الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٨ من سورة الرعد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 116 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال : ( للذين استجابوا لربهم ) أي : أطاعوا الله ورسوله ، وانقادوا لأوامره ، وصدقوا أخباره الماضية والآتية ، فلهم ) الحسنى ) وهو الجزاء الحسن كما قال تعالى مخبرا عن ذي القرنين أنه قال : ( قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ) [ الكهف : 87 ، 88 ] وقال تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ يونس : 26 ] .
وقوله : ( والذين لم يستجيبوا له ) أي لم : يطيعوا الله ( لو أن لهم ما في الأرض جميعا ) أي : في الدار الآخرة ، لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه لافتدوا به ، ولكن لا يتقبل منهم; لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا ( أولئك لهم سوء الحساب ) أي : في الدار الآخرة ، أي : يناقشون على النقير والقطمير ، والجليل والحقير ، ومن نوقش الحساب عذب; ولهذا قال : ( ومأواهم جهنم وبئس المهاد )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أما الذين استجابوا لله فآمنوا به حين دعاهم إلى الإيمان به، وأطاعوه فاتبعوا رسوله وصدّقوه فيما جاءهم به من عند الله, (28) فإن لهم الحسنى, وهي الجنة، (29) كذلك:- 20326- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (للذين استجابوا لربهم الحسنى) وهي الجنة .
* * * وقوله: (والذين لم يستجيبوا له لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به) ، يقول تعالى ذكره: وأما الذين لم يستجيبوا لله حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته، (30) ولم يطيعوه فيما أمرهم به, ولم يتبعوا رسوله فيصدقوه فيما جاءهم به من عند ربهم, فلو أن لهم ما في الأرض جميعًا من شيء ومثله معه ملكًا لهم، ثم قُبِل مثل ذلك منهم، وقبل منهم بدلا من العذاب الذي أعدّه الله لهم في نار جهنم وعوضًا، (31) لافتدوا به أنفسهم منه, يقول الله: (أولئك لهم سوء الحساب) ، يقول: هؤلاء الذين لم يستجيبوا لله لهم سوء الحساب، يقول: لهم عند الله أن يأخذهم بذنوبهم كلها, فلا يغفر لهم منها شيئا, ولكن يعذبهم على جميعها .
كما:- 20327- حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا عون, عن فرقد السبخي قال: قال لنا شهر بن حوشب: (سوء الحساب) أن لا يتجاوز لهم عن شيء .
(32) 20328- حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية قال: حدثني الحجاج بن أبي عثمان قال: حدثني فرقد السبخي قال: قال إبراهيم النخعي: يا فرقد أتدري ما " سوء الحساب "؟
قلت: لا !
قال: هو أن يحاسب الرّجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء .
(33) * * * وقوله: (ومأواهم جهنم) يقول: ومسكنهم الذي يسكنونه يوم القيامة جهنم (34) (وبئس المهاد) ، يقول: وبئس الفراش والوطاءُ جهنمُ التي هي مأواهم يوم القيامة .
(35) ------------------------ الهوامش: (28) انظر تفسير" الاستجابة" فيما سلف 13 : 465 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(29) انظر تفسير" الحسنى" فيما سلف 9 : 96 / 14 : 291 .
(30) في المطبوعة :" لم يستجيبوا له" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(31) كانت هذه العبارة في المطبوعة هكذا :" ثم مثل ذلك ، وقبل ذلك منهم بدلا من العذاب" ، وكان في المخطوطة هكذا :" ثم قبل مثل ذلك ، وقبل ذلك منهم بدلا من العذاب" .
وهما عبارتان مختلفتان هالكتان ، والصواب الذي رجحته هو ما أثبت .
(32) الأثر : 20327 -" الحسن بن عرفة العبدي البغدادي" ، شيخ الطبري ، ثقة مضى برقم : 9373 ، 12851 ، 15766 .
و" يونس بن محمد بن مسلم البغدادي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 5090 ، 12549 و" عون" ، كأنه يعني :" عون بن سلام القرشي الكوفي" ، ثقة مترجم في التهذيب .
وأما" فرقد السبخي" ، فهو" فرقد بن يعقوب السبخي" ،" أبو يعقوب" ، كان ضعيفًا منكر الحديث ، لأنه لم يكن صاحب حديث ، وليس بثقة مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 131 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 81 ، وميزان الاعتدال 2 : 327 .
(33) الأثر : 20328 -" فرقد السبخي" ، ليس بثقة ، مضى برقم : 20327 ، وسيأتي هذا الخبر بإسناد آخر رقم : 20334 .
(34) انظر تفسير" المأوى" فيما سلف 15 : 26 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(35) انظر تفسير" المهاد" فيما سلف 12 : 435 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
ثم قال : للذين استجابوا لربهم الحسنى أي أجابوا ; واستجاب بمعنى أجاب ; قال :فلم يستجبه عند ذاك مجيبوقد تقدم ; أي أجاب إلى ما دعاه الله من التوحيد والنبوات .
" الحسنى " لأنها في نهاية الحسن .
وقيل : من الحسنى النصر في الدنيا ، والنعيم المقيم غدا .والذين لم يستجيبوا له أي لم يجيبوا إلى الإيمان به .
لو أن لهم ما في الأرض جميعا أي من الأموال .
" ومثله معه " ملك لهم .
" لافتدوا به " من عذاب يوم القيامة ; نظيره في " آل عمران " [ ص: 268 ] إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ، إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به حسب ما تقدم بيانه هناك .أولئك لهم سوء الحساب أي لا يقبل لهم حسنة ، ولا يتجاوز لهم عن سيئة .
وقال فرقد السبخي قال لي إبراهيم النخعي : يا فرقد !
أتدري ما سوء الحساب ؟
قلت لا !
قال : أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يفقد منه شيء .ومأواهم جهنم أي مسكنهم ومقامهم ." وبئس المهاد " أي الفراش الذي مهدوا لأنفسهم .
لما بيّن تعالى الحق من الباطل ذكر أن الناس على قسمين: مستجيب لربه، فذكر ثوابه، وغير مستجيب فذكر عقابه فقال: { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ } أي: انقادت قلوبهم للعلم والإيمان وجوارحهم للأمر والنهي، وصاروا موافقين لربهم فيما يريده منهم، فلهم { الْحُسْنَى } أي: الحالة الحسنة والثواب الحسن.
فلهم من الصفات أجلها ومن المناقب أفضلها ومن الثواب العاجل والآجل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، { وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ } بعد ما ضرب لهم الأمثال وبين لهم الحق، لهم الحالة غير الحسنة، فـ { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } من ذهب وفضة وغيرها، { وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ } من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم وأنى لهم ذلك؟\" { أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ } وهو الحساب الذي يأتي على كل ما أسلفوه من عمل سيئ وما ضيعوه من حقوق الله وحقوق عباده قد كتب ذلك وسطر عليهم وقالوا: { يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } { و } بعد هذا الحساب السيئ { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } الجامعة لكل عذاب، من الجوع الشديد، والعطش الوجيع، والنار الحامية والزقوم والزمهرير، والضريع وجميع ما ذكره الله من أصناف العذاب { وَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي: المقر والمسكن مسكنهم.
قوله تعالى : ( للذين استجابوا لربهم ) أجابوا لربهم فأطاعوه ( الحسنى ) الجنة ( والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ) أي : لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداء من النار ( أولئك لهم سوء الحساب ) قال إبراهيم النخعي : سوء الحساب : أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له من شيء ( ومأواهم ) في الآخرة ( جهنم وبئس المهاد ) الفراش ، أي : بئس ما مهد لهم .
«للذين استجابوا لربهم» أجابوه بالطاعة «الحسنى» الجنة «والذين لم يستجيبوا له» وهم الكافر «لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوْا به» من العذاب «أولئك لهم سوء الحساب» وهو المؤاخذة بكل ما علموه لا يغفر منه شيء «ومأواهم جهنم وبئس المهاد» الفراش هي.
للمؤمنين الذين أطاعوا الله ورسوله الجنة، والذين لم يطيعوا وكفروا به لهم النار، ولو كانوا يملكون كل ما في الأرض وضِعْفه معه لبذلوه فداء لأنفسهم من عذاب الله يوم القيامة، ولن يُتَقبل منهم، أولئك يحاسَبون على كل ما أسلفوه من عمل سيِّئ، ومسكنهم ومقامهم جهنم تكون لهم فراشًا، وبئس الفراش الذي مهدوه لأنفسهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك عاقبة أهل الحق ، وعاقبة أهل الباطل فقال - تعالى - ( لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ .
.
)أى : للمؤمنين الصادقين ، الذين أطاعوا ربهم فى كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه ، المثوبة الحسنى ، وهى الجنة .فالحسنى يصح أن تكون صفة لموصوف محذوف ، ويصح أن تكون مبتدأ مؤخراً ، وخبره ( لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ ) .( والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ ) - سبحانه - ولم ينقادوا لأمره أو نهيه وهم الكفار ( لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ) من أصناف الأموال ، ولهم أيضا ( مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ) أى لهان عليهم - مع نفاسته وكثرته - أن يقدموه فداء لأنفسهم من عذاب يوم القيامة .فالضمير فى قوله ( وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) يعود إلى ما فى الأرض جميعا من أصناف الأموال وفى ذلك ما فيه من تهويل ما سيلقونه من عذاب أليم جزاء كفرهم وجحودهم .ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : ( أولئك لَهُمْ سواء الحساب ) أى : اولئك الذين لم يستجيبوا لربهم لهم الحساب السيئ الذى لا رحمة معه ، ولا تساهل فيه .( وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) أى : ومرجعهم الذى يرجعون إليه جهنم .
( وَبِئْسَ المهاد ) أى : وبئس المستقر الذى يستقرون فيه .والمخصوص بالذم محذوف أى : مهادهم أو جهنم .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت أوضح الأدلة وأحكمها على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وبينت حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين .
اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالأعمى والبصير والظلمات والنور ضرب للإيمان والكفر مثلاً آخر فقال: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ ومن حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها، من حق الماء إذا زاد على قدر الأودية أن ينبسط على الأرض ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو عليه أن يتبدد في الأطراف ويبطل، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان من البياض أو ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة، ولما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد جري الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا بالنار، وذلك لأن كل واحد من الأجساد السبعة إذا أذيب بالنار لابتغاء حلية أو متاع آخر من الأمتعة التي يحتاج إليها في مصالح البيت، فإنه ينفصل عنها نوع من الزبد والخبث، ولا ينتفع به بل يضيع ويبطل ويبقى الخالص.
فالحاصل: أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد، وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء.
والأجساد السبعة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به، فكذا هاهنا أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماء وهو القرآن، والأودية قلوب العباد وشبه القلوب بالأودية، لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم القرآن، كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء، وكما أن كل واحد فإنما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه، فكذا هاهنا كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوة فهمه وقصور فهمه، وكما أن الماء يعلوه زبد الأجساد السبعة المذابة يخالطها خبث، ثم إن ذلك الزبد والخبث يذهب ويضيع ويبقى جوهر الماء وجوهر الأجساد السبعة، كذا هاهنا بيانات القرآن تختلط بها شكوك وشبهات، ثم إنها بالآخرة تزول وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة والمكاشفة في العاقبة، فهذا هو تقرير هذا المثل ووجه انطباق المثل على الممثل به، وأكثر المفسرين سكتوا عن بيان كيفية التمثيل والتشبيه.
المسألة الثانية: في المباحث اللفظية التي في هذه الآية في لفظ الأودية أبحاث: البحث الأول: الأودية جمع واد وفي الوادي قولان: القول الأول: أنه عبارة عن الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل، هذا قول عامة أهل اللغة.
والقول الثاني: قال السهروردي يسمى الماء وادياً إذا سال قال: ومنه سمي الودى ودياً لخروجه وسيلانه، وعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل.
والأول هو القول المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله: ﴿ سَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ مجازاً فكان التقدير: سالت مياه الأودية إلا أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
البحث الثاني: قال أبو علي الفارسي رحمه الله: الأودية جمع واد ولا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة قال: ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، وناصر ونصير، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب، وطائر وأطيار، ووزن فعيل يجمع على أفعلة، كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل.
فيقال: واد وأودية ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال: يتيم وأيتام وشريف وأشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه الله.
وقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس.
البحث الثالث: إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
أما قوله تعالى: ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه الدراهم وكم قدرها ومقدارها؟
أي كم تبلغ في الوزن، فما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قدرها.
البحث الثاني: ﴿ سَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ أي من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي كثر الماء.
أما قوله: ﴿ فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال الفراء: يقال أزبد الوادي إزباداً، والزبد الاسم، وقوله: ﴿ رَّابِيًا ﴾ قال الزجاج: طافياً عالياً فوق الماء.
وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه، يقال: ربا يربو إذا زاد.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع زَبَدٌ مّثْلُهُ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء، أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار، وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ يُوقِدُونَ ﴾ بالياء، واختاره أبو عبيدة لقوله: ﴿ يَنفَعُ الناس ﴾ وأيضاً فليس هاهنا مخاطب.
والباقون بالتاء على الخطاب، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان.
الأول: أنه خطاب للمذكورين في قوله: ﴿ قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ والثاني: أنه يجوز أن يكون خطاباً عاماً يراد به الكافة، كأنه قال: ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون.
البحث الثاني: الإيقاد على الشيء على قسمين: أحدهما: أن لا يكون ذلك الشيء في النار، وهو كقوله تعالى: ﴿ فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين ﴾ والثاني: أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار، فلهذا السبب قال هاهنا: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ﴾ .
البحث الثالث: في قوله: ﴿ ابتغاء حِلْيَةٍ ﴾ قال أهل المعاني: الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله: ﴿ زَبَدٌ مّثْلُهُ ﴾ أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.
ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل ﴾ والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل.
ثم قال: ﴿ أَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس ﴾ قال الفراء: الجفاء الرمي والاطراح يقال: جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال، والمعنى: أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشبهات، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالاً، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار.
أما قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه تم الكلام عند قوله: ﴿ كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال ﴾ ثم استأنف الكلام بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى.
الثاني: أنه متصل بما قبله والتقدير: كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلاً وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف.
واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، أما أحوال السعداء فهي قوله: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى.
قال ابن عباس: الجنة، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال.
ولم يذكر الزيادة هاهنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ وأما أحوال الأشقياء، فهي قوله: ﴿ والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ ﴾ فلهم أنواع أربعة من العذاب والعقوبة.
فالنوع الأول؛ قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ والافتداء جعل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، ومفعول لافتدوا به محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في به عائدة إلى ما في قوله: ﴿ مَّا فِي الأرض ﴾ .
واعلم أن هذا المعنى حق، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيله إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكاً لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه، لأن المحبوب بالعرض لابد وأن يكون فداء لما يكون محبوباً بالذات.
والنوع الثاني: من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم هو قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب ﴾ قال الزجاج: ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وأقول هاهنا حالتان: فكل ما شغلك بالله وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية، وكل ما شغلك بغير الله فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة، ولا شك أن هاتين الحالتين يقبلان الأشد والأضعف والأقل والأزيد، ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها ورسوخها لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة، ولا شك أنه لما كانت كثرة الأفعال توجب حصول تلك الملكات الراسخة وكل واحدة من تلك الأفعال حتى اللمحة واللحظة والخطور بالبال والالتفات الضعيف فإنه يوجب أثراً ما في حصول تلك الحالة في النفس فهذا هو الحساب، وعند التأمل في هذه الفصول يتبين للإنسان صدق قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ .
إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى الله وفي الإقبال بالكلية على عبودية الله تعالى ولا جرم حصل لهم الحسنى.
وأما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم، فلهذا السبب وجب أن يحصل لهم سوء الحساب، والمراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين عن الفوز بخدمة حضرة المولى.
والنوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاستسعاد بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم فيحترقون على مفارقتها وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك قال: ﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال: ﴿ وَبِئْسَ المهاد ﴾ ولا شك أن الأمر كذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى ﴾ فهذا إشارة إلى المثل المتقدم ذكره وهو أن العالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا أخذ يمشي من غير قائد، فالظاهر أنه يقع في البئر وفي المهالك، وربما أفسد ما كان على طريقه من الأمتعة النافعة، أما البصير فإنه يكون آمناً من الهلاك والإهلاك.
ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ﴾ والمراد أنه لا ينتفع بهذه الأمثلة إلا أرباب الألباب الذين يطلبون من كل صورة معناها، ويأخذون من كل قشرة لبابها ويعبرون بظاهر كل حديث إلى سره ولبابه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ استجابوا ﴾ اللام متعلقة بيضرب، أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا، أي: هما مثلا الفريقين.
و ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا، أي: استجابوا الاستجابة الحسنى.
وقوله ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين.
وقيل: قد تم الكلام عند قوله: ﴿ كذلك يَضْرِبُ الله الامثال ﴾ [الرعد: 17] وما بعده كلام مستأنف.
والحسنى: مبتدأ، خبره ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا ﴾ والمعنى: لهم المثوبة الحسنى، وهي الجنة ﴿ والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ ﴾ مبتدأ خبره، (لو) مع ما في حيزه و ﴿ سُوء الحِسَابِ ﴾ المناقشة فيه.
وعن النخعي: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا.
﴿ لِرَبِّهِمُ الحُسْنى ﴾ الِاسْتِجابَةُ الحُسْنى.
﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ وهُمُ الكَفَرَةُ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَضْرِبُ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ضَرْبَ المَثَلِ لِشَأْنِ الفَرِيقَيْنِ ضَرْبَ المَثَلِ لَهُما.
وَقِيلَ لِلَّذِينِ اسْتَجابُوا خَبَرُ الحُسْنى وهي المَثُوبَةُ أوِ الجَنَّةُ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.
﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ مَآلِ غَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ.
﴿ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ وهو المُناقَشَةُ فِيهِ بِأنْ يُحاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ لا يُغْفَرُ مِنهُ شَيْءٌ.
﴿ وَمَأْواهُمْ ﴾ مَرْجِعُهم.
﴿ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ المُسْتَقَرُّ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.
<div class="verse-tafsir"
لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)
واللام في {لِلَّذِينَ استجابوا} أي أجابوا متعلقة بيضرب اي
كذلك يضرب اله أمثال للمؤمنين الذين استجابوا {لربهم الحسنى} هي صفة لمصدر استجابوا أي استجابوا الاستجابة الحسنى {والذين لم يستجيبوا له} اي وللكافرين الذين لم يستجيوا أي هما مثلاً الفريقين وقوله {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} كلام مبتدأ في ذكر ما أعد لغير المستجيبين أي لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله والوجه أن الكلام قد تم على الأمثال وما بعده كلام مستأنف والحسنى مبتدأ خبره للذين استجابوا والمعنى لهم المثوبة الحسنى وهي الجنة والذين يستجيبوا مبتدأ خبره لو مع ما في حيزه {أولئك لَهُمْ سُوءُ الحساب}
المناقشة فيه في الحديث من نوقش الحساب عذب {ومأواهم جهنم} ومرجعهم بعد المحاسبة النار {وَبِئْسَ المهاد} المكان الممهد والمذموم محذوف أي جهنم
وبَعْدَ ما بَيَّنَ تَعالى شَأْنُهُ شَأْنَ كُلٍّ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ حالًا ومَآلًا أكْمَلَ بَيانٍ شَرَعَ في بَيانِ حالِ أهْلِ كُلٍّ مِنهُما مَآلًا تَكْمِيلًا لِلدَّعْوَةِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ إذْ دَعاهم إلى الحَقِّ بِفُنُونِ الدَّعْوَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ضَرْبُ الأمْثالِ فَإنَّ لَهُ لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ المَعْقُولِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ تَأْثِيرًا بَلِيغًا في تَسْخِيرِ والنُّفُوسِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ أيِ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ وعَنْ مُجاهِدٍ الحَياةُ الحُسْنى أيِ الطَّيِّبَةُ الَّتِي لا يَشُوبُها كَدَرٌ أصْلًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ جَزاءُ الكَلِمَةِ الحُسْنى وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ سُبْحانَهُ وعانَدُوا الحَقَّ الجَلِيَّ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ ﴾ مِن أصْنافِ الأمْوالِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهُ شاذٌّ في أقْطارِها أوْ مَجْمُوعًا غَيْرَ مُتَفَرِّقٍ بِحَسَبِ الأزْمانِ ﴿ ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ أيْ بِالمَذْكُورِ مِمّا في الأرْضِ ومِثْلِهِ مَعَهُ جَمِيعًا لِيَتَخَلَّصُوا عَمّا بِهِمْ وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ ما يَلْقاهم ما لا يُحِيطُ بِهِ البَيانُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُهُ وهي عَلى ما قِيلَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ السُّوأى المُقابَلَةِ لِلْحُسْنى الواقِعَةِ في القَرِينَةِ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ السُّوأى وتُعَقِّبْ بِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ وإنْ دَلَّتْ عَلى سُوءِ حالِهِمْ لَكِنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ القِيامِ مَقامَ لَفْظِ السُّوأى مَصْحُوبًا بِاللّامِ الجارَّةِ الدّاخِلَةِ عَلى المَوْصُولِ أوْ ضَمِيرِهِ وعَلَيْهِ يَدُورُ حُصُولُ المَرامِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّ الواقِعَ في تِلْكَ المُقابَلَةِ سُوءُ الحِسابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ وحَيْثُ كانَ اسْمُ الإشارَةِ الواقِعُ مُبْتَدَأً في هَذِهِ الجُمْلَةِ عِبارَةً عَنِ المَوْصُولِ الواقِعِ مُبْتَدَأً في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ كانَ خَبَرُهُ أعْنِي الجُمْلَةَ الظَّرْفِيَّةَ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ في الحَقِيقَةِ ومُبَيِّنًا لِإبْهامِ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ أوَّلًا ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَهم سُوءُ الحِسابِ وذَلِكَ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ سُوءُ الحِسابِ مَعَ زِيادَةِ تَأْكِيدٍ فَتَمَّ حُسْنُ المُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ واعْتُذِرَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ واقِعٌ مَوْقِعَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ رِعايَةَ حُسْنِ المُقابَلَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى ﴾ تَقْتَضِي أنْ يُقالَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ السُّوأى ولا يَزْدادُ عَلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..
إلَخْ بَدَلَ ما ذُكِرَ ولَعَلَّ في كَلامِ الطَّيِّبِيِّ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ وإلى اعْتِبارِ السُّوأى في المُقابَلَةِ ذَهَبَ أيْضًا صاحِبُ الكَشْفِ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ في مُقابَلَةِ الحُسْنى بَدَلَ السُّوأى مَعَ زِيادَةِ تَصْوِيرٍ وتَحْسِيرٍ وأُوثِرَ الإجْمالُ في الأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّ جَزاءَ المُسْتَجِيبِينَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ فَتَدَبَّرْ والمُرادُ بِسُوءِ الحِسابِ أيِ الحِسابُ السَّيِّئُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والحَسَنِ أنْ يُحاسَبُوا بِذُنُوبِهِمْ كُلِّها لا يُغْفَرُ لَهم مِنها شَيْءٌ وهو المَعْنِيُّ بِالمُناقَشَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو أنْ يُحاسَبُوا فَلا تُقْبَلُ حَسَناتُهم ولا تُغْفَرُ سَيِّئاتُهم ﴿ ومَأْواهُمْ ﴾ أيْ مَرْجِعُهم ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ بَيانٌ لِمُؤَدّى ما تَقَدَّمَ وفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِتَفْسِيرِ الحُسْنى بِالجَنَّةِ ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ .
(18) .
أيِ المُسْتَقَرُّ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ مِهادُهم أوْ جَهَنَّمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيِ اسْتَجابُوا الِاسْتِجابَةَ الحُسْنى وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..
إلَخْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُعِدَّ لِغَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ مِنَ العَذابِ والمَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ تَعالى الأمْثالَ لِلْمُؤْمِنِينَ المُسْتَجِيبِينَ والكافِرِينَ المُعانِدِينَ أيْ هُما مَثَلا الفَرِيقَيْنِ.
انْتَهى.
قالَ أبُو حَيّانَ: والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ فِيهِ ضَرْبَ الأمْثالِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمِثْلِ هَذَيْنِ واللَّهُ تَعالى قَدْ ضَرَبَ أمْثالًا كَثِيرَةً في هَذَيْنِ وفي غَيْرِهِما ولِأنَّ فِيهِ ذِكْرَ ثَوابِ المُسْتَجِيبِينَ بِخِلافِ هَذا ولِأنَّ تَقْدِيرَ الِاسْتِجابَةِ الحُسْنى مُشْعِرٌ بِتَقْيِيدِ الِاسْتِجابَةِ ومُقابِلُها لَيْسَ نَفْيَ الِاسْتِجابَةِ مُطْلَقًا وإنَّما هُوَ نَفْيُ الِاسْتِجابَةِ الحُسْنى واللَّهُ تَعالى قَدْ نَفى الِاسْتِجابَةَ مُطْلَقًا ولِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..
إلَخْ كَلامًا مُفَلَّتًا أوْ كالمُفَلَّتِ إذْ يَصِيرُ المَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ لَوْ أنَّ لَهم ..
إلَخْ ولَوْ كانَ هُناكَ حَرْفٌ يَرْبِطُ لَوْ بِما قَبْلَها زالَ التَّفَلُّتُ وأيْضًا أنَّهُ يُوهِمُ الِاشْتِراكَ في الضَّمِيرِ وإنْ كانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالكافِرِينَ مَعْلُومًا: وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا كَلامَ في أوْلَوِيَّةِ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لَكِنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ وجْهًا لَها مَحَلُّ كَلامٍ إذْ لا مُقْتَضى في التَّفْسِيرِ الثّانِي لِتَقْيِيدٍ الأمْثالِ عُمُومًا بِمِثْلِ هَذَيْنِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ( كَذَلِكَ ) ثُمَّ إنَّ فِيهِ تَفْهِيمَ ثَوابِ المُسْتَجِيبِينَ أيْضًا ألا يُرى إلى القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحُسْنى ﴾ صِفَةٌ كاشِفَةٌ لا مَفْهُومَ لَها فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ تَعالى لا تَكُونُ إلّا حُسْنى وكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..
إلَخْ مُفَلَّتًا وقَدْ قالُوا: إنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ حالِ المُسْتَجِيبِينَ يَعْنُونَ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِلسُّؤالِ عَنْ مَآلِ حالِهِمْ ثُمَّ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ الِاشْتِراكُ مَعَ كَوْنِ تَخْصِيصِهِ بِالكافِرِينَ مَعْلُومًا.
انْتَهى.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ بادِئِ الرَّأْيِ والنَّظْرَةِ الأُولى أمّا إذا نُظِرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ ذاكَ أوْلى وأقْوى عُلِمَ أنَّ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ وارِدٌ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ هَذا شَأْنُهُ وعادَتُهُ عَزَّ شَأْنُهُ في ضَرْبِ الأمْثالِ فَيَقْتَضِي أنَّ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ القُرْآنِيَّةُ مُقَيَّدٌ بِهَؤُلاءِ ولَيْسَ كَذَلِكَ وما ذَكَرَهُ المُتَعَقِّبُ ولَوْ سُلِّمَ فَهو خِلافُ الظّاهِرِ وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المُسْتَجِيبِينَ مَعْلُومٌ مِمّا ذَكَرَهُ فَفَرْقٌ بَيْنَ العِلْمِ ضِمْنًا والعِلْمِ صَراحَةً وأمّا أنَّ الصِّفَةَ مُؤَكِّدَةٌ أوْ لا مَفْهُومَ لَها فَخِلافُ الأصْلِ أيْضًا وكَوْنُ الجُمْلَةِ غَيْرَ مُرْتَبِطَةٍ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ والسُّؤالُ عَنْ حالِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مَعَ ذِكْرِهِما بَعْدَ نَقْلِ التَّفْسِيرِ الأخِيرِ وحَمْلِ الأمْثالِ فِيهِ عَلى الأمْثالِ السّابِقَةِ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ عُنْوانَ الِاسْتِجابَةِ وعَدَمَها لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّمْثِيلِ وأنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ دُخُولُ اللّامِ عَلى مَن يُقْصَدُ تَذْكِيرُهُ بِالمَثَلِ نَعَمْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في هَذا المَعْنى أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ ونَظائِرِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لا سِيَّما المَثَلَ الأخِيرَ المَوْصُولَ بِالكَلامِ لَيْسَ مَثَلَ الفَرِيقَيْنِ بَلْ مَثَلٌ لِلْحَقِّ والباطِلِ ولا مَساغَ لِجَعْلِ الفَرِيقَيْنِ مَضْرُوبًا لَهم أيْضًا بِأنْ يُجْعَلَ في حُكْمِ أنْ يُقالَ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ إذْ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَنْوِيعِهِمْ إلى المُسْتَجِيبِينَ وغَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الكَشْفِ حَيْثُ قالَ: إنَّ جَعْلَ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ مِن تَتِمَّةِ الأمْثالِ لا مِن صِلَةِ يَضْرِبُ مُتَكَلَّفٌ لِأنَّهُما مَثَلا الحَقِّ والباطِلِ بِالأصالَةِ ومِن صِلَةِ يَضْرِبُ أبْعَدُ لِأنَّ الأمْثالَ إنَّما ضُرِبَتْ لِمَن يَعْقِلُ.
ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المُرادِ بِالأمْثالِ الأمْثالَ السّابِقَةَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ أمْثالًا والمَشْهُورُ أنَّهُ مَثَلانِ نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَذِهِ ثَلاثَةُ أمْثالٍ ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى في مَثَلٍ واحِدٍ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لا شَكَّ في سَلامَةِ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِنَ القِيلِ والقالِ وأنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ لِأنَّ تَمامَ حُسْنِ الفاصِلَةِ أنْ تَكُونَ كاسْمِها ولِهَذا انْحَطَّ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .
ألا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ مِنكَ بِأمْثَلِ عَنْ قَوْلِ المُتَنَبِّي: إذا كانَ مَدْحًا فالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ ∗∗∗ أكُلُّ فَصِيحٍ قالَ شِعْرًا مُتَيَّمُ وهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ السَّلَفُ مِنَ الآيَةِ ومِن هُنا كانَ أكْثَرُ الشُّيُوخِ يَقِفُونَ عَلى الأمْثالِ ويُتَبَدَّءُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ وقالَ صاحِبُ المُرْشِدِ: إنَّهُ وقْفٌ تامٌّ والوَقْفُ عَلى ﴿ الحُسْنى ﴾ حَسَنٌ وكَذا عَلى ﴿ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ والعَجَبُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ كَيْفَ اخْتارَ خِلافَ ذَلِكَ مَعَ وُضُوحِهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) .
﴿ المر ﴾ أيِ الذّاتُ الأحَدِيَّةُ واسْمُهُ العَلِيمُ واسْمُهُ الأعْظَمُ ومَظْهَرُهُ الَّذِي هو الرَّحْمَةُ ﴿ تِلْكَ آياتُ ﴾ عَلاماتُ ﴿ الكِتابِ ﴾ الجامِعِ الَّذِي هو الوُجُودُ المُطْلَقُ ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ أيْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ بَلْ بِعَمَدٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ وجَعَلَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ عِمادَها الإنْسانَ الكامِلَ وقِيلَ: النَّفْسُ المُجَرَّدَةُ الَّتِي تُحَرِّكُها بِواسِطَةِ النَّفْسِ المُنْطَبِقَةِ وهي قُوَّةٌ جُسْمانِيَّةٌ سارِيَةٌ في جَمِيعِ أجْزاءِ الفَلَكِ لا يَخْتَصُّ بِها جُزْءٌ دُونَ جُزْءٍ لِبَساطَتِهِ وهي بِمَنزِلَةِ الخَيالِ فِينا وفِيهِ ما فِيهِ وقِيلَ: رَفَعَ سَماواتِ الأرْواحِ بِلا مادَّةٍ تَعْمِدُها بَلْ مُجَرَّدَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ بِالتَّأْثِيرِ والتَّقْوِيمِ وقِيلَ: عَرْشُ القَلْبِ بِالتَّجَلِّي ﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ ﴾ شَمْسَ الرُّوحِ بِإدْراكِ المَعارِفِ الكُلِّيَّةِ واسْتِشْرافِ الأنْوارِ العالِيَةِ ﴿ والقَمَرَ ﴾ قَمَرَ القَلْبِ بِإدْراكِ ما في العالَمِينَ والِاسْتِمْدادِ مِن فَوْقَ ومِن تَحْتَ ثُمَّ قَبُولُ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو كَمالُهُ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ في البِدايَةِ بِتَهْيِئَةِ الِاسْتِعْدادِ وتَرْتِيبِ المَبادِي ﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ في النِّهايَةِ بِتَرْتِيبِ الكَمالاتِ والمَقاماتِ ﴿ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكُمْ ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَةِ آياتِ التَّجَلِّياتِ ﴿ تُوقِنُونَ ﴾ عَيْنَ اليَقِينِ.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: يُدَبِّرُ الأمْرَ بِالقَضاءِ السّابِقِ ويُفَصِّلُ الآياتِ بِأحْكامِ الظّاهِرِ لَعَلَّكم تُوقِنُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي يُجْرِي تِلْكَ الأحْوالَ لا بُدَّ لَكم مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ قُلُوبِ أوْلِيائِهِ بِبَسْطِ أنْوارِ المُحِبَّةِ ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ المَعْرِفَةِ لِئَلّا تَتَزَلْزَلَ بِغَلَبَةِ هَيَجانِ المَواجِيدِ وجَعَلَ فِيها ( أنْهارًا ) مِن عُلُومِ الحَقائِقِ ﴿ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ وهي ثَمَراتُ أشْجارِ الحِكَمِ المُتَنَوِّعَةِ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ تَجَلِّي الجَلالِ وتَجَلِّي الجَمالِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آياتِ اللَّهِ تَعالى قالَ أبُو عُثْمانَ: الفِكْرُ إراحَةُ القَلْبِ مِن وساوِسَ التَّدْبِيرِ وقِيلَ: تَصْفِيَتُهُ لِوارِدِ الفَوائِدِ وقِيلَ: الإشارَةُ في ذَلِكَ إلى مَدِّ أرْضِ الجَسَدِ وجَعْلِ رَواسِي العِظامِ فِيها وأنْهارِ العُرُوقِ وثَمَراتِ الأخْلاقِ مِنَ الجُودِ والبُخْلِ والفُجُورِ والعِفَّةِ والجُبْنِ والشَّجاعَةِ والظُّلْمِ والعَدْلِ وأمْثالِها والسَّوادِ والبَياضِ والحَرارَةِ والبُرُودَةِ والمَلاسَةِ والخُشُونَةِ ونَحْوِها وتَغْشِيَةِ لَيْلِ ظُلْمَةِ الجُسْمانِيّاتِ نَهارَ الرُّوحانِيّاتِ وفي ذَلِكَ آياتٌ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وتَطابُقِ عالَمَيْهِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ﴿ وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ فَقُلُوبُ المُحِبِّينَ مُجاوِرَةٌ لِقُلُوبِ المُشْتاقِينَ وهي لِقُلُوبِ العاشِقِينَ وهي لِقُلُوبِ الوالِهِينَ وهي لِقُلُوبِ الهائِمِينَ وهي لِقُلُوبِ العارِفِينَ وهي لِقُلُوبِ المُوَحِّدِينَ وقِيلَ: في أرْضِ القُلُوبِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ قِطَعُ النُّفُوسِ وقِطَعُ الأرْواحِ وقِطَعُ الأسْرارِ وقِطَعُ العُقُولِ والأُولى تُنْبِتُ شَوْكَ الشَّهَواتِ والثّانِيَةُ زَهْرَ المَعارِفِ والثّالِثَةُ نَباتَ كَواشِفِ الأنْوارِ والرّابِعَةُ أشْجارَ نُورِ العِلْمِ ( وفِيها جَنّاتٌ مِن أعْنابٍ ) أيْ أعْنابِ العِشْقِ ﴿ وزَرْعٌ ﴾ أيْ زَرْعِ دَقائِقِ المَعْرِفَةِ ﴿ ونَخِيلٌ ﴾ أيْ نَخْلِ الإيمانِ ﴿ صِنْوانٌ ﴾ في مَقامِ الفَرْقِ ﴿ وغَيْرُ صِنْوانٍ ﴾ في مَقامِ الجَمْعِ وقِيلَ: صِنْوانُ إيمانٍ مَعَ شُهُودٍ وغَيْرُ صِنْوانِ إيمانٍ بِدُونِهِ ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ﴾ وهو التَّجَلِّي الَّذِي يَقْتَضِيهِ الجُودُ المُطْلَقُ ﴿ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ ﴾ في الطَّعْمِ الرُّوحانِيِّ وقِيلَ: أُشِيرَ أيْضًا إلى أنَّ في أرْضِ الجَسَدِ قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ مِنَ العَظْمِ واللَّحْمِ والشَّحْمِ والعَصَبِ وجَنّاتٍ مِن أشْجارِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ مِن أعْنابِ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ الَّتِي يُعْصَرُ مِنها هَوى النَّفْسِ والقُوى العَقْلِيَّةِ الَّتِي يُعْصَرُ مِنها خَمْرُ المَحَبَّةِ والعِشْقِ وزَرْعَ القُوى الإنْسانِيَّةِ ونَخِيلَ سائِرِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ صِنْوانٌ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ وغَيْرُ صِنْوانٍ كاللِّسانِ وآلَةِ الفِكْرِ والوَهْمِ ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ﴾ وهو ماءُ الحَياةِ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في أُكُلِ الإدْراكاتِ والمَلَكاتِ كَتَفْضِيلِ مُدْرَكاتِ العَقْلِ عَلى الحِسِّ والبَصَرِ عَلى اللَّمْسِ ومَلَكَةِ الحِكْمَةِ عَلى العِفَّةِ وهَكَذا ﴿ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ القادِرَ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يَحْيِيَ المَوْتى.
وقِيلَ: إنَّ مَنشَأ التَّعَجُّبِ أنَّهم أنْكَرُوا الخَلْقَ الجَدِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ أنَّ الإنْسانَ في كُلِّ ساعَةٍ في خَلْقٍ آخَرَ جَدِيدٍ بَلِ العالَمُ بِأسْرِهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ يَتَجَدَّدُ بِتَبَدُّلِ الهَيْئاتِ والأحْوالِ والأوْضاعِ والصُّوَرِ وإلى كَوْنِ العالَمِ كُلَّ لَحْظَةٍ في خَلْقٍ جَدِيدٍ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ فَعِنْدَهُ الجَوْهَرُ وكَذا العَرَضُ لا يَبْقى زَمانَيْنِ كَما أنَّ العَرَضَ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ كَذَلِكَ وهَذا عِنْدَ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَواهِرَ والأعْراضَ كُلَّها شُؤُونُهُ تَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وهو سُبْحانَهُ كُلَّ يَوْمٍ أيَّ وقْتٍ في شَأْنٍ وأكْثَرُ النّاسِ يُنْكِرُونَ عَلى الأشْعَرِيِّ قَوْلَهُ بِتَجَدُّدِ الأعْراضِ والشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ زادَ في الشَّطْرَنْجِ جُمَلًا ولا يَكادُ يُدْرَكُ ما يَقُولُهُ بِالدَّلِيلِ بَلْ هو مَوْقُوفٌ عَلى الكَشْفِ والشُّهُودِ وقَدِ اغْتَرَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِظاهِرِ كَلامِهِ فاعْتَقَدُوهُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ فَضَّلُوا وأضَلُّوا ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ فَلَمْ يَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ ﴾ فَلا يَقْدِرُونَ أنْ يَرْفَعُوا رُؤُوسَهُمُ المُنْتَكِسَةَ إلى النَّظَرِ في الآياتِ ﴿ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لِعِظَمِ ما أتَوْا بِهِ ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ بِمُناسَبَةِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلشَّرِّ ﴿ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ ﴾ عُقُوبَةُ أمْثالِهِمْ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ أنْفُسَهم بِاكْتِسابِ الأُمُورِ الحاجِبَةِ لَهم عَنِ النُّورِ ولَمْ تَرْسُخْ فِيهِمْ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ لِمَن رَسَخَتْ فِيهِ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِعَمى بَصائِرِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ الآياتِ الشّاهِدَةِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ ما عَلَيْكَ إلّا إنْذارُهم لا هِدايَتُهم ﴿ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ هو اللَّهُ تَعالى وقِيلَ: لِكُلِّ طائِفَةٍ شَيْخٌ يُعَرِّفُهم طَرِيقَ الحَقِّ ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَحْمِلُ أُنْثى النَّفْسِ مِن ولَدِ الكَمالِ أيْ ما في قُوَّةِ كُلِّ اسْتِعْدادٍ ﴿ وما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ أيْ تَنْقُصُ أرْحامُ الِاسْتِعْدادِ بِتَرْكِ النَّفْسِ وهَواها ﴿ وما تَزْدادُ ﴾ بِالتَّزْكِيَةِ وبَرَكَةِ الصُّحْبَةِ ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الكَمالاتِ ﴿ عِنْدَهُ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ مُعَيَّنٍ عَلى حَسَبِ القابِلِيَّةِ ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ﴾ في مَكْمَنِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ ومَن جَهَرَ بِهِ ﴾ بِإبْرازِهِ إلى الفِعْلِ ﴿ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ﴾ ظَلَمَةِ ظُلْمِهِ نَفْسَهُ ﴿ وسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ بِخُرُوجِهِ مِن مَقامِ النَّفْسِ وذَهابِهِ في نَهارِ نُورِ الرُّوحِ ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى سَوابِقِ الرَّحْمَةِ الحافِظَةِ لَهُ مِن خاطِفاتِ الغَضَبِ أوِ الإمْداداتِ المَلَكُوتِيَّةِ الحافِظَةِ لَهُ مِن جِنِّ القُوى الخَيالِيَّةِ والوَهْمِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ وإهْلاكِها إيّاهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ أوِ الباطِنَةِ ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ مِنَ الِاسْتِعْدادِ وقُوَّةِ القَبُولِ قالَ النَّصْرُ آبادِي: إنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ لَكِنَّ مُناقَشَةَ الخَواصِّ فَوْقَ مُناقَشَةِ العَوامِّ وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الفَأْرَةَ مَزَّقَتْ خُفِّيَ وما أعْلَمُ ذَلِكَ إلّا بِذَنْبٍ أحْدَثْتُهُ وإلّا لَما سَلَّطَها عَلَيَّ وتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: .
لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مُنْ ذُهَلَ بْنِ شَيْبانا ﴿ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ إذِ الكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ قالَ القاسِمُ: إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى هَلاكَ قَوْمٍ حَسَّنَ مَوارِدَهُ في أعْيُنِهِمْ حَتّى يَمْشُونَ إلَيْها بِتَدْبِيرِهِمْ وأرْجُلِهِمْ ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ: .
إذا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتى ∗∗∗ فَأوَّلُ ما يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ أيْ بَرْقَ لَوامِعِ الأنْوارِ القُدُسِيَّةِ ﴿ خَوْفًا ﴾ خائِفِينَ مِن سُرْعَةِ انْقِضائِهِ أوْ بُطْءِ رُجُوعِهِ ﴿ وطَمَعًا ﴾ طامِعِينَ في ثَباتِهِ أوْ سُرْعَةِ رُجُوعِهِ ﴿ ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ﴾ بِماءِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ وقِيلَ: يُرِي المُحِبِّينَ بَرْقَ المُكاشَفَةِ ويُنْشِئُ لِلْعارِفِينَ سَحابَ العَظَمَةِ الثِّقالَ بِماءِ الهَيْبَةِ فَيُمْطِرُ عَلَيْهِمْ ما يُحْيِيهِمْ بِهِ الحَياةَ الَّتِي لا تُشْبِهُها حَياةٌ وأنْشَدُوا لِلشِّبْلِيِّ: .
أظَلَّتْ عَلَيْنا مِنكَ يَوْمًا غَمامَةٌ ∗∗∗ أضاءَتْ لَنا بَرْقًا وأبْطَأ رَشاشُها فَلا غَيْمُها يَصْحُو فَيَيْأسُ طامِعٌ ∗∗∗ ولا غَيْثُها يَأْتِي فَيُرْوى عِطاشُها وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ البَرْقَ إشارَةٌ إلى التَّجَلِّياتِ البَرْقِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِأرْبابِ الأحْوالِ وأشْهَرُ التَّجَلِّياتِ في تَشْبِيهِهِ بِالبَرْقِ التَّجَلِّي الذّاتِيُّ وأنْشَدُوا: .
ما كانَ ما أوْلَيْتَ مِن وصْلِنا ∗∗∗ إلّا سِراجًا لاحَ ثُمَّ انْطَفى وذَكَرَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في المَكْتُوباتِ أنَّ التَّجَلِّيَ الذّاتِيَّ دائِمِيٌّ لِلْكامِلِينَ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ لا بَرْقِيٌّ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ مُخالِفًا لِكِبارِ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ كالشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَيْرِهِ والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّجَلِّي الذّاتِيِّ لَيْسَ هو الَّذِي ذَكَرُوا أنَّهُ بَرْقِيٌّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُ وكَلامَهم ﴿ ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ ﴾ أيْ رَعْدُ سَطْوَةِ التَّجَلِّياتِ الجَلالِيَّةِ ويُمَجِّدُ اللَّهَ تَعالى عَمّا يَتَصَوَّرُهُ العَقْلُ مُلْتَبِسًا ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ وإثْباتِ ما يَنْبَغِي لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿ مِن خِيفَتِهِ ﴾ مِن هَيْبَةِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ ﴾ هي صَواعِقُ السُّبُحاتِ الإلَهِيَّةِ عِنْدَ تَجَلِّي القَهْرِ الحَقِيقِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلُّطْفِ الكُلِّيِّ ﴿ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ ﴾ فَيَحْرُقُهُ عَنْ بَقِيَّةِ نَفْسِهِ وفي الخَبَرِ إنَّ لِلَّهِ تَعالى سَبْعِينَ ألْفَ حِجابٍ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَها لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ وقالَ ابْنُ الزِّنْجانِيِّ: الرَّعْدُ صَعَقاتُ المَلائِكَةِ والبَرْقُ ذَفِراتُ أفْئِدَتِهِمْ والمَطَرُ بُكاؤُهم وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا مِن بِدَعِ المُتَصَوِّفَةِ وكَأنِّي بِكَ تَقُولُ: إنَّ أكْثَرَ ما ذُكِرَ في بابِ الإشارَةِ مِن هَذا الكِتابِ مِن هَذا القَبِيلِ والجَوابُ إنّا لا نَدَّعِي إلّا الإشارَةَ وأمّا أنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ أوْ مُرادُ اللَّهِ تَعالى فَمَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِن أنْ يَمُرَّ بِفِكْرِي واعْتِقادُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ والجَهْلُ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ وقَدْ نَصَّ المُحَقِّقُونَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ عَلى أنَّ مُعْتَقِدَ ذَلِكَ كافِرٌ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ولَعَلَّكَ تَقُولُ: كانَ الأوْلى مَعَ هَذا تَرْكَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ مَن هو خَيْرٌ مِنّا والوَجْهُ في ذِكْرِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ لَوْ أنْصَفْتَ ﴿ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ بِالتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ والنَّظَرِ لِلْوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ صِفاتِهِ ﴿ وهُوَ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ في دَفْعِ الأفْكارِ والأنْظارِ عَنْ حَرَمِ ذاتِهِ وحِمى صِفاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ: .
هَيْهاتَ أنْ تَصْطادَ عَنْقاءَ البَقا بِلُعابِهِنَّ عَناكِبُ الأفْكارِ ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ أيِ الحَقَّةُ الحَقِيقَةُ بِالإجابَةِ لا لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ الأصْنامَ ﴿ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ ﴾ أيْ إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ مَن ذُكِرَ لِأنَّ ما يَدْعُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القُدْرَةِ ﴿ وما دُعاءُ الكافِرِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ ضَياعٍ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا لَهُ الحَقُّ وإنَّما يَدْعُونَ إلَهًا تَوَهَّمُوهُ ونَحَتُوهُ في خَيالِهِمْ ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ يَنْقادُ ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ الحَقائِقِ والرُّوحانِيّاتِ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ شاؤُوا أوْ أبَوْا ﴿ وظِلالُهُمْ ﴾ هَياكِلُهم ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ أيْ دائِمًا وقِيلَ: يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ وهو الرُّوحُ والعَقْلُ والقَلْبُ وسُجُودُهم طَوْعًا ومَن في الأرْضِ النَّفْسُ وقُواها وسُجُودُهم كَرْهًا وقِيلَ: السّاجِدُونَ طَوْعًا أهْلُ الكَشْفِ والشُّهُودُ والسّاجِدُونَ كَرْهًا أهْلُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ مِن سَماءِ رُوحِ القُدُسِ ﴿ ماءً ﴾ أيْ ماءَ العِلْمِ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ أيْ أوْدِيَةُ القُلُوبِ ﴿ بِقَدَرِها ﴾ بِقَدَرِ اسْتِعْدادِها ﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا ﴾ مِن خَبَثِ صِفاتِ أرْضِ النَّفْسِ ﴿ رابِيًا ﴾ طافِيًا عَلى ذَلِكَ ﴿ ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ﴾ نارِ العِشْقِ مِنَ المَعارِفِ والكُشُوفِ والحَقائِقِ والمَعانِي الَّتِي تُهَيِّجُ العِشْقَ ﴿ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ﴾ طَلَبَ زِينَةِ النَّفْسِ لِكَوْنِها كَمالاتٍ لَها ﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ مِنَ الفَضائِلِ الخُلُقِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبِها فَإنَّها مِمّا تَتَمَتَّعُ بِهِ النَّفْسُ ما ﴿ زَبَدٌ ﴾ خَبَثٌ ﴿ مِثْلُهُ ﴾ كالنَّظَرِ إلَيْها ورُؤْيَتِها والإعْجابِ بِها وسائِرُ ما يُعَدُّ مِن آفاتِ النَّفْسِ ﴿ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ مَنفِيًّا بِالعِلْمِ ﴿ وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ مِنَ المَعانِي الحَقَّةِ والفَضائِلِ الخالِصَةِ ﴿ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ ﴾ أرْضِ النَّفْسِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى شَبَّهَ ما يَنْزِلُ مِن مِياهِ بِحارِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ إلى قُلُوبِ المُوَحِّدِينَ والعارِفِينَ والمُكاشِفِينَ والمُرِيدِينَ بِما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأوْدِيَةِ فَكَما تَحْمِلُ الأوْدِيَةُ حَسَبَ اخْتِلافِها ماءَ المَطَرِ تَحْمِلُ تِلْكَ القُلُوبُ مِياهَ هاتِيكِ البِحارِ حَسَبَ اخْتِلافِ حَواصِلِها وأقارِّ اسْتِعْداداتِها في المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ وكَما أنَّ قَطَراتِ الأمْطارِ تَكُونُ في الأوْدِيَةِ سَيْلًا فَيَحْتَمِلُ السَّيْلُ زَبَدًا وحُثالَةً وما يَكُونُ مانِعًا مِنَ الجَرَيانِ يَكُونُ تَواتُرُ أنْوارِ الحَقِّ سُبْحانَهُ سَيْلَ المَعارِفِ والكُشُوفاتِ فَيَسِيلُ في أوْدِيَةِ القُلُوبِ فَيَحْتَمِلُ مِن أوْصافِ البَشَرِيَّةِ وما دُونَ الحَقِّ الَّذِي يَمْنَعُ القُلُوبَ مِن رُؤْيَةِ الغُيُوبِ ما يَحْتَمِلُهُ فَيَذْهَبُ جُفاءً فَتَصِيرُ حِينَئِذٍ مُقَدَّسَةً عَنْ زَبَدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ والنِّفاقِ والخَواطِرِ المَذْمُومَةِ وتَبْقى سائِحَةً في أنْوارِ الأزَلِ والأبَدِ بِلا مانِعٍ مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى وشَبَّهَ سُبْحانَهُ أعْمالَ الظّاهِرِ والباطِنِ وما يَنْفَتِحُ بِمَفاتِيحِها مِنَ الغَيْبِ بِجَواهِرِ الأرْضِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما إذا أُذِيبا لِلِانْتِفاعِ بِهِما وبَيَّنَ تَعالى أنَّ لَهُما زَبَدًا مِثْلَ زَبَدِ السَّيْلِ وأنَّهُ يَذْهَبُ ويَمْكُثُ أصْلُهُما الصّافِي فَكَذَلِكَ أعْمالُ الظّاهِرِ والباطِنِ تَدْخُلُ في بُودَقَةِ الإخْلاصِ ويُوقَدُ عَلَيْهِما نِيرانُ الِامْتِحانِ فَيَذْهَبُ ما فِيهِ حَظُّ النَّفْسِ ويَبْقى ما هو خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى وهَكَذا الخَواطِرُ يَبْقى مِنها خاطِرُ الحَقِّ ويَضْمَحِلُّ سَرِيعًا خاطِرُ الباطِلِ وعَنْ بَعْضِهِمُ القُلُوبُ أوْعِيَةٌ وفِيها أوْدِيَةٌ فَقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ التَّوْبَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الرَّحْمَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الخَوْفِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الرَّجاءِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ المَعْرِفَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الأُنْسِ وكُلُّ ماءٍ مِن هَذِهِ المِياهِ يُنْبِتُ في القَلْبِ نَوْعًا مِنَ القُرْبَةِ والقُرَبُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومِنَ القُلُوبِ ما حُرِمَ ذَلِكَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ ..
إلَخْ يُرِيدُ بِالماءِ الشَّرْعَ والدِّينَ وبِالأوْدِيَةِ القُلُوبَ ومَعْنى سَيَلانِها بِقَدَرِها أخْذُ النَّبِيلِ بِحَظِّهِ والبَلِيدِ بِحَظِّهِ ثُمَّ قالَ: وهَذا قَوْلًا لا يَصِحُّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ عَنِابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يَنْحُو إلى قَوْلِ أصْحابِ الرُّمُوزِ قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الغَزالِيُّ وأهْلُ ذَلِكَ الطَّرِيقِ وفِيهِ إخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ مَفْهُومِ كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ داعٍ إلى ذَلِكَ وإنَّ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيُقالُ فِيهِ: إنَّما قَصَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مَعْناهُ الحَقُّ الَّذِي يَتَقَرَّرُ في القُلُوبِ والباطِلُ الَّذِي يَعْتَرِيها.
اهَـ.
ونَحْنُ نَقُولُ: إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَمَقْصُودُ الحَبْرِ مِنهُ الإشارَةُ وإنْ كانَ يُرِيدُ غَيْرَ ظاهِرٍ فِيهِ وحُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أشَدُّ النّاسِ عَلى أهْلِ الرُّمُوزِ القائِلِينَ بِأنَّ الظّاهِرَ لَيْسَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى كَما لا يَخْفى عَلى مُتَتَبِّعِي كَلامِهِ وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ النّاسِ أنَّ أهْلَ الكِيمْياءِ تَكَلَّمُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما يُوافِقُ غَرَضَهم ولَمْ أقِفْ عَلى ذَلِكَ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ بِتَصْفِيَةِ الِاسْتِعْدادِ عَنْ كُدُوراتِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ الحُسْنى ﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهو الكَمالُ الفائِضُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الصَّفاءِ ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ تَعالى وبَقُوا فِي الرَّذائِلِ البَشَرِيَّةِ والكُدُوراتِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ ﴾ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ مِنَ الأمْوالِ والأسْبابِ الَّتِي انْجَذَبُوا إلَيْها بِالمَحَبَّةِ فَأهْلَكُوا أنْفُسَهم بِها ﴿ ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ مِمّا يَنالُهم مِنَ الحِجابِ والحِرْمانِ ﴿ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الأفْعالِ في مَقامِ النَّفْسِ ﴿ ومَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ الحِرْمانُ ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ جَهَنَّمُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ونَسْألُهُ العَفُوَّ والعافِيَةَ <div class="verse-tafsir"
ثم قال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى يعني: للذين أجابوا ربهم بالطاعات في الدنيا، لهم الجنة في الآخرة.
ثم قال: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ يعني: لم يجيبوه، ولم يطيعوه في الدنيا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يوم القيامة وَمِثْلَهُ مَعَهُ يعني: وضعفه معه لَافْتَدَوْا بِهِ يقول: لفادوا به أنفسهم مِن العذاب، ولو فادوا به لا يقبل منهم أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ يعني: شديد العقاب.
ويقال: سُوءُ الْحِسابِ المناقشة في الحساب.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: أتدرون ما سوء الحساب؟
قالوا لا.
قال هو الذنب يحاسب عليه العبد ثم لا يغفر له.
وعن الحسن أنه سئل عن سوء الحساب قال: يؤخذ العبد بذنوبه كلها فلا يغفر له منها ذنب.
ثم قال: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي: مصيرهم ومرجعهم إلى جهنم وَبِئْسَ الْمِهادُ يعني: الفراش من النار، ويقال: بئس موضع القرار في النار.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: وَالَّذِينَ: يراد به ما عُبِدَ من دون اللَّه، والضَّمير في يَدْعُونَ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، ومعنى الكَلاَمِ: والذين يدعونهم الكفَّارُ في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبونهم بِشَيْءٍ إِلاَّ، ثُمَّ مَثَّلَ سبحانه مثالاً لإِجابتهم بالذي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نحو الماء، ويشير إِليه بالإِقبال إِلى فيه، فلا/ يبلغ فَمَهُ أَبداً، فكذلك إِجابة هؤلاء والانتفاعُ بهم لا يَقَعُ.
وقوله: هُوَ: يريد به الماءَ، وهو البالغُ، والضمير في بِبالِغِهِ للفم، ويصحُّ أنْ يكون هو يراد به الفم، وهو البالغ أيضا، والضمير في بِبالِغِهِ للماء لأن الفم لا يَبْلُغ الماء أبداً على تلك الحال، ثم أخبر سبحانه عن دعاءِ الكافرين أنه في انتلاف وضلالٍ لا يفيد.
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية: تنبيهٌ على قدرته وعظمته سبحانه، وتسخيرِ الأشياءِ له، والطَّعْنِ على الكفَّار التارِكِينَ للسّجود، ومَنْ:
تَقَعُ على الملائكةِ عموماً، و «سُجُودُهُمْ» : طوع، وأما أهْلُ الأرض، فالمؤمنون داخلُونَ في مَنْ، وسجودُهم أيضاً طَوْع، وأما سجودُ الكَفَرة، فهو الكَرْه، وذلك على معنيين، فإِن جعلنا السجُودَ هذه الهيئة المعهودَةَ، فالمراد من الكَفَرَة مَنْ أسلم، خَوْفَ سيفِ الإِسلام كما قاله قتادة «١» ، وإِن جعلنا السُّجود الخضُوعَ والتذلُّل، حَسَب ما هو في اللغة، فيدخلُ الكفَّار أجمعون في مَنْ لأنه ليس من كافرٍ إِلا ويلحقه من التذلُّل والاستكانة لقدرة اللَّه تعالى أنواعٌ أكثر من أنْ تحصَى بحسب رَزَايَاهُ، واعتباراته.
وقوله سبحانه: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: إِخبار عن أنّ الظّلال لها سجود لله
تعالى كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ...
الآية [النحل: ٤٨] ، وقال مجاهد: ظلُّ الكافر يسجُدُ طوعاً، وهو كاره «١» ورُوِيَ أن الكافر إِذا سَجَد لصنمه، فإِن ظلَّه يسجُدُ للَّهِ حينئذٍ، وباقي الآية بيِّن، ثم مَثَّل الكفَّار والمؤمنين بقوله:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وشبه الكافر بالأعمى، والكُفْرَ بالظلماتِ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ، والإِيمان بالنور.
وقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: لفظ عامٌّ يراد به الخصوصُ كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع.
وقوله سبحانه: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآءً: يريد به المَطَرَ، فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها:
«الأودية» : ما بين الجبالِ مِنَ الانخفاض والخَنَادِقِ، وقوله: بِقَدَرِها: يحتمل أنْ يريد بما قُدِّرَ لها من الماءِ، ويحتمل أنْ يريد بقَدْر ما تحمله على قَدْر صغرها وكِبَرها.
ت: وقوله: فَاحْتَمَلَ بمعنى: حمل، كاقتدر وقدر قاله [ص] .
والزَّبَدُ ما يحمله السيْلُ من غُثَاء ونحوه، و «الرابِي» : المنتفخ الذي قَدْ ربا، ومنه الرَّبْوَة.
وقوله سبحانه: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ: المعنَى:
ومن الأشياء التي توقِدُونَ عليها ابتغاءَ الحُلِيِّ، وهي الذَهَبُ والفضَّة، أو ابتغاء الاستمتاع بها في المرافِقِ، وهي الحديدُ والرَّصَاصُ والنُّحَاسُ ونحوها من الأشياء التي تُوقِدُونَ عليها، فأخبر تعالَى أنَّ من هذه أَيضاً إِذا أحمي علَيْها يكونُ لها زَبَدَ مماثِلٌ للزَّبَد الذي يحملُه السَّيْل، ثم ضرب سبحانه ذلك مثَلاً للحقِّ والباطِلِ، أي: إِن الماء الذي/ تشربه الأرْضُ من السيل، فيقَعُ النفْعُ به هو كالحَقِّ، والزَّبَد الذي يخمد وينفش ويَذْهَب هو كالبَاطِلِ، وكذلك ما يخلص من الذَّهَبَ والفضَّة والحديد ونحوه هو كالحَقِّ، وما يذهَبُ في الدُّخَان هو كالبَاطِلِ.
وقوله: جُفاءً: مصدر من قولهم: «أَجْفَأَتِ القدْرُ» إِذا غلَتْ حتى خَرَجَ زَبَدُها وذهب.
وقال ص: جُفاءً: حال، أي: مضمحلاًّ متلاشيا، أبو البقاء: وهمزته منقلبة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ ﴾ وهي جَمْعُ وادٍ، وهو كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ ماءُ المَطَرِ فَيَسِيلُ ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ: بِمَبْلَغِ ما تَحْمِلُ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي، قَلَّ الماءُ، وإنْ هو اتَّسَعَ، كَثُرَ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " بِقَدَرِها " بِإسْكانِ الدّالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ ﴾ تَوَسُّعٌ في الكَلامِ، والمَعْنى: سالَتْ مِياهُها، فَحُذِفَ المُضافُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ: بِقَدَرِ مِياهِها.
﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ﴾ أيْ: عالِيًا فَوْقَ الماءِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " بِالتّاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِما قَبْلَهُ مِنَ الخِطابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ أفاتَّخَذْتُمْ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِلْكافَّةِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ذِكْرَ الغَيْبَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " ما يَدْخُلُ إلى النّارِ فَيُذابُ مِنَ الجَواهِرِ " ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ " يَعْنِي: الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ والصُّفْرَ والنُّحاسَ والرُّصاصَ تُتَّخَذُ مِنهُ الأوانِي والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، ﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ أيْ: لَهُ زَبَدٌ إذا أُذِيبَ مِثْلَ زَبَدٍ السَّيْلِ، فَهَذا مَثَلٌ آخَرُ.
وَفِيما ضُرِبَ لَهُ هَذانِ المَثَلانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، شَبَّهَ نُزُولَهُ مِنَ السَّماءِ بِالماءِ، وشَبَّهَ قُلُوبَ العِبادِ بِالأوْدِيَةِ تَحْمِلُ مِنهُ عَلى قَدْرِ اليَقِينِ والشَّكِّ، والعَقْلِ والجَهْلِ، فَيَسْتَكِنُّ فِيها، فَيَنْتَفِعُ المُؤْمِنُ بِما في قَلْبِهِ كانْتِفاعِ الأرْضِ الَّتِي يَسْتَقِرُّ فِيها المَطَرُ، ولا يَنْتَفِعُ الكافِرُ بِالقُرْآنِ لِمَكانِ شَكِّهِ وكُفْرِهِ، فَيَكُونُ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ القُرْآنِ كالزَّبَدِ وكَخَبَثِ الحَدِيدِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ والباطِلُ، فالحَقُّ شُبِّهَ بِالماءِ الباقِي الصّافِي، والباطِلُ مُشَبَّهٌ بِالزَّبَدِ الذّاهِبِ، فَهو وإنْ عَلا عَلى الماءِ فَإنَّهُ سَيُمْحَقُ، كَذَلِكَ الباطِلُ، وإنْ ظَهَرَ عَلى الحَقِّ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَمَثَلُ المُؤْمِنِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالماءِ المُنْتَفِعِ بِهِ، ومَثَلُ الكافِرِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالزَّبَدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما ذُكِرَ هَذا، يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الحَقِّ والباطِلِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كَذَلِكَ يُمَثِّلُ اللَّهُ الحَقَّ ويُمَثِّلُ الباطِلَ.
فَأمّا الجُفاءُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو ما رَمى بِهِ الوادِي إلى جَنَباتِهِ، يُقالُ: أجَفَأتِ القِدْرُ بِزَبَدِها: إذا ألْقَتْهُ عَنْها.
قالَ ابْنُ فارِسٍ: الجُفاءُ: ما نَفاهُ السَّيْلُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ الجَفاءِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿ جُفاءً ﴾ أيْ: بالِيًا مُتَفَرِّقًا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مُسَّ الزَّبَدُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ مِنَ الماءِ والجَواهِرِ الَّتِي زالَ زَبَدُها ﴿ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ ﴾ فَيُنْتَفَعُ بِهِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ يَبْقى الحَقُّ لِأهْلِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ، ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اسْتَجَبْتُ لَكَ واسْتَجَبْتُكَ سَواءٌ، وهو بِمَعْنى: أجَبْتُ.
وَفِي الحُسْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّها الحَياةُ والرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ الجَنَّةِ فَما دُونَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ أيْ: لَجَعَلُوهُ فِداءَ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يُقْبَلُ مِنهم.
وفي سُوءِ الحِسابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها المُناقَشَةُ بِالأعْمالِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: هو أنْ يُحاسَبَ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، فَلا يُغْفَرُ لَهُ مِنهُ شَيْءٌ.
والثّانِي: أنْ لا تُقْبَلَ مِنهم حَسَنَةٌ، ولا يُتَجاوَزُ لَهم عَنْ سَيِّئَةٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ عِنْدَ الحِسابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ دَعاهُمُ اللهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ دِينِهِ.
و"الحُسْنى": هي الجَنَّةُ، ويَدْخُلُ في هَذا النَصْرُ في الدُنْيا ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ وكُلُّ ما يَخْتَصُّ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِن نِعَمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ﴾ هُمُ: الكَفَرَةُ.
و ﴿ سُوءَ الحِسابِ ﴾ هو التَقَصِّي عَلى المُحاسِبِ، وأنْ لا يَقَعَ في حِسابِهِ مِنَ التَجاوُزِ.
قالَهُ حَوْشَبٌ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ، وَفَرْقَدٌ السَبْخِيُّ وغَيْرُهُ.
و"المَأْوى)" حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْكُنُ، و"المِهادُ" ما يُفْتَرَشُ ويُلْبَسُ بِالجُلُوسِ والرُقادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، والمَعْنى: أيَسْتَوِي مَن هَداهُ اللهُ تَعالى فَآمَنَ بِكَ وعَلِمَ صِدْقَ نُبُوَّتِكَ ومَن لَمْ يَهْتَدِ ولا رُزِقَ بَصِيرَةً فَبَقِيَ عَلى كُفْرِهِ؟
فَمَثَّلَ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ بِالعَمى، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ، وهي -بَعْدَ هَذا- مِثالٌ في جَمِيعِ العالَمِ.
و"إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، أيْ: إنَّما يَتَذَكَّرُ فَيُؤْمِنُ ويُراقِبُ اللهَ مَن لَهُ لُبٌّ وتَحْصِيلٌ.
ثُمَّ أخَذَ تَبارَكَ وتَعالى في وصْفِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسَّرَهم لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ اسْمُ لِلْجِنْسِ، أيْ بِجَمِيعِ عُهُودِهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهُ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الألْفاظِ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جِنْسَ المَواثِيقِ، أيْ: إذا عَقَدُوا في طاعَةِ اللهِ عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ، قالَ قَتادَةُ: وتَقَدَّمَ اللهُ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عنهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى مِيثاقٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ وقْتَ مَسْحِهِ عَلى ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ.
ووَصْلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ظاهِرَهُ في القَراباتِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطاعاتِ، وسُوءُ الحِسابِ هو أنْ يَتَقَصّى، ولا تَقَعُ فِيهِ مُسامَحَةٌ ولا تَغَمُّدٌ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني لجملة ﴿ كذلك يضرب الله الأمثال ﴾ ، أي فائدة هذه الأمثال أن للذين استجابوا لربهم حين يضربها لهم الحسنى إلى آخره.
فمناسبته لما تقدم من التمثيلين أنهما عائدان إلى أحوال المسلمين والمشركين.
ففي ذكر هذه الجملة زيادة تنبيه للتمثيل وللغرض منه مع ما في ذلك من جزاء الفريقين لأن المؤمنين استجابوا لله بما عقلوا الأمثال فجوزوا بالحسنى، وأما المشركون فأعرضوا ولم يعقلوا الأمثال، قال تعالى: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ [سورة العنكبوت: 43]، فكان جزاؤهم عذاباً عظيماً وهو سوء الحساب الذي عاقبته المصير إلى جهنم.
فمعنى استجابوا لربهم } استجابوا لدعوته بما تضمنه المثل السابق وغيره.
وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ مبتدأ و ﴿ للذين استجابوا ﴾ خبره.
وفي العدول إلى الموصولين وصلتيهما في قوله: ﴿ للذين استجابوا ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا ﴾ إيماء إلى أن الصلتين سببان لما حصل للفريقين.
وتقديم المسند في قوله: ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ لأنه الأهم لأن الغرض التنويه بشأن الذين استجابوا مع جعل الحسنى في مرتبة المسند إليه، وفي ذلك تنويه بها أيضاً.
وأما الخبر عن وعيد الذين لم يستجيبوا فقد أجري على أصل نظم الكلام في التقديم والتأخير لقلة الاكتراث بهم.
وتقدم نظير قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ﴾ في سورة العقود (36).
وأتي باسم الإشارة في أولئك لهم سوء الحساب} للتنبيه على أنهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الصلة.
و ﴿ سوء الحساب ﴾ ما يحف بالحساب من إغلاظ وإهانة للمحساب.
وأما أصل الحساب فهو حسن لأنه عدل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الجَنَّةُ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: أنَّها الحَياةُ والرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنْ تَكُونَ مُضاعَفَةَ الحَسَناتِ.
﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ في ﴿ سُوءُ الحِسابِ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يُؤاخَذُوا بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعْفى لَهم عَنْ شَيْءٍ مِنها، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
وَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: مَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ.
الثّانِي: أنَّهُ المُناقَشَةُ في الأعْمالِ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: هو أنْ لا تُقْبَلَ حَسَناتُهم فَلا تُغْفَرُ سَيِّئاتُهم.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكُونَ سُوءُ الحِسابِ ما أفْضى إلَيْهِ حِسابُهم مِنَ السُّوءِ وهو العِقابُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء...
﴾ الآية قال: هذا مثل ضربه الله تعالى احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك، فما ينفع معه العمل.
وأما اليقين، فينفع الله به أهله.
وهو قوله: ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ وهو اليقين، كما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه به ويترك خبيثه في النار، كذلك يقبل الله تعالى اليقين ويترك الشك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الصغير، قدر صغيره.
والكبير، قدر كبيره.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: هذا مثل ضربه الله تعالى بين الحق والباطل، يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة، ومما توقدون عليه في النار فهو الذهب والقضة والحلية والمتاع النحاس والحديد، وللنحاس والحديد خبث، فجعل الله تعالى مثل خبثه كمثل زبد الماء، فأما ما ينفع الناس، فالذهب والفضة.
وأما ما ينفع الأرض، فما شربت من الماء فأنبتت.
فجعل ذلك مثل العمل الصالح الذي يبقى لأهله.
والعمل السيء يضمحل من محله، فما يذهب هذا الزبد، فذلك الهدى والحق جاء من عند الله تعالى، فمن عمل بالحق كان له.
وما بقي كما يبقى، ما ينفع الناس في الأرض.
وكذلك الحديد، لا يستطيع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل النار، فتأكل خبثه فيخرج جيده فينتفع به، كذلك يضمحل الباطل، وإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيرفع الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح من طريق مرة، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها...
﴾ الآية.
قال: فمر السيل على رأسه من التراب والغثاء حتى استقر في القرار وعليه الزبد، فضربته الريح فذهب الزبد جفاء إلى جوانبه فيبس فلم ينفع أحداً، وبقي الماء الذي ينتفع به الناس، فشربوا منه وسقوا أنعامهم.
فكما ذهب الزبد فلم ينفع، فكذلك الباطل يضمحل يوم القيامة فلا ينفع أهله، وكما نفع الماء فكذلك ينفع الحق أهله.
هذا مثل ضربه الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ حتى جرى الوادي وامتلأ بقدر ما يحمل ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: زبد الماء.
﴿ ومما يوقدون عليه في النار ﴾ قال: زبد ما توقدون عليه من ذلك حلية، وما سقط فهو مثل زبد الماء، وهو مثل ضرب للحق والباطل.
فأما خبث الحديد والذهب وزبد الماء فهو الباطل، وما تصنعوا من الحلية والماء والحديد فمثل الحق.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عطاء رضي الله عنه قال: ضرب الله تعالى مثل الحق والباطل.
فضرب مثل الحق، السيل الذي يمكث في الأرض فينتفع الناس به.
ومثل الباطل، مثل الزبد الذي لا ينفع الناس.
ومثل الحق، مثل الحلي الذي يجعل في النار، فما خلص منه انتفع به أهله.
وما خبث منه، فهو مثل الباطل علم أن لا ينفع الزبد، وخبث الحلي أهله، فكذلك الباطل لا ينفع أهله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الصغير بصغيره، والكبير بكبره، ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: عالياً ﴿ ومما يوقدون...
﴾ إلى قوله: ﴿ فيذهب جفاء ﴾ والجفاء، ما يتعلق بالشجر ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا يرجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله.
وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وربت بركته وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحق لأهله.
وقوله: ﴿ ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية ﴾ كما يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل النار، كذلك فيذهب خبثه، كذلك يبقى الحق لأهله.
وكما اضمحل خبث هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار، كذلك يضمحل الباطل عن أهله.
وقوله: ﴿ أو متاع زبد مثله ﴾ يقول هذا الحديد وهذا الصفر حين دخل النار وذهبت بخبثه، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الكبير بقدره والصغير بقدره ﴿ زبداً رابياً ﴾ قال: ربا فوق الماء الزبد ﴿ ومما توقدون عليه في النار ﴾ قال: هو الذهب، إذا ادخل النار بقي صفوه وذهب ما كان فيه من كدر.
وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ يتعلق بالشجر ولا يكون شيئاً، هذا مثل الباطل ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ هذا يخرج النبات، وهذا مثل الحق ﴿ أو متاع زبد مثله...
﴾ قال: المتاع الصفر والحديد.
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: بملئها ما أطاقت ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: انقضى الكلام، ثم استقبل فقال: ﴿ ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ﴾ قال: المتاع الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه ﴿ زبد مثله ﴾ قال: خبث ذلك الحديد، والحلية مثل زبد السيل ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من الماء ﴿ فيمكث في الأرض ﴾ وأما الزبد ﴿ فيذهب جفاء ﴾ قال: جموداً في الأرض، قال: فكذلك مثل الحق والباطل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ الآية.
قال: ابتغاء حلية الذهب والفضة، أو متاع الصفر والحديد.
قال: كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد خلص خالصه، كذلك بقي الحق لأهله فانتفعوا به.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عيينة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: أنزل من السماء قرآناً فاحتمله عقول الرجال.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ قال: الحياة والرزق.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ قال: هي الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن فرقد السبخي رضي الله عنه قال: قال لي شهر بن حوشب رضي الله عنه ﴿ سوء الحساب ﴾ أن لا يتجاوز له عن شيء.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وأبو الشيخ، عن فرقد السبخي رضي الله عنه قال: قال لي إبراهيم النخعي- رضي الله عنه-: يا فرقد، أتدري ما سوء الحساب؟
قلت: لا.
قال: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: ﴿ سوء الحساب ﴾ أن يؤخذ العبد بذنوبه كلها ولا يغفر له منها ذنب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ سوء الحساب ﴾ المناقشة في الأعمال.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِم ﴾ أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته على لسان رسوله، قال ابن عباس (١) وقوله تعالى ﴿ الْحُسْنَى ﴾ قال (٢) وقوله تعالى: ﴿ لَافْتَدَوْا بِهِ ﴾ الافتداء: جحل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، ومفعول (افتدوا) محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم، أي: جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في (به) تعود إلى (ما) في قوله ﴿ مَا فِي الْأَرْضِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ سُوءُ الْحِسَابِ ﴾ قال المفسرون (٣) (٤) (١) القرطبي 9/ 306، و"تنوير المقباس" ص 157.
(٢) "زاد المسير" 323/ 4، و"تنوير المقباس" ص 157، و"تيسير كتاب الله العزيز" لهود بن محكم 2/ 303، وأخرجه الطبري 13/ 138، وأبو الشيخ عن قتادة كما في "الدر" 4/ 105.
(٣) "زاد المسير" 4/ 323، القرطبي 9/ 307.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145 وفيه: (وأن كافرهم أحبط أعمالهم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى ﴾ الذين استجابوا هم المؤمنون، وهذا استئناف كلام، والحسنى: الجنة، وإعرابها مبتدأ وخبرها: للذين استجابوا، والذين استجابوا مبتدأ وخبره لو أن لهم ما في الأرض الآية فيوقف على الأمثال، وعلى الحسنى، وقيل: للذين استجابوا يتعلق بيضرب، والحسنى مصدر من معنى استجابوا: أي استجابوا الاستجابة الحسنى، والذين لم يستجيبوا معطوف على الذين استجابوا، والمعنى: يضرب الله الأمثال للطائفتين، وعلى هذا إنما يوقف على: والذين لم يستجيبوا له ﴿ سواء الحساب ﴾ أي المناقشة والاستقصاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.
﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.
الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.
﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.
التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.
وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.
وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.
ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.
وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.
وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.
فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.
وعن الحسن.
خلق الله ليس بملك.
وعن النبي : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .
وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.
وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.
وعن علي : سبحان من سبحت له.
وكان رسول الله يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .
وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.
والمطر بكاؤهم.
أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه جعل له أعواناً.
قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.
قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.
ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.
ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله فقال رجل من أصحابه.
يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.
فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.
فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.
فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.
قال تجعل لي الأمر بعدك.
قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.
قال: لا.
قال: فماذا تجعل لي؟
قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.
قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟
وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.
فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.
فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟
ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.
قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .
ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.
وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.
أبو عبيدة: شديد العقوبة.
الحسن: شديد النقمة.
وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.
وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي في الكافرين حين دعا عليهما.
وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.
وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.
﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.
﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.
والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.
وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.
ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.
ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.
وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.
كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.
وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.
وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.
ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".
واعلم أنه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.
وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.
وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله أعلم بمراده.
ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟
فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.
والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.
وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.
ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.
قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله منزه عن ذلك.
وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.
ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.
وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.
قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.
وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.
ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.
والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.
ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.
وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.
ثم قال إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.
أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.
﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.
ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.
يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.
وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.
ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.
ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.
وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.
وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.
وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.
وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.
﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.
ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.
ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.
وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.
وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.
وقيل: هو مؤازة النبي ومعاونته ونصرته في الجهاد.
وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.
وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .
﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.
وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.
﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .
﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.
قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.
وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.
يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟
قال: من بلخ.
فقال: وهل تعرف شقيقاً؟
فقال: نعم.
فقال: كيف طريقة أصحابه؟
فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.
وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله أن تكون مرجع أهلها.
والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.
قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.
وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.
قال الواحدي: والأول أصح لأن الله جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.
ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.
والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.
وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.
قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.
وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.
وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.
وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.
ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.
والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.
وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.
وروي عن النبي أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.
وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.
وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.
قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.
والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.
وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.
وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.
وقيل: المراد أنه أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.
والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.
و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".
والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.
عن ابن عباس: فرح وقرة عين.
الضحاك: غبطة لهم.
قتادة: حسنى لهم.
الأصم: خير وكرامة.
الزجاج: عيش طيب.
والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.
وقيل: طوبى شجرة في الجنة.
حكى الأصم أن أصلها في دار النبي وفي دار كل مؤمن منها غصن.
روي عن رسول الله أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.
التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.
ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.
معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.
آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.
﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.
﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.
وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.
فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: أجابوا ربهم فيما دعاهم إليه، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة بقوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ دعاهم إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد، فمن أجابه فيما دعاه كان له دار السلام]، والحسنى الذي ذكر، ومن رد دعاءه كان له النار ودار الهوان؛ فأيهما اختار، فله الموعود الذي وعد؛ إن اختار إجابته إلى ما دعاه؛ فله النعيم الدائم الذي وعد ودار السلام؛ وإن اختار الرد وترك الإجابة، فله ما وعد من العذاب الدائم والهوان.
والأمثال التي ذكر أنها ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ هو هكذا للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وكذلك ما ذكر من القرآن أنه هدى ورحمة للمؤمنين، وأمّا على أهل الكفر؛ فهو عمى وضلال.
وكذلك قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ وأمّا قلوب الكفرة فما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ و ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ﴾ وأمثاله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ .
أي: ضِعْفه معه؛ لافتدوا به، يذكر هذا - والله أعلم - أن الذي كان يمنعهم عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه - رغبتهم في هذه الدنيا؛ وميلهم إليها؛ يتمنون - لما يحل فيهم من العذاب والشدائد - أن يكون لهم ما في الأرض جميعاً أن يفتدوا به.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
أي: يحاسبون حساباً يسوءهم؛ لأن حسناتهم التي عملوها وطمعوا الإنتفاع بها - لم تنفعهم بل صارت كالسراب الذي ذكر: ﴿ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ ولم يتجاوز عن سيئاتهم ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ أي: الذي يأوون إليه؛ هو جهنم وبئس المهاد؛ لما يسوءهم ذلك والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: من يعلم الحق حقّاً كمن هو يعمى عنه ولا يعلم؟
أو من يعلم الحقّ أنه حق؛ كمن يعلمه باطلاً؟
ليسا بسواء؛ كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
[أي] إنما يتذكر - بالتذكير أولو الألباب وذوو العقول؛ الذين ينتفعون بعقولهم ولُبّهم.
ثم بين من هم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل عهد الله عهد خلقه؛ يوفون بما في خلقتهم [من العهد]؛ إذ في خلقة كل أحد - دلالة وحدانيته، وشهادة ألوهيته؛ فوفوا ذلك العهد.
ويحتمل: عهد الله ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...
﴾ الآية [آل عمران: 81] ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [آل عمران: 187].
﴿ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ ﴾ .
العهد والميثاق واحد، وسمي العهد ميثاقاً؛ لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ الصلات التي أمر الله بها أن توصل على جهات ومراتب: أما ما بينه وبين المؤمنين: ألاَّ يحب لهم إلا ما يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب، وأما فيما بينه وبين محارمه: أن يؤوي ويحفظ الحقوق التي جعل الله لبعضهم على بعض؛ ولا يضيعها.
وأما فيما بينه وبين الرسل: فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعاً؛ والكتب كلها.
هذا والله أعلم الصلة التي أمر الله أن يوصل بها.
﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ إما في التقصير فيما أمر أن يوصل، وإما بالتفريط في ذلك، وترك الصلة.
﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ﴾ أي: شدة الحساب؛ حين لم تنفعهم حسناتهم؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم؛ فذلك يسوءهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر: هو كف النفس وحبسها عما تهواه؛ على ما تكره ويثقل عليها.
ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب، وعلى أداء ما افترض الله عليهم وأمرهم بها، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي، يكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.
والله أعلم.
[وقوله: ﴿ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين.
يحتمل: ابتغاء رضوان الله.
ويحتمل: ابتغاء وجه يكون لهم عند الله]، وهو المنزلة والرفعة، ولذلك سمي الرفيع وذو المنزلة: وجيهاً كقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ أي: ذو منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ثمَّ الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها، فعلى ذلك هذا ﴿ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم؛ أو ابتغاء رضوان الله ومرضاته والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
أي: داموا على إقامتها؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها؛ ولكن داموا على إقامتها، وعلى ذلك قوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ ﴾ أي: دوموا على إقامتها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: جعلوها قائمة أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .
يحتمل كل نفقة: الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده، ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ أي: ينفق في كل وقت؛ سرّاً من الناس وعلانية منهم أي: ينفق على جهل من الناس؛ وعلى علم منهم؛ ينفقون على كل حال؛ لا يمنعهم علم الناس بذلك عن الإنفاق، بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ .
أي: يدفعون بالحسنة السيئة، ثم يحتمل وجهين: أحدهما: يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم؛ كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ...
﴾ الآية [فصلت: 34].
والثاني: يدرءون الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف، ولا يكافئون بالسيئ السيئ؛ وبالشر الشر؛ ولكن يدفعون بالخير.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ أي: إذا سُفه عليهم حلموا، والسفه سيئة؛ والحلم حسنة.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .
أي: عقبى أولئك الذين صبروا؛ على ما ذكر؛ من وفاء العهد والصلة التي أمروا بها أن يصلوا؛ والصبر على أداء ما أمر به وافترض عليهم؛ والانتهاء عما نهى عنه - الدار التي دعاهم إليها بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ .
والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ أي: عقبى حسناتهم دار الجنة، وأولئك لهم عقبى هذه الدار الجنة، أو عاقبتهم دار الجنة.
ثم نَعَتَ تلك الدار؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ .
عدن: قال أهل التأويل: عدن: هو بطان الجنة؛ وهو وسطها، وقال بعضهم: عدن هو الإقامة؛ أي: جنات يقيمون فيها؛ يقال: عدن: أي: أقام.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ .
فإن قيل: كيف خص بالذكر الآباء والأزواج والذرية؛ وهم قد دخلوا في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ فما معنى تخصيصهم بالذكر؟
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أنهم أسلموا؛ فاخترموا؛ أي: ماتوا كما أسلموا؛ ولم يكن لهم مما ذكر من الخيرات والحسنات؛ فأخبر أن هؤلاء [يدخلونها - أيضا -] ويلحقون بأولئك.
والثاني: لم يبلغوا الدرجة التي بلغ أولئك؛ فأخبر - عز وجل - أنه يبلغهم درجة أولئك ويلحقهم به؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...
﴾ الآية [الطور: 21] يضم بعضهم إلى بعض في الآخرة كما كانوا في الدنيا، يضم كل ذي قرين في الدنيا قرينه إليه في الآخرة.
وفي قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ ﴾ وما ذكر دلالة أن صلاح غيره وإن قرب منه لا ينفعه؛ حتى يكون في نفسه صلاح، حيث قال: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ وهو ما قال لنوح: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ دل هذا أن صلاح والده أو قريبه لا يجدي له نفعاً في الآخرة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ .
هذا يحتمل أن يكون لمقامهم ومنازلهم أبواب؛ فيدخل عليهم من كل باب ملك.
والثاني: يحتمل أن [يكون] يأتي كل ملك بتحفة [غير التحفة] التي أتى بها الآخر على اختلاف خيراتهم وقدر أعمالهم.
﴿ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ أي: من كل نوع من التحف.
وفيه وجهان: أحدهما: أن الملائكة يكونون خدم أهل الجنة، وفي ذلك تفضيل [البشر] عليهم.
أو أن يكون على حق المصاحبة؛ لما أحبوا هم أهل الخير من البشر في الدنيا؛ لخيرهم؛ فجعل الله بينهم الرفقة، والصحبة في الآخرة والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ كقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله أولئك لهم عقبى الدار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ العهد قد ذكرناه في غير موضع، وكذلك النقض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر؛ إذا نقضوا العهد، والميثاق: قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل؛ وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا قطعوا ما أمر الله به أن يوصل: نقضوا العهد؛ وسعوا في الأرض بالفساد؛ إلا أن يقال: إن نقض العهد يكون بالاعتقاد؛ وذلك يكون [بينهم وبين ربهم]، وكذلك قطع ما أمر الله به أن يوصل إذا كان الأمر الذي أمر به صلة الإيمان بالنبيين والكتب جميعاً؛ فإن كان صلة الأرحام؛ فهو فعل؛ والسعي في الأرض بالفساد فعل أيضاً؛ من زناً أو سرقة أو قطع الطريق، وغير ذلك من المعاصي [ما كان، فهو الإفساد في الأرض والله أعلم.
والإفساد في الأرض يحتمل: منعهم الناس [من] الإيمان به وتصديقه أو غيره من المعاصي] أو قطع الطريق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ يحتمل ما أمر الله به أن يوصل: ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل بالكل وبجميع الكتب، ويحتمل: صلة الأرحام التي فرض عليهم صلتهم؛ قطعوا ذلك.
أو أمرهم أن يصلوا أعمالهم بما اعتقدوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .
اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والإبعاد؛ كأنهم طردوا وأبعدوا عن رحمة الله في الآخرة، أو طردوا وأبعدوا من هداية الله وإرشاده في الدنيا.
﴿ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .
قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار؛ وحذروا عن دار: دعوا إلى دار السلام؛ فإن أجابوا فلهم الحسنى؛ على ما ذكر، وحذروا عن دار الهوان؛ [فإن لم يحذروا فلهم] دار السوء والهوان.
أو سماها سوء الدار؛ لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار مقابل ما ذكر لأهل الجنة: حسن المآب وحسن الثواب والحسنى.
<div class="verse-tafsir"
للمؤمنين الذين أجابوا ربهم لما دعاهم لتوحيده وطاعته المثوبة الحسنى وهي الجنة، والكفار الذين لم يجيبوا دعوته إلى توحيده وطاعته لو اتفق أن لهم ما في الأرض من أنواع المال، ولهم مثله مضافًا إليه؛ لبذلوا كل ذلك فداءً لأنفسهم من العذاب، أولئك الذين لم يجيبوا دعوته يحاسبون على سيئاتهم كلها، ومسكنهم الذي يأوون إليه جهنم فراشهم ومستقرهم الذي هو النار.
من فوائد الآيات بيان ضلال المشركين في دعوتهم واستغاثتهم بغير الله تعالى، وتشبيه حالهم بحال من يريد الشرب فيبسط يده للماء بلا تناول له، وليس بشارب مع هذه الحالة؛ لكونه لم يتخذ وسيلة صحيحة لذلك.
أن من وسائل الإيضاح في القرآن: ضرب الأمثال وهي تقرب المعقول من المحسوس، وتعطي صورة ذهنية تعين على فهم المراد.
إثبات سجود جميع الكائنات لله تعالى طوعًا، أو كرهًا بما تمليه الفطرة من الخضوع له سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.MDnwo"