية الشارب من مشرب الآخرة الدنيا وشهواتها، وفدية الشارب من شرب المحبة بذل الوجود ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾ الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه طمعاً في أن يكونوا حريف الملك وشريبه ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ أي كما كاد الأوصاف البشرية في الابتداء بيوسف القلب إذ ألقوه في جب البشرية كدنا بهم عند قسمة الأقوات من خزانة الملك فجعلنا قسمتهم من مراتع الحيوانات يأكلون كما تأكل الأنعام، وقسمة بنيامين السر من مشربة الملك.
﴿ وفوق كل ذي علم ﴾ آتيناه علم الصعود ﴿ عليم ﴾ بجذبه من المصعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا يصعد إليه إلا بالعلم القديم وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا صواع لا تسعه أوعية الإنسانية ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ فيه إشارة إلى السر والقلب مع أنهما مخصوصان بالحظوظ الأخروية والروحانية فإنهم قابلان للاسترقاق من الشهوات الدنياوية والنفسانية ولما رأت الأوصاف البشرية عزة القلب وعرفت اختصاص البشرية أرادت أن تفدي نفسها وسيلة إلى يعقوب الروح فقالت: ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ ﴿ قال معاذ الله ﴾ أن نقبل بالصحبة والمخالطة ﴿ إلا من وجدنا متاعنا ﴾ من الصدق والمحبة والإخلاص عنده أي لا تكون صحبتنا بالكراهية والنفاق وإنما تكون بعلة الجنسية ﴿ فلما استيأسوا ﴾ من صحبة القلب ﴿ خلصوا ﴾ عن الأوصاف الذميمة للتناجي ﴿ قال كبيرهم ﴾ هو العقل ألم تعلموا أن أباكم وهو الروح ﴿ قد أخذ عليكم موثقاً من الله ﴾ يوم الميثاق أن لا تعبدوا إلا الله ﴿ فلن أبرح ﴾ أرض فناء القلب وهي الصدر.
والحاصل أن صفة العقل لما تخلصت عن الأوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها وصارت محكومة لأوامر الروح مستسلمة لأحكام الحق.
﴿ ارجعوا إلى أبيكم ﴾ الروح على أقدام العبودية وتبديل الأخلاق ﴿ إن ابنك سرق ﴾ لأنه وجد في رحله مشربة المحبة التي بها يكال الحب على وفده.
﴿ وما كنا للغيب ﴾ عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة ﴿ حافظين ﴾ لأنه جعل السقاية في رحله في غيبتنا.
﴿ واسأل ﴾ أهل مصر الملكوت وأرواح الأنبياء والأولياء ﴿ قال بل سولت ﴾ فيه أن للنفس تزيينات وللأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب الروح لكن عليه أن يصبر على إمضاء أحكام الله وتنفيذ قضائه ﴿ عسى الله أن يأتيني ﴾ فيه أن متولدات الروح من القلب والأوصاف وغيرها وإن تفرقوا وتباعدوا عن الروح في الجسد للاستكمال فإن الله بجذبات العناية يجمعهم في مقعد صدق عنده مليك مقتدر ﴿ إنه هو العليم ﴾ بافتراقهم ﴿ الحكيم ﴾ بما في التفريق والجمع من الفوائد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ ﴾ .
قيل: أيسوا عن أن يُرَدّ إليهم أخوهم.
﴿ خَلَصُواْ نَجِيّاً ﴾ .
قيل: خلوا من الناس وخلصوا منهم؛ يتناجون فيما بينهم في أمر أخيهم، أو في الانصراف إلى أبيهم، أو في المقام فيه.
﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ ﴾ .
قال أهل التأويل: كبيرهم في العقل ليس في السن؛ وهو فلان.
قال بعضهم: وهو يهوذا، وقال بعضهم: هو شمعون.
ولكن لا نعلم من كان قائل هذا لهم، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ سوى أن فيه: ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ إمَّا أن كان كبيرهم في العقل؛ أو كبيرهم في السن.
﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ ﴾ (ألم تعلموا) و(ألم تروا) حرفان يستعملان في أحد أمرين: في الأمر؛ أن اعلموا ذلك، أو في موضع التنبيه والتقرير؛ وهاهنا كأنه قال ذلك على التقرير والتنبيه؛ أي: قد علمتم ﴿ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ .
هذا يدل أن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ هو إلا أن يعمكم أمرٌ ويجمعكم؛ فتهلكون فيه جميعاً، وليس كما قال بعض أهل التأويل: إلا أن يجيء ما يمنعكم عن ردّه؛ أي: إلا أن تغلبوا فتعجزوا عن ردّه؛ لأنه قد جاء ما يمنعهم عن ردّه، ثم أبي أكبرهم الرجوع إلى أبيه؛ دل أن التأويل هو هذا، ومن يقول: إن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ إلا أن يجيء ما يمنعكم عن الردّ؛ استدل بقوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ فلو كان على ما يعمهم ويجمعهم، لم يكن ليأمرهم بالرجوع إلى أبيهم؛ دل أنه ما ذكر.
وأما أهل التأويل الأول يقولون: إن قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن إذا رجعتم إلى أبيكم؛ فقولوا: إن ابنك سرق وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه كما قلنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو رجعتم إليه؛ فقولوا كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ ﴾ .
أي: من قبل ما ضيعتم أمر أبيكم في يوسف؛ أو ضيعتم أمر الله ووعده في يوسف.
﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ ﴾ .
[هذا يحتمل وجهين: يحتمل حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه؛ إذا ظهر عنده عذرنا وصدقنا في أمره ابنه أو يأذن لي أبي] بالمنازعة في القتال مع الملك حتى أستنقذ أخي وأستخلصه منه.
﴿ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي ﴾ في الرجوع أيضاً أو في القتال معه.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ أو يحكم الله لي بإظهار عذرنا وصدقنا عند أبينا.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ في إظهار العذر؛ لأنه إذا حكم بإظهار العذر ظهر ذلك في الخلق جميعاً، ولا كذلك حكم غيره؛ لأن كل من يحكم بحكم؛ يجوز إنما يحكم بحكم؛ هو حكم الله؛ فهو خير الحاكمين وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ لأن من رحم من الخلق؛ إنما يرحم برحمته؛ فهو أرحم الراحمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ .
يحتمل على الأمر؛ على ما هو [في] الظاهر.
ويحتمل ما ذكرنا؛ أي: لو رجعتم إليه؛ فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق يشبه أن يكون هذا منه تعريضاً في التخطئة؛ على ما كان يؤثره على غيره من الأولاد؛ أي الذي كنت تؤثره علينا بالمحبة وميل القلب إليه - قد سرق، ويشبه أن يكون ليس على التعريض؛ ولكن على الإخبار؛ على ما ظهر عندهم من ظاهر الأمر.
﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ بما أخرج المتاع من وعائه.
﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ .
هذا على التأويل الذي قيل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ أي: يعمكم ويجمعكم؛ أي: ما كنا نعلم - وقت إعطاء العهد والميثاق - أنه يسرق؛ وإلا لم نعطك العهد على ذلك.
ويحتمل: ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ وقت ما أخرج المتاع من وعائه؛ واتهم أنه سرق، أو لم يسرق، أو هو وضع الصاع في رحله، أو غيره وضع أي: ما كنا نعلم في الابتداء أن الأمر يرجع إلى هذا؛ وإلا لم نخرجه معنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ .
أي لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه على ما نقول.
﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ على ذلك؛ على ما ظهر لنا؛ من استخراج الإناء من وعائه والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ .
فإن قيل: كيف قال لهم: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ وجعل ما أخبروه من تسويل أنفسهم وتزيينها؛ ولم يخالفوه فيما أمرهم في أمر بنيامين، ولا تركوا شيئاً مما أمرهم به؛ وليس هذا كالأول؛ الذي قال لهم في أمر يوسف: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً...
﴾ الآية؛ لأنه قد كان منهم خلاف لما أمرهم به؛ والسعي على إهلاكه، فكان ما ذكر من تسويل أنفسهم وتزيينها في موضع التسويل والتزيين، وأمَّا هاهنا فلم يأت منهم إليه خلاف، ولا ترك لأمره؛ فكيف قال: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ لكن يشبه أن يكون قال ذلك؛ لأنهم لما اتّهموا جميعاً بالسرقة؛ فقيل: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ قالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ قطعوا فيه القول؛ أنهم لم يكونوا سارقين، وهو كان فيهم؛ فكيف قطعتم فيه القول بالسرقة ﴿ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ ولكن سولت لكم أنفسكم أمراً من البغض والعداوة؛ من الإيثار له وليوسف عليهم؛ والميل إليهما دونهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ والله أعلم.
فسولت لكم أنفسكم ببغضكم وعداوتكم حتى تركتم التفحص عن حاله وأمره، أن لا كل من وجد في رحله شيء يكون هو واضع ذلك الشيء؛ بل قد يضع غيره فيه؛ على غير علم منه.
وقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ .
قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .
قال أهل التأويل: قال: ﴿ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ ؛ لأنهم صاروا جماعة؛ يوسف وبنيامين أخوه، ويهوذا وشمعون قد تخلفا لسبب حبس يوسف أخاه، أو يوسف وأخوه.
وقال بعض أهل التأويل: إن جبريل أتى يعقوب على أحسن صورة؛ فسأله عن يوسف؛ أفي الأحياء أم في الأموات؟
فقال: بل هو في الأحياء؛ فقال عند ذلك: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .
أو علم يعقوب أن يوسف في الأحياء، وأنه غير هالك؛ لما رأى يوسف؛ من الرؤيا؛ من سجود الكواكب والشمس والقمر له؛ علم أنه في الأحياء، وأنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه، وغير ذلك من الدلائل، لكنه كان لا يعلم أين هو؟
فقال ذلك ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .
أي أعرض عنهم وعاتبهم؛ حين أخبروه أن ابنه سرق.
وقال: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .
قيل: يا حزنا على يوسف، وقيل يا جزعا.
وقال القتبي: الأسف أشد الحسرة؛ وأصله: أن الأسف كأنه النهاية في الحزن: أن الحزين إذا بلغ غايته ونهايته؛ يقال: أسف.
وهو النهاية في الغضب أيضاً.
كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ﴾ أي: لما أغضبونا ﴿ ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وقوله : ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .
يحتمل أن يكون لا على إظهار القول باللسان؛ ولكن إخبار عما في ضميره، وذلك جائز؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ ﴾ أخبر عما في قلوبهم؛ لا أن قالوا ذلك باللسان.
ويحتمل القول به على غير قصد منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
الكظم: هو كف النفس عن الجزع؛ وترديد الحزن في الجوف على غير إظهار في أفعاله، والجزع هو ما يظهر في أفعاله؛ والذي يهيج الحزن هو الذي يهيج الغضب، إلا أن الحزن يكون على من فوقه؛ والغضب على من تحت يده، وسبب هيجانهما واحد، أو أن يكون الكظيم: هو الذي يمسك الحزن في قلبه والغم، كأنه هو الذي يستر ويغطي القلب؛ إذا حل به، والهم: هو ما يبعث على القصد من الهم به.
والحزن: هو على ما يؤثر التغيير في الخلقة؛ ولا يظهر في الأفعال [والجزع يظهر في الأفعال] ولا يغير الخلقة عن حالها، لذلك عمل في ضعف نفس يعقوب، وعمل في إهلاك بعضه، حيث ذهبت عيناه وابيضت من الحزن، والكظيم: ما ذكرنا؛ هو الذي يردد الحزن في جوفه ولا يظهر ويكفه عن الجزع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَاللهِ ﴾ .
هو يمينهم مكان: والله أو بالله، وكذلك قال إبراهيم: ﴿ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ .
أي لا تزال تذكر يوسف ولا تنسى ذكره؛ حتى تسلو؛ من حزنه، كأنهم دَعَوْه إلى السلوّ من حزنه؛ لأنه بالذكر يتجدد الحزن ويحدث، فقالوا له: لا تزال تذكر يوسف.
﴿ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً ﴾ .
قيل: دنفاً وقيل: ﴿ حَرَضاً ﴾ : هرماً؛ وأصل الحرض: الضعف.
﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ .
كذلك صار يعقوب ضعيفاً في بدنه من الحزن؛ وصار بعض بدنه من الهالكين؛ حيث ابيضت عيناه؛ وذهبتا من الحزن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .
قال القتبي: الحرض: الدنف، والبث: أشدّ الحزن؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يَبُثَّه؛ أي: يشكوه، وكذلك روي في الخبر: (مَنْ بَثَّ فلم يصبر)؛ أي: شكا، وما ذكر من الشكاية إلى الله ليس على إظهار ذلك باللسان؛ ولكن إمساك في القلب.
وقال الحسن: ﴿ أَشْكُو بَثِّي ﴾ أي: حاجتي وحزني إلى الله، ويشبه أن يكون البث والحزن واحداً ذكر على التكرار.
وقال بعضهم: الحرض: الذي قد ذهب عقله من الكبر.
﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ فتموت والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: أعلم من الله من تحقيق رؤيا يوسف؛ أنه كائن ما لا تعلمون: أنتم وأنا سنسجد له.
وقال ابن عباس - -: [قوله]: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه حي لم يمت وهو ما ذكر؛ أنه كان يعلم من الله ما لا يعلمون هم.
ويشبه أن يكون قوله: أعلم من الله؛ أي: أنتفع بعلمي ما لا تنتفعون أنتم، وأصله: أن إخوة يوسف لو علموا أن أمر يوسف يبلغ ما بلغ من الملك والعز - ما قصدوا قصد تغييبه عن والده، ولا سعوا فيه فيما سعوا من إفساد أمره، لكنهم لم يعلموا والله أعلم - أو علم من الله شيئاً لم يبين ما لا يعلمون هم؛ كقول إبراهيم [...]، وما ذكر أهل التأويل: أن يعقوب قال: كذا؛ من النياح على يوسف والجزع عليه؛ لا يحتمل ذلك؛ لأنه قال - حين أخبروه بذلك -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وما ذكروا هم منه ليس هو بصبر؛ فضلا أن يكون جميلا.
وقوله: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .
قال أهل التأويل: تحسسوا: اطلبوه واستخبروا عنه وعن أخيه، لكن غير هذا كأنه أقرب؛ وهو من وقوع الحس عليه؛ كأنه قال: اذهبوا فانظروا إليه وإلى أخيه؛ لأنهم إن لم يكونوا يعلمون أن يوسف أين هو - فلقد كانوا يعلمون من حال أخيه بنيامين أنه أين هو؛ فلو كان على الطلب والبحث والاستخبار؛ على ما قاله أهل التأويل؛ إن احتمل في يوسف فذلك لا يحتمل في أخيه؛ إذ هم كانوا يعلمون مكانه وأين هو؛ وإن كانوا لا يعلمون مكان يوسف ولا أين هو، وهو إنما أمرهم أن يتحسسوا عنهما جميعاً؛ فدل - والله أعلم - أنه من وقوع الحسّ والبصر عليهما؛ لا من البحث والطلب - والله أعلم - فكأنه علم بالوحي أنه هنالك وأخوه معه، لكنه لم يخبر بنيه أنه هنالك؛ لما علم أنهم يتكاسلون ويتثاقلون عن الذهاب إليه؛ فإنما أمرهم بذلك أمر تعريض لا أمر تصريح.
أو أن يكون قوله: ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ ﴾ على الإضمار؛ أي: تحسسوا من يوسف واسألوا منه ردَّ أخيه؛ لما علم أن أخاه يكون معه.
وقال عامة أهل التأويل: إنما قال لهم هذا؛ وعلم أنه في الأحياء؛ لأنه رأى ملك الموت؛ فقال له: هل قبضت روح يوسف مما قبضت من الأرواح؟
قال: لا.
وقال بعضهم: رأى في المنام ملك الموت؛ فقال له ما ذكرنا؛ فعند ذلك قال هذا القول.
لكنا نقول: إنه كان عالماً بأنه في الأحياء؛ ليس بهالك؛ لما رأى من الرؤيا وغيره؛ فعلم أنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه على الصدق والحق، لكنه لم يكن يعلم أنه أين هو من قبل، ثم علم من بعدُ بالوحي عن مكانه وحاله؛ فأمر بنيه أن يأتوه؛ فينظروا إليه وإلى أخيه.
وأصل هذا: أن ما حَلّ بيعقوب - من فوت يوسف وغيبته عنه - محنة امتحنه ربه، وبلية ابتلاه بها؛ يبتلى بذلك؛ حسرة عليه؛ ألا ترى أن يوسف لو أراد أن يُعْلِم أباه يعقوب عن مكانه وحاله؛ لقدر عليه؛ لأنه كان يعلم بمكان أبيه، وأن يعقوب لا يعلم بمكان يوسف؛ فلم يعلمه إلا بعد الأمر بالإعلام.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: من رحمة الله.
﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .
أخبر أنه لا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ لأن مَنْ آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته فلا ييئس من رحمته، وأمّا الكافر؛ فإنه لا يعلم رحمة الله ولا تقلبه في رحمته؛ فييئس من رحمته.
فنهاهم عن الإياس؛ لما كان عندهم أنه هالك؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ ﴾ لما قال لهم: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ وأخوه كان محبوساً بالسرقة؛ والمحبوس لا يرد في حكمهم.
أو يقول: نهاهم؛ وإن لم يكونوا آيسين؛ ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ خبر عن الله؛ أخبر أنه لا ييئس من [رحمة الله] إلا القوم الكافرون، وكذلك ما بشر إبراهيم بالولد؛ حيث قالوا: ﴿ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ ﴾ نهاه عن القنوط؛ ولا يحتمل أن يكون إبراهيم قانطاً عن ذلك؛ لكنه نهاه ثم أخبر فقال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ ﴾ والآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لقولهم: إن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار وأنه ليس بكافر؛ وهو آيس - على قولهم - من رَوْح الله، وقد أخبر أنه ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ وهم يقولون: إن صاحب الكبيرة آيس من رَوْح الله، وهو ليس بكافر.
<div class="verse-tafsir"
فامتثَلُوا أمر أبيهم، , ذهبوا بحثًا عن يوسف وأخيه، فلما دخلوا على يوسف قالوا له: أصابتنا الشدة والفقر، وأتينا ببضاعة حقيرة زهيدة، فكِلْ لنا كيلًا وافيًا كما كنت تكيل لنا من قبل، وتصدَّق علينا بزيادة على ذلك أو بالتغاضي عن بضاعتنا الحقيرة، إن الله يجازي المتصدقين بأحسن الجزاء.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZP540"