تفسير الآية ١١ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١١ من سورة الرعد

لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 175 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١١ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) أي : للعبد ملائكة يتعاقبون عليه ، حرس بالليل وحرس بالنهار ، يحفظونه من الأسواء والحادثات ، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر ، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، فاثنان عن اليمين و [ عن ] الشمال يكتبان الأعمال ، صاحب اليمين يكتب الحسنات ، وصاحب الشمال يكتب السيئات ، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه ، واحدا من ورائه وآخر من قدامه ، فهو بين أربعة أملاك بالنهار ، وأربعة آخرين بالليل بدلا حافظان وكاتبان ، كما جاء في الصحيح : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم : كيف تركتم عبادي ؟

فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " وفي الحديث الآخر : " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستحيوهم وأكرموهم " .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) والمعقبات من أمر الله ، وهي الملائكة .

وقال عكرمة ، عن ابن عباس : ( يحفظونه من أمر الله ) قال : ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه .

وقال مجاهد : ما من عبد إلا له ملك موكل ، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام ، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال الملك : وراءك إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه .

وقال الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه ) قال : ذلك ملك من ملوك الدنيا ، له حرس من دونه حرس .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه ) يعني : ولي الشيطان ، يكون عليه الحرس .

وقال عكرمة في تفسيرها : هؤلاء الأمراء : المواكب من بين يديه ومن خلفه .

وقال الضحاك : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) قال : هو السلطان المحترس من أمر الله ، وهم أهل الشرك .

والظاهر ، والله أعلم ، أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبيد يشبه حرس هؤلاء لملوكهم وأمرائهم .

وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديثا غريبا جدا فقال : حدثني المثنى ، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري ، حدثنا علي بن جرير ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن كنانة العدوي قال : دخل عثمان بن عفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقال : يا رسول الله ، أخبرني عن العبد ، كم معه من ملك ؟

فقال : " ملك على يمينك على حسناتك ، وهو آمر على الذي على الشمال ، إذا عملت حسنة كتبت عشرا ، فإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين : أكتب ؟

قال : لا لعله يستغفر الله ويتوب .

فإذا قال ثلاثا قال : نعم ، اكتب أراحنا الله منه ، فبئس القرين .

ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا " .

يقول الله : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ ق : 18 ] وملكان من بين يديك ومن خلفك ، يقول الله : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) وملك قابض على ناصيتك ، فإذا تواضعت لله رفعك ، وإذا تجبرت على الله قصمك ، وملكان على شفتيك ، ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - وملك قائم على فيك لا يدع الحية أن تدخل في فيك ، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار; لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار ، فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي وإبليس بالنهار وولده بالليل " .

قال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا سفيان ، حدثني منصور ، عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه ، عن عبد الله قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة " .

قالوا : وإياك يا رسول الله ، قال : " وإياي ، ولكن أعانني الله عليه فلا يأمرني إلا بخير " .

انفرد بإخراجه مسلم .

وقوله : ( يحفظونه من أمر الله ) قيل : المراد حفظهم له من أمر الله .

رواه علي بن أبي طلحة ، وغيره ، عن ابن عباس .

وإليه ذهب مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي ، وغيرهم .

وقال قتادة : ( يحفظونه من أمر الله ) قال : وفي بعض القراءات : " يحفظونه بأمر الله " .

وقال كعب الأحبار : لو تجلى لابن آدم كل سهل وحزن ، لرأى كل شيء من ذلك شياطين لولا أن الله وكل بكم ملائكة عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم ، إذا لتخطفتم .

وقال أبو أمامة ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه ، حتى يسلمه للذي قدر له .

وقال أبو مجلز : جاء رجل من مراد إلى علي ، رضي الله عنه ، وهو يصلي ، فقال : احترس ، فإن ناسا من مراد يريدون قتلك .

فقال : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه ، وإن الأجل جنة حصينة .

وقال بعضهم : ( يحفظونه من أمر الله ) بأمر الله ، كما جاء في الحديث أنهم قالوا : يا رسول الله ، أرأيت رقى نسترقي بها ، هل ترد من قدر الله شيئا ؟

فقال : " هي من قدر الله " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا حفص بن غياث ، عن أشعث ، عن جهم ، عن إبراهيم قال : أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل : أن قل لقومك : إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا تحول لهم مما يحبون إلى ما يكرهون ، ثم قال : إن مصداق ذلك في كتاب الله : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وقد ورد هذا في حديث مرفوع ، فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه " صفة العرش " : حدثنا الحسن بن علي ، حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي ، حدثنا أبو حنيفة اليمامي الأنصاري ، عن عمير بن عبد الله قال : خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة ، قال : كنت إذا سكت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدأني ، وإذا سألته عن الخبر أنبأني ، وإنه حدثني عن ربه ، عز وجل ، قال : " قال الرب : وعزتي وجلالي ، وارتفاعي فوق عرشي ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي " .

وهذا غريب ، وفي إسناده من لا أعرفه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: لله تعالى ذكرهُ معقِّباتٌ قالوا: " الهاء " في قوله: " له " من ذكر اسم الله.

و " المعقبات " التي تعتقب على العبد.

(29) وذلك أن ملائكة الليل إذا صعدت بالنهار أعقبتها ملائكة النهار, فإذا انقضى النهار صعدت ملائكة النهار ثم أعقبتها ملائكة الليل.

وقالوا: قيل " معقبات ", و " الملائكة ": جمع " ملك " مذكر غير مؤنث, وواحد " الملائكة "" معقِّب ", وجماعتها " مُعَقبة ", ثم جمع جمعه أعني جمع " معقّب " بعد ما جمع " مُعَقّبة " وقيل " معقِّبات ", كما قيل: " سادات سعد ", (30) " ورجالات بني فلان "، جمع " رجال " .

* * * وقوله: (من بين يديه ومن خلفه) ، يعني بقوله: (من بين يديه) ، من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار (31) (ومن خلفه)، من وراء ظهره .

*ذكر من قال ذلك: 20210- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن منصور, يعني ابن زاذان, عن الحسن في هذه الآية: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) قال: الملائكة .

20211- حدثني المثنى قال: حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري قال: حدثنا علي بن جرير, عن حماد بن سلمة, عن عبد الحميد بن جعفر, عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟

قال: ملك على يمينك على حسناتك, وهو أمينٌ على الذي على الشمال, (32) فإذا عملتَ حسنة كُتِبت عشرًا, وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب!

قال: لا لعله يستغفر الله ويتوب!

فإذا قال ثلاثًا قال: نعم اكتب أراحنا الله منه, فبئس القرين, ما أقل مراقبته لله, وأقل استحياءَه منّا!

يقول الله: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ، [سورة ق: 18] ، وملكان من بين يديك ومن خلفك, يقول الله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ، وملك قابض على ناصيتك, فإذا تواضعت لله رفعك, وإذا تجبَّرت على الله قصمك .

وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصَّلاة على محمد.

وملك قائم على فيك لا يدع الحيّة تدخل في فيك، (33) وملكان على عينيك.

فهؤلاء عشرة أملاك على كلّ آدميّ, ينـزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، [لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار] (34) فهؤلاء عشرون ملكًا على كل آدمي, وإبليس بالنهار وولده بالليل.

(35) 20212- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) الملائكة(يحفظونه من أمر الله) .

20213- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

20214- ...

قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن عبد الملك, عن قيس, عن مجاهد, في قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه) ، قال: مع كل إنسان حَفَظَةٌ يحفظونه من أمر الله .

20215- ...

قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ، فالمعقبات هن من أمر الله, وهي الملائكة .

20216- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس: (يحفظونه من أمر الله) قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه, فإذا جاء قدره خَلَّوا عنه .

20217- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) فإذا جاء القدر خَلَّوا عنه .

20218- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم في هذه الآية قال: الحَفَظَة .

20219- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ، قال: ملائكة .

20220- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا يعلى قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله: (له معقبات) قال: ملائكة الليل، يعقُبُون ملائكة النهار .

20221- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) هذه ملائكة الليل يتعاقبون فيكم بالليل والنهار.

وذكر لنا أنهم يجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح وفي قراءة أبيّ بن كعب: ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَرَقِيبٌ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أَمْرِ اللهِ).

20222- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله: (له معقبات من بين يديه) ، قال: ملائكة يتعاقبونه .

20223- حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) قال: الملائكة قال ابن جريج: " معقبات "، قال: الملائكة تَعَاقَبُ الليلَ والنهار.

وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبح وقوله: (يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ) ، قال ابن جريج: مثل قوله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ، [سورة ق: 17].

قال: الحسنات من بين يديه، والسيئات من خلفه.

الذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السيئات .

20224- حدثنا سوّار بن عبد الله قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت ليثًا يحدث، عن مجاهد أنه قال: ما من عبدٍ إلا له ملك موكَّل يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإنس والهوامّ, فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءَك!

إلا شيئًا يأذن الله فيه فيصيبه .

20225- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي: قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) ، قال: يعني الملائكة .

* * * وقال آخرون: بل عني بـ" المعقبات " في هذا الموضع، الحرَس, الذي يتعاقب على الأمير .

*ذكر من قال ذلك: 20226- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا ابن يمان قال: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) قال: ذلك ملك من مُلوك الدنيا له حَرسٌ من دونه حرَس .

20227- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) ، يعني: ولىَّ الشيطان، يكون عليه الحرس .

(36) 20228- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن شَرْقيّ: أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه ) قال: هؤلاء الأمراء .

(37) 20229- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا عمرو بن نافع قال: سمعت عكرمة يقول: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) قال: المواكب من بين يديه ومن خلفه .

(38) 20230- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ، قال: هو السلطان المحترس من الله, وهم أهل الشرك .

(39) * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب, قولُ من قال: " الهاء "، في قوله: (له معقبات) من ذكر " مَنْ" التي في قوله: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ " وأن المعقبات من بين يديه ومن خلفه ", هي حرسه وجلاوزته، (40) كما قال ذلك من ذكرنا قوله .

وإنما قلنا: " ذلك أولى التأويلين بالصواب "، لأن قوله: (له معقبات) أقرب إلى قوله: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ منه إلى عالم الغيب, فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره, وأن يكون المعنيَّ بذلك هذا, مع دلالة قول الله: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له) على أنهم المعنيُّون بذلك.

وذلك أنه جل ثناؤه ذكر قومًا أهل معصيةٍ له وأهلَ ريبة, يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار, ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم, ومَنْعَة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله.

ثم أخبر أنّ الله تعالى ذكره إذا أراد بهم سوءًا لم ينفعهم حَرَسهم, ولا يدفع عنهم حفظهم .

* * * وقوله: (يحفظونه من أمر الله) اختلف أهل التأويل في تأويل هذا الحرف على نحو اختلافهم في تأويل قوله: (له معقبات) .

فمن قال: " المعقبات " هي الملائكة قال: الذين يحفظونه من أمر الله هم أيضًا الملائكة.

ومن قال: " المعقبات " هي الحرس والجلاوزة من بني آدم قال: الذين يحفظونه من أمر الله هم أولئك الحرس .

* * * واختلفوا أيضًا في معنى قوله: (من أمر الله) .

فقال بعضهم: حفظهم إيّاه من أمره .

وقال بعضهم: (يحفظونه من أمر الله) بأمر الله .

*ذكر من قال: الذين يحفظونه هم الملائكة, ووجَّه قوله: (بأمر الله) إلى معنى أن حفظها إيّاه من أمر الله: 20231- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي عن ابن عباس قوله: (يحفظونه من أمر الله) ، يقول: بإذن الله، فالمعقبات: هي من أمر الله, وهي الملائكة.

20232- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (يحفظونه من أمر الله) ، قال: الملائكة: الحفظة, وحفظهم إياه من أمر الله .

20233- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثني عبد الملك, عن ابن عبيد الله, عن مجاهد في قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ، قال: الحفظة هم من أمر الله .

20234- ...

قال: حدثنا علي يعني ابن عبد الله بن جعفر قال: حدثنا سفيان, عن عمرو, عن ابن عباس: (له معقبات من بين يديه) ، رقباء (ومن خلفه) من أمر الله (يحفظونه).

(41) 20235- ...

قال: حدثنا عبد الوهاب, عن سعيد, عن قتادة, عن الجارود, عن ابن عباس: (له معقبات من بين يديه) ، رقيب(ومن خلفه) .

20236- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن خصيف, عن مجاهد: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ، قال: الملائكة من أمر الله .

20237- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (يحفظونه من أمر الله) ، قال: الملائكة من أمر الله .

20238- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) قال: الحفظة .

* * * *ذكر من قال: عنى بذلك: يحفظونه بأمر الله: 20239- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (يحفظونه من أمر الله) : أي بأمر الله .

20240- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (يحفظونه من أمر الله) , وفي بعض القراءات (بِأَمْرِ اللهِ).

20241- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن عبد الملك, عن قيس, عن مجاهد في قوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) قال: مع كل إنسان حَفَظَة يحفظونه من أمر الله .

* * * *ذكر من قال: تحفظه الحرس من بني آدم من أمر الله: 20242- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (يحفظونه من أمر الله) يعني: ولّى الشيطان، (42) يكون عليه الحرس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه, يقول الله عز وجل: يحفظونه من أمري, فإني إذا أردت بقوم سوءًا فلا مرد له وما لهم من دونه من والٍ .

20243- حدثني أبو هريرة الضبعي قال: حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا شعبة ، عن شَرْقيّ, عن عكرمة: (يحفظونه من أمر الله) قال: الجلاوزة .

(43) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: يحفظونه من أمر الله, و " أمر الله " الجن, ومن يبغي أذاه ومكروهه قبل مجيء قضاء الله, فإذا جاء قضاؤه خَلَّوْا بينه وبينه .

*ذكر من قال ذلك: 20244- حدثني أبو هريرة الضبعي قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ورقاء, عن منصور, عن طلحة, عن إبراهيم: (يحفظونه من أمر الله) قال: من الجن .

(44) 20245- حدثنا سوّار بن عبد الله قال: حدثنا المعتمر قال: سمعت ليثًا يحدث، عن مجاهد أنه قال: ما من عبد إلا له ملك موكّل يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإنس والهوامّ, فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءَك إلا شيئًا يأذن الله فيصيبه .

20246- حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا إسماعيل بن عياش, عن محمد بن زياد الألهاني, عن يزيد بن شريح، عن كعب الأحبار قال: لو تجلَّى لابن آدم كلّ سهلٍ وحزنٍ لرأى على كل شيء من ذلك شياطين.

لولا أن الله وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذًا لتُخُطِّفتم .

20247- حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية قال: حدثنا عمارة بن أبي حفصة, عن أبي مجلز قال: جاء رجل من مُرادٍ إلى عليّ رضي الله عنه وهو يصلي, فقال: احترس, فإنّ ناسًا من مراد يريدون قتلك!

فقال: إنّ مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدَّر, فإذا جاء القدَرُ خلَّيا بينه وبينه, وإن الأجل جُنَّةٌ حصينة .

20248- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عبد الوهاب, عن الحسن بن ذكوان, عن أبي غالب, عن أبي أمامة قال: ما من آدمي إلا ومعه ملك موكَّل يذود عنه حتى يسلمه للذي قُدِّر له .

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: يحفظون عليه من الله .

*ذكر من قال ذلك: 20249- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (يحفظونه من أمر الله) ، قال: يحفظون عليه من الله .

* * * قال أبو جعفر: يعني ابن جريج بقوله: " يحفظون عليه " ، الملائكة الموكلة بابن آدم, بحفظ حسناته وسيئاته, وهي" المعقبات " عندنا, تحفظ على ابن آدم حسناته وسيئاته من أمر الله.

* * * قال أبو جعفر: وعلى هذا القول يجب أن يكون معنى قوله: (من أمر الله) ، أنّ الحفظة من أمر الله, أو تحفظ بأمر الله ويجب أن تكون " الهاء " التي في قوله: (يحفظونه) وُحِّدت وذُكِّرت وهي مراد بها الحسنات والسيئات, لأنها كناية عن ذكر " مَنْ" الذي هو مستخف بالليل وسارب بالنهار وأن يكون " المستخفي بالليل " أقيم ذكره مقام الخبر عن سيئاته وحسناته, كما قيل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ، [سورة يوسف: 82].

وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك خلاف هذه الأقوال كلها:- 20250- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ قال: أتى عامر بن الطفيل, وأربد بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, (45) فقال عامر: ما تجعل لي إن أنا اتبعتك؟

قال: أنت فارس، أعطيك أعنة الخيل.

قال: لا .

قال: " فما تبغي؟

قال: لي الشرق ولك الغرب .

قال: لا .

قال: فلي الوَبَر ولك المَدَر .

قال: لا.

قال: لأملأنها عليك إذًا خيلا ورجالا.

قال: يمنعك الله ذاك وابنا قيلة (46) يريد الأوس والخزرج .

قال: فخرجا, فقال عامر لأربد: إن كان الرجل لنا لممكنًا لو قتلناه ما انتطحت فيه عنـزان، ولرضوا بأن نعقله لهم وأحبوا السلم وكرهوا الحرب إذا رأوا أمرًا قد وقع .

فقال الآخر: إن شئت فتشاورا, وقال: ارجع وأنا أشغله عنك بالمجادلة, وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربةً واحدة.

فكانا كذلك: واحدٌ وراء النبي صلى الله عليه وسلم, والآخر قال: اقصص علينا قصصك.

قال: ما تقول؟

قال: قرآنك!

(47) فجعل يجادله ويستبطئه ، (48) حتى قال: مالك حُشِمت؟

(49) قال: وضعت يدي على قائم سيفي [فيبست], (50) فما قدرتُ على أن أُحْلِي ولا أُمِرُّ ولا أحرّكها .

قال: فخرجا، فلما كانا بالحَرة، سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حُضير, فخرجا إليهما, على كل واحد منهما لأمته، ورمحه بيده، وهو متقلد سيفه.

فقالا لعامر بن الطفيل: يا أعور [حسا] يا أبلخ, (51) أنت الذي يشرط على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

(52) لولا أنك في أمانٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رِمْتَ المنـزل حتى نضرب عنقك, (53) ولكن [لا نستعين].

(54) وكان أشدّ الرجلين عليه أسيد بن الحضير، [فقال: من هذا؟

فقالوا: أسيد بن حضير]؟

(55) فقال: لو كان أبوه حيًا لم يفعل بي هذا!

ثم قال لأربد: اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عَدَنَة, (56) وأخرج أنا إلى نجد, فنجمع الرجال فنلتقي عليه .

فخرج أربد حتى إذا كان بالرَّقَم، (57) بعث الله سحابة من الصيف فيها صاعقة!

فأحرقته .

قال: وخرج عامر حتى إذا كان بوادٍ يقال له الجرير, أرسل الله عليه الطاعون, فجعل يصيح: يا آل عامر, أغُدَّة كغدَّة البكر تقتلني!

يا آل عامر، أغدةٌ كغدة البكر تقتلني, وموتٌ أيضًا في بيت سلولية !

وهي امرأة من قيس.

فذلك قول الله: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ فقرأ حتى بلغ: (يحفظونه) تلك المعقبات من أمر الله, هذا مقدّم ومؤخّر لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، تلك المعقبات من أمر الله .

وقال لهذين: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فقرأ حتى بلغ: (يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) الآية, فقرأ حتى بلغ: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ .

قال وقال لبيد في أخيه أربد, وهو يبكيه: أَخْشَــى عَـلَى أَرْبَـدَ الحُـتُوفَ وَلا أَرْهَــبُ نَــوْءَ السِّــمَاكِ وَالأسَـدِ (58) فَجّــعَنِي الرَّعْـدُ وَالصَّـوَاعِقُ بِـال فَــارِسِ يَــوْمَ الكَرِيهَــةِ النَّجُــدِ (59) * * * قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في تأويل هذه الآية، قولٌ بعيد من تأويل الآية، مع خلافِه أقوالَ من ذكرنا قوله من أهل التأويل.

وذلك أنه جعل " الهاء " في قوله: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يجر له في الآية التي قبلها ولا في التي قبل الأخرى ذكرٌ, إلا أن يكون أراد أن يردّها على قوله: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ، (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) فإن كان ذلك, (60) فذلك بعيدٌ ، لما بينهما من الآيات بغير ذكر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وإذا كان ذلك, فكونها عائدة على " مَنْ" التي في قوله: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أقربُ, لأنه قبلها والخبر بعدها عنه .

فإذا كان ذلك كذلك, فتأويل الكلام: سواء منكم، أيها الناس من أسرّ القول ومن جهر به عند ربكم, ومن هو مستخف بفسقه وريبته في ظلمة الليل, وساربٌ يذهب ويجيء في ضوء النهار ممتنعًا بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بينه وبين ما يأتي من ذلك, وأن يقيموا حدَّ الله عليه, وذلك قوله: (يحفظونه من أمر الله) .

* وقوله: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) يقول تعالى ذكره: (إن الله لا يغير ما بقوم) ، من عافية ونعمة، فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم(حتى يغيروا ما بأنفسهم) من ذلك بظلم بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض, فَتَحلَّ بهم حينئذ عقوبته وتغييره .

* * * وقوله: (وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردّ له) يقول: وإذا أراد الله بهؤلاء الذين يستخفون بالليل ويسربون بالنهار, لهم جند ومنعة من بين أيديهم ومن خلفهم, يحفظونهم من أمر الله هلاكًا وخزيًا في عاجل الدنيا، (فلا مردّ له) يقول: فلا يقدر على ردّ ذلك عنهم أحدٌ غيرُ الله .

يقول تعالى ذكره: (وما لهم من دونه من وال) يقول: وما لهؤلاء القوم و " الهاء والميم " في" لهم " من ذكر القوم الذين في قوله: (وإذا أراد الله بقوم سوءًا) .

من دون الله(من والٍ) يعني: من والٍ يليهم ويلي أمرهم وعقوبتهم .

* * * وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: " السوء ": الهلكة, ويقول: كل جذام وبرص وعَمى وبلاء عظيم فهو " سوء " مضموم الأول, وإذا فتح أوله فهو مصدر: " سُؤْت "، ومنه قولهم: " رجلُ سَوْءٍ" .

(61) واختلف أهل العربية في معنى قوله: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ .

فقال بعض نحويي أهل البصرة: معنى قوله: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ومن هو ظاهر بالليل, من قولهم: " خَفَيْتُ الشيء ": إذا أظهرته, وكما قال أمرؤ القيس: فَــإِنْ تَكْتُمُــوا الــدَّاء لا نَخْفِــه وإنْ تَبْعَثُـــوا الحَــرْبَ لا نَقْعُــدِ (62) وقال: وقد قرئ أَكَادُ أُخْفِيهَا [سورة طه:15] بمعنى: أظهرها .

وقال في قوله: وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ،" السارب ": هو المتواري, كأنه وجَّهه إلى أنه صار في السَّرَب بالنهار مستخفيًا .

(63) * * * وقال بعض نحويي البصرة والكوفة: إنما معنى ذلك: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ ، أي مستتر بالليل من الاستخفاء وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ : وذاهبٌ بالنهار, من قولهم: " سَرَبت الإبل إلى الرَّعي, وذلك ذهابها إلى المراعي وخروجها إليها .

وقيل: إن " السُّرُوب " بالعشيّ ، و " السُّروح " بالغداة .

* * * واختلفوا أيضًا في تأنيث " معقبات ", وهي صفة لغير الإناث.

فقال بعض نحويي البصرة: إنما أنثت لكثرة ذلك منها, نحو: " نسّابة " ، و " علامة ", ثم ذكَّر لأن المعنيَّ مذكّر, فقال: " يحفظونه " .

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هي" ملائكة معقبة ", ثم جمعت " معقبات ", فهو جمع جمع, ثم قيل: " يحفظونه ", لأنه للملائكة .

* * * وقد تقدم قولنا في معنى: " المستخفي بالليل والسارب بالنهار " .

(64) وأما الذي ذكرناه عن نحويي البصريين في ذلك، فقولٌ وإن كان له في كلام العرب وجهٌ، خلافٌ لقول أهل التأويل.

(65) وحسبه من الدلالة على فساده، خروجه عن قولِ جميعهم .

* * * وأما " المعقبات "، فإن " التعقيب " في كلام العرب، العود بعد البدء، والرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، (66) من قول الله تعالى: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ، أي: لم يرجع, وكما قال سلامة بن جندل: وَكَرُّنـا الخَـيْلَ فِـي آثَـارِهِمْ رُجُعًـا كُـسَّ السَّـنَابِكِ مِـنْ بَـدْءٍ وَتَعْقِيـبِ (67) يعني: في غزوٍ ثانٍ عقَّبُوا، وكما قال طرفة: وَلَقَـــدْ كُــنْت عَلَيْكُــمْ عَاتِبًــا فَعَقَبْتُـــمْ بِذَنُــوبٍ غَــيْرِ مُــرّ (68) يعني بقوله: " عقبتم "، رجعتم.

وأتاها التأنيث عندنا, وهي من صفة الحرس الذي يحرسون المستخفي بالليل والسارب بالنهار, لأنه عني بها " حرس مُعَقبّة ", ثم جمعت " المعقبة " فقيل: " معقبات " فذلك جمع جمع " المعقِّب "، و " المعقِّب " ، واحد " المعَقِّبة "، كما قال لبيد: حَـتَّى تَهَجَّـرَ فِـي الـرّوَاحِ وَهَاجَـهُ طَلَــبَ المُعَقِّــبِ حَقَّــهُ المَظْلُـومُ (69) و " المعقبات " ، جمعها, ثم قال: " يحفظونه " ، فردّ الخبر إلى تذكير الحرَس والجند .

* * * وأما قوله: (يحفظونه من أمر الله) فإن أهل العربية اختلفوا في معناه.

فقال بعض نحويي الكوفة: معناه: له معقبات من أمر الله يحفظونه, وليس من أمره [يحفظونه]، (70) إنما هو تقديم وتأخير .

قال: ويكون يحفظونه ذلك الحفظ من أمر الله وبإذنه, كما تقول للرجل: " أجبتك من دعائك إياي, وبدعائك إياي" .

* * * وقال بعض نحويي البصريين، معنى ذلك: يحفظونه عن أمر الله, كما قالوا: " أطعمني من جوع، وعن جوع " و " كساني عن عري، ومن عُرْيٍ" .

وقد دللنا فيما مضى على أن أولى القول بتأويل ذلك أن يكون قوله: (يحفظونه من أمر الله) ، من صفة حرس هذا المستخفي بالليل، وهي تحرسه ظنًّا منها أنها تدفع عنه أمرَ الله, فأخبر تعالى ذكره أن حرسه ذلك لا يغني عنه شيئًا إذا جاء أمره, فقال: (وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له وما لهم من دونه من والٍ) .

---------------------------------- الهوامش : (29) في المطبوعة والمخطوطة : تتعقب" ، والصواب ما أثبت .

(30) في المطبوعة" ابناوات سعد" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة والصواب ما أثبت يقال" سيد" و" سادة و" سادات" .

(31) انظر تفسير بين يديه" فيما سلف 10: 438، 12: 492.

(32) في المطبوعة وابن كثير :" وهو أمير" ، وأثبت ما في المخطوطة والدر المنثور .

(33) في المخطوطة :" تدخل فيك" ، والصواب ما في المطبوعة والدر المنثور .

(34) زيادة من ابن كثير والدر المنثور ، ولا غنى عنها .

(35) الأثر : 20211 - هذا إسناد قد سلف مثله برقم : 1386 ، 1395 .

وهو إسناد مشكل منكر .

" إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري" ، وسلف" التستري" وكان في ذلك الموضع في ابن كثير" القشيري" ، لا ندري أيهما الصواب ، ولم نجد له ذكرًا في شيء من كتب الرجال .

و" علي بن جرير" ، لا يدري منه هو أيضًا ، كما قلنا فيما سلف ، إلا أني أزيد أن ابن أبي حاتم ترجم في الجرح والتعديل :" علي بن جرير البارودي روى عنه ...

سئل أبي عن علي بن جرير البارودي ، فقال : صدوق" ، ولا أظنه هذا الذي في إسنادنا ، كأن هذا متأخر ، ابن أبي حاتم 3 / 1 / 178 وأما" عبد الحميد بن جعفر ، فثقة ، سلف برقم : 1386 .

وأما" كنانة العدوي" ، فهو" كنانة بن نعيم العدوي" ، تابعي ثقة ، لم يذكر أنه أدرك عثمان بن عفان أو روى عنه .

فهذا حديث فيه نكارة وضعف شديد ، وانفرد بروايته أبو جعفر الطبري عن المثنى .

انظر تفسير ابن كثير 4 : 503 ، والدر المنثور 4 : 48 .

وقال ابن كثير : إنه حديث غريب جدًا .

(36) في المطبوعة :" ولي السلطان" ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، يعني البغاة العصاة الأمراء ، يحرسون أنفسهم .

وانظر ما يأتي ص : 377 ، تعليق : 1 .

روى عنه شعبة، ذكره ابن حبان في الثقات.

وقال ابن أبي حاتم: ليس بحديثه بأس.

مترجم في التهذيب.

.

(37) الأثر : 20228 -" شرقي البصرى" ، روى عن عكرمة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ن والكبير 2 / 2 / 255 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 376 .

(38) الأثر : 20229 -" عمر بن نافع الثقفي" ، روى عن أنس وعكرمة .

قال ابن معين : ليس بشيء .

وذكره ابن حبان في الثقات .

وذكره الساجي وابن الجارود في الضعفاء .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 138 ، وميزان الاعتدال 2 : 272 .

(39) في المطبوعة :" المحروس من أمر الله" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(40) الجلاوزة جمع جلواز ( بكسر الجيم وسكون اللام ) .

وهو الشرطي الذي يخف بين يدي الأمير ويأتمر بأمره .

(41) الأثر : 20234 -" علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي" وهو" ابن المديني" ، صاحب التصانيف ، ثقة ، روى عنه البخاري في التاريخ ، وأبو داود .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1/ 193 .

و" سفيان" ، هو" سفيان بن عيينة" ، الثقة المشهور .

و" عمرو" ، هو" عمر بن دينار المكي" ، الثقة المشهور .

(42) في المطبوعة" ولي السلطان" ، والصواب ما في المخطوطة ، ولكنه غيرها كما سلف آنفًا ص : 373 ، تعليق : 1 .

(43) الأثر : 20243 -" أبو هريرة الضبعي" ، هو" محمد بن فراس الضبعي الصيرفي" ، شيخ أبي جعفر ، ثقة صدوق ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 60 .

و" أبو قتيبة" ، هو" سلم بن قتيبة الشعيري" ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 12904 .

و" شعبة" هو" شعبة بن الحجاج" ، الإمام المشهور ، مضى مرارًا .

وكان هنا في المطبوعة والمخطوطة :" سعيد" ، وهو خطأ محض ، فإن الذي يروي عن" شرقي البصري" ، هو شعبة ، كما مضى آنفًا رقم : 20228 .

" وشرقي البصري" ، مضى برقم : 20228 .

(44) الأثر : 20244 -" أبو هريرة الضبعي" ، مضى في الأثر السالف .

و" أبو داود" ، هو الطيالسي .

(45) " أربد بن ربيعة" ، هكذا جاء هنا عن ابن زيد ، وكذلك جاء عن محمد بن علي القرشي فيما رواه عنه ابن سعد في طبقاته 1 / 2 / 51 .

و" أربد" هو :" أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب" ، وهو أخو لبيد لأمه ، و" لبيد" هو" لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب" ، فكأن ابن زيد ومحمد بن علي القرشي إنما قالا :" أربد بن ربيعة" ، من قبل أخوته للبيد بن ربيعة ، ولا أدري كيف قالا هذا ؟

ولم قالاه ؟

ولم أجده في غير هذين الموضعين .

وانظر كتاب" جوامع السيرة" ، لابن حزم ص : 12 ، تعليق : 1 .

(46) في المطبوعة :" وأبناء قيلة" ، والصواب ما في المخطوطة على التثنية .

و" قيلة" أم الأوس والخزرج .

(47) في المطبوعة :" قال ما يقول قرآنك" ، حذف من الكلام" قال" ، وأثبت ما في المخطوطة ويعني قال : اقرأ علي قرآنك .

(48) قوله :" فجعل يجادله ويستبطئه" وما بعدها ، كلام فيه اضطراب ، وأخشى أن يكون فيه خرم وسقط ، والسياق يدل على أنه جعل يجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينظر إلى أربد يستبطئه .

فلما انصرفا قال عامر لأربد : مالك حشمت ؟

(49) في المطبوعة :" مالك أجشمت" بزيادة الهمزة ، وبالجيم ، وليس له معنى ، وفي المخطوطة :" حسمت" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت .

يقال :" حشم" بالبناء المجهول ، إذا أعيي وانقبض .

(50) الزيادة بين القوسين ، زادها الناشر الأول على الدر المنثور .

(51) في المطبوعة :" يا أعور يا خبيث يا أملخ" ، غير ما في المخطوطة ، والذي فيها :" ناعور حسما يا أبلخ" ، ولم أستطع أن أجد الخبر في مكان آخر فأصححه ، وقد أعياني كشف ما فيه من التحريف ، فأثبته كما هو .

و" الأبلخ" هو العظيم في نفسه ، الجريء على ما أتى من الفجور .

(52) في المطبوعة :" تشترط" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(53) في المطبوعة :" ضربت" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(54) وهذه كلمة أخرى أثبتها كما هي في المخطوطة غير منقوطة لم أهتد إلى قراءتها ، ولكن ناشر المطبوعة جعلها :" لا تستبقين" ، فنقطها ، فصارت بلا معنى ، أما السيوطي في الدر المنثور ، فقد حذفها كعادته واستراح من همها .

(55) زيادة لا بد منها ، أثبتها من الدر المنثور .

(56) في المطبوعة :" إلي عذية" ، وليس في بلاد العرب موضع بهذا الاسم ، والذي فيها" عدنة" ( بفتح العين والدال ) ، وهي أرض لبني فزارة ، في جهة الشمال من الشربة ، قال الأصمعي في تحديد نجد :" ووادي الرمة يقطع بين عدنة والشربة ، فإذا جزعت الرمة مشرقًا أخذت في الشربة ، وإذا جزعت الرمة إلى الشمال أخذت في عدنة" ، أرجو أن يكون ما قرأت هو الصواب .

(57) " الرقم" ، ظاهر أنه موضع ، انظر معجم البلدان ، ومعجم ما استعجم ، وصفة جزيرة العرب للهمداني : 176 ، فأنا في شك من هذا كله .

(58) ديوانه قصيدة رقم : 5 ، البيت : 2 ، 3 / وسيأتيان في ص : 394 ، وقبل البيتين ، وهو أولها : مــا إنْ تُعـرِّي المَنُـونُ مِـنْ أَحَـدٍ لا وَالِـــدٍ مُشْـــفِقٍ ولا وَلـــدِ و" الحتوف" ، هي الآجال .

وقوله :" نوء السماك والأسد" ، فإنه يعني السماك الأعزل ، ونوؤة أربع ليال في تشرين الأول ( شهر أكتوبر ) .

وهو نوء غزير .

وأما" الأسد" ، فإنه يعني" زبرة الأسد" ونوؤها أربع ليال في أواخر آب ( شهر أغسطس ) .

ويكون في نوء الزبرة مطر شديد ( انظر كتاب الأنواء لابن قتيبة ص : 58 ، 59 / 64 ، 65 ) .

وذلك كله في زمن الصيف .

يقول لبيد : كنت أخشى عليه كل حتف أعرفه ، إلا هذا الحتف المفاجئ من صواعق الصيف .

وقوله :" فجعني الدهر" ، أي أنزل بي الفجيعة الموجعة ، والرزية المؤلمة .

و" يوم الكريهة" ، يوم الشدة في الحرب ، حيث تكره النفوس الموت .

و" النجد" ( بفتح فضم ) ، هو الشجاع الشديد البأس ، السريع الإجابة إلى ما دعي إليه من خير أو شر ، مع مضاء فيما يعجز عنه غيره .

(59) الأثر : 20250 - رواه السيوطي في الدر المنثور 4 : 48 ، 49 ، ونسبه لابن جرير وأبي الشيخ ، ولم أجده في غير هذين المكانين .

(60) في المطبوعة :" فإن كان أراد ذلك" ، زاد من عنده ما لا حاجة إليه .

(61) هو نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 324 .

(62) ديوانه : 16 ، واللسان ( خفا ) ، وغيرهما ، وسيأتي في التفسير 16 : 114 ( بولاق ) ، مع اختلاف يسير في الرواية .

(63) " السرب" ( بفتحتين ) : حفير تحت الأرض .

(64) انظر ما سلف ص : 366 - 368 .

(65) سياق الكلام :" فقول ..

خلاف لقول أهل التأويل" .

(66) سلف أيضًا تفسير" المعقبات" ص : 369 ، وما بعدها .

(67) ديوانه : 8 ، شرح المفضليات : 227 ، قصيدة مشهورة ، وروايتها .

وَكَرُّنَــا خَيْلَنَــا أدْرَاجَهَــا رُجُعًـا وهي أجود الروايتين ، وكان في المطبوعة :" في آثارها" .

وقوله :" أدراجها" ، أي من حيث جاءت ذهبت .

و" رجع" جمع" رجيع" ، وهو الدابة الذي هزله السفر .

و" كس السنابك" ، جمع" أكس" ، وهو الحافر المتثلم الذي كسره طول السير ، أي تحاتت سنابكها من طول السير .

و" البدء" الغزو الأول ، و" التعقيب" ، الرجوع من الغزو ، أو الغزو الثاني بعد الأول .

(68) أشعار الستة الجاهليين : 334 ، و" الذنوب" ، الدلو العظيمة يكون فيها ماء .

يقول :" كنت عليكم واجدًا غاضبًا ، فرجعتم بحلو المودة دون مرها ، فخلص قلبي لكم مرة أخرى .

(69) ديوانه قصيدة رقم : 16 ، بيت 26 ، اللسان ( عقب ) ، وهو من أبيات في صفة حمار الوحش ، وشرح البيت يطول ، وخلاصته أن الحمار" تهجر من الرواح" ، أي : عجل في الرواح إلى الماء ، و" هاجه" ، أي : حركه حب الماء ، فعجل إليه عجلة طالب الحق يطلبه مرة بعد مرة ، وهو" المعقب" .

ورفع" المظلوم" ، وهو نعت للمعقب على المعنى والمعقب خفض في اللفظ ، ومعناه أنه فاعل" طلب" .

(70) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من والقوله تعالى : " له معقبات " أي لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار ; فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار .

وقال : معقبات والملائكة ذكران لأنه جمع معقبة ; يقال : ملك معقب ، وملائكة معقبة ، ثم معقبات جمع الجمع .

وقرأ بعضهم - " له معاقيب من بين يديه ومن خلفه " .

ومعاقيب جمع معقب ; وقيل للملائكة معقبة على لفظ الملائكة وقيل : أنث لكثرة ذلك منهم ; نحو نسابة وعلامة وراوية ; قاله الجوهري وغيره .

والتعقب العود بعد البدء ; قال الله تعالى : ولى مدبرا ولم يعقب أي لم يرجع ; وفي الحديث : معقبات لا يخيب قائلهن - أو - فاعلهن فذكر التسبيح والتحميد والتكبير .

قال أبو الهيثم : سمين " معقبات " لأنهن عادت مرة بعد مرة ، فعل من عمل عملا ثم عاد إليه فقد عقب .

والمعقبات من الإبل اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعتركات على الحوض ; فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها [ ص: 255 ] أخرى .وقوله : من بين يديه أي المستخفي بالليل والسارب بالنهار .يحفظونه من أمر الله اختلف في هذا الحفظ ; فقيل : يحتمل أن يكون توكيل الملائكة بهم لحفظهم من الوحوش والهوام والأشياء المضرة ، لطفا منه به ، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه ; قاله ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - .

قال أبو مجلز : جاء رجل من مراد إلى علي فقال : احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك ; فقال : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه ما لم يقدر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبين قدر الله ، وإن الأجل حصن حصينة ; وعلى هذا ، يحفظونه من أمر الله أي بأمر الله وبإذنه ; ف " من " بمعنى الباء ; وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض .

وقيل : من بمعنى عن ; أي يحفظونه عن أمر الله ، وهذا قريب من الأول ; أي حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم ; وهذا قول الحسن ; تقول : كسوته عن عري ومن عري ; ومنه قوله - عز وجل - : أطعمهم من جوع أي عن جوع .

وقيل : يحفظونه من ملائكة العذاب ، حتى لا تحل به عقوبة ; لأن الله لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر ، فإن أصروا حان الأجل المضروب ونزلت بهم النقمة ، وتزول عنهم الحفظة المعقبات .

وقيل : يحفظونه من الجن ; قال كعب : لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن وملائكة العذاب من أمر الله ; وخصهم بأن قال : من أمر الله لأنهم غير معاينين ; كما قال : قل الروح من أمر ربي أي ليس مما تشاهدونه أنتم .

وقال الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ، تقديره ، له معقبات من أمر الله من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ، وهو مروي عن مجاهد وابن جريج والنخعي ; وعلى أن ملائكة العذاب والجن من أمر الله لا تقديم فيه ولا تأخير .

وقال ابن جريج : إن المعنى يحفظون عليه عمله ; فحذف المضاف .

وقال قتادة : يكتبون أقواله وأفعاله .

ويجوز إذا كانت المعقبات الملائكة أن تكون الهاء في له لله - عز وجل - كما ذكرنا ; ويجوز أن تكون للمستخفي ، فهذا قول .

وقيل : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يعني به النبي - صلى الله عليه وسلم - أي أن الملائكة تحفظه من أعدائه ; وقد جرى ذكر الرسول في قوله :لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر أي سواء منكم من أسر القول ومن جهر به في أنه لا يضر النبي - صلى الله عليه وسلم - بل له معقبات يحفظونه - عليه السلام - ; ويجوز أن يرجع هذا إلى جميع الرسل ; لأنه قد قال : ولكل قوم هاد أي يحفظون الهادي من بين يديه ومن خلفه .

وقول رابع : أن المراد بالآية السلاطين والأمراء الذين لهم قوم من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم ; فإذا جاء [ ص: 256 ] أمر الله لم يغنوا عنهم من الله شيئا ; قاله ابن عباس وعكرمة ; وكذلك قال الضحاك : هو السلطان المتحرس من أمر الله ، المشرك .

وقد قيل : إن في الكلام على هذا التأويل نفيا محذوفا ، تقديره : لا يحفظونه من أمر الله تعالى ، ذكره الماوردي .

قال المهدوي : ومن جعل المعقبات الحرس فالمعنى : يحفظونه من أمر الله على ظنه وزعمه .

وقيل : سواء من أسر القول ومن جهر به فله حراس وأعوان يتعاقبون عليه فيحملونه على المعاصي ، ويحفظونه من أن ينجع فيه وعظ ; قال القشيري : وهذا لا يمنع الرب من الإمهال إلى أن يحق العذاب ; وهو إذا غير هذا العاصي ما بنفسه بطول الإصرار فيصير ذلك سببا للعقوبة ; فكأنه الذي يحل العقوبة بنفسه ; فقوله : يحفظونه من أمر الله أي من امتثال أمر الله .

وقال عبد الرحمن بن زيد : المعقبات ما يتعاقب من أمر الله تعالى وقضائه في عباده ; قال الماوردي : ومن قال بهذا القول ففي تأويل قوله : يحفظونه من أمر الله وجهان : أحدهما : يحفظونه من الموت ما لم يأت أجل ; قاله الضحاك .

الثاني : يحفظونه من الجن والهوام المؤذية ، ما لم يأت قدر ; - قاله أبو أمامة وكعب الأحبار - فإذا جاء المقدور خلوا عنه ; والصحيح أن المعقبات الملائكة ، وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن جريج ; وروي عن ابن عباس ، واختاره النحاس ، واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث ، رواه الأئمة .

وروى الأئمة عن عمرو عن ابن عباس قرأ " معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه من أمر الله يحفظونه " فهذا قد بين المعنى .

وقال كنانة العدوي : دخل عثمان - رضي الله عنه - على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله !

أخبرني عن العبد كم معه من ملك ؟

قال : ملك عن يمينك يكتب الحسنات ، وآخر عن الشمال يكتب السيئات ، والذي على اليمين أمير على الذي على الشمال ، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا ، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أأكتب ؟

قال لا ؛ لعله يستغفر الله تعالى أو يتوب إليه ، فإذا قال ثلاثا ، قال نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين هو ما أقل مراقبته لله - عز وجل - وأقل استحياءه منا ، يقول الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله تعالى [ ص: 257 ] له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على الله قصمك ، وملكان على شفتيك وليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد وآله ، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك ، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ، ملائكة الليل على ملائكة النهار ، لأن ملائكة الليل ليسوا بملائكة النهار ، فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي ، وإبليس مع ابن آدم بالنهار وولده بالليل .

ذكره الثعلبي .

قال الحسن : المعقبات أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر .

واختيار الطبري : أن المعقبات المواكب بين أيدي الأمراء وخلفهم ; والهاء في " له " لهن ; على ما تقدم .

وقال العلماء رضوان الله عليهم : إن الله سبحانه جعل أوامره على وجهين : أحدهما : قضى حلوله ووقوعه بصاحبه ; فذلك لا يدفعه أحد ولا يغيره .

والآخر : قضى مجيئه ولم يقض حلوله ووقوعه ، بل قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ .قوله تعالى : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير ، إما منهم أو من الناظر لهم ، أو ممن هو منهم بسبب ; كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم ، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة ; فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير ; كما قال - صلى الله عليه وسلم - : وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون ؟

قال : نعم إذا كثر الخبث .

والله أعلم .قوله تعالى : وإذا أراد الله بقوم سوءا أي هلاكا وعذابا .فلا مرد له وقيل : إذا أراد بهم بلاء من أمراض وأسقام فلا مرد لبلائه .

وله : إذا أراد الله بقوم سوءا أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه ; فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم ، حتى يبحث أحدهم عن حتفه بكفه ، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه .وما لهم من دونه من وال أي ملجأ ; وهو معنى قول السدي .

وقيل : من ناصر يمنعهم من عذابه ; وقال الشاعر :ما في السماء سوى الرحمن من والووال وولي كقادر وقدير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَه} أي: للإنسان { مُعَقِّبَاتٌ } من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار.

{ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } أي: يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء، ويحفظون عليه أعماله، وهم ملازمون له دائما، فكما أن علم الله محيط به، فالله قد أرسل هؤلاء الحفظة على العباد، بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم، ولا ينسى منها شيء، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والإحسان ورغد العيش { حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها.

وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة، { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا } أي: عذابا وشدة وأمرا يكرهونه، فإن إرادته لا بد أن تنفذ فيهم.

فـإنه { لَا مَرَدَّ لَهُ } ولا أحد يمنعهم منه، { وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } يتولى أمورهم فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله خشية أن يحل بهم من العقاب ما لا يرد عن القوم المجرمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( له معقبات ) أي : لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار ، فإذا صعدت ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار ، وإذا صعدت ملائكة النهار جاء في عقبها ملائكة الليل .

والتعقيب : العود بعد البدء ، وإنما ذكر بلفظ التأنيث لأن واحدها معقب ، وجمعه معقبة ، ثم جمع الجمع معقبات ، كما قيل : أبناوات سعد ورجالات بكر .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم ، فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - : كيف تركتم عبادي ؟

فيقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون " .

قوله تعالى : ( من بين يديه ومن خلفه ) يعني : من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، ومن خلفه : من وراء ظهره ( يحفظونه من أمر الله ) يعني : بأمر الله ، أي : يحفظونه بإذن الله ما لم يجئ المقدور ، فإذا جاء المقدور خلوا عنه .

وقيل : يحفظونه من أمر الله : أي مما أمر الله به من الحفظ عنه .

قال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك موكل به ، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام ، فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك !

إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه .

قال كعب الأحبار : لولا أن الله عز وجل وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفكم الجن .

وقال عكرمة : الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم ومن خلفهم .

وقيل : الآية في الملكين القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات ، كما قال الله تعالى : ( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ) ( ق - 17 ) .

قال ابن جريج : معنى يحفظونه أي : يحفظون عليه أعماله من أمر الله ، يعني : الحسنات والسيئات .

وقيل : الهاء في قوله " له " : راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

روى جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس أنه قال : له معقبات يعني لمحمد صلى الله عليه وسلم حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [ يعني : من شر الجن ] وطوارق الليل والنهار .

وقال عبد الرحمن بن زيد : نزلت هذه الآيات في عامر بن الطفيل ، وأربد بن ربيعة ، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أقبل عامر بن الطفيل ، وأربد بن ربيعة ، وهما عامريان ، يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه ، فدخلا المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور ، وكان من [ أجل ] الناس ، فقال رجل : يا رسول الله ، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك ، فقال : دعه فإن يرد الله به خيرا يهده .

فأقبل حتى قام عليه ، فقال : يا محمد مالي إن أسلمت ؟

قال : " لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين " .

قال : تجعل لي الأمر بعدك .

قال : ليس ذلك إلي ، إنما ذلك إلى الله عز وجل ، يجعله حيث يشاء .

قال : فتجعلني على الوبر وأنت على المدر ، قال : لا .

قال : فماذا تجعل لي ؟

قال : أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها .

قال : أوليس ذلك إلي اليوم ؟

قم معي أكلمك .

فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وكان [ عامر ] أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف ، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه فدار أربد خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه ، فاخترط من سيفه شبرا ، ثم حبسه الله تعالى عنه ، فلم يقدر على سله ، وجعل عامر يومئ إليه ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى أربد وما صنع بسيفه ، فقال : اللهم اكفنيهما بما شئت .

فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته ، وولى عامر هاربا وقال : يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلا جردا وفتيانا مردا .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يمنعك الله تعالى من ذلك ، وأبناء قيلة ، يريد : الأوس والخزرج .

فنزل عامر بيت امرأة سلولية ، فلما أصبح ضم عليه سلاحه وقد تغير لونه ، فجعل يركض في الصحراء ، ويقول : ابرز يا ملك الموت ، ويقول الشعر ، ويقول : واللات والعزى لئن أبصرت محمدا وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي ، فأرسل الله إليه ملكا فلطمه بجناحه فأرداه في التراب وخرجت على ركبتيه في الوقت غدة عظيمة ، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية .

ثم دعا بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره فأجاب الله دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتل عامر بن الطفيل بالطعن وأربد بالصاعقة ، وأنزل الله عز وجل في هذه القصة قوله : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ) يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله .

[ يعني تلك المعقبات من أمر الله ] .

وفيه تقديم وتأخير .

وقال لهذين : ( إن الله لا يغير ما بقوم ) من العافية والنعمة ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) من الحال الجميلة فيعصوا ربهم .

( وإذا أراد الله بقوم سوءا ) أي : عذابا وهلاكا ( فلا مرد له ) أي : لا راد له ( وما لهم من دونه من وال ) أي : ملجإ يلجئون إليه .

وقيل : وال يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«له» للإنسان «معقبات» ملائكة تتعقبه «من بين يديه» قدامه «ومن خلفه» ورائه «يحفظونه من أمر الله» أي بأمره من الجن وغيرهم «إن الله لا يغيِّر ما بقوم» لا يسلبهم نعمته «حتى يغيِّروا ما بأنفسهم» من الحالة الجميلة بالمعصية «وإذا أراد الله بقوم سوءا» عذابا «فلا مرد له» من المعقبات ولا غيرها «وما لهم» لمن أراد الله بهم سوءا «من دونه» أي غير الله «من» زائدة «وال» يمنعه عنهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لله تعالى ملائكة يتعاقبون على الإنسان من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه بأمر الله ويحصون ما يصدر عنه من خير أو شر.

إن الله سبحانه وتعالى لا يغيِّر نعمة أنعمها على قوم إلا إذا غيَّروا ما أمرهم به فعصوه.

وإذا أراد الله بجماعةٍ بلاءً فلا مفرَّ منه، وليس لهم مِن دون الله مِن وال يتولى أمورهم، فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رعايته لعباده فقال - تعالى - ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ .

.

.

) .والضمير فى ( له ) يعود إلى ( من ) فى قوله ( مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل ) باعتبار تأويله بالمذكور .و " معقبات " صفة لموصوف محذوف أى : ملائكة معقبات .قال الشوكانى : " والمعقبات المتناوبات التى يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلا منه .

وهم الحفظة من الملائكة فى قول عامة المفسرين .

قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض ، وإنما قال " معقبات " مع كون الملائكة ذكوراً؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم جمع معقبة على معقبات .قال الجوهرى : والتعقيب العود بعد البدء قال الله - تعالى - ( ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يقال : عقب الفرس فى عدوه ، أى : جرى بعد جريه .

وعقبه تعقيبا .

أى : جاء عقبة و " من " فى قوله ( مِنْ أَمْرِ الله ) بمعنى باء السببية .والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به ، ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ورعايته ، ولكتابة أقواله وأعماله ، وهذا التعقيب والحفظ ، إنما هو بسبب أمر الله - تعالى - لهم بذلك .قال ابن كثير : وفى الحديث الصحيح : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادى؟

فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " .وفى الحديث الآخر : " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستحويهم وأكرموهم " أى : فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره .وقال عكرمة عن ابن عباس " يحفظونه من أمر الله ، قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه " .ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ) .أى : إن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أنه - سبحانه - لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية وخير بضده ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى معصية؛ ومن جميل إلى قبيح ، ومن صلاح إلى فساد .وإذا أراد - سبحانه - بقوم سوءا من عذاب أو هلاك ما يشبهها بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، فلا راد لقضائه ، ولا دافع لعذابه .وما لهم من دونه - سبحانه - من وال أى من ناصر ينصرهم منه - سبحانه - ويرفع عنهم عقابه ، ويلى أمورهم ويلتجئون إليه عند الشدائد .فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله فى شئون عباده ، وتحذير شديد لهم من الإِصرار على الشرك والمعاصى وجحود النعمة ، فإنه - سبحانه - لا يعصم الناس من عذابه عاصم .

ولا يدفعه دافع .قال الإِمام ابن كثير : " قال ابن أبى حاتم : أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله ، فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا تحول الله لهم لهم مما يحبون إلى ما يكرهون .ثم قال : إن مصداق ذلك فى كتاب الله ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) .وعن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة فقال : كنت إذا سكت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدأنى ، وإذا سألته عن الخبر أنبأنى ، وإنه حدثنى عن ربه - عز وجل - قال : " قال الرب : وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتى ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتى ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابى إلى ما يحبون من رحمتى " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الضمير من له عائد إلى من في قوله: ﴿ سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ  ﴾ وقيل على اسم الله في عالم الغيب والشهادة، والمعنى: لله معقبات، وأما المعقبات فيجوز أن يكون أصل هذه الكلمة معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله: ﴿ وَجَاء المعذرون مِنَ الأعراب  ﴾ والمراد المعتذرون ويجوز أن يكون من عقبه إذا جاء على عقبه فاسم المعقب من كل شيء ما خلف يعقب ما قبله، والمعنى في كلا الوجهين واحد.

إذا عرفت هذا فنقول: في المراد بالمعقبات قولان.

الأول: وهو المشهور الذي عليه الجمهور أن المراد منه الملائكة الحفظة وإنما صح وصفهم بالمعقبات، إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس، وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ والكتب، وكل من عمل عملاً ثم عاد إليه فقد عقب، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل وملائكة النهار.

روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك فقال عليه السلام: «ملك عن يمينك يكتب الحسنات وهو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين أكتب؟

فيقول لا لعله يتوب فإذا قال ثلاثاً قال نعم أكتب أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله تعالى واستحياءه منا، وملكان من بين يديك ومن خلفك فهو قوله تعالى: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك وإن تجبرت قصمك، وملكان على شفتك يحفظان عليك الصلاة علي، وملك علي فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تبدل ملائكة الليل بملائكة النهار فهم عشرون ملكاً على كل آدمي» وعنه صلى الله عليه وسلم: «يتعاقب فيكم ملاكئة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر» وهو المراد من قوله: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا  ﴾ قيل: تصعد ملائكة الليل وهي عشرة وتنزل ملائكة النهار، وقال ابن جريج: هو مثل قوله تعالى: ﴿ عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: الملائكة ذكور، فلم ذكر في جمعها جمع الإناث وهو المعقبات؟

والجواب: فيه قولان.

الأول: قال الفراء: المعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبة بمعقبات، كما قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر جمع رجال، والذي يدل على التذكير قوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ .

والثاني: وهو قول الأخفش: إنما أنثت لكثرة ذلك منها، نحو: نسابة، وعلامة، وهو ذكر.

السؤال الثاني: ما المراد من كون أولئك المعقبات من بين يديه ومن خلفه؟

والجواب: أن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء المعقبات فيعدون عليه أعماله وأقواله بتمامها، ولا يشذ من تلك الأعمال والأقوال من حفظهم شيء أصلاً، وقال بعضهم: بل المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه، لأن السارب بالنهار إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من بين يديه ومن خلفه.

السؤال الثالث: ما المراد من قوله: ﴿ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ .

والجواب: ذكر الفراء فيه قولين: القول الأول: أنه على التقديم والتأخير والتقدير: له معقبات من أمر الله يحفظونه.

القول الثاني: أن فيه إضماراً أي ذلك الحفظ من أمر الله أي مما أمر الله به فحذف الاسم وأبقى خبره كما يكتب على الكيس، ألفان والمراد الذي فيه ألفان.

والقول الثالث: ذكره ابن الأنباري أن كلمة من معناها الباء والتقدير: يحفظونه بأمر الله وباعانته، والدليل على أنه لابد من المصير إليه أنه لا قدرة للملائكة ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من أمر الله ومما قضاه عليه.

السؤال الرابع: ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا؟

والجواب: أن هذا الكلام غير مستبعد، وذلك لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا القول في كل ليلة، ولا شك أن تلك الكواكب لها أرواح عندهم، فتلك التدبيرات المختلفة في الحقيقة لتلك الأرواح، وكذا القول في تدبير القمر والهيلاج والكدخدا على ما يقوله المنجمون.

وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم ولذلك تراهم يقولون: أخبرني الطباعي التام.

ومرادهم بالطباعي التام أن لكل إنسان روحاً فلكية يتولى إصلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع؟

وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة، وبعضها شريرة، وبعضها معزة، وبعضها مذلة، وبعضها قوية القهر والسلطان، وبعضها ضعيفة سخيفة.

وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك، فكذا القول في الأرواح الفلكية، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وكل صفة أقوى من الأرواح البشرية وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة، لما أنها تكون في تربية روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية، وتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي.

ومتى كان الأمر كذلك كان ذلك الروح الفلكي معيناً لها على مهماتها ومرشداً لها إلى مصالحها وعاصماً لها عن صنوف الآفات، فهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذي وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل، فكيف يمكن استنكاره من الشريعة؟

ثم في اختصاص هؤلاء الملائكة وتسلطهم على بني آدم فوائد كثيرة سوى التي مر ذكرها من قبل.

الأول: أن الشياطين يدعون إلى الشرور والمعاصي، وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات.

والثاني: قال مجاهد: ما من عبد إلا ومعه ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

الثالث: أنا نرى أن الإنسان قد يقع في قلبه داع قوي من غير سبب ثم يظهر بالآخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان سبباً من أسباب مصالحه وخيراته، وقد ينكشف أيضاً بالآخرة أنه كان سبباً لوقوعه في آفة أو في معصية، فيظهر أن الداعي إلى الأمر الأول كان مريداً للخير والراحة وإلى الأمر الثاني كان مريداً للفساد والمحنة، والأول هو الملك الهادي والثاني هو الشيطان المغوي.

الرابع: أن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب، لأن من آمن يعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام عليها كما يزجره عنها إذا حضره من يعطيه من البشر.

وإذا علم أن الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال كان ذلك أيضاً رادعاً له عنها وإذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل.

السؤال الخامس: ما الفائدة في كتبة أعمال العباد؟

قلنا هاهنا مقامات: المقام الأول: أن تفسير الكتبة بالمعنى المشهور من الكتبة.

قال المتكلمون: الفائدة في تلك الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى، فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة، وإن كان بالضد فبالضد.

قال القاضي: هذا بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء فلا يتوقف حصول تلك المعرفة على الميزان، ثم أجاب القاضي عن هذا الكلام وقال: لا يمتنع أيضاً ما روينا لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء الله في الجنة وبالضد من ذلك في أعداء الله.

والمقام الثاني: وهو قول حكماء الإسلام أن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة أقوى وأكمل.

إذا ثبت هذا فنقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات وكرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة، فإن كانت تلك الملكة ملكة سارة بالأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت؛ وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت.

إذا ثبت هذا فنقول: إن التكرير الكثير لما كان سبباً لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة.

وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون، إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة، أو آثار الشقاوة قل أو كثر، فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء والله أعلم بحقائق الأمور وهذا كله إذا فسرنا قوله تعالى: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ بالملائكة.

القول الثاني: وهو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره أبو مسلم الأصفهاني المراد: أنه يستوي في علم الله تعالى السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل، والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين والأنصار وهم الملوك والأمراء، فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت الله أمره، ومن سار نهاراً بالمعقبات وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه أحراسه من الله تعالى، والمعقب العون، لأنه إذا أبصر هذا ذاك فلابد أن يبصر ذاك هذا، فتصير بصيرة كل واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخرة، فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله ومن قدره، وهم إن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله ومن قضائه فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتة، والمقصود من هذا الكلام بعث السلاطين والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره عن حفظ الله وعصمته ولا يعولوا في دفعها على الأعوان والأنصار، ولذلك قال تعالى بعده: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد.

قال القاضي: والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب إلا وقد يبتدئ به في الدنيا من دون تغيير يصدر من العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم دينا ودنياً ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء، فالمراد مما ذكره الله تعالى التغيير بالهلاك والعقاب، ثم اختلفوا فبعضهم قال هذا الكلام راجع إلى قوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة  ﴾ فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر والمعصية، حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في عقبه من يؤمن فإنه تعالى لا ينزل عليهم عذاب الاستئصال وقال بعضهم: بل الكلام يجري على إطلاقه، والمراد منه أن كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فإن الله يزيل عنهم النعم وينزل عليهم أنواعاً من العذاب، وقال بعضهم: إن المؤمن الذي يكون مختلطاً بأولئك الأقوام فربما دخل في ذلك العذاب.

روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب».

واحتج أبو علي الجبائي والقاضي بهذه الآية في مسألتين: المسألة الأولى: أنه تعالى لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله حالهم من النعمة إلى العذاب.

المسألة الثانية: قالوا: الآية تدل على بطلان قول المجبرة إنه تعالى يبتدئ العبد بالضلال والخذلان أول ما يبلغ وذلك أعظم من العقاب، مع أنه ما كان منه تغيير.

والجواب: أن ظاهر هذه الآية يدل على أن فعل الله في التغيير مؤخر عن فعل العبد، إلا أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَشَآءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله  ﴾ يدل على أن فعل العبد مؤخر عن فعل الله تعالى، فوقع التعارض.

وأما قوله: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ﴾ فقد احتج أصحابنا به على أن العبد غير مستقل في الفعل.

قالوا: وذلك لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان لكان قادراً على رد ما أراده الله تعالى، وحينئذ يبطل قوله: ﴿ وَإِذَا أراد اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ﴾ فثبت أن الآية السابقة وإن أشعرت بمذهبهم، إلا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا.

قال الضحاك عن ابن عباس: لم تغن المعقبات شيئاً، وقال عطاء عنه: لا راد لعذابي ولا ناقض لحكمي: ﴿ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ أي ليس لهم من دون الله من يتولاهم، ويمنع قضاء الله عنهم، والمعنى: ما لهم والٍ يلي أمرهم، ويمنع العذاب عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سارب ﴾ ذاهب في سربه- بالفتح- أي في طريقه ووجهه.

يقال: سرب في الأرض سروباً.

والمعنى: سواء عنده من استخفى: أي طلب الخفاء في مختبأ بالليل في ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

فإن قلت: كان حق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب؛ وإلا فقد تناول واحداً هو مستخف وسارب قلت: فيه وجهان: أحدهما أنّ قوله ﴿ وَسَارِبٌ ﴾ عطف على من هو مستخف، لا على مستخف، والثاني أنه عطف على مستخف؛ إلا أن ﴿ مِنْ ﴾ في معنى الاثنين، كقوله: نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَاذِئْبُ يصْطَحِبَانِ كأنه قيل: سواء منكم اثنان: مستخف بالليل، وسارب بالنهار.

والضمير في ﴿ لَهُ ﴾ مردود على ﴿ مِنْ ﴾ كأنه قيل: لمن أسرّ ومن جهر، ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله ﴿ وَجَاء المعذرون ﴾ [التوبة: 90] بمعنى المعتذرون.

ويجوز معقبات، بكسر العين ولم يقرأ به.

أو هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأنّ بعضهم يعقب بعضاً أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ هما صفتان جميعاً وليس ﴿ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله.

أو يحفظونه من أجل أمر الله أي من أجل أنّ الله أمرهم بحفظه.

والدليل عليه قراءة علي رضي الله عنه وابن عباس وزيد بن علي وجعفر بن محمد وعكرمة: ﴿ يحفظونه بأمر الله ﴾ .

أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسئلتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب، كقوله: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار مِنَ الرحمن ﴾ [الأنبياء: 42] وقيل: المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في توهمه وتقديره من أمر الله أي من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به، وقرئ: ﴿ له معاقيب ﴾ جمع معقب أو معقبة.

والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾ من العافية والنعمة ﴿ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ من الحال الجميلة بكثرة المعاصي ﴿ مِن وَالٍ ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَهُ ﴾ لِمَن أسَرَّ أوْ جَهَرَ أوِ اسْتَخْفى أوْ سَرَبَ.

﴿ مُعَقِّباتٌ ﴾ مَلائِكَةٌ تَعْتَقِبُ في حِفْظِهِ، جَمْعُ مَعْقَبَةٍ مِن عَقَّبِهِ مُبالَغَةُ عَقَبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ كَأنَّ بَعْضَهم يَعْقُبُ بَعْضًا، أوْ لِأنَّهم يَعْقُبُونَ أقْوالَهُ وأفْعالَهُ فَيَكْتُبُونَها، أوِ اعْتَقَبَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في القافِ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالمُعَقِّباتِ جَماعاتٌ.

وقُرِئَ « مَعاقِيبُ» جَمْعُ مُعَقِّبٍ أوْ مُعَقِّبَةٍ عَلى تَعْوِيضِ الياءِ مِن حَذْفِ إحْدى القافَيْنِ.

مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ مِن جَوانِبِهِ أوْ مِنَ الأعْمالِ ما قُدِّمَ وأُخِّرَ.

﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ مِن بَأْسِهِ مَتى أذْنَبَ بِالِاسْتِمْهالِ أوِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ، أوْ يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَضارِّ أوْ يُراقِبُونَ أحْوالَهُ مِن أجْلِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

وقَدْ قُرِئَ بِهِ وقِيلَ مِن بِمَعْنى الباءِ.

وقِيلَ مِن أمْرِ اللَّهِ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ﴿ مُعَقِّباتٌ ﴾ .

وقِيلَ المُعَقِّباتُ الحَرَسُ والجَلاوِزَةُ حَوْلَ السُّلْطانِ يَحْفَظُونَهُ في تَوَهُّمِهِ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ مِنَ العافِيَةِ والنِّعْمَةِ.

﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ مِنَ الأحْوالِ الجَمِيلَةِ بِالأحْوالِ القَبِيحَةِ ﴿ وَإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾ فَلا رادَّ لَهُ فالعامِلُ في (إذا) ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ.

﴿ وَما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ مِمَّنْ يَلِي أمْرَهم فَيَدْفَعُ عَنْهُمُ السُّوءَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خِلافَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

والضمير في {لَهُ} مردود على من كأنه قيل لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب {معقبات} جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه والأصل معتقبات فأدغمت التاء في القاف أو هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه لأن

الرعد (١١ _ ١٣)

بعضهم يعقب بعضاً أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه {مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أي قدامه ووراءه {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله} هما صفتان جميعاً وليس من أمر الله بصلة للحفظ كأنه قيل له معقبات من أمر الله أو يحفظونه من أجل أمر الله أي من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب بدعائهم له {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} من العافية والنعمة {حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} من الحال الجميلة بكثرة المعاصي {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً} عذاباً {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} فلا يدفعه شيء {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} من دون الله ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَهُ ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَن تَقَدَّمَ مِمَّنْ أسَرَّ بِالقَوْلِ وجَهَرَ بِهِ إلى آخِرِهِ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ وإجْرائِهِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ وكَذا المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ ﴿ مُعَقِّباتٌ ﴾ مَلائِكَةٌ تَعْتَقِبُ في حِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ جَمْعُ مُعَقِّبَةٍ مِن عَقَّبَ مُبالَغَةً في عَقَبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ وأصْلُهُ مِنَ العَقِبِ وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ كَوْنِ الفِعْلِ بِغَيْرِ فاصِلٍ ومُهْلَةٍ كَأنَّ أحَدَهم يَطَأُ عَقِبَ الآخَرِ فالتَّفْعِيلُ لِلتَّكْثِيرِ وهو إمّا في الفاعِلِ أوْ في الفِعْلِ لا لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ ثُلاثِيَّةَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ المُعَقِّباتِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَعْقُبُونَ أقْوالَ الشَّخْصِ وأفْعالَهُ أيْ يَتَّبِعُونَها ويَحْفَظُونَها بِالكِتابَةِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ أصْلَهُ مُعْتَقِباتٌ فَهو مِن بابِ الِافْتِعالِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في القافِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجاءَ المُعَذِّرُونَ ﴾ أيِ المُعْتَذِرُونَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ وهْمٌ فاحِشٌ فَإنَّ التّاءَ لا تُدْغَمُ في القافِ مِن كَلِمَةٍ أوْ كَلِمَتَيْنِ وقَدْ نَصَّ الصَّرْفِيُّونَ عَلى أنَّ القافَ والكافَ كُلٌّ مِنهُما لا يُدْغَمُ في الآخَرِ ولا يُدْغَمانِ في غَيْرِهِما والتّاءُ في مُعَقِّبَةٍ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ نَسّابَةٍ لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ غَيْرُ مُؤَنَّثِينَ وقِيلَ: هي لِلتَّأْنِيثِ بِمَعْنى أنَّ مُعَقِّبَةً صِفَةُ جَماعَةٍ مِنهم فَمَعْنى مُعَقِّباتٍ جَماعاتٌ كُلُّ جَماعَةٍ مِنها مُعَقِّبَةٌ ولَيْسَ مُعَقِّبَةٌ جَمْعَ مُعَقِّبٍ وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُهُ وشَبَّهَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ ورِجالٍ ورِجالاتٍ وهو كَما تَرى لَكِنْ أوَّلَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: جَمْعُ مُعَقِّبٍ أنَّهُ أُطْلِقَ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْمالِ عَلى جَمْعِ مُعَقِّبٍ وإنْ كانَ أصْلُهُ أنْ يُطْلَقَ عَلى مُؤَنَّثِ مُعَقِّبٍ فَصارَ مِثْلَ الوارِدَةِ لِلْجَماعَةِ الَّذِينَ يَرِدُونَ وإنْ كانَ أصْلُهُ أنْ يُطْلَقَ عَلى مُؤَنَّثٍ وارِدٍ وتَشْبِيهُ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ صِناعَةِ النَّحْوِ فَبَيَّنَ أنَّ مُعَقِّبَةً مِن حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ كَرِجالٍ مِن حَيْثُ وُضِعَ لِلْجَمْعِ وإنَّ مُعَقِّباتٍ مِن حَيْثُ اسْتُعْمِلَ جَمْعًا لِمُعَقِّبَةٍ المُسْتَعْمَلِ في الجَمْعِ كَرِجالاتٍ الَّذِي هو جَمْعُ رِجالٍ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وإبْراهِيمُ ( مَعاقِيبُ ) وهو جَمْعٌ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمْعُ مُعَقِّبٍ أوْ مُعَقِّبَةٍ بِتَشْدِيدِ القافِ فِيهِما والياءُ عِوَضٌ مِن حَذْفِ إحْدى القافَيْنِ في التَّكْسِيرِ وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ تَكْسِيرُ مُعَقِّبٍ كَمُطَعِّمٍ ومَطاعِيمَ ومُقَدِّمٍ ومَقادِيمَ كَأنَّهُ جُمِعَ عَلى مَعاقِبَةَ ثُمَّ حُذِفَتِ الهاءُ مِنَ الجَمْعِ وعُوِّضَتِ الياءُ عَنْها ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ وقُرِئَ ( مُعْتَقِباتٌ ) مَنِ اعْتَقَبَ ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمُعَقِّباتٍ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا لَهُ فالمَعْنى أنَّ المُعَقِّباتِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ جَوانِبِهِ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِمُعَقِّباتٍ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ فالمَعْنى أنَّ المُعَقِّباتِ تَحْفَظُ ما قُدِّمَ وأُخِّرَ مِنَ الأعْمالِ أيْ تَحْفَظُ جَمِيعَ أعْمالِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿ مُعَقِّباتٌ ﴾ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ ( مِن بَيْنَ يَدَيْهِ ورَقِيبٌ مِن خَلْفِهِ ) وابْنُ عَبّاسٍ ( ورُقَباءُ مِن خَلْفِهِ ) ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن خَلْفِهِ ورَقِيبٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ ) .

﴿ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ و( مِن ) لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَضارِّ بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى لَهم بِذَلِكَ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وزَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ وجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وعِكْرِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَرَؤُوا ( بِأمْرِ اللَّهِ ) بِالباءِ وهي ظاهِرَةٌ في السَّبَبِيَّةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ أيْضًا لَكِنْ عَلى مَعْنى يَحْفَظُونَهُ مِن بَأْسِهِ تَعالى مَتى أذْنَبَ بِالِاسْتِمْهالِ أوِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ أيْ يَحْفَظُونَهُ بِاسْتِدْعائِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُمْهِلَهُ ويُؤَخِّرَ عِقابَهُ لِيَتُوبَ أوْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لَهُ ولا يُعَذِّبَهُ أصْلًا وقالَ في البَحْرِ: إنَّ مَعْنى الكَلامِ يَصِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ إلى التَّضْمِينِ أيْ يَدْعُونَ لَهُ بِالحِفْظِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ فَيَكُونُ ﴿ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمُعَقِّباتٍ أيْ كائِنَةً مِن أمْرِهِ تَعالى وقِيلَ: إنَّهُ لا يُحْتاجُ في هَذا المَعْنى إلى دَعْوى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ المُعَقِّباتِ بِثَلاثِ صِفاتٍ إحْداها كَوْنُها كائِنَةً مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وثانِيَتُها كَوْنُها حافِظَةً لَهُ وثالِثَتُها كَوْنُها كائِنَةً مِن أمْرِهِ سُبْحانَهُ وإنْ جُعِلَ ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَحْفَظُونَهُ يَكُونُ هُناكَ صِفَتانِ الجُمْلَةُ والجارُّ والمَجْرُورُ وتَقْدِيمُ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ عَلى الوَصْفِ بِهِ سائِغٌ شائِعٌ في الفَصِيحِ وكَأنَّ الوَصْفَ بِالجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّيْمُومَةِ في الحِفْظِ لِكَوْنِهِ آكَدَ قُدِّمَ عَلى الوَصْفِ الآخَرِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالمُعَقِّباتِ الحَرَسُ الَّذِينَ يَتَّخِذُهُمُ الأُمَراءُ لِحِفْظِهِمْ مِنَ القَتْلِ ونَحْوِهِ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ومَعْنى ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ أنَّهم يَحْفَظُونَهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ ويَدْفَعُونَ عَنْهُ ذَلِكَ في تَوَهُّمِهِ لِجَهْلِهِ بِاللَّهِ تَعالى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ عَلى حَدِّ ما اشْتُهِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ فَهو مُسْتَعارٌ لِضِدِّهِ وحَقِيقَتُهُ لا يَحْفَظُونَهُ وعَلى ذَلِكَ يُخَرَّجُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ المُرادَ لا يَحْفَظُونَهُ لا عَلى أنَّ هُناكَ نَفْيًا مُقَدَّرًا كَما يُتَوَهَّمُ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُعَقِّباتِ المَلائِكَةُ.

وفِي الصَّحِيحِ يَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ وذَكَرُوا أنَّ مَعَ العَبْدِ غَيْرَ المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ مَلائِكَةً حَفَظَةً فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وغَيْرُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لِكُلِّ عَبْدٍ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ لا يَخِرُّ عَلَيْهِ حائِطٌ أوْ يَتَرَدّى في بِئْرٍ أوْ تُصِيبُهُ دابَّةٌ حَتّى إذا جاءَ القَدَرُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ خَلَّتْ عَنْهُ الحَفَظَةُ فَأصابَهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُصِيبَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ والصّابُونِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «وُكِلَ بِالمُؤْمِنِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَلَكًا يَدْفَعُونَ عَنْهُ ما لَمْ يُقَدَّرْ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ لِلْبَصَرِ سَبْعَةُ أمْلاكٍ يَذُبُّونَ عَنْهُ كَما يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ العَسَلِ مِنَ الذُّبابِ في اليَوْمِ الصّائِفِ وما لَوْ بَدا لَكم لَرَأيْتُمُوهُ عَلى كُلِّ سَهْلٍ وجَبَلٍ كُلُّهم باسِطٌ يَدَيْهِ فاغِرٌ فاهُ وما لَوْ وُكِلَ العَبْدُ فِيهِ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كِنانَةَ العَدَوِيِّ قالَ: «دَخَلَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنِ العَبْدِ كَمْ مَعَهُ مِن مَلَكٍ فَقالَ: مَلَكٌ عَنْ يَمِينِكَ عَلى حَسَناتِكَ وهو أمِيرٌ عَلى الَّذِي عَلى الشِّمالِ إذا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا فَإذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قالَ الَّذِي عَلى الشِّمالِ لِلَّذِي عَلى اليَمِينِ: أأكْتَبُ قالَ: لا لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى ويَتُوبُ فَإذا قالَ ثَلاثًا قالَ: نَعَمِ اكْتُبْ أراحَنا اللَّهُ تَعالى مِنهُ فَبِئْسَ القَرِينُ ما أقَلَّ مُراقَبَتَهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وأقَلَّ اسْتِحْياءَهُ مِنهُ تَعالى يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ومَلَكانِ مِن بَيْنِ يَدَيْكَ ومَلَكانِ مِن خَلْفِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ ومَلَكٌ قابِضٌ عَلى ناصِيَتِكَ فَإذا تَواضَعْتَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَكَ وإذا تَجَبَّرْتَ عَلى اللَّهِ تَعالى قَصَمَكَ ومَلَكٌ قائِمٌ عَلى فِيكَ لا يَدَعُ أنْ تَدْخُلَ الحَيَّةُ فِيهِ ومَلَكانِ عَلى عَيْنِكَ فَهَؤُلاءِ عَشْرَةُ أمْلاكٍ يَنْزِلُونَ عَلى كُلِّ بَنِي آدَمَ في النَّهارِ ويَنْزِلُ مِثْلُهم في اللَّيْلِ».

والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ واسْتُشْكِلَ أمْرُ الحِفْظِ بِأنَّ المُقَدَّرَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ وغَيْرَ المُقَدَّرِ لا يَكُونُ بُدًّا فالحِفْظُ مِن أيِّ شَيْءٍ وأُجِيبَ بِأنَّ مِنَ القَضاءِ والقَدَرِ ما هو مُعَلَّقٌ فَيَكُونُ الحِفْظُ مِنهُ ولِهَذا حَسُنَ تَعاطِي الأسْبابِ وإلّا فَمِثْلُ ذَلِكَ وارِدٌ فِيها بِأنْ يُقالَ: إنَّ الأمْرَ الَّذِي نُرِيدُ أنْ تَتَعاطاهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا وُجُودُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ أوْ مُقَدَّرًا عَدَمُهُ فَلا بُدَّ أنْ لا يَكُونَ فَما الفائِدَةُ في تَعاطِيهِ والتَّشَبُّثِ بِأسْبابِهِ وتُعُقِّبَ هَذا أنْ ما ذُكِرَ إنَّما حَسُنَ مِنّا لِجَهْلِنا بِأنَّ ما نَطْلُبُهُ مِنَ المُعَلَّقِ أوْ مِن غَيْرِهِ والمَسْألَةُ المُسْتَشْكَلَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في المَحْسُوساتِ أسْبابًا مَحْسُوسَةً ورَبَطَ بِها مُسَبِّباتِها حَسْبَما تَقْضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ ولَوْ شاءَ لَأوْجَدَ المُسَبِّباتِ مِن غَيْرِ أسْبابٍ لِغِناهُ جَلَّ شَأْنُهُ الذّاتِيِّ ولا مانِعَ مِن أنْ يَجْعَلَ في الأُمُورِ الغَيْرِ مَحْسُوسَةٍ أسْبابًا يَرْبُطُ بِها المُسَبِّباتِ كَذَلِكَ وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنَّهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ جَعَلَ أُولَئِكَ الحَفَظَةَ أسْبابًا لِلْحِفْظِ كَما جَعَلَ في المَحْسُوسِ نَحْوَ الجَفْنِ لِلْعَيْنِ سَبَبًا لِحِفْظِها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا إلّا لِلْحِفْظِ مِمّا لَمْ يُبْرَمْ مِن قَضائِهِ وقَدَّرَهُ جَلَّ جَلالُهُ والوُقُوفُ عَلى الحِكَمِ بِأعْيانِها مِمّا لَمْ نُكَلَّفْ بِهِ والعِلْمُ بِأنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تَخْلُو عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ عَلى الإجْمالِ مِمّا يَكْفِي المُؤْمِنُ ويُقالُ نَحْوَ هَذا في أمْرِ الكِرامِ الكاتِبِينَ فَهم مَوْجُودُونَ بِالنَّصِّ وقَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَفَظَةً لِأعْمالِ العَبْدِ كاتِبِينَ لَها ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِذَلِكَ وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما قَلَمُهم وما مِدادُهم وما قِرْطاسُهم وكَيْفَ كِتابَتُهم وأيْنَ مَحَلُّهم وما حِكْمَةُ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى كافٍ في الثَّوابِ والعِقابِ عَلَيْها وكَذا تَذَكُّرُ الإنْسانِ لَها وعِلْمُهُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ كافٍ في دَفْعِ ما عَسى أنْ يَخْتَلِجَ في صَدْرِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ومِنَ النّاسِ مَن خاضَ في بَيانِ الحِكْمَةِ وهو أسْهَلُ مِن بَيانِ ما مَعَها.

وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ في جَوابِ السُّؤالِ عَنْ فائِدَةِ جَعْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوَكَّلِينَ عَلَيْنا كَلامًا طَوِيلًا فَقالَ: اعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ المُنَجِّمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّدْبِيرَ في كُلِّ يَوْمٍ لِكَوْكَبٍ عَلى حِدَةٍ وكَذا القَوْلُ في كُلِّ لَيْلَةٍ ولا شَكَّ أنَّ لِتِلْكَ الكَواكِبِ أرْواحًا عِنْدَهم فَتِلْكَ التَّدْبِيراتُ المُخْتَلِفَةُ لِتِلْكَ الأرْواحِ في الحَقِيقَةِ وكَذا القَوْلُ في تَدْبِيرِ الهِيلاجِ والكَدَخْداهُ عَلى ما يَقُولُونَ وأمّا أصْحابُ الطَّلْسَماتِ فَهَذا الكَلامُ مَشْهُورٌ عَلى ألْسِنَتِهِمْ فَإنَّهم يَقُولُونَ: أخْبَرَنا الطَّبّاعُ التّامُّ بِكَذا ومُرادُهم بِهِ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ رُوحًا فَلَكِيَّةً تَتَوَلّى صَلاحَ مُهِمّاتِهِ ودَفْعَ بَلِيّاتِهِ وآفاتِهِ وإذا كانَ هَذا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الأحْكامِ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مَجِيئُهُ في الشَّرْعِ.

وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ في جَواهِرِها وطَبائِعِها فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ وبَعْضُها حُرَّةٌ وبَعْضُها نَذْلَةٌ وبَعْضُها قَوِيَّةُ القَهْرِ وبَعْضُها ضَعِيفَةٌ وكَما أنَّ الأمْرَ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ القَوْلُ في الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ الفَلَكِيَّةَ في كُلِّ بابٍ وصِفَةٍ أقْوى مِنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وكُلُّ طائِفَةٍ مِنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ تَكُونُ مُتَشارِكَةً في طَبِيعَةٍ خاصَّةٍ وصْفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وتَكُونُ في مَرْتَبَةِ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ مُشاكَلَةً لَها في الطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كَأنَّها أوْلادٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ الفَلَكِيِّ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّ ذَلِكَ الرُّوحَ الفَلَكِيَّ يَكُونُ مُعَيَّنًا عَلى مُهِمّاتِها ومُرْشِدًا لَها إلى مَصالِحِها وعاصِمًا إيّاها عَنْ صُنُوفِ الآفاتِ وهَذا كَلامٌ ذَكَرَهُ مُحَقِّقُو الفَلاسِفَةِ وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ ما ورَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أمْرٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ الكُلِّ فَلا يُمْكِنُ اسْتِنْكارُهُ.

اهَـ.

ولَعَلَّ مَقْصُودَهُ بِذَلِكَ تَنْظِيرُ أمْرِ الحَفَظَةِ مَعَ العَبْدِ بِأمْرِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ مَعَهُ عَلى زَعْمِ الفَلاسِفَةِ في الجُمْلَةِ وإلّا فَما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ في أمْرِهِمْ وما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ في أمْرِ تِلْكَ الأرْواحِ أمْرٌ آخَرُ وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ نَقُولَ بِما قالُوا فَإنَّهُ بَعِيدٌ عَمّا جاءَ عَنِ الشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَراحِلَ ثُمَّ ذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِن فَوائِدِ الحَفَظَةِ لِلْأعْمالِ أنَّ العَبْدَ إذا عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَحْضُرُونَهُ ويُحْصُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ وهم هم كانَ أقْرَبَ إلى الحَذَرِ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي كَمَن يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أُناسٍ أجِلّاءَ مِن خُدّامِ المَلَكِ مُوَكَّلِينَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يَكادُ يُحاوِلُ مَعْصِيَةً بَيْنِهِمْ وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ ثُمَّ نُقِلَ عَنِ المُتَكَلِّمِينَ في فائِدَةِ الصُّحُفِ المَكْتُوبَةِ أنَّها وزْنُها يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهو في عِيشَةٍ راضِيَةٍ وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ويَظْهَرُ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ لِلْخَلائِقِ.

وتَعَقَّبَهُ القاضِي بِأنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ لِأنَّ الأدِلَّةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ قَبْلَ مَماتِهِ عِنْدَ المُعايَنَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ مِنَ السُّعَداءِ أوْ مِنَ الأشْقِياءِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى فَلا يَجُوزُ تَوَقُّفُ حُصُولِ المَعْرِفَةِ عَلى المِيزانِ ثُمَّ أجابَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أيْضًا ما ذَكَرْناهُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى حُصُولِ سُرُورِ العَبْدِ عِنْدَ الخَلْقِ العَظِيمِ بِظُهُورِ أنَّهُ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى لَهم وحُصُولُ ضِدَّ ذَلِكَ لِمَن كانَ مِن أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى أنَّ هَذا بُنِيَ عَلى أنَّ الَّذِي يُوزَنُ هو الصُّحُفُ وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ نَعَمْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ لِحَدِيثِ البِطاقَةِ والسِّجِلّاتِ المَشْهُورِ وكَذا عَلى أنَّ الكِتابَةَ عَلى مَعْناها الظّاهِرِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الحَدِيثِ بَلْ وغَيْرُهم فِيما أعْلَمُ ونُقِلَ عَنْ حُكَماءِ الإسْلامِ مَعْنًى آخَرَ فَقالَ: إنَّ الكِتابَةَ عِبارَةٌ عَنْ نُقُوشٍ مَخْصُوصَةٍ وُضِعَتْ بِالِاصْطِلاحِ لِتَعْرِيفِ بَعْضِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ فَلَوْ قَدَّرْنا كَوْنَ تِلْكَ النُّقُوشِ دالَّةً عَلى تِلْكَ المَعانِي بِأعْيانِها وذَواتِها كانَتْ تِلْكَ الكِتابَةُ أقْوى وأكْمَلَ وحِينَئِذٍ نَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا أتى بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمال مَرّاتٍ كَثِيرَةً مُتَوالِيَةً حَصَلَ في نَفْسِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ راسِخَةٌ فَإنْ كانَتْ تِلْكَ المَلَكَةُ مَلَكَةً في أعْمالٍ نافِعَةٍ في السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ عَظُمَ ابْتِهاجُهُ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَتْ تِلْكَ المَلَكَةُ مَلَكَةً ضارَّةً في الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ عَظُمَ تَضَرُّرُهُ بِها بَعْدُ ثُمَّ قالَ: إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ التَّكْرِيرَ الكَثِيرَ إنْ كانَ سَبَبًا لِحُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ وذَلِكَ الأثَرِ وإنْ كانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ إلّا أنَّهُ حاصِلٌ في الحَقِيقَةِ وإذا عُرِفَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَلْأنِسانِ لَمْحَةٌ ولا حَرَكَةٌ ولا سُكُونٌ إلّا ويَحْصُلُ مِنهُ في جَوْهَرِ نَفْسِهِ أثَرٌ مِن آثارِ السَّعادَةِ أوْ آثارِ الشَّقاوَةِ قَلَّ أوْ كَثُرَ وهَذا هو المُرادُ مِن كَتْبِ الأعْمالِ عِنْدَ حُكَماءِ الإسْلامِ واللَّهُ تَعالى العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

انْتَهى.

وقَدْ رَأيْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ والأخْبارُ ونَحْنُ في أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ لا نَعْدِلُ عَنِ الظّاهِرِ ما أمْكَنَ والحَقُّ أبْلَجُ وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ هَذا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ضَمِيرَ ( لَهُ ) لِمَنِ الأخِيرِ والأوَّلُ أوْلى ومِنهم مَن جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعالى وما بَعْدَهُ لِمَن وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلضَّمائِرِ مِن غَيْرِ داعٍ ومِنهم مَن جَعَلَهُ لِلنَّبِيِّ  وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ الآيَةَ واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أرْبَدَ بْنَ قَيْسٍ وعامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ قَدِما المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فانْتَهَيا إلَيْهِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جالِسٌ فَجَلَسا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَعامِرٌ: ما تَجْعَلُ لِي إنْ أسْلَمْتُ قالَ النَّبِيُّ  لَكَ ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْكَ ما عَلَيْهِمْ قالَ: أتَجْعَلُ لِي إنْ أسْلَمْتُ الأمْرَ بَعْدَكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ ولا لِقَوْمِكَ ولَكِنْ لَكَ أعِنَّةُ الخَيْلِ قالَ: فاجْعَلْ لِيَ الوَبَرَ ولَكَ المَدَرُ فَقالَ  : لا فَلَمّا قَفّى مِن عِنْدِهِ قالَ: لَأمْلَأنَّها عَلَيْكَ خَيْلًا ورَجُلًا فَقالَ النَّبِيُّ  : يَمْنَعُكَ اللَّهُ تَعالى.

وفي رِوايَةٍ وأبْناءَ قَيْلَةَ يُرِيدُ الأوْسَ والخَزْرَجَ فَلَمّا خَرَجا قالَ عامِرٌ: يا أرْبَدُ إنِّي سَأُلْهِي مُحَمَّدًا عَنْكَ بِالحَدِيثِ فاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ فَإنَّ النّاسَ إذا قَتَلْتَهُ لَمْ يَزِيدُوا عَلى أنْ يَرْضَوْا بِالدِّيَةِ ويَكْرَهُوا الحَرْبَ فَسَنُعْطِيهِمُ الدِّيَةَ فَقالَ أرْبَدُ: أفْعَلُ فَأقْبَلا راجِعَيْنِ فَقالَ عامِرٌ: يا مُحَمَّدُ قُمْ مَعِي أُكَلِّمْكَ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَهُ فَخَلَيا إلى الجِدارِ ووَقَفَ عامِرٌ يُكَلِّمُهُ وسَلَّ أرْبَدُ السَّيْفَ فَلَمّا وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ يَبِسَتْ عَلى قائِمَةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ سَلَّهُ وأبْطَأ عَلى عامِرٍ فالتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ  فَرَأى أرْبَدَ وما يَصْنَعُ فانْصَرَفَ عَنْهُما وقالَ عامِرٌ لِأرْبَدَ: ما لَكَ قالَ: وضَعْتُ يَدِي عَلى قائِمِ سَيْفِي فَيَبِسَتْ فَلَمّا خَرَجا حَتّى إذا كانا بِالرَّقْمِ نَزَلا فَخَرَجَ إلَيْهِما سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَوَقَعَ بِهِما أُسَيْدٌ قالَ: أشْخِصا يا عَدُوَّيِ اللَّهِ تَعالى لَعَنَكُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ عامِرٌ: مَن هَذا يا سَعْدُ فَقالَ: هَذا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ الكَتائِبِ فَقالَ: أما واللَّهِ إنْ كانَ حُضَيْرٌ صَدِيقًا لِي ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ وخَرَجَ عامِرٌ حَتّى إذا كانَ بِوادِي الجَرِيدِ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ قُرْحَةً فَأدْرَكَهُ المَوْتُ وفي رِوايَةٍ أنَّهُ كانَ يَصِيحُ يا لَعامِرُ أغُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ ﴾ إلى آخِرِهِ» ثُمَّ قالَ: المُعَقِّباتُ مِن أمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَ مُحَمَّدًا  وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً والأكْثَرُونَ عَلى اعْتِبارِ العُمُومِ وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَأْبى ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالعِبادِ وأنَّ لَهم مُعَقِّباتٍ يَحْفَظُونَهم مِن أمْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ نَبَّهَ عَلى لُزُومِ الطّاعَةِ ووَبالِ المَعْصِيَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ مِنَ النِّعْمَةِ والعافِيَةِ ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ ما اتَّصَفَتْ بِهِ ذَواتُهم مِنَ الأحْوالِ الجَمِيلَةِ لا ما أضْمَرُوهُ ونَوَوْهُ فَقَطْ والمُرادُ بِتَغْيِيرِ ذَلِكَ تَبْدِيلُهُ بِخِلافِهِ لا مُجَرَّدَ تَرْكِهِ وجاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِي فَوْقَ عَرْشِي ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ولا أهْلِ بَيْتٍ ولا رَجُلٍ بِبادِيَةٍ كانُوا عَلى ما كَرِهْتُ مِن مَعْصِيَتِي ثُمَّ تَحَوَّلُوا عَنْها إلى ما أحْبَبْتُ مِن طاعَتِي إلّا تَحَوَّلْتُ لَهم عَمّا يَكْرَهُونَ مِن عَذابِي إلى ما يُحِبُّونَ مِن رَحْمَتِي وما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ولا أهْلِ بَيْتٍ ولا رَجُلٍ بِبادِيَةٍ كانُوا عَلى ما أحْبَبْتُ مِن طاعَتِي ثُمَّ تَحَوَّلُوا عَنْها إلى ما كَرِهْتُ مِن مَعْصِيَتِي إلّا تَحَوَّلْتُ لَهم عَمّا يُحِبُّونَ مِن رَحْمَتِي إلى ما يَكْرَهُونَ مِن عَذابِي» أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.

واسْتُشْكِلَ ظاهِرُ الآيَةِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ لا يَقَعُ تَغْيِيرُ النِّعَمِ بِقَوْمٍ حَتّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ مِنهم بِالمَعاصِي مَعَ أنَّ ذَلِكَ خِلافُ ما قَرَّرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِن أخْذِ العامَّةِ بِذُنُوبِ الخاصَّةِ ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ سُئِلَ: «أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟

نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا رَأوُا الظّالِمَ ولَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِعِقابٍ» في أشْياءَ كَثِيرَةٍ وأيْضًا قَدْ يُنْزِلُ اللَّهُ تَعالى بِالعَبْدِ مَصائِبَ يَزِيدُ بِها أجْرُهُ وقَدْ يُسْتَدْرَجُ المُذْنِبُ بِتَرْكِ ذَلِكَ.

وأوَّلَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِذَلِكَ بِأنَّ المُرادَ حَتّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ ما مِنهم أوْ مِمَّنْ هو مِنهم كَما غَيَّرَ سُبْحانَهُ بِالمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الرُّماةِ ما بِأنْفُسِهِمْ والحَقُّ أنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ عادَةُ اللَّهِ تَعالى الجارِيَةُ في الأكْثَرِ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُصِيبُ قَوْمًا إلّا بِتَقَدُّمِ ذَنْبٍ مِنهم فَلا إشْكالَ قِيلَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: .

﴿ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾ تَتْمِيمٌ لِتَدارُكِ ما ذُكِرَ وفِيهِ تَأمُّلٌ والسُّوءُ يَجْمَعُ كُلَّ ما يَسُوءُ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وغَيْرِهِما مِن أنْواعِ البَلاءِ و ﴿ مَرَدَّ ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أيْ فَلا رَدَّ لَهُ والعامِلُ في ( إذا ) ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ وكَذا ما بَعْدَ الفاءِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وقَعَ أوْ لَمْ يَرِدْ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ إذا لِلْكُلِّيَّةِ وقَدْ جاءَتْ كَذَلِكَ في أكْثَرِ الآياتِ ﴿ وما لَهم مِن دُونِهِ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ مِن والٍ ﴾ .

(11) .

يَلِي أُمُورَهم مِن ضُرٍّ ونَفْعٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا دَفَعَ السُّوءَ عَنْهم وقِيلَ: الأوَّلُ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الدّافِعِ بِالدّالِّ وهَذا إشارَةٌ إلى نَفْيِ الرّافِعِ بِالرّاءِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ خِلافَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ واعْتُرِضَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ بِقَوْمٍ سُوءًا وجَبَ وُقُوعُهُ ولا تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُرادٍ لَهُ تَعالى كَذَلِكَ ولا عَلى اسْتِحالَةِ خِلافِهِ بَلْ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ إرادَةِ السُّوءِ وإرادَةِ غَيْرِهِ لَكِنِ اقْتَصَرَ عَلى إرادَةِ الأوَّلِ لِأنَّ الكَلامَ في الِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ وهو أبْلَغُ في تَخْوِيفِهِمْ فَإذا امْتَنَعَ رَدُّ السُّوءِ فَغَيْرُهُ كَذَلِكَ والمُرادُ بِالِاسْتِحالَةِ عَدَمُ الإمْكانِ الوُقُوعِيِّ لا الذّاتِيِّ ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ ومِن أعْجَبِ ما قِيلَ: إنَّ الجُمْهُورَ احْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَعاصِيَ مِمّا يَشْمَلُها السُّوءُ وأنَّها بِخُلُقِهِ تَعالى ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ إلى آخِرِهِ وبَيَّنَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِما لا يَرْتَضِيهِ إنْسانٌ وقِيلَ: إنَّ فِيها إيذانًا بِأنَّهم بِما باشَرُوهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ واسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ واقْتِراحِ الآيَةِ قَدْ غَيَّرُوا ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الفِطْرَةِ فاسْتَحَقُّوا لِذَلِكَ حُلُولَ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى هَذا ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى ( هادٍ ) وكَذا ( واقٍ ) حَيْثُ وقَعَ وعَلى ( والٍ ) هُنا و( باقٍ ) في النَّحْلِ بِإثْباتِ الياءِ وباقِي السَّبْعَةِ وقَفُوا بِحَذْفِها وفي الإقْناعِ لِأبِي جَعْفَرِ بْنِ الباذِشِ عَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ الوَقْفُ في جَمِيعِ البابِ لِابْنِ كَثِيرٍ بِالياءِ وهَذا لا يَعْرِفُهُ المَكِّيُّونَ وفِيهِ أيْضًا عَنْ أبِي يَعْقُوبَ الأزْرَقِ عَنْ ورْشٍ أنَّهُ خَيَّرَهُ في الوَقْفِ في جَمِيعِ البابِ بَيْنَ أنْ يَقِفَ بِالياءِ وأنْ يَقِفَ بِحَذْفِها كَذا في البَحْرِ وفِيهِ أنَّهُ أثْبَتَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ياءَ ( المُتَعالِ ) وقْفًا ووَصْلًا وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ وحَذَفَها الباقُونَ وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها كَذَلِكَ رُسِمَتْ في الإمامِ.

واسْتَشْهَدَ سِيبَوَيْهِ لِحَذْفِها في الفَواصِلِ والقَوافِي وأجازَ غَيْرُهُ حَذْفَها مُطْلَقًا ووَجْهُ حَذْفِها مَعَ أنَّها تُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ وألْ مُعاقَبَةً لَهُ إجْراءَ المُعاقَبِ مَجْرى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل على محمد  علامة من ربه لنبوته.

قال الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يعني: مخوفا ومبلغا لهذه الأمة الرسالة وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال الكلبي: داعٍ يدعوهم إلى الضلالة، أو إلى الحق.

وقال الضحاك: يعني: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وأنا الهادي.

وقال سعيد بن جبير الهادي هو الله.

وقال عكرمة: محمد  هو النذير، وهو الهادي.

يعني: يدعوهم إلى الهدى.

وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وقال مجاهد: يعني: لكل قوم نبي.

قرأ ابن كثير: هَادِيَ بالياء عند الوقف، وكذلك قوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد: 37] وقرأ الباقون: بغير ياء.

قوله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ذكراً أو أُنثى، وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام سوياً أو غير سوي.

ثم قال: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل وَما تَزْدادُ يعني: على التسعة أشهر في ذلك الحمل وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ قال قتادة: «رزقهم وأجلهم» ، وقال ابن عباس: «من الزيادة، والنقصان، والمكث في البطن، والخروج، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى، فلا يزيد ولا ينقص على ذلك» .

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: «الحامل إن ترى الدم نقص من الولد، وإن لم تر الدم يزيد في الولد» .

وروى أسباط عن السدي قال: «إن المرأة إذا حملت واحتبس حيضها، كان ذلك الدم رزقاً للولد.

فإذا حاضت على ولدها خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه» وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وهي الحيضة التي على الولد، وَما تَزْدادُ.

فحين يستمسك الدم، فلا تحيض وهي حبلى.

قال الفقيه: هذا الذي قال السدي، إن الحامل تحيض، إنما هو على سبيل المجاز، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً.

ولكن معناه: إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن خزيمة.

قال: حدثنا عليّ.

قال: حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر  يقول: قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحد إلا الله، ولا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ الساعة إلا الله تعالى» (١) (١) حديث ابن عمر: أخرجه البخاري (4697) (4778) و (3739) وأحمد: 2/ 24، 52 والبغوي (1170) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كأنه قال: إِنما أَنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لكلِّ قومٍ، و «هاد» على هذا التأويل: بمعنى داعٍ إِلى طريق الهُدَى، وقال مجاهدٌ وابنُ زَيْد: المعنى: إِنما أَنْتَ منذِرٌ، ولكلِّ أُمَّة سَلَفَتْ هادٍ، أي: نبيٌّ يَدْعُوهم «١» ، أي: فليس أمرُكَ يا محمَّد ببدْعٍ، ولا مُنْكَر، وهذا يشبه غرَضَ الآية، وقالَتْ فرقة: «الهَادِي» في هذه الآية: اللَّه عزَّ وجلَّ، والألفاظ تَقْلَقُ بهذا المعنَى، ويعرف أنَّ اللَّه تعالَى هو الهادِي من غير هذا المَوْضِعِ، والقولانِ الأولان أرجح ما تؤوّل في الآية.

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)

وقوله سبحانه: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ: هذه الآيات أمثالٌ منبِّهات على قدرة اللَّه تعالَى القاضِيَةِ بتجويزِ البَعْثِ، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ:

معناه: ما تنقُصُ، ثم اختلف المتأوِّلون في صُورَةِ الزِّيادة والنُّقْصَان، وجمهورُ المتأوِّلين على أنَّ غَيْضَ الرحم هو نقْصُ الدمِ على الحَمْل، وقال الضَّحَّاك: غَيْضُ الرَّحِمِ: أنْ تسقط المرأة الوَلَدَ، والزيادة أنْ تضعه لمدَّةٍ كاملةٍ، ونحوُه لقتادة «٢» .

وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ: عامٌّ في كل ما يدخله التقدير، والْغَيْبِ: ما غاب عن الإدراكات، والشَّهادَةِ: ما شُوهِدَ من الأمور.

وقوله: الْكَبِيرُ: صفةُ تعظيم، والْمُتَعالِ: من العلو.

وقوله سبحانه: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ...

الآية: أيْ: لا يخفى على اللَّه شيءٌ، وال سارِبٌ في اللغة: المتصرِّف كيف شاء.

وقوله سبحانه: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ:

المعنى: جعل اللَّه للعبد معقِّباتٍ يحفظونه في كلِّ حالٍ من كلِّ ما جرى القدر باندفاعه،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ ﴾ في هاءِ لَهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلى المَلِكِ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: إلى الإنْسانِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي المُعَقِّباتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَلائِكَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لِلْإنْسانِ مَلائِكَةٌ يَعْتَقِبُونَ، يَأْتِي بَعْضُهم بِعَقِبِ بَعْضٍ.

وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هُمُ الحَفَظَةُ، اثْنانِ بِالنَّهارِ واثْنانِ بِاللَّيْلِ، إذا مَضى فَرِيقٌ، خَلَفَ بَعْدَهُ فَرِيقٌ، ويَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ والفَجْرِ.

وقالَ قَوْمٌ، مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ في رَسُولِ اللَّهِ  ، عَزَمَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وأرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ عَلى قَتْلِهِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُما، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُعَقِّباتِ حُرّاسُ المُلُوكِ الَّذِينَ يَتَعاقَبُونَ الحَرَسَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: هُمُ السَّلاطِينُ المُشْرِكُونَ المُحْتَرِسُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَحْرُسُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ولا يَقْدِرُونَ، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي في المُشْرِكِينَ المُحْتَرِسِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: حِفْظُهم لَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: هَذا الحِفْظُ مِمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.

والثّالِثُ: يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: والباءُ تَقُومُ مَقامَ " مِن "، وحُرُوفُ الصِّفاتِ يَقُومُ بَعْضُها مَقامَ بَعْضٍ.

والرّابِعُ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيِّ.

وقالَ كَعْبٌ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى وكَلَ بِكم مَلائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكم في مَطْعَمِكم ومَشْرَبِكم وعَوْراتِكم، إذًا لَتَخَطَّفَتْكُمُ الجِنُّ.

وقالَ مُجاهِدٌ: ما مِن عَبْدٍ إلّا ومَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ يَحْفَظُهُ في نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والهَوامِّ، فَإذا أرادَهُ شَيْءٌ، قالَ: وراءَكَ وراءَكَ، إلّا شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ لَهُ أنْ يُصِيبَهُ.

وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: جاءَ رَجُلٌ مِن مُرادٍ إلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: احْتَرِسْ فَإنَّ ناسًا مِن مُرادٍ يُرِيدُونَ قَتْلَكَ، فَقالَ: إنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظانِهِ مِمّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإذا جاءَ القَدَرُ خَلَّيا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وإنَّ الأجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ.

والخامِسُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.

والسّادِسُ: يَحْفَظُونَهُ لِأمْرِ اللَّهِ فِيهِ حَتّى يُسَلِّمُوهُ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، واسْتَدَلَّ بِما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، حَتّى إذا جاءَ القَدَرُ خَلَّوْا عَنْهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْفَظُونَهُ لِأمْرِ اللَّهِ.

والسّابِعُ: يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما أنَّثَ المُعَقِّباتِ لِكَثْرَةٍ ذَلِكَ مِنها، نَحْوُ النَّسّابَةِ، والعَلّامَةِ، ثُمَّ ذَكَّرَ في قَوْلِهِ: " يَحْفَظُونَهُ " لِأنَّ المَعْنى مُذَكَّرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ أيْ: يَسْلُبُهم نِعَمَهُ ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ فَيَعْمَلُوا بِمَعاصِيهِ.

قالَ مُقاتِلٌ: ويَعْنِي بِذَلِكَ كُفّارَ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.

والثّانِي: البَلاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾ أيْ: لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ ولا تَنْفَعُهُ المُعَقِّباتُ.

﴿ وَما لَهم مِن دُونِهِ ﴾ يَعْنِي: مِن دُونِ اللَّهِ ﴿ مِن والٍ ﴾ أيْ: مِن ولِيٍّ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ والبَلاءَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ وسارِبٌ بِالنَهارِ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ تَعَجُّبُ الكُفّارِ واسْتِبْعادُهُمُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ نَصَّ اللهُ في هَذِهِ الآياتِ الأمْثالَ المُنَبِّهَةَ عَلى قَدْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى القاضِيَةَ بِتَجْوِيزِ البَعْثِ، فَمِن ذَلِكَ هَذِهِ الواحِدَةُ مِنَ الخَمْسِ الَّتِي هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ ما تَحْمِلُ كُلُّ الإناثِ مِنَ الأجِنَّةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، وهَذِهِ البَدْأةُ تُبَيِّنُ أنَّهُ لا تَتَعَذَّرُ عَلى القادِرِ عَلَيْها الإعادَةُ.

و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَحْمِلُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولَةً بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، مَفْعُولَةً أيْضًا بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "تَحْمِلُ"، وفي هَذا الوَجْهِ ضَعْفٌ.

وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَضَعُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ مَعْناهُ: ما تَنْقُصُ، وذَلِكَ مِن مَعْنى ﴿ وَغِيضَ الماءُ  ﴾ وهو مِن مَعْنى النُضُوبِ، فَهي هاهُنا بِمَعْنى زَوالِ شَيْءٍ عَنِ الرَحِمِ وذَهابِهِ، فَلَمّا قابَلَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ فُسِّرَ بِمَعْنى النُقْصانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صُورَةِ الزِيادَةِ والنُقْصانِ -فَقالَ مُجاهِدٌ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُهَرِيقَ دَمًا عَلى الحَمْلِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ ضَعُفَ الوَلَدُ في البَطْنِ وشَحُبَ، فَإذا أكْمَلَتِ الحامِلُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ لَمْ تَضَعْ، وبَقِيَ الوَلَدُ في بَطْنِها زِيادَةً مِنَ الزَمَنِ يُكْمِلُ فِيها مِن جِسْمِهِ وصِحَّتِهِ ما نَقَصَ بِهِراقَةِ الدَمِ، فَهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ .

وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ غَيْضَ الرَحِمِ إرْسالُ الدَمِ عَلى الحَمْلِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ غَيْضَهُ هو نُضُوبُ الدَمِ فِيهِ وإمْساكُهُ بَعْدَ عادَةِ إرْسالِهِ بِالحَيْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى "تَغِيضُ" عَلى غَيْرِ مُقابَلَةٍ، بَلْ غَيْضُ الرَحِمِ هو بِمَعْنى الزِيادَةِ فِيهِ.

وقالَ الضَحّاكُ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُسْقِطَ المَرْأةُ الوَلَدَ، والزِيادَةُ أنْ تَضَعَهُ لِمُدَّةٍ كامِلَةٍ تامًّا في خَلْقِهِ.

وقالَ قَتادَةُ: الغَيْضُ: السِقْطُ، والزِيادَةُ البَقاءُ فَوْقَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَدْخُلُهُ التَقْدِيرُ.

و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ الإدْراكاتِ، و"الشَهادَةِ": ما شُوهِدَ مِنَ الأُمُورِ، ووَضَعَ المَصادِرَ مَوْضِعَ الأشْياءِ الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها لا بُدَّ أنْ يَتَّصِفَ بِإحْدى الحالَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "الكَبِيرُ" صِفَةُ تَعْظِيمٍ عَلى الإطْلاقِ، و"المُتَعالِ" مِنَ العُلُوِّ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الوَقْفِ عَلى "المُتَعالِ" -فَأثْبَتَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ، ولَمْ يُثْبِتْها الباقُونَ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، وإثْباتُها هو الوَجْهُ والبابُ.

واسْتَسْهَلَ سِيبَوَيْهِ حَذْفَها في الفَواصِلِ كَهَذِهِ الآيَةِ قِياسًا عَلى القَوافِي في الشِعْرِ، ويَقْبُحُ حَذْفُها في غَيْرِ فاصِلَةٍ ولا شِعْرٍ، ولَكِنَّ وجْهَهُ أنَّهُ لَمّا كانَ التَنْوِينُ يُعاقِبُ الألِفَ واللامَ أبَدًا، وكانَتْ هَذِهِ الياءُ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ حَسُنَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ مُعاقِبِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّصِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ فِقْهٌ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ.

فَمِن ذَلِكَ اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في الدَمِ الَّذِي تَراهُ الحامِلُ -فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ والشافِعِيُّ وأصْحابُهُ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ حَيْضٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: لَيْسَ بِحَيْضٍ، ولَوْ كانَ حَيْضًا لَما صَحَّ اسْتِبْراءُ الأمَةِ بِحَيْضٍ وهو إجْماعٌ.

ورُوِيَ عن مالِكٍ في كِتابِ مُحَمَّدٍ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، ومِن ذَلِكَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهَرٍ، وذَلِكَ مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا  ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ  ﴾ وهَذِهِ السِتَّةُ أشْهُرٍ هي بِالأهِلَّةِ كَسائِرِ أشْهُرِ الشَرِيعَةِ، ولِذَلِكَ قَدْ رُوِيَ في المَذْهَبِ عن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ -وَأظُنُّهُ في كِتابِ ابْنِ حارِثٍ- أنَّهُ إنْ نَقَصَ مِنَ الأشْهُرِ السِتَّةِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، فَإنَّ الوَلَدَ يُلْحَقُ لِعِلَّةِ نَقْصِ الشُهُورِ وزِيادَتِها.

واخْتُلَفَ في أكْثَرِ الحَمْلِ فَقِيلَ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها- وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: أكْثَرُهُ حَوْلانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثَةُ أعْوامٍ، وفي المُدَوَّنَةِ: أرْبَعَةُ أعْوامٍ وخَمْسَةُ أعْوامٍ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ وغَيْرُهُ: سَبْعَةُ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عَجْلانَ ولَدَتِ امْرَأتُهُ لِسَبْعَةِ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ الضِحّاكَ بْنَ مُزاحِمٍ بَقِيَ حَوْلَيْنِ، قالَ: فَوُلِدْتُ وقَدْ نَبَتَتْ ثَنايايَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ الآيَةَ.

سَواءٌ مَصْدَرٌ، وهو يَطْلُبُ بَعْدَهُ شَيْئَيْنِ يَتَماثَلانِ، ورَفْعُهُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ الَّذِي هو "مَن"، والمَصْدَرُ لا يَكُونُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ كَما قالَتِ الخَنْساءُ: .....................

فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ أيْ: ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُنا المَعْنى: "ذُو سَواءٍ"، قالَ الزُجاجُ: كَثُرَ اسْتِعْمالُ (سَواءٍ) في كَلامِ العَرَبِ حَتّى جَرى مَجْرى اسْمِ الفاعِلِ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي كَعَدْلٍ وزُورٍ وضَيْفٍ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: "مُسْتَوٍ مِنكُمْ"، فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، وضَعَّفَ هَذا سِيبَوَيْهِ بِأنَّهُ ابْتِداءٌ بِنَكِرَةٍ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: مُعْتَدِلٌ مِنكم في إحاطَةِ اللهِ تَعالى وعَلِمِهِ مَن أسَرَّ قَوْلَهُ فَهَمَسَ بِهِ في نَفْسِهِ ومَن جَهَرَ بِهِ فَأسْمَعَ، لا يَخْفى عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ ﴾ مَعْناهُ: مَن هو بِاللَيْلِ في غايَةِ الِاخْتِفاءِ ومَن هو مُتَصَرِّفٌ بِالنَهارِ ذاهِبٌ لِوَجْهِهِ سَواءٌ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإحاطَتِهِ بِهِما.

وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ إلى مَعْنًى مُقْتَضاهُ: أنَّ المُسْتَخْفِيَ بِاللَيْلِ والسارِبَ بِالنَهارِ هو رَجُلٌ واحِدٌ مُرِيبٌ بِاللَيْلِ ويُظْهِرُ بِالنَهارِ البَراءَةَ في التَصَرُّفِ مَعَ الناسِ، فَهَذا قِسْمٌ واحِدٌ جَعَلَ اللَيْلَ نَهارَ راحَةٍ، والمَعْنى: هَذا والَّذِي أمْرُهُ كُلُّهُ واحِدٌ بَرِيءٌ مِنَ الرَيْبِ سَواءٌ في اطِّلاعِ اللهِ تَعالى عَلى الكُلِّ.

ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ عَطْفُ السارِبِ دُونَ تَكْرارِ "مَن"، ولا يَأْتِي حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ.

والسارِبُ في اللُغَةِ المُتَصَرِّفُ كَيْفَ شاءَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: أرى كُلَّ قَوْمٍ كارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ ونَحْنُ حَلَلْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سارِبُ أيْ مُنْصَرِفٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عن جِهَةٍ، وهَذا رَجُلٌ يَفْخَرُ بِعِزَّةِ قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: أنّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ∗∗∗ ∗∗∗ وتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَتَضَمَّنَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، فالَّذِي يُسِرُّ طَرَفٌ، والَّذِي يَجْهَرُ طَرَفٌ مُضادٌّ لِلْأوَّلِ، والثالِثُ مُتَوَسِّطٌ مُتَلَوِّنٌ يَعْصِي بِاللَيْلِ مُسْتَخْفِيًا ويُظْهِرُ البَراءَةَ بِالنَهارِ، والقَوْلُ في الآيَةِ يَطَّرِدُ مَعْناهُ في الأعْمالِ، وقالَ قُطْرُبٌ - فِيما حَكى الزَجّاجُ -: "مُسْتَخْفٍ" مَعْناهُ: ظاهِرٌ، مِن قَوْلِهِمْ: "خَفَيْتُ الشَيْءَ" إذا أظْهَرْتُهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ خَفّاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلِّبِ قالَ: و"سارِبٌ" مَعْناهُ: مُتَوارٍ في سِرْبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِاللُغَةِ بَيِّنًا فَضَعِيفٌ، لِأنَّ اقْتِرانَ اللَيْلِ بِالمُسْتَخْفِي والنَهارِ بِالسارِبِ يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لَهُ معقبات مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} جملة ﴿ له معقبات ﴾ إلى آخرها، يجوز أن تكون متصلة ب ﴿ من ﴾ الموصولة من قوله: ﴿ من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ﴾ [الرعد: 10].

على أن الجملة خبر ثاننٍ عن من أسر القول } وما عطف عليه.

والضمير في ﴿ له ﴾ والضمير المنصوب في ﴿ يحفظونه ﴾ ، وضميرا ﴿ من بين يديه ومن خلفه ﴾ جاءت مفردة لأن كلا منها عائد إلى أحد أصحاب تلك الصلات حيث إن ذكرهم ذكر أقسام من الذين جعلوا سواء في علم الله تعالى، أي لكل من أسرّ القول ومنْ جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنّهار معقبات يحفظونه من غوائل تلك الأوقات.

ويجوز أن تتصل الجملة ب ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ﴾ [الرعد: 10]، وإفراد الضمير لمراعاة عطف صلة على صلة دون إعادة الموصول.

والمعنى كالوجه الأول.

و (المعقبات) جمع معَقّبة بفتح العين وتشديد القاف مكسورة اسم فاعل عَقّبه إذا تبعه.

وصيغة التفعيل فيه للمبالغة في العقب.

يقال: عقبه إذا اتبعه واشتقاته من العقب يقال فكسر وهو اسم لمؤخّر الرجل فهو فَعِل مشتق من الاسم الجامد لأنّ الّذي يتبع غيره كأنّه يطأ على عقبه، والمراد: ملائكة معقّبات.

والواحد معقب.

وإنما جمع جمع مؤنث بتأويل الجماعات.

والحفظ: المراقبة، ومنه سمي الرقيب حفيظاً.

والمعنى: يراقبون كلّ أحد في أحواله من إسرار وإعلان، وسكون وحركة، أي في أحوال ذلك، قال تعالى: ﴿ وإن عليكم لحافظين ﴾ [الانفطار: 10].

و ﴿ من بين يديه ومن خلفه ﴾ مستعمل في معنى الإحاطة من الجهات كلها.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ صفة ﴿ معقبات ﴾ ، أي جماعات من جند الله وأمره، كقوله تعالى: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ [الإسراء: 85] وقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ [الشورى: 52] يعني القرآن.

ويجوز أن يكون الحفظ على الوجه الثاني مراداً به الوقاية والصيانة، أي يحفظون من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، أي يقونه أضرار الليل من اللصوص وذوات السموم، وأضرارَ النّهار نحو الزحام والقتال، فيكون ﴿ من أمر الله ﴾ جاراً ومجروراً لغواً متعلقاً ب ﴿ يحفظونه ﴾ ، أي يقُونه من مخلوقات الله.

وهذا منّة على العباد بلطف الله بهم وإلا لكان أدنى شيء يضر بهم.

قال تعالى: ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ [سورة الشورى: 19].

جملة معترضة بين الجمل المتقدمة المسوقة للاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى وعلمه بمصنوعاته وبين التذكير بقوة قدرته وبين جملة ﴿ هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ [سورة الرعد: 12].

والمقصود تحذيرهم من الإصرار على الشّرك بتحذيرهم من حلول العقاب في الدنيا في مقابلة استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة، ذلك أنهم كانوا في نعمة من العيش فبطروا النعمة وقابلوا دعوة الرسول بالهزء وعاملوا المؤمنين بالتّحقير ﴿ وقالوا لو نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ﴾ [المزمل: 11].

فذكرهم الله بنعمته عليهم ونبههم إلى أنّ زوالها لا يكون إلاّ بسبب أعمالهم السيّئة بعد ما أنذرهم ودعاهم.

والتغيير: التبديل بالمُغاير، فلا جرم أنه تديد لأولي النعمة من المشركين بأنهم قد تعرضوا لتغييرها.

فما صدقُ ما إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } الموصولة حالة، والباء للملابسة، أي حالة ملابسة لقوم، أي حالة نعمة لأنها محل التحذير من التغيير، وأما غيرها فتغييره مطلوب.

وأطلق التغيير في قوله: ﴿ حتى يغيروا ﴾ على التسبب فيه على طريقة المجاز العقلي.

وجملة ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ﴾ تصريح بمفهوم الغاية المسْتفاد من ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ تأكيداً للتحذير.

لأن المقام لكونه مقام خوف ووجل يقتضي التصريح دون التعريض ولا ما يقرب منه، أي إذا أراد الله أن يغيّر ما بقوم حين يغيرون ما بأنفهسم لا يَردّ إرادته شيء.

وذلك تحذير من الغرور أن يقولوا: سنسترسل على ما نحن فيه فإذا رأينا العذاب آمنا.

وهذا كقوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ﴾ [سورة يونس: 98] الآية.

وجملة وما لهم من دونه من وال} زيادة في التحذير من الغرور لئلا يحسبوا أن أصنامهم شفعاؤهم عند الله.

والوالي: الذي يلي أمر أحد، أي يشتغل بأمره اشتغال تدبير ونفع، مشتق من ولي إذا قَرب، وهو قرب ملابسة ومعالجة.

وقرأ الجمهور ﴿ من وال ﴾ بتنوين ﴿ وال ﴾ دون ياء في الوصل والوقف.

وقرأه ابن كثير بياء بعد اللام وقفا فقط دون الوصل كما علمته في قوله تعالى ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ في هذه السورة الرعد (33).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ﴾ إسْرارُ القَوْلِ: ما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، والجَهْرُ ما حَدَّثَ بِهِ غَيْرَهُ.

والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُ مَنِ اسْتَخْفى بِعَمَلِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ومَن أظْهَرَهُ في ضَوْءِ النَّهارِ.

الثّانِي: يَرى ما أخْفَتْهُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ كَما يَرى ما أظْهَرَهُ ضَوْءُ النَّهارِ، بِخِلافِ المَخْلُوقِينَ الَّذِينَ يُخْفِي عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ أحْوالَ أهْلِهِمْ.

قالَ الشّاعِرُ: ولَيْلٍ يَقُولُ النّاسُ في ظُلُماتِهِ سَواءٌ صَحِيحاتُ العُيُونِ وعُورُها والسّارِبُ: هو المُنْصَرِفُ الذّاهِبُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السُّرُوبِ في المَرْعى، وهُوَ بِالعَشِيِّ، والسُّرُوحُ بِالغَداةِ، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ: أنّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ∗∗∗ وتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم حُرّاسُ الأُمَراءِ يَتَعاقَبُونَ الحَرْسَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ ما يَتَعاقَبُ مِن أوامِرِ اللَّهِ وقَضائِهِ في عِبادِهِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، إذا صَعِدَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ أعْقَبَتْها مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، وإذا صَعِدَتْ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ أعْقَبَتْها مَلائِكَةُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

قالَ الحَسَنُ: وهم أرْبَعَةُ أمْلاكٍ: اثْنانِ بِالنَّهارِ، واثْنانِ بِاللَّيْلِ، يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن أمامِهِ ووَرائِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُعَقِّباتِ حُرّاسُ الأُمَراءِ.

الثّانِي: الماضِي والمُسْتَقْبَلُ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُعَقِّباتِ ما يَتَعاقَبُ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ.

الثّالِثُ: مِن هُداهُ وضَلالِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُعَقِّباتِ المَلائِكَةُ.

﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ تَأْوِيلُهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المُعَقِّباتِ، فَإنْ قِيلَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أنَّهم حُرّاسُ الأُمَراءِ فَفي قَوْلِهِ ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ أيْ عِنْدَ نَفْسِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ولا رادَّ لِأمْرِهِ ولا دافِعَ لِقَضائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّ في الكَلامِ حَرْفَ نَفْيٍ مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُهِ: لا يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ.

وَإنْ قِيلَ بِالقَوْلِ الثّانِي، إنَّ المُعَقِّباتِ ما يَتَعاقَبُ مِن أمْرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، فَفي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَوْتِ ما لَمْ يَأْتِ أجْلُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ والهَوامِّ المُؤْذِيَةِ ما لَمْ يَأْتِ قَدَرٌ، قالَهُ أبُو مالِكٍ وكَعْبُ الأحْبارِ.

وَإنْ قِيلَ بِالقَوْلِ الثّالِثِ: وهو الأشْبَهُ: أنَّ المُعَقِّباتِ المَلائِكَةُ فَفِيما أُرِيدَ بِحِفْظِهِمْ لَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَحْفَظُونَ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ بِأمْرِ اللَّهِ.

الثّانِي: يَحْفَظُونَ نَفْسَهُ.

فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وتَقْدِيرُهُ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى يَحْفَظُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

وَفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَلْقِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: أنَّها خاصَّةٌ نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ أزْمَعَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وأرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ أخُو لَبِيدٍ عَلى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنهُما وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ مِن نِعْمَةٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن مَعْصِيَةٍ.

الثّانِي: لا يُغَيِّرُ ما بِهِمْ مِن نِعْمَةٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن طاعَةٍ.

﴿ وَإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا أرادَ اللَّهُ بِهِمْ عَذابًا فَلا مَرَدَّ لِعَذابِهِ.

الثّانِي: إذا أرادَ بِهِمْ بَلاءً مِن أمْراضٍ وأسْقامٍ فَلا مَرَدَّ لِبَلائِهِ.

﴿ وَما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن مَلْجَأٍ وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

الثّانِي: يَعْنِي مِن ناصِرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ ما في السَّماءِ سِوى الرَّحْمَنِ مِن والِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، من طريق عطاء بن يسار رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- «أن أربد بن قيس وعامر بن الطفيل، قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه فقال عامر: ما تجعل لي إن أسلمت؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.

قال: أتجعل لي إن أسلمت، الأمر من بعدك؟

قال: ليس لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل.

قال: فاجعل لي الوبر ولك المدر.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا.

فلما قفى من عنده قال لأمَلأَنَّها عليك خيلاً ورجالاً.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: يمنعك الله» فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد، إني سألهي محمداً عنك بالحديث، فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدية.

فقال أربد: أفعل.

فأقبلا راجعين فقال عامر: يا محمد، قم معي أكلمك.

فقام معه فخليا إلى الجدار، ووقف معه عامر يكلمه وسل أربد السيف، فلما وضع يده على سيفه يبست على قائم السيف، فلا يستطيع سل سيفه.

وأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما.

وقال عامر لأربد: ما لك حشمت؟

قال وضعت يدي على قائم السيف فيبست، فلما خرج عامر واربد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كانا بحرة واقم، نزلا.

فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال: اشخصا يا عدوَّي الله، لعنكما الله، ووقع بهما.

فقال عامر: من هذا يا سعد؟

فقال سعد: هذا أسيد بن حضير الكتائب، قال: اما والله ان كان حضير صديقاً لي، حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريب أرسل الله عليه قرحة فأدركه الموت فيها: فأنزل الله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى....

﴾ إلى قوله: ﴿ ...

له معقبات من بين يديه ﴾ قال: المعقبات من أمر الله، يحفظون محمداً صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر أربد وما قتله، فقال: ﴿ هو الذي يريكم البرق...

﴾ إلى قوله: ﴿ ...

وهو شديد المحال ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردوية عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ﴾ قال: هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ قال: عن أمر الله، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ قال: ذلك الحفظ من أمر الله بأمر الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ قال: الملائكة ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ قال: باذن الله.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ له معقبات...

﴾ الآية قال: الملائكة من أمر الله.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ قال: الملائكة ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ قال: حفظهم إياه بأمر الله.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ قال: بأمر الله.

قال: وفي بعض القراءة ﴿ يحفظونه بأمر الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ الآية.

يعني ولي السلطان، يكون عليه الحراس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، يقول الله «يحفظونه من أمري؟!..

فإني إذا أردت بقوم سوءاً فلا مرد له» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ الآية.

قال: الملوك يتخذون الحرس يحفظونه من أمامه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله يحفظونه من القتل.

ألم تسمع أن الله تعالى يقول ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً ﴾ لم يغن الحرس عنه شيئاً.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ قال: هؤلاء الأمراء.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ قال: هم الملائكة، تعقب بالليل والنهار وتكتب على بني آدم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ قال: الحفظة.

وأخرج ابن المنذر من وجه آخر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ قال: الملائكة تعقب الليل والنهار، تكتب على ابن آدم.

وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجتمعون فيكم عند صلاة الصبح وصلاة العصر من بين يديه» مثله قوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال ﴾ [ ق: 17] الحسنات من بين يديه، والسيئات من خلفه.

الذي على يمينه يكتب الحسنات، والذي على يساره لا يكتب إلا بشهادة الذي على يمينه، فإذا مشى كان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ قال: يحفظون عليه.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه ﴿ له معقبات ﴾ قال: هم الكرام الكاتبون، حفظة من الله على ابن آدم أمروا به.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن إبراهيم رضي الله عنه في قوله: ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ قال: من الجن.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ له معقبات ﴾ قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خلوا عنه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: ما من عبد إلا به ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام.

فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك.

إلا شيئاً يأذن الله فيه فيصيبه.

وأخرج ابن جرير عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: لو تجلى لابن آدم كل سهل وحزن، لرأى على كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، إذاً لَتَخَطَّفَتْكُم.

وأخرج ابن جرير، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: جاء رجل من مراد إلى علي رضي الله عنه- وهو يصلي فقال: احترس؛ فإن ناساً من مراد يريدون قتلك.

فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر!

فإذا جاء القدر، خليا بينه وبينه، وأن الأجل جنة حصينة.

وأخرج ابن جرير عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه، حتى يسلمه للذي قدر له.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: ليس من عبد إلا له معقبات من الملائكة، ملكان يكونان معه في النهار، فإذا جاء الليل صعدا وأعقبهما ملكان، فكانا معه ليله حتى يصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، ولا يصيبه شيء لم يكتب عليه، إذا غشي من ذلك شيء دفعاه عنه.

ألم تره يمر بالحائط فإذا جاز سقط؟

فإذا جاء الكتاب خلوا بينه وبين ما كتب له.

وهم ﴿ من أمر الله ﴾ أمرهم أن يحفظوه.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ﴿ له معقبات من بين يديه ورقيب من خلفه يحفظونه من أمر الله ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه كان يقرأ ﴿ له معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه من أمر الله يحفظونه ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الجارود بن أبي سبرة رضي الله عنه قال: سمعني ابن عباس- رضي الله عنهما- اقرأ ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه ﴾ فقال: ليست هناك، ولكن ﴿ له معقبات من بين يديه ورقيب من خلفه ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ﴾ قال: ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط، أو يتردى في بئر، أو يأكله سبع، أو غرق أو حرق، فإذا جاء القدر، خلوا بينه وبين القدر.

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، والطبراني والصابوني في المائتين، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وكل بالمؤمن ثلثمائة وستون ملكاً، يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك» للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل، كلهم باسط يديه فاغر فاه، وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين، لاختطفته الشياطين.

وأخرج أبو داود في القدر، وابن أبي الدنيا وابن عساكر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لكل عبد حفظة يحفظونه، لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو تصيبه دابة، حتى إذا جاء القدر الذي قدّر له، خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء الله أن يصيبه.

وفي لفظ لأبي داود: وليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك، فلا تريده دابة ولا شيء إلا قال اتقه اتقه، فإذا جاء القدر خلى عنه.

وأخرج ابن جرير عن كنانة العدوي رضي الله عنه قال: دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني عن العبد، كم معه من ملك؟

فقال: «ملك عن يمينك على حسناتك، وهو أمين على الذي على الشمال، إذا عملت حسنة كتبت عشراً، فإذا عملت سيئة، قال الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب؟

قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب، فإذا قال ثلاثاً قال: نعم اكتبه، أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منه؟!

يقول الله: ﴿ وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ [ ق: 18] وملكان من بين يديك ومن خلفك، يقول الله: ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ﴾ وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على يمينك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل بني آدم، ينزل ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكاً على كل آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل» .

وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لا يغير ما بهم من النعمة حتى يعملوا بالمعاصي، فيرفع الله عنهم النعم.

وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب العرش، وأبو الشيخ وابن مردويه، عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله «وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية، كانوا على ما كرهته من معصيتي، ثم تحوّلوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحوّلت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي؛ وما من أهل بيت ولا قرية ولا رجل ببادية كانوا على ما أحببت من طاعتي، ثم تحولوا عنها إلى ما كرهت من معصيتي، إلا تحولت لهم عما يحبون من رحمتي إلى ما يكرهون من غضبي» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن زيد رضي الله عنه قال: أتى عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عامر: «ما تجعل لي إن اتبعتك؟

قال: أنت فارس، أعطيك أعنة الخيل.

قال: فقط؟

قال: فما تبغي؟

قال: لي الشرق ولك الغرب، ولي الوبر ولك المدر.

قال: لا.

قال: لأملأنها إذاً عليك خيلاً ورجالاً.

قال: يمنعك الله ذلك» وأتيا قبيلة تدعى الأوس والخزرج، فخرجا، فقال عامر لأربد: إن كان الرجل لنا يمكنا لو قتلناه ما انتطحت فيه عنزان، ولرضوا بأن نعقله لهم، وأحبوا السلم وكرهوا الحرب إذا رأوا أمراً قد وقع، فقال الآخر: إن شئت.

فتشاورا وقال: أرجع، أنا أشغله عنك بالمجادلة، وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة، فكانا كذلك، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر قال: أقصص عليّ قصصك.

قال: ما تقول؟

قال: قرأتك، فجعل يجادله ويستبطئه، حتى قال له ما لك، أحشمت؟

قال: وضعت يدي على قائم السيف فيبست، فما قدرت على أن أحلي ولا أمري، فجعل يحركها ولا تتحرك، فخرجا، فلما كانا بالحرة سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن خضير، فخرجا إليه على كل واحد منهما لأمته ورمحه بيده، وهو متقلد سيفه، فقال أسيد لعامر بن الطفيل: يا أعور الخبيث، أنت الذي تشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

لولا أنك في أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رمت المنزل حتى ضربت عنقك.

فقال: من هذا؟

قالوا: أسيد ابن حضير.

قال: لو كان أبوه حياً لم يفعل بي هذا، ثم قال عامر لأربد: أخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة، وأخرج أنا إلى محمد فأجمع الرجال فنلتقي عليه، فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم، بعث الله سحابة من الصيف فيها صاعقة فأحرقته، وخرج عامر حتى إذا كان بوادي الحريد، أرسل الله عليه الطاعون، فجعل يصيح: يا آل عامر، اغدة كغدة البعير تقتلني، وموت أيضاً في بيت سلولية، وهي امرأة من قيس، فذلك قول الله: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به...

﴾ إلى قوله: ﴿ له معقبات من ببين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ﴾ هذا مقدم ومؤخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك المعقبات من أمر الله ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...

﴾ حتى بلغ ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ وقال لبيد في أخيه أربد وهو يبكيه: أخشى على أربد الحتوف ولا ** أرهب نوء السماء والأسد فجعتني الرعد والصواعق بالفا ** رس يوم الكريهة النجد وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ قال: إنما يجيء التغيير من الناس، والتيسير من الله، فلا تغيروا ما بكم من نعم الله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل، أن قل لقومك أنه ليس من أهل قرية ولا من أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحوّلون إلى معصية الله، إلا تحوّل الله مما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله تعالى ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال: بلغني أن نبياً من الأنبياء عليهم السلام، لما أسرع قومه في المعاصي قال لهم: اجتمعوا إلي لأبلغكم رسالة ربي، فاجتمعوا إليه وفي يده فخارة فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول لكم إنكم قد عملتم ذنوباً قد بلغت السماء، وإنكم لا تتوبون منها وتنزعون عنها إلا إن كسرتم كما تكسر هذه.

فألقاها فانكسرت وتفرقت، ثم قال: وأفرقكم حتى لا ينتفع بكم، ثم أبعث عليكم من لا حظ له فينتقم لي منكم، ثم أكون الذي أنتقم لنفسي بعد.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: إن الحجاج عقوبة، فلا تستقبلوا عقوبة الله بالسيف، ولكن استقبلوها بتوبة وتضرع واستكانة.

وأخرج أبو الشيخ، عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: كلما أحدثتم ذنباً، أحدث الله لكم من سلطانكم عقوبة.

وأخرج أبو الشيخ، عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: قرأت في بعض الكتب: «إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فلا تشغلوا قلوبكم بسبب الملوك، وادعوني أعطفهم عليكم» .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما لهم من دونه من وال ﴾ قال: هو الذي تولاهم فينصرهم ويلجئهم إليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ الآية، المعقبات: المتَنَاوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلاً منه، وهم الملائكة الحفظة هاهنا، في قول عامة المفسرين وأهل التأويل (١) قال الفراء (٢) قال الأزهري (٣) وقال أبو الهيثم (٤) (٥) وقال شمّر (٦) وقال الزجاج (٧) (٨) ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ ، وقال الأخفش (٩) قال ابن عباس (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤)  : "يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر" الحديث (١٥) وقوله تعالى: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ ذكر الفراء (١٦) أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه، وعلى هذا لا يعلق ليحفظونه بمن، وهو معنى قول ابن عباس (١٧) والثاني: أن هذا على إضمار، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله به، قال ابن الأنباري فحذف الاسم وأبقى خبره، كما كتب على الكيس ألفان، يراد الذي في الكيس ألفان، ونحو هذا قال الزجاج (١٨) قال أبو بكر (١٩) (٢٠) وروى ليث عن مجاهد (٢١) وقال كعب (٢٢) وقال ابن جريج (٢٣) (٢٤) قال أبو عبيد (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ أي: لا يسلب قومًا نعمة حتى يعملوا بمعاصيه، قال ابن عباس (٢٧) ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ  ﴾ .

وقوله تعالى ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا ﴾ قال ابن عباس (٢٨) ﴿ فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾ ، قال الضحاك عن ابن عباس (٢٩) (٣٠) ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.

(١) الطبري 13/ 114 - 115، والقرطبي 9/ 291، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 296، و"البحر" 5/ 371، و"بحر العلوم" 2/ 187، و"فتح البيان" 7/ 26، 27، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 477، وابن كثير 2/ 552، و"الدر المصون" 2/ 60.

(٢) "معاني القرآن" 2/ 60.

(٣) "تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2505.

(٤) المرجع السابق.

(٥) في "التهذيب": فقد عقب.

(٦) "تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2505.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.

(٨) "معاني القرآن" 2/ 60.

(٩) "معاني القرآن" 2/ 596، و"تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2505.

(١٠) الطبري 13/ 115، و"زاد المسير" 4/ 310، والقرطبي 9/ 293، وابن أبي حاتم 7/ 2230، وهو قول عطاء كما في "تفسيره" ص 112.

(١١) الطبري 13/ 117.

(١٢) الطبري 13/ 115، و"زاد المسير" 4/ 310، والقرطبي 9/ 293.

(١٣) الطبري 13/ 115، و"زاد المسير" 4/ 310، والقرطبي 9/ 293.

(١٤) الطبري 13/ 116، والثعلبي 7/ 124 ب، و"زاد المسير" 4/ 310، والقرطبي 9/ 293.

(١٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (555) كتاب الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، وأخرجه (3223) كتاب بدء الخلف، باب: ذكرالملائكة، و (7429) == كتاب التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ و (7486) كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب مع جبريل ونداء الملائكة، وأخرجه مسلم (632) كتاب المساجد، باب: فضل صلاة الصبح والعصر، وأحمد من حديث أبي هريرة 20/ 57 (10314) تحقيق شاكر، وصحح إسناده أحمد شاكر.

(١٦) "معاني القرآن" 2/ 60.

(١٧) الطبري 13/ 117.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.

(١٩) "الوقف والابتداء" 2/ 733، والرازي 19/ 17.

(٢٠) الطبري 13/ 115، وعبد الرزاق 2/ 332، والفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 89، و"زاد المسير" 4/ 312، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 477.

(٢١) الطبري 13/ 116، وذكره في "الدر" 4/ 91، والثعلبي 7/ 125 أ، و"زاد المسير" 4/ 312.

(٢٢) المراجع السابقة، والقرطبي 9/ 292.

(٢٣) الطبري 16/ 378، والثعلبي 7/ 125 أ، و"زاد المسير" 4/ 312، والقرطبي 9/ 292.

(٢٤) في (أ)، (ج): (الحساب).

(٢٥) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 479.

(٢٦) قلت: رجح ابن جرير -رحمه الله- قولًا في هذه الآية غير ما ذكره الواحدي، فقال: (له معقبات) الهاء من ذكر (من) التي في قوله: ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ﴾ وأن المعقبات من بين يديه ومن خلفه هي حرسه وجلاوزته؛ لأنها أقرب مذكور == من قوله: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ ﴾ ، ويدل على ذلك أيضًا قوله بعد: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾ على أنهم المعنيون بذلك، وذلك أن الله ذكر قومًا أهل معصية له، وأهل ريبة يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالى ذكره إذا أراد بهم سوءًا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم.

اهـ.

الطبري 13/ 117.

(٢٧) أخرجه أبو الشيخ عنه كما في "الدر" 4/ 92 (٢٨) "زاد المسير" 4/ 312، والقرطبي 9/ 294، و"تنوير المقباس" ص 156.

(٢٩) ابن أبي حاتم 7/ 2233.

(٣٠) انظر: "فتح البيان" 7/ 29.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَهُ معقبات ﴾ المعقبات هنا جماعة الملائكة، وسميت معقبات لأن بعضهم يعقب بعضاً، والضمير في له يعود على من المتقدّمة، كأنه قال: لمن أسر ومن جهر ولمن استخفى ومن ظهر له معقبات، وقيل: يعود على الله وهو قول ضعيف؛ لأن الضمائر التي بعده تعود على العبد باتفاق ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ صفة للمعقبات، وهذا الحفظ يحتمل أن يراد به حفظ أعماله أو حفظه وحراسته من الآفات ﴿ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ صفة للمعقبات أي معقبات من أجل أمر الله أي أمرهم بحفظه، وقرئ بأمر الله، وهذه القراءة تعضد ذلك، ولا يتعلق من أمر الله على هذا ليحفظونه، وقيل: يتعلق به على أنهم يحفظونه من عقوبة الله إذا أذنب بدعائهم له واستغفارهم ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾ من العافية والنعم ﴿ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ بالمعاصي، فيقتضي ذلك أن الله لا يسلب النعم، ولا يترك النقم إلا بالذنوب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ﴾ .

قيل: يعلم أنها حملت ذكراً أو أنثى مستوياً أو غير مستوٍ مؤفّاً؛ يخبر - عز وجل - عن علمه وقدرته أنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، فإن قيل: هذا دعوى: ما الذي يعلمنا أنه يعلم ذلك؟

قيل: اتساق تدبيره ولطفه يدل على علم ذلك فيه؛ حيث رباه فيه وأنشأه مستوياً غير مؤفٍّ سليماً عن الآفات، ونماء الجوارح كلها على الاستواء؛ لا يكون بعضها [أكبر وأعظم وبعضها] أنقص وبعضها أتم؛ نحو العينين؛ تراهما مستويتين؛ لا زيادة في إحداهما دون الأخرى؛ بل تنموان على الاستواء، وكذلك اليدان والرجلان والأذنان؛ وأمثاله؛ فدلّ ذلك على العلم له به والتدبير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ .

أي: يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد.

قال عامة أهل التأويل: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ : ما تنقص عن التسعة الأشهر، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ : على التسعة الأشهر، فكان الحسن يقول: غيضوضة الرحم: أن تضع لستة أشهر أو لسبعة أشهر أو ثمانية، وأما الزيادة: فما زاد على تسعة أشهر.

وفي حرف أُبي: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَضَعُ) ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ أي: ما لا تحمل شيئاً؛ وهي التي تكون عقيماً لا تلد، والغيضوضة تكون ذهاب الشيء، قال الله -  -: ﴿ وَغِيضَ ٱلْمَآءُ  ﴾ أي: ذهب.

﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ أي: ما تحمل وما تغيض الأرحام، فتلد بدون الوقت الذي تلد النساء، وما تزداد على الوقت الذي تلد النساء.

أو ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ في زيادة عدد الأولاد ونقصانهم؛ ما تحمل واحداً أو أكثر من واحد، أو يكون في زيادة قدر نفس الولد ونقصانه؛ لأن من الولد ما يصيبه في البطن آفة؛ فلا يزال يزداد له نقصان في البطن، ومنه ما ينمو ويزداد؛ وأمثاله.

والله أعلم.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ مقدّر بالتقدير؛ ليس على الجزاف؛ على ما يكون عند الخلق، ولكنه بتقدير وتدبير.

﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ قال بعضهم: لا يغيب عنه شيء، ولكن هو عالم بالذي يغيب عن الخلق ويشهده الخلق؛ أي: ما يغيب عنهم وما يشهدونه عنده بمحل واحد في العلم به.

وقال بعضهم: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ : ما غاب بنفسه، وما شهد بنفسه؛ فالغائب بنفسه: هو ما لم يوجد بعد؛ ولم يكن، والشهادة: ما قد وجد وكان، يعلم ما لم يوجد بعد أنه يوجد أو لا يوجد، وإذا وجد، كيف يوجد؛ ومتى يوجد؛ وفي أي: وقت يوجد؛ وما جد وشهد؛ يعلمه شاهداً موجوداً.

على هذين الوجهين يجوز أن تخرج الآية؛ والله أعلم؛ ويعلم ما غاب عنهم مما شهدوا من نحو قوة الطعام في الطعام، والقوة التي في الماء، وماهية البصر والسمع، والعقل والروح، وكيفيتها، وهذا كله مما غاب عن الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ﴾ .

[المتعال] عن جميع ما يحتمله الخلق؛ يقال: هذا عظيم القوم؛ وكبيرهم، وهذا واحد زمانه؛ لا يعنون عظيم النفس وكبيره أو توحده من حيث العدد؛ ولكن من حيث نفاذ الأمر له والمشيئة فيهم؛ والعزة والسلطان، وذلة الخلق له والخضوع؛ فعلى ذلك لا [يفهم مما] وصف هو به؛ ما يفهم من الخلق من عظم الجسم وكبر النفس، وعلى ذلك ما وصف هو بأسماء - لا يحتمل ذلك في الخلق، يقال: أوّل وآخر، وظاهر وباطن، وعظيم ولطيف؛ ليعلم أنه ليس يفهم مما أضيف إليه؛ ووصف هو به؛ ما يفهم مما يضاف إلى الخلق؛ إذ من قيل في الشاهد: إنه عظيم - لم يقل إنه لطيف، ومن قيل: إنه أوّل - لم يقل له: آخر، وكذلك الظاهر والباطن؛ إذا وصف بأحدهما انتفى عنه الآخر، وذلك مما وصف به الغائب وأضيف إليه، ليعلم أنه لا يفهم بما يوصف هو به؛ ويضاف إليه ما يفهم؛ مما وصف به الخلق وأضيف إليهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ ﴾ في نفسه في حال انفراده ﴿ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ﴾ لغيره ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيلِ ﴾ في ظلمة الليل ﴿ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ ﴾ .

قيل: ظاهر بالنهار، وقال بعضهم: ﴿ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ ﴾ : من يكون في السرب وهو الغار بالنهار، وقال بعضهم: من هو مستخف بالليل: أي: ساكن بالليل في مقره، وسارب بالنهار: أي: متصرف متقلب بالنهار في حوائجه.

ذكر هذا صلة ما تقدم؛ وهو قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ ويعلم - أيضاً - ما تزداد، وما ذكر أن عالم الغيب والشهادة، يقول - أيضاً -: يعلم من أسرّ القول، ومن جهر به، ومن كان مستخفياً بالليل أو سارباً بالنهار، أي: يعلم كل شيء؛ لا يخفى عليه شيء: من عمل سرّاً؛ من الخلق؛ أو عمل بظاهر منهم.

يذكر هذا - والله أعلم - ليكونوا على حذر من المعاصي؛ لأن من علم أن عليه رقيباً حفيظاً يكون أحذر وأخوف؛ ممن يعلم أن ليس عليه ذلك.

وقال مقاتل: سواء منكم؛ عند الله؛ من أسر القول ومن جهر به، وسواء منكم من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار؛ أي: من هو مستخف بالمعصية في ظلمة الليل، أو هو منتشر بتلك المعصية بالنهار؛ معلن بها؛ فعلم ذلك كله عند الله؛ سواء.

في ذلك تذكير أمرين: أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من أول حالهم إلى آخر ما ينتهون إليه يستأدي بذلك شكره؛ ليستديموا بذلك تلك النعم أبداً ما كانوا.

والثاني: يذكرهم علمه بجميع أحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر من معاصيه، والخلاف له.

أما علمه هو ما ذكر الله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ...

﴾ إلى قوله: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ...

﴾ الآية.

وأما نعمه [فهو] ما ذكر.

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقوله: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ قال بعضهم: هم الأمراء، والشرط الذي يحفظونه في ظواهر من أمره؛ يخبر أنه محفوظ عليه الخفيات من أمره؛ حيث قال: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ...

﴾ الآية: حيث أخبر أنه يعلم ذلك ومحفوظ عليه الظواهر من أمره.

وقال بعضهم: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ : الملائكة الذين يحفظونه، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي  قال: "يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه" ، مثل قوله: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ قال: الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه؛ الذي عن يمينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَهُ ﴾ ، أي: لله معقبات يحفظونه، ويحتمل: ﴿ لَهُ ﴾ من كل ذكر وأنثى؛ يكون مثله قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ﴾ .

وقوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يحفظون نفسه من البلايا والنكبات التي تنزل على بني آدم؛ فإن كان في حفظ نفسه فقوله من أمر الله؛ أي: من عذاب الله وبلاياه؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا  ﴾ ، وهو عذابنا.

ويحتمل قوله: يحفظون أعماله؛ بأمر الله، ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ \[وجوهاً: يحتمل: من بين يديه: الخيرات التي يعملها، ومن خلفه\]: الشرور والسيئات، ويحتمل قوله: ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ : ما قدّم من الأعمال، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ : ما بقي وأخّر؛ كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  ﴾ ويحتمل ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ : ما مضى من الوقت، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ : ما بقي.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

يشبه أن يكون هذه النعمة؛ نعمة الدين من رسول الله  ، أو القرآن، أو ما كان في أمر الدين؛ لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير يكون منهم؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون ذلك في النعمة الدنياوية؛ من الصحة والسلامة والمال، لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير ذلك من أنفسهم.

فإن قيل: إن الأنبياء قد كانوا بلوا بشدائد وبلايا؛ ولا يحتمل أن يكون ذلك منهم البداية في التغيير.

قيل: أبدلت لهم مكان تلك النعمة خيراً منها فليس ذلك بتغيير؛ ولكن لما ذكرنا أنه أبدلت لهم مكان النعمة نعمة هي خير منها.

ثم ما كان من النعم؛ والأفضال من الطاعات لها حق التجدد والحدوث؛ يكون التغيير عليهم حالة اختيارهم؛ وتغييرهم على أنفسهم، وأما الأفعال التي لها حق البقاء؛ يكون التغيير من الله من بعد؛ وهو من نحو السلامة والصحة والسعة، والذي له حق التجدد والحدوث الطاعات والمعايى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ﴾ .

الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إنه لا يريد إلا ما هو أصلح لهم في الدين، وقد أخبر أنه إذا أراد بهم سوءاً؛ ﴿ فَلاَ مَرَدَّ لَهُ...

﴾ \[الآية\].

دل هذا أنه قد يريد بهم السوء إذا غيروا هم ما أنعم الله عليهم، أراد أن يغير عليهم والمعتزلة يقولون يملك الخلق دفع سوء إرادة الله بهم، وإذا أراد الخير يملكون رد ذلك، والله يقول: ﴿ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ  ﴾ ولا مردّ لسوئه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ .

أي: ليس لهم في دفع العذاب الذي أراد بهم ولي يدفع عنهم أو نصير ينصرهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

له -سبحانه وتعالى- ملائكة يَعْقبُ بعضهم بعضًا على الإنسان، فيأتي بعضهم بالليل، وبعضهم بالنهار، يحفظون الإنسان بأمر الله من جملة الأقدار التي كتب الله لهم منعها عنه، ويكتبون أقواله وأعماله، إن الله لا يغير ما بقوم من حال طيبة إلى حال غيرها لا تسرهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من حال الشكر، وإذا أراد لله سبحانه بقوم هلاكًا فلا راد لما أراده، وما لكم - أيها الناس - من دون الله من متولّ يتولى أموركم، فتلجؤوا إليه لدفع ما أصابكم من بلاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.vWQXa"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل