الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٨ من سورة الرعد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٨ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال : ( للذين استجابوا لربهم ) أي : أطاعوا الله ورسوله ، وانقادوا لأوامره ، وصدقوا أخباره الماضية والآتية ، فلهم ) الحسنى ) وهو الجزاء الحسن كما قال تعالى مخبرا عن ذي القرنين أنه قال : ( قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ) [ الكهف : 87 ، 88 ] وقال تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ يونس : 26 ] .
وقوله : ( والذين لم يستجيبوا له ) أي لم : يطيعوا الله ( لو أن لهم ما في الأرض جميعا ) أي : في الدار الآخرة ، لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه لافتدوا به ، ولكن لا يتقبل منهم; لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا ( أولئك لهم سوء الحساب ) أي : في الدار الآخرة ، أي : يناقشون على النقير والقطمير ، والجليل والحقير ، ومن نوقش الحساب عذب; ولهذا قال : ( ومأواهم جهنم وبئس المهاد )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أما الذين استجابوا لله فآمنوا به حين دعاهم إلى الإيمان به، وأطاعوه فاتبعوا رسوله وصدّقوه فيما جاءهم به من عند الله, (28) فإن لهم الحسنى, وهي الجنة، (29) كذلك:- 20326- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (للذين استجابوا لربهم الحسنى) وهي الجنة .
* * * وقوله: (والذين لم يستجيبوا له لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به) ، يقول تعالى ذكره: وأما الذين لم يستجيبوا لله حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته، (30) ولم يطيعوه فيما أمرهم به, ولم يتبعوا رسوله فيصدقوه فيما جاءهم به من عند ربهم, فلو أن لهم ما في الأرض جميعًا من شيء ومثله معه ملكًا لهم، ثم قُبِل مثل ذلك منهم، وقبل منهم بدلا من العذاب الذي أعدّه الله لهم في نار جهنم وعوضًا، (31) لافتدوا به أنفسهم منه, يقول الله: (أولئك لهم سوء الحساب) ، يقول: هؤلاء الذين لم يستجيبوا لله لهم سوء الحساب، يقول: لهم عند الله أن يأخذهم بذنوبهم كلها, فلا يغفر لهم منها شيئا, ولكن يعذبهم على جميعها .
كما:- 20327- حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا عون, عن فرقد السبخي قال: قال لنا شهر بن حوشب: (سوء الحساب) أن لا يتجاوز لهم عن شيء .
(32) 20328- حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية قال: حدثني الحجاج بن أبي عثمان قال: حدثني فرقد السبخي قال: قال إبراهيم النخعي: يا فرقد أتدري ما " سوء الحساب "؟
قلت: لا !
قال: هو أن يحاسب الرّجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء .
(33) * * * وقوله: (ومأواهم جهنم) يقول: ومسكنهم الذي يسكنونه يوم القيامة جهنم (34) (وبئس المهاد) ، يقول: وبئس الفراش والوطاءُ جهنمُ التي هي مأواهم يوم القيامة .
(35) ------------------------ الهوامش: (28) انظر تفسير" الاستجابة" فيما سلف 13 : 465 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(29) انظر تفسير" الحسنى" فيما سلف 9 : 96 / 14 : 291 .
(30) في المطبوعة :" لم يستجيبوا له" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(31) كانت هذه العبارة في المطبوعة هكذا :" ثم مثل ذلك ، وقبل ذلك منهم بدلا من العذاب" ، وكان في المخطوطة هكذا :" ثم قبل مثل ذلك ، وقبل ذلك منهم بدلا من العذاب" .
وهما عبارتان مختلفتان هالكتان ، والصواب الذي رجحته هو ما أثبت .
(32) الأثر : 20327 -" الحسن بن عرفة العبدي البغدادي" ، شيخ الطبري ، ثقة مضى برقم : 9373 ، 12851 ، 15766 .
و" يونس بن محمد بن مسلم البغدادي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 5090 ، 12549 و" عون" ، كأنه يعني :" عون بن سلام القرشي الكوفي" ، ثقة مترجم في التهذيب .
وأما" فرقد السبخي" ، فهو" فرقد بن يعقوب السبخي" ،" أبو يعقوب" ، كان ضعيفًا منكر الحديث ، لأنه لم يكن صاحب حديث ، وليس بثقة مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 131 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 81 ، وميزان الاعتدال 2 : 327 .
(33) الأثر : 20328 -" فرقد السبخي" ، ليس بثقة ، مضى برقم : 20327 ، وسيأتي هذا الخبر بإسناد آخر رقم : 20334 .
(34) انظر تفسير" المأوى" فيما سلف 15 : 26 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(35) انظر تفسير" المهاد" فيما سلف 12 : 435 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
ثم قال : للذين استجابوا لربهم الحسنى أي أجابوا ; واستجاب بمعنى أجاب ; قال :فلم يستجبه عند ذاك مجيبوقد تقدم ; أي أجاب إلى ما دعاه الله من التوحيد والنبوات .
" الحسنى " لأنها في نهاية الحسن .
وقيل : من الحسنى النصر في الدنيا ، والنعيم المقيم غدا .والذين لم يستجيبوا له أي لم يجيبوا إلى الإيمان به .
لو أن لهم ما في الأرض جميعا أي من الأموال .
" ومثله معه " ملك لهم .
" لافتدوا به " من عذاب يوم القيامة ; نظيره في " آل عمران " [ ص: 268 ] إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ، إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به حسب ما تقدم بيانه هناك .أولئك لهم سوء الحساب أي لا يقبل لهم حسنة ، ولا يتجاوز لهم عن سيئة .
وقال فرقد السبخي قال لي إبراهيم النخعي : يا فرقد !
أتدري ما سوء الحساب ؟
قلت لا !
قال : أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يفقد منه شيء .ومأواهم جهنم أي مسكنهم ومقامهم ." وبئس المهاد " أي الفراش الذي مهدوا لأنفسهم .
لما بيّن تعالى الحق من الباطل ذكر أن الناس على قسمين: مستجيب لربه، فذكر ثوابه، وغير مستجيب فذكر عقابه فقال: { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ } أي: انقادت قلوبهم للعلم والإيمان وجوارحهم للأمر والنهي، وصاروا موافقين لربهم فيما يريده منهم، فلهم { الْحُسْنَى } أي: الحالة الحسنة والثواب الحسن.
فلهم من الصفات أجلها ومن المناقب أفضلها ومن الثواب العاجل والآجل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، { وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ } بعد ما ضرب لهم الأمثال وبين لهم الحق، لهم الحالة غير الحسنة، فـ { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } من ذهب وفضة وغيرها، { وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ } من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم وأنى لهم ذلك؟\" { أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ } وهو الحساب الذي يأتي على كل ما أسلفوه من عمل سيئ وما ضيعوه من حقوق الله وحقوق عباده قد كتب ذلك وسطر عليهم وقالوا: { يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } { و } بعد هذا الحساب السيئ { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } الجامعة لكل عذاب، من الجوع الشديد، والعطش الوجيع، والنار الحامية والزقوم والزمهرير، والضريع وجميع ما ذكره الله من أصناف العذاب { وَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي: المقر والمسكن مسكنهم.
قوله تعالى : ( للذين استجابوا لربهم ) أجابوا لربهم فأطاعوه ( الحسنى ) الجنة ( والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ) أي : لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداء من النار ( أولئك لهم سوء الحساب ) قال إبراهيم النخعي : سوء الحساب : أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له من شيء ( ومأواهم ) في الآخرة ( جهنم وبئس المهاد ) الفراش ، أي : بئس ما مهد لهم .
«للذين استجابوا لربهم» أجابوه بالطاعة «الحسنى» الجنة «والذين لم يستجيبوا له» وهم الكافر «لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوْا به» من العذاب «أولئك لهم سوء الحساب» وهو المؤاخذة بكل ما علموه لا يغفر منه شيء «ومأواهم جهنم وبئس المهاد» الفراش هي.
للمؤمنين الذين أطاعوا الله ورسوله الجنة، والذين لم يطيعوا وكفروا به لهم النار، ولو كانوا يملكون كل ما في الأرض وضِعْفه معه لبذلوه فداء لأنفسهم من عذاب الله يوم القيامة، ولن يُتَقبل منهم، أولئك يحاسَبون على كل ما أسلفوه من عمل سيِّئ، ومسكنهم ومقامهم جهنم تكون لهم فراشًا، وبئس الفراش الذي مهدوه لأنفسهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك عاقبة أهل الحق ، وعاقبة أهل الباطل فقال - تعالى - ( لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ .
.
)أى : للمؤمنين الصادقين ، الذين أطاعوا ربهم فى كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه ، المثوبة الحسنى ، وهى الجنة .فالحسنى يصح أن تكون صفة لموصوف محذوف ، ويصح أن تكون مبتدأ مؤخراً ، وخبره ( لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ ) .( والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ ) - سبحانه - ولم ينقادوا لأمره أو نهيه وهم الكفار ( لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ) من أصناف الأموال ، ولهم أيضا ( مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ) أى لهان عليهم - مع نفاسته وكثرته - أن يقدموه فداء لأنفسهم من عذاب يوم القيامة .فالضمير فى قوله ( وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) يعود إلى ما فى الأرض جميعا من أصناف الأموال وفى ذلك ما فيه من تهويل ما سيلقونه من عذاب أليم جزاء كفرهم وجحودهم .ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : ( أولئك لَهُمْ سواء الحساب ) أى : اولئك الذين لم يستجيبوا لربهم لهم الحساب السيئ الذى لا رحمة معه ، ولا تساهل فيه .( وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) أى : ومرجعهم الذى يرجعون إليه جهنم .
( وَبِئْسَ المهاد ) أى : وبئس المستقر الذى يستقرون فيه .والمخصوص بالذم محذوف أى : مهادهم أو جهنم .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت أوضح الأدلة وأحكمها على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وبينت حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين .
اعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السموات والأرض ساجد له بمعنى كونه خاضعاً له، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السموات والأرض قُلِ الله ﴾ ولما كان هذا الجواب جواباً يقر به المسؤول ويعترف به ولا ينكره أمره صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهاً على أنهم لا ينكرونه ألبتة ولما بين أنه سبحانه هو الرب لكل الكائنات قال: قل لهم فلم اتخذتهم من دون الله أولياء وهي جمادات وهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة لأنفسها ودفع المضرة عن أنفسها، فبأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة لغيرها ودفع المضرة عن غيرها كان ذلك أولى، فإذا لم تكن قادرة على ذلك كانت عبادتها محض العبث والسفه، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون كالأعمى والعالم بها كالبصير، والجهل بمثل هذه الحجة كالظلمات، والعلم بها كالنور، وكما أن كل أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير، والظلمة لا تساوي النور كذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها.
قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وعمرو عن عاصم ﴿ يَسْتَوِى الظلمات والنور ﴾ بالياء، لأنها مقدمة على اسم الجمع والباقون بالتاء، واختاره أبو عبيدة ثم أكد هذا البيان فقال: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ ﴾ يعني هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتى يقولوا إنها تشارك الله في الخالقية، فوجب أن تشاركه في الإلهية، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ألبتة، ولا خلق ولا أثر، وإذا كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهية محض السفه والجهل.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجوه: الأول: أن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات وسكنات مثل الحركات والسكنات التي يخلقها الله تعالى، وعلى هذا التقدير فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذم والإنكار.
فدلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق فعل نفسه.
قال القاضي: نحن وإن قلنا: إن العبد يفعل ويحدث، إلا أنا لا نطلق القول بأنه يخلق ولو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق الله، لأن أحدنا يفعل بقدرة الله، وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، فثبت أن بتقدير كون العبد خالقاً، إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله تعالى، وأيضاً فهذا الإلزام لازم للمجبرة، لأنهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسب العبد وفعل له، وهذا عين الشرك لأن الإله والعبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه حق.
وأيضاً فهو تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيباً للكفار وذماً لطريقتهم، ولو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما بقي لهذا الذم فائدة، لأن للكفار أن يقولوا على هذا التقدير إن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا الكفر فينا فلم يذمنا عليه ولا ينسبنا إلى الجهل والتقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا ولا باختيارنا.
والجواب عن السؤال الأول: أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود، أو يكون عبارة عن التقدير، وعلى الوجهين فبتقدير أن يكون العبد محدثاً فإنه لابد وأن يكون حادثاً.
أما قوله: والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه ليس خلقه كخلق الله.
قلنا: الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود، ومعلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلاً للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى، كان أحد المخلوقين مثلاً للمخلوق الثاني، وحينئذ يصح أن يقال: إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى بل لا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات، إلا أن حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه وهذا القدر يكفي في الاستدلال.
وأما قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا: إن فعل العبد مخلوق لله تعالى، فنقول هذا غير لازم، لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق العبد مثلاً لخلق الله تعالى، ونحن لا نثبت للعبد خلقاً ألبتة، فكيف يلزمنا ذلك؟
وأما قوله: لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى، لما حسن ذم الكفار على هذا المذهب.
قلنا: حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح والذم وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل، وهو منقوض، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم منه أنه يموت على الكفر، وقد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع، فهذا تقرير هذا الوجه في هذه الآية.
وأما الوجه الثاني: في التمسك بهذه الآية قوله: ﴿ قُلِ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ ولا شك أن فعل العبد شيء فوجب أن يكون خالقه هو الله وسؤالهم عليه ما تقدم.
والوجه الثالث: في التمسك بهذه الآية وقوله: ﴿ وَهُوَ الواحد القهار ﴾ وليس يقال فيه أنه تعالى واحد في أي المعاني، ولما كان المذكور السابق هو الخالقية وجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية، القهار لكل ما سواه، وحينئذ يكون دليلاً أيضاً على صحة قولنا.
المسألة الثانية: زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء.
اعلم أن هذا النزاع ليس إلا في اللفظ وهو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا، وزعم أنه لا يقع هذا الاسم على الله تعالى واحتج عليه بأنه لو كان شيئاً لوجب كونه خالقاً لنفسه، لقوله تعالى: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ ولما كان ذلك محالاً، وجب أن لا يقع عليه اسم الشيء، ولا يقال: هذا عام دخله التخصيص، لأن العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي وأخس منه كما إذا قال: أكلت هذ الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها، وهاهنا ذات الله تعالى أعلى الموجودات وأشرفها، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقه؟
والحجة الثانية: تمسك بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ والمعنى: ليس مثل مثله شيء، ومعلوم أن كل حقيقة فإنها مثل مثل نفسها، فالباري تعالى مثل مثل نفسه، مع أنه تعالى نبه على أن مثل مثله ليس بشيء، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء.
والحجة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا ﴾ دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى، ولفظ الشيء يتناول أخس الموجودات، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى، فوجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا اللفظ، والأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم عليه تعالى بقوله: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ .
وأجاب الخصم عنه: بأن قوله: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة ﴾ سؤال متروك الجواب، وقوله: ﴿ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله.
المسألة الثالثة: تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة.
قالوا: لأنه لو حصل لله تعالى علم وقدرة وحياة، لكانت هذه الصفات إما أن تحصل بخلق الله أو لا بخلقه، والأول باطل وإلا لزم التسلسل، والثاني: باطل لأن قوله: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ يتناول الذات والصفات حكمنا بدخول التخصيص فيه في حق ذات الله تعالى فوجب أن يبقى فيما سوى الذات على الأصل.
وهو أن يكون تعالى خالقاً لكل شيء سوى ذاته تعالى، فلو كان لله علم وقدرة لوجب كونه تعالى خالقاً لهما وهو محال، وأيضاً تمسكوا بهذه الآية في خلق القرآن.
قالوا: الآية دالة على أنه تعالى خالق لكل الأشياء، والقرآن ليس هو الله تعالى، فوجب أن يكون مخلوقاً وأن يكون داخلاً تحت هذا العموم.
والجواب: أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة، إلا أنا نخصصها في حق صفات الله تعالى بسبب الدلائل العقلية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ استجابوا ﴾ اللام متعلقة بيضرب، أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا، أي: هما مثلا الفريقين.
و ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا، أي: استجابوا الاستجابة الحسنى.
وقوله ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين.
وقيل: قد تم الكلام عند قوله: ﴿ كذلك يَضْرِبُ الله الامثال ﴾ [الرعد: 17] وما بعده كلام مستأنف.
والحسنى: مبتدأ، خبره ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا ﴾ والمعنى: لهم المثوبة الحسنى، وهي الجنة ﴿ والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ ﴾ مبتدأ خبره، (لو) مع ما في حيزه و ﴿ سُوء الحِسَابِ ﴾ المناقشة فيه.
وعن النخعي: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا.
﴿ لِرَبِّهِمُ الحُسْنى ﴾ الِاسْتِجابَةُ الحُسْنى.
﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ وهُمُ الكَفَرَةُ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَضْرِبُ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ضَرْبَ المَثَلِ لِشَأْنِ الفَرِيقَيْنِ ضَرْبَ المَثَلِ لَهُما.
وَقِيلَ لِلَّذِينِ اسْتَجابُوا خَبَرُ الحُسْنى وهي المَثُوبَةُ أوِ الجَنَّةُ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.
﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ مَآلِ غَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ.
﴿ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ وهو المُناقَشَةُ فِيهِ بِأنْ يُحاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ لا يُغْفَرُ مِنهُ شَيْءٌ.
﴿ وَمَأْواهُمْ ﴾ مَرْجِعُهم.
﴿ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ المُسْتَقَرُّ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.
<div class="verse-tafsir"
لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)
واللام في {لِلَّذِينَ استجابوا} أي أجابوا متعلقة بيضرب اي
كذلك يضرب اله أمثال للمؤمنين الذين استجابوا {لربهم الحسنى} هي صفة لمصدر استجابوا أي استجابوا الاستجابة الحسنى {والذين لم يستجيبوا له} اي وللكافرين الذين لم يستجيوا أي هما مثلاً الفريقين وقوله {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} كلام مبتدأ في ذكر ما أعد لغير المستجيبين أي لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله والوجه أن الكلام قد تم على الأمثال وما بعده كلام مستأنف والحسنى مبتدأ خبره للذين استجابوا والمعنى لهم المثوبة الحسنى وهي الجنة والذين يستجيبوا مبتدأ خبره لو مع ما في حيزه {أولئك لَهُمْ سُوءُ الحساب}
المناقشة فيه في الحديث من نوقش الحساب عذب {ومأواهم جهنم} ومرجعهم بعد المحاسبة النار {وَبِئْسَ المهاد} المكان الممهد والمذموم محذوف أي جهنم
وبَعْدَ ما بَيَّنَ تَعالى شَأْنُهُ شَأْنَ كُلٍّ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ حالًا ومَآلًا أكْمَلَ بَيانٍ شَرَعَ في بَيانِ حالِ أهْلِ كُلٍّ مِنهُما مَآلًا تَكْمِيلًا لِلدَّعْوَةِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ إذْ دَعاهم إلى الحَقِّ بِفُنُونِ الدَّعْوَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ضَرْبُ الأمْثالِ فَإنَّ لَهُ لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ المَعْقُولِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ تَأْثِيرًا بَلِيغًا في تَسْخِيرِ والنُّفُوسِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ أيِ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ وعَنْ مُجاهِدٍ الحَياةُ الحُسْنى أيِ الطَّيِّبَةُ الَّتِي لا يَشُوبُها كَدَرٌ أصْلًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ جَزاءُ الكَلِمَةِ الحُسْنى وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ سُبْحانَهُ وعانَدُوا الحَقَّ الجَلِيَّ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ ﴾ مِن أصْنافِ الأمْوالِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهُ شاذٌّ في أقْطارِها أوْ مَجْمُوعًا غَيْرَ مُتَفَرِّقٍ بِحَسَبِ الأزْمانِ ﴿ ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ أيْ بِالمَذْكُورِ مِمّا في الأرْضِ ومِثْلِهِ مَعَهُ جَمِيعًا لِيَتَخَلَّصُوا عَمّا بِهِمْ وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ ما يَلْقاهم ما لا يُحِيطُ بِهِ البَيانُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُهُ وهي عَلى ما قِيلَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ السُّوأى المُقابَلَةِ لِلْحُسْنى الواقِعَةِ في القَرِينَةِ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ السُّوأى وتُعَقِّبْ بِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ وإنْ دَلَّتْ عَلى سُوءِ حالِهِمْ لَكِنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ القِيامِ مَقامَ لَفْظِ السُّوأى مَصْحُوبًا بِاللّامِ الجارَّةِ الدّاخِلَةِ عَلى المَوْصُولِ أوْ ضَمِيرِهِ وعَلَيْهِ يَدُورُ حُصُولُ المَرامِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّ الواقِعَ في تِلْكَ المُقابَلَةِ سُوءُ الحِسابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ وحَيْثُ كانَ اسْمُ الإشارَةِ الواقِعُ مُبْتَدَأً في هَذِهِ الجُمْلَةِ عِبارَةً عَنِ المَوْصُولِ الواقِعِ مُبْتَدَأً في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ كانَ خَبَرُهُ أعْنِي الجُمْلَةَ الظَّرْفِيَّةَ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ في الحَقِيقَةِ ومُبَيِّنًا لِإبْهامِ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ أوَّلًا ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَهم سُوءُ الحِسابِ وذَلِكَ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ سُوءُ الحِسابِ مَعَ زِيادَةِ تَأْكِيدٍ فَتَمَّ حُسْنُ المُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ واعْتُذِرَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ واقِعٌ مَوْقِعَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ رِعايَةَ حُسْنِ المُقابَلَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى ﴾ تَقْتَضِي أنْ يُقالَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ السُّوأى ولا يَزْدادُ عَلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..
إلَخْ بَدَلَ ما ذُكِرَ ولَعَلَّ في كَلامِ الطَّيِّبِيِّ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ وإلى اعْتِبارِ السُّوأى في المُقابَلَةِ ذَهَبَ أيْضًا صاحِبُ الكَشْفِ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ في مُقابَلَةِ الحُسْنى بَدَلَ السُّوأى مَعَ زِيادَةِ تَصْوِيرٍ وتَحْسِيرٍ وأُوثِرَ الإجْمالُ في الأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّ جَزاءَ المُسْتَجِيبِينَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ فَتَدَبَّرْ والمُرادُ بِسُوءِ الحِسابِ أيِ الحِسابُ السَّيِّئُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والحَسَنِ أنْ يُحاسَبُوا بِذُنُوبِهِمْ كُلِّها لا يُغْفَرُ لَهم مِنها شَيْءٌ وهو المَعْنِيُّ بِالمُناقَشَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو أنْ يُحاسَبُوا فَلا تُقْبَلُ حَسَناتُهم ولا تُغْفَرُ سَيِّئاتُهم ﴿ ومَأْواهُمْ ﴾ أيْ مَرْجِعُهم ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ بَيانٌ لِمُؤَدّى ما تَقَدَّمَ وفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِتَفْسِيرِ الحُسْنى بِالجَنَّةِ ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ .
(18) .
أيِ المُسْتَقَرُّ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ مِهادُهم أوْ جَهَنَّمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيِ اسْتَجابُوا الِاسْتِجابَةَ الحُسْنى وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..
إلَخْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُعِدَّ لِغَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ مِنَ العَذابِ والمَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ تَعالى الأمْثالَ لِلْمُؤْمِنِينَ المُسْتَجِيبِينَ والكافِرِينَ المُعانِدِينَ أيْ هُما مَثَلا الفَرِيقَيْنِ.
انْتَهى.
قالَ أبُو حَيّانَ: والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ فِيهِ ضَرْبَ الأمْثالِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمِثْلِ هَذَيْنِ واللَّهُ تَعالى قَدْ ضَرَبَ أمْثالًا كَثِيرَةً في هَذَيْنِ وفي غَيْرِهِما ولِأنَّ فِيهِ ذِكْرَ ثَوابِ المُسْتَجِيبِينَ بِخِلافِ هَذا ولِأنَّ تَقْدِيرَ الِاسْتِجابَةِ الحُسْنى مُشْعِرٌ بِتَقْيِيدِ الِاسْتِجابَةِ ومُقابِلُها لَيْسَ نَفْيَ الِاسْتِجابَةِ مُطْلَقًا وإنَّما هُوَ نَفْيُ الِاسْتِجابَةِ الحُسْنى واللَّهُ تَعالى قَدْ نَفى الِاسْتِجابَةَ مُطْلَقًا ولِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..
إلَخْ كَلامًا مُفَلَّتًا أوْ كالمُفَلَّتِ إذْ يَصِيرُ المَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ لَوْ أنَّ لَهم ..
إلَخْ ولَوْ كانَ هُناكَ حَرْفٌ يَرْبِطُ لَوْ بِما قَبْلَها زالَ التَّفَلُّتُ وأيْضًا أنَّهُ يُوهِمُ الِاشْتِراكَ في الضَّمِيرِ وإنْ كانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالكافِرِينَ مَعْلُومًا: وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا كَلامَ في أوْلَوِيَّةِ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لَكِنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ وجْهًا لَها مَحَلُّ كَلامٍ إذْ لا مُقْتَضى في التَّفْسِيرِ الثّانِي لِتَقْيِيدٍ الأمْثالِ عُمُومًا بِمِثْلِ هَذَيْنِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ( كَذَلِكَ ) ثُمَّ إنَّ فِيهِ تَفْهِيمَ ثَوابِ المُسْتَجِيبِينَ أيْضًا ألا يُرى إلى القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحُسْنى ﴾ صِفَةٌ كاشِفَةٌ لا مَفْهُومَ لَها فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ تَعالى لا تَكُونُ إلّا حُسْنى وكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..
إلَخْ مُفَلَّتًا وقَدْ قالُوا: إنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ حالِ المُسْتَجِيبِينَ يَعْنُونَ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِلسُّؤالِ عَنْ مَآلِ حالِهِمْ ثُمَّ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ الِاشْتِراكُ مَعَ كَوْنِ تَخْصِيصِهِ بِالكافِرِينَ مَعْلُومًا.
انْتَهى.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ بادِئِ الرَّأْيِ والنَّظْرَةِ الأُولى أمّا إذا نُظِرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ ذاكَ أوْلى وأقْوى عُلِمَ أنَّ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ وارِدٌ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ هَذا شَأْنُهُ وعادَتُهُ عَزَّ شَأْنُهُ في ضَرْبِ الأمْثالِ فَيَقْتَضِي أنَّ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ القُرْآنِيَّةُ مُقَيَّدٌ بِهَؤُلاءِ ولَيْسَ كَذَلِكَ وما ذَكَرَهُ المُتَعَقِّبُ ولَوْ سُلِّمَ فَهو خِلافُ الظّاهِرِ وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المُسْتَجِيبِينَ مَعْلُومٌ مِمّا ذَكَرَهُ فَفَرْقٌ بَيْنَ العِلْمِ ضِمْنًا والعِلْمِ صَراحَةً وأمّا أنَّ الصِّفَةَ مُؤَكِّدَةٌ أوْ لا مَفْهُومَ لَها فَخِلافُ الأصْلِ أيْضًا وكَوْنُ الجُمْلَةِ غَيْرَ مُرْتَبِطَةٍ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ والسُّؤالُ عَنْ حالِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مَعَ ذِكْرِهِما بَعْدَ نَقْلِ التَّفْسِيرِ الأخِيرِ وحَمْلِ الأمْثالِ فِيهِ عَلى الأمْثالِ السّابِقَةِ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ عُنْوانَ الِاسْتِجابَةِ وعَدَمَها لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّمْثِيلِ وأنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ دُخُولُ اللّامِ عَلى مَن يُقْصَدُ تَذْكِيرُهُ بِالمَثَلِ نَعَمْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في هَذا المَعْنى أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ ونَظائِرِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لا سِيَّما المَثَلَ الأخِيرَ المَوْصُولَ بِالكَلامِ لَيْسَ مَثَلَ الفَرِيقَيْنِ بَلْ مَثَلٌ لِلْحَقِّ والباطِلِ ولا مَساغَ لِجَعْلِ الفَرِيقَيْنِ مَضْرُوبًا لَهم أيْضًا بِأنْ يُجْعَلَ في حُكْمِ أنْ يُقالَ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ إذْ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَنْوِيعِهِمْ إلى المُسْتَجِيبِينَ وغَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الكَشْفِ حَيْثُ قالَ: إنَّ جَعْلَ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ مِن تَتِمَّةِ الأمْثالِ لا مِن صِلَةِ يَضْرِبُ مُتَكَلَّفٌ لِأنَّهُما مَثَلا الحَقِّ والباطِلِ بِالأصالَةِ ومِن صِلَةِ يَضْرِبُ أبْعَدُ لِأنَّ الأمْثالَ إنَّما ضُرِبَتْ لِمَن يَعْقِلُ.
ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المُرادِ بِالأمْثالِ الأمْثالَ السّابِقَةَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ أمْثالًا والمَشْهُورُ أنَّهُ مَثَلانِ نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَذِهِ ثَلاثَةُ أمْثالٍ ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى في مَثَلٍ واحِدٍ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لا شَكَّ في سَلامَةِ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِنَ القِيلِ والقالِ وأنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ لِأنَّ تَمامَ حُسْنِ الفاصِلَةِ أنْ تَكُونَ كاسْمِها ولِهَذا انْحَطَّ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .
ألا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ مِنكَ بِأمْثَلِ عَنْ قَوْلِ المُتَنَبِّي: إذا كانَ مَدْحًا فالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ ∗∗∗ أكُلُّ فَصِيحٍ قالَ شِعْرًا مُتَيَّمُ وهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ السَّلَفُ مِنَ الآيَةِ ومِن هُنا كانَ أكْثَرُ الشُّيُوخِ يَقِفُونَ عَلى الأمْثالِ ويُتَبَدَّءُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ وقالَ صاحِبُ المُرْشِدِ: إنَّهُ وقْفٌ تامٌّ والوَقْفُ عَلى ﴿ الحُسْنى ﴾ حَسَنٌ وكَذا عَلى ﴿ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ والعَجَبُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ كَيْفَ اخْتارَ خِلافَ ذَلِكَ مَعَ وُضُوحِهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) .
﴿ المر ﴾ أيِ الذّاتُ الأحَدِيَّةُ واسْمُهُ العَلِيمُ واسْمُهُ الأعْظَمُ ومَظْهَرُهُ الَّذِي هو الرَّحْمَةُ ﴿ تِلْكَ آياتُ ﴾ عَلاماتُ ﴿ الكِتابِ ﴾ الجامِعِ الَّذِي هو الوُجُودُ المُطْلَقُ ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ أيْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ بَلْ بِعَمَدٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ وجَعَلَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ عِمادَها الإنْسانَ الكامِلَ وقِيلَ: النَّفْسُ المُجَرَّدَةُ الَّتِي تُحَرِّكُها بِواسِطَةِ النَّفْسِ المُنْطَبِقَةِ وهي قُوَّةٌ جُسْمانِيَّةٌ سارِيَةٌ في جَمِيعِ أجْزاءِ الفَلَكِ لا يَخْتَصُّ بِها جُزْءٌ دُونَ جُزْءٍ لِبَساطَتِهِ وهي بِمَنزِلَةِ الخَيالِ فِينا وفِيهِ ما فِيهِ وقِيلَ: رَفَعَ سَماواتِ الأرْواحِ بِلا مادَّةٍ تَعْمِدُها بَلْ مُجَرَّدَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ بِالتَّأْثِيرِ والتَّقْوِيمِ وقِيلَ: عَرْشُ القَلْبِ بِالتَّجَلِّي ﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ ﴾ شَمْسَ الرُّوحِ بِإدْراكِ المَعارِفِ الكُلِّيَّةِ واسْتِشْرافِ الأنْوارِ العالِيَةِ ﴿ والقَمَرَ ﴾ قَمَرَ القَلْبِ بِإدْراكِ ما في العالَمِينَ والِاسْتِمْدادِ مِن فَوْقَ ومِن تَحْتَ ثُمَّ قَبُولُ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو كَمالُهُ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ في البِدايَةِ بِتَهْيِئَةِ الِاسْتِعْدادِ وتَرْتِيبِ المَبادِي ﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ في النِّهايَةِ بِتَرْتِيبِ الكَمالاتِ والمَقاماتِ ﴿ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكُمْ ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَةِ آياتِ التَّجَلِّياتِ ﴿ تُوقِنُونَ ﴾ عَيْنَ اليَقِينِ.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: يُدَبِّرُ الأمْرَ بِالقَضاءِ السّابِقِ ويُفَصِّلُ الآياتِ بِأحْكامِ الظّاهِرِ لَعَلَّكم تُوقِنُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي يُجْرِي تِلْكَ الأحْوالَ لا بُدَّ لَكم مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ قُلُوبِ أوْلِيائِهِ بِبَسْطِ أنْوارِ المُحِبَّةِ ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ المَعْرِفَةِ لِئَلّا تَتَزَلْزَلَ بِغَلَبَةِ هَيَجانِ المَواجِيدِ وجَعَلَ فِيها ( أنْهارًا ) مِن عُلُومِ الحَقائِقِ ﴿ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ وهي ثَمَراتُ أشْجارِ الحِكَمِ المُتَنَوِّعَةِ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ تَجَلِّي الجَلالِ وتَجَلِّي الجَمالِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آياتِ اللَّهِ تَعالى قالَ أبُو عُثْمانَ: الفِكْرُ إراحَةُ القَلْبِ مِن وساوِسَ التَّدْبِيرِ وقِيلَ: تَصْفِيَتُهُ لِوارِدِ الفَوائِدِ وقِيلَ: الإشارَةُ في ذَلِكَ إلى مَدِّ أرْضِ الجَسَدِ وجَعْلِ رَواسِي العِظامِ فِيها وأنْهارِ العُرُوقِ وثَمَراتِ الأخْلاقِ مِنَ الجُودِ والبُخْلِ والفُجُورِ والعِفَّةِ والجُبْنِ والشَّجاعَةِ والظُّلْمِ والعَدْلِ وأمْثالِها والسَّوادِ والبَياضِ والحَرارَةِ والبُرُودَةِ والمَلاسَةِ والخُشُونَةِ ونَحْوِها وتَغْشِيَةِ لَيْلِ ظُلْمَةِ الجُسْمانِيّاتِ نَهارَ الرُّوحانِيّاتِ وفي ذَلِكَ آياتٌ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وتَطابُقِ عالَمَيْهِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ﴿ وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ فَقُلُوبُ المُحِبِّينَ مُجاوِرَةٌ لِقُلُوبِ المُشْتاقِينَ وهي لِقُلُوبِ العاشِقِينَ وهي لِقُلُوبِ الوالِهِينَ وهي لِقُلُوبِ الهائِمِينَ وهي لِقُلُوبِ العارِفِينَ وهي لِقُلُوبِ المُوَحِّدِينَ وقِيلَ: في أرْضِ القُلُوبِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ قِطَعُ النُّفُوسِ وقِطَعُ الأرْواحِ وقِطَعُ الأسْرارِ وقِطَعُ العُقُولِ والأُولى تُنْبِتُ شَوْكَ الشَّهَواتِ والثّانِيَةُ زَهْرَ المَعارِفِ والثّالِثَةُ نَباتَ كَواشِفِ الأنْوارِ والرّابِعَةُ أشْجارَ نُورِ العِلْمِ ( وفِيها جَنّاتٌ مِن أعْنابٍ ) أيْ أعْنابِ العِشْقِ ﴿ وزَرْعٌ ﴾ أيْ زَرْعِ دَقائِقِ المَعْرِفَةِ ﴿ ونَخِيلٌ ﴾ أيْ نَخْلِ الإيمانِ ﴿ صِنْوانٌ ﴾ في مَقامِ الفَرْقِ ﴿ وغَيْرُ صِنْوانٍ ﴾ في مَقامِ الجَمْعِ وقِيلَ: صِنْوانُ إيمانٍ مَعَ شُهُودٍ وغَيْرُ صِنْوانِ إيمانٍ بِدُونِهِ ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ﴾ وهو التَّجَلِّي الَّذِي يَقْتَضِيهِ الجُودُ المُطْلَقُ ﴿ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ ﴾ في الطَّعْمِ الرُّوحانِيِّ وقِيلَ: أُشِيرَ أيْضًا إلى أنَّ في أرْضِ الجَسَدِ قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ مِنَ العَظْمِ واللَّحْمِ والشَّحْمِ والعَصَبِ وجَنّاتٍ مِن أشْجارِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ مِن أعْنابِ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ الَّتِي يُعْصَرُ مِنها هَوى النَّفْسِ والقُوى العَقْلِيَّةِ الَّتِي يُعْصَرُ مِنها خَمْرُ المَحَبَّةِ والعِشْقِ وزَرْعَ القُوى الإنْسانِيَّةِ ونَخِيلَ سائِرِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ صِنْوانٌ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ وغَيْرُ صِنْوانٍ كاللِّسانِ وآلَةِ الفِكْرِ والوَهْمِ ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ﴾ وهو ماءُ الحَياةِ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في أُكُلِ الإدْراكاتِ والمَلَكاتِ كَتَفْضِيلِ مُدْرَكاتِ العَقْلِ عَلى الحِسِّ والبَصَرِ عَلى اللَّمْسِ ومَلَكَةِ الحِكْمَةِ عَلى العِفَّةِ وهَكَذا ﴿ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ القادِرَ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يَحْيِيَ المَوْتى.
وقِيلَ: إنَّ مَنشَأ التَّعَجُّبِ أنَّهم أنْكَرُوا الخَلْقَ الجَدِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ أنَّ الإنْسانَ في كُلِّ ساعَةٍ في خَلْقٍ آخَرَ جَدِيدٍ بَلِ العالَمُ بِأسْرِهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ يَتَجَدَّدُ بِتَبَدُّلِ الهَيْئاتِ والأحْوالِ والأوْضاعِ والصُّوَرِ وإلى كَوْنِ العالَمِ كُلَّ لَحْظَةٍ في خَلْقٍ جَدِيدٍ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ فَعِنْدَهُ الجَوْهَرُ وكَذا العَرَضُ لا يَبْقى زَمانَيْنِ كَما أنَّ العَرَضَ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ كَذَلِكَ وهَذا عِنْدَ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَواهِرَ والأعْراضَ كُلَّها شُؤُونُهُ تَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وهو سُبْحانَهُ كُلَّ يَوْمٍ أيَّ وقْتٍ في شَأْنٍ وأكْثَرُ النّاسِ يُنْكِرُونَ عَلى الأشْعَرِيِّ قَوْلَهُ بِتَجَدُّدِ الأعْراضِ والشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ زادَ في الشَّطْرَنْجِ جُمَلًا ولا يَكادُ يُدْرَكُ ما يَقُولُهُ بِالدَّلِيلِ بَلْ هو مَوْقُوفٌ عَلى الكَشْفِ والشُّهُودِ وقَدِ اغْتَرَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِظاهِرِ كَلامِهِ فاعْتَقَدُوهُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ فَضَّلُوا وأضَلُّوا ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ فَلَمْ يَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ ﴾ فَلا يَقْدِرُونَ أنْ يَرْفَعُوا رُؤُوسَهُمُ المُنْتَكِسَةَ إلى النَّظَرِ في الآياتِ ﴿ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لِعِظَمِ ما أتَوْا بِهِ ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ بِمُناسَبَةِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلشَّرِّ ﴿ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ ﴾ عُقُوبَةُ أمْثالِهِمْ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ أنْفُسَهم بِاكْتِسابِ الأُمُورِ الحاجِبَةِ لَهم عَنِ النُّورِ ولَمْ تَرْسُخْ فِيهِمْ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ لِمَن رَسَخَتْ فِيهِ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِعَمى بَصائِرِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ الآياتِ الشّاهِدَةِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ ما عَلَيْكَ إلّا إنْذارُهم لا هِدايَتُهم ﴿ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ هو اللَّهُ تَعالى وقِيلَ: لِكُلِّ طائِفَةٍ شَيْخٌ يُعَرِّفُهم طَرِيقَ الحَقِّ ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَحْمِلُ أُنْثى النَّفْسِ مِن ولَدِ الكَمالِ أيْ ما في قُوَّةِ كُلِّ اسْتِعْدادٍ ﴿ وما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ أيْ تَنْقُصُ أرْحامُ الِاسْتِعْدادِ بِتَرْكِ النَّفْسِ وهَواها ﴿ وما تَزْدادُ ﴾ بِالتَّزْكِيَةِ وبَرَكَةِ الصُّحْبَةِ ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الكَمالاتِ ﴿ عِنْدَهُ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ مُعَيَّنٍ عَلى حَسَبِ القابِلِيَّةِ ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ﴾ في مَكْمَنِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ ومَن جَهَرَ بِهِ ﴾ بِإبْرازِهِ إلى الفِعْلِ ﴿ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ﴾ ظَلَمَةِ ظُلْمِهِ نَفْسَهُ ﴿ وسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ بِخُرُوجِهِ مِن مَقامِ النَّفْسِ وذَهابِهِ في نَهارِ نُورِ الرُّوحِ ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى سَوابِقِ الرَّحْمَةِ الحافِظَةِ لَهُ مِن خاطِفاتِ الغَضَبِ أوِ الإمْداداتِ المَلَكُوتِيَّةِ الحافِظَةِ لَهُ مِن جِنِّ القُوى الخَيالِيَّةِ والوَهْمِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ وإهْلاكِها إيّاهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ أوِ الباطِنَةِ ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ مِنَ الِاسْتِعْدادِ وقُوَّةِ القَبُولِ قالَ النَّصْرُ آبادِي: إنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ لَكِنَّ مُناقَشَةَ الخَواصِّ فَوْقَ مُناقَشَةِ العَوامِّ وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الفَأْرَةَ مَزَّقَتْ خُفِّيَ وما أعْلَمُ ذَلِكَ إلّا بِذَنْبٍ أحْدَثْتُهُ وإلّا لَما سَلَّطَها عَلَيَّ وتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: .
لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مُنْ ذُهَلَ بْنِ شَيْبانا ﴿ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ إذِ الكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ قالَ القاسِمُ: إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى هَلاكَ قَوْمٍ حَسَّنَ مَوارِدَهُ في أعْيُنِهِمْ حَتّى يَمْشُونَ إلَيْها بِتَدْبِيرِهِمْ وأرْجُلِهِمْ ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ: .
إذا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتى ∗∗∗ فَأوَّلُ ما يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ أيْ بَرْقَ لَوامِعِ الأنْوارِ القُدُسِيَّةِ ﴿ خَوْفًا ﴾ خائِفِينَ مِن سُرْعَةِ انْقِضائِهِ أوْ بُطْءِ رُجُوعِهِ ﴿ وطَمَعًا ﴾ طامِعِينَ في ثَباتِهِ أوْ سُرْعَةِ رُجُوعِهِ ﴿ ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ﴾ بِماءِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ وقِيلَ: يُرِي المُحِبِّينَ بَرْقَ المُكاشَفَةِ ويُنْشِئُ لِلْعارِفِينَ سَحابَ العَظَمَةِ الثِّقالَ بِماءِ الهَيْبَةِ فَيُمْطِرُ عَلَيْهِمْ ما يُحْيِيهِمْ بِهِ الحَياةَ الَّتِي لا تُشْبِهُها حَياةٌ وأنْشَدُوا لِلشِّبْلِيِّ: .
أظَلَّتْ عَلَيْنا مِنكَ يَوْمًا غَمامَةٌ ∗∗∗ أضاءَتْ لَنا بَرْقًا وأبْطَأ رَشاشُها فَلا غَيْمُها يَصْحُو فَيَيْأسُ طامِعٌ ∗∗∗ ولا غَيْثُها يَأْتِي فَيُرْوى عِطاشُها وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ البَرْقَ إشارَةٌ إلى التَّجَلِّياتِ البَرْقِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِأرْبابِ الأحْوالِ وأشْهَرُ التَّجَلِّياتِ في تَشْبِيهِهِ بِالبَرْقِ التَّجَلِّي الذّاتِيُّ وأنْشَدُوا: .
ما كانَ ما أوْلَيْتَ مِن وصْلِنا ∗∗∗ إلّا سِراجًا لاحَ ثُمَّ انْطَفى وذَكَرَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في المَكْتُوباتِ أنَّ التَّجَلِّيَ الذّاتِيَّ دائِمِيٌّ لِلْكامِلِينَ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ لا بَرْقِيٌّ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ مُخالِفًا لِكِبارِ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ كالشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَيْرِهِ والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّجَلِّي الذّاتِيِّ لَيْسَ هو الَّذِي ذَكَرُوا أنَّهُ بَرْقِيٌّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُ وكَلامَهم ﴿ ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ ﴾ أيْ رَعْدُ سَطْوَةِ التَّجَلِّياتِ الجَلالِيَّةِ ويُمَجِّدُ اللَّهَ تَعالى عَمّا يَتَصَوَّرُهُ العَقْلُ مُلْتَبِسًا ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ وإثْباتِ ما يَنْبَغِي لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿ مِن خِيفَتِهِ ﴾ مِن هَيْبَةِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ ﴾ هي صَواعِقُ السُّبُحاتِ الإلَهِيَّةِ عِنْدَ تَجَلِّي القَهْرِ الحَقِيقِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلُّطْفِ الكُلِّيِّ ﴿ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ ﴾ فَيَحْرُقُهُ عَنْ بَقِيَّةِ نَفْسِهِ وفي الخَبَرِ إنَّ لِلَّهِ تَعالى سَبْعِينَ ألْفَ حِجابٍ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَها لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ وقالَ ابْنُ الزِّنْجانِيِّ: الرَّعْدُ صَعَقاتُ المَلائِكَةِ والبَرْقُ ذَفِراتُ أفْئِدَتِهِمْ والمَطَرُ بُكاؤُهم وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا مِن بِدَعِ المُتَصَوِّفَةِ وكَأنِّي بِكَ تَقُولُ: إنَّ أكْثَرَ ما ذُكِرَ في بابِ الإشارَةِ مِن هَذا الكِتابِ مِن هَذا القَبِيلِ والجَوابُ إنّا لا نَدَّعِي إلّا الإشارَةَ وأمّا أنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ أوْ مُرادُ اللَّهِ تَعالى فَمَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِن أنْ يَمُرَّ بِفِكْرِي واعْتِقادُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ والجَهْلُ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ وقَدْ نَصَّ المُحَقِّقُونَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ عَلى أنَّ مُعْتَقِدَ ذَلِكَ كافِرٌ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ولَعَلَّكَ تَقُولُ: كانَ الأوْلى مَعَ هَذا تَرْكَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ مَن هو خَيْرٌ مِنّا والوَجْهُ في ذِكْرِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ لَوْ أنْصَفْتَ ﴿ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ بِالتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ والنَّظَرِ لِلْوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ صِفاتِهِ ﴿ وهُوَ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ في دَفْعِ الأفْكارِ والأنْظارِ عَنْ حَرَمِ ذاتِهِ وحِمى صِفاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ: .
هَيْهاتَ أنْ تَصْطادَ عَنْقاءَ البَقا بِلُعابِهِنَّ عَناكِبُ الأفْكارِ ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ أيِ الحَقَّةُ الحَقِيقَةُ بِالإجابَةِ لا لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ الأصْنامَ ﴿ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ ﴾ أيْ إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ مَن ذُكِرَ لِأنَّ ما يَدْعُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القُدْرَةِ ﴿ وما دُعاءُ الكافِرِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ ضَياعٍ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا لَهُ الحَقُّ وإنَّما يَدْعُونَ إلَهًا تَوَهَّمُوهُ ونَحَتُوهُ في خَيالِهِمْ ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ يَنْقادُ ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ الحَقائِقِ والرُّوحانِيّاتِ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ شاؤُوا أوْ أبَوْا ﴿ وظِلالُهُمْ ﴾ هَياكِلُهم ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ أيْ دائِمًا وقِيلَ: يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ وهو الرُّوحُ والعَقْلُ والقَلْبُ وسُجُودُهم طَوْعًا ومَن في الأرْضِ النَّفْسُ وقُواها وسُجُودُهم كَرْهًا وقِيلَ: السّاجِدُونَ طَوْعًا أهْلُ الكَشْفِ والشُّهُودُ والسّاجِدُونَ كَرْهًا أهْلُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ مِن سَماءِ رُوحِ القُدُسِ ﴿ ماءً ﴾ أيْ ماءَ العِلْمِ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ أيْ أوْدِيَةُ القُلُوبِ ﴿ بِقَدَرِها ﴾ بِقَدَرِ اسْتِعْدادِها ﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا ﴾ مِن خَبَثِ صِفاتِ أرْضِ النَّفْسِ ﴿ رابِيًا ﴾ طافِيًا عَلى ذَلِكَ ﴿ ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ﴾ نارِ العِشْقِ مِنَ المَعارِفِ والكُشُوفِ والحَقائِقِ والمَعانِي الَّتِي تُهَيِّجُ العِشْقَ ﴿ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ﴾ طَلَبَ زِينَةِ النَّفْسِ لِكَوْنِها كَمالاتٍ لَها ﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ مِنَ الفَضائِلِ الخُلُقِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبِها فَإنَّها مِمّا تَتَمَتَّعُ بِهِ النَّفْسُ ما ﴿ زَبَدٌ ﴾ خَبَثٌ ﴿ مِثْلُهُ ﴾ كالنَّظَرِ إلَيْها ورُؤْيَتِها والإعْجابِ بِها وسائِرُ ما يُعَدُّ مِن آفاتِ النَّفْسِ ﴿ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ مَنفِيًّا بِالعِلْمِ ﴿ وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ مِنَ المَعانِي الحَقَّةِ والفَضائِلِ الخالِصَةِ ﴿ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ ﴾ أرْضِ النَّفْسِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى شَبَّهَ ما يَنْزِلُ مِن مِياهِ بِحارِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ إلى قُلُوبِ المُوَحِّدِينَ والعارِفِينَ والمُكاشِفِينَ والمُرِيدِينَ بِما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأوْدِيَةِ فَكَما تَحْمِلُ الأوْدِيَةُ حَسَبَ اخْتِلافِها ماءَ المَطَرِ تَحْمِلُ تِلْكَ القُلُوبُ مِياهَ هاتِيكِ البِحارِ حَسَبَ اخْتِلافِ حَواصِلِها وأقارِّ اسْتِعْداداتِها في المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ وكَما أنَّ قَطَراتِ الأمْطارِ تَكُونُ في الأوْدِيَةِ سَيْلًا فَيَحْتَمِلُ السَّيْلُ زَبَدًا وحُثالَةً وما يَكُونُ مانِعًا مِنَ الجَرَيانِ يَكُونُ تَواتُرُ أنْوارِ الحَقِّ سُبْحانَهُ سَيْلَ المَعارِفِ والكُشُوفاتِ فَيَسِيلُ في أوْدِيَةِ القُلُوبِ فَيَحْتَمِلُ مِن أوْصافِ البَشَرِيَّةِ وما دُونَ الحَقِّ الَّذِي يَمْنَعُ القُلُوبَ مِن رُؤْيَةِ الغُيُوبِ ما يَحْتَمِلُهُ فَيَذْهَبُ جُفاءً فَتَصِيرُ حِينَئِذٍ مُقَدَّسَةً عَنْ زَبَدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ والنِّفاقِ والخَواطِرِ المَذْمُومَةِ وتَبْقى سائِحَةً في أنْوارِ الأزَلِ والأبَدِ بِلا مانِعٍ مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى وشَبَّهَ سُبْحانَهُ أعْمالَ الظّاهِرِ والباطِنِ وما يَنْفَتِحُ بِمَفاتِيحِها مِنَ الغَيْبِ بِجَواهِرِ الأرْضِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما إذا أُذِيبا لِلِانْتِفاعِ بِهِما وبَيَّنَ تَعالى أنَّ لَهُما زَبَدًا مِثْلَ زَبَدِ السَّيْلِ وأنَّهُ يَذْهَبُ ويَمْكُثُ أصْلُهُما الصّافِي فَكَذَلِكَ أعْمالُ الظّاهِرِ والباطِنِ تَدْخُلُ في بُودَقَةِ الإخْلاصِ ويُوقَدُ عَلَيْهِما نِيرانُ الِامْتِحانِ فَيَذْهَبُ ما فِيهِ حَظُّ النَّفْسِ ويَبْقى ما هو خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى وهَكَذا الخَواطِرُ يَبْقى مِنها خاطِرُ الحَقِّ ويَضْمَحِلُّ سَرِيعًا خاطِرُ الباطِلِ وعَنْ بَعْضِهِمُ القُلُوبُ أوْعِيَةٌ وفِيها أوْدِيَةٌ فَقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ التَّوْبَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الرَّحْمَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الخَوْفِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الرَّجاءِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ المَعْرِفَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الأُنْسِ وكُلُّ ماءٍ مِن هَذِهِ المِياهِ يُنْبِتُ في القَلْبِ نَوْعًا مِنَ القُرْبَةِ والقُرَبُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومِنَ القُلُوبِ ما حُرِمَ ذَلِكَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ ..
إلَخْ يُرِيدُ بِالماءِ الشَّرْعَ والدِّينَ وبِالأوْدِيَةِ القُلُوبَ ومَعْنى سَيَلانِها بِقَدَرِها أخْذُ النَّبِيلِ بِحَظِّهِ والبَلِيدِ بِحَظِّهِ ثُمَّ قالَ: وهَذا قَوْلًا لا يَصِحُّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ عَنِابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يَنْحُو إلى قَوْلِ أصْحابِ الرُّمُوزِ قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الغَزالِيُّ وأهْلُ ذَلِكَ الطَّرِيقِ وفِيهِ إخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ مَفْهُومِ كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ داعٍ إلى ذَلِكَ وإنَّ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيُقالُ فِيهِ: إنَّما قَصَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مَعْناهُ الحَقُّ الَّذِي يَتَقَرَّرُ في القُلُوبِ والباطِلُ الَّذِي يَعْتَرِيها.
اهَـ.
ونَحْنُ نَقُولُ: إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَمَقْصُودُ الحَبْرِ مِنهُ الإشارَةُ وإنْ كانَ يُرِيدُ غَيْرَ ظاهِرٍ فِيهِ وحُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أشَدُّ النّاسِ عَلى أهْلِ الرُّمُوزِ القائِلِينَ بِأنَّ الظّاهِرَ لَيْسَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى كَما لا يَخْفى عَلى مُتَتَبِّعِي كَلامِهِ وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ النّاسِ أنَّ أهْلَ الكِيمْياءِ تَكَلَّمُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما يُوافِقُ غَرَضَهم ولَمْ أقِفْ عَلى ذَلِكَ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ بِتَصْفِيَةِ الِاسْتِعْدادِ عَنْ كُدُوراتِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ الحُسْنى ﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهو الكَمالُ الفائِضُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الصَّفاءِ ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ تَعالى وبَقُوا فِي الرَّذائِلِ البَشَرِيَّةِ والكُدُوراتِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ ﴾ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ مِنَ الأمْوالِ والأسْبابِ الَّتِي انْجَذَبُوا إلَيْها بِالمَحَبَّةِ فَأهْلَكُوا أنْفُسَهم بِها ﴿ ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ مِمّا يَنالُهم مِنَ الحِجابِ والحِرْمانِ ﴿ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الأفْعالِ في مَقامِ النَّفْسِ ﴿ ومَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ الحِرْمانُ ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ جَهَنَّمُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ونَسْألُهُ العَفُوَّ والعافِيَةَ <div class="verse-tafsir"
ثم قال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى يعني: للذين أجابوا ربهم بالطاعات في الدنيا، لهم الجنة في الآخرة.
ثم قال: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ يعني: لم يجيبوه، ولم يطيعوه في الدنيا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يوم القيامة وَمِثْلَهُ مَعَهُ يعني: وضعفه معه لَافْتَدَوْا بِهِ يقول: لفادوا به أنفسهم مِن العذاب، ولو فادوا به لا يقبل منهم أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ يعني: شديد العقاب.
ويقال: سُوءُ الْحِسابِ المناقشة في الحساب.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: أتدرون ما سوء الحساب؟
قالوا لا.
قال هو الذنب يحاسب عليه العبد ثم لا يغفر له.
وعن الحسن أنه سئل عن سوء الحساب قال: يؤخذ العبد بذنوبه كلها فلا يغفر له منها ذنب.
ثم قال: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي: مصيرهم ومرجعهم إلى جهنم وَبِئْسَ الْمِهادُ يعني: الفراش من النار، ويقال: بئس موضع القرار في النار.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: وَالَّذِينَ: يراد به ما عُبِدَ من دون اللَّه، والضَّمير في يَدْعُونَ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، ومعنى الكَلاَمِ: والذين يدعونهم الكفَّارُ في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبونهم بِشَيْءٍ إِلاَّ، ثُمَّ مَثَّلَ سبحانه مثالاً لإِجابتهم بالذي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نحو الماء، ويشير إِليه بالإِقبال إِلى فيه، فلا/ يبلغ فَمَهُ أَبداً، فكذلك إِجابة هؤلاء والانتفاعُ بهم لا يَقَعُ.
وقوله: هُوَ: يريد به الماءَ، وهو البالغُ، والضمير في بِبالِغِهِ للفم، ويصحُّ أنْ يكون هو يراد به الفم، وهو البالغ أيضا، والضمير في بِبالِغِهِ للماء لأن الفم لا يَبْلُغ الماء أبداً على تلك الحال، ثم أخبر سبحانه عن دعاءِ الكافرين أنه في انتلاف وضلالٍ لا يفيد.
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية: تنبيهٌ على قدرته وعظمته سبحانه، وتسخيرِ الأشياءِ له، والطَّعْنِ على الكفَّار التارِكِينَ للسّجود، ومَنْ:
تَقَعُ على الملائكةِ عموماً، و «سُجُودُهُمْ» : طوع، وأما أهْلُ الأرض، فالمؤمنون داخلُونَ في مَنْ، وسجودُهم أيضاً طَوْع، وأما سجودُ الكَفَرة، فهو الكَرْه، وذلك على معنيين، فإِن جعلنا السجُودَ هذه الهيئة المعهودَةَ، فالمراد من الكَفَرَة مَنْ أسلم، خَوْفَ سيفِ الإِسلام كما قاله قتادة «١» ، وإِن جعلنا السُّجود الخضُوعَ والتذلُّل، حَسَب ما هو في اللغة، فيدخلُ الكفَّار أجمعون في مَنْ لأنه ليس من كافرٍ إِلا ويلحقه من التذلُّل والاستكانة لقدرة اللَّه تعالى أنواعٌ أكثر من أنْ تحصَى بحسب رَزَايَاهُ، واعتباراته.
وقوله سبحانه: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: إِخبار عن أنّ الظّلال لها سجود لله
تعالى كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ...
الآية [النحل: ٤٨] ، وقال مجاهد: ظلُّ الكافر يسجُدُ طوعاً، وهو كاره «١» ورُوِيَ أن الكافر إِذا سَجَد لصنمه، فإِن ظلَّه يسجُدُ للَّهِ حينئذٍ، وباقي الآية بيِّن، ثم مَثَّل الكفَّار والمؤمنين بقوله:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وشبه الكافر بالأعمى، والكُفْرَ بالظلماتِ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ، والإِيمان بالنور.
وقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: لفظ عامٌّ يراد به الخصوصُ كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع.
وقوله سبحانه: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآءً: يريد به المَطَرَ، فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها:
«الأودية» : ما بين الجبالِ مِنَ الانخفاض والخَنَادِقِ، وقوله: بِقَدَرِها: يحتمل أنْ يريد بما قُدِّرَ لها من الماءِ، ويحتمل أنْ يريد بقَدْر ما تحمله على قَدْر صغرها وكِبَرها.
ت: وقوله: فَاحْتَمَلَ بمعنى: حمل، كاقتدر وقدر قاله [ص] .
والزَّبَدُ ما يحمله السيْلُ من غُثَاء ونحوه، و «الرابِي» : المنتفخ الذي قَدْ ربا، ومنه الرَّبْوَة.
وقوله سبحانه: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ: المعنَى:
ومن الأشياء التي توقِدُونَ عليها ابتغاءَ الحُلِيِّ، وهي الذَهَبُ والفضَّة، أو ابتغاء الاستمتاع بها في المرافِقِ، وهي الحديدُ والرَّصَاصُ والنُّحَاسُ ونحوها من الأشياء التي تُوقِدُونَ عليها، فأخبر تعالَى أنَّ من هذه أَيضاً إِذا أحمي علَيْها يكونُ لها زَبَدَ مماثِلٌ للزَّبَد الذي يحملُه السَّيْل، ثم ضرب سبحانه ذلك مثَلاً للحقِّ والباطِلِ، أي: إِن الماء الذي/ تشربه الأرْضُ من السيل، فيقَعُ النفْعُ به هو كالحَقِّ، والزَّبَد الذي يخمد وينفش ويَذْهَب هو كالبَاطِلِ، وكذلك ما يخلص من الذَّهَبَ والفضَّة والحديد ونحوه هو كالحَقِّ، وما يذهَبُ في الدُّخَان هو كالبَاطِلِ.
وقوله: جُفاءً: مصدر من قولهم: «أَجْفَأَتِ القدْرُ» إِذا غلَتْ حتى خَرَجَ زَبَدُها وذهب.
وقال ص: جُفاءً: حال، أي: مضمحلاًّ متلاشيا، أبو البقاء: وهمزته منقلبة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ ﴾ وهي جَمْعُ وادٍ، وهو كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ ماءُ المَطَرِ فَيَسِيلُ ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ: بِمَبْلَغِ ما تَحْمِلُ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي، قَلَّ الماءُ، وإنْ هو اتَّسَعَ، كَثُرَ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " بِقَدَرِها " بِإسْكانِ الدّالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ ﴾ تَوَسُّعٌ في الكَلامِ، والمَعْنى: سالَتْ مِياهُها، فَحُذِفَ المُضافُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ: بِقَدَرِ مِياهِها.
﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ﴾ أيْ: عالِيًا فَوْقَ الماءِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " بِالتّاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِما قَبْلَهُ مِنَ الخِطابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ أفاتَّخَذْتُمْ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِلْكافَّةِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ذِكْرَ الغَيْبَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " ما يَدْخُلُ إلى النّارِ فَيُذابُ مِنَ الجَواهِرِ " ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ " يَعْنِي: الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ والصُّفْرَ والنُّحاسَ والرُّصاصَ تُتَّخَذُ مِنهُ الأوانِي والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، ﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ أيْ: لَهُ زَبَدٌ إذا أُذِيبَ مِثْلَ زَبَدٍ السَّيْلِ، فَهَذا مَثَلٌ آخَرُ.
وَفِيما ضُرِبَ لَهُ هَذانِ المَثَلانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، شَبَّهَ نُزُولَهُ مِنَ السَّماءِ بِالماءِ، وشَبَّهَ قُلُوبَ العِبادِ بِالأوْدِيَةِ تَحْمِلُ مِنهُ عَلى قَدْرِ اليَقِينِ والشَّكِّ، والعَقْلِ والجَهْلِ، فَيَسْتَكِنُّ فِيها، فَيَنْتَفِعُ المُؤْمِنُ بِما في قَلْبِهِ كانْتِفاعِ الأرْضِ الَّتِي يَسْتَقِرُّ فِيها المَطَرُ، ولا يَنْتَفِعُ الكافِرُ بِالقُرْآنِ لِمَكانِ شَكِّهِ وكُفْرِهِ، فَيَكُونُ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ القُرْآنِ كالزَّبَدِ وكَخَبَثِ الحَدِيدِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ والباطِلُ، فالحَقُّ شُبِّهَ بِالماءِ الباقِي الصّافِي، والباطِلُ مُشَبَّهٌ بِالزَّبَدِ الذّاهِبِ، فَهو وإنْ عَلا عَلى الماءِ فَإنَّهُ سَيُمْحَقُ، كَذَلِكَ الباطِلُ، وإنْ ظَهَرَ عَلى الحَقِّ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَمَثَلُ المُؤْمِنِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالماءِ المُنْتَفِعِ بِهِ، ومَثَلُ الكافِرِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالزَّبَدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما ذُكِرَ هَذا، يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الحَقِّ والباطِلِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كَذَلِكَ يُمَثِّلُ اللَّهُ الحَقَّ ويُمَثِّلُ الباطِلَ.
فَأمّا الجُفاءُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو ما رَمى بِهِ الوادِي إلى جَنَباتِهِ، يُقالُ: أجَفَأتِ القِدْرُ بِزَبَدِها: إذا ألْقَتْهُ عَنْها.
قالَ ابْنُ فارِسٍ: الجُفاءُ: ما نَفاهُ السَّيْلُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ الجَفاءِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿ جُفاءً ﴾ أيْ: بالِيًا مُتَفَرِّقًا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مُسَّ الزَّبَدُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ مِنَ الماءِ والجَواهِرِ الَّتِي زالَ زَبَدُها ﴿ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ ﴾ فَيُنْتَفَعُ بِهِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ يَبْقى الحَقُّ لِأهْلِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ، ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اسْتَجَبْتُ لَكَ واسْتَجَبْتُكَ سَواءٌ، وهو بِمَعْنى: أجَبْتُ.
وَفِي الحُسْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّها الحَياةُ والرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ الجَنَّةِ فَما دُونَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ أيْ: لَجَعَلُوهُ فِداءَ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يُقْبَلُ مِنهم.
وفي سُوءِ الحِسابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها المُناقَشَةُ بِالأعْمالِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: هو أنْ يُحاسَبَ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، فَلا يُغْفَرُ لَهُ مِنهُ شَيْءٌ.
والثّانِي: أنْ لا تُقْبَلَ مِنهم حَسَنَةٌ، ولا يُتَجاوَزُ لَهم عَنْ سَيِّئَةٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ عِنْدَ الحِسابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَسالَتْ أودِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أو مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ ﴾ صَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِهِ، ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ جَعَلَهُ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ، والإيمانِ والكُفْرِ والشَكِّ في الشَرْعِ واليَقِينِ بِهِ.
"ماءً": يُرِيدُ بِهِ المَطَرَ، و"الأودِيَةُ": ما بَيْنَ الجِبالِ مِنَ الِانْخِفاضِ والخَنادِقِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "بِقَدَرِها" يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِما قَدَّرَ لَها مِنَ الماءِ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ ما تَحْمِلُهُ عَلى قَدْرِ صِغَرِها وكِبَرِها وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بِقَدَرِها" بِفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ بِسُكُونِها.
و"الزَبَدُ": ما يَحْمِلُهُ السَيْلُ مِن غُثاءٍ ونَحْوِهُ وما يَرْمِي بِهِ ضِفَّتَيْهِ مِنَ الحَبابِ المُلْتَبِكِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: والبَحْرُ حِينَ تَهُبُّ الرِيحُ شامِيَّةً ∗∗∗ فَباطِلٌ ويَرْمِي العِبْرَ بِالزَبَدِ و"الرابِي": المُنْتَفِخُ الَّذِي قَدْ رَبا، ومِنهُ الرَبْوَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمِمّا" خَبَرُ ابْتِداءٍ، والِابْتِداءُ قَوْلُهُ: "زَبَدٌ" و"مِثْلَهُ" نَعْتٌ لِـ "الزَبَدُ"، والمَعْنى: ومِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوقِدُونَ عَلَيْها ابْتِغاءَ الحُلِيِّ -وَهِيَ الذَهَبُ والفِضَّةُ- ابْتِغاءَ الِاسْتِمْتاعِ بِما في المَرافِقِ -وَهِيَ الحَدِيدُ والرَصاصُ والنُحاسُ ونَحْوُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوقِدُونَ عَلَيْها، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ مِن هَذِهِ أيْضًا -إذا أُحْمِي عَلَيْها- يَكُونُ زَبَدٌ مُماثِلٌ لِلزَّبَدِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى ذَلِكَ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ، أيْ أنَّ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُهُ الأرْضُ فَيَقَعُ النَفْعُ بِهِ هو كالحَقِّ، والزَبَدَ الَّذِي يَجْفُو ويَنْفِشُ ويَذْهَبُ هو كالباطِلِ، وكَذَلِكَ ما يَخْلُصُ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ ونَحْوِها هو كالحَقِّ، وما يَذْهَبُ في الدُخانِ هو كالباطِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِي النارِ ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كائِنًا كَذا، قالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: ومَنَعُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "يُوقِدُونَ" لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النارِ، وتَعْلِيقُ حَرْفِ الجَرِّ بِـ "يُوقِدُونَ" يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ حالٍ مِن حالٍ أُخْرى.
وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ إلى تَعَلُّقِهِ بِـ "يُوقِدُونَ"، وقالَ: قَدْ يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ ولَيْسَ في النارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ ﴾ فَذَلِكَ البِناءُ الَّذِي أمَرَ بِهِ يُوقَدُ عَلَيْهِ ولَيْسَ في النارِ لَكِنْ يُصِيبُهُ لَهَبُها.
وقَوْلُهُ: "جُفاءً" مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: "جَفَأتِ القِدْرُ" إذا غَلَتْ حَتّى خَرَجَ زَبَدُها وذَهَبَ.
وقَرَأ رُؤْبَةُ: "جُفالًا" مِن قَوْلِهِمْ: "جَفَلَتِ الرِيحُ السَحابَ" إذا حَمَلَتْهُ وفَرَّقَتْهُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْتَبَرُ قِراءَةُ الأعْرابِ في القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَنْفَعُ الناسَ ﴾ يُرِيدُ الخالِصَ مِنَ الماءِ ومِن تِلْكَ الأحْجارِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمُ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ: "تُوقِدُونَ" بِالتاءِ، أيْ أنْتُمْ أيُّها المُوقِدُونَ، وهي صِفَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ الناسِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، ويَحْيى، وأهْلُ الكُوفَةِ "يُوقِدُونَ" بِالياءِ، عَلى الإشارَةِ إلى الناسِ.
و"جُفاءً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الشَرْعَ والدِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَسالَتْ أودِيَةٌ ﴾ يُرِيدُ بِهِ القُلُوبَ، أيْ: أخَذَ النَبِيلُ بِحَظِّهِ والبَلِيدُ بِحَظِّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ واللهُ أعْلَمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يَنْحُو إلى أقْوالِ أصْحابِ الرُمُوزِ، وقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الغَزالِيُّ وأهْلُ ذَلِكَ الطَرِيقِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِ اللَفْظِ عن مَفْهُومِ كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ، وإنَّ صَحَّ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّما قَصَدَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مَعْناهُ: الحَقُّ الَّذِي يَتَقَرَّرُ في القُلُوبِ، والباطِلُ: الَّذِي يَعْتَرِيها.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني لجملة ﴿ كذلك يضرب الله الأمثال ﴾ ، أي فائدة هذه الأمثال أن للذين استجابوا لربهم حين يضربها لهم الحسنى إلى آخره.
فمناسبته لما تقدم من التمثيلين أنهما عائدان إلى أحوال المسلمين والمشركين.
ففي ذكر هذه الجملة زيادة تنبيه للتمثيل وللغرض منه مع ما في ذلك من جزاء الفريقين لأن المؤمنين استجابوا لله بما عقلوا الأمثال فجوزوا بالحسنى، وأما المشركون فأعرضوا ولم يعقلوا الأمثال، قال تعالى: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ [سورة العنكبوت: 43]، فكان جزاؤهم عذاباً عظيماً وهو سوء الحساب الذي عاقبته المصير إلى جهنم.
فمعنى استجابوا لربهم } استجابوا لدعوته بما تضمنه المثل السابق وغيره.
وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ مبتدأ و ﴿ للذين استجابوا ﴾ خبره.
وفي العدول إلى الموصولين وصلتيهما في قوله: ﴿ للذين استجابوا ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا ﴾ إيماء إلى أن الصلتين سببان لما حصل للفريقين.
وتقديم المسند في قوله: ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ لأنه الأهم لأن الغرض التنويه بشأن الذين استجابوا مع جعل الحسنى في مرتبة المسند إليه، وفي ذلك تنويه بها أيضاً.
وأما الخبر عن وعيد الذين لم يستجيبوا فقد أجري على أصل نظم الكلام في التقديم والتأخير لقلة الاكتراث بهم.
وتقدم نظير قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ﴾ في سورة العقود (36).
وأتي باسم الإشارة في أولئك لهم سوء الحساب} للتنبيه على أنهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الصلة.
و ﴿ سوء الحساب ﴾ ما يحف بالحساب من إغلاظ وإهانة للمحساب.
وأما أصل الحساب فهو حسن لأنه عدل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِما قَدَّرَ لَها مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ.
الثّانِي: يَعْنِي: الصَّغِيرُ مِنَ الأوْدِيَةِ سالَ بِقَدْرِ صِغَرِهِ، والكَبِيرُ مِنها سالَ بِقَدْرِ كِبَرِهِ.
وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْقُرْآنِ وما يَدْخُلُ مِنهُ في القُلُوبِ، فَشَبَّهَ القُرْآنَ بِالمَطَرِ لِعُمُومِ خَيْرِهِ وبَقاءِ نَفْعِهِ، وشَبَّهَ القُلُوبَ بِالأوْدِيَةِ يَدْخُلُ فِيها مِنَ القُرْآنِ مِثْلُ ما يَدْخُلُ في الأوْدِيَةِ مِنَ الماءِ بِحَسَبِ سِعَتِها وضِيقِها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ أيْ قُرْآنًا ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ﴾ قالَ: الأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ.
﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ﴾ الرّابِي: المُرْتَفِعُ.
وَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْحَقِّ والباطِلِ، فالحَقُّ مُمَثَّلٌ بِالماءِ الَّذِي يَبْقى في الأرْضِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ، والباطِلُ مُمَثَّلٌ بِالزَّبَدِ الَّذِي يَذْهَبُ جُفاءً لا يُنْتَفَعُ بِهِ.
ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا ثانِيًا بِالنّارِ فَقالَ ﴿ وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ﴾ يَعْنِي الذَّهَبَ والفِضَّةَ.
﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ يَعْنِي الصُّفْرَ والنُّحاسَ.
﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إذا سُبِكَ بِالنّارِ كانَ لَهُ خَبَثٌ كالزَّبَدِ الَّذِي عَلى الماءِ يَذْهَبُ فَلا يُنْتَفَعُ بِهِ كالباطِلِ، ويَبْقى صَفْوَةٌ فَيُنْتَفَعُ بِهِ كالحَقِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُنْشَقًّا قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
الثّانِي: جافِيًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: مَرْمِيًّا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وَحَكى أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ سَمِعَ رُؤْبَةَ يَقْرَأُ: جِفالًا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أجْفَلَتِ القِدْرُ إذا قَذَفَتْ بِزَبَدِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء...
﴾ الآية قال: هذا مثل ضربه الله تعالى احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك، فما ينفع معه العمل.
وأما اليقين، فينفع الله به أهله.
وهو قوله: ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ وهو اليقين، كما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه به ويترك خبيثه في النار، كذلك يقبل الله تعالى اليقين ويترك الشك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الصغير، قدر صغيره.
والكبير، قدر كبيره.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: هذا مثل ضربه الله تعالى بين الحق والباطل، يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة، ومما توقدون عليه في النار فهو الذهب والقضة والحلية والمتاع النحاس والحديد، وللنحاس والحديد خبث، فجعل الله تعالى مثل خبثه كمثل زبد الماء، فأما ما ينفع الناس، فالذهب والفضة.
وأما ما ينفع الأرض، فما شربت من الماء فأنبتت.
فجعل ذلك مثل العمل الصالح الذي يبقى لأهله.
والعمل السيء يضمحل من محله، فما يذهب هذا الزبد، فذلك الهدى والحق جاء من عند الله تعالى، فمن عمل بالحق كان له.
وما بقي كما يبقى، ما ينفع الناس في الأرض.
وكذلك الحديد، لا يستطيع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل النار، فتأكل خبثه فيخرج جيده فينتفع به، كذلك يضمحل الباطل، وإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيرفع الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح من طريق مرة، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها...
﴾ الآية.
قال: فمر السيل على رأسه من التراب والغثاء حتى استقر في القرار وعليه الزبد، فضربته الريح فذهب الزبد جفاء إلى جوانبه فيبس فلم ينفع أحداً، وبقي الماء الذي ينتفع به الناس، فشربوا منه وسقوا أنعامهم.
فكما ذهب الزبد فلم ينفع، فكذلك الباطل يضمحل يوم القيامة فلا ينفع أهله، وكما نفع الماء فكذلك ينفع الحق أهله.
هذا مثل ضربه الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ حتى جرى الوادي وامتلأ بقدر ما يحمل ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: زبد الماء.
﴿ ومما يوقدون عليه في النار ﴾ قال: زبد ما توقدون عليه من ذلك حلية، وما سقط فهو مثل زبد الماء، وهو مثل ضرب للحق والباطل.
فأما خبث الحديد والذهب وزبد الماء فهو الباطل، وما تصنعوا من الحلية والماء والحديد فمثل الحق.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عطاء رضي الله عنه قال: ضرب الله تعالى مثل الحق والباطل.
فضرب مثل الحق، السيل الذي يمكث في الأرض فينتفع الناس به.
ومثل الباطل، مثل الزبد الذي لا ينفع الناس.
ومثل الحق، مثل الحلي الذي يجعل في النار، فما خلص منه انتفع به أهله.
وما خبث منه، فهو مثل الباطل علم أن لا ينفع الزبد، وخبث الحلي أهله، فكذلك الباطل لا ينفع أهله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الصغير بصغيره، والكبير بكبره، ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: عالياً ﴿ ومما يوقدون...
﴾ إلى قوله: ﴿ فيذهب جفاء ﴾ والجفاء، ما يتعلق بالشجر ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا يرجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله.
وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وربت بركته وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحق لأهله.
وقوله: ﴿ ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية ﴾ كما يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل النار، كذلك فيذهب خبثه، كذلك يبقى الحق لأهله.
وكما اضمحل خبث هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار، كذلك يضمحل الباطل عن أهله.
وقوله: ﴿ أو متاع زبد مثله ﴾ يقول هذا الحديد وهذا الصفر حين دخل النار وذهبت بخبثه، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الكبير بقدره والصغير بقدره ﴿ زبداً رابياً ﴾ قال: ربا فوق الماء الزبد ﴿ ومما توقدون عليه في النار ﴾ قال: هو الذهب، إذا ادخل النار بقي صفوه وذهب ما كان فيه من كدر.
وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ يتعلق بالشجر ولا يكون شيئاً، هذا مثل الباطل ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ هذا يخرج النبات، وهذا مثل الحق ﴿ أو متاع زبد مثله...
﴾ قال: المتاع الصفر والحديد.
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: بملئها ما أطاقت ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: انقضى الكلام، ثم استقبل فقال: ﴿ ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ﴾ قال: المتاع الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه ﴿ زبد مثله ﴾ قال: خبث ذلك الحديد، والحلية مثل زبد السيل ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من الماء ﴿ فيمكث في الأرض ﴾ وأما الزبد ﴿ فيذهب جفاء ﴾ قال: جموداً في الأرض، قال: فكذلك مثل الحق والباطل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ الآية.
قال: ابتغاء حلية الذهب والفضة، أو متاع الصفر والحديد.
قال: كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد خلص خالصه، كذلك بقي الحق لأهله فانتفعوا به.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عيينة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: أنزل من السماء قرآناً فاحتمله عقول الرجال.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ قال: الحياة والرزق.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ قال: هي الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن فرقد السبخي رضي الله عنه قال: قال لي شهر بن حوشب رضي الله عنه ﴿ سوء الحساب ﴾ أن لا يتجاوز له عن شيء.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وأبو الشيخ، عن فرقد السبخي رضي الله عنه قال: قال لي إبراهيم النخعي- رضي الله عنه-: يا فرقد، أتدري ما سوء الحساب؟
قلت: لا.
قال: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: ﴿ سوء الحساب ﴾ أن يؤخذ العبد بذنوبه كلها ولا يغفر له منها ذنب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ سوء الحساب ﴾ المناقشة في الأعمال.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِم ﴾ أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته على لسان رسوله، قال ابن عباس (١) وقوله تعالى ﴿ الْحُسْنَى ﴾ قال (٢) وقوله تعالى: ﴿ لَافْتَدَوْا بِهِ ﴾ الافتداء: جحل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، ومفعول (افتدوا) محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم، أي: جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في (به) تعود إلى (ما) في قوله ﴿ مَا فِي الْأَرْضِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ سُوءُ الْحِسَابِ ﴾ قال المفسرون (٣) (٤) (١) القرطبي 9/ 306، و"تنوير المقباس" ص 157.
(٢) "زاد المسير" 323/ 4، و"تنوير المقباس" ص 157، و"تيسير كتاب الله العزيز" لهود بن محكم 2/ 303، وأخرجه الطبري 13/ 138، وأبو الشيخ عن قتادة كما في "الدر" 4/ 105.
(٣) "زاد المسير" 4/ 323، القرطبي 9/ 307.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145 وفيه: (وأن كافرهم أحبط أعمالهم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى ﴾ الذين استجابوا هم المؤمنون، وهذا استئناف كلام، والحسنى: الجنة، وإعرابها مبتدأ وخبرها: للذين استجابوا، والذين استجابوا مبتدأ وخبره لو أن لهم ما في الأرض الآية فيوقف على الأمثال، وعلى الحسنى، وقيل: للذين استجابوا يتعلق بيضرب، والحسنى مصدر من معنى استجابوا: أي استجابوا الاستجابة الحسنى، والذين لم يستجيبوا معطوف على الذين استجابوا، والمعنى: يضرب الله الأمثال للطائفتين، وعلى هذا إنما يوقف على: والذين لم يستجيبوا له ﴿ سواء الحساب ﴾ أي المناقشة والاستقصاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.
الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .
﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.
الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.
هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.
الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.
ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.
والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.
وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.
وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.
وقيل: ترونها صفة للعمد.
ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟
قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.
ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.
وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.
ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.
أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.
أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.
وأما القمر فسيره في منازله مشهور.
وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.
وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.
ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.
وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.
ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.
وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.
وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.
وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.
وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله .
ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.
ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.
القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.
ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.
أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.
فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.
ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.
وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.
وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله "عم الرجل صنو أبيه" .
فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.
قاله الزجاج.
وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.
وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.
ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.
والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.
ثم عاد إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.
أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.
قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.
قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.
وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.
ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.
والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.
وذلتهم وانقيادهم للأصنام.
يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.
وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.
ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.
والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.
ثم إنه كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.
﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟
وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.
﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.
لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.
أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.
وأيضاً إنه مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.
وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..
وجواب الباقي ما مر عن النبي : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.
قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.
ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.
وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.
والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.
وأما الهداية فمن الله.
وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.
روي عن ابن عباس أن رسول الله وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.
ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.
وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.
ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.
والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.
أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.
قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.
ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.
وذلك أنه خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.
وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.
ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.
وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.
يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.
وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.
وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.
ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.
والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.
والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.
وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.
قال ابن جريج: هو مثل قوله : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.
وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.
وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.
وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟
قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.
وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].
وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.
والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.
قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله .
وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.
قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.
أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.
ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً ﴾ الآية.
والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.
التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.
وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.
ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.
فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.
مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ .
أمره أن يسألهم: من رب السماوات والأرض؟
ثم أمره أن يجيب هو لهم؛ فيقول الله وهو في الظاهر دعوى، أكثر ما في هذه الآية دعوى، وبعضه حجاج، وهو قوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِه ﴾ لأنهم يقرون بهذا؛ لا يخلقون كخلقه؛ ولا يملكون دفع الضر؛ ولا جَرّ النفع.
وقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
﴿ قُلِ ﴾ إنما أمره أن يسألهم من رب السماوات والأرض، ولم يقل من ربكم فإنما [أمره أن يسألهم] ما لا يتجاسرون أن يقولوا الأصنام التي يعبدونها هي أرباب السماوات والأرض فلا بد أن يقروا الله رب السماوات والأرض، فإذا أقروا بهذا أنه رب السماوات والأرض قد دخل ما في السماوات والأرض في ربوبيته، إذ السماوات والأرض، إنما خلقهما لأهلهما؛ فإذا كان ربَّ السماوات والأرض - كان ربَّ ما فيهما.
وقال بعضهم: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ أمره أن يسألهم ثم يسبقهم بالإجابة؛ لأنه هو السابق بكل خير، وهم يجيبون له أنه رب السماوات والأرض.
دليله: حرف أبي وابن مسعود وحفصة؛ حيث قرءوا (من رب السماوات والأرض قالوا الله) يدل إنه أمره أن يسبقهم بالإجابة، كما كان هو السابق على كل خير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
يقول - والله أعلم - إذا أقررتم أن رب السماوات والأرض هو الله؛ وهو الإله؛ فكيف اتخذتم من دونه هذه الأصنام آلهة أرباباً وعبدتموها أو كيف جعلتم من ليس هو رب السماوات والأرض - أولى ممن أقررتم بالعبادة له أنه ربهما؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ إذ لا يملكون نفعاً لأنفسهم، ولا دفع الضر عنها؛ فكيف يملكون نفع غيره أو دفع ضرّ عن غيره؟
فعرفهم أنهم لا يملكون ذلك؛ وأن الله هو المالك؛ فكيف تركتم عبادة من يملك ذلك؛ وعبدتم من لا يملك؟.
فيخرج تأويله على وجهين: أحدهما: يقول: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، فكيف اتخذتم دون الله آلهة؟.
والثاني: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً مع وجود الحاجة فيها؛ فكيف تعبدون على رجاء النفع لكم بقولكم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ أي: تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها أنها عمي لا تبصر شيئاً؛ والله هو البصير؛ فكيف تركتم عبادة من يبصر؛ وعبدتم من لا يبصر؟
هل يستوي ذلك؟
أي: لا يستوي.
أو يقول [لهم]: إنكم بعبادتكم الأصنام طمعتم شفاعتهم عند الله؛ وهم عمي وأنتم بصراء؛ فهل رأيتم أعمى يقود بصيراً في الشاهد؟
أو هل رأيتم من لا يبصر يكون دليلا لبصير؟
فإذا لم تروا ذلك؛ فكيف طمعتم من الأصنام ذلك.
وقال أهل التأويل: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ : الأعمى: الكافر: والبصير: المؤمن.
﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ ﴾ .
الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان.
ووجه قولهم؛ حيث شبهوا الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور؛ لأن الظلمة تحجب وتستر كل شيء، والنور يرفع ذلك الحجاب وذلك الستر؛ فالإيمان له دلائل وحجج؛ ترفع تلك الحجب والستر؛ فينور له كل شيء.
والكفر ليس له حجج ودلائل ترفع ذلك؛ فهو ظلمة لم يضيء له شيئاً، والإيمان نور؛ حيث أضاء له، ونور كل شيء له بالدلائل والحجج التي ذكرنا.
فصار الكافر كالأعمى لا يبصر شيئاً؛ لأنه في الظلمة، والمؤمن كالبصير؛ لأن معه الدلائل والحجج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .
أي: بل جعلوا لله شركاء في العبادة؛ بعد ما علموا أنهم لا يملكون لهم نفعاً إن عبدوها ولا ضرّاً إن تركوا العبادة لها.
وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾ .
أي: خلق هؤلاء الأصنام؛ التي عبدوها وأشركوها في ألوهيته؛ كخلق الله؛ فتشابه عليهم خلقه من خلق الأصنام؛ أي: عرفوا أنها لم تخلق شيئاً كما خلق الله؛ فكيف أشركوا هذه الأصنام في عبادة الله وألوهيته؛ وهم كأنهم قد أقروا أن الله هو خالق كل شيء؟
وهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولا يقدر على خلقها؛ فإذا كان الله لم يخلقها؛ فهم خلقوها - على زعمهم - فيكون موضع تشابه الخلق عليهم - على قولهم - فيدل على بطلان قولهم وفساد مذهبهم.
والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ في السماوات والأرض ﴿ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
أي: كل شيء دونه تحت قدرته وقهره وسلطانه، والأصنام التي تبعدونها مقهورة مغلوبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً...
﴾ إلى آخر ما ذكر من الأمثال؛ إلى قوله ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: هذا مثل ضربه الله لليقين والشك؛ فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها: فأمّا الشك فلا ينفع منه عمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ \[وهو الشك\]، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبيثه في النار؛ كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك؛ وهو قول ابن عباس .
وقال قتادة: قوله: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الصغير بصغره والكبير بكبره.
﴿ فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ﴾ يقول: رابيا ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ والجفاء: ما يتعلق بالشجر من الزبد، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؛ فضرب المثل للحق والباطل.
يقول - والله أعلم - كما اضمحل هذا الزبد؛ الذي ظهر فوق الماء؛ فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله؛ كما اضمحل هذا الزبد؛ وكما مكث هذا الماء في الأرض، وقر قرارها فأمرعت ورجيت بركته كذلك، وأخرجت له نباتها؛ كذلك يبقى الحق لأهله؛ كما بقي هذا الماء في الأرض.
﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ يقول: يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار؛ وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله.
﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ يعني هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به؛ وفيه منافع؛ يقول: ما بقي خالص هذا الحديد وهذا الصفر؛ حين أدخل النار وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.
وقال الكلبي: قوله: ﴿ نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ وهو القرآن؛ فاحتمله القلوب بأهوائها؛ ذو اليقين على قدر يقينه، وذو الشك على قدر شكه؛ فاحتملت الأهواء باطلا كثيراً وجفاء: فالماء هو الحق، والأودية هي القلوب، والسيل الأهواء، والزبد الباطل، والحق المتاع والحلية.
قال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فالزبد وخبث الحديد وخبث المتاع: هو الباطل؛ من أصاب من هذا شيئاً لم ينتفع به، فكذلك الباطل يوم القيامة لا ينتفع بباطله.
وأمّا الحلية والماء والمتاع: فهو الحق؛ من أصاب شيئاً منه انتفع به، وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينتفع بالحق.
أما الحلية: فالذهب والفضة، وأما المتاع: فالصفر والحديد والرصاص والنحاس، ونحوه، ليس شيء من هذا ينتفع به حتى يدخل النار؛ فيميز صفوه من خبثه.
وقال الحسين بن واقد: وهو قول مقاتل؛ ضرب الله مثل الكفر والإيمان؛ ومثل الحق والباطل، فقال: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ ، سال الوادي الكبير على قدر كبره؛ والصغير على قدر صغره؛ فاحتمل السيل زبداً رابياً أي: عالياً، ثم قال: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ ؛ الذهب والفضة، ثم قال: ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ الشَّبَهُ والحديد والصفر والرصاص، ﴿ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ﴾ أي: للسيل زبد مثله لا ينتفع به؛ [والماء ينتفع به]، وللحلي والمتاع أيضاً زبد مثل زبد السيل؛ إذا أدخل النار؛ وهو خبثه لا ينتفع به والحلي والمتاع ما خلص منهما ينتفع به فمثل الأودية مثل القلوب ومثل السيل مثل الأهواء ومثل الماء والحلي والمتاع الذي ينتفع به مثل [الحق، ومثل زبد الماء وخبث الحلي والمتاع الذي لا ينتفع به مثل] الباطل فكما ينتفع بالماء وما خلص من الحلي والمتاع الذي ينتفع به أهله في الدنيا؛ فكذلك الحق ينفع أهله في الآخرة؛ وكما لا ينفع الزبد؛ وخبث الحلي؛ وخبث المتاع أهله في الدنيا؛ فكذلك الباطل لا ينفع أهله في الآخرة ﴿ كَذٰلِكَ ﴾ أي: هكذا يضرب الله الأمثال، أي: يبين الله ما ذكر من مثل الحق والباطل، ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ قال: يعني يابساً؛ فلا ينتفع به، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ﴾ من الماء؛ ﴿ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فيسقون ويزرعون عليه ويتنفعون به.
فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد؛ يقول: هكذا يبين الله الأمثال والأشباه ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ﴾ أي: أجابوا ﴿ لِرَبِّهِمُ ﴾ في الدنيا؛ بالإيمان والتوحيد ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ لهم؛ وهي الجنة في الآخرة.
ضرب الله مثل الإيمان والحق؛ ووصفهما بالثبات والقرار والطيب؛ بالأرض الطيبة مرة؛ وشجرة طيبة ثانياً، وضرب مثل الكفر والباطل؛ بالأرض الخبيثة؛ والشجرة الخبيثة، ووصفهما بالخبث والذهاب؛ فقال: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ...
﴾ وقال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ وقال: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ...
﴾ الآية [الأعراف: 58] وضرب مثل المؤمن مرة بالبصير والسميع، ومثل الكافر بالأعمى والأصم؛ فقال: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ وضرب مثل الكفر؛ مرة بالظلمات؛ ومرة بالرماد والموت، ومثل الإيمان بالنور والضياء والحياة؛ ونحوه.
فهذه الأمثال التي ضرب الله - عز وجل - تخرج كلها مخرج الدعوى في الظاهر؛ إذ ليس فيها بيان الحق منها؛ وبيان المحق من غير المحق؛ سوى أن فيها: هل يستوي ذا مع ذا؟
لا يستوى على ما ذكر، وهل يستوي الطيب والخبيث؛ أو البصير والسميع [أو] الأصم والأعمى؛ أو الميت [و] الحي؛ أو الظلمات والنور؟
وأمثاله، هذا كله غير مستوٍ.
وكل أهل الأديان وإن - اختلفت مذاهبهم - يقول كل: أنا الذي عليه هو الحق؛ والباطل هو الذي عليه غيري، وينفي كل عن نفسه العمى والصمم؛ وكونه في ظلمة؛ ويدعي كونه في النور؛ ونحوه.
فليس في نفس الأمثال التي ضربت بيان الحق من الباطل والمحق من غيره؛ فذلك يعرف بغيرها بالدلائل والحجج والبراهين؛ وهو ما ذكر ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 43] فبالدلائل والحجج والبراهين يعرف الحق من الباطل والمحق من غير المحق؛ فللإيمان والحق دلائل وحجج ويعرف ذوو العقول - بالعقول - حسنه وطيبه، وما يعقب من ثمرته، ويبين قبح الكفر والباطل لذوي العقول بالعقول، واستخباثهم الباطل؛ وما يعقبه لأهله من الخبث والقبح والشرّ.
وقال القتبي: ﴿ زَبَداً رَّابِياً ﴾ أي: عالياً على الماء ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ أي: حلي أو متاع آنية يعني من فِلزّ الأرض وجواهرها؛ مثل الرصاص والحديد؛ ونحوه، والذهب والفضة؛ حيث تعلوها - إذا أذيبت - مثل زبد الماء.
والجُفاء ما رمى به الوادي إلى جنباته؛ يقال: أجفأت القدر بِزَبدها: إذا ألقت زبدها عنها.
وقال أبو عوسجة: ﴿ رَّابِياً ﴾ : أي: مرتفعاً فوق ظهر الماء؛ وهو واحد، ويقال: زبد الماء: إذا صار له زبد ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ هو من الحلي؛ من الذهب والفضة؛ مما يتحلى به؛ ﴿ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ أي: باطلا لا ينتفع به، وأما الجفاء: فهو إظهار التهاون بالإنسان؛ وقلة الاكتراث له؛ والاستخفاف به.
وقال: الجفاء هو الغثاء، ويقال: قد أجفأ الوادي: إذا علاه ذلك ثم جرى به الماء.
قال أبو عوسجة: والغثاء - عندي -: ما حمله السيل؛ من العيدان والبعر؛ وما يشبه ذلك.
وقال القتبي: قوله: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ ﴾ أي: يبساً.
قال أبو عبيد: الجفاء الجمود، ويذهب إلى أن الزبد يجمد ويجتمع على الماء، ثم يذهب بمائها.
وقال الفراء يذهب جُفاء: أي: يذهب سريعاً كما جاء.
وقال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن يكون المثل الذي ضرب بالماء هو للدين وهو أن الدين الحق الذي أنزل من السماء واحد؛ لكن الناس اتخذوا أدياناً متفرقة، ومذاهب مختلفة؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ فالدين الذي أمر بسلوكه واتباعه واحد؛ وهو كالماء الذي أنزل من السماء واحد صاف؛ وهو الأصل؛ فحذف منه أشياء لا يعبأ به ولا يكترث؛ فعلى ذلك السبل.
أو أن يكون وجه ضرب مثله بالماء؛ وهو أن الماء إذا أنزل من السماء أنزل [طيباً عذباً]، لكن اختلف ألوانه وطعومه باختلاف جواهر الأرض؛ بعضه خرج مالحاً أجاجاً، وبعضه مرّاً لا ينتفع به؛ وبعضه عذب، وذلك على اختلاف جواهر الأرض، وإلا كان المنزّل من السماء كله عذب طيب؛ فالذي ينتفع به واحد؛ وهو العذب.
فعلى ذلك الدين الذي ينتفع به - واحد؛ والبواقي لا ينتفع بها كالمياه المرة والمالحة، أو يكون غير هذا؛ ونحن لا نعرفه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
للمؤمنين الذين أجابوا ربهم لما دعاهم لتوحيده وطاعته المثوبة الحسنى وهي الجنة، والكفار الذين لم يجيبوا دعوته إلى توحيده وطاعته لو اتفق أن لهم ما في الأرض من أنواع المال، ولهم مثله مضافًا إليه؛ لبذلوا كل ذلك فداءً لأنفسهم من العذاب، أولئك الذين لم يجيبوا دعوته يحاسبون على سيئاتهم كلها، ومسكنهم الذي يأوون إليه جهنم فراشهم ومستقرهم الذي هو النار.
من فوائد الآيات بيان ضلال المشركين في دعوتهم واستغاثتهم بغير الله تعالى، وتشبيه حالهم بحال من يريد الشرب فيبسط يده للماء بلا تناول له، وليس بشارب مع هذه الحالة؛ لكونه لم يتخذ وسيلة صحيحة لذلك.
أن من وسائل الإيضاح في القرآن: ضرب الأمثال وهي تقرب المعقول من المحسوس، وتعطي صورة ذهنية تعين على فهم المراد.
إثبات سجود جميع الكائنات لله تعالى طوعًا، أو كرهًا بما تمليه الفطرة من الخضوع له سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.MDnwo"