الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٢ من سورة الرعد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق ، وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب .
وروى ابن جرير أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق ، فقال : البرق : الماء .
وقوله : ( خوفا وطمعا ) قال قتادة : خوفا للمسافر ، يخاف أذاه ومشقته ، وطمعا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ، ويطمع في رزق الله .
( وينشئ السحاب الثقال ) أي : ويخلقها منشأة جديدة ، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض .
قال مجاهد : والسحاب الثقال : الذي فيه الماء .
القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) ، يعني أن الرب هو الذي يري عباده البرق وقوله: (هو) كناية اسمه جلّ ثناؤه.
* * * وقد بينا معنى " البرق " ، فيما مضى، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
(71) * * * وقوله: (خوفًا) يقول: خوفًا للمسافر من أذاه .
وذلك أن " البرق "، الماء، في هذا الموضع كما:- 20251- حدثني المثنى قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا موسى بن سالم أبو جهضم, مولى ابن عباس قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْد يسأله عن " البرق ", فقال: " البرق "، الماء .
(72) * * * وقوله (وطمعًا) يقول: وطمعًا للمقيم أن يمطر فينتفع .
كما:- 20252- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا) ، يقول: خوفًا للمسافر في أسفاره, يخاف أذاه ومشقته(وطمعًا،) للمقيم، يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله.
20253- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (خوفا وطمعا) خوفا للمسافر, وطمعا للمقيم .
* * * وقوله: (وينشئ السحاب الثقال) : ويثير السحاب الثقال بالمطر ويبدؤه.
* * * يقال منه: أنشأ الله السحاب: إذا أبدأه, ونشأ السحاب: إذا بدأ ينشأ نَشْأً .
* * * و " السحاب " في هذا الموضع، وإن كان في لفظ واحد، فإنها جمعٌ، واحدتها " سحابة ", ولذلك قال: " الثقال ", فنعتها بنعت الجمع, ولو كان جاء: " السحاب " الثقيل كان جائزًا, وكان توحيدًا للفظ السحاب, كما قيل : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا [سورة يس:80] .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 20254-حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وينشئ السحاب الثقال) ، قال: الذي فيه الماء .
20255- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
20256- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
20257- ...
قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
20258- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وينشئ السحاب الثقال) قال: الذي فيه الماء .
---------------------------------- الهوامش : (71) انظر تفسير" البرق" فيما سلف 1 : 342 - 346 .
(72) الأثر : 20251 -" موسى بن سالم" ،" أبو جهضم" ، ثقة ، روايته عن ابن عباس مرسلة ، سلف برقم : 434 .
و" أبو الجلد" ، هو" جيلان بن فروة الأسدي" ، ثقة ، مضى برقم : 434 ، 723 ، 1913 .
أي بالمطر ." السحاب " جمع , والواحدة سحابة , وسحب وسحائب في الجمع أيضا .
يقول تعالى: { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي: يخاف منه الصواعق والهدم وأنواع الضرر، على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه، { وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ } بالمطر الغزير الذي به نفع العباد والبلاد.
قوله عز وجل : ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا ) قيل : خوفا من الصاعقة ، طمعا في نفع المطر .
وقيل : الخوف للمسافر ، يخاف منه الأذى والمشقة ، والطمع للمقيم يرجو منه البركة والمنفعة .
وقيل : الخوف من المطر في غير مكانه وإبانه ، والطمع إذا كان في مكانه وإبانه ، ومن البلدان ما إذا أمطروا قحطوا وإذا لم يمطروا أخصبوا .
( وينشئ السحاب الثقال ) بالمطر .
يقال : أنشأ الله السحابة فنشأت أي : أبداها فبدت ، والسحاب جمع ، واحدتها سحابة قال علي رضي الله عنه : السحاب غربال الماء .
«هو الذي يريكم البرق خوفا» للمسافرين من الصواعق «وطمعا» للمقيم في المطر «وينشئ» يخلق «السحاب الثقال» بالمطر.
هو الذي يريكم من آياته البرق -وهو النور اللامع من خلال السحاب- فتخافون أن تنزل عليكم منه الصواعق المحرقة، وتطمعون أن ينزل معه المطر، وبقدرته سبحانه يوجد السحاب المحمَّل بالماء الكثير لمنافعكم.
ثم لفت - سبحانه - أنظار عباده إلى أنواع متعددة من الظواهر الكونية الدالة على قدرته ووحدانيته ، وبين أن هذه الظواهر قد تكون نعما ، وقد تكون نقما ، وأنها وغيرها تسبح بحمد الله ، وتخضع لسلطانه فقال - تعالى - :( هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً .
.
.
) .البرق : ما يراه الرائى من نور لامع يظهر من خلال السحاب ، وخوفا وطمعا : حالان من الكاف فى يريكم ، أو هما فى محل المفعول لأجله .والمعنى : هو الله - تعالى - وحده الذى يريكم بقدرته البرق ، فيترتب على ذلك أن بعضكم يخاف ما ينجم عنه من صواعق ، أو سيل مدمر ، وبعضكم يطمع فى الخير من ورائه ، فقد يعقبه المطر النافع ، والغيث المدرار .فمن مظاهر حكمة الله - تعالى - فى خلقه ، أنه جعل البرق علامة إنذار وتبشير معا ، لأنه بالإِنذار والتبشير تعود النفوس إلى الحق ، وتفئ إلى الرشد .وجملة ( وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - وإنشاء السحاب : تكونيه من العدم .والسحاب : الغيم المنسحب فى الهواء ، وهو اسم جنس واحد سحابة ، فلذلك وصف بالجمع وهو ( الثقال ) جمع ثقيلة .أى : وهو - سبحانه - الذى ينشئ السحاب المثقل بالماء ، فيرسله من مكان إلى مكان على حسب حكمته ومشيئته .قال - تعالى - ( وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وقوله - سبحانه - ( وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته .
اعلم أنه تعالى لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له أتبعه بذكر هذه الآيات وهي مشتملة على أمور ثلاثة، وذلك لأنها دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته، وأنها تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه.
واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أموراً أربعة.
الأول: البرق وهو قوله تعالى: ﴿ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف في انتصاب قوله: ﴿ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ وجوه: الأول: لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع أو على معنى إخافة وإطماعاً.
الثاني: يجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير: ذا خوف وذا طمع أو على معنى إيخافاً وإطماعاً.
الثالث: أن يكونا حالاً من المخاطبين أي خائفين وطامعين.
المسألة الثانية: في كون البرق خوفاً وطمعاً وجوه: الأول: أن عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث قال المتنبي: فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى *** يرجى الحيا منها ويخشى الصواعق الثاني: أنه يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له فيه نفع.
الثالث: أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم، وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه، وشر في حق من يضره ذلك، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان.
المسألة الثالثة: اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله تعالى وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب في أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ونارية ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس وظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلابد من صانع مختار يظهر الضد من الضد.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقاً عنيفاً فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق؟
والجواب: أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال: أينما يحصل البرق فلابد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فإنه كثيراً ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد.
الثاني: أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة للبرد، وعند حصول هذا العارض القوي كيف تحدث النارية؟
بل نقول: النيران العظيمة تنطفئ بصب الماء عليها، والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية؟
الثالث: من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر؟
فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف وأن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصاً لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم.
النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَيُنْشِئ السحاب الثقال ﴾ قال صاحب الكشاف: السحاب اسم جنس والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وهي الثقال بالماء.
واعلم أن هذا أيضاً من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لأن هذه الأجزاء المائية إما أن يقال إنها حدثت في جو الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض، فإن كان الأول وجب أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب، وإن كان الثاني، وهو أن يقال إن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت فرجعت إلى الأرض فنقول هذا باطل، وذلك لأن الأمطار مختلفة فتارة تكون القطرات كبيرة وتارة تكون صغيرة وتارة تكون متقاربة، وأخرى تكون متباعدة وتارة تدوم مدة نزول المطر زماناً طويلاً وتارة قليلاً فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة، وطبيعة الشمس المسخنة للبخارات واحدة لابد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار وأيضاً فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثراً عظيماً ولذلك كانت صلاة الاستسقاء مشروعة، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة والخاصية.
النوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الرعد وهو قوله: ﴿ وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ وفيه أقوال: القول الأول: إن الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟
فقال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله» قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟
قال: «زجره السحاب» وعن الحسن أنه خلق من خلق الله ليس بملك فعلى هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى وذلك الصوت أيضاً يسمى بالرعد ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ينشئ السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق».
واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطاً لحصول الحياة فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلاً له وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندل يتولد في النار، والضفادع تتولد في الماء البارد، والدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة، وأيضاً فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يستبعد تسبيح السحاب وعلى هذا القول فهذا الشيء المسمى بالرعد ملك أو ليس بملك فيه قولان: أحدهما: أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة، فقال: ﴿ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ والمعطوف عليه مغاير للمعطوف.
والثاني: وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ وفي قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ ومِن نُوحٌ ﴾ .
القول الثاني: أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإن الرعد يسبح الله سبحانه، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلاً على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان، كان ذلك في الحقيقة تسبيحاً، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ .
القول الثالث: أن المراد من كون الرعد مسبحاً أن من يسمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه.
القول الرابع: من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم.
فإن قيل: وما حقيقة الرعد؟
قلنا: استقصينا القول في سورة البقرة في قوله: ﴿ فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ .
أما قوله: ﴿ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ فاعلم أن من المفسرين من يقول: عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، فإنه سبحانه جعل له أعواناً، ومعنى قوله: ﴿ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره، وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح الله، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء، فكيف يليق بالعاقل الإنكار؟
النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء ﴾ واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة.
قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمانه ويجادلانه، ويريدان الفتك به، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته، ورمى عامراً بغدة كغدة البعير، ومات في بيت سلولية.
واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جداً وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر، والحكماء بالغوا في وصف قوتها، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإنها أقوى نيران هذا العالم، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لابد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال: ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات.
ثم قال: ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد.
وثانيها: أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر.
وثالثها: أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات.
ورابعها: أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال.
وفي هذه الواو قولان: الأول: أنه للحال، والمعنى: فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله، وذلك أن أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة.
والثاني: أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك: ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ المحال ﴾ وفي لفظ المحال أقوال: قال ابن قتيبة: الميم زائدة وهو من الحول، ونحوه ميم مكان، وقال الأزهري: هذا غلط، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية، نحو مهاد ومداس ومداد، واختلفوا مم أخذ على وجوه: الأول: قيل من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك، وتمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، فكان المعنى: أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه.
الثاني: أن المحال عبارة عن الشدة، ومنه تسمى السنة الصعبة سنة المحل وما حلت فلاناً محالاً.
أي قاومته أينا أشد، قال أبو مسلم: ومحال فعال من المحل وهو الشدة ولفظ فعال يقع على المجازاة والمقابلة، فكأن المعنى: أنه تعالى شديد المغالبة، وللمفسرين هاهنا عبارات فقال مجاهد وقتادة: شديد القوة، وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة، وقال الحسن: شديد النقمة، وقال ابن عباس: شديد الحول.
الثالث: قال ابن عرفة: يقال ماحل عن أمره أي جادل، فقوله: ﴿ شَدِيدُ المحال ﴾ أي شديد الجدال.
الرابع: روي عن بعضهم: ﴿ شَدِيدُ المحال ﴾ أي شديد الحقد.
قالوا: هذا لا يصح، لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق الله تعالى فإنها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادئ الأعراض، فالمراد بالحقد هاهنا هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف، أي: إرادة خوف وطمع.
أو على معنى إخافة وإطماعاً، ويجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف وطمع.
أو على: ذا خوف وذا طمع.
أو من المخاطبين، أي: خائفين وطامعين.
ومعنى الخوف والطمع: أنّ وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث.
قال أبو الطيب: فَتَى كالسَّحَابِ الْجُونِ تُخْشَى وَتُرْتَجَى ** يُرْجَى الْحَيَاء مِنْهَا وَيُخْشَى الصَّوَاعِقُ وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر، كالمسافر، ومن له في جرينه التمر والزبيب، ومن له بيت يكف، ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر، ويطمع فيه من له فيه نفع، ويحيا به ﴿ السحاب ﴾ اسم الجنس، والواحدة سحابة.
و ﴿ الثقال ﴾ جمع ثقيلة؛ لأنك تقول سحابة ثقيلة، وسحاب ثقال، كما تقول: امرأة كريمة ونساء كرام، وهي الثقال بالماء ﴿ وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ﴾ ويسبح سامع الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له.
أي يضجون بسبحان الله والحمد لله.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «سبحان من يسبح الرعد بحمده» وعن علي رضي الله عنه: سبحان من سبحت له.
وإذا اشتدّ الرعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» وعن ابن عباس أنّ اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟
فقال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب» وعن الحسن: خلق من خلق الله ليس بملك.
ومن بدع المتصوّفة.
الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم ﴿ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده، وما دلّ على قدرته الباهرة ووحدانيته ثم قال ﴿ وَهُمْ ﴾ يعني الذين كفروا وكذّبوا رسول الله وأنكروا آياته ﴿ يجادلون فِي الله ﴾ حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعاد، الخلائق بقولهم ﴿ مِنْ يحيى العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ [يس: 78] ويردّون الوحدانية باتخاذ الشركاء والأنداد، ويجعلونه بعض الأجسام المتوالدة بقولهم ﴿ الملائكة * بَنَات الله ﴾ فهذا جدالهم بالباطل، كقولهم ﴿ وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق ﴾ [غافر: 5] وقيل: الواو للحال.
أي: فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم.
وذلك أنّ أربد أخا لبيد ابن ربيعة العامري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم- حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل قاصدين لقتله فرمى الله عامراً بغدّة كغدّة البعير وموت في بيت سلولية، وأرسل على أربد صاعقة فقتلته- أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد؟
﴿ المحال ﴾ المماحلة، وهي شدّة المماكرة والمكايدة.
ومنه: تمحل لكذا، إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان.
ومنه الحديث: «ولا تجعله علينا ما حلا مصدّقاً» وقال الأعشى: فَرْعُ نَبْعٍ يَهَشُّ في غُصُنِ الْمَجْ ** دِ غَزِيرُ النّدَى شَدِيدُ الْمِحَالِ والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.
وقرأ الأعرج بفتح الميم، على أنه مفعل، من حال يحول محالا إذا احتال.
ومنه: أحول من ذئب، أي أشدّ حيلة.
ويجوز أن يكون المعنى: شديد الفقار، ويكون مثلا في القوة والقدرة كما جاء: فساعد الله أشدّ، وموساه أحدّ؛ لأن الحيوان إذا اشتدّ محاله، كان منعوتاً بشدّة القوّة والاضطلاع بما يعجز عنه غيره.
ألا ترى إلى قولهم: فقرته الفواقر؟
وذلك أن الفقار عمود الظهر وقوامه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا ﴾ مِن أذاهُ.
﴿ وَطَمَعًا ﴾ في الغَيْثِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ إرادَةُ خَوْفٍ وطَمَعٍ أوِ التَّأْوِيلُ بِالإخافَةِ والإطْماعِ، أوِ الحالُ مِنَ ﴿ البَرْقَ ﴾ أوِ المُخاطِبِينَ عَلى إضْمارِ ذُو، أوْ إطْلاقُ المَصْدَرِ بِمَعْنى المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقِيلَ يَخافُ المَطَرَ مَن يَضُرُّهُ ويَطْمَعُ فِيهِ مَن يَنْفَعُهُ.
﴿ وَيُنْشِئُ السَّحابَ ﴾ الغَيْمَ المُنْسَحِبَ في الهَواءِ.
﴿ الثِّقالَ ﴾ وهو جَمْعُ ثَقِيلَةٍ وإنَّما وُصِفَ بِهِ السَّحابُ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ في مَعْنى الجَمْعِ.
﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ ﴾ ويَسَبِّحُ سامِعُوهُ.
﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِهِ فَيَضِجُّونَ بِسُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، أوْ يَدُلُّ الرَّعْدُ بِنَفْسِهِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ مُلْتَبِسًا بِالدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ ونُزُولِ رَحْمَتِهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الرَّعْدِ فَقالَ: «مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ مَعَهُ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَّحابَ» .
﴿ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ﴾ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى وإجْلالِهِ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿ الرَّعْدُ ﴾ .
﴿ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ ﴾ فَيُهْلِكُهُ.
﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ حَيْثُ يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ فِيما يَصِفُهُ بِهِ مِن كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ وإعادَةِ النّاسِ ومُجازاتِهِمْ، والجِدالُ التَّشَدُّدُ في الخُصُومَةِ مِنَ الجَدْلِ وهو الفَتْلُ، والواوُ إمّا لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ أوْ لِلْحالِ فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أخا لَبِيَدٍ وفَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ قاصِدَيْنِ لِقَتْلِهِ، فَأخَذَهُ عامِرٌ بِالمُجادَلَةِ ودارَ أرْبَدُ مِن خَلْفِهِ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، فَتَنَبَّهَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِما بِما شِئْتَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ، ورَمى عامِرًا بِغُدَّةٍ فَماتَ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ، وكانَ يَقُولُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ، فَنَزَلَتْ.» ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ المُماحَلَةُ المُكايَدَةُ لِأعْدائِهِ، مِن مَحَلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا كايَدَهُ وعَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ، ومِنهُ تَمَحَّلَ إذا تَكَلَّفَ اسْتِعْمالَ الحِيلَةِ، وَلَعَلَّ أصْلَهُ المَحْلُ بِمَعْنى القَحْطِ.
وقِيلَ فَعالٌ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ.
وقِيلَ مُفْعِلٌ مِنَ الحَوْلِ أوِ الحِيلَةِ أُعِلَّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مُفْعِلٌ مِن حالَ يَحُولُ إذا احْتالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفَقارِ فَيَكُونُ مَثَلًا في القُوَّةِ والقُدْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فَساعِدُ اللَّهِ أشُدُّ ومُوساهُ أحَدُّ.
<div class="verse-tafsir"
{هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفًا وَطَمَعًا} انتصبا على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع أو على ذا خوف وذا طمع أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين والمعنى يخاف من وقوع الصواعق عند لمع البرق ويطمع في الغيث قال أبو الطيب
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجي ...
يرجّى الحيا منه وتخشى الصواعق
أو يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر ومن له بيت يكف ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له نفع فيه {وينشئ السحاب} هو اسم جنس والواحدة سحابة {الثقال} بالماء وهو جمع ثقيلة تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال
﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا ﴾ مِنَ الصّاعِقَةِ ﴿ وطَمَعًا ﴾ في الغَيْثِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: خَوْفًا لِأهْلِ البَحْرِ وطَمَعًا لِأهْلِ البِرِّ وعَنْ قَتادَةَ خَوْفًا لِلْمُسافِرِ مِن أذى المَطَرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ في نَفْعِهِ وعَنِ الماوِرْدِيِّ خَوْفًا مِنَ العِقابِ وطَمَعًا في الثَّوابِ والمُرادُ مِنَ البَرْقِ مَعْناهُ المُتَبادَرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ الماءُ فَهو مَجازٌ مِن بابِ إطْلاقِ الشَّيْءِ عَلى ما يُقارِنُهُ غالِبًا.
ونُصِبَ ﴿ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُ لِيُرِيَكم واتِّحادُ فاعِلِ العِلَّةِ والفِعْلِ المُعَلَّلِ لَيْسَ شَرْطًا لِلنَّصْبِ مُجَمَّعًا فَفي شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ وبَعْضِ النُّحاةِ لا يُشْتَرَطُ تَشارُكُهُما في الفاعِلِ وهو الَّذِي يَقْوى في ظَنِّي وإنْ كانَ الأغْلَبُ هو الأوَّلُ واسْتُدِلَّ عَلى جَوازِ عَدَمِ التَّشارُكِ بِما ذَكَرْناهُ في حَواشِينا عَلى شَرْحِ القَطْرِ لِلْمُصَنِّفِ.
وفِي هَمْعِ الهَوامِعِ وشَرَطَ الأعْلَمُ والمُتَأخِّرُونَ المُشارَكَةَ لِلْفِعْلِ في الوَقْتِ والفاعِلِ ولَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ ولا أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ واحْتاجَ المُشْتَرِطُونَ إلى تَأْوِيلِ هَذا الِاخْتِلافِ في الفاعِلِ فَإنَّ فاعِلَ الإراءَةِ هو اللَّهُ تَعالى وفاعِلَ الطَّمَعِ والخَوْفِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَقِيلَ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وهو إرادَةٌ أيْ يُرِيكم ذَلِكَ إرادَةَ أنْ تَخافُوا وتَطْعَمُوا فالمَفْعُولُ لَهُ المُضافُ المُقَدَّرُ وفاعِلُهُ وفاعِلُ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ واحِدٌ وقِيلَ: الخَوْفُ والطَّمَعُ مَوْضُوعانِ مَوْضِعَ الإخافَةِ والإطْماعِ كَما وُضِعَ النَّباتُ مَوْضِعَ الإنْباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ والمَصادِرُ يَنُوبُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ أوْ هُما مَصْدَرانِ مَحْذُوفا الزَّوائِدِ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وقِيلَ: إنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُخاطَبِينَ رائِينَ لِأنَّ إراءَتَهم مُتَضَمِّنَةٌ لِرُؤْيَتِهِمْ والخَوْفَ والطَّمَعَ مِن أفْعالِهِمْ فَهم فَعَلُوا الفِعْلَ المُعَلَّلَ بِذَلِكَ وهو الرُّؤْيَةُ فَيَرْجِعُ إلى مَعْنى قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ: .
وحَلَّتْ بُيُوتِي في يِفاعٍ مُمْنِعٍ يَخالُ بِهِ راعِي الحُمُولَةِ طائِرا حِذارًا عَلى أنْ لا تَنالَ مَقادَتِي ∗∗∗ ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا حَيْثُ قِيلَ: إنَّهُ عَلى مَعْنى أحْلَلْتُ بُيُوتِي حِذارًا ورَدَّ ذَلِكَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ بِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِأنَّ ما وقَعَ في مَعْرِضِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لا سِيَّما الخَوْفَ لا يَصْلُحُ عِلَّةً لِرُؤْيَتِهِمْ وتَعَقَّبَهُ عَزْمِي زادَهْ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ كَلامٌ واهٍ لِأنَّ القائِلَ صَرَّحَ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا ويُرِيدُ أنَّ المَفْعُولَ لَهُ حامِلٌ عَلى الفِعْلِ ومَوْجُودٌ قَبْلَهُ ولَيْسَ مِمّا جُعِلَ في مَعْرِضِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ كَما قالُوا في ضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا فَلا وجْهَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ بِما ذُكِرَ وقِيلَ: التَّعْلِيلُ هُنا مِثْلُهُ في لامِ العاقِبَةِ لا أنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا كَما ظَنَّ لِأنَّ الجُبْنَ باعِثٌ عَلى القُعُودِ دُونَهُما لِلرُّؤْيَةِ وهو غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّهُ باعِثٌ بِلا شُبْهَةَ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ العَزْمِيُّ بِأنَّ اللّامَ المُقَدَّرَةَ في المَفْعُولِ لَهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّها تَكُونُ لامَ العاقِبَةِ ولا يُساعِدُهُ الِاسْتِعْمالُ وهو لَيْسَ بِشَيْءٍ كَيْفَ وقَدْ قالَ النُّحاةُ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ السّابِقِ وقالَ أيْضًا: بَقِيَ ها هُنا بَحْثٌ وهو أنَّ مُقْتَضى جَعْلِ الآيَةِ نَحْوَ قَعَدْتُ إلى آخِرِهِ عَلى ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ والطَّمَعُ مُقَدَّمَيْنِ في الوُجُودِ عَلى الرُّؤْيَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُما إنَّما يَحْصُلانِ مِنها ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِكُلٍّ مِنَ الخَوْفِ والطَّمَعِ عَلى ما قالَهُ ما هو مِنَ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةِ كالجُبْنِ في المِثالِ المَذْكُورِ ويَصِحُّ تَعْلِيلُ الرُّؤْيَةِ مِنَ الإراءَةِ بِهِما يَعْنِي أنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي تَقَعُ بِإراءَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إنَّما كانَتْ لِما فِيهِمْ مِنَ الخَوْفِ والطَّمَعِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ في جِبِلَّتِهِمْ ذَلِكَ لَما كانَ لِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ فائِدَةٌ.
اهَـ.
ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ ( البَرْقَ ) أوِ المُخاطَبِينَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ تَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ أوْ إبْقاءِ المَصْدَرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما قِيلَ في زَيْدٌ عَدْلٌ ﴿ ويُنْشِئُ السَّحابَ ﴾ أيِ الغَمامَ المُنْسَحِبَ في الهَواءِ ﴿ الثِّقالَ ﴾ .
(12) .
بِالماءِ وهي جُمَعُ ثَقِيلَةٍ وُصِفَ بِها السَّحابُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ في مَعْنى الجَمْعِ ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ فَكَأنَّهُ جَمْعُ سَحابَةٍ ثَقِيلَةٍ لا أنَّهُ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعىٍّ لْإطْلاقِهِ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: ما غاب عن العباد وما شاهدوه.
ويقال: عالم بما كان، وبما لم يكن.
ويقال: عالم السر والعلانية الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ يعني: هو أكبر وأعلى من أن تكون له صاحبة وولد.
قوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ يعني: سواء عند الله من أسر القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ يعني: من أخفى العمل، ومن أعلن بالعمل وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ يعني: في ظلمة الليل وَسارِبٌ بِالنَّهارِ أي: منصرف في حوائجه.
يقال: سَرَبَ يَسْرُبُ إذا انصرف، ومعناه: المختفي، والظاهر عنده سواء.
وقال مجاهد: المستخفي بالمعصية، والسارب يعني: الظاهر بالمعاصي لَهُ مُعَقِّباتٌ قال ابن عباس: «له حافظات» مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: بأمر الله حتى ينتهوا به إلى المقادير.
فإذا جاءت المقادير، خلوا بينه وبين المقادير المعقبات يعني: الملائكة يعقب بعضهم بعضاً في الليل والنهار، إذا مضى فريق يخلفه بعده فريق.
وروي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة لَهُ مُعَقِّباتٌ قال: الملائكة يتعاقبون بالليل والنهار يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: بأمر الله.
ويقال: للمؤمن طاعات وصدقات يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي: من عذاب الله عند الموت، وفي القبر، وفي يوم القيامة.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ يعني: لا يبدل ما بقوم من النعمة التي أنعمها عليهم حَتَّى يُغَيِّرُوا يقول: يبدلوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ بترك الشكر.
قال مقاتل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ يعني: كفار مكة، نظيرها في الأنفال: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ [الأنفال: 53] ، إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، وأطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف، فلم يعرفوها، فغيّر ما بهم، فجعل ذلك لأهل المدينة.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: في الآية تنبيه لجميع الخلق، ليعرفوا نعمة الله عليهم، ويشكروه لكيلا تزول عنهم النعم.
ثم قال تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ يعني: إذا أراد بهم عذاباً أو هلاكاً فلا مردّ لقضائه وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ يعني: ليس لهم من عذابه ولي، ولا قريب يمنعهم، ولا ملجأ يلجئون إليه.
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً يعني: خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم الحاضر، ويقال: خَوْفاً لمن يخاف ضرر المطر، وَطَمَعاً لمن يحتاج إلى المطر، لأن المطر يكون لبعض الأشياء ضرراً، ولبعضها رحمة.
ثم قال: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ يعني: يخلق السحاب الثقال من الماء.
<div class="verse-tafsir"
فإِذا جاء المَقْدُور الواقعُ، أسلم المَرْءُ إِليه، وال مُعَقِّباتٌ على هذا التأويل: الحَفَظَةُ على العِبَادِ أَعمالهم، والحَفَظَةُ لهم أيضاً قاله الحسن «١» ، وروى فيه عن عثمانَ بْنِ عَفَّان حديثاً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أقوى التأويلات في الآية، وعبارةُ البخاريِّ: مُعَقِّباتٌ:
ملائكةٌ حَفَظَةٌ يَعْقُبُ الأَوَّلُ منها الآخِرَ.
انتهى.
وقالَتْ فرقةٌ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّه المتقدِّم ذكره، أي: للَّه معقِّبات يحفظون عَبْده، والضمير في قوله: يَدَيْهِ وما بعده من الضمائر عائدٌ على العَبْد، ثم ذكر سبحانه أنه لا يغيِّر هذه الحالة مِنَ الحفْظِ للعبدِ حتَّى يغير العبد ما بنَفْسِهِ، وال مُعَقِّباتٌ: الجماعاتُ التي يَعْقَب بعضُها بعضاً، وهي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ ...
» «٢» الحديث، وفي قراءة أُبيِّ بْنِ كَعْب: «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ/ وَرَقِيبٌ مِنْ خَلْفِهِ» ، وقرأ ابن «٣» عباس: «وَرُقَبَاءُ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ» ، وقوله: يَحْفَظُونَهُ: أي: يحرسونه ويذبُّون عنه، ويحفظونَ أيضاً أعماله، ثم أخبر تعالى أَنه إِذا أَراد بقومٍ سوءاً، فلا مردَّ له، ولا حِفْظَ منه.
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ...
الآية: قد تقدَّم في أول البَقَرة تفسيرُهُ، والظاهر أنَّ الخوف إِنما هو من صَوَاعِقِ البَرْق، والطَّمَع في الماء الذي يكونُ معه، وهو قول الحسن «٤» ، والسَّحابَ: جمع سحابة ولذلك جمع الصفة، والثِّقالَ:
معناه: بحملِ الماءِ، قاله قتادة ومجاهد «٥» ، والعربُ تصفها بذلك، وروى أبو هريرة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ، قَالَ: «سُبْحَانَ مَنْ يسبّح الرّعد بحمده» «٦» ، وقال ابن أبي
زكرياء: مَنْ قَالَ إِذا سَمِعَ الرعْدَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وبِحَمْدِهِ، لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ.
ت: وعن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: كان رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّواعِقَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ، لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك» «١» ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ والحَاكِمُ في «المستدرك» ، ولفظهم واحد انتهى من «السلاح» ، قال الداوديّ: وعن ابن عَبَّاس، قال: مَنْ سمع الرعْدَ، فقال: «سُبْحَانَ الذي يُسَبِّح الرعْد بحَمْده، والملائِكَةُ مِنْ خيفته، وهو على كلِّ شيء قدير» ، فإِن أصابته صاعقةٌ، فعليَّ ديته، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ ...
الآية: قال ابن جُرَيْج: كان سبَبُ نزولها قصَّةَ أَرْبَدَ، وعَامِرِ بن الطّفيل، سألا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يجعلَ الأمْرَ بَعْده لعامِرِ بْنِ الطُّفَيْل، ويدخلا في دِينِهِ، فأبَى عليه السلام ثم تآمرا في قتل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: أَنا أَشْغَلُه لَكَ بالحديثِ، واضربه أَنْتَ بالسَّيْف، فجعل عامرٌ يحدِّثه، وأَرْبَدُ لاَ يَصْنَعُ شيئاً، فلما انصرفا، قَالَ له عَامِرٌ: وَاللَّهِ، يَا أَرْبَدُ، لاَ خِفْتُكَ أبداً، وَلَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قبل هذا، فقال له أَرْبَدُ: واللَّهِ، لَقَدْ أردتُّ إِخراج السَّيْفِ، فَمَا قَدَرْتُ على ذلك، ولَقَدْ كُنْتُ أَراك بَيْنِي وبينه، أفأضربك، فمضيا للحشد على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأصابت أربد صاعقة، فقتلته، والْمِحالِ:
القوَّة والإِهلاك.
ت: وفي «صحيح البخاري» : الْمِحالِ: العقوبة.
وقوله عز وجل: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
قال ابنُ عبّاس: ودَعْوَةُ الْحَقِّ: «لا إله إِلا اللَّه» «٢» ، يريد: وما كان من الشريعة في معناها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ قَتادَةُ: فالمُسافِرُ خافَ أذاهُ ومَشَقَّتَهُ والمُقِيمُ يَرْجُو مَنفَعَتَهُ.
والثّانِي: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: خَوْفًا لِلْبَلَدِ الَّذِي يَخافُ ضَرَرَ المَطَرِ وطَمَعًا لِمَن يَرْجُو الِانْتِفاعَ بِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: خَوْفًا مِنَ العُقابِ وطَمَعًا في الثَّوابِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ يَقُولُ: إنَّ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِأهْلِ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ﴾ أيْ: ويَخْلُقُ السَّحابَ الثِّقالَ بِالماءِ.
قالَ الفَرّاءُ: السَّحابُ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ واحِدًا، فَإنَّهُ جَمْعٌ واحِدَتُهُ سَحابَةٌ، جُعِلَ نَعْتُهُ عَلى الجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أخْضَرَ، ولا حَسَنٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللهِ إنَّ اللهِ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللهِ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَحابَ الثِقالَ ﴾ ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مِن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "لَهُ" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، و"المُعَقِّباتُ" - عَلى هَذا- المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ عَلى العِبادِ أعْمالَهُمْ، والحَفَظَةُ لَهم أيْضًا، قالَهُ الحَسَنُ، ورَوى فِيهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ حَدِيثًا، وَهُوَ قَوْلُ مُجاهِدٍ، والنَخَعِيِّ، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- في قَوْلِهِ: "يَدَيْهِ" وما بَعْدَهُ مِنَ الضَمائِرِ عائِدٌ عَلى العَبْدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ ﴾ ، و ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً للْمُعَقِّباتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَحْفَظُونَهُ مِن كُلِّ ما جَرى القَدَرُ بِانْدِفاعِهِ، فَإذا جاءَ المَقْدُورُ الواقِعُ أسْلَمَ المَرْءَ إلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن جَهَرَ بِهِ ومَن ﴾ وكَذا باقِي الضَمائِرِ الَّتِي في الآيَةِ، قالُوا: و"المُعَقِّباتُ" -عَلى هَذا- حَرَسُ الرَجُلِ وجَلاوِزَتُهُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ، قالُوا: والآيَةُ -عَلى هَذا- في الرُؤَساءِ الكافِرِينَ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وجَماعَةٍ، قالَ عِكْرِمَةُ، هي المَواكِبُ خَلْفَهُ وأمامَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي قَبْلَ هَذا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلْعَبْدِ المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى: جَعَلَ اللهُ لَهُ، وهَذا التَأْوِيلُ عِنْدِي أقْوى، لِأنَّ غَرَضَ الآيَةِ إنَّما هو التَنْبِيهُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ، فَذَكَرَ اسْتِواءَ مَن هو مُسْتَخْفٍ ومَن هو سارِبٌ وأنَّ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنَ اللهِ تَحَفَظُهُ في كُلِّ حالٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ هَذِهِ الحالَةَ مِنَ الحِفْظِ لِلْعَبْدِ حَتّى يُغَيِّرَ ما بِنَفْسِهِ، وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ لَيْسَتِ الضَمائِرُ لِمُعَيَّنٍ مِنَ البَشَرِ.
وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الآيَةُ في النَبِيِّ ، ونَزَلَتْ في حِفْظِ اللهِ لَهُ مِن أرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ، وعامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ في القِصَّةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذا في ذِكْرِ الصَواعِقِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ ألْفاظُها تَنْطَبِقُ عَلى مَعْنى القِصَّةِ فَيُضَعِّفُ القَوْلَ أنَّ النَبِيَّ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فَيَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُ" عَلَيْهِ.
و"المُعَقِّباتُ": الجَماعاتُ الَّتِي يُعْقُبُ بَعْضُها بَعْضًا، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ هي المَلائِكَةُ، ويَنْظُرُ هَذا إلى قَوْلِ النَبِيِّ : « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ المَغْرِبِ والصُبْحِ"،» وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي هي الحَرَسُ والوَزَعَةُ الَّذِينَ لِلْمُلُوكِ.
والمُعَقِّباتُ جَمْعُ مُعَقِّبَةٍ، وهي الجَماعَةُ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ الأُخْرى، والتَعْقِيبُ بِالجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ حالٌ تَعْقُبُها حالٌ أُخْرى مِن نَوْعِها، وقَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ النَوْعِ، ومِنهُ مُعاقَبَةُ الرُكُوبِ، ومُعْقِبُ عُقْبَةِ القِدْرِ، والمُعاقَبَةُ في الأزْواجِ، ومِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: وكَرُّنا الخَيْلَ في آثارِهِمْ رُجُعًا ∗∗∗ كُسَّ السَنابِكِ مِن بِدْءٍ وتَعْقِيبٍ وقَرَأ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ عَلى المِنبَرِ: "لَهُ المَعاقِيبُ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرُ مُعْقِبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِسُكُونِ العَيْنِ وكَسْرِ القافِ كَمُطْعِمٍ ومَطاعِيمُ ومُقْدِمٍ ومَقادِيمُ، وهي قِراءَةُ أبِي البَرَهْسَمِ، فَكَأنَّ مُعْقِبًا جُمِعَ عَلى مَعاقِبَةٍ ثُمَّ جُعِلَتِ الياءُ في مَعاقِيبَ عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ في مَعاقِبَةٍ.
والمُعَقِّبَةُ لَيْسَتْ جَمْعَ مُعَقِّبٍ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وشَبَّهَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ ورِجالٍ ورِجالاتٍ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ لِأنَّ تِلْكَ كَجَمَلٍ وجِمالٍ وجِمالاتٍ، ومُعَقِّبَةٌ ومُعَقِّباتٌ إنَّما هي كَضارِبَةٌ وضارِباتٌ.
وَفِي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ورَقِيبٌ مِن خَلْفِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَرَقِيبًا مِن خَلْفِهِ"، وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأ: "مُعَقِّباتٌ مِن خَلْفِهِ ورَقِيبٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: "يَحْفَظُونَهُ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَحْرُسُونَهُ ويَذُبُّونَ عنهُ: فالضَمِيرُ مَعْمُولُ الحِفْظِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ بِمَعْنى حِفْظِ الأقْوالِ وتَحْصِيلِها، فَفي اللَفْظَةِ حِينَئِذٍ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْفَظُونَ أعْمالَهُمْ، ويَكُونُ هَذا حِينَئِذٍ مِن بابِ ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جَرِيجٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ -مَن جَعَلَ "يَحْفَظُونَهُ" بِمَعْنى يَحْرُسُونَهُ كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ يُرادُ بِهِ المُعَقِّباتُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللهِ يَحْفَظُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَـ "مِن أمْرِ اللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَرْفُوعٍ وهي "المُعَقِّباتُ"، ويُحْتَمَلُ هَذا التَأْوِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ مَعَ التَأْوِيلِ الأوَّلِ في "يَحْفَظُونَهُ"، ومَن تَأوَّلَ الضَمِيرَ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى العَبْدِ وجَعَلَ "المُعَقِّباتِ" الحَرَسَ وجَعَلَ الآيَةَ في رُؤَساءِ الكافِرِينَ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ بِمَعْنى: يَحْفَظُونَهُ بِزَعْمِهِ مِن قَدَرِ اللهِ ويَدْفَعُونَهُ في ظَنِّهِ عنهُ، وذَلِكَ لِجَهالَتِهِ بِاللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا التَأْوِيلِ جَعَلَها المُتَأوِّلُ في الكافِرِينَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَـ ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِكَ: "حَفِظْتُ زَيْدًا مِنَ الأسَدِ"، فَـ "مِنَ الأسَدِ" مَعْمُولٌ لِـ "حَفِظْتُ".
وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى بِـ ﴿ أمْرِ اللهِ ﴾ أيْ يَحْفَظُونَهُ مِمّا أمَرَ اللهُ، وهَذا تَحَكُّمٌ في التَأْوِيلِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: الحِفْظُ مِن أمْرِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذا.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ-: "يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللهِ".
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ بِأنْ يُعَذِّبَهم ويَمْتَحِنَهم مُعاقِبًا حَتّى يَقَعَ مِنهم تَكَسُّبٌ لِلْمَعاصِي وتَغْيِيرُ ما أُمِرُوا بِهِ مِن طاعَةِ اللهِ، وهَذا مَوْضِعُ تَأمُّلٍ، لِأنَّهُ يُداخِلُ هَذا الخَبَرَ ما قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ مِن أخْذِ العامَّةِ بِذُنُوبِ الخاصَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -وَقَدْ قِيلَ لَهُ: «يا رَسُولَ اللهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصالِحُونَ؟
- قالَ: (نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ).» إلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ﴾ مَعْناهُ: حَتّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ إمّا مِنهم وإمّا مِنَ الناظِرِ لَهم أو مِمَّنْ هو مِنهم بِسَبَبٍ، كَما غَيَّرَ اللهُ تَعالى بِالمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الرُماةِ ما بِأنْفُسِهِمْ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أمْثالِ الشَرِيعَةِ، فَلَيْسَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ يَنْزِلُ بِأحَدٍ عُقُوبَةٌ إلّا بِأنْ يَتَقَدَّمَ مِنهُ ذَنْبٌ، بَلْ قَدْ تَنْزِلُ المَصائِبُ بِذُنُوبِ الغَيْرِ، وثَمَّ أيْضًا مَصائِبُ يُرِيدُ اللهُ بِها أجْرَ المُصابِ فَتِلْكَ لَيْسَتْ تَغْيِيرًا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهُ إذا أرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ، ولا حِفْظَ مِنهُ، وهَذا أُجْرِيَ في مَقامِ التَنْبِيهِ عَلى عادَةِ اللهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، والشَرُّ والخَيْرُ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ إذا أرادَهُما اللهُ بِعَبْدٍ لَمْ يُرَدَّ، لَكِنَّهُ خَصَّ السُوءَ بِالذِكْرِ لِيَكُونَ في الآيَةِ تَخْوِيفٌ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "والٍ" - فَأمالَهُ بَعْضُهم ولَمْ يُمِلْهُ بَعْضُهُمْ، والوالِي: الَّذِي يَلِي أمْرَ الإنْسانِ كالوَلِيِّ، وهُما مِنَ الوِلايَةِ كَعَلِيمٍ وعالِمٍ مِنَ العِلْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى القُدْرَةِ، "والبَرْقَ" رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ مِخْراقٌ بِيَدِ مَلَكٍ يَزْجُرُ بِهِ السَحابَ، وهَذا أصَحُّ ما رُوِيَ فِيهِ، وَرُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: البَرْقُ: اصْطِكاكُ الأجْرامِ، وهَذا عِنْدِي مَرْدُودٌ، وقالَ أبُو الجَلْدِ في هَذِهِ الآيَةِ: البَرْقُ الماءُ، وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْنى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ لَمّا كانَ داعِيَةَ الماءِ، وكانَ خَوْفُ المُسافِرِينَ مِنَ الماءِ وطَمَعُ المُقِيمِ فِيهِ عَبَّرَ في هَذا القَوْلِ عنهُ بِالماءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ، مَن قالَ ذَلِكَ في الماءِ فَهو عَلى ما تَقَدَّمَ، والظاهِرُ أنَّ الخَوْفَ إنَّما هو مِن صَواعِقِ البَرْقِ، والطَمَعَ في المَطَرِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
و"السَحابُ" جَمْعُ سَحابَةٍ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الصِفَةِ.
و"الثِقالَ" مَعْناهُ: يَحْمِلُ الماءَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والعَرَبُ تَصِفُها بِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: فَما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ القَطا ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّ المَصابِيحَ حُورانُها بِأحْسَنَ مِنها ولا مُزْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفُ أدْجانُها والدَلُوحُ: المُثْقَلَةُ.
وَ"الرَعْدُ" مَلَكٌ يَزْجُرُ السَحابَ بِصَوْتِهِ، وصَوْتُهُ- هَذا المَسْمُوعَ تَسْبِيحٌ، والرَعْدُ اسْمُ المَلَكِ، وقِيلَ: (الرَعْدُ) اسْمُ صَوْتِ المَلَكِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ كانَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ قالَ: « "اللهُمَّ لا تُهْلِكْنا بِغَضَبِكَ، ولا تَقْتُلْنا بِعَذابِكَ، وعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ".» ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرِهِ أنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا الرَعْدَ قالُوا: "سُبْحانَ مَن سَبَّحْتَ لَهُ"، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَبِيَّ كانَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ قالَ: "سُبْحانَ مَن سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"،» وقالَ ابْنُ أبِي زَكَرِياءَ: « "مَن قالَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ لَمْ تُصِبْهُ صاعِقَةٌ"،» وقِيلَ في الرَعْدِ أيْضًا: إنَّهُ رِيحٌ يَخْتَنِقُ بَيْنَ السَحابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّها نَزَعاتُ الطَبِيعِيِّينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المَلاحِدَةِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ المَلَكَ إذا غَضِبَ وزَجَرَ السَحابَ اضْطَرَبَتْ مِن خَوْفِهِ فَيَكُونُ البَرْقُ، وتَحْتَكُّ فَتَكُونُ الصَواعِقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَواعِقَ ﴾ الآيَةَ.
قِيلَ: إنَّهُ أدْخَلَها في التَنْبِيهِ عَلى القُدْرَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ ساقَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جَرِيجٍ: كانَ سَبَبُ نُزُولِها قِصَّةَ أرْبَدَ أخِي لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةٍ، لِأُمِّهِ وعامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وكانَ مِن أمْرِهِما فِيما رُوِيَ «أنَّهُما قَدِما عَلى رَسُولِ اللهِ فَدَعَواهُ أنْ يَجْعَلَ الأمْرَ بَعْدَهُ إلى عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ ويَدْخُلا في دِينِهِ فَأبى، فَقالَ عامِرٌ: فَتَكُونُ أنْتَ عَلى أهْلِ المَدَرِ وأنا عَلى أهْلِ الوَبَرِ -فَأبى، فَقالَ لَهُ عامِرٌ: فَماذا تُعْطِينِي؟
فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "أُعْطِيكَ أعِنَّةَ الخَيْلِ فَإنَّكَ رَجُلٌ فارِسٌ، فَقالَ لَهُ عامِرٌ: واللهِ لَأمْلَأنَّها عَلَيْكَ خَيْلًا ورِجالًا حَتّى آخُذَكَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "يَأْبى اللهُ ذَلِكَ وأبْناءُ قَيْلَةَ، فَخَرَجا مِن عِنْدِهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لَوْ قَتَلْناهُ ما انْتَطَحَ فِيهِ عنزانِ، فَتَآمَرا في الرُجُوعِ لِذَلِكَ، فَقالَ عامِرٌ لِأرْبَدَ: أنا أشْغَلُهُ لَكَ بِالحَدِيثِ واضْرِبْهُ أنْتَ بِالسَيْفِ، فَجَعَلَ عامِرٌ يُحَدِّثُهُ وأرْبَدُ لا يَصْنَعُ شَيْئًا، فَلَمّا انْصَرَفا قالَ لَهُ عامِرٌ: واللهِ يا أرْبَدُ لا خِفْتُكَ أبَدًا، ولَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ أرْبَدُ: واللهِ لَقَدْ أرَدْتُ إخْراجَ السَيْفِ فَما قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ، ولَقَدْ كُنْتُ أراكَ بَيْنِي وبَيْنَهُ أفَأضْرِبُكَ ؟
فَمَضَيا لِلْحَشْدِ عَلى النَبِيِّ ، فَأصابَتْ أرْبَدَ صاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ،» فَفي ذَلِكَ يَقُولُ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ أخُوهُ: أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أرْهَبُ نَوْءَ السِماكِ والأُسُدِ فَجَّعَنِي الرَعْدُ والصَواعِقُ بِالـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـفارِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَجُدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ صُحارٍ العَبْدِيِّ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ جَبّارًا مِن جَبابِرَةِ العَرَبِ بَعَثَ إلَيْهِ النَبِيُّ لِيُسْلِمَ، فَقالَ: أخْبِرُونِي عن إلَهِ مُحَمَّدٍ، أمِن لُؤْلُؤٍ هو أو مِن ذَهَبٍ؟
فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ صاعِقَةٌ ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ جاءَ إلى النَبِيِّ يُناظِرُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ نَزَلَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْ قِحْفَ رَأْسِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللهِ ﴾ ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى جِدالِ اليَهُودِيِّ المَذْكُورِ، وتَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، أو إلى جِدالِ الجَبّارِ المَذْكُورِ، ويَجُوزُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ عَلى غَيْرِ سَبَبٍ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللهِ ﴾ إشارَةً إلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ جُلِبَتْ لَهم هَذِهِ التَنْبِيهاتُ.
و"المِحالِ": القُوَّةُ والإهْلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ المَجْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـدِ عَظِيمُ النَدى شَدِيدُ المِحالِ ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ∗∗∗ ومِحالُهم عَدْوًا مِحالَكَ وقَرَأ الأعْرَجُ، والضَحّاكُ: "المَحالِ" بِفَتْحِ المِيمِ بِمَعْنى المَحالَةِ، وهي الحِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في "ذِكْرِ" المَثَلِ: "المَرْءُ يُعَزُّ لا مَحالَةَ"، وهَذا كالِاسْتِدْراجِ والمَكْرِ ونَحْوِهِ، وهَذِهِ اسْتِعاراتٌ في ذِكْرِ اللهِ تَعالى، والمِيمُ إذا كُسِرَتْ أصْلِيَّةٌ، وإذا فُتِحَتْ زائِدَةٌ، ويُقالُ: مَحَلَ الرَجُلُ بِالرَجُلِ: إذا مَكَرَ بِهِ وأخَذَهُ بِسِعايَةٍ شَدِيدَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي على أسلوب تعداد الحجج الواحدة تلوى الأخرى، فلأجل أسلوب التعداد إذ كان كالتكرير لم يعطف على جملة ﴿ سواء منكم من أسر القول ﴾ [الرعد: 10].
وقد أعرب هذا عن مظهر من مظاهر قدرة الله وعجيب صنعه.
وفيه من المناسبة للإنذار بقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ [سورة الرعد: 11] الخ أنه مثال لتصرف الله بالإنعام والانتقام في تصرف واحد مع تذكيرهم بالنعمة التي هم فيها.
وكل ذلك مناسب لمقاصد الآيات الماضية في قوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ [سورة الرعد: 8] وقوله: وكل شيء عنده بمقدار [سورة الرعد: 8]، فكانت هذه الجملة جديرة بالاستقلال وأن يجاء بها مستأنفة لتكون مستقلة في عداد الجمل المستقلة الواردة في غرض السورة.
وجاء هنا بطريق الخطاب على أسلوب قوله: ﴿ سواء منكم من أسر القول ﴾ [سورة الرعد: 10] لأن الخوف والطمع يصدران من المؤمنين ويهدد بهما الكفرة.
وافتتحت الجملة بضمير الجلالة دون اسم الجلالة المفتتح به في الجمل السابقة، فجاءت على أسلوب مختلف.
وأحسب أن ذلك مراعاة لكون هاته الجملة مفرعة عن أغراض الجمل السابقة فإن جُمل فواتح الأغراض افتتحت بالاسم العلم كقوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عَمد ﴾ [سورة الرعد: 2] وقوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ [سورة الرعد: 8] وقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ [سورة الرعد: 11]، وجمل التفاريع افتتحت بالضمائر كقوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ [سورة الرعد: 4] وقوله: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ [سورة الرعد: 3] وقوله: جعل فيها زوجين.
وخوفاً وطمعاً} مصدران بمعنى التخويف والإطماع، فهما في محل المفعول لأجله لظهور المراد.
وجعل البرق آية نذارة وبشارة معاً لأنهم كانوا يَسِمون البرق فيتوسمون الغيث وكانوا يخشون صواعقه.
وإنشاء السحاب: تكوينه من عدم بإثارة الأبْخرة التي تتجمع سحاباً.
والسحاب: اسم جمع لسحابة.
والثقال: جمع ثقيلة.
والثقل كون الجسم أكثر كمية أجزاء من أمثاله، فالثقل أمر نسبي يختلف باختلاف أنواع الأجسام، فرب شيء يعد ثقيلاً في نوعه وهو خفيف بالنسبة لنوع آخر.
والسحاب يكون ثقيلاً بمقدار ما في خلاله من البخار.
وعلامة ثقله قربه من الأرض وبطء تنقله بالرياح.
والخفيف منه يُسمى جهاماً.
وعطف الرعد على ذكر البرق والسحاب لأنه مقارنهما في كثير من الأحوال.
ولما كان الرعد صوتاً عظيماً جعل ذكره عبرة للسامعين لدلالة الرعد بلوازم عقلية على أن الله منزه عما يقوله المشركون من ادعاء الشركاء، وكان شأن تلك الدلالة أن تبعث الناظر فيها على تنزيه الله عن الشريك جعل صوت الرعد دليلاً على تنزيه الله تعالى، فإسناد التسبيح إلى الرعد مجاز عقلي.
ولك أن تجعله استعارة مكنية بأن شبه الرعد بآدمي يُسبح الله تعالى، وأثبت شيء من علائق المشبّه به وهو التسبيح، أي قول سبحان الله.
والباء في ﴿ بحمده ﴾ للملابسة، أي ينزه الله تنزيهاً ملابساً لحمده من حيث إنه دال على اقتراب نزول الغيث وهو نعمة تستوجبُ الحمد.
فالقول في ملابسة الرعد للحمد مساوٍ للقول في إسناد التسبيح إلى الرعد.
فالملابسة مجازية عقلية أو استعارة مكنية.
و ﴿ الملائكة ﴾ عطف على الرعد، أي وتسبح الملائكة من خيفته، أي من خوف الله.
و ﴿ من ﴾ للتعليل، أي ينزهون الله لأجل الخوف منه، أي الخوف مما لا يرضى به وهو التقصير في تنزيهه.
وهذا اعتراض بين تعداد المواعظ لمناسبة التعريض بالمشركين، أي أن التنزيه الذي دلت عليه آيات الجو يقوم به الملائكة، فالله غني عن تنزيهكم إياه، كقوله: ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ﴾ [سورة الزمر: 7]، وقوله: ﴿ وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد ﴾ [سورة إبراهيم: 8].
واقتصر في العبرة بالصواعق على الإنذار بها لأنها لا نعمة فيها لأن النعمة حاصلة بالسحاب وأما الرعد فآلة من آلات التخويف والإنذار.
كما قال في آية سورة البقرة ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ﴾ [سورة البقرة: 19].
وكان العرب يخافون الصواعق.
ولقبوا خويلد بن نفيل الصَعِق لأنه أصابته صاعقة أحرقته.
ومن هذا القبيل قول النبي: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوّف الله بهما عباده، أي بكسوفهما فاقتصر في آيتهما على الإنذار إذ لا يترقب الناس من كسوفهما نفعاً.
وجملة وهم يجادلون في الله } في موضع الحال لأنه من متممات التعجب الذي في قوله: ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم ﴾ [الرعد: 5] الخ.
فضمائر الغيبة كلها عائدة إلى الكفار الذين تقدم ذكرهم في صدر السورة بقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ [الرعد: 1] وقوله: ﴿ أولئك الذين كفروا بربهم ﴾ [الرعد: 5] وقوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ [الرعد: 7].
وقد أعيد الأسلوب هنا إلى ضمائر الغيبة لانقضاء الكلام على ما يصلح لموعظة المؤمنين والكافرين فتمحض تخويف الكافرين.
والمجادلة: المخاصمة والمراجعة بالقول.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ في سورة النساء (107).
وقد فهم أن مفعول يجادلون } هو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون.
فالتقدير: يجادلونك أو يجادلونكم، كقوله: ﴿ يجادلونك في الحق بعد ما تبين ﴾ في سورة الأنفال (6).
والمجادلة إنما تكون في الشؤون والأحوال، فتعليق اسم الجلالة المجرور بفعل يجادلون} يتعين أن يكون على تقدير مضاف تدل عليه القرينة، أي في توحيد الله أو في قدرته على البعث.
ومن جدلهم ما حكاه قوله: ﴿ أو لم يرى الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ﴾ في سورة يس (77، 78).
والمِحال: بكسر الميم يحتمل هنا معنيين، لأنه إن كانت الميم فيه أصلية فهو فِعال بمعنى الكيد وفعله مَحَل، ومنه قولهم تمحل إذا تحيل.
جعل جدالهم في الله جدال كيد لأنهم يبرزونه في صورة الاستفهام في نحو قولهم: من يُحيي العظام وهي رميم } فقوبل ب ﴿ شديد المحال ﴾ على طريقة المشاكلة، أي وهو شديد المحال لا يغلبونه، ونظيره ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ [سورة آل عمران: 54].
وقال نفطويه: هو من ماحل عن أمره، أي جَادل.
والمعنى: وهو شديد المجادلة، أي قوي الحجة.
وإن كانت الميم زائدة فهو مفعل من الحول بمعنى القوة، وعلى هذا فإبدال الواو ألفاً على غير قياس لأنه لا موجب للقلب لأن ما قبل الواو ساكن سكوناً حياً.
فلعلهم قلبوها ألفاً للتفرقة بينه وبين مِحول بمعنى صبي ذي حول، أي سنة.
وذكر الواحدي والطبري أخباراً عن أنس وابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في قضية عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة حين وردا المدينة يشترطان لدخولهما في الإسلام شروطاً لم يقبلها منهما النبي.
فهمّ أرْبَد بقتل النبي فصرفه الله، فخرج هو وعامر بن الطفيل قاصدين قومهما وتواعدا النبي بأن يجلبا عليه خيل بني عامر.
فأهلك الله أربَد بصاعقة أصابته وأهلك عامراً بِغُدة نبتت في جسمه فمات منها وهو في بيت امرأة من بني سلول في طريقه إلى أرض قومه، فنزلت في أربد ويرسل الصواعق } وفي عامر ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ .
وذكر الطبري عن صحار العبدي: أنها نزلت في جبار آخر.
وعن مجاهد: أنها نزلت في يهودي جادل في الله فأصابته صاعقة.
ولما كان عامر بن الطفيل إنما جاء المدينة بعد الهجرة وكان جدال اليهود لا يكون إلا بعد الهجرة أقدم أصحاب هذه الأخبار على القول بأن السورة مدنية أوْ أن هذه الآيات منها مدنية، وهي أخبار ترجع إلى قول بعض الناس بالرأي في أسباب النزول.
ولم يثبت في ذلك خبر صحيح صريح فلا اعتداد بما قالوه فيها ولا يخرج السورة عن عداد السور المكية.
وفي هذه القصة أرسل عامر بن الطفيل قوله: «أغُدّة كغدة البعير وموت في بيت سلولية» مثلاً.
ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربدَ بأبيات منها: أخشى على أربد الحتوف ولا *** أرهب نَوْء السِماك والأسد فجّعَني الرعد والصواعق بالف *** ارس يوم الكريهة النّجِدِ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ مِن أذِيَّتِهِ، وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ في بَرَكَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: خَوْفًا مِن صَواعِقِ البَرْقِ، وطَمَعًا في غَيْثِهِ المُزِيلِ لِلْقَحْطِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَقَدْ «كانَ النَّبِيُّ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ قالَ: (اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ ولا تُهْلِكْنا بِعَذابِكَ وعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ)» .
الثّالِثُ: خَوْفًا مِن عِقابِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
﴿ وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ثِقالٌ بِالماءِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ وفي الرَّعْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّوْتُ المَسْمُوعُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (الرَّعْدُ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ فَإذا سَمِعْتُمُوهُ فَأمْسِكُوا عَنِ الذُّنُوبِ)» .
الثّانِي: أنَّ الرَّعْدَ مَلِكٌ، والصَّوْتَ المَسْمُوعَ تَسْبِيحُهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن خِيفَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
الثّانِي: مِن خِيفَةِ الرَّعْدِ، ولَعَلَّهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ أنْكَرَ القُرْآنَ وكَذَّبَ النَّبِيَّ فَأخَذَتْهُ صاعِقَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: في أرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ وقَدْ كانَ هَمَّ بِقَتْلِ النَّبِيِّ مَعَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَتَيَبَّسَتْ يَدُهُ عَلى سَيْفِهِ، وعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُما، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ صاعِقَةً أحْرَقَتْهُ.
قالابْنُ جَرِيرٍ: وفي ذَلِكَ يَقُولُ أخُوهُ لَبِيدٌ: أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أرْهَبُ نَوْءَ السِّماكِ والأسَدِ ∗∗∗ فَجَّعَنِي البَرْقُ والصَّواعِقُ بِالفا ∗∗∗ رِسِ يَوْمَ الكَرِيمَةِ النَّجُدِ الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِيٍّ جاءَ إلى النَّبِيِّ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ مِن أيِّ شَيْءٍ، مِن لُؤْلُؤٍ أوْ ياقُوتٍ؟
فَجاءَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْهُ، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
رَوى أبانٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (لا تَأْخُذُ الصّاعِقَةُ ذاكِرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ)» .
﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي جِدالَ اليَهُودِيِّ حِينَ سَألَ عَنِ اللَّهِ: مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟
قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: جِدالُ أرْبَدَ فِيما هَمَّ بِهِ مِن قَتْلِ النَّبِيِّ ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَدِيدُ العَداوَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: شَدِيدُ الحِقْدِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: شَدِيدُ القُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: شَدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
الخامِسُ: شَدِيدُ الحِيلَةِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
السّادِسُ: شَدِيدُ الحَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.
السّابِعُ: شَدِيدُ الإهْلاكِ بِالمَحْلِ وهو القَحْطُ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا.
الثّامِنُ: شَدِيدُ الأخْذِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
التّاسِعُ: شَدِيدُ الِانْتِقامِ والعُقُوبَةِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ لِأعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: فَرْعٌ نَبَعَ يَهْتَزُّ في غُصْنِ المَجْ ∗∗∗ دِ كَرِيمُ النَّدى عَظِيمُ المِحالِ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ قال: خوفاً للمسافر، يخاف أذاه ومشقته ﴿ وطمعاً ﴾ للمقيم، يطمع في رزق الله ويرجو بركة المطر ومنفعته.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ قال: ﴿ خوفاً ﴾ لأهل البحر ﴿ وطمعاً ﴾ لأهل البر.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ قال: الخوف: ما يخاف من الصواعق، والطمع: الغيث.
وأخرج ابن جرير، عن أبي جهضم موسى بن سالم مولى ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق فقال: البرق: الماء.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريكم البرق ﴾ قال: شعيب الجياني في كتاب الله: الملائكة، حملة العرش أسماؤهم في كتاب الله الحيات، لكل ملك وجه إنسان واسد ونسر، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق.
قال أمية بن أبي الصلت: رجل وثور تحت رجل يمينه ** والنسر للأخرى وليث مرصد وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريكم البرق ﴾ قال: ملائكة تمصع بأجنحتها، فذلك البرق.
زعموا أنها تدعى الحيات.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم رضي الله عنه قال: بلغنا أن البرق له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه فذلك البرق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه قال: البرق مصع ملك، يسوق السحاب.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: البرق ملك يترايا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي في سننه من طرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب، يزجرون به السحاب.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: البرق مخاريق يسوق به الرعد السحاب.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: البرق اصطفاق البرد.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في كتاب العظمة، عن كعب رضي الله عنه قال: البرق تصفيق الملك البرد، ولو ظهر لأهل الأرض لصعقوا.
وأخرج الشافعي عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق، فلا يشر إليه وليصف ولينعت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وينشئ السحاب الثقال ﴾ قال: الذي فيه الماء.
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي ذر الغفاري- رضي الله عنه-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك» قال إبراهيم بن سعد: النطق، الرعد.
والضحك، البرق.
وأخرج العقيلي وضعفه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينشئ الله السحاب، ثم ينزل فيه الماء.
فلا شيء أحسن من ضحكه؛ ولا شيء أحسن من منطقه، ومنطقه الرعد، وضحكه البرق» .
وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن بجاد الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسم السحاب عند الله، العنان، والرعد، ملك يزجر السحاب.
والبرق، طرف ملك يقال له روقيل» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن خزيمة بن ثابت- وليس بالأنصاري- رضي الله عنه، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن منشأ السحاب فقال: «إن ملكاً موكل بالسحاب يلم القاصية ويلحم الدانية، في يده مخراق، فإذا رفع برقت، وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) وقال قتادة (٣) قال أبو إسحاق (٤) (٥) ﴿ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ ﴾ ، والطمع: للحاضر المقيم؛ لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.
وقوله تعالى: ﴿ وَيُنْشِئُ ﴾ الإنشاء في المعنى كالاختراع وقد مر ذكره في قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ ﴾ (٦) (٧) (٨) (١) "زاد المسير" 4/ 313.
(٢) "زاد المسير" 4/ 313، والقرطبي 9/ 295، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 298.
(٣) الطبري 13/ 123، وعبد الرزاق 2/ 33، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 94، وابن كثير 4/ 362، وهو مروي عن ابن عباس "زاد المسير" 4/ 313، و"تنوير المقباس" 156.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.
(٥) ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).
(٦) وقال هناك ما ملخصه: أنشأ: أبدع، يقال: نشأ الشيء ينشأ نشأ ونشأةً ونشاءةً: إذا ظهر وارتفع.
(٧) انظر: الثعلبي 7/ 127 ب، و"زاد المسير" 4/ 313.
(٨) الطبري 13/ 124، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشخ كما في "الدر" 4/ 95، والقرطبي 9/ 295.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ الخوف يكون من البرق من الصواعق والأمور الهائلة، والطمع في المطر الذي يكون معه ﴿ السحاب الثقال ﴾ وصفها بالثقل، لأنها تحمل الماء ﴿ وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ﴾ الرعد اسم ملك وصوته المسموع تسبيح، وقد جاء في الأثر: أن صوته زجر للسحاب، فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك ﴿ وَيُرْسِلُ الصواعق ﴾ قيل: إنه إشارة إلى الصاعقة التي نزلت على أربد بن ربيعة الكافر، وقتلته حين هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأخوه عامر بن الطفيل واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ يعني الكفار، والواو للاستئناف أو للحال ﴿ شَدِيدُ المحال ﴾ أي شديد القوة، والمحال مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه مفعل، وقيل: معناه شديد المكر من قولك: محل بالرجل إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية ووزنه فعال وتأويل المكر على هذا القول كتأويله في المواضع التي وردت في القرآن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.
﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.
الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.
﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.
التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.
وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.
وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.
ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.
وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.
وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.
فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.
وعن الحسن.
خلق الله ليس بملك.
وعن النبي : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .
وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.
وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.
وعن علي : سبحان من سبحت له.
وكان رسول الله يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .
وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.
والمطر بكاؤهم.
أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه جعل له أعواناً.
قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.
قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.
ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.
ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله فقال رجل من أصحابه.
يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.
فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.
فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.
فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.
قال تجعل لي الأمر بعدك.
قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.
قال: لا.
قال: فماذا تجعل لي؟
قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.
قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟
وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.
فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.
فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟
ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.
قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .
ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.
وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.
أبو عبيدة: شديد العقوبة.
الحسن: شديد النقمة.
وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.
وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي في الكافرين حين دعا عليهما.
وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.
وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.
﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.
﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.
والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.
وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.
ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.
ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.
وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.
كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.
وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.
وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.
ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".
واعلم أنه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.
وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.
وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله أعلم بمراده.
ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟
فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.
والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.
وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.
ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.
قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله منزه عن ذلك.
وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.
ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.
وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.
قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.
وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.
ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.
والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.
ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.
وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.
ثم قال إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.
أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.
﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.
ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.
يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.
وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.
ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.
ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.
وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.
وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.
وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.
وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.
﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.
ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.
ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.
وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.
وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.
وقيل: هو مؤازة النبي ومعاونته ونصرته في الجهاد.
وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.
وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .
﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.
وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.
﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .
﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.
قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.
وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.
يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟
قال: من بلخ.
فقال: وهل تعرف شقيقاً؟
فقال: نعم.
فقال: كيف طريقة أصحابه؟
فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.
وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله أن تكون مرجع أهلها.
والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.
قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.
وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.
قال الواحدي: والأول أصح لأن الله جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.
ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.
والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.
وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.
قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.
وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.
وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.
وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.
ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.
والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.
وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.
وروي عن النبي أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.
وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.
وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.
قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.
والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.
وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.
وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.
وقيل: المراد أنه أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.
والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.
و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".
والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.
عن ابن عباس: فرح وقرة عين.
الضحاك: غبطة لهم.
قتادة: حسنى لهم.
الأصم: خير وكرامة.
الزجاج: عيش طيب.
والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.
وقيل: طوبى شجرة في الجنة.
حكى الأصم أن أصلها في دار النبي وفي دار كل مؤمن منها غصن.
روي عن رسول الله أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.
التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.
ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.
معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.
آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.
﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.
﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.
وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.
فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .
أي: مخوفاً ومطمعاً أو ما تخافون وتطمعون.
وقال أهل التأويل: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.
وقيل: خوفاً لأهل البنيان؛ وطمعاً لأهل الأنزال.
وعندنا يطمعون ويخافون قوم واحد؛ يطمعون نفعه في وقت المنفعة، ويخافون ضرره في غير وقت النفع، أو يطمعون نفعه ويخافون ضرره، أو يطمعون مضيه؛ ويخافون نزوله والضرر به في غير وقت النفع؛ ونحوه.
ويحتمل وجهاً آخر في قوله: ﴿ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ أي: يريكم خوفاً موعوداً وطمعاً موعوداً؛ لأن البرق نور ونار، فالنور يطمع النور الموعود في الجنة، والنار تخوف النار الموعودة في الآخرة؛ لأن فيها ناراً؛ ألا ترى أنه إذا اشتد خيف على من أصابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ .
[قيل: أي: يرفع السحاب الثقال الذي فيه المطر والماء.
قال أبو عوسجة: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ ] يقال: نشأت السماء؛ إذا ارتفع الغيم فيها، ويسمّى الغيم نشأ، وقوله إنشاء؛ أي: أخذ فيه، ويقال: أنشأ الله الخلق أي: خلقهم، نشأ: ارتفع، وأنشأ: رفع، وهو من هذا.
والله أعلم.
﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ .
اختلف في الرعد والبرق: قال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ صوته تسبيحه.
وعلى ذلك روي عن ابن عباس - - قال: "أقبلت يهود إلى النبي ؛ فقالوا: يا أبا القاسم: أخبرنا عن الرعد ما هو؟
قال: ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب؛ معه مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله؛ فقالوا: ما هذا الصوت الذي نسمع؟
قال: زجرة السحاب إذا زجره؛ حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت" .
فإن ثبت هذا؛ فهو هو.
وعن علي - - "أنه سئل عن [البرق والرعد]؟
فقال: الرعد: الملك، والبرق: ضربة السحاب بمخراق من حديد" .
وقيل: الرعد: ملك على ما ذكرنا، يزجر السحاب بالتسبيح ويسوقه؛ فإذا شذت سحابة ضمها، وإذا اشتد غضبه صار من فيه النار؛ فهي الصواعق.
وقيل: هي الريح تسوق السحاب؛ فإذا تراكمت السحاب؛ فلم تجد منفذاً صوتت؛ فذلك صوتها.
وقال بعض الفلاسفة: الرعد اصطكاك الأجرام؛ فيحدث هذا الصوت؛ بمنزلة الحجر يحك الحجر.
وقال بعضهم من الفلاسفة: إنما هي ريح تختنق تحت السحاب فتصدعه فذلك الصوت منه.
وأي: شيء كان الرعد: الملك، أو الريح، أو ما كان فالتسبيح يحتمل من كل شيء؛ على ما أخبر الله - عز وجل - التسبيح من كل شيء؛ حيث قال: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ فيحتمل تسبيح الخلقة؛ جعل في خلقه كل شيء حصانة وبراءة [منشئه من] كل ما وصفه الملحدون، ودلالة ألوهيته وربوبيته.
ويحتمل تسبيحه: قول جعل في سرية كل شيء تسبيحه وتنزيهه ما لا يفهمه الخلق.
وعن أبي سعيد الخدري - - قال: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق صوته الذي يزجي به السحاب.
قيل: أمثال هذا كثير، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ سوى أنه هول هائل يهول الخلق، ويذكرهم سلطانه وعظمته، ولولا أنهم اعتادوا ذلك؛ وإلا لم تقم أنفسهم لسماع ذلك.
وقوله: ﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: يذكرهم سلطانه وعظمته يكون ذلك تسبيحه، وما ذكروا من سلطانه وعظمته، ﴿ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ أي: تسبيح الملائكة من خوفه، الرعد يسبح ويذكر الخلق عظمة الله وسلطانه، فذلك الثناء عليه والملائكة يسبحونه فيما بينهم وبين ربهم، فلم [يذكر فيهم] التسبيح؛ بحمده، وذكر في الرعد والملائكة من خيفته، أي: من خوفه، ثم الخوف يخرج على وجهين: أحدهما: خوفاً من عقوبته؛ لأنه قد جاء فيهم الوعيد إذا زلوا كقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية.
والثاني: [خوف] رهبة وهيبة لا خوف عقوبة؛ لأن الله وصفهم بالطاعة له والاستسلام، كقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 19] ونحو ذلك.
ثم خوف الهيبة لا يزول في الآخرة، وخوف العقوبة يزول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ ﴾ قيل: الصعقة: الصيحة التي فيها موت البعض، ويذهب عقل البعض، كقوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وقيل: هي اسم العذاب وقد ذكرنا فيما تقدم ذكره في بعض الأخبار "أن رجلاً أتى النبي فسأله عن شيء من أمر الرب فجاءت صاعقة فأحرقته فنزل ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ " .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ ﴾ أي: في توحيد الله؛ لأن أهل الكفر كلهم كانت مجادلتهم في توحيد الله وألوهيته وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ قال بعضهم: شديد الانتقام والعقوبة وقيل: شديد القوة وقيل: شديد الأخذ.
وقال القتبي: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ من الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة، لكن سمي باسم الأول؛ لأنه جزاء الحيلة، فيكون كتسمية جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء، والمكر هو ما ذكرنا أنه الأخذ من حيث الأمن، من حيث لا يشعرون به.
وقال أبو عوسجة: المحال عندي من المكر.
وقال أبو عوسجة: المعقبات الحفظة الذين يحفظونه بأمر الله، ويقال عقبته أي: حفظته، وأما قوله ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ أي: لا رادّ لحكمه قال ويقال في غير هذا أعقب فلان فلاناً، أي: ذهب هو وجاء هو، ويقال: عقبت أي: رجعت، ومأخذهما من العقب، ويقال: رجع على عقبيه، أي: من حيث جاء.
وقال القتبي: معقبات: ملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار إذا مضى فريق خلف بعده فريق آخر يحفظونه من أمر الله، أي: بأمر الله.
وقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ أي: ولي، مثل قادر وقدير، وحافظ وحفيظ وذلك جائز في اللغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أي: له عبادة الحق، وليس لمن دونه عبادة الحق، أي: هو المستحق للعبادة ليس ممن يعبد دونه بالذي يستحق العبادة وعبادة الحق [له] ليس لمن دونه.
والثاني: له دعوة الحق؛ أي: له إجابة دعوة الحق ليس يملك من دونه إجابة من دعا بالحق.
فعلى التأويل الأول الدعوة: العبادة، وعلى الثاني الدعوة: الإجابة، أي: له إجابة دعوة من دعا بالحق والله أعلم هو يملك إجابة دعوة الخلق، فأما من عبد دونه ودعي دونه لا يملك ذلك، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ﴾ أي: والذين يدعون من دونه لا يملكون الإجابة، أو لا يملكون ما يأملون من عبادتهم الأصنام فيكون مثله ما ذكر ﴿ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾ وهو ضرب مثل من يدعو من دون الله كباسط كفيه إلى الماء هو - والله أعلم - ليس من يدعو من دون الله إلا كباسط كفيه إلى الماء فيدعو الماء، فكما لا يجيبه الماء وإن دعاه فعلى ذلك من يدعو الأصنام لا يملكون إجابته، والله أعلم بذلك، أو أن يكون وجه ضرب هذا المثل أن من عبد دون الله أو دعا من دونه ليس إلا كباسط كفيه إلى الماء وهو على بعد من الماء، فكما لا يصل هو إلى الماء، لا يصل من عبد دون الله إلى ما يأمل ويطمع، أو يحتمل من وجه آخر، وهو أن الماء يغترف إذا قبض الكف، ولا سبيل إلى الاغتراف إذا بسطت، فعلى ذلك من عبد دون الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ أي: دعاؤهم وعبادتهم لا يعقب لهم إلا الخسار في الآخرة حاصله: يضل ذلك كله عنهم لا يصلون إلى ما يأملون بالدعاء والعبادة، كقوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَسْجُدُ ﴾ على حقيقة السجود يسجد له المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع.
ويحتمل ما ذكر من السجود وجوهاً: أحدها: حقيقة السجود فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة.
والثاني: سجود الخلقة فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق جعل الله في خلقة كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته.
والثالث: سجود الأحوال، فهو في المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فهو يسجد له في كل حال وأما الكافر فإنه يسجد له ويخضع في حال الشدة والضيق ولا يسجد له في حال السعة والرخاء ويشبه أن يكون الكافر يكون سجوده لله اختيارا وطوعا حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ إنهم؛ وإن عبدوا الأصنام؛ فيرون السجود والعبادة لله، لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ لإشراكهم غيره في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .
أي: يسجد ظلالهم بالغدو والآصال، ينتقل ظل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل حيث تنتقل نفسه؛ فذكر الغدو والآصال؛ لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل.
ويحتمل السجود: أنه يسجد له؛ أي: يخضع له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً؛ فإن كان على الخضوع؛ فهو في الخلائق كلهم؛ في البشر وغير البشر؛ وذي الروح وغير ذي الروح.
﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ أي: ظلالهم تخضع له أيضاً بالغدو والآصال.
ويحتمل: أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة: فيسجد له خلقة كل أحد.
فإن قيل: ما معنى الغدوّ والآصال؟
قيل: يحتمل: أبداً دائماً: ليس على مراد الوقت؛ ولكن على الأوقات كلها.
<div class="verse-tafsir"
هو الذي يريكم - أيها الناس - البرق، ويجمع لكم به الخوف من الصواعق، والطمع في المطر، وهو الذي ينشئ السحاب المثقل بماء المطر الغزير.
<div class="verse-tafsir" id="91.REeAl"