الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٨٧ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 111 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٧ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن يعقوب ، عليه السلام ، إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض ، يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين .
والتحسس يكون في الخير ، والتجسس يستعمل في الشر .
ونهضهم وبشرهم وأمرهم ألا ييأسوا من روح الله ، أي : لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه فإنه لا يقطع الرجاء ، ويقطع الإياس من الله إلا القوم الكافرون .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: حين طمع يعقوب في يوسف ، قال لبنيه: (يا بني اذهبوا) إلى الموضع الذي جئتم منه وخلفتم أخويكم به ، ( فتحسَّسوا من يوسف ) ، يقول: التمسوا يوسف وتعرَّفوا من خبره .
* * * وأصل " التحسُّس "،" التفعل " من " الحِسِّ".
* * * ، ( وأخيه ) يعني بنيامين ، ( ولا تيأسوا من روح الله ) ، يقول: ولا تقنطوا من أن يروِّح الله عنا ما نحن فيه من الحزن على يوسف وأخيه بفرَجٍ من عنده، فيرينيهما ، ( إنه لا ييأس من روح الله ) يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه (1) ( إلا القوم الكافرون ) ، يعني: القوم الذين يجحدون قُدرته على ما شاءَ تكوينه .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 19734- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي: ( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ) ، بمصر ، ( ولا تيأسوا من روح الله ) ، قال: من فرج الله أن يردَّ يوسف.
19735- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله: ( ولا تيأسوا من روح الله ) ، أي من رحمة الله.
19736- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة نحوه .
19737- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال، ثم إن يعقوب قال لبنيه ، وهو على حسن ظنه بربه مع الذي هو فيه من الحزن: ( يا بني اذهبوا ) إلى البلاد التي منها جئتم ، ( فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ) : أي من فرجه ، ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) 19738- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( ولا تيأسوا من روح الله ) ، يقول: من رحمة الله.
19739- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( ولا تيأسوا من روح الله ) ، قال: من فرج الله ، يفرِّج عنكم الغمّ الذي أنتم فيه
قوله تعالى : يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون[ ص: 220 ] قوله تعالى : يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه هذا يدل على أنه تيقن حياته ; إما بالرؤيا ، وإما بإنطاق الله تعالى الذئب كما في أول القصة ، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض روحه ; وهو أظهر .
والتحسس طلب الشيء بالحواس ; فهو تفعل من الحس ، أي اذهبوا إلى هذا الذي طلب منكم أخاكم ، واحتال عليكم في أخذه فاسألوا عنه وعن مذهبه .
ويروى أن ملك الموت قال له : اطلبه من هاهنا !
وأشار إلى ناحية مصر .
وقيل : إن يعقوب تنبه على يوسف برد البضاعة ، واحتباس أخيه ، وإظهار الكرامة ; فلذلك وجههم إلى جهة مصر دون غيرها .ولا تيأسوا من روح الله أي لا تقنطوا من فرج الله ; قاله ابن زيد ، يريد : أن المؤمن يرجو فرج الله ، والكافر يقنط في الشدة .
وقال قتادة والضحاك : من رحمة الله .إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون دليل على أن القنوط من الكبائر ، وهو اليأس وسيأتي في " الزمر " بيانه إن شاء الله تعالى .
أي: قال يعقوب عليه السلام لبنيه: { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } أي: احرصوا واجتهدوا على التفتيش عنهما { وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ } فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد، فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه، { إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين،ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه.
قوله عز وجل : ( يا بني اذهبوا فتحسسوا ) تخبروا واطلبوا الخبر ( من يوسف وأخيه ) والتحسس بالحاء والجيم لا يبعد أحدهما من الآخر ، إلا أن التحسس بالحاء في الخير وبالجيم في الشر والتحسس هو طلب الشيء بالحاسة .
قال ابن عباس : معناه التمسوا ( ولا تيئسوا ) ولا تقنطوا ( من روح الله ) أي : من رحمة الله ، وقيل : من فرج الله .
( إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون ).
«يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه» اطلبوا خبرهما «ولا تيأسوا» تقنطوا «من روح الله» رحمته «إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» فانطلقوا نحو مصر ليوسف.
قال يعقوب: يا أبنائي عودوا إلى "مصر" فاستقصوا أخبار يوسف وأخيه، ولا تقطعوا رجاءكم من رحمة الله، إنه لا يقطع الرجاء من رحمة الله إلا الجاحدون لقدرته، الكافرون به.
ثم يمضى يعقوب - عليه السلام - فى رده على أولاده فيأمرهم أن يواصلوا بحثهم عن يوسف وأخيه ، وأن لا يقنطوا من رحمة الله فيقول : ( يابني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون ) .والتحسس : هو طلب الشئ بطريق الحواس بدقة وحكمة وصبر على البحث .أى : قال يعقوب لأبنائه : يا بنى ( اذهبوا ) إلى أرض مصر وإلى أى مكان تتوقعون فيه وجود يوسف وأخيه ( فتحسسوا ) أمرهما .
وتخبروا خبرهما ، وتعرفوا نبأهما بدون كلل أو ملل .وفى التعبير بقوله ( فَتَحَسَّسُواْ ) إشارة إلى أمره لهم بالبحث الجاد الحكيم المتأنى ( وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ) أى : ولا تقنطوا من فرج الله وسعة رحمته ، وأصل معنى الروح التنفس .يقال : أراح الإِنسان إذا تنفس ، ثم استعير لحلول الفرج .وكلمة ( روح ) - بفتح الراء - أدل على هذا المعنى ، لما فيها من ظل الاسترواح من الكرب الخالق بما تتنسمه الأرواح من رحمة الله .وقوله ( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون ) تعليل لحضهم على التحسس أى : لا تقصروا فى البحث عن يوسف وأخيه ، ولا تقنطوا من رحمة الله ، فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون ، لعدم علمهم بالله - تعالى - وبصفاته وبعظيم قدرته ، وبواسع رحمته .
.
.أما المؤمنون فإنهم لا ييأسوا من فرج الله أبداً ، حتى ولو أحاطت بهم الكروب ، واشتدت عيهم المصائب .
واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جداً وأعرض عنهم وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم وعاد إليهم.
أما المقام الأول: وهو أنه أعرض عنهم، وفر منهم فهو قوله: ﴿ وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياأسفى على يُوسُفَ ﴾ .
واعلم أنه لما ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين عظم أسفه على يوسف عليه السلام: ﴿ وَقَالَ يأَبَتِ دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه: الوجه الأول: أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة: وقد لامني عند القبور على البكا *** رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته *** لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى *** فدعني فهذا كله قبر مالك وذلك لأنه إذا رأى قبراً فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى.
وقال آخر: فلم تنسني أو في المصيبات بعده *** ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع والوجه الثاني: أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد.
الوجه الثالث: أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا، وكان الأسف عليه أسفاً على الكل.
الرابع: أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها.
وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوماً له، وأيضاً أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله.
المسألة الثانية: من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله: ﴿ ياأسفى على يُوسُفَ ﴾ قال: لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله وأنه لا يجوز، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل، وتقريره أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه، وهو المراد من قوله: ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ ثم أمسك لسانه عن النياحة، وذكر مالا ينبغي، وهو المراد من قوله: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق بدليل قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ وكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته فإنه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم.
روي أن يوسف عليه السلام سأل جبريل هل لك علم بيعقوب؟
قال نعم قال: وكيف حزنه؟
قال: حزن سبعين ثكلى وهي التي لها ولد واحد ثم يموت.
قال: فهل له فيه أجر؟
قال: نعم أجر مائة شهيد.
فإن قيل: روي عن محمد بن علي الباقر قال: مر بيعقوب شيخ كبير فقال له أنت إبراهيم فقال: أنا ابن ابنه والهموم غيرتني وذهبت بحسني وقوتي، فأوحى الله تعالى إليه: حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني لأبدلنك لحماً خيراً من لحمك ودماً خيراً من دمك فكان من بعد يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ليعقوب أخ مواخ» فقال له: ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين، فأوحى الله تعالى إليه أما تستحي تشكوني إلى غيري فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال يا رب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري، وأذهبت بصري، فاردد عليَّ ريحانتي يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال: لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعاماً للمساكين، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائماً نادى مثله عند الإفطار.
وروي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر، فقال له رجل: ما هذا الذي أراه بك، قال طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب فقال: يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.
قلنا: إنا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة.
وروي أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له: جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي فقال: لا، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك، وأما البكاء فليس من المعاصي.
وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام: بكى على ولده إبراهيم عليه السلام وقال: «إن القلب ليحزن والعين تدمع، ولا نقول: ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» وأيضاً فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره، فلا يكون ذلك داخلاً تحت التكليف وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وأيضاً ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لابد وأن يرجع إلى الله تعالى، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حياً أم صار ميتاً، فكان متوقفاً فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة، وكان أحواله في هذه الواقعة مختلفة، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق الهم بذكر الله تعالى، فإن عن تذكر هذا الواقعة، فكان ذكرها كلا سواها، فلهذا السبب صارت هذا الواقعة بالنسبة إليه، جارية مجرى الإلقاء في النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لابنه الذبيح.
فإن قيل: أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون ﴾ حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله: ﴿ أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون ﴾ .
قلنا: قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ ﴾ إشارة إلى أنا مملوكون لله وهو الذي خلقنا وأوجدنا، وقوله: ﴿ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون ﴾ إشارة إلى أنه لابد من الحشر والقيامة، ومن المحال أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لابد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى، فهناك تحصل السلوة التامة عند تلك المصيبة، ومن المحال أن يكون لمؤمن بالله غير عارف بذلك.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ نداء الأسف وهو كقوله: يا عجباً والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول: هذا وقت حصولك وأوان مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله: ﴿ حَاشَ للَّهِ ﴾ والأسف الحزن على ما فات.
قال الليث: إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزني ومتأسف أيضاً.
قال الزجاج: الأصل ﴿ يا أسفى ﴾ إلا أن ياء الإضافة يجوز إبدالها بالألف لخفة الألف والفتحة.
ثم قال تعالى: ﴿ عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ وفيه وجهان: الوجه الأول: أنه لما قال يا أسفى على يوسف غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء وقوله: ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ كناية عن غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسناً ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى وهذا للتفسير مع الدليل رواه الواحدي في البسيط عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والوجه الثاني: أن المراد هو العمى قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام وهو قوله: ﴿ فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ قيل إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام حينما كان في السجن فقال إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك فوضع يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني ولم أك حزناً على أبي، والقائلون بهذا التأويل قالوا: الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى، فالحزن كان سبباً للعمى بهذه الواسطة، وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى، لأنه يورث كدورة في سوداء العين، ومنهم من قال: ما عمي لكنه صار بحيث يدرك إدراكاً ضعيفاً.
قيل: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام إلى حين لقائه، وتلك المدة ثمانون عاماً، وما كان على وجه الأرض عبداً أكرم على الله تعالى من يعقوب عليه السلام.
أما قوله تعالى: ﴿ مِنَ الحزن ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ مِنَ الحزن ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي.
قال الواحدي: واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم: الحزن البكاء والحزن ضد الفرح، وقال قوم: هما لغتان يقال أصابه حزن شديد، وحزن شديد، وهو مذهب أكثر أهل اللغة، وروى يونس عن أبي عمرو قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله: ﴿ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً ﴾ وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله: ﴿ مِنَ الحزن ﴾ وقوله: ﴿ أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ قال هو في موضع رفع الابتداء.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة: ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم، ومعناه المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه، ويجوز أيضاً أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده.
واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة، فبين تعالى أنها كانت غريقة في الغم فاللسان كان مشغولاً بقوله: ﴿ يا أسفى ﴾ والعين بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه وهذه مبالغة في وصف ذلك الغم.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ تالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت يقال: ما زلت أفعله وما فتئت أفعله وما برحت أفعله ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد.
قال ابن قتيبة يقال: ما فتيت وما فتئت لغتان فتيا وفتوأ إذا نسيته وانقطعت عنه قال النحويون وحرف النفي هاهنا مضمر على معنى قالوا: ما تفتؤا ولا تفتؤ وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو والله لتفعلن فلما كان بغير اللام والنون عرف أن كلمة لا مضمرة وأنشدوا قول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعداً *** والمعنى: لا أبرح قاعداً ومثله كثير.
وأما المفسرون فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة لا تزال تذكره، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.
المسألة الثانية: حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وقوله: حرضت فلاناً على فلان تأويله أفسدته وأحميته عليه، وقال تعالى: ﴿ حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لإرادة أنه ذو حرض فحذف المضاف أو لإرادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ونفس الفساد.
وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معاً.
إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين فيه عبارات: أحدها: الحرض والحارض هو الفاسد في جسمه وعقله.
وثانيهما: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال: الفاسد الدنف.
وثالثها: أنه الذي يكون لا كالأحياء ولا كالأموات، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: ﴿ حتى تَكُونَ حَرَضاً ﴾ بضم الحاء وتسكين الراء قال يعني مثل عود الأشنان، وقوله: ﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين ﴾ أي من الأموات، ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم إنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم كأنهم قالوا: أنت الآن في بلاء شديد ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء والأسف.
فإن قيل: لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعاً؟
قلنا: إنهم بنوا هذا الأمر على الظاهر.
فإن قيل: القائلون بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ تالله ﴾ من هم؟
قلنا: الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الإخوة الذين قد تولى عنهم، بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه.
ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ يعني أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وإنما أذكره في حضرة الله تعالى، والإنسان إذا بث شكواه إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين كما قال عليه الصلاة والسلام: «أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك» والله هو الموفق، والبث هو التفريق قال الله تعالى: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ ﴾ فالحزن إذا ستره الإنسان كان هماً وإذا ذكره لغيره كان بثاً وقالوا: البث أشد الحزن والحزن أشد الهم، وذلك لأنه متى أمكنه أن يمسك لسانه عن ذكره لم يكن ذلك الحزن مستولياً عليه وأما إذا عظم وعجز الإنسان عن ضبطه وانطلق اللسان بذكره شاء أم أبى كان ذلك بثاً وذلك يدل على أن الإنسان صار عاجزاً عنه وهو قد استولى على الإنسان، فقوله: ﴿ بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله، وقرأ الحسن: ﴿ وَحُزْنِى ﴾ بفتحتين وحزني بضمتين، قيل: دخل على يعقوب رجل وقال: يا يعقوب ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً فقال الذي بي لكثرة غمومي، فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي، فقال يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفرها له، وكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ وروي أنه أوحى الله إليه إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إليَّ الأنبياء والمساكين فاصنع طعاماً وادع إليه المساكين، وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.
ثم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه.
وذكروا لسبب هذا التوقع أموراً: أحدها: أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟
قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر وقال: أطلبه هاهنا.
وثانيها: أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطئ.
وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عين الوقت فلهذا بقي في القلق.
ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف وقال: يبعد أن يظهر في الكفار مثله.
وخامسها: علم قطعاً أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام الأول.
والمقام الثاني: أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف وهو قوله: ﴿ تَعْلَمُونَ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .
واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف بناء على الأمارات المذكورة قال لبنيه: تحسسوا من يوسف، والتحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع والبصر، قال أبو بكر الأنباري يقال: تحسست عن فلان ولا يقال من فلان، وقيل: هاهنا من يوسف لأنه أقام من مقام عن، قال: ويجوز أن يقال: من للتبعيض، والمعنى تحسسوا خبراً من أخبار يوسف، واستعلموا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة ﴿ مِنْ ﴾ لما فيها من الدلالة على التجيض، وقرئ ﴿ تَجَسَّسُواْ ﴾ بالجيم كما قرئ بهما في الحجرات.
ثم قال: ﴿ وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ﴾ قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه وتركيب الراء والواو الحاء يفيد الحركة والاهتزاز، فكلما يهتز انسان له ويلتذ بوجوده فهو روح.
وقال ابن عباس: لا تيئسوا من روح الله يريد من رحمة الله، وعن قتادة: من فضل الله، وقال ابن زيد: من فرج الله، وهذه الألفاظ متقاربة، وقرأ الحسن وقتادة: من روح الله بالضم أي من رحمته.
ثم قال: ﴿ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء.
واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم بل هو بخيل وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً والله أعلم، وقد بقي من مباحث هذه الآية سؤالات: السؤال الأول: أن بلوغ يعقوب في حب يوسف إلى هذا الحد العظيم لا يليق إلا بمن كان غافلاً عن الله، فإن من عرف الله أحبه ومن أحب الله لم يتفرغ قلبه لحب شيء سوى الله تعالى، وأيضاً القلب الواحد لا يتسع للحب المستغرق لشيئين، فلما كان قلبه مستغرقاً في حب ولده امتنع أن يقال: إنه كان مستغرقاً في حب الله تعالى.
والسؤال الثاني: أن عند استيلاء الحزن الشديد عليه كان من الواجب أن يشتغل بذكر الله تعالى، وبالتفويض إليه والتسليم لقضائه.
وأما قوله: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ فذلك لا يليق بأهل الدين والعلم فضلاً عن أكابر الأنبياء.
والسؤال الثالث: لا شك أن يعقوب كان من أكابر الأنبياء، وكان أبوه وجده وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الدنيا، ومن كذلك ثم وقعت له واقعة هائلة صعبة في أعز أولاده عليه لم تبق تلك الواقعة خفية، بل لابد وأن يبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كل أحد لا سيما وقد انقضت المدة الطويلة فيها وبقي يعقوب على حزنه الشديد وأسفه العظيم، وكان يوسف في مصر وكان يعقوب في بعض بلاد الشام قريباً من مصر، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة مخفية.
السؤال الرابع: لم لم يبعث يوسف عليه السلام أحداً إلى يعقوب ويعلمه أنه في الحياة وفي السلامة ولا يقال: إنه كان يخاف إخوته لأنه بعد أن صار ملكاً قاهراً كان يمكنه إرسال الرسول إليه وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع الرسول.
والسؤال الخامس: كيف جاز ليوسف عليه السلام أن يضع الصاع في وعاء أخيه ثم يستخرجه منه ويلصق به تهمة السرقة مع أنه كان بريئاً عنها.
السؤال السادس: كيف رغب في إلصاق هذه التهمة به وفي حبسه عند نفسه مع أنه كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى.
والجواب عن الأول: أن مثل هذه المحنة الشديدة تزيل عن القلب كل ما سواه من الخواطر.
ثم إن صاحب هذه المحنة الشديدة يكون كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدعاء والتضرع فيصير ذلك سبباً لكمال الاستغراق.
والجواب عن الثاني: أن الداعي الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة فتارة كان يقول: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ وتارة كان يقول: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ وأما بقية الأسئلة فالقاضي أجاب عنها بجواب كلي حسن، فقال هذه الوقائع التي نقلت إلينا إما يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن فإن كان الأول فلا إشكال، وإن كان الثاني فنقول: كان ذلك الزمان زمان الأنبياء عليهم السلام وخرق العادة في هذا الزمان غير مستبعد، فلم يمتنع أن يقال: إن بلدة يعقوب عليه السلام مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه السلام، ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل نقض العادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ فتعرّفوا منهما وتطلبوا خبرهما.
وقرئ بالجيم، كما قرئ بهما في الحجرات، وهما تفعل من الإحساس وهو المعرفة ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر ﴾ [آل عمران: 52] ومن الجس، وهو الطلب.
ومنه قالوا لمشاعر الإنسان: الحواس، والجواس ﴿ مِن رَّوْحِ الله ﴾ من فرجه وتنفيسه.
وقرأ الحسن وقتادة: ﴿ من رُوح الله ﴾ ، بالضم: أي من رحمته التي يحيا بها العباد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي ﴾ هَمِّي الَّذِي لا أقْدِرُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ مِنَ البَثِّ بِمَعْنى النَّشْرِ.
﴿ إلى اللَّهِ ﴾ لا إلى أحَدٍ مِنكم ومِن غَيْرِكم، فَخَلُّونِي وشِكايَتِي.
﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ فَإنَّهُ لا يُخَيِّبُ داعِيَهُ ولا يَدْعُ المُلْتَجِئَ إلَيْهِ، أوْ مِنَ اللَّهِ بِنَوْعٍ مِنَ الإلْهامِ.
﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ.
قِيلَ رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَسَألَهُ عَنْهُ فَقالَ هو حَيٌّ.
وقِيلَ عَلِمَ مِن رُؤْيا يُوسُفَ أنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يَخِرَّ لَهُ إخْوَتُهُ سُجَّدًا.
﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ فَتَعَرَّفُوا مِنهُما وتَفَحَّصُوا عَنْ حالِهِما والتَّحَسُّسُ تَطَلُّبُ الإحْساسِ: ﴿ وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ ولا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ.
وقُرِئَ « مِن رُوحِ اللَّهِ» أيْ مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي يُحْيِي بِها العِبادَ.
﴿ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ فَإنَّ العارِفَ المُؤْمِنَ لا يَقْنَطُ مَن رَحْمَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.
<div class="verse-tafsir"
{يا بني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} فتعرفوا منهما وتطلبوا خبرهما وهو تفعل من الإحساس وهو المعرفة {ولا تيأسوا مِن رَّوْحِ الله} ولا تقنطوا من رحمة الله وفرجه {إِنَّهُ} إن الأمر والشأن {لاَ ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته وأما الكافر فلا يعرف رحمة الله ولا تقلبه في نعمته فييأس من رحمته فخرجوا من عند أبيهم راجعين إلى مصر
﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا ﴾ أيْ فَتَعَرَّفُوا وهو تَفَعَّلَ مِنَ الحِسِّ وهو في الأصْلِ الإدْراكُ بِالحاسَّةِ وكَذا أصْلُ التَّحَسُّسِ طَلَبُ الإحْساسِ واسْتِعْمالُهُ في التَّعَرُّفِ اسْتِعْمالٌ لَهُ في لازِمِ مَعْناهُ وقَرِيبٌ مِنهُ التَّجَسُّسُ بِالجِيمِ وقِيلَ: إنَّهُ بِهِ في الشَّرِّ وبِالحاءِ في الخَيْرِ ورُدَّ بِأنَّهُ قُرِئَ هُنا ( فَتَجَسَّسُوا ) بِالجِيمِ أيْضًا وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الجَسِّ مَسُّ العِرْقِ وتَعَرُّفُ نَبْضِهِ لِلْحُكْمِ بِهِ عَلى الصِّحَّةِ والمَرَضِ وهو أخَصُّ مِنَ الحِسِّ فَإنَّهُ تَعَرُّفُ ما يُدْرِكُهُ الحِسُّ والجَسُّ تَعَرُّفُ حالِ ما مِن ذَلِكَ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ أيْ مِن خَبَرِهِما ولَمْ يُذْكَرِ الثّالِثُ لِأنَّ غَيْبَتَهُ اخْتِيارِيَّةٌ لا يَعْسُرُ إزالَتُها وعَلى فَرْضِ ذَلِكَ الدّاعِيَةِ فِيهِمْ لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ لِكَوْنِهِ أخاهم قَوِيَّةً فَلا حاجَةَ لِأمْرِهِمْ بِذَلِكَ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وهو بِمَعْنى عَنْ بِناءٍ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ لا يُقالُ: تَحَسَّسْتُ مِن فُلانٍ وإنَّما يُقالُ: تَحَسَّسْتُ عَنْهُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى مَعْنى تَحَسُّوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ وأخِيهِ.
﴿ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ سُبْحانَهُ وتَنْفِيسِهِ وأصْلُ مَعْنى الرَّوْحِ بِالفَتْحِ كَما قالَ الرّاغِبُ التَّنَفُّسُ يُقالُ: أراحَ الإنْسانُ إذا تَنَفَّسَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْفَرَجِ كَما قِيلَ: لَهُ تَنْفِيسٌ مِنَ النَّفَسِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ( رُوحِ ) بِالضَّمِّ وفُسِّرَ بِالرَّحْمَةِ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِن مَعْناها المَعْرُوفِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ سَبَبُ الحَياةِ كالرُّوحِ وإضافَتُها إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّها مِنهُ سُبْحانَهُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ فَإنَّ كُلَّ مَن بَقِيَتْ رُوحُهُ يُرْجى ومِن هَذا قَوْلُهُ: وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعْ وقَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ وقَرَأ أُبَيٌّ ( مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ) وعَبْدُ اللَّهِ ( مِن فَضْلِ اللَّهِ ) وكِلاهُما عِنْدَ أبِي حَيّانَ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ وقُرِئَ ( تَأْيَسُوا ) وقَرَأ الأعْرَجُ ( تِيئَسُوا ) بِكَسْرِ التّاءِ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلى ما قِيلَ إرْشادٌ لَهم إلى بَعْضِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: ﴿ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَّرَهم عَنْ تَرْكِ العَمَلِ بِمُوجِبِ نَهْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ .
(87) .
لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَإنَّ العارِفَ لا يَقْنَطُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ تَأْكِيدًا لِما يَعْلَمُونَهُ مِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَيْرٍ يَرْجُوهُ فِي البَلاءِ ويَحْمَدُهُ في الرَّخاءِ.
وذَكَرَ الإمامُ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا اعْتَقَدَ الإنْسانُ أنَّ الإلَهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الكَمالِ أوْ غَيْرُ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ أوْ لَيَسَ بِكَرِيمٍ واعْتِقادُ كُلٍّ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ يُوجِبُ الكُفْرَ فَإذا كانَ اليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِها وكُلٌّ مِنها كُفْرٌ ثَبَتَ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ كافِرًا واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى أنَّ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ وادَّعى أنَّها ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ.
وقالَ الشِّهابُ: لَيْسَ فِيها دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ بَلْ هو ثابِتٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ اليَأْسَ كَبِيرَةٌ ومَفادُ الآيَةِ أنَّهُ مِن صِفاتِ الكُفّارِ لا أنَّ مَنِ ارْتَكَبَهُ كانَ كافِرًا بِارْتِكابِهِ وكَوْنُهُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِ المُكَفِّراتِ الَّتِي ذَكَرَها الإمامُ مَعَ كَوْنِهِ في حَيِّزِ المَنعِ لِجَوازِ أنْ يَيْأسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مَعَ إيمانِهِ بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ تَعالى وشُمُولِ عِلْمِهِ وعِظَمِ كَرَمِهِ جَلَّ وعَلا لِمُجَرَّدِ اسْتِعْظامِ ذَنْبِهِ مَثَلًا واعْتِقادِهِ عَدَمَ أهْلِيَّتِهِ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ لَهُ أدْنى ذَرَّةٍ مِن تِلْكَ الِاعْتِقاداتِ السَّيِّئَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ لا يَسْتَدْعِي أكْثَرَ مِنَ اقْتِضائِهِ سابِقِيَّةِ الكُفْرِ دُونَ كَوْنِ ارْتِكابِهِ نَفْسِهِ كُفْرًا كَذا قِيلَ وقِيلَ: الأوْلى التِزامُ القَوْلِ بِأنَّ اليَأْسَ قَدْ يُجامِعُ الإيمانَ وأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِأحَدِ الِاعْتِقاداتِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبَيِّنٍ.
نَعَمْ كَوْنُهُ كَبِيرَةً مِمّا لا شَكَّ فِيهِ بَلْ جاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ وكَذا القُنُوطُ وسُوءُ الظَّنِّ وفَرَّقُوا بَيْنَها بِأنَّ اليَأْسَ عَدَمُ أمَلِ وُقُوعِ شَيْءٍ مِن أنْواعِ الرَّحْمَةِ لَهُ والقُنُوطُ هو ذاكَ مَعَ انْضِمامِ حالَةٍ هي أشَدُّ مِنهُ في التَّصْمِيمِ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ وسُوءُ الظَّنِّ هو ذاكَ مَعَ انْضِمامِ أنَّهُ مَعَ عَدَمِ رَحْمَتِهِ لَهُ يُشَدَّدُ لَهُ العَذابُ كالكُفّارِ وذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ في بَعْضِ رَسائِلِهِ ما بِهِ يَرْجِعُ الخِلافُ بَيْنَ مَن قالَ: إنَّ اليَأْسَ كُفْرٌ ومَن قالَ: إنَّهُ كَبِيرَةٌ لَفْظِيًّا فَقالَ: قَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ مِنَ الكَبائِرِ الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى واليَأْسُ مِن رَحْمَتِهِ وفي العَقائِدِ واليَأْسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ فَيَحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ والجَوابُ أنَّ المُرادَ بِاليَأْسِ إنْكارُ سِعَةِ الرَّحْمَةِ لِلذُّنُوبِ ومِنَ الأمْنِ الِاعْتِقادُ أنْ لا مَكْرَ ومُرادُ الفُقَهاءِ مِنَ اليَأْسِ اليَأْسُ لِاسْتِعْظامِ ذُنُوبِهِ واسْتِبْعادُ العَفْوِ عَنْها ومِنَ الأمْنِ الأمْنُ لِغَلَبَةِ الرَّجاءِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ دَخَلَ في حَدِّ الأمْنِ ثُمَّ قالَ والأوْفَقُ بِالسُّنَّةِ طَرِيقُ الفُقَهاءِ لِحَدِيثِ الدّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا حَيْثُ عَدَّها مِنَ الكَبائِرِ وعَطَفَها عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ تَعالى.
اهَـ.
وهو تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ فَلْيُفْهَمْ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ يعني: أن بنيه قالوا ليعقوب: لا تزال تذكر يوسف حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أي: دنفاً من الوجع.
ويقال: حتى تبلى وتهرم.
وقال القتبي: لا تحذف من الكلام، ويراد به إثباتها، لقوله تَفْتَؤُا أي: لا تفتأ، أي لا تزال تذكر يوسف كقوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات: 2] أي: لكيلا تحبط أعمالكم حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً.
وقال الربيع بن أنس: حتى تكون بالياً، يابس الجلد، وقال محمد بن إسحاق: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً يعني: لا عقل لك أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ يعني: من الميتين.
وقال مجاهد: الحرض ما دون الموت، والهالك الميت الَ يعقوب نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي يعني: همي وغمي لَى اللَّهِ لما رأى من فظاظتهم، وسوء لفظهم، ولا أشكو ذلك إليكم.
وقال القتبي: البث أشد الحزن، إنما سمي الحزن البث، لأن صاحبه لا يصبر عليه، حتى يبثه أي: يفشوه.
ثم قال: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أن يوسف حي، وليس بميت.
وإنما كان يعلم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف، حين رأى في المنام أحد عشر كوكباً، أن ذلك سيكون.
ويقال: إن يعقوب رأى ملك الموت في المنام، وسأله: هل قبضت روح قرة عيني يوسف؟
قال: لا، ولكن هو في الدنيا حي، فلذلك قال: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
ثم قال تعالى: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ يعني: انطلقوا إلى مصر، فاطلبوا خبر يوسف وَأَخِيهِ قالوا له: أما بنيامين فلا نترك الجهد في أمره، وأما يوسف فإنه ميت، وإنا لا نطلب الأموات.
فقال لهم يعقوب: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ يعني: لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ يعني: الجاحدين لنعمة الله.
<div class="verse-tafsir"
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)
وقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا الآية: المعنى: تالله لا تفتأ فتحذف «لا» في هذا الموضع من القَسمِ لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل]
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً ...
وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي «١»
ومنه قول الآخر: [البسيط] تَاللَّهِ يبقى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حيد...............
.........
«٢»
أراد: لا أبْرَحُ، ولاَ يَبْقَى، و «فَتِىءَ» : بمنزلة زَالَ وبَرَحَ في المعنَى والعملِ تقول:
واللَّهِ، لا فَتِئْتَ قَاعِداً كما تقول: لاَ زلت ولا برحت، وعبارة الداوديّ: وعن ابن عباس: تَفْتَأُ أي: لا تزالُ تَذْكُرُ يوسُفَ، حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً «١» .
انتهى، والحَرَضُ:
الذي قد نهاه الهَرَمُ أو الحُبُّ أو الحُزْنُ إِلى حالِ فَسادِ الأَعضاء وَالبَدَنِ والحسِّ، يقال:
رجلٌ حَارِضٌ، أي: ذو همٍّ وحزنٍ ومنه قول الشاعر: [البسيط]
إِنِّي امرؤ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي ...
حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ «٢»
والحَرِضُ بالجملة الذي فَسَدَ ودنا موته، قال مجاهد: الحَرَضُ: ما دون الموت «٣» وفي حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمْرَضُ حَتَّى يُحْرِضَهُ المَرَضُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ» «٤» انتهى من «رقائق ابن المبارك» .
ثم أجابهم يعقوبُ عليه السلام بقوله: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
: أي: إِني لست ممَّن يَجْزَعُ ويَضْجَرُ، وإِنما أَشكو إِلى اللَّه، والبَثُّ: ما في صَدْرِ الإِنسان مما هو مُعْتَزِمٌ أَنْ يبثه وينشره.
وقال أبو عبيدة وغيره: البثّ: أشدّ الحزن «٥» قال الداوديّ عن ابن جُبَيْر، قال: مَنْ بَثَّ، فلم يصبر، ثم قرأ: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
.
انتهى.
وقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ...
الآية: «الرَّوْحُ» : الرحمة، ثم جعل اليأْسَ مِنْ رحمة اللَّه وتفريجه مِنْ صفة الكافرين إِذ فيه إِما التكذيبُ بالرُّبوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى، / والبضاعة: القِطْعة من المال يُقْصَدُ بها شراءُ شَيْءٍ، ولزمها عُرْفُ الفقْهِ فيما لا حَظَّ لحاملها من الربْحِ، وال مُزْجاةٍ: معناها: المدفوعَةُ المتحيَّل لها،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: واللَّهِ، وجَوابُ هَذا القَسَمِ " لا " المُضْمَرَةُ الَّتِي تَأْوِيلُها: تاللَّهِ لا تَفْتَأُ، فَلَمّا كانَ مَوْضِعُها مَعْلُومًا خَفَّفَ الكَلامَ بِسُقُوطِها مِن ظاهِرِهِ، كَما تَقُولُ العَرَب: واللَّهِ أقْصِدُكَ أبَدًا، يَعْنُونَ: لا أقْصِدُكَ، قالَ امْرُؤ القَيْسِ: فَقُلْت يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي يُرِيدُ: لا أبْرَحُ، وقالَتِ الخَنْساءُ: فَأقْسَمْتُ آسى عَلى هالِكٍ ∗∗∗ أوْ أسْألُ نائِحَةً مالَها أرادَتْ: لا آسى، وقالَ الآخَرُ: لَمْ يَشْعُرِ النَّعْشُ ما عَلَيْهِ مِنَ الـ ∗∗∗ ـعُرْفِ ولا الحامِلُونَ ما حَمَلُوا ∗∗∗ تاللَّهِ أنْسى مُصِيبَتِي أبَدًا ∗∗∗ ما أسْمَعَتْنِي حَنِينَها الإبِلُ وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: " قالُوا بِاللَّهِ " بِالباءِ، وكَذَلِكَ كَلُّ قَسَمٍ في القُرْآنِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ تَفْتَأُ ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى " تَفْتَأُ " تَزالُ، فَمَعْنى الكَلامِ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ وَأنْشَدَ ابْنُ القاسِمِ: فَما فَتِئَتْ مِنّا رِعالٌ كَأنَّها ∗∗∗ رِعالُ القَطا حَتّى احْتَوَيْنَ بَنِي صَخْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدَّنِفُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أحْرَضَهُ الحُزْنُ، أيْ: أدْنَفَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَرْضُ: الَّذِي قَدْ أذابَهُ الحُزْنُ أوِ الحُبُّ، وهي في مَوْضِعِ مُحْرَضٍ.
وأنْشَدَ: إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ أيْ: أذابَنِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَضُ: الفاسِدُ في جِسْمِهِ، والمَعْنى: حَتّى تَكُونَ مُدْنَفًا مَرِيضًا.
والثّانِي: أنَّهُ الذّاهِبُ العَقْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفاسِدُ العَقْلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ يَكُونُ الحَرَضُ: الفاسِدُ في أخْلاقِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الفاسِدُ في جِسْمِهِ وعَقْلِهِ، يُقالُ: رَجُلٌ حارِضٌ وحَرَضٌ، فَحارِضٌ يُثَنَّي ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ، وحَرَضٌ لا يُجْمَعُ ولا يُثَنّى، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والرّابِع: أنَّهُ الهَرَمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ ﴾ يَعْنُونَ المَوْتى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَلَفُوا عَلى شَيْءٍ يَجُوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ ؟
فالجَوابُ: أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، تَقْدِيرُهُ: إنَّ هَذا في تَقْدِيرِنا وظَنِّنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أشْكُو بَثِّي ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَثُّ: أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ صاحِبَهُ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتّى يَبُثَّهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ المَعْنى: إنِّي لا أشْكُو إلَيْكم، وذَلِكَ لَمّا عَنَّفُوهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
ورَوى الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أنَس ِبْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «كانَ لِيَعْقُوبَ أخٌ مُؤاخٍ، فَقالَ لَهُ ذاتَ يَوْمٍ: يا يَعْقُوبُ، ما الَّذِي أذْهَبَ بَصَرَكَ ؟
وما الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرَكَ ؟
قالَ: أمّا الَّذِي أذْهَبَ بَصَرِي، فالبُكاءُ عَلى يُوسُفَ، وأمّا الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرِي، فالحُزْنُ عَلى بِنْيامِينَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا يَعْقُوبُ إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: أما تَسْتَحِي أنْ تَشْكُوَ إلى غَيْرِي ؟
فَقالَ: إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَشْكُو، ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ: أيْ رَبِّ، أما تَرْحَمُ الشَّيْخَ الكَبِيرَ ؟
أذْهَبْتَ بَصَرِي، وقَوَّسْتَ ظَهْرِي، فارْدُدْ عَلَيَّ رَيْحانِي أشُمُّهُ شَمَّةً قَبْلَ المَوْتِ، ثُمَّ اصْنَعْ بِي يا رَبِّ ما شِئْتَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا يَعْقُوبُ، إنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ ويَقُولُ: أبْشِرْ، فَوَعِزَّتِي لَوْ كانا مَيِّتَيْنِ لَنَشْرْتُهُما لَكَ، اصْنَعْ طَعامًا لِلْمَساكِينِ، فَإنْ أحَبَّ عِبادِي إلَيَّ المَساكِينُ، وتَدْرِي لِمَ أذْهَبْتُ بَصَرَكَ، وقَوَّسْتُ ظَهْرَكَ، وصَنَعَ إخْوَةُ يُوسُفَ بِيُوسُفَ ما صَنَعُوا، لِأنَّكم ذَبَحْتُمْ شاةً، فَأتاكم فُلانٌ المِسْكِينُ وهو صائِمٌ، فَلَمْ تُطْعِمُوهُ مِنها.
فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أرادَ الغَداءَ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: ألا مَن أرادَ الغَداءَ مِنَ المَساكِينِ فَلْيَتَغَدَّ مَعَ يَعْقُوبَ، وإذا كانَ صائِمًا، أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: مَن كانَ صائِمًا فَلْيُفْطِرْ مَعَ يَعْقُوبَ» .
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى يَعْقُوبَ: أتُدْرِي لِمَ عاقَبْتُكَ وحَبَسْتُ عَنْكَ يُوسُفُ ثَمانِينَ سَنَةً ؟
قالَ: لا، قالَ: لِأنَّكَ شَوَيْت عَناقًا وقَتَّرْتَ عَلى جارِكَ، وأكَلْتَ ولَمْ تُطْعِمْهُ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ ذَبَحَ عِجْلَ بَقَرَةٍ بَيْنَ يَدَيْها، وهي تَخُورُ فَلَمْ يَرْحَمْها.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَبَرَ يُوسُفُ عَنْ أبِيهِ بَعْدَ أنْ صارَ مَلِكًا ؟
فَقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ ثَلاثَةَ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهو الأظْهَرُ.
والثّانِي: لِئَلّا يَظُنُّ المَلِكُ بِتَعْجِيلِ اسْتِدْعائِهِ أهْلَهُ، شِدَّةَ فاقَتِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أحَبَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ أنْ يُدَرِّجَ نَفْسَهُ إلى كَمالِ السُّرُورِ.
والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، لِيَرْفَعَ دَرَجَةَ يَعْقُوبَ بِالصَّبْرِ عَلى البَلاءِ.
وكانَ يُوسُفُ يُلاقِي مِنَ الحُزْنِ لِأجْلِ حُزْنِ أبِيهِ عَظِيمًا، ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ سَبَبِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنّا سَنَسْجُدُ لَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أعْلَمُ مِن سَلامَةِ يُوسُفَ ما لا تَعْلَمُونَ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: وذَلِكَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ أتاهُ، فَقالَ لَهُ يَعْقُوبُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ ابْنِي يُوسُف ؟
قالَ: لا.
والثّالِثُ: أعْلَمُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ مالا تَعْلَمُونَ، قالَهُ عَطاءٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ بَنُوهُ بِسِيرَةِ العَزِيزِ، طَمِعَ أنْ يَكُونَ هو يُوسُفَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ قالَ لَهُمُ: ﴿ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا ﴾ .
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا قالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: ما قَبَضْتُ رُوحَ يُوسُفَ، تَباشَرَ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أصْبَحَ، فَقالَ لِبَنِيهِ: ﴿ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " تَحَسَّسُوا " أيْ: تَخَبَّرُوا والتَمِسُوا في المَظانِّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ مِن يُوسُفَ ﴾ والغالِبُ أنْ يُقالَ: تَحَسَّسْتُ عَنْ كَذا ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: عَنْ يُوسُفَ، ولَكِنْ نابَتْ عَنْها " مِن " كَما تَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنِي فُلانٌ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّ " مِن " أُوثِرَتْ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: تَحَسَّسُوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والثّانِي: مِن فَرَجِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: مِن تَوْسِعَةِ اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ القاسِمِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ: الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ.
وقالَ أهْلُ المَعانِي: لا تَيْأسُوا مِن الرَّوْحِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ اللَّهُ، " إنَّهُ لا يَيْأسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ " لِأنَّ المُؤْمِنَ يَرْجُو اللَّهَ في الشَّدائِدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللهِ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ المَعْنى: اذْهَبُوا إلى الأرْضِ الَّتِي جِئْتُمْ مِنها وتَرَكْتُمْ أخَوَيْكم بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ.
"فَتَحَسَّسُوا"، أيِ: اسْتَقْصُوا وتَفَرَّقُوا، والتَحَسُّسُ: طَلَبُ الشَيْءِ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَرِّ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في الخَيْرِ هَذِهِ الآيَةُ، وفي الشَرِّ نَهْيُ النَبِيِّ في قَوْلِهِ: « "وَلا تَحَسَّسُوا".» وَقَوْلُهُ: ﴿ مِن يُوسُفَ ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَعْمَلُ فِيهِ "تَحَسَّسُوا"، التَقْدِيرُ: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً أو حَقِيقَةً مِن أمْرِ يُوسُفَ، لَكِنْ يُحْذَفُ ما يَدُلُّ ظاهِرُ القَوْلِ عَلَيْهِ إيجازًا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَيْأسُوا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأيَسُوا" عَلى ما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تِئَسُوا" بِكَسْرِ التاءِ، وخُصَّ يُوسُفُ وبِنْيامِينُ بِالذِكْرِ لِأنَّ رُوبِيلَ إنَّما بَقِيَ مُخْتارًا، وهَذانِ قَدْ مُنِعا الأوبَةَ.
والرَوْحُ: الرَحْمَةُ، ثُمَّ جَعَلَ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللهِ وتَفْرِيجِهِ مِن صِفَةِ الكافِرِينَ، إذْ فِيهِ: إمّا التَكْذِيبُ بِالرُبُوبِيَّةِ، وإمّا الجَهْلُ بِصِفاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "مِن رُوحِ اللهِ" بِضَمِّ الراءِ، وكَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ فَيُرْجى"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وفي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ ومِن هَذا قَوْلُ عُبَيْدٍ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ∗∗∗ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ ويَظْهَرُ مِن حَدِيثِ الَّذِي قالَ: « (إذا مِتُّ فاحْرُقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي في البَحْرِ والبَرِّ في يَوْمِ راحٍ، فَلَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ فَلْيُعَذِّبْنِي عَذابًا ما عَذَّبَهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ):» إنَّهُ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ النَبِيِّ في آخِرِ الحَدِيثِ: « "فَغَفَرَ اللهُ لَهُ"» يَقْتَضِي أنَّهُ ماتَ مُؤْمِنًا إذْ لا يَغْفِرُ اللهُ لِكافِرٍ، فَبَقِيَ أنْ يُتَأوَّلَ الحَدِيثُ، إمّا عَلى أنْ (قَدَرَ) بِمَعْنى: ضَيَّقَ وناقَشَ الحِسابَ، فَذَلِكَ مَعْنًى بَيِّنٌ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ "القُدْرَةِ"، ويَكُونُ خَطَؤُهُ في أنْ ظَنَّ في أنَّ الِاجْتِماعَ بَعْدَ السَحْقِ والتَذْرِيَةِ مُحالٌ لا يُوصَفُ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَغَلِطَ في أنْ جَعَلَ الجائِزَ مُحالًا، ولا يَلْزَمُهُ بِهَذا كُفْرٌ.
قالَ النَقّاشَ: وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن فَضْلِ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن رَحْمَةِ اللهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ الآيَةَ، في هَذا المَوْضِعِ اخْتِصارُ مَحْذُوفاتٍ يُعْطِيها الظاهِرُ، وهي أنَّهم نَفَذُوا مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ ووَصَلُوها، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى يُوسُفَ.
و"الضُرُّ" أرادُوا بِهِ المَسْغَبَةُ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها وأمْرُ أخِيهِمُ الَّذِي أهَمَّ أباهم وغَمَّ جَمِيعَهُمْ، و"البِضاعَةُ": القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ، ولَزِمَها عُرْفُ الفِقْهِ فِيما لا حَظَّ لِحامِلِها مِنَ الرِبْحِ، و"المُزْجاةُ" مَعْناها: المَدْفُوعَةُ المُتَحَيَّلُ لَها، ومِنهُ: إزْجاءُ السَحابِ، ومِنهُ إزْجاءُ الإبِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ: عَلى زَواحِفَ تُزْجى مُخُّها رِيرُ وكَما قالَ النابِغَةُ: وهَبَّتِ الرِيحُ مِن تِلْقاءِ ذِي أُرُلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ مِن صُرّادِها صِرَما وَقالَ الأعْشى: الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها وقالَ الآخَرُ: وحاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِنَ الحاجِ وقالَ حاتِمٌ: لِيَبْكِ عَلى مِلْحانِ ضَيْفٌ مُدَّفَعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ أرْمَلا فَجُمْلَةُ هَذا أنَّ مَن يَسُوقُ شَيْئًا ويَتَلَطَّفُ في تَسْيِيرِهِ فَقَدْ أزْجاهُ، فَإذا كانَتِ الدَراهِمُ المَدْفُوعَةُ نازِلَةَ القَدْرِ تَحْتاجُ أنْ يُعْتَذَرَ مَعَها ويُشْفَعَ لَها فَهي مُزْجاةٌ، فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ زُيُوفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ قَلِيلَةً، وقِيلَ: كانَتْ ناقِصَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم عُرُوضًا فَلِذَلِكَ قالُوا هَذا، واخْتُلِفَ في تِلْكَ العُرُوضِ -ما كانَتْ؟
فَقِيلَ: كانَتِ السَمْنَ والصُوفَ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ قَدِيدَ وحْشٍ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتِ الصَنَوْبَرَ والحَبَّةَ الخَضْراءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "وَهِيَ الفُسْتُقُ": وقِيلَ: كانَتِ المُقْلَ، وقِيلَ: كانَتِ القُطْنَ، وقِيلَ: كانَتِ الحِبالَ والأعْدالَ والأقْتابَ.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللهُ قالَ: المُزْجاةُ: الجائِزَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا أعْرِفُ لِهَذا وجْهًا، والمَعْنى يَأْباهُ.
ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صُحِّفَ عَلى مالِكٍ، وأنَّ لَفْظَهُ بِالحاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وبِالراءِ، واسْتَنَدَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ إلى هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِنها ولَيْسَ بِنَصٍّ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ مَعْناهُ: بِما بَيْنَ الدَراهِمِ الجِيادِ وهَذِهِ المُزْجاةِ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: كانَتِ الصَدَقَةُ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ عَلى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ، وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ حَدِيثُ النَبِيِّ في قَوْلِهِ: « "نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا تَحِلُّ لَنا الصَدَقَةُ".» وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ الصَدَقَةُ عَلَيْهِمْ مُحَرَّمَةً ولَكِنْ قالُوا هَذا تَجَوُّزًا واسْتِعْطافًا مِنهم فِي المُبايَعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُساوِمُهُ في سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِن ثَمَنِها كَذا وخُذْ كَذا، فَلَمْ تَقْصِدْ أنْ يَهَبَكَ، وإنَّما حَسَّنْتَ لَهُ الِانْفِعالَ حَتّى يَرْجِعَ مَعَكَ إلى سَوْمِكَ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ أمْرَ أخِيهِمْ (يامِينَ)، أيْ: أوفِ لَنا الكَيْلَ في المُبايَعَةِ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِصَرْفِ أخِينا إلى أبِيهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ .
قالَ النَقّاشُ: يُقالُ: هو مِنَ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ولَوْ قالُوا: "إنَّ اللهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ في الآخِرَةِ" كَذَبُوا، فَقالُوا لَهُ لَفَظًا يُوهِمُهُ أنَّهم أرادُوهُ، وهم يَصِحُّ لَهم إخْراجُهُ مِنهُ بِالتَأْوِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال إلى حكاية حال يعقوب عليه السلام في انفراده عن أبنائه ومناجاته نفسه، فالتولي حاصل عقب المحاورة.
و ﴿ تولى ﴾ : انصرف، وهو انصراف غَضَب.
ولمّا كان التولّي يقتضي الاختلاء بنفسه ذكر من أخواله تجدد أسفه على يوسف عليه السلام فقال: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ والأسف؛ أشد الحزن، أسِف كحزن.
ونداء الأسف مجاز.
نزّل الأسف منزلة من يعقل فيقول له: احضر فهذا أوان حضورك، وأضاف الأسف إلى ضمير نفسه لأن هذا الأسف جزئي مختص به من بين جزئيات جنس الأسف.
والألف عوض عن ياء المتكلم فإنها في النداء تبدل ألفاً.
وإنما ذكر القرآن تحسّره على يوسف عليه السلام ولم يذكر تحسره على ابنيه الآخرين لأن ذلك التحسّر هو الذي يتعلق بهذه القصة فلا يقتضي ذكرُه أن يعقوب عليه السلام لم يتحسّر قط إلاّ على يوسف، مع أن الواو لا تفيد ترتيب الجمل المعطوفة بها.
وكذلك عطف جملة ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ إذ لم يكن ابيضاض عينيه إلا في مدة طويلة.
فكل من التولّي والتحسر واببيضاض العينين من أحواله إلاّ أنها مختلفة الأزمان.
وابيضاض العينين: ضعُف البصر.
وظاهره أنه تبدّل لون سوادهما من الهزال.
ولذلك عبّر ب ﴿ وابيضت عيناه ﴾ دون عميت عيناه.
و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من الحزن ﴾ سببية.
والحزن سبب البكاء الكثير الذي هو سبب ابيضاض العينين.
وعندي أن ابيضاض العينين كناية عن عدم الإبصار كما قال الحارث بن حلزة: قبل ما اليوم بيّضَتْ بعيون الن *** اس فيها تغيض وإباء وأن الحزن هو السبب لعدم الإبصار كما هو الظاهر.
فإن توالي إحساس الحزن على الدماغ قد أفضى إلى تعطيل عمل عصب الإبصار؛ على أن البكاء من الحزن أمر جبليّ فلا يستغرب صدوره من نبيء، أو أن التصبّر عند المصائب لم يكن من سنة الشريعة الإسرائيلية بل كان من سننهم إظهار الحَزن والجزع عند المصائب.
وقد حكت التوراة بكاء بني إسرائيل على موسى عليه السلام أربعين يوماً، وحَكت تمزيق بعض الأنبياء ثيابهم من الجزع.
وإنما التصبر في المصيبة كمال بلغت إليه الشريعة الإسلامية.
والكظيم: مبالغة للكاظم.
والكَظم: الإمساك النفساني، أي كاظم للحزن لا يظهره بين الناس، ويبكي في خلوته، أو هو فعيل بمعنى مفعول، أي محزون كقوله: {وهو مكظوم.
وجملة قالوا تالله } محاورة بنيه إياه عندما سمعوا قوله: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ وقد قالها في خلوته فسمعوها.
والتاء حرف قسم، وهي عوض عن واو القسم.
قال في «الكشاف» في سورة الأنبياء: «التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب».
وسلمه في «مغني اللبيب»، وفسره الطيبي بأن المقسم عليه بالتاء يكون نادر الوقوع لأن الشيء المتعجب منه لا يكثر وقوعه ومن ثم قل استعمال التاء إلا مع اسم الجلالة لأن القسم باسم الجلالة أقوى القسم.
وجواب القسم هو ﴿ تفتأ تذكر يوسف ﴾ باعتبار ما بعده من الغاية، لأن المقصود من هذا اليمين الإشفاق عليه بأنه صائر إلى الهلاك بسبب عدم تناسيه مصيبة يوسف عليه السلام وليس المقصود تحقيق أنه لا ينقطع عن تذكر يوسف.
وجواب القسم هنا فيه حرف النفي مقدر بقرينة عدم قرنه بنون التوكيد لأنه لو كان مثبتاً لوجب قرنه بنون التوكيد فحذف حرف النفي هنا.
ومعنى ﴿ تفتأ ﴾ تفتر.
يقال: فتئ من باب علم، إذا فتر عن الشيء.
والمعنى: لا تفتر في حال كونك تذكر يوسف.
ولملازمة النفي لهذا الفعل ولزوم حال يعقب فاعله صار شبيهاً بالأفعال الناقصة.
و ﴿ حرضاً ﴾ مصدر هو شِدة المرض المشفي على الهلاك، وهو وصف بالمصدر، أي حتى تكون حرضاً، أي بالِياً لا شعور لك.
ومقصودهم الإنكار عليه صداً له عن مداومة ذكر يوسف عليه السلام على لسانه لأن ذكره باللسان يفضي إلى دوام حضوره في ذهنه.
وفي جعلهم الغاية الحرض أو الهلاك تعريض بأنه يذكر أمراً لا طمع في تداركه، فأجابهم بأن ذكره يوسف عليه السلام موجه إلى الله دْعاءً بأن يردّه عليه.
فقوله: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ تعريض بدعاء الله أن يزيل أسفه بردّ يوسف عليه السلام إليه لأنه كان يعلم أن يوسف لم يهلك ولكنه بأرض غربة مجهولة، وعلم ذلك بوحي أو بفراسة صادقة وهي المسماة بالإلهام عند الصوفية.
فجملة ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ مفيدة قصر شكواه على التعلّق باسم الله، أي يشكو إلى الله لا إلى نفسه ليجدد الحزن، فصارت الشكوى بهذا القصد ضراعة وهي عبادة لأن الدعاء عبادة، وصار ابييضاض عينيه الناشئ عن التذكر الناشئ عن الشكوى أثراً جسدياً ناشئاً عن عبادة مثل تفطّر أقدام النبي صلى الله عليه وسلم من قيام الليل.
والبَثّ: الهمّ الشديد، وهو التفكير في الشيء المُسيء.
والحزن: الأسف على فائت.
فبينَ الهمّ والحزننِ العمومُ والخصوص الوجهي، وقد اجتمعا ليعقوب عليه السلام لأنه كان مهتماً بالتفكير في مصير يوسف عليه السلام وما يعترضه من الكرب في غربته وكان آسفاً على فراقه.
وقد أعقب كلامه بقوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ لينبّههم إلى قصور عقولهم عن إدراك المقاصد العَالية ليعلموا أنهم دون مرتبة أن يعلّموه أو يلوموه، أي أنا أعلم علماً من عند الله علّمنيه لا تعلمونه وهو علم النبوءة.
وقد تقدم نظير هذه الجملة في قصة نوح عليه السلام من سورة الأعراف فهي من كلام النبوءة الأولى.
وحكي مثلها عن شعيب عليه السلام في سورة الشعراء.
وفي هذا تعريض برد تعرضهم بأنه يطمع في المحال بأن ما يحسبونه محالاً سيقع.
ثم صرح لهم بشيء ممّا يعلمه وكاشفهم بما يحقق كذبهم ادعاء ائتكال الذئب يوسف عليه السلام حين أذنه الله بذلك عند تقدير انتهاء البلوى فقال: ﴿ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾ .
فجملة ﴿ يا بني اذهبوا ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن في قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ ما يثير في أنفسهم ترقب مكاشفته على كذبهم فإن صاحب الكيد كثير الظنون ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ [المنافقون: 4].
والتحسّس بالحاء المهملة: شدة التطلّب والتعرّف، وهو أعم من التجسس بالجيم فهو التطلّب مع اختفاء وتستر.
والرّوْح بفتح الراء: النفَس بفتح الفاء استعير لكشف الكرب لأن الكرب والهمّ يطلق عليهما الغَمّ وضيق النفَس وضيق الصدر، كذلك يطلق التنفس والتروح على ضد ذلك، ومنه استعارة قولهم: تنفس الصبح إذا زالت ظلمة الليل.
وفي خطابهم بوصف البُنوّة منه ترقيق لهم وتلطف ليكون أبعث على الامتثال.
وجملة إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } تعليل للنهي عن اليأس، فموقع ﴿ إنّ ﴾ التعليل.
والمعنى: لا تيأسوا من الظفر بيوسف عليه السلام معتلين بطول مدة البعد التي يبعد معها اللقاء عادة.
فإن الله إذا شاء تفريج كربة هيّأ لها أسبابها، ومن كان يؤمن بأن الله واسع القدرة لا يُحيل مثل ذلك فحقّه أن يأخذ في سببه ويعتمد على الله في تيسيره، وأما القوم الكافرون بالله فهم يقتصرون على الأمور الغالبة في العادة وينكرون غيرها.
وقرأ البزي بخُلف عنه ﴿ ولا تأْيَسُوا ﴾ و ﴿ إنه لا يَأيس ﴾ بتقديم الهمزة على الياء الثانية، وتقدم في قوله: ﴿ فلمّا استيأسوا منه ﴾ [سورة يوسف: 80].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ أيِ اسْتَعْلِمُوا وتَعَرَّفُوا، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: فَإنْ حَيِيتَ فَلا أحْسَسْكَ في بَلَدِي وإنْ مَرِضْتَ فَلا تَحْسِسْكَ عُوّادِي وَأصْلُهُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحِسِّ.
﴿ وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن فَرَجِ اللَّهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
والثّانِي: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي بِالنَّفْعِ.
وَإنَّما قالَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَنَبَّهَ عَلى يُوسُفَ بِرَدِّ البِضاعَةِ واحْتِباسِ أخِيهِ وإظْهارِ الكَرامَةِ ولِما حُكِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ مَلَكَ المَوْتِ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ؟
فَقالَ: لا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ وهَذا مِن ألْطَفِ تَرْفِيقٍ وأبْلَغِ اسْتِعْطافٍ.
وَفي قَصْدِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِأنْ يَرُدَّ أخاهم عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّانِي: تَوْفِيَةُ كَيْلِهِمْ والمُحاباةُ لَهم، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ وأصْلُ الإزْجاءِ السَّوْقُ بِالدَّفْعِ، وفِيهِ قَوْلُ الشّاعِرِ عَدِيِّ بْنِ الرِّقاعِ.
تُزْجِي أغَنَّ كَأنَّ إبْرَةَ رَوَقِهِ ∗∗∗ قَلَمٌ أصابَ مِنَ الدَّواةِ مِدادَها وَفِي بِضاعَتِهِمْ هَذِهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَتاعُ الأعْرابِ، صُوفٌ وسَمْنٌ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ.
الثّالِثُ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ وصَنَوْبَرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الرّابِعُ: سَوِيقُ المَقْلِ.
قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: خَلِقُ الحَبْلِ والغِرارَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَفي المُزْجاةِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الرَّدِيئَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الكاسِدَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: القَلِيلَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وهي الَّتِي لا تَبْلُغُ قَدْرَ الحاجَةِ ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ومُرْسِلٍ بِرَسُولٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ ∗∗∗ وحاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِنَ الحاجِ وَقالَ الكَلْبِيُّ: هي كَلِمَةٌ مِن لُغَةِ العَجَمِ، وقالَ الهَيْثَمِيُّ: مِن لُغَةِ القِبْطِ.
﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَيْلُ الَّذِي كانَ قَدْ كالَهُ لِأخِيهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: مِثْلُ كَيْلِهِمُ الأوَّلِ لِأنَّ بِضاعَتَهُمُ الثّانِيَةَ أقَلُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّدَقَةَ تَحْرُمُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ.
الثّانِي: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ: ولَمْ تَحْرُمِ الصَّدَقَةُ إلّا عَلى مُحَمَّدٍ وحْدَهُ.
الثّالِثُ: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِرَدِّ أخِينا إلَيْنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وكُرِهَ لِلرَّجُلِ أنْ يَقُولَ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ لِمَن يَبْتَغِي الثَّوابَ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ تَجَوَّزْ عَنّا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وابْنُ زَيْدٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ ؎ تَصَدَّقْ عَلَيْنا يا ابْنَ عَفّانَ واحْتَسِبْ ∗∗∗ وأْمُرْ عَلَيْنا الأشْعَرِيَّ لَيالِيا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن النصر بن عربي رضي الله عنه قال: بلغني أن يعقوب عليه السلام مكث أربعة وعشرين عاماً لا يدري أحي يوسف عليه السلام أم ميت، حتى تخلل له ملك الموت فقال له: من أنت؟
قال: أنا ملك الموت.
قال: فأنشدك بإله يعقوب، هل قبضت روح يوسف عليه السلام؟
قال: لا فعند ذلك قال: ﴿ يا بني، اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ﴾ فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا عليه لم يجدوا كلاماً أرق من كلام استقبلوه به.
﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ قال: من رحمة الله.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ قال: من فرج الله، يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ الآية، قال السدي (١) ﴿ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ ، (وقيل: (٢) (٣) قال أبو معاذ (٤) وقال أبو عبيد (٥) (٦) قال أبو بكر (٧) وقوله تعالى: ﴿ لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ﴾ قال الأصمعي (٨) (٩) وقيل في قوله تعالى: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ الواقعة: 89، الروح: الرحمة، وقال أهل اللغة (١٠) (١١) قال ابن عباس في رواية عطاء (١٢) ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ﴾ يريد من رحمة الله، وهو قول قتادة (١٣) (١٤) (١٥) وروى معمر عن قتادة (١٦) وقال ابن زيد (١٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ قال ابن عباس (١٨) (١) الثعلبي 7/ 105 ب، "زاد المسير" 4/ 275، البغوي 4/ 270، القرطبي 9/ 251.
(٢) الثعلبي 7/ 105، القرطبي 9/ 252.
(٣) ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).
(٤) "اللسان" (حسس) 1/ 872، تهذيب 1/ 818، وأبو معاذ هو الفضل بن خالد المروزي الباهلي مولاهم إمام نحوي لغوي مقرئ، توفي سنة 211 هـ، انظر: "معجم الأدباء" 16/ 214، و"غاية النهاية" 2/ 9، و"طبقات المفسرين" للداودى 2/ 32.
(٥) انظر: "غريب الحديث" 2/ 392.
(٦) الثعلبي 7/ 105ب، و"تنوير المقباس" ص 153.
(٧) "زاد المسير" 4/ 276.
(٨) "تهذيب اللغة" (روح) 2/ 1313.
(٩) "زاد المسير" 4/ 276.
(١٠) انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 454، و"اللسان" (روح) 3/ 1766، و"تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1313.
(١١) في (ب): (ما تركب).
(١٢) "زاد المسير" 4/ 276.
(١٣) الطبري 13/ 49، عبد الرزاق 2/ 328، ابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2195، أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 105 ب، القرطبي 9/ 252.
(١٤) الطبري 13/ 49، الثعلبي 7/ 105 ب، "زاد المسير" 4/ 276، القرطبي 9/ 252.
(١٥) "تنوير المقباس" ص 153، ويشهد لهذا المعنى قراءة أبي "من رحمة الله" البحر 5/ 339.
(١٦) الرازي 18/ 199، عبد الرازق 2/ 328.
(١٧) الطبري 13/ 49، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، والثعلبي 7/ 105 ب، و"زاد المسير" 4/ 276، والقرطبي 9/ 252، وابن أبي حاتم 7/ 2190 عن ابن إسحاق.
(١٨) الرازي 18/ 199.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يابني اذهبوا ﴾ يعني إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ أي تعرّفوا خبرهما، والتحسّس طلب الشيء بالحواس؛ السمع والبصر، وإنما لم يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك اختياراً منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحب إليه ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ﴾ أي من رحمة الله ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون ﴾ إنما جعل اليأس من صفة الكافر، لأن سببه تكذيب الربوبية أو جهلاً بصفات الله من قدرته وفضله ورحمته ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ أي على يوسف وقيل: هذا محذوف تقديره فرجعوا إلى مصر ﴿ الضر ﴾ يريدون به المجاعة أو الهم على إخوتهم ﴿ بِبِضَاعَةٍ مزجاة ﴾ يعنون الدراهم التي جاؤوا بها لشراء الطعام، والمزجاة القليلة، وقيل: الرديئة، وقيل: الناقصة، وقيل: إن بضاعتهم كانت عروضاً فلذلك قالوا هذا ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ قيل: يعنون بما بين الدراهم الجياد ودراهم من فوق وقيل: أوف لنا الكيل الذي هو حقنا وزدنا على حقنا، وسموا الزيادة صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: تصدق علينا برد أخينا إلينا ﴿ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين ﴾ قال النقاش: هو من المعاريض وذلك أنهم كانوا يعتقدون أنه كافر، لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين أهل مصر، فلو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظاً يوهم أنهم أرادوه وهم لم يريدوه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.
﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.
﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.
﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.
الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.
﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.
﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.
التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.
والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.
والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.
وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟
الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.
قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.
قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.
وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.
روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.
وعن رسول الله أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟
وجد سبعين ثكلى.
قال: فما كان له من الأجر؟
قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.
ونقل أن جبريل دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.
فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.
وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.
وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟
وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.
ومما يدل على أن يعقوب أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.
والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.
ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.
يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟
قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.
عن النبي : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.
وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.
﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.
وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.
قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.
والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.
فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.
فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.
وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا "أعوذ بك منك" .
ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.
يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.
فقال: الذي بي لكثرة غمومي.
فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟
فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.
فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.
وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.
واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟!
أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.
وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟
قال: لا يا نبي الله.
ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.
وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.
وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.
وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.
ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.
وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.
قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.
ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.
قال الكلبي.
هي من لغة العجم.
وقيل: لغة القبط.
والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.
قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.
وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.
وقيل: سويق المقل والأقط.
وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.
﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.
﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.
واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟
فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد .
وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.
وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.
كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.
فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.
أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.
فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.
وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".
وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.
وفيه تصديق لقوله : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.
وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.
وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.
ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.
ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.
وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.
﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.
ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.
قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.
وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".
والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.
قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.
واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.
سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.
وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.
وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.
وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.
وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.
ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.
وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.
يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.
فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.
عن رسول الله أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟
قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.
فقال : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .
قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.
وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.
وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.
روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.
عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.
وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.
﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.
قال أهل التحقيق: إن الله أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.
والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.
﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ .
وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.
قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.
﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.
والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟
فقال: هو ملك مصر.
قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟
قال: على دين الإسلام.
قال: الآن تمت النعمة.
ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.
قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.
وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.
وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.
وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.
فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.
روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.
وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.
فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.
واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟
قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.
فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟
قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.
ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.
قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.
وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.
قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.
وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.
وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.
﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟
وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله فمن أين جاز سجدة أبويه له؟
والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.
وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.
واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.
بأن الخرور قد يعني به المرور قال .
﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً ﴾ أي لم يمروا.
وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.
ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.
وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.
وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.
﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.
﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.
مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.
قال ابن الأنباري.
بدا موضع معروف هنالك.
روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.
قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.
وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.
﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.
﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.
يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!
قال: أمرني جبريل.
قال: أو ما تسأله؟
قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ قال: فهلا خفتني.
ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.
فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.
ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.
قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟
والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.
وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.
وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟
أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.
ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.
سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.
فما الفائدة في الطلب؟
الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.
وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.
وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.
قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.
وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.
ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.
ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.
وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.
ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.
وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.
ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.
فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.
وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ فليتذكر.
قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.
وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله أعلم بحقائق الأمور.
التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ بل أول ملامتي هو الله حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.
فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .
يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ ﴾ .
قيل: أيسوا عن أن يُرَدّ إليهم أخوهم.
﴿ خَلَصُواْ نَجِيّاً ﴾ .
قيل: خلوا من الناس وخلصوا منهم؛ يتناجون فيما بينهم في أمر أخيهم، أو في الانصراف إلى أبيهم، أو في المقام فيه.
﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ ﴾ .
قال أهل التأويل: كبيرهم في العقل ليس في السن؛ وهو فلان.
قال بعضهم: وهو يهوذا، وقال بعضهم: هو شمعون.
ولكن لا نعلم من كان قائل هذا لهم، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ سوى أن فيه: ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ إمَّا أن كان كبيرهم في العقل؛ أو كبيرهم في السن.
﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ ﴾ (ألم تعلموا) و(ألم تروا) حرفان يستعملان في أحد أمرين: في الأمر؛ أن اعلموا ذلك، أو في موضع التنبيه والتقرير؛ وهاهنا كأنه قال ذلك على التقرير والتنبيه؛ أي: قد علمتم ﴿ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ .
هذا يدل أن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ هو إلا أن يعمكم أمرٌ ويجمعكم؛ فتهلكون فيه جميعاً، وليس كما قال بعض أهل التأويل: إلا أن يجيء ما يمنعكم عن ردّه؛ أي: إلا أن تغلبوا فتعجزوا عن ردّه؛ لأنه قد جاء ما يمنعهم عن ردّه، ثم أبي أكبرهم الرجوع إلى أبيه؛ دل أن التأويل هو هذا، ومن يقول: إن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ إلا أن يجيء ما يمنعكم عن الردّ؛ استدل بقوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ فلو كان على ما يعمهم ويجمعهم، لم يكن ليأمرهم بالرجوع إلى أبيهم؛ دل أنه ما ذكر.
وأما أهل التأويل الأول يقولون: إن قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن إذا رجعتم إلى أبيكم؛ فقولوا: إن ابنك سرق وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه كما قلنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو رجعتم إليه؛ فقولوا كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ ﴾ .
أي: من قبل ما ضيعتم أمر أبيكم في يوسف؛ أو ضيعتم أمر الله ووعده في يوسف.
﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ ﴾ .
[هذا يحتمل وجهين: يحتمل حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه؛ إذا ظهر عنده عذرنا وصدقنا في أمره ابنه أو يأذن لي أبي] بالمنازعة في القتال مع الملك حتى أستنقذ أخي وأستخلصه منه.
﴿ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي ﴾ في الرجوع أيضاً أو في القتال معه.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ أو يحكم الله لي بإظهار عذرنا وصدقنا عند أبينا.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ في إظهار العذر؛ لأنه إذا حكم بإظهار العذر ظهر ذلك في الخلق جميعاً، ولا كذلك حكم غيره؛ لأن كل من يحكم بحكم؛ يجوز إنما يحكم بحكم؛ هو حكم الله؛ فهو خير الحاكمين وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ لأن من رحم من الخلق؛ إنما يرحم برحمته؛ فهو أرحم الراحمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ .
يحتمل على الأمر؛ على ما هو [في] الظاهر.
ويحتمل ما ذكرنا؛ أي: لو رجعتم إليه؛ فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق يشبه أن يكون هذا منه تعريضاً في التخطئة؛ على ما كان يؤثره على غيره من الأولاد؛ أي الذي كنت تؤثره علينا بالمحبة وميل القلب إليه - قد سرق، ويشبه أن يكون ليس على التعريض؛ ولكن على الإخبار؛ على ما ظهر عندهم من ظاهر الأمر.
﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ بما أخرج المتاع من وعائه.
﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ .
هذا على التأويل الذي قيل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ أي: يعمكم ويجمعكم؛ أي: ما كنا نعلم - وقت إعطاء العهد والميثاق - أنه يسرق؛ وإلا لم نعطك العهد على ذلك.
ويحتمل: ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ وقت ما أخرج المتاع من وعائه؛ واتهم أنه سرق، أو لم يسرق، أو هو وضع الصاع في رحله، أو غيره وضع أي: ما كنا نعلم في الابتداء أن الأمر يرجع إلى هذا؛ وإلا لم نخرجه معنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ .
أي لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه على ما نقول.
﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ على ذلك؛ على ما ظهر لنا؛ من استخراج الإناء من وعائه والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ .
فإن قيل: كيف قال لهم: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ وجعل ما أخبروه من تسويل أنفسهم وتزيينها؛ ولم يخالفوه فيما أمرهم في أمر بنيامين، ولا تركوا شيئاً مما أمرهم به؛ وليس هذا كالأول؛ الذي قال لهم في أمر يوسف: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً...
﴾ الآية؛ لأنه قد كان منهم خلاف لما أمرهم به؛ والسعي على إهلاكه، فكان ما ذكر من تسويل أنفسهم وتزيينها في موضع التسويل والتزيين، وأمَّا هاهنا فلم يأت منهم إليه خلاف، ولا ترك لأمره؛ فكيف قال: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ لكن يشبه أن يكون قال ذلك؛ لأنهم لما اتّهموا جميعاً بالسرقة؛ فقيل: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ قالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ قطعوا فيه القول؛ أنهم لم يكونوا سارقين، وهو كان فيهم؛ فكيف قطعتم فيه القول بالسرقة ﴿ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ ولكن سولت لكم أنفسكم أمراً من البغض والعداوة؛ من الإيثار له وليوسف عليهم؛ والميل إليهما دونهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ والله أعلم.
فسولت لكم أنفسكم ببغضكم وعداوتكم حتى تركتم التفحص عن حاله وأمره، أن لا كل من وجد في رحله شيء يكون هو واضع ذلك الشيء؛ بل قد يضع غيره فيه؛ على غير علم منه.
وقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ .
قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .
قال أهل التأويل: قال: ﴿ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ ؛ لأنهم صاروا جماعة؛ يوسف وبنيامين أخوه، ويهوذا وشمعون قد تخلفا لسبب حبس يوسف أخاه، أو يوسف وأخوه.
وقال بعض أهل التأويل: إن جبريل أتى يعقوب على أحسن صورة؛ فسأله عن يوسف؛ أفي الأحياء أم في الأموات؟
فقال: بل هو في الأحياء؛ فقال عند ذلك: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .
أو علم يعقوب أن يوسف في الأحياء، وأنه غير هالك؛ لما رأى يوسف؛ من الرؤيا؛ من سجود الكواكب والشمس والقمر له؛ علم أنه في الأحياء، وأنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه، وغير ذلك من الدلائل، لكنه كان لا يعلم أين هو؟
فقال ذلك ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .
أي أعرض عنهم وعاتبهم؛ حين أخبروه أن ابنه سرق.
وقال: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .
قيل: يا حزنا على يوسف، وقيل يا جزعا.
وقال القتبي: الأسف أشد الحسرة؛ وأصله: أن الأسف كأنه النهاية في الحزن: أن الحزين إذا بلغ غايته ونهايته؛ يقال: أسف.
وهو النهاية في الغضب أيضاً.
كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ﴾ أي: لما أغضبونا ﴿ ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وقوله : ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .
يحتمل أن يكون لا على إظهار القول باللسان؛ ولكن إخبار عما في ضميره، وذلك جائز؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ ﴾ أخبر عما في قلوبهم؛ لا أن قالوا ذلك باللسان.
ويحتمل القول به على غير قصد منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
الكظم: هو كف النفس عن الجزع؛ وترديد الحزن في الجوف على غير إظهار في أفعاله، والجزع هو ما يظهر في أفعاله؛ والذي يهيج الحزن هو الذي يهيج الغضب، إلا أن الحزن يكون على من فوقه؛ والغضب على من تحت يده، وسبب هيجانهما واحد، أو أن يكون الكظيم: هو الذي يمسك الحزن في قلبه والغم، كأنه هو الذي يستر ويغطي القلب؛ إذا حل به، والهم: هو ما يبعث على القصد من الهم به.
والحزن: هو على ما يؤثر التغيير في الخلقة؛ ولا يظهر في الأفعال [والجزع يظهر في الأفعال] ولا يغير الخلقة عن حالها، لذلك عمل في ضعف نفس يعقوب، وعمل في إهلاك بعضه، حيث ذهبت عيناه وابيضت من الحزن، والكظيم: ما ذكرنا؛ هو الذي يردد الحزن في جوفه ولا يظهر ويكفه عن الجزع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَاللهِ ﴾ .
هو يمينهم مكان: والله أو بالله، وكذلك قال إبراهيم: ﴿ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ .
أي لا تزال تذكر يوسف ولا تنسى ذكره؛ حتى تسلو؛ من حزنه، كأنهم دَعَوْه إلى السلوّ من حزنه؛ لأنه بالذكر يتجدد الحزن ويحدث، فقالوا له: لا تزال تذكر يوسف.
﴿ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً ﴾ .
قيل: دنفاً وقيل: ﴿ حَرَضاً ﴾ : هرماً؛ وأصل الحرض: الضعف.
﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ .
كذلك صار يعقوب ضعيفاً في بدنه من الحزن؛ وصار بعض بدنه من الهالكين؛ حيث ابيضت عيناه؛ وذهبتا من الحزن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .
قال القتبي: الحرض: الدنف، والبث: أشدّ الحزن؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يَبُثَّه؛ أي: يشكوه، وكذلك روي في الخبر: (مَنْ بَثَّ فلم يصبر)؛ أي: شكا، وما ذكر من الشكاية إلى الله ليس على إظهار ذلك باللسان؛ ولكن إمساك في القلب.
وقال الحسن: ﴿ أَشْكُو بَثِّي ﴾ أي: حاجتي وحزني إلى الله، ويشبه أن يكون البث والحزن واحداً ذكر على التكرار.
وقال بعضهم: الحرض: الذي قد ذهب عقله من الكبر.
﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ فتموت والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: أعلم من الله من تحقيق رؤيا يوسف؛ أنه كائن ما لا تعلمون: أنتم وأنا سنسجد له.
وقال ابن عباس - -: [قوله]: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه حي لم يمت وهو ما ذكر؛ أنه كان يعلم من الله ما لا يعلمون هم.
ويشبه أن يكون قوله: أعلم من الله؛ أي: أنتفع بعلمي ما لا تنتفعون أنتم، وأصله: أن إخوة يوسف لو علموا أن أمر يوسف يبلغ ما بلغ من الملك والعز - ما قصدوا قصد تغييبه عن والده، ولا سعوا فيه فيما سعوا من إفساد أمره، لكنهم لم يعلموا والله أعلم - أو علم من الله شيئاً لم يبين ما لا يعلمون هم؛ كقول إبراهيم [...]، وما ذكر أهل التأويل: أن يعقوب قال: كذا؛ من النياح على يوسف والجزع عليه؛ لا يحتمل ذلك؛ لأنه قال - حين أخبروه بذلك -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وما ذكروا هم منه ليس هو بصبر؛ فضلا أن يكون جميلا.
وقوله: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .
قال أهل التأويل: تحسسوا: اطلبوه واستخبروا عنه وعن أخيه، لكن غير هذا كأنه أقرب؛ وهو من وقوع الحس عليه؛ كأنه قال: اذهبوا فانظروا إليه وإلى أخيه؛ لأنهم إن لم يكونوا يعلمون أن يوسف أين هو - فلقد كانوا يعلمون من حال أخيه بنيامين أنه أين هو؛ فلو كان على الطلب والبحث والاستخبار؛ على ما قاله أهل التأويل؛ إن احتمل في يوسف فذلك لا يحتمل في أخيه؛ إذ هم كانوا يعلمون مكانه وأين هو؛ وإن كانوا لا يعلمون مكان يوسف ولا أين هو، وهو إنما أمرهم أن يتحسسوا عنهما جميعاً؛ فدل - والله أعلم - أنه من وقوع الحسّ والبصر عليهما؛ لا من البحث والطلب - والله أعلم - فكأنه علم بالوحي أنه هنالك وأخوه معه، لكنه لم يخبر بنيه أنه هنالك؛ لما علم أنهم يتكاسلون ويتثاقلون عن الذهاب إليه؛ فإنما أمرهم بذلك أمر تعريض لا أمر تصريح.
أو أن يكون قوله: ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ ﴾ على الإضمار؛ أي: تحسسوا من يوسف واسألوا منه ردَّ أخيه؛ لما علم أن أخاه يكون معه.
وقال عامة أهل التأويل: إنما قال لهم هذا؛ وعلم أنه في الأحياء؛ لأنه رأى ملك الموت؛ فقال له: هل قبضت روح يوسف مما قبضت من الأرواح؟
قال: لا.
وقال بعضهم: رأى في المنام ملك الموت؛ فقال له ما ذكرنا؛ فعند ذلك قال هذا القول.
لكنا نقول: إنه كان عالماً بأنه في الأحياء؛ ليس بهالك؛ لما رأى من الرؤيا وغيره؛ فعلم أنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه على الصدق والحق، لكنه لم يكن يعلم أنه أين هو من قبل، ثم علم من بعدُ بالوحي عن مكانه وحاله؛ فأمر بنيه أن يأتوه؛ فينظروا إليه وإلى أخيه.
وأصل هذا: أن ما حَلّ بيعقوب - من فوت يوسف وغيبته عنه - محنة امتحنه ربه، وبلية ابتلاه بها؛ يبتلى بذلك؛ حسرة عليه؛ ألا ترى أن يوسف لو أراد أن يُعْلِم أباه يعقوب عن مكانه وحاله؛ لقدر عليه؛ لأنه كان يعلم بمكان أبيه، وأن يعقوب لا يعلم بمكان يوسف؛ فلم يعلمه إلا بعد الأمر بالإعلام.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: من رحمة الله.
﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .
أخبر أنه لا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ لأن مَنْ آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته فلا ييئس من رحمته، وأمّا الكافر؛ فإنه لا يعلم رحمة الله ولا تقلبه في رحمته؛ فييئس من رحمته.
فنهاهم عن الإياس؛ لما كان عندهم أنه هالك؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ ﴾ لما قال لهم: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ وأخوه كان محبوساً بالسرقة؛ والمحبوس لا يرد في حكمهم.
أو يقول: نهاهم؛ وإن لم يكونوا آيسين؛ ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ خبر عن الله؛ أخبر أنه لا ييئس من [رحمة الله] إلا القوم الكافرون، وكذلك ما بشر إبراهيم بالولد؛ حيث قالوا: ﴿ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ ﴾ نهاه عن القنوط؛ ولا يحتمل أن يكون إبراهيم قانطاً عن ذلك؛ لكنه نهاه ثم أخبر فقال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ ﴾ والآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لقولهم: إن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار وأنه ليس بكافر؛ وهو آيس - على قولهم - من رَوْح الله، وقد أخبر أنه ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ وهم يقولون: إن صاحب الكبيرة آيس من رَوْح الله، وهو ليس بكافر.
<div class="verse-tafsir"
قال لهم أبوهم: يا أبنائي، اذهبوا فتعرفوا من أخبار يوسف وأخيه، ولا تقنطوا من تفريج الله وتنفيسه عن عباده، إنه لا يقنط من تفريجه وتنفيسه إلا القوم الكافرون؛ لأنهم يجهلون عظيم قدرة الله وخَفِيَّ إفضاله على عباده.
<div class="verse-tafsir" id="91.rdJG3"