الآية ٨٨ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٨٨ من سورة يوسف

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فلما دخلوا عليه ) تقدير الكلام : فذهبوا فدخلوا بلد مصر ، ودخلوا على يوسف ، ( قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام ، ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) أي : ومعنا ثمن الطعام الذي تمتاره ، وهو ثمن قليل .

قاله مجاهد ، والحسن ، وغير واحد .

وقال ابن عباس : الرديء لا ينفق ، مثل خلق الغرارة ، والحبل ، والشيء ، وفي رواية عنه : الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان .

وكذا قال قتادة ، والسدي .

وقال سعيد بن جبير [ وعكرمة ] هي الدراهم الفسول .

وقال أبو صالح : هو الصنوبر وحبة الخضراء .

وقال الضحاك : كاسدة لا تنفق .

وقال أبو صالح : جاءوا بحب البطم الأخضر والصنوبر .

وأصل الإزجاء : الدفع لضعف الشيء ، كما قال حاتم الطائي : ليبك على ملحان ضيف مدفع وأرملة تزجي مع الليل أرملا وقال أعشى بني ثعلبة : الواهب المائة الهجان وعبدها عوذا تزجي خلفها أطفالها وقوله إخبارا عنهم : ( فأوف لنا الكيل ) أي : أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك .

وقرأ ابن مسعود : " فأوقر ركابنا وتصدق علينا " .

وقال ابن جريج : ( وتصدق علينا ) برد أخينا إلينا .

وقال سعيد بن جبير والسدي : ( وتصدق علينا ) يقولون : تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة ، وتجوز فيها .

وسئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي ، صلى الله عليه وسلم ؟

فقال : ألم تسمع قوله : ( فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ) رواه ابن جرير عن الحارث ، عن القاسم ، عنه .

وقال ابن جرير : حدثنا الحارث ، حدثنا القاسم ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن عثمان بن الأسود : سمعت مجاهدا وسئل : هل يكره أن يقول الرجل في دعائه : اللهم تصدق علي ؟

فقال : نعم ، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قال أبو جعفر: وفي الكلام متروك قد استغني بذكر ما ظهر عما حذف ، وذلك: فخرجوا راجعين إلى مصر حتى صاروا إليها ، فدَخلوا على يوسف ، ( فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) ، أي الشدة من الجدب والقحط (2) ، ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) .

كما:- 19740- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال، وخرجوا إلى مصر راجعين إليها ، (ببضاعة مزجاة): أي قليلة ، لا تبلغ ما كانوا يتبايعون به ، إلا أن يتجاوز لهم فيها ، وقد رأوا ما نـزل بأبيهم ، وتتابعَ البلاء عليه في ولده وبصره ، حتى قدموا على يوسف.

فلما دخلوا عليه قالوا: (يا أيها العزيز ) ، رَجَاةَ أن يرحمهم في شأن أخيهم (3) ، ( مسنا وأهلنا الضر ) .

* * * وعنى بقوله: ( وجئنا ببضاعة مُزْجاة ) بدراهم أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام إلا لمن يتجاوز فيها .

* * * وأصل " الإزجاء ": السوق بالدفع ، كما قال النابغة الذبياني: وَهَبّـتِ الـرِّيحُ مِـنْ تِلْقَـاءِ ذِي أُرُلٍ تُزْجِـي مَـعَ اللَّيْلِ مِنْ صَرَّادِهَا صِرَمَا (4) يعني تسوق وتدفع ; ومنه قول أعشى بني ثعلبة: الــوَاهِبُ المِئــةَ الهِجَـانَ وعَبْدَهَـا عُــوذًا تُزَجِّــي خَلْفَهــا أطْفَالَهـا (5) وقول حاتم: لِبَيْـكِ عَـلَى مِلْحَـانَ ضَيْـفٌ مُـدَفَّعٌ وَأَرْمَلَـةٌ تُزْجِـى مَـعَ اللَّيـلِ أَرْمَـلا (6) يعني أنها تسوقه بين يديها على ضعف منه عن المشي وعجز ; ولذلك قيل: ( ببضاعة مزجاة ) ، لأنها غير نافقة ، وإنما تُجَوَّز تجويزًا على وَضعٍ من آخذيها.

(7) * * * وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك ، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة .

*ذكر أقوال أهل التأويل في ذلك: 19741- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: ( ببضاعة مزجاة ) قال: رديَّةٍ زُيُوفٍ لا تنفق حتى يُوضَع منها.

19742- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: الردِيّة التي لا تنفق حتى يُوضَع منها.

19743- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: خَلَقٍ (8) الغِرَارة والحبلُ والشيء.

19744- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن ابن أبي مليكة قال، سمعت ابن عباس ، وسئل عن قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: رِثَّةُ المتاع، (9) الحبلُ والغرارةُ والشيء.

19745- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، مثله .

19746- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: " البضاعة "، الدراهم ، (10) و " المزجاة ": غير طائل.

19747- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن ابن أبي زياد ، عمن حدثه ، عن ابن عباس قال، كاسدة غير طائل.

19748- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين ، عن سعيد بن جبير، وعكرمة،: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال سعيد: ناقصة ، وقال عكرمة: دراهم فُسُول.

(11) 19749- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير وعكرمة ، مثله .

19750- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير وعكرمة: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال أحدهما: ناقصة .

وقال الآخر: رديَّةٌ.

19751- ...

وبه قال، حدثنا أبي عن سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث قال، كان سَمْنًا وصُوفًا.

19752- حدثنا الحسن قال، حدثنا علي بن عاصم ، عن يزيد بن أبي زياد قال: سأل رجل عبد الله بن الحارث وأنا عنده عن قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال: قليلةٌ ، متاعُ الأعراب: الصوفُ والسَّمن.

19753- حدثنا إسحاق بن زياد القطان أبو يعقوب البصري ، قال، حدثنا محمد بن إسحاق البلخي ، قال:حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن مروان بن عمرو العذري ، عن أبي إسماعيل ، عن أبي صالح ، في قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال الصنوبر والحبة الخضراء.

(12) 19754- حدثنا ابن حميد ، قال:حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن يزيد بن الوليد ، عن إبراهيم ، في قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال:قليلة ، ألا تسمع إلى قوله: " فَأَوْقِرْ رِكَابَنَا " ، وهم يقرءون كذلك.

(13) 19755- حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال:حدثنا هشيم ، قال، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم ، أنه قال: ما أراها إلا القليلة ، لأنها في مصحف عبد الله: " وَأَوْقِرْ رِكَابَنا " ، يعني قوله: " مزجاة ".

19756- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا جرير ، عن القعقاع بن يزيد ، عن إبراهيم قال، قليلة ، ألم تسمع إلى قوله: " وَأَوْقِرْ رِكَابنَا "؟

19757- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا عمرو بن محمد ، عن أبي بكر الهذلي ، عن سعيد بن جبير والحسن: بضاعة مزجاة قال سعيد:الرديّة ، وقال الحسن:القليلة.

19758- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا ابن إدريس ، عن يزيد ، عن عبد الله بن الحارث قال، متاع الأعراب سمنٌ وصوف.

19759- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية قال، دراهم ليست بطائل.

(14) 19760- حدثني محمد بن عمرو ، قال، حدثنا أبو عاصم ، قال:حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( مزجاة ) ، قال:قليلة.

19761- حدثنا الحسن بن محمد ، قال:حدثنا شبابة ، قال:حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( مزجاة ) قال:قليلة.

19762- حدثني المثنى ، قال:حدثنا أبو حذيفة ، قال:حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

19763- ...

قال، حدثنا قبيصة بن عقبة ، قال، حدثنا سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) قال:شيء من صوف ، وشيء من سمن.

19764- ...

قال، حدثنا عمرو بن عون ، قال، أخبرنا هشيم ، عن منصور ، عن الحسن قال: قليلة.

19765- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، عمن حدثه ، عن مجاهد: ( مزجاة ) قال:قليلة.

19766- حدثنا القاسم ، قال:حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

19767- ...

قال:حدثنا الحسين ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن عكرمة قال: ناقصة ، وقال سعيد بن جبير: فُسُولٌ.

19768- ...

قال:حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن سعيد بن جبير: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قال:رديّة.

19769- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك قال: كاسدة لا تنفق .

19770- حدثني المثنى ، قال:حدثنا عمرو بن عون ، قالأخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك قال: كاسدة.

19771- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا عبدة ، عن جويبر ، عن الضحاك قال: كاسدة غير طائل.

19772- حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال:سمعت أبا معاذ يقول:حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( ببضاعة مزجاة ) ، يقول:كاسدة غير نافقة.

19773- حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال:حدثنا إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) ، قالالناقصة ، وقال عكرمة: فيها تجوُّزٌ.

19774- ...

قال، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: الدراهم الرديّة التي لا تجوز إلا بنقصان.

19775- ...

قال، حدثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى، عن مجاهد قال: الدراهم الرُّذَال، (15) التي لا تجوز إلا بنقصان.

(16) 19776- حدثنا ابن وكيع ، قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي قال: دراهم فيها جَوازٌ.

19777- حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد ، قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) :، أي: يسيرة.

19778- حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله .

19779- حدثنا يونس ، قال، أخبرنا ابن وهب ، قال، قال ابن زيد ، في قوله: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) قال: " المزجاة "، القليلة.

19780- حدثنا ابن حميد ، قال:حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) :، أي قليلة لا تبلغ ما كنا نشتري به منك ، إلا أن تتجاوز لنا فيها.

* * * وقوله: ( فأوف لنا الكيل ) .....

بها (17) وأعطنا بها ما كنت تعطينا قبل بالثمن الجيّد والدراهم الجائزة الوافية التي لا تردّ، كما:- 19781- حدثنا ابن حميد ، قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: ( فأوف لنا الكيل ) : ، أي أعطنا ما كنت تعطينا قَبْلُ ، فإن بضاعتنا مزجاة.

19782- حدثنا ابن وكيع ، قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : ( فأوف لنا الكيل ) قال:كما كنت تعطينا بالدراهم الجياد.

* * * وقوله: ( وتصدق علينا ) يقول تعالى ذكره: قالوا: وتفضل علينا بما بَيْنَ سعر الجياد والرديّة ، فلا تنقصنا من سعر طَعامك لرديِّ بضاعتنا ، ( إن الله يجزي المتصدقين ) ، يقول: إن الله يثيب المتفضلين على أهل الحاجة بأموالهم .

(18) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 19783- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي: ( وتصدق علينا ) ، قال:تفضل بما بين الجياد والرديّة.

19784- حدثنا القاسم ، قال:حدثنا الحسين ، قال:حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن سعيد بن جبير: ( فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ) ، لا تنقصنا من السعر من أجل رديّ دراهمنا.

* * * واختلفوا في الصدقة ، هل كانت حلالا للأنبياء قبل نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أو كانت حرامًا؟

فقال بعضهم:لم تكن حلالا لأحدٍ من الأنبياء عليهم السلام .

*ذكر من قال ذلك: 19785- حدثنا القاسم ، قال:حدثنا الحسين ، قال:حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن سعيد بن جبير قال، ما سأل نبيٌّ قطٌّ الصَّدقَة ، ولكنهم قالوا: ( جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ) ، لا تنقصنا من السعر.

* * * وروي عن ابن عيينة ما:- 19786- حدثني به الحارث ، قال:حدثنا القاسم قال: يحكى عن سفيان بن عيينة أنه سئل:هل حرمت الصدقة على أحدٍ من الأنبياء قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم؟

فقال: ألم تسمع قوله: ( فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ).

، قال الحارث: قال القاسم: يذهب ابن عيينة إلى أنهم لم يقولوا ذلك إلا والصدقة لهم حلالٌ ، وهم أنبياء ، فإن الصدقة إنما حُرِّمت على محمد صلى الله عليه وسلم ، وعليهم .

(19) * * * وقال آخرون:إنما عنى بقوله: ( وتصدق علينا ) وتصدق علينا بردّ أخينا إلينا .

*ذكر من قال ذلك: 19787- حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين ، قال:حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله: ( وتصدق علينا ) قال:رُدَّ إلينا أخانا.

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن جريج ، وإن كان قولا له وجه، فليس بالقول المختار في تأويل قوله: ( وتصدَّق علينا ) لأن " الصدقة " في متعارف [العرب]، (20) إنما هي إعطاء الرجل ذا حاجةٍ بعض أملاكه ابتغاءَ ثواب الله عليه، (21) وإن كان كلّ معروف صدقةً ، فتوجيه تأويل كلام الله إلى الأغلب من معناه في كلام من نـزل القرآن بلسانه أولى وأحرى .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد .

19788- حدثني الحارث ، قال، حدثنا القاسم ، قال، حدثنا مروان بن معاوية ، عن عثمان بن الأسود ، قال:سمعت مجاهدًا ، وسئل: هل يُكْرَهُ أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدّق عليّ؟

فقال:نعم ، إنما الصَّدقة لمن يبغي الثوابَ.

* * * ---------------------- الهوامش: (1) انظر تفسير" اليأس" فيما سلف 9 : 516 .

(2) انظر تفسير" الضر" فيما سلف من فهارس اللغة ( ضرر ) .

(3) في المطبوعة :" رجاء" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو بمثل معناه .

(4) ديوانه : 52 ، و" ذو أرل" ، جبل بديار غطفان .

و" الصراد" ، سحاب بارد رقيق تسفره الريح وتسوقه .

و" الصرم" جمع صرمة ، وهي قطع السحاب .

وقبل البيت : هَـلاَّ سَـأَلْتَ بَنـي ذُبْيَـانَ ما حَسَبي إذَا الدُّخَـانُ تَغَشَّـى الأشْـمَطَ البَرَمَـا من أبيات يذكر فيها كرمه في زمن الجدب والشتاء .

(5) ديوانه : 25 ، من قصيدته في قيس بن معد يكرب ، مضت منها أبيات .

و" الهجان" ، الإبل الأبيض ، وهي كرام الإبل .

و" العوذ" جمع عائذ ، وهي الناقة الحديثة النتاج .

(6) ليس في ديوانه ، وأنشده ابن بري غير منسوب ( اللسان : رمل ) ، وظاهر أن الشعر لحاتم ، لأن" ملحان" ، هو ابن عمه" ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي" ، وكنت وقفت على أبيات من هذا الشعر ، ثم أضعتها اليوم .

(7) في المخطوطة والمطبوعة :" على نفع من آخذيها" ، والصواب ما أثبتناه ، إن شاء الله ، تدل عليه الآثار الآتية بعد .

ولو قرئت" على دفع" ، فلا بأس بذلك .

(8) الخلق : البالي .

(9) الرث ( بفتح الراء ) ، والرثة ( بكسرها ) ، والرثيث : الخلق الخسيس البالي من كل شيء .

(10) انظر تفسير" البضاعة" فيما سلف : ص : 4 ، 156 .

(11) " فسول" جمع" فسل" ( بفتح فسكون ) : وهو الردئ الرذل من كل شيء .

يقال :" دراهم فسول" ، أي : زيوف .

(12) الأثر : 19753 -" إسحاق بن زياد القطان" ،" أبو يعقوب البصري" ، شيخ الطبري لم أجد له بعد ترجمة ، وقد مضى برقم : 14146 ، وهو هناك" العطار النصري" ، ثم في رقم : 17430 ، وهو هناك :" إسحاق بن زيادة العطار ؛" بزيادة التاء .

ولا طاقة لنا بالفصل في ذلك ، حتى نجد ما يدل عليه .

و" محمد بن إسحاق البلخي : مضى برقم : 14146 ، روى عنه هناك" إسحاق بن زياد" أيضًا .

و" مروان بن معاوية الفزاري" ، مضى مرارًا آخرها : 15446 .

أما" مروان بن عمرو العذري" ، فلم أجد له ذكرًا في كتب التراجم ، وأخشى أن كون فيه تحريف وأما" أبو إسماعيل" .

فلم أتبين من يكون ، لما في هذا الإسناد من الظلمة .

(13) يعني أصحاب عبد الله بن مسعود ، كما سترى في الأثر التالي .

(14) ]في المخطوطة :" ليس بطائل" ، ولا بأس به .

(15) ]يقال :" هذا رذل" و" هذا رذال" ( بضم الراء ) أي : دون خسيس رديء .

وفي المخطوطة (الرذل) وهو مثله .

(16) الأثر (19775) في المطبوعة (إسرائيل عن ابن أبي نجيح) غير ما في المخطوطة، فإنه كان فيها :" عن أبي يحيى" كأنه أراد أن يكتب" نجيح" ، ثم صيرها :" يحيى" ، غير منقوطة .

و" أبو يحيى" ، هو :" أبو يحيى القتات الكوفي" ، وهو الذي يروي عن مجاهد ، وقد سلف برقم : 12139 ، 15697 .

(17) لا شك عندي أنه قد سقط من كلام أبي جعفر شيء في تفسير" أوف لنا" ، لم يبق منه إلا قوله :" بها" ، فلذلك وضعت هذه النقط .

والمراد من ذلك ظاهر ، كأنه كتب :" فأتم لنا حقوقنا في الكيل بها،وأعطنا ..." ، وانظر تفسير" الإيفاء" فيما سلف 12 : 224 ، 554 .

(18) انظر تفسير" التصدق" فيما سلف 9 : 31 ، 37 ، 38 / 14 : 369 .

(19) في المطبوعة :" صلى الله عليه وسلم لا عليهم" ، غير ما في المخطوطة ، كأنه ظن أن قوله :" وعليهم" ، معطوف على قوله :" إنما حرمت على محمد ...

وعليهم" ، وظاهر أن المراد :" صلى الله عليه وسلم وعليهم" ، أي : وصلى عليهم .

(20) في المطبوعة :" في المتعارف" ، وفي المخطوطة :" في متعارف إنما هي" ، وفي الكلام سقط لا شك فيه ، وإنما سقط منه لأن" متعارف" هي آخر كلمة في الصفحة ، و" إنما" في أول الصفحة الأخرى ، فسها الناسخ ، فاستظهرت هذه الزيادة التي بين القوسين .

(21) في المطبوعة :" إعطاء الرجل ذا الحاجة" ، وهو خطأ وتصرف في نص المخطوطة لا وجه له والصواب ما في المخطوطة كما أثبته .

وقوله :" ذا حاجة" مفعول المصدر من قوله :" إعطاء الرجل ..

." .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقينقوله تعالى : فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز أي الممتنع .مسنا وأهلنا الضر هذه المرة الثالثة من عودهم إلى مصر ; وفي الكلام حذف ، أي فخرجوا إلى مصر ، فلما دخلوا على يوسف قالوا : مسنا أي أصابنا وأهلنا الضر أي الجوع والحاجة ; وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر ، أي الجوع ; بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع ; كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه ; ولا يكون ذلك قدحا في التوكل ، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط ; والصبر والتجلد في النوائب أحسن ، والتعفف عن المسألة أفضل ; وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى ; وذلك قول يعقوب : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون أي من جميل صنعه ، وغريب لطفه ، وعائدته على عباده ; فأما الشكوى على غير مشك فهو السفه ، إلا أن يكون على وجه البث والتسلي ; كما قال ابن دريد :لا تحسبن يا دهر أني ضارع لنكبة تعرقني عرق المدى مارست ما لو هوت الأفلاك منجوانب الجو عليه ما شكا [ ص: 221 ] لكنها نفثة مصدور إذاجاش لغام من نواحيها غماقوله تعالى : وجئنا ببضاعة البضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شيء ; تقول : أبضعت الشيء واستبضعته أي جعلته بضاعة ; وفي المثل : كمستبضع التمر إلى هجر .قوله تعالى : " مزجاة " صفة لبضاعة ; والإزجاء السوق بدفع ; ومنه قوله تعالى : ألم تر أن الله يزجي سحابا والمعنى أنها بضاعة تدفع ; ولا يقبلها كل أحد .

قال ثعلب : البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة .

اختلف في تعيينها هنا ; فقيل : كانت قديدا وحيسا ; ذكره الواقدي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .

وقيل : خلق الغرائر والحبال ; روي عن ابن عباس .

وقيل : متاع الأعراب صوف وسمن ; قاله عبد الله بن الحارث .

وقيل : الحبة الخضراء والصنوبر وهو البطم ، حب شجر بالشام ; يؤكل ويعصر الزيت منه لعمل الصابون ، قاله أبو صالح ; فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام ، وتنفق فيما بين الناس ; فقالوا : خذها منا بحساب جياد تنفق من الطعام .

وقيل : دراهم رديئة ; قاله ابن عباس أيضا .

وقيل : ليس عليها صورة يوسف ، وكانت دراهم مصر عليهم صورة يوسف .

وقال الضحاك : النعال والأدم ; وعنه : كانت سويقا منخلا .

والله أعلم .قوله تعالى : فأوف لنا الكيل وتصدق فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : فأوف لنا الكيل يريدون كما تبيع بالدراهم الجياد لا تنقصنا بمكان دراهمنا ; هذا قول أكثر المفسرين .

وقال ابن جريج .

فأوف لنا الكيل يريدون الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم .

وتصدق علينا أي تفضل علينا بما بين سعر الجياد والرديئة .

قاله سعيد بن جبير والسدي والحسن : لأن الصدقة تحرم على الأنبياء .

وقيل المعنى : تصدق علينا بالزيادة على حقنا ; قاله سفيان بن عيينة .

قال مجاهد : ولم تحرم الصدقة إلا على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن جريج : المعنى تصدق علينا برد أخينا إلينا .

وقال ابن شجرة : تصدق علينا تجوز عنا ; استشهد بقول الشاعر :تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب وأمر علينا الأشعري ليالياإن الله يجزي المتصدقين يعني في الآخرة ; يقال : هذا من معاريض الكلام ; لأنه [ ص: 222 ] لم يكن عندهم أنه على دينهم ، فلذلك لم يقولوا : إن الله يجزيك بصدقتك ، فقالوا لفظا يوهمه أنهم أرادوه ، وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل ; قاله النقاش وفي الحديث : ( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ) .الثانية : استدل مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع ; قال ابن القاسم وابن نافع قال مالك : قالوا ليوسف فأوف لنا الكيل فكان يوسف هو الذي يكيل ، وكذلك الوزان والعداد وغيرهم ، لأن الرجل إذا باع عدة معلومة من طعامه ، وأوجب العقد عليه ، وجب عليه أن يبرزها ويميز حق المشتري من حقه ، إلا أن يبيع منه معينا - صبرة أو ما لا حق توفية فيه - فخلى ما بينه وبينه ، فما جرى على المبيع فهو على المبتاع ; وليس كذلك ما فيه حق توفية من كيل أو وزن ، ألا ترى أنه لا يستحق البائع الثمن إلا بعد التوفية ، وإن تلف فهو منه قبل التوفية .الثالثة : وأما أجرة النقد فعلى البائع أيضا ; لأن المبتاع الدافع لدراهمه يقول : إنها طيبة ، فأنت الذي تدعي الرداءة فانظر لنفسك ; وأيضا فإن النفع يقع له فصار الأجر عليه ، وكذلك لا يجب على الذي يجب عليه القصاص ; لأنه لا يجب عليه أن يقطع يد نفسه ، إلا أن يمكن من ذلك طائعا ; ألا ترى أن فرضا عليه أن يفدي يده ، ويصالح عليه إذا طلب المقتص ذلك منه ، فأجر القطاع على المقتص .

وقال الشافعي في المشهور عنه : إنها على المقتص منه كالبائع .الرابعة : يكره للرجل أن يقول في دعائه : اللهم تصدق علي ; لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب ، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم لا رب غيره ; وسمع الحسن رجلا يقول : اللهم تصدق علي ; فقال الحسن : يا هذا !

إن الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبتغي الثواب ; أما سمعت قول الله تعالى : إن الله يجزي المتصدقين قل : اللهم أعطني وتفضل علي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فذهبوا { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ } أي: على يوسف { قَالُوا } متضرعين إليه: { يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } أي: قد اضطررنا نحن وأهلنا { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ } أي: مدفوعة مرغوب عنها لقلتها، وعدم وقوعها الموقع، { فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ } أي: مع عدم وفاء العرض، وتصدق علينا بالزيادة عن الواجب.

{ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } بثواب الدنيا والآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما دخلوا عليه ) وفيه إضمار تقديره : فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف عليه السلام .

( قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) أي : الشدة والجوع ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) أي : قليلة رديئة كاسدة ، لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها ، وأصل الإزجاء : السوق والدفع .

وقيل : للبضاعة مزجاة لأنها غير نافقة ، وإنما تجوز على دفع من آخذها .

واختلفوا فيها ، فقال ابن عباس : كانت دراهم رديئة زيوفا .

وقيل : كانت خلق الغرائر والحبال .

وقيل : كانت من متاع الأعراب من الصوف والأقط .

وقال الكلبي ، ومقاتل : كانت الحبة الخضراء .

وقيل : كانت من سويق المقل .

وقيل : كانت الأدم والنعال .

( فأوف لنا الكيل ) أي : أعطنا ما كنت تعطينا قبل بالثمن الجيد الوافي .

( وتصدق علينا ) أي : تفضل علينا بما بين الثمنين الجيد والرديء ولا تنقصنا .

هذا قول أكثر المفسرين .

وقال ابن جريج ، والضحاك : وتصدق علينا برد أخينا إلينا .

( إن الله يجزي ) يثيب ( المتصدقين ) .

وقال الضحاك : لم يقولوا إن الله يجزيك; لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن .

وسئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبينا عليه الصلاة والسلام فقال سفيان : ألم تسمع قوله تعالى : ( وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ) ، يريد أن الصدقة كانت حلالا لهم .

وروي أن الحسن سمع رجلا يقول : اللهم تصدق علي ، فقال : إن الله لا يتصدق وإنما يتصدق من يبغي الثواب ، قل : اللهم أعطني أو تفضل علي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر» الجوع «وجئنا ببضاعة مزجاة» مدفوعة يدفعها كل من رآها لرداءتها وكانت دراهم زيوفا أو غيرها «فأوف» أتم «لنا الكيل وتصدق علينا» بالمسامحة عن رداءة بضاعتنا «إن الله يجزي المتصدقين» يثيبهم فَرَقَّ لهم وأدركته الرحمة ورفع الحجاب بينه وبينهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فذهبوا إلى "مصر"، فلما دخلوا على يوسف قالوا: يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا القحط والجدب، وجئناك بثمن رديء قليل، فأعطنا به ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد، وتصدَّقْ علينا بقبض هذه الدراهم المزجاة وتجوَّز فيها، إن الله تعالى يثيب المتفضِّلين على أهل الحاجة بأموالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

واستجاب الأبناء لنصيحة أبيهم ، فأعدوا عدتهم للرحيل إلى مصر للمرة الثالثة ، ثم ساروا فى طريقهم حتى دخلوها ، والتقوا بعزيز مصر الذى احتجز أخاهم بنيامين ، وتحكى السورة الكريمة ما دار بينهم وبينه فتقول :( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز .

.

.

) .قوله - تعالى - ( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ .

.

.

) حكاية لما قاله إخوة يوسف له ، بعد أن امتثلوا أمر أبيهم ، فخجوا إلى مصر للمرة الثالثة ، ليتحسسوا من يوسف وأخيه ، وليشتروا من عزيزها ما هم فى حاجة إليه من طعام .والبضاعة : هى القطعة من المال ، يقصد بها شراء شئ .والمزجاة : هى القليلة الرديئة التى ينصرف عنها التجار إهمالاً لها .وقالوا : وكانت بضاعتهمدراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة - أى : بأقل قيمة - وقيل غير ذلك .وأصل الإِزجاء : السوق والدفع قليلاً قليلاً ، ومنه قوله - تعالى - ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً .

.

.

) أى : يرسله رويدا رويدا .

.

.وسميت البضاعة الرديئة القلية مزجاة ، لأنها ترد وتدفع ولا يقبلها التجار إلى بأبخس الأثمان .والمعنى : وقال إخوة يوسف له بأدب واستعطاف ، بعد أن دخلوا عليه للمرة الثالثة ( ياأيها العزيز ) أى : الملك صاحب الجاه والسلطان والسعة فى الرزق ، ( مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر ) أى : أصابنا وأصاب أهلنا معنا الفقر والجدب والهزل من شدة الجوع .( وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ) أى : وجئنا معنا من بلادنا ببضاعة قليلة رديئة يردها وينصرف عنها كل من يراها من التجار ، إهمالاً لها ، واحتقارا لشأنها .وإنما قالوا له ذلك : استدراراً لعطفه ، وتحريكاً لمروءته وسخائه ، قبل أن يخبروه بمطلبهم الذى حكاه القرآن فى قوله :( فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ .

.

.

) أى : هذا هو حالنا شرحناه لك ، وهو يدعو إلى الشفقة والرحمة ، ما دام أمرنا كذلك ، فأتمم لنا كيلنا ولا تنقص منه شيئا ، وتصدق علينا فوق حقنا بما أنت أهل له من كرم ورحمة ( إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين ) على غيرهم جزاء كريما حسنا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هاهنا محذوفاً والتقدير: أن يعقوب لما قال لبنيه: ﴿ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ قبلوا من أبيهم هذه الوصية فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فقالوا له: ﴿ هُوَ القوى العزيز ﴾ .

فإن قيل: إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا إلى الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل؟

قلنا: لأن المتحسسين يتوسلون إلى مطلوبهم بجميع الطرق والاعتراف بالعجز وضيق اليد ورقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة مما يرقق القلب فقالوا: نجربه في ذكر هذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا.

فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة وقالوا: ﴿ هُوَ القوى العزيز ﴾ والعزيز هو الملك القادر المنيع ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر ﴾ وهوا الفقر والحاجة وكثرة العيال وقلة الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: معنى الإزجاء في اللغة، الدفع قليلاً قليلاً ومثله التزجية يقال الريح تزجي السحاب.

قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِى سَحَاباً  ﴾ وزجيت فلاناً بالقول دافعته، وفلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالحيلة.

والبحث الثاني: إنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو لرداءتها أو لهما جميعاً والمفسرون ذكروا كل هذه الأقسام قال الحسن: البضاعة المزجاة القليلة، وقال آخرون إنها كانت رديئة واختلفوا في تلك الرداءة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، وقيل: خلق الغرارة والحبل وأمتعة رثة، وقيل: متاع الأعراب الصوف والسمن.

وقيل: الحبة الخضراء، وقيل: الأقط، وقيل: النعال والأدم، وقيل: سويق المقل، وقيل: صوف المعز، وقيل: إن دراهم مصر كانت تنقش فيها صورة يوسف والدراهم التي جاؤا بها ما كان فيها صورة يوسف فما كانت مقبولة عند الناس.

البحث الثالث: في بيان أنه لم سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟

وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: هي من قولهم فلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالقليل، والمعنى أنا جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزمان، وليست مما ينتفع به وعلى هذا الوجه فالتقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام.

الثاني: قال أبو عبيد: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها قال وهي من الأزجاء، والأزجاء عند العرب السوق والدفع.

الثالث: ببضاعة مزجاة أي مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق لا ينفق مثلها إلا من اضطر واحتاج إليها لفقد غيرها مما هو أجود منها.

الرابع: قال الكلبي: مزجاة لغة العجم، وقيل هي من لغة القبط قال أبو بكر الأنباري: لا ينبغي أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق والتصريف منسوباً إلى القبط.

البحث الرابع: قرأ حمزة والكسائي مزجاة بالإمالة، لأن أصله الياء، والباقون بالنصب والتفخيم.

واعلم أن حاصل الكلام في كون البضاعة مزجاة إما لقلتها أو لنقصانها أو لمجموعها ولما وصفوا شدة حالهم ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا الكيل ﴾ والمراد أن يساهلهم إما بإن يقيم الناقص مقام الزائد أو يقيم الرديء مقام الجيد، ثم قالوا: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ والمراد المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسع بالجيد، واختلف الناس في أنه هل كان ذلك طلباً منهم للصدقة فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وعلى هذا التقدير، كأنهم طلبوا القدر الزائد على سبيل الصدقة، وأنكر الباقون ذلك وقالوا حال الأنبياء وحال أولاد الأنبياء ينافي طلب الصدقة لأنهم يأنفون من الخضوع للمخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغاثة به عمن سواه، وروي عن الحسن ومجاهد: أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي، قالوا: لأن الله لا يتصدق إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، وإنما يقول: اللهم أعطني أو تفضل، فعلى هذا التصدق هو إعطاء الصدقة والمتصدق المعطي، وأجاز الليث أن يقال للسائل: متصدق وأباه الأكثرون.

وروي أنهم لما قالوا: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر ﴾ وتضرعوا إليه اغرورقت عيناه فعند ذلك ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ وقيل: دفعوا إليه كتاب يعقوب فيه من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر.

أما بعد: فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي في النار ليحرق فنجاه الله وجعلها برداً وسلاماً عليه، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من البكاء عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به إليك ثم رجعوا وقالوا: إنه قد سرق وإنك حبسته عندك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك.

فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب لم يتمالك وعيل صبره وعرفهم أنه يوسف.

ثم حكى تعالى عن يوسف عليه السلام في هذا المقام أنه قال: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ قيل إنه لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت مفاصله واقشعر جلده ولان قلبه وكثر بكاؤه وصرح بأنه يوسف.

وقيل: إنه لما رأى إخوته تضرعوا إليه ووصفوا ما هم عليه من شدة الزمان وقلة الحيلة أدركته الرقة فصرح حينئذ بأنه يوسف، وقوله: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة، ومعناه: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه، وهو كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت وعل تعرف من خالفت؟

واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  ﴾ وأما قوله: ﴿ وَأَخِيهِ ﴾ فالمراد ما فعلوا به من تعريضه للغم بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وأمه، وأيضاً كانوا يؤذونه ومن جملة أقسام ذلك الإيذاء قالوا في حقه: ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ  ﴾ وأما قوله: ﴿ إِذْ أَنتُمْ جاهلون ﴾ فهو يجري مجرى العذر كأنه قال: أنتم إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في جهالة الصبا أو في جهالة الغرور، يعني والآن لستم كذلك، ونظيره ما يقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم  ﴾ قيل إنما ذكر تعالى هذا الوصف المعين ليكون ذلك جارياً مجرى الجواب وهو أن يقول العبد يا رب غرني كرمك فكذا هاهنا إنما ذكر ذلك الكلام إزالة للخجالة عنهم وتخفيفاً للأمر عليهم.

ثم إن إخوته قالوا: ﴿ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ ﴾ قرأ ابن كثير ﴿ إِنَّكَ ﴾ على لفظ الخبر، وقرأ نافع ﴿ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ ﴾ بفتح الألف غير ممدودة وبالياء وأبو عمرو ﴿ آينك ﴾ بمد الألف وهو رواية قالون عن نافع، والباقون ﴿ أئنك ﴾ بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام، وقرأ أبي ﴿ أَوْ أَنتَ يُوسُفَ ﴾ فحصل من هذه القراءات أن من القراء من قرأ بالاستفهام ومنهم من قرأ بالخبر.

أما الأولون فقالوا: إن يوسف لما قال لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ﴾ وتبسم فأبصروا ثناياه، وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف، فقالوا له استفهاماً ﴿ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ ﴾ ويدل على صحة الاستفهام أنه ﴿ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ ﴾ وإنما أجابهم عما استفهموا عنه.

وأما من قرأ على الخبر فحجته ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان في فرقه علامة وكان ليعقوب وإسحاق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: ﴿ إِنَّكَ لاَنتَ يُوسُفَ ﴾ ويجوز أن يكون ابن كثير أراد الاستفهام ثم حذف حرف الاستفهام وقوله: ﴿ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: اللام لام الابتداء، وأنت مبتدأ ويوسف خبره، والجملة خبر إن.

البحث الثاني: أنه إنما صرح بالاسم تعظيماً لما نزل به من ظلم إخوته وماعوضه الله من الظفر والنصر؛ فكأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه والله تعالى أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم قتله وإلقاءه في البئر ثم صرت كما ترون، ولهذا قال: ﴿ وهذا أَخِى ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول: وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت ثم إنه صار منعماً عليه من قبل الله تعالى كما ترون وقوله: ﴿ قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما بكل عز في الدنيا والآخرة وقال آخرون بالجمع بيننا بعد التفرقة وقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ ﴾ معناه: من يتق معاصي الله ويصبر على أذى الناس ﴿ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ﴾ والمعنى: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين.

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام الشريف بكونه متقياً ولو أنه قدم على ما يقوله الحشوية في حق زليخا لكان هذا القول كذباً منه وذكر الكذب في مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه الكافر ويتوب فيه العاصي لا يليق بالعقلاء.

المسألة الثانية: قال الواحدي روي عن ابن كثير في طريق قنبل: ﴿ إِنَّهُ مِنَ يَتَّقِى ﴾ بإثبات الياء في الحالين ووجهه أن يجعل من بمنزلة الذي فلا يوجب الجزم ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ وَيِصْبِرْ ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذف الرفع طلباً للتخفيف كما يخفف في عضد وشمع والباقون بحذف الياء في الحالين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الضر ﴾ الهزال من الشدّة والجوع ﴿ مُّزْجَاةٍ ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً لها، من أزجيته إذا دفعته وطردته، والريح تزجي السحاب، قيل: كانت من متاع الأعراب صوفاً وسمناً.

وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء، وقيل: سويق المقل والأقط.

وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة ﴿ فَأَوْفِ لَنَا الكيل ﴾ الذي هو حقنا ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو زدنا على حقنا، فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة، لأنّ الصدقات محظورة على الأنبياء، وقيل كانت تحل لغير نبينا.

وسئل ابن عيينة عن ذلك فقال: ألم تسمع ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ أراد أنها كانت حلالاً لهم.

والظاهر أنهم تمسكنوا له وطلبوا إليه أن يتصدّق عليهم، ومن ثم رق لهم وملكته الرحمة عليهم، فلم يتمالك أن عرّفهم نفسه.

وقوله: ﴿ إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين ﴾ شاهد لذلك لذكر الله وجزائه، والصدقة العطية التي تبتغي بها المثوبة من الله ومنه قول: الحسن لمن سمعه يقول اللهم تصدق عليّ:- إن الله تعالى لا يتصدق، إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، قل: اللهم أعطني، أو تفضل عليّ، أو ارحمني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ رَجْعَةً ثانِيَةً.

﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ شِدَّةُ الجُوعِ.

﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ رَدِيئَةٍ أوْ قَلِيلَةٍ تُرَدُّ وتُدْفَعُ رَغْبَةً عَنْها، مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ ومِنهُ تَزْجِيَةُ الزَّمانِ.

قِيلَ كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا وقِيلَ صُوفًا وسَمْنًا.

وقِيلَ الصَّنَوْبَرُ والحَبَّةُ الخَضْراءُ.

وقِيلَ الأقْطُ وسَوِيقُ المَقْلِ.

﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ فَأتْمِمْ لَنا الكَيْلَ.

﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ بِرَدِّ أخِينا أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها.

واخْتُلِفَ في أنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ تَعُمُّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ تَخْتَصُّ بِنَبِيِّنا  .

﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ أحْسَنَ الجَزاءِ والتَّصَدُّقُ التَّفَضُّلُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في القَصْرِ «هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» .

لَكِنَّهُ اخْتُصَّ عُرْفًا بِما يُبْتَغى بِهِ ثَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)

{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} على يوسف {قَالُواْ يا أَيُّهَا العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر} الهزال من الشدة والجوع {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً لها من أزجيته إذا دفعته وطردته قيل كانت دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة وقيل كانت صوفاً وسمناً {فَأَوْفِ لَنَا الكيل} الذي هو حقنا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة أو زدنا على حقنا أو هب لنا أخانا {إن الله يجزي المتصدقين}

يوسف (٨٩ _ ٩٢)

لما قالوا مسنا وأهلنا الضر وتضرعوا إليه وطلبوا منه أن يتصدق عليهم ارفضت عيناه ولم يتمالك أن عرفهم نفسه حيث قال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ بِمُوجِبِ أمْرِ أبِيهِمْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِمُسارَعَتِهِمْ إلى ما أُمِرُوا بِهِ وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يَفْتَقِرُ إلى الذِّكْرِ والبَيانِ وأنْكَرَ اليَهُودُ رُجُوعَهم بَعْدَ أخْذِ بِنْيامِينَ إلى أبِيهِمْ ثُمَّ عَوْدَهم إلى مِصْرَ وزَعَمُوا أنَّهم لَمّا جاءُوا أوَّلًا لِلْمِيرَةِ اتَّهَمَهم بِأنَّهم جَواسِيسُ فاعْتَذَرُوا وذَكَرُوا أنَّهم أوْلادُ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ وأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا هَلَكَ واحِدٌ مِنهم وتَخَلَّفَ أخُوهُ عِنْدَ أبِيهِمْ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُحِبُّهُ كَثِيرًا فَقالَ: ائْتُونِي بِهِ لِأتَحَقَّقَ صِدْقَكم وحُبِسَ شَمْعُونُ عِنْدَهُ حَتّى يَجِيئُوا فَلَمّا أتَوْا بِهِ ووَقَعَ ما وقَعَ مِن أمْرِ السَّرِقَةِ أظْهَرُوا الخُضُوعَ والِانْكِسارَ فَلَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ حَتّى تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ ثُمَّ أمَرَهم بِالعَوْدِ إلى أبِيهِمْ لِيُخْبِرُوهُ الخَبَرَ ويَأْتُوا بِهِ وهو الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ تَوْراتُهُمُ اليَوْمَ وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ ﴿ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ خاطَبُوهُ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ عَلى حَدِّ خِطابِهِمُ السّابِقِ بِهِ عَلى ما هو ظاهِرٌ وهَلْ كانُوا يَعْرِفُونَ اسْمَهُ أمْ لا لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَإنْ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ازْدادَ أمْرُ جَهالَتِهِمْ غَرابَةً والمُرادُ عَلى ما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ يا أيُّها المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ الهُزالُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والمُرادُ بِالأهْلِ ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ وغَيْرَها ﴿ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ مَدْفُوعَةٍ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ والرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ وأنْشَدُوا لِحاتِمٍ: لِيَبْكِ عَلى مُلْحانَ ضَيْفٌ مُدْفَعٌ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا وكُنِّيَ بِها عَنِ القَلِيلِ أوِ الرَّدِيءِ لِأنَّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِناءِ يُرْمى ويُطْرَحُ قِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم مِن مَتاعِ الأعْرابِ صُوفًا وسَمْنًا وقِيلَ: الصَّنَوْبَرُ وحَبَّةُ الخَضْراءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وقِيلَ: سَوِيقُ المَقْلِ والأقْطُ وقِيلَ: قَدِيدٌ وحَشٌّ وقِيلَ: حِبالًا وأعْدالًا وأحْقابًا وقِيلَ: كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا لا تُؤْخَذُ إلّا بِوَضِيعَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُها بِقَلِيلَةٍ لا غَيْرَ وعَلى كُلٍّ فَمُزْجاةٌ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلْبِضاعَةِ وقالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ والمَعْنى إنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ يُدْفَعُ بِها الزَّمانُ ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ بِها الأيّامُ أيْ تُدْفَعُ بِها ويُصَبَّرُ عَلَيْها حَتّى تَنْقَضِيَ كَما قِيلَ: دَرِّجِ الأيّامَ تَنْدَرِجْ ∗∗∗ وبُيُوتُ الهَمِّ لا تُلَجْ وما ذُكِرَ أوَّلًا هو الأوْلى وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُزْجاةً مِن لُغَةِ العَجَمِ وقِيلَ: مِن لُغَةِ القِبْطِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ فالنِّسْبَةُ إلى ذَلِكَ مُزْجاةٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مُزْجِيةٍ ) بِالإمالَةِ لِأنَّ أصْلَها الياءُ والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما قَدَّمُوا هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْعافِ مَرامِهِمْ بِبَعْثِ الشَّفَقَةِ وهَزِّ العَطْفِ والرَّأْفَةِ وتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرَّحْمَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ أيْ أتْمِمْهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِقِلَّةِ بِضاعَتِنا أوْ رَداءَتِها واسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ ولا دَلِيلَ فِيهِ ﴿ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ ظاهِرُهُ بِالإيفاءِ أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها.

وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ إنَّهم أرادُوا تَصَدَّقْ عَلَيْنا بَرَدِّ أخِينا بِنْيامِينَ عَلى أبِيهِ قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرِ أبِيهِمْ وكَأنَّهم أرادُوا تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِذَلِكَ لِأنَّ رَدَّ الأخِ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ حَقِيقَةً وقَدْ جاءَتِ الصَّدَقَةُ بِمَعْنى التَّفَضُّلِ كَما قِيلَ: ومِنهُ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلى فُلانٍ بِكَذا وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ لِمَن سَمِعَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَصَدَّقُ إنَّما يَتَصَدَّقُ مَن يَبْغِي الثَّوابَ قُلِ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي أوْ تَفَضَّلْ عَلَيَّ أوِ ارْحَمْنِي فَقَدْ رُدَّ بِقَوْلِهِ  : «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» وأُجِيبَ عَنْهُ مَجازًا ومُشاكَلَةً وإنَّما رَدَّ الحَسَنُ عَلى القائِلِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلِيغًا كَما في قِصَّةِ المُتَوَفّى وادَّعى بَعْضُهم تَعَيُّنَ الحَمْلِ عَلى المَجازِ أيْضًا إذا كانَ المُرادُ طَلَبَ الزِّيادَةِ عَلى ما يُعْطى بِالثَّمَنِ بِناءً عَلى أنَّ حُرْمَةَ أخْذِ الصَّدَقَةِ لَيْسَتْ خاصَّةً بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بَلْ هي عامَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وآلِهِمْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ والسّائِلُونَ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ لا مَحالَةَ وتُعُقِّبَ بِأنّا لَوْ سَلَّمْنا العُمُومَ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُحَرَّمَ أخْذُ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا بَلِ المُحَرَّمُ إنَّما هو أخْذُ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ وما هُنا لَيْسَ مِنها والظّاهِرُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم تَمَسْكَنُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ مَسَّنا ﴾ ..

إلَخْ وطَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ( تَصَدَّقْ عَلَيْنا ) فَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى الظّاهِرِ لَما طابَقَهُ ذَلِكَ التَّمْهِيدُ ولا هَذا التَّوْطِيدُ أعْنِي ﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ .

(88) .

بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وجَزائِهِ الحامِلِينَ عَلى ذَلِكَ وإنَّ فاعِلَهُ مِنهُ تَعالى بِمَكانٍ.

قالَ النَّقّاشُ: وفي العُدُولِ عَنْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ فَهو مِنَ المَعارِيضِ فَإنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الضَّحّاكِ ووَجْهُ عَدَمِ بَدْئِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ عَلى القَوْلِ بِخِلافِ الظّاهِرِ في مُتَعَلِّقِ التَّصَدُّقِ بِأنَّ فِيما سَلَكُوهُ اسْتِجْلابًا لِلشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ فَكَأنَّهم أرادُوا أنْ يَمْلَؤُوا حِياضَ قَلْبِهِ مِن نَمِيرِها لِيَسْقُوا بِهِ أشْجارَ تَحَسُّسِهِمْ لِتُثْمِرَ لَهم غَرَضَ أبِيهِمْ ووَجَّهَهُ بَعْضُهم بِمِثْلِ هَذا ثُمَّ قالَ: عَلى أنَّ قَوْلَهم ﴿ وتَصَدَّقْ ﴾ ..

إلَخْ كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى المَحْمَلَيْنِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهُ عَلى طَلَبِ الرَّدِّ ولِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ يعني: رجعوا إلى يوسف، ودخلوا عليه قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ يعني: أصابنا وأهلنا الجوع وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ قال الحسن يعني: قليلة.

وقال: المزجاة النفاية.

وكان لا يؤخذ في الطعام إلا جيدا في ذلك الوقت، لأن الطعام كان عزيزاً، فلا يؤخذ فيها إلا الجيد.

وعن عبد الله بن الحارث في قوله: وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ قال: متاع الأعراب الصوف والسمن واللبن، ونحو ذلك.

وعن ابن عباس قال: «يعني جئنا بدراهم رديئة» .

وقال سعيد بن جبير: بدراهم زيوف فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ يعني: أتمم لنا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا يعني: وتصدق علينا ما بين الثمنين.

يعني: ما بين الجيد والرديء إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ يعني: يثيبهم في الآخرة بما صنعوا.

وقال ابن عباس: «لو علموا أنه مسلم لقالوا: إن الله يجزيك بالصدقة» .

يعني: إنه كان يلبس عليهم فلا يعرفون حاله ومذهبه.

فأخرج يوسف الكتاب الذي كان كتبه يهوذا حين باعوا يوسف، ودفعه إليهم، فعرف يهوذا خطه، وقالوا: نحن بعنا هذا الغلام إذ كنا نرعى الغنم.

فقال لهم: ظلمتم، وبعتم الحر.

فدعا يوسف بالسيافين وأمرهم بأن يقتلوا إخوته جميعاً، فاستغاثوا كلهم، وصرخوا، وقالوا: إن لم ترحمنا فارحم الشيخ الضعيف، فإنه قد جزع على ولد واحد، فكيف إن هلك أولاده كلهم.

قالَ لهم يوسف هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ يعني: مذنبون ووصف لهم ما فعلوا به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)

وقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا الآية: المعنى: تالله لا تفتأ فتحذف «لا» في هذا الموضع من القَسمِ لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل]

فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً ...

وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي «١»

ومنه قول الآخر: [البسيط] تَاللَّهِ يبقى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حيد...............

.........

«٢»

أراد: لا أبْرَحُ، ولاَ يَبْقَى، و «فَتِىءَ» : بمنزلة زَالَ وبَرَحَ في المعنَى والعملِ تقول:

واللَّهِ، لا فَتِئْتَ قَاعِداً كما تقول: لاَ زلت ولا برحت، وعبارة الداوديّ: وعن ابن عباس: تَفْتَأُ أي: لا تزالُ تَذْكُرُ يوسُفَ، حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً «١» .

انتهى، والحَرَضُ:

الذي قد نهاه الهَرَمُ أو الحُبُّ أو الحُزْنُ إِلى حالِ فَسادِ الأَعضاء وَالبَدَنِ والحسِّ، يقال:

رجلٌ حَارِضٌ، أي: ذو همٍّ وحزنٍ ومنه قول الشاعر: [البسيط]

إِنِّي امرؤ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي ...

حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ «٢»

والحَرِضُ بالجملة الذي فَسَدَ ودنا موته، قال مجاهد: الحَرَضُ: ما دون الموت «٣» وفي حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمْرَضُ حَتَّى يُحْرِضَهُ المَرَضُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ» «٤» انتهى من «رقائق ابن المبارك» .

ثم أجابهم يعقوبُ عليه السلام بقوله: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ

: أي: إِني لست ممَّن يَجْزَعُ ويَضْجَرُ، وإِنما أَشكو إِلى اللَّه، والبَثُّ: ما في صَدْرِ الإِنسان مما هو مُعْتَزِمٌ أَنْ يبثه وينشره.

وقال أبو عبيدة وغيره: البثّ: أشدّ الحزن «٥» قال الداوديّ عن ابن جُبَيْر، قال: مَنْ بَثَّ، فلم يصبر، ثم قرأ: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ

.

انتهى.

وقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ...

الآية: «الرَّوْحُ» : الرحمة، ثم جعل اليأْسَ مِنْ رحمة اللَّه وتفريجه مِنْ صفة الكافرين إِذ فيه إِما التكذيبُ بالرُّبوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى، / والبضاعة: القِطْعة من المال يُقْصَدُ بها شراءُ شَيْءٍ، ولزمها عُرْفُ الفقْهِ فيما لا حَظَّ لحاملها من الربْحِ، وال مُزْجاةٍ: معناها: المدفوعَةُ المتحيَّل لها،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿ قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ .

وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ.

والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.

والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ.

وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ.

رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها.

والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ.

والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ.

والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ.

والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا  ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ.

قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟

فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا.

وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟

هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟

لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟

وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " .

والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ.

فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟

فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ.

والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى.

والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ.

والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أنا يُوسُفُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿ وَهَذا أخِي ﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ.

والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ.

والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى العَزْبَةِ.

والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ.

وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟

أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها.

وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ.

والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً.

وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا.

فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللهِ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ المَعْنى: اذْهَبُوا إلى الأرْضِ الَّتِي جِئْتُمْ مِنها وتَرَكْتُمْ أخَوَيْكم بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ.

"فَتَحَسَّسُوا"، أيِ: اسْتَقْصُوا وتَفَرَّقُوا، والتَحَسُّسُ: طَلَبُ الشَيْءِ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَرِّ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في الخَيْرِ هَذِهِ الآيَةُ، وفي الشَرِّ نَهْيُ النَبِيِّ  في قَوْلِهِ: « "وَلا تَحَسَّسُوا".» وَقَوْلُهُ: ﴿ مِن يُوسُفَ ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَعْمَلُ فِيهِ "تَحَسَّسُوا"، التَقْدِيرُ: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً أو حَقِيقَةً مِن أمْرِ يُوسُفَ، لَكِنْ يُحْذَفُ ما يَدُلُّ ظاهِرُ القَوْلِ عَلَيْهِ إيجازًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَيْأسُوا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأيَسُوا" عَلى ما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تِئَسُوا" بِكَسْرِ التاءِ، وخُصَّ يُوسُفُ وبِنْيامِينُ بِالذِكْرِ لِأنَّ رُوبِيلَ إنَّما بَقِيَ مُخْتارًا، وهَذانِ قَدْ مُنِعا الأوبَةَ.

والرَوْحُ: الرَحْمَةُ، ثُمَّ جَعَلَ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللهِ وتَفْرِيجِهِ مِن صِفَةِ الكافِرِينَ، إذْ فِيهِ: إمّا التَكْذِيبُ بِالرُبُوبِيَّةِ، وإمّا الجَهْلُ بِصِفاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "مِن رُوحِ اللهِ" بِضَمِّ الراءِ، وكَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ فَيُرْجى"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وفي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ ومِن هَذا قَوْلُ عُبَيْدٍ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ∗∗∗ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ ويَظْهَرُ مِن حَدِيثِ الَّذِي قالَ: « (إذا مِتُّ فاحْرُقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي في البَحْرِ والبَرِّ في يَوْمِ راحٍ، فَلَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ فَلْيُعَذِّبْنِي عَذابًا ما عَذَّبَهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ):» إنَّهُ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ النَبِيِّ  في آخِرِ الحَدِيثِ: « "فَغَفَرَ اللهُ لَهُ"» يَقْتَضِي أنَّهُ ماتَ مُؤْمِنًا إذْ لا يَغْفِرُ اللهُ لِكافِرٍ، فَبَقِيَ أنْ يُتَأوَّلَ الحَدِيثُ، إمّا عَلى أنْ (قَدَرَ) بِمَعْنى: ضَيَّقَ وناقَشَ الحِسابَ، فَذَلِكَ مَعْنًى بَيِّنٌ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ "القُدْرَةِ"، ويَكُونُ خَطَؤُهُ في أنْ ظَنَّ في أنَّ الِاجْتِماعَ بَعْدَ السَحْقِ والتَذْرِيَةِ مُحالٌ لا يُوصَفُ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَغَلِطَ في أنْ جَعَلَ الجائِزَ مُحالًا، ولا يَلْزَمُهُ بِهَذا كُفْرٌ.

قالَ النَقّاشَ: وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن فَضْلِ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن رَحْمَةِ اللهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ الآيَةَ، في هَذا المَوْضِعِ اخْتِصارُ مَحْذُوفاتٍ يُعْطِيها الظاهِرُ، وهي أنَّهم نَفَذُوا مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ ووَصَلُوها، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى يُوسُفَ.

و"الضُرُّ" أرادُوا بِهِ المَسْغَبَةُ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها وأمْرُ أخِيهِمُ الَّذِي أهَمَّ أباهم وغَمَّ جَمِيعَهُمْ، و"البِضاعَةُ": القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ، ولَزِمَها عُرْفُ الفِقْهِ فِيما لا حَظَّ لِحامِلِها مِنَ الرِبْحِ، و"المُزْجاةُ" مَعْناها: المَدْفُوعَةُ المُتَحَيَّلُ لَها، ومِنهُ: إزْجاءُ السَحابِ، ومِنهُ إزْجاءُ الإبِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ: عَلى زَواحِفَ تُزْجى مُخُّها رِيرُ وكَما قالَ النابِغَةُ: وهَبَّتِ الرِيحُ مِن تِلْقاءِ ذِي أُرُلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ مِن صُرّادِها صِرَما وَقالَ الأعْشى: الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها وقالَ الآخَرُ: وحاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِنَ الحاجِ وقالَ حاتِمٌ: لِيَبْكِ عَلى مِلْحانِ ضَيْفٌ مُدَّفَعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ أرْمَلا فَجُمْلَةُ هَذا أنَّ مَن يَسُوقُ شَيْئًا ويَتَلَطَّفُ في تَسْيِيرِهِ فَقَدْ أزْجاهُ، فَإذا كانَتِ الدَراهِمُ المَدْفُوعَةُ نازِلَةَ القَدْرِ تَحْتاجُ أنْ يُعْتَذَرَ مَعَها ويُشْفَعَ لَها فَهي مُزْجاةٌ، فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ زُيُوفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ قَلِيلَةً، وقِيلَ: كانَتْ ناقِصَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم عُرُوضًا فَلِذَلِكَ قالُوا هَذا، واخْتُلِفَ في تِلْكَ العُرُوضِ -ما كانَتْ؟

فَقِيلَ: كانَتِ السَمْنَ والصُوفَ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ قَدِيدَ وحْشٍ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتِ الصَنَوْبَرَ والحَبَّةَ الخَضْراءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "وَهِيَ الفُسْتُقُ": وقِيلَ: كانَتِ المُقْلَ، وقِيلَ: كانَتِ القُطْنَ، وقِيلَ: كانَتِ الحِبالَ والأعْدالَ والأقْتابَ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللهُ قالَ: المُزْجاةُ: الجائِزَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا أعْرِفُ لِهَذا وجْهًا، والمَعْنى يَأْباهُ.

ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صُحِّفَ عَلى مالِكٍ، وأنَّ لَفْظَهُ بِالحاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وبِالراءِ، واسْتَنَدَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ إلى هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِنها ولَيْسَ بِنَصٍّ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ مَعْناهُ: بِما بَيْنَ الدَراهِمِ الجِيادِ وهَذِهِ المُزْجاةِ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: كانَتِ الصَدَقَةُ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ عَلى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ، وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ حَدِيثُ النَبِيِّ  في قَوْلِهِ: « "نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا تَحِلُّ لَنا الصَدَقَةُ".» وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ الصَدَقَةُ عَلَيْهِمْ مُحَرَّمَةً ولَكِنْ قالُوا هَذا تَجَوُّزًا واسْتِعْطافًا مِنهم فِي المُبايَعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُساوِمُهُ في سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِن ثَمَنِها كَذا وخُذْ كَذا، فَلَمْ تَقْصِدْ أنْ يَهَبَكَ، وإنَّما حَسَّنْتَ لَهُ الِانْفِعالَ حَتّى يَرْجِعَ مَعَكَ إلى سَوْمِكَ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ أمْرَ أخِيهِمْ (يامِينَ)، أيْ: أوفِ لَنا الكَيْلَ في المُبايَعَةِ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِصَرْفِ أخِينا إلى أبِيهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ .

قالَ النَقّاشُ: يُقالُ: هو مِنَ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ولَوْ قالُوا: "إنَّ اللهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ في الآخِرَةِ" كَذَبُوا، فَقالُوا لَهُ لَفَظًا يُوهِمُهُ أنَّهم أرادُوهُ، وهم يَصِحُّ لَهم إخْراجُهُ مِنهُ بِالتَأْوِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء عاطفة على كلام مقدّر دل عليه المقام، أي فارتحلوا إلى مصر بقصد استطلاق بنيامين من عزيز مصر ثم بالتعرض إلى التحسّس من يوسف عليه السلام، فوصلوا مصر، فدخلوا على يوسف، ﴿ فلما دخلوا عليه ﴾ الخ...

وقد تقدم آنفاً وجه دعائهم يوسف عليه السلام بوصف العزيز.

وأرادوا بمسّ الضر إصَابته.

وقد تقدم إطلاق مسّ الضرّ على الإصابة عند قوله تعالى: ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ في سورة الأنعام (17).

والبضاعة تقدمت آنفاً.

والمزجاة: القليلة التي لا يرغب فيها فكأنّ صاحبها يُزجيها، أي يدفعها بكفة ليقبلها المدفوعة إليه.

والمراد بها مال قليل للامتيار، ولذلك فرع عليه فأوف لنا الكيل}.

وطلبوا التصدّق منه تعريضاً بإطلاق أخيهم لأن ذلك فضل منه إذ صار مملوكاً له كما تقدم.

وجملة ﴿ إن الله يجزي المتصدّقين ﴾ تعليل لاستدعائهم التصدّق عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ أيِ اسْتَعْلِمُوا وتَعَرَّفُوا، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: فَإنْ حَيِيتَ فَلا أحْسَسْكَ في بَلَدِي وإنْ مَرِضْتَ فَلا تَحْسِسْكَ عُوّادِي وَأصْلُهُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحِسِّ.

﴿ وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن فَرَجِ اللَّهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي بِالنَّفْعِ.

وَإنَّما قالَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَنَبَّهَ عَلى يُوسُفَ بِرَدِّ البِضاعَةِ واحْتِباسِ أخِيهِ وإظْهارِ الكَرامَةِ ولِما حُكِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ مَلَكَ المَوْتِ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ؟

فَقالَ: لا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ وهَذا مِن ألْطَفِ تَرْفِيقٍ وأبْلَغِ اسْتِعْطافٍ.

وَفي قَصْدِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِأنْ يَرُدَّ أخاهم عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّانِي: تَوْفِيَةُ كَيْلِهِمْ والمُحاباةُ لَهم، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ وأصْلُ الإزْجاءِ السَّوْقُ بِالدَّفْعِ، وفِيهِ قَوْلُ الشّاعِرِ عَدِيِّ بْنِ الرِّقاعِ.

تُزْجِي أغَنَّ كَأنَّ إبْرَةَ رَوَقِهِ ∗∗∗ قَلَمٌ أصابَ مِنَ الدَّواةِ مِدادَها وَفِي بِضاعَتِهِمْ هَذِهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَتاعُ الأعْرابِ، صُوفٌ وسَمْنٌ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ.

الثّالِثُ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ وصَنَوْبَرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الرّابِعُ: سَوِيقُ المَقْلِ.

قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: خَلِقُ الحَبْلِ والغِرارَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وَفي المُزْجاةِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الرَّدِيئَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الكاسِدَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: القَلِيلَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وهي الَّتِي لا تَبْلُغُ قَدْرَ الحاجَةِ ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ومُرْسِلٍ بِرَسُولٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ ∗∗∗ وحاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِنَ الحاجِ وَقالَ الكَلْبِيُّ: هي كَلِمَةٌ مِن لُغَةِ العَجَمِ، وقالَ الهَيْثَمِيُّ: مِن لُغَةِ القِبْطِ.

﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَيْلُ الَّذِي كانَ قَدْ كالَهُ لِأخِيهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: مِثْلُ كَيْلِهِمُ الأوَّلِ لِأنَّ بِضاعَتَهُمُ الثّانِيَةَ أقَلُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّدَقَةَ تَحْرُمُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ.

الثّانِي: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

قالَ مُجاهِدٌ: ولَمْ تَحْرُمِ الصَّدَقَةُ إلّا عَلى مُحَمَّدٍ  وحْدَهُ.

الثّالِثُ: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِرَدِّ أخِينا إلَيْنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وكُرِهَ لِلرَّجُلِ أنْ يَقُولَ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ لِمَن يَبْتَغِي الثَّوابَ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ تَجَوَّزْ عَنّا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وابْنُ زَيْدٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ ؎ تَصَدَّقْ عَلَيْنا يا ابْنَ عَفّانَ واحْتَسِبْ ∗∗∗ وأْمُرْ عَلَيْنا الأشْعَرِيَّ لَيالِيا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ﴾ أي الضر في المعيشة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وجئنا ببضاعة ﴾ قال: دراهم ﴿ مزجاة ﴾ قال: كاسدة غير طائلة.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: رثة المتاع، خلق الحبل والغرارة والشيء.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: الورق الردية الزيوف، التي لا تنفق حتى يوضع فيها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: قليلة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: دراهم زيوف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير وعكرمة- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال أحدهما: ناقصة.

وقال الآخر: فلوس رديئة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: متاع الإِعراب، الصوف والسمن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: حبة الخضراء، وصنوبر وقطن.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: ببعيرات وبقرات عجاف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ مزجاة ﴾ قال: كاسدة.

وأخرج ابن النجار، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ببضاعة مزجاة ﴾ قال: سويق المقل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس- رضي الله عنهما- أنه سئل عن أجر الكيالين: أيؤخذ من المشتري؟

قال: الصواب- والذي يقع في قلبي- أن يكون على البائع.

وقد قال إخوة يوسف عليهم السلام: ﴿ أوف لنا الكيل وتصدق علينا ﴾ .

وكان يوسف عليه السلام هو الذي يكيل.

وأخرج ابن جرير، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: في مصحف عبد الله ﴿ فأوف لنا الكيل وأوقر ركابنا ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن سفيان بن عيينة- رضي الله عنه، أنه سئل: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟

فقال: ألم تسمع قوله: ﴿ فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: الأنبياء عليهم السلام لا يأكلون الصدقة، إنما كانت دراهم نفاية لا تجوز بينهم، فقالوا: تجوّز عنا ولا تُنْقِصْنا من السعر لأجل رديء دراهمنا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتصدق علينا ﴾ قال: اردد علينا أخانا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن رجلاً قال له: تصدق عليَّ، تصدق الله عليك بالجنة، فقال: ويحك، إن الله لا يتصدق، ولكن الله يجزي المتصدقين.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه أنه سئل: أيكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق علي؟

فقال نعم إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: قيل لبني يعقوب: إن بمصر رجلاً يطعم المسكين ويملأ حجر اليتيم.

قالوا: ينبغي أن يكون هذا منا أهل البيت، فنظروا فإذا هو يوسف بن يعقوب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ﴾ قال أهل اللغة (١) ﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ ﴾ أي: أصابنا ومن يختص بنا الجوع والحاجة، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزجَنةٍ} معني الإزجاء في اللغة (٢) (٣) ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا  ﴾ ، والبقرة تُزَجّى ولدها: اى تسوقه، قال وأمّ عَيْنَاء تُزَجِّي معها إِزْجَاء (٤) وزجيت فلانًا، بالقول أي (٥) وقال (٦) وصَاحِبٍ ذِي غِمْرةٍ زاجَيْتُه ...

زَجَّيْتُه بالقَوْلِ وازدَجَيْته وفلان يزجِّي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، يقال (٧) (٨) تَزَجَّ من دُنْيَاكَ بالبَلَاغِ بكسْرَةٍ لينةِ المِضَاغِ بالمِلْحِ أو ما جَفَّ في الصِّبَاغِ هذا معنى الإزجاء في اللغة، قال ابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) وروى سعيد عن قتادة (١٣) ﴿ بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاة ﴾ قال يسيرة، وقال عبد الله بن الحارث (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ثم اختلفوا في هذه البضاعة الرديئة القليلة أيش كانت، وذكرنا قول ابن عباس فيها في رواية ابن جريج ومثله روى عنه ابن أبي مليكة (٢٢) وقال الحسن (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال مقاتل بن حيان (٢٦) (٢٧) (٢٨) واختلف أهل المعاني: لِمَ سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟

فقال أبو إسحاق (٢٩) وقال أبو عبيد (٣٠) (٣١) ليَبْكِ على مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَعٌ ...

وأرْمَلة تُزْجِي مع اللَّيلِ أرْمَلا أي: تدفع وتسوق، وقال غيره (٣٢) (٣٣) وقال الكلبي (٣٦) قال الهيثم بن عدي (¬2): هي من لغة القبط.

قال الأنباري (¬3): لا ينبغي أن يجعل حرف عربي معروف المباني والاشتقاق والتصرف منسوبًا إلى القبط ودونهم؛ إذ كلام أولئك يدور (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ﴾ قال المفسرون (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ أكثر المفسرين (٣٩)  بهذه الآية، وعلى قول سفيان: سألوه أن يتصدق عليهم بشيء زيادة على ما يستحقونه ببضاعتهم المزجاة، وقول العامة: أشبه بحال الأنبياء وأولاد الأنبياء؛ إذ هم يأنفون عن الخضوع للمخلوقين، ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغناء بأقسامه (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (١) انظر: الطبري 13/ 49، الثعلبي 7/ 106 أ، البغوي 4/ 271، ابن عطية 8/ 60، "زاد المسير" 4/ 277، القرطبي 9/ 252.

(٢) "تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1511، و"اللسان" (زجا) 3/ 1815.

(٣) في (ب): (السرق).

(٤) من الرجز، ولم أقف عليه.

(٥) (أي) ساقط من (ب).

(٦) البيان من الرجز، وهما بلا نسبة في تهذيب (زاج) 2/ 1511، "واللسان" (زجا) 3/ 1815 برواية (داجيته).

(٧) "تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1511.

(٨) الرجز بلا نسبة وهو كما يلي: تزج من دنياك بالبلاغ وباكر المعدة بالدِّباغ بكسرة جيِّدة المضاغ بالملح أو ما خف من صباغ وهو في "اللسان" (زجا) 3/ 1815، (بلغ) 1/ 346، (صبغ) 4/ 2395، و"تاج العروس" (بلغ) 12/ 8، (صبغ) 12/ 40، (وضع) 11/ 516، وأساس البلاغة (زجى).

(٩) الطبري 13/ 50، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 106 أ، و"زاد المسير" 4/ 278، والقرطبي 9/ 253.

(١٠) القرطبي 9/ 253، الرازى 18/ 201.

(١١) ذكره الطبري 13/ 51 بسنده عن سعيد بن جبير وعكرمة ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ﴾ قال سعيد ناقصة، وقال عكرمة: دراهم فسول، وانظر الطبري 13/ 51، وابن أبي حاتم 7/ 2192.

(١٢) "معاني القرآن" 2/ 55.

(١٣) الطبري 13/ 52، عبد الرزاق 2/ 328.

(١٤) الطبري 13/ 52.

(١٥) الطبري 13/ 52، وابن عطية 8/ 62، وابن أبي حاتم 7/ 2192، و"البحر" 5/ 340، الرازى 18/ 201.

(١٦) البغوي 4/ 272 من غير عزو.

(١٧) الطبري 13/ 52، و"زاد المسير" 4/ 277.

(١٨) البخاري "فتح" 8/ 208.

(١٩) الغرارة: الجُوَالق، واحدة الغرائر.

"تهذيب اللغة" 3/ 2651، و"اللسان" 6/ 3236.

(٢٠) الطبري 13/ 53.

(٢١) الطبري 13/ 53.

(٢٢) الطبري 13/ 50، وعبد الرزاق 2/ 328، وسعيد بن منصور وابن أي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 64، والثعلبي 7/ 106 أ.

(٢٣) الثعلبي 7/ 106 ب، و"زاد المسير" 4/ 277.

(٢٤) الطبرى 13/ 51، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، والثعلبي 7/ 106 أ، وابن عطية 8/ 62، و"زاد المسير" 4/ 277.

(٢٥) الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، "زاد المسير" 4/ 277، القرطبي 9/ 253.

(٢٦) الثعلبى 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272.

(٢٧) الحبة الخضراء هي الفستق، و"البحر المحيط" 5/ 340.

(٢٨) الطبري 13/ 51 عن أبي صالح، ابن أبي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ عنه أيضًا كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، "تنوير المقباس" ص 153.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 127.

(٣٠) الرازي 18/ 201، و"زاد المسير" 4/ 278، ونسبه إلى أبي عبيدة، ولم أجده في "مجاز القرآن".

(٣١) نسبه الطبري 13/ 50 إلى حاتم، وعلق محمود شاكر بقوله: ليس في ديوانه، وأنشده ابن بري غير منسوب "اللسان" (رمل) 3/ 1735، والظاهر أن الشعر لحاتم؛ لأن (ملحان) هوابن عمه -ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي- وكنت وقفت على أبيات من هذا الشعر، ثم أضعتها اليوم.

انظر: "ديوانه" 86، و"الزاهر" 2/ 97، و"السان" (رمل) 3/ 1735، وابن عطية 8/ 61، و"البحر المحيط" 5/ 340، و"الدر المصون" 6/ 550، و"زاد المسير" 4/ 278.

(٣٢) الرازي 18/ 202، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 456.

(٣٣) (لا ينفق) ساقط من (أ)، (ج).

(٣٤) في (أ)، (ج): (لا يدرون).

(٣٥) الطبري 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، الرازي 18/ 202.

(٣٦) الطبري 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، ابن عطية 8/ 63.

(٣٧) "زاد المسير" 4/ 278.

(٣٨) الطبرى 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، ابن عطية 8/ 63، البغوي 4/ 272، "زاد المسير" 4/ 279، القرطبي 9/ 254.

(٣٩) قلت: وهذا هو الراجح أنهم لم يقصدوا الصدقة التي حُرمت على الأنبياء قال ابن عطية 8/ 63 عن قول سفيان: وهذا ضعيف يرده حديث النبي  في قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة".

وانظر: الرازي 18/ 202.

(٤٠) الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، القرطبي 9/ 255، الرازي 18/ 202.

(٤١) الطبري 13/ 54، وأبو عبيد وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 62، الرازي 18/ 202.

(٤٢) الرازي 18/ 202، وانظر: "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1991.

(٤٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1991 (صدق).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يابني اذهبوا ﴾ يعني إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ أي تعرّفوا خبرهما، والتحسّس طلب الشيء بالحواس؛ السمع والبصر، وإنما لم يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك اختياراً منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحب إليه ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ﴾ أي من رحمة الله ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون ﴾ إنما جعل اليأس من صفة الكافر، لأن سببه تكذيب الربوبية أو جهلاً بصفات الله من قدرته وفضله ورحمته ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ أي على يوسف وقيل: هذا محذوف تقديره فرجعوا إلى مصر ﴿ الضر ﴾ يريدون به المجاعة أو الهم على إخوتهم ﴿ بِبِضَاعَةٍ مزجاة ﴾ يعنون الدراهم التي جاؤوا بها لشراء الطعام، والمزجاة القليلة، وقيل: الرديئة، وقيل: الناقصة، وقيل: إن بضاعتهم كانت عروضاً فلذلك قالوا هذا ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ قيل: يعنون بما بين الدراهم الجياد ودراهم من فوق وقيل: أوف لنا الكيل الذي هو حقنا وزدنا على حقنا، وسموا الزيادة صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: تصدق علينا برد أخينا إلينا ﴿ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين ﴾ قال النقاش: هو من المعاريض وذلك أنهم كانوا يعتقدون أنه كافر، لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين أهل مصر، فلو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظاً يوهم أنهم أرادوه وهم لم يريدوه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.

﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.

﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.

﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.

الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.

﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.

﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.

التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.

والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.

والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.

وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟

الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.

قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.

قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.

وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.

روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله  أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟

وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.

ونقل أن جبريل  دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.

فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.

وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً  ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.

وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله  على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

ومما يدل على أن يعقوب  أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.

والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.

ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.

يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟

قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.

عن النبي  : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.

وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق  أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.

﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.

وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.

قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.

والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.

فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.

فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.

وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا  "أعوذ بك منك" .

ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.

يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.

فقال: الذي بي لكثرة غمومي.

فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟

فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.

فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.

وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.

واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله  بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟‍!

أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.

وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟

قال: لا يا نبي الله.

ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.

وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.

وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.

وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.

ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.

وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.

قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله  غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.

ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال  ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً  ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.

قال الكلبي.

هي من لغة العجم.

وقيل: لغة القبط.

والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.

قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.

وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.

وقيل: سويق المقل والأقط.

وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.

﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.

﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.

واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟

فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد  .

وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.

وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.

كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.

فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله  قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.

أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله  وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.

فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.

وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".

وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.

وفيه تصديق لقوله  : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا  ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.

وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.

وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.

ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم  فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.

ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.

وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.

﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.

ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.

قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.

وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".

والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.

قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.

واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.

سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.

وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.

وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.

وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.

وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.

ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.

وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.

يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.

فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.

عن رسول الله  أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟

قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.

فقال  : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .

قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.

وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.

وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.

روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.

عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.

وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.

﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.

قال أهل التحقيق: إن الله  أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.

والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.

﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين  ﴾ .

وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.

قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.

﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع  ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.

والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟

فقال: هو ملك مصر.

قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟

قال: على دين الإسلام.

قال: الآن تمت النعمة.

ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.

قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.

وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.

وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.

فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.

روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.

وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.

فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.

واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟

قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟

قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.

ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.

قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله  أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.

وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله  أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.

قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.

وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.

وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.

﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟

وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله  فمن أين جاز سجدة أبويه له؟

والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله  ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.

وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.

واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.

بأن الخرور قد يعني به المرور قال  .

﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً  ﴾ أي لم يمروا.

وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.

ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.

وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.

وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله  أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله  ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.

﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.

﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.

مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.

قال ابن الأنباري.

بدا موضع معروف هنالك.

روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.

قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه  أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.

وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.

﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.

﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!

قال: أمرني جبريل.

قال: أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب  ﴾ قال: فهلا خفتني.

ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.

فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.

ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون  ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.

قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟

والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله  كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.

وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟

أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.

سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.

فما الفائدة في الطلب؟

الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.

وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.

وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.

قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله  وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.

وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.

ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.

ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.

وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.

ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.

وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.

ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.

فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.

وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  ﴾ فليتذكر.

قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.

وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله  أعلم بحقائق الأمور.

التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم  حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ بل أول ملامتي هو الله  حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون  ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.

فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .

يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق  ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ أي على يوسف ﴿ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ ﴾ سموه عزيزاً، لما لعلهم يسمّون كل ملك عزيزاً، أو سمعوه عزيزاً؛ لما كان عند ذلك عزيزاً؛ بقوله: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ  ﴾ أو لما كان بالناس إليه حاجة بالطعام الذي في يده؛ وهو كان غنيّاً عما في أيديهم والله أعلم.

قولهم: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ﴾ .

قال أهل التأويل: أصابنا الشدة والبلاء من الجوع.

﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ .

قيل: دراهم نُفَاية مبهرجة لا تنفق في الطعام؛ كاسدة؛ لأنه كان في عزّة؛ وتُنفَق في غيره.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ أي قليلة.

وكذلك قال القتبي: أي قليلة.

وقال ابن عباس: هي الورق الرّديئة التي لا تنفق حتى يوضع منها.

وقال أبو عبيد: الإزجاء في كلام العرب: الدفع والسَّوق؛ وهو كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً  ﴾ أي يسوق ويدفع.

وقال بعضهم: ناقصة.

وقال بعضهم: جاءوا بسمن وصوف.

وقيل: جاءوا بصنوبر وحبة الخضراء، وأمثال هذا.

قالوا: ويشبه أن يكون ﴿ مُّزْجَاةٍ ﴾ من التزجية: كما يقال: نزجي يوماً بيوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ ﴾ .

قال بعضهم: أوف لنا الكيل بسعر الجياد؛ وتأخذ النُّفَاية وتكيل لنا الطعام بسعر الجياد.

لكن قوله: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ ﴾ أي سلم لنا الكيل تامّاً؛ لأن الإيفاء هو التسليم على الوفاء؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ  ﴾ ، وتصدق علينا بفضل ما بين الثمنين في الوزن.

وقيل: ما بين الكيلين.

وقال بعضهم: وتصدق علينا: أي زد لنا شيئاً يكون ذلك صدقة لنا منك.

لكن يشبه على ما قالوا: وطلبوا منه الصدقة؛ حط الثمن؛ لأن الصدقة لا تحل للأنبياء، ويجوز الحط لهم، ويجوز حطّ من لا يجوز صدقته؛ نحو العبد المأذون له في التجارة؛ يجوز حطه ولا يجوز صدقته، وكذلك نبي الله كان يجوز [له الشراء] بدون ثمنه؛ ولا تحل له الصدقة.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ﴾ بذهاب بصر أبيهم؛ مسهم بذلك وأهلهم الضر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ .

أي رُدَّ علينا بنيامين؛ لعل الله يرد بصره عليه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل: إن الله يجزي المتصدقين إن كانوا على دين الإسلام؛ كأنهم ظنوا أنه ليس على دين الإسلام؛ ولو أنهم ظنوا أنه مسلم؛ لقالوا: إن الله يجزيك بالصدقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .

هو ظاهر لا يحتاج إلى ذكره وأما ما فعلوه بأخيه: قال أهل التأويل: هو ما قالوا إنه سرق؛ لكنهم لم يقولوا إلا قدر ما ظهر عندهم؛ فلم يلحقهم بذلك القول فضل تعيير؛ لكن يشبه أن يكونوا آذوه بأنواع الأذى، ولا شك أنهم كانوا يبغضون يوسف وأخاه؛ حيث قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ .

وقوله: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .

قد كانوا علموا هم ما فعلوا بيوسف لكنه [كأنه] قال: هل تذكرون ما فعلتم بيوسف؛ أو أنتم جاهلون ذلك؛ ناسون؟

يقول لهم: اذكروا ما فعلتم بيوسف، وتوبوا إلى الله عن ذلك، ولا تكونوا جاهلين عن ذلك.

أو يقول لهم: هل رجعتم وتبتم عن ذلك؟، أو أنتم بعد فيه؟.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ أي: مذنبون؛ ولكن إذ أنتم جاهلون قدر يوسف ومنزلته، لأنهم لو علموا ما قدر يوسف عند الله؛ وما منزلته ما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ وما خطئوا أباهم في حبّه إياه حيث قالوا: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ  ﴾ ، وما فعلوا به ما فعلوا.

والله أعلم.

﴿ قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ﴾ .

كأنهم عرفوا أنه يوسف؛ بقول يوسف لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ [أو عرفوا بقول أبيهم؛ حيث قال: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ ] لما ذكر أخاه ورأوه معه عرفوا أنه يوسف؛ لذلك قالوا.

والله أعلم.

﴿ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ ﴾ .

يحتمل: من يتّق معاصيه، ويصبر على بلاياه.

أو اتقى مناهيه؛ وصبر على أداء ما أمر به.

أو من اتقى وصبر؛ فقد أحسن.

أو يقول: إنه من يتق الجَفاء؛ ويصبر على البلاء؛ فقد أحسن.

﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ .

أي رُدَّ أخانا علينا، وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ .

﴿ تَٱللَّهِ ﴾ قسم قد اعتادوه في فحوى كلامهم؛ على غير إرادة يمين بذلك؛ هكذا عادة العرب؛ وإلا كان يعلم يوسف أن الله قد آثره عليهم.

ويشبه أن يكون يخرج القسم هاهنا على تأكيد معرفتهم فضله ومنزلته؛ أي: لم تزل كنت مُؤْثَراً مفضّلا علينا.

﴿ وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ .

أي: وقد كنا خاطئين؛ فيما كان منا إليك من الصنيع.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ ؛ فيما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ أي لما كان يؤثرهما عليهم؛ فقالوا: كنت مؤثَراً على ما كان أبونا يؤثرك علينا وقد كنا ﴿ لَخَاطِئِينَ ﴾ ؛ فقال يوسف.

﴿ قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ .

قال القتبي: قوله: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ ﴾ : أي لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم؛ بما صنعتم.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ أي: لا تنغيث عليكم.

وقيل: أصل التثريب: الإفساد؛ يقال: ثرب علينا الأمر: أي أفسده.

وقال أبو عوسجة: التثريب: الملامة؛ يقول: لا لوم عليكم في صنيعكم.

وقال ابن عباس - رضي لله عنه -: لا تثريب عليكم: أي لا أعيّركم بعد هذا اليوم أبداً؛ ولا أعيره عليكم.

وهو يحتمل هذين الوجهين: أحدهما: لا تعيير عليكم ولا ملامة؛ أي ليس عليكم في العقل تعيير ولا ملامة؛ إذا تبتم وأقررتم بالخطأ، وهكذا كل من أذنب ذنباً أو ارتكب كبيرة؛ ثم انتزع عنها وتاب منها؛ لا يعيَّر - هو - عليه ولا يلام.

وكذلك قيل في قوله: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ  ﴾ ذكر أنهم كانوا يعيَّرون أهل الكفر في كفرهم؛ وينابزونهم؛ ثم أسلموا؛ فنهوا أن ينابزوهم؛ ويصنعوا بهم مثل صنيعهم بهم في حال كفرهم، ولو وجب التعيير والملامة بعد الانتزع عنه والتوبة؛ أو يجوز ذلك لكان أصحاب رسول الله معيَّرين ملامين؛ لأنهم كانوا أهل الكفر في الابتداء، فهذا مما لا يحل في العقل.

والثاني: قوله: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ : لا أعيَّركم؛ على ما قال ابن عباس -  - أي: لا أذكر ما كان منكم إلينا؛ أمنهم عن أن يذكر شيئاً مما كان منهم إليه؛ ولذلك قال: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ  ﴾ .

ذكر أن الشيطان هو الذي فعل ما كان بينه وبين إخوته؛ وكذلك فعل؛ حيث قال: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ  ﴾ أضاف ذلك إلى الشيطان، ولم يضف إلى إخوته.

وقوله - عز جل -: ﴿ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قطع فيه القول بالمغفرة لهم؛ حين أقروا بالخطايا وتابوا عما فعلوا، وهكذا كل من تاب عن ذنب ارتكبه ونزع عنه؛ أن يقطع القول فيه بالمغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ يخرج على الدعاء لهم بالمغفرة، أو على الإخبار بالوحي أنه يغفر لهم، أو قد غفر لهم، أو يقول: استغفروا الله؛ الذي كان بين الله وبينكم يغفر لكم.

﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ لأن كل من يرحم من الخلائق؛ إنما يرحم برحمة منه إليه؛ فهو أرحم الراحمين؛ بما قلنا؛ على ما قلنا في قوله: ﴿ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ  ﴾ و ﴿ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ  ﴾ لأن من يحكم من الخلائق بحكم يجوز إنما يحكم بحكم ناله منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ﴾ .

دل هذا من يوسف؛ حيث قطع القول فيه أنه يصير بصيراً؛ إنه عن وحي قال هذا لا عن رأي منه واجتهاد؛ إذ قطع القول فيه أنه إذا ألقى على وجهه يصير بصيراً.

وقوله: ﴿ يَأْتِ بَصِيراً ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يصير بصيراً على ما ذكرنا.

والثاني: يأتيني بصيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

أراد - والله أعلم - حيث أمرهم أن يأتوا بأهلهم أجمع - أن يبرّهم ويكرمهم؛ حين تابوا عما فعلوا به؛ وأقروا له بالخطأ في أمره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فامتثَلُوا أمر أبيهم، , ذهبوا بحثًا عن يوسف وأخيه، فلما دخلوا على يوسف قالوا له: أصابتنا الشدة والفقر، وأتينا ببضاعة حقيرة زهيدة، فكِلْ لنا كيلًا وافيًا كما كنت تكيل لنا من قبل، وتصدَّق علينا بزيادة على ذلك أو بالتغاضي عن بضاعتنا الحقيرة، إن الله يجازي المتصدقين بأحسن الجزاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZP540"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله