الآية ١٧ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٧ من سورة الرعد

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 149 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه ، والباطل في اضمحلاله وفنائه ، فقال تعالى : ( أنزل من السماء ماء ) أي : مطرا ، ( فسالت أودية بقدرها ) أي : أخذ كل واد بحسبه ، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء ، وهذا صغير فوسع بقدره ، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها ، فمنها ما يسع علما كثيرا ، ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ، ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) أي : فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه ، هذا مثل ، وقوله : ( ومما يوقدون عليه في النار ) هذا هو المثل الثاني ، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ( ابتغاء حلية ) أي : ليجعل حلية أو نحاسا أو حديدا ، فيجعل متاعا فإنه يعلوه زبد منه ، كما يعلو ذلك زبد منه .

( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) أي : إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له ، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار ، بل يذهب ويضمحل; ولهذا قال : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) أي : لا ينتفع به ، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي ، ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح .

وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب ، لا يرجع منه شيء ، ولا يبقى إلا الماء وذلك الذهب ونحوه ينتفع به; ولهذا قال : ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) كما قال تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) [ العنكبوت : 43 ] .

قال بعض السلف : كنت إذا قرأت مثلا من القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي; لأن الله تعالى يقول : ( وما يعقلها إلا العالمون ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قوله تعالى : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) هذا مثل ضربه الله ، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها ، فأما الشك فلا ينفع معه العمل ، وأما اليقين فينفع الله به أهله .

وهو قوله : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) [ وهو الشك ] ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) وهو اليقين ، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار; فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : قوله : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ) يقول : احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ( ومما يوقدون عليه في النار ) فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد ، فللنحاس والحديد خبث ، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء ، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة ، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت .

فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله ، والعمل السيئ يضمحل عن أهله ، كما يذهب هذا الزبد ، فكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله ، فمن عمل بالحق كان له ، ويبقى كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض .

وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبثه ، ويخرج جيده فينتفع به .

كذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة ، وأقيم الناس ، وعرضت الأعمال ، فيزيغ الباطل ويهلك ، وينتفع أهل الحق بالحق .

وكذلك روي في تفسيرها عن مجاهد ، والحسن البصري ، وعطاء ، وقتادة ، وغير واحد من السلف والخلف .

وقد ضرب الله ، سبحانه وتعالى ، في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين ناريا ومائيا ، وهما قوله : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ) الآية [ البقرة : 17 ] ، ثم قال : ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ) الآية [ البقرة : 19 ] .

وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين ، أحدهما : قوله : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ) [ النور : 39 ] الآية ، والسراب إنما يكون في شدة الحر; ولهذا جاء في الصحيحين : " فيقال لليهود يوم القيامة : فما تريدون ؟

فيقولون : أي ربنا ، عطشنا فاسقنا .

فيقال : ألا تردون ؟

فيردون النار فإذا هي كالسراب يحطم بعضها بعضا " .

ثم قال في المثل الآخر : ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ) الآية [ النور : 40 ] .

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ، كمثل غيث أصاب أرضا ، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس ، فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا ، وأصابت طائفة منها [ أخرى ] إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " .

فهذا مثل مائي ، وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " مثلي ومثلكم ، كمثل رجل استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها ، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها " .

قال : " فذلكم مثلي ومثلكم ، أنا آخذ بحجزكم عن النار ، هلم عن النار [ هلم عن النار ، هلم ] فتغلبوني فتقتحمون فيها " .

وأخرجاه في الصحيحين أيضا فهذا مثل ناري .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل، والإيمان به والكفر.

يقول تعالى ذكره: مثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله، مثل ماء أنـزله الله من السماء إلى الأرض(فسالت أوديةٌ بقدرها) ، يقول: فاحتملته الأودية بملئها، الكبير بكبره، والصغير بصغره(فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) ، يقول: فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنـزله الله من السماء، زبدًا عاليًا فوق السيل .

فهذا أحدُ مثلي الحقّ والباطل, فالحق هو الماءُ الباقي الذي أنـزله الله من السماء, والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل .

والمثل الآخر: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية) يقول جل ثناؤه: ومثلٌ آخر للحقّ والباطل, مثل فضة أو ذهب يوقد عليها الناس في النار طلب حلية يتخذونها أو متاع, وذلك من النحاس والرصاص والحديد, يوقد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به، (زبد مثله) ، يقول تعالى ذكره: ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء زبد مثله, يعني: مثل زبد السَّيل لا ينتفع به ويذهب باطلا كما لا ينتفع بزبد السَّيل ويذهب باطلا .

* * * ورفع " الزبد " بقوله: (ومما يوقدون عليه في النار) .

* * * ومعنى الكلام: ومما يوقدون عليه في النار زبدٌ مثلُ زبد السيل في بطول زبده, وبقاء خالص الذهب والفضة .

يقول الله تعالى: (كذلك يضرب الله الحق والباطل) ، يقول: كما مثَّل الله مثلَ الإيمان والكفر، (20) في بُطُول الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله، بالباقي النافع من ماء السيل وخالص الذهب والفضة, كذلك يمثل الله الحق والباطل (فأما الزبد فيذهب جُفَاء) يقول: فأما الزبد الذي علا السيل والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها, فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به، وتعلُّقه بالأشجار وجوانب الوادي(وأما ما ينفع الناس) من الماء والذهب والفضة والرصاص والنحاس, فالماء يمكثُ في الأرض فتشربه, والذهب والفضة تمكث للناس(كذلك يضرب الله الأمثال) يقول: كما مثَّل هذا المثل للإيمان والكفر, كذلك يمثل الأمثال .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20311- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) فهذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكّها, فأما الشك فلا ينفع معه العمل, وأما اليقين فينفع الله به أهله, وهو قوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء) ، وهو الشك(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وهو اليقين, كما يُجْعل الحَلْيُ في النار فيؤخذ خالصُه ويترك خَبَثُه في النار, فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك .

20312- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) ، يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودِمْنة، (ومما يوقدون عليه في النار) فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد, وللنحاس والحديد خَبَث, فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء .

فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة, وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت .

فجعل ذلك مثل العمل الصالح يبقى لأهله, والعمل السيءُ يضمحل عن أهله, كما يذهب هذا الزبد, فكذلك الهدى والحق جاء من عند الله, فمن عمل بالحق كان له، وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض.

وكذلك الحديد لا يستطاع أن تجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النّار فتأكل خبَثَه, فيخرج جيّده فينتفع به.

فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة، وأقيم الناس, وعرضت الأعمال, فيزيغ الباطل ويهلك, وينتفع أهل الحق بالحق, ثم قال: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حِلْية أو متاع زبدٌ مثله).

20313- حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية) إلى: (أو متاع زبد مثله) ، فقال: ابتغاء حلية الذهب والفضة, أو متاع الصُّفْر والحديد .

قال: كما أوقد على الذهب والفضة والصُّفْر والحديد فخلص خالصه.

قال: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا به .

20314- حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) ، قال: ما أطاقت ملأها(فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) قال: انقضى الكلام, ثم استقبل فقال: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) قال: المتاع: الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه(زبد مثله) قال: خَبَثُ ذلك مثل زَبَد السيل .

قال: (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وأما الزبد فيذهب جفاء، قال: فذلك مثل الحق والباطل .

20315- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير, عن مجاهد: أنه سمعه يقول: فذكر نحوه وزاد فيه، قال: قال ابن جريج: قال مجاهد قوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء) قال: جمودًا في الأرض,(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، يعني الماء.

وهما مثلان: مثل الحق والباطل .

20316- حدثنا الحسن قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (زبدًا رابيًا) السيل مثل خَبَث الحديد والحلية(فيذهب جفاء) جمودًا في الأرض (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) ، الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه .

وقوله: (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، إنما هما مثلان للحق والباطل .

20317- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد 20318- ...

قال، وحدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد يزيد أحدهما على صاحبه في قوله: ( فسالت أودية بقدرها) قال: بملئها(فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) ، قال: الزبد: السيل(ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) ، قال: خبث الحديد والحلية(فأما الزبد فيذهب جفاء) قال: جمودًا في الأرض(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) قال: الماء وهما مثلان للحق والباطل .

20319- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) ، الصغير بصغره، والكبير بكبره(فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) أي عاليًا(ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء) و " الجفاء ": ما يتعلق بالشجر(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) .

هذه ثلاثة أمثال ضربَها الله في مثلٍ واحد.

يقول: كما اضمحلّ هذا الزبد فصار جُفاءً لا ينتفع به ولا تُرْجى بركته, كذلك يضمحلّ الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد, وكما مكث هذا الماء في الأرض, فأمرعت هذه الأرض وأخرجت نباتها, كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض, فأخرج الله به ما أخرج من النبات قوله: (ومما يوقدون عليه في النار) الآية, كما يبقى خالص الذهب والفضة حين أدخل النار وذهب خَبَثه, كذلك يبقى الحق لأهله قوله: (أو متاع زبد مثله) ، يقول: هذا الحديد والصُّفْر الذي ينتفع به فيه منافع.

يقول: كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصُّفر حين أدخل النار وذهب خَبَثه, كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما .

20320- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (فسالت أودية بقدرها) ، الكبير بقدره، والصغير بقدره(زبدًا رابيًا) قال: ربا فوق الماء الزبد" ومما يوقدون عليه في النار " قال: هو الذهب إذا أدخل النار بقي صَفْوه ونُفِيَ ما كان من كَدَره.

وهذا مثل ضربه الله .

للحق والباطل(فأما الزبد فيذهب جفاء) ، يتعلق بالشجر فلا يكون شيئًا.

هذا مثل الباطل(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، وهذا يخرج النبات.

وهو مثل الحق(أو متاع زبد مثله) قال: " المتاع "، الصُّفْر والحديد .

20321- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف قال: بلغني في قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) قال: إنما هو مثل ضربه الله للحق والباطل(فسالت أودية بقدرها) الصغير على قدره, والكبير على قدره, وما بينهما على قدره (فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) يقول: عظيمًا, وحيث استقرَّ الماءُ يذهب الزبد جفاءً فتطير به الريح فلا يكون شيئًا, ويبقى صريح الماء الذي ينفع الناس، منه شرابهم ونباتهم ومنفعتهم(أو متاع زبد مثله) ، ومثل الزبد كلّ شيء يوقد عليه في النار الذهب والفضة والنحاس والحديد, فيذهب خَبَثُه ويبقى ما ينفع في أيديهم, والخبث والزَّبد مثل الباطل, والذي ينفع الناس مما تحصَّل في أيديهم مما ينفعهم المال الذي في أيديهم .

20322- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله " قال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل .

فقرأ: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) هذا الزبد لا ينفع(أو متاع زبد مثله) ، هذا لا ينفع أيضًا قال: وبقي الماءُ في الأرض فنفع الناس, وبقي الحَلْيُ الذي صلح من هذا, فانتفع الناس به(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) ، وقال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل .

20323- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (أودية بقدرها) قال: الصغير بصغره, والكبير بكبره .

20324- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء: ضرب الله مثلا للحق والباطل, فضرب مثل الحق كمثل السيل الذي يمكث في الأرض, وضرب مثل الباطل كمثل الزبد الذي لا ينفع الناس .

* * * وعنى بقوله: (رابيًا) ، عاليًا منتفخًا, من قولهم: رَبَا الشيء يَرْبُو رُبُوًا فهو رابٍ, ومنه قيل للنَّشْز من الأرض كهيئة الأكمة: " رابية " ، ومنه قول الله تعالى: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ .

[سورة الحج5/سورة فصلت39].

(21) * * * وقيل للنحاس والرصاص والحديد في هذا الموضع " المتاع "، لأنه يستمتع به, وكل ما يتمتع به الناس فهو " متاع " ، (22) كما قال الشاعر: (23) تَمَتَّــعْ يــا مُشَــعَّثُ إنَّ شَــيْئًا سَــبَقْتَ بِـهِ المَمَـاتَ هُـوَ المَتَـاعُ (24) * * * وأما الجفاء فإني: 20325- حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال أبو عمرو بن العلاء: يقال: قد أجفأت القِدْرُ, وذلك إذا غلت فانصبَّ زَبدها, أو سَكنَت فلا يبقى منه شيءٌ .

(25) * * * وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة، أن معنى قوله: (فيذهب جفاء) تنشِفهُ الأرض, وقال: يقال: جفا الوادي وأجفى في معنى نشف," وانجفى الوادي" (26) ، إذا جاء بذلك الغثاء," وغَثَى الوادي فهو يَغْثَى غَثْيًا وغَثَيَانًا " (27) وذكر عن العرب أنها تقول: " جفأتُ القدر أجفؤها "، إذا أخرجتَ جُفَاءها, وهو الزبد الذي يعلوها و " أجفأتها إجفاء " لغة .

قال: وقالوا: " جفأت الرجل جَفْأً": صرعته .

وقيل: (فيذهب جفاء) بمعنى " جفأ ", لأنه مصدر من قول القائل: " جفأ الوادي غُثاءه, فخرج مخرج الاسم، وهو مصدر, كذلك تفعل العرب في مصدر كلّ ما كان من فعل شيء اجتمع بعضُه إلى بعض كـ" القُمَاش والدُّقاق والحُطام والغُثَاء ", تخرجه على مذهب الاسم, كما فعلت ذلك في قولهم: " أعطيتُه عَطاء ", بمعنى الإعطاء, ولو أريد من " القماش " ، المصدر على الصحة لقيل: " قد قمشه قَمْشًا " .

-------------------------- الهوامش : (20) في المطبوعة :" كما مثل الله الإيمان .." ، حذف ما أثبته من المخطوطة .

(21) انظر تفسير" ربا" فيما سلف 6 : 7 .

(22) انظر تفسير" المتاع" فيما سلف 15 : 146 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(23) هو المشعث العامري ، وبهذا البيت سمي" مشعثًا" .

(24) الأصمعيات رقم : 48 ، ومعجم الشعراء : 475 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 328 ، واللسان ( متع ) ، وهي أبيات جياد ، يقول بعد البيت : بــإصْر يَــتَّرِكْنِي الحــيُّ يومًـا رَهينــةَ دَارِهــمْ , وَهُــمُ سِـرَاعُ وجــاءَتْ جَيْــأَلٌ وَأبُــو بَنِيهَـا أَحَـــمُّ المَــأْقِيَيْنِ بِــهِ خُمَــاعُ فظَــلاَّ ينْبِشــانِ الــتُّرْبَ عنِّـي ومــا أنَـا وَيْـبَ غـيْرِك والسِّـباعُ يقول : ليأتيني الأجل ، فيتركني أهلي دفينًا في ديارهم ، ثم يسرعون الرحيل .

ثم تأتي" جيأل" ، وهي أنثى الضباع ، ويأتي ذكرها ، أسود مأق العين ، يخمع ويعرج ، فينبشان الترب عني ، ولا دفع عندي لما يفعلان .

(25) هذا نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 329 .

(26) هذا نص لا شبيه له في كتب اللغة في مادة ( جفا ) ، ولا في مادة ( جفأ ) ، وبين أنه أراد" جفا وأجفى" المعتل الآخر ، لا المهموز ، ولا أدري من قاله .

(27) هذا أيضًا لا أدري من قاله قبل زمان أبي جعفر ، إلا أن صاحب اللسان ذكر مثله عن ابن جني ، والمعروف عند أهل اللغة :" غثا الوادي يغثو" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال[ ص: 266 ] قوله تعالى : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ضرب مثلا للحق والباطل ; فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء ، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية ، وتدفعه الرياح ; فكذلك يذهب الكفر ويضمحل ، على ما نبينه .

قال مجاهد : فسالت أودية بقدرها قال : بقدر ملئها .

وقال ابن جريج : بقدر صغرها وكبرها .

وقرأ الأشهب العقيلي والحسن " بقدرها " بسكون الدال ، والمعنى واحد .

وقيل : معناها بما قدر لها .

والأودية .

جمع الوادي ; وسمي واديا لخروجه وسيلانه ; فالوادي على هذا اسم للماء السائل .

وقال أبو علي : فسالت أودية توسع ; أي سال ماؤها فحذف ، قال : ومعنى " بقدرها " بقدر مياهها ; لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها .

فاحتمل السيل زبدا رابيا أي طالعا عاليا مرتفعا فوق الماء ; وتم الكلام ; قاله مجاهد .

ثم قال : ومما يوقدون عليه في النار وهو المثل الثاني .

ابتغاء حلية أي حلية الذهب والفضة .

أو متاع زبد مثله قال مجاهد : الحديد والنحاس والرصاص .

وقوله : " زبد مثله " أي يعلو هذه الأشياء زبد كما يعلو السيل ; وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه تراب الأرض فصار ذلك زبدا ، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب والفضة مما ينبث في الأرض من المعادن فقد خالطه التراب ; فإنما يوقد عليه ليذوب فيزايله تراب الأرض .

وقوله : كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء قال مجاهد : جمودا .

وقال أبو عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء : أجفأت القدر إذا غلت حتى ينصب زبدها ، وإذا جمد في أسفلها .

والجفاء ما أجفاه الوادي أي رمى به .

وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ " جفالا " قال أبو عبيدة : يقال أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها ، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته .

وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض قال مجاهد : هو الماء الخالص الصافي .

وقيل : الماء وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ; وهو أن المثلين ضربهما الله للحق في ثباته ، والباطل في اضمحلاله ، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال فإنه يضمحل كاضمحلال الزبد والخبث .

وقيل : المراد مثل ضربه الله للقرآن وما يدخل منه القلوب ; فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه ، وشبه القلوب بالأودية ، يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية بحسب [ ص: 267 ] سعتها وضيقها .

قال ابن عباس : أنزل من السماء ماء قال : قرآنا ، فسالت أودية بقدرها قال : الأودية قلوب العباد .

قال صاحب " سوق العروس " إن صح هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مثل القرآن بالماء .

ومثل القلوب بالأودية ، ومثل المحكم بالصافي ، ومثل المتشابه بالزبد .

وقيل : الزبد مخايل النفس وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب من سلطان تلعها ، كما أن ماء السيل يجري صافيا فيرفع ما يجد في الوادي باقيا ، وأما حلية الذهب والفضة فمثل الأحوال السنية .

والأخلاق الزكية ; التي بها جمال الرجال ، وقوام صالح الأعمال ، كما أن من الذهب والفضة زينة النساء ، وبهما قيمة الأشياء .

وقرأ حميد وابن محيصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص ، يوقدون بالياء واختاره أبو عبيد ; لقوله : ينفع الناس فأخبر ، ولا مخاطبة هاهنا .

الباقون بالتاء لقوله في أول الكلام : أفاتخذتم من دونه أولياء .

وقوله : " في النار " متعلق بمحذوف ، وهو في موضع الحال ، وذو الحال الهاء التي في " عليه " التقدير : ومما توقدون عليه ثابتا في النار أو كائنا .

وفي قوله : " في النار " ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي اسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق " في النار " ب " يوقدون " من حيث لا يستقيم أوقدت عليه في النار ; لأن الموقد عليه يكون في النار ، فيصير قوله : " في النار " غير مفيد .

وقوله : " ابتغاء حلية " مفعول له .

" زبد مثله " ابتداء وخبر ; أي زبد مثل زبد السيل .

وقيل : إن خبر " زبد " قوله : " في النار " .

الكسائي : " زبد " ابتداء ، و " مثله " نعت له ، والخبر في الجملة التي قبله ، وهو مما يوقدون .

" كذلك يضرب الله الأمثال " أي كما بين لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بينات .

تم الكلام ،

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

شبّه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح، بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبّه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد، بما في المطر من النفع العام الضروري، وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول، فواد كبير يسع ماء كثيرا، كقلب كبير يسع علما كثيرا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا، كقلب صغير، يسع علما قليلا، وهكذا.

وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها، بالزبد الذي يعلو الماء ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة.

كذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حتى تذهب وتضمحل ويبقى القلب خالصا صافيا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره، والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق { إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } وقال هنا: { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ } ليتضح الحق من الباطل والهدى والضلال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أنزل ) يعني : الله عز وجل ( من السماء ماء ) يعني : المطر ( فسالت ) من ذلك الماء ( أودية بقدرها ) أي : في الصغر والكبر ( فاحتمل السيل ) الذي حدث من ذلك الماء ( زبدا رابيا ) الزبد : الخبث الذي يظهر على وجه الماء ، وكذلك على وجه القدر ، " رابيا " أي عاليا مرتفعا فوق الماء ، فالماء الصافي الباقي هو الحق ، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية هو الباطل .

وقيل : قوله " أنزل من السماء ماء " : هذا مثل للقرآن ، والأودية مثل للقلوب ، يريد : ينزل القرآن فتحمل منه القلوب على قدر اليقين ، والعقل ، والشك ، والجهل .

فهذا أحد المثلين ، والمثل الآخر : قوله عز وجل : ( ومما يوقدون عليه في النار ) .

قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ( يوقدون ) بالياء لقوله تعالى : ( ما ينفع الناس ) ولا مخاطبة هاهنا .

وقرأ الآخرون بالتاء " ومما توقدون " أي : ومن الذي توقدون عليه في النار .

والإيقاد : جعل النار تحت الشيء ليذوب .

( ابتغاء حلية ) أي : لطلب زينة ، وأراد الذهب والفضة ; لأن الحلية تطلب منهما ( أو متاع ) أي : طلب متاع وهو ما ينتفع به ، وذلك مثل الحديد ، والنحاس ، والرصاص ، والصفر تذاب فيتخذ منها الأواني وغيرها مما ينتفع بها ( زبد مثله ) .

( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) أي : إذا أذيب فله أيضا زبد مثل زبد الماء ، فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق ، والزبد الذي لا ينتفع به مثل الباطل .

( فأما الزبد ) الذي علا السيل والفلز ( فيذهب جفاء ) أي : ضائعا باطلا ، والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد ، والقدر إلى جنباته .

يقال : جفا الوادي وأجفأ : إذا ألقى غثاءه ، وأجفأت القدر وجفأت : إذا غلت وألقت زبدها ، فإذا سكنت لم يبق فيها شيء .

معناه : إن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل .

وقيل : " جفاء " أي : متفرقا .

يقال : جفأت الريح الغيم إذا فرقته وذهبت به .

( وأما ما ينفع الناس ) يعني : الماء والفلز من الذهب والفضة والصفر والنحاس ( فيمكث في الأرض ) أي : يبقى ولا يذهب .

( كذلك يضرب الله الأمثال ) جعل الله تعالى هذا مثلا للحق والباطل ، أي : أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع ، والحق كالماء والفلز يبقى في القلوب .

وقيل : هذا تسلية للمؤمنين ، يعني : أن أمر المشركين كالزبد يرى في الصورة شيئا وليس له حقيقة ، وأمر المؤمنين كالماء المستقر في مكانه له البقاء والثبات .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ثم ضرب مثلا للحق والباطل فقال «أنزل» تعالى «من السماء ماء» مطرا «فسالت أودية بقدرها» بمقدار ملئها «فاحتمل السيل زبدا رابيا» عاليا عليه هو ما على وجهه من قذر ونحوه «ومما توقدون» بالتاء والياء «عليه في النار» من جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس «ابتغاه» طلب «حلية» زينة «أو متاع» ينتفع به كالأواني إذا أذيبت «زبد مثله» أي مثل زبد السيل وهو خبثه الذي ينفيه الكير «كذلك» المذكور «يضرب الله الحق والباطل» أي مثلهما «فأما الزبد» من السيل وما أوقد عليه من الجواهر «فيذهب جفاءً» باطلا مرميا به «وأما ما ينفع الناس» من الماء والجواهر «فيمكث» يبقى «في الأرض» زمانا كذلك الباطل يضمحل وينمحق وإن علا على الحق في بعض الأوقات والحق ثابت باقي «كذلك» المذكور «يضرب» يبيِّن «الله الأمثال».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم ضرب الله سبحانه مثلا للحق والباطل بماء أنزله من السماء، فجَرَت به أودية الأرض بقدر صغرها وكبرها، فحمل السيل غثاء طافيًا فوقه لا نفع فيه.

وضرب مثلا آخر: هو المعادن يوقِدون عليها النار لصهرها طلبًا للزينة كما في الذهب والفضة، أو طلبًا لمنافع ينتفعون بها كما في النحاس، فيخرج منها خبثها مما لا فائدة فيه كالذي كان مع الماء، بمثل هذا يضرب الله المثل للحق والباطل: فالباطل كغثاء الماء يتلاشى أو يُرْمى إذ لا فائدة منه، والحق كالماء الصافي، والمعادن النقية تبقى في الأرض للانتفاع بها، كما بيَّن لكم هذه الأمثال، كذلك يضربها للناس؛ ليتضح الحق من الباطل والهدى من الضلال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ضرب - سبحانه - مثلين للحق هما الماء الصافى والجوهر النقى للذين ينتفع بهما ، ومثلين للباطل هما زبد الماء وزبد الجوهر اللذان لا نفع فيهما فقال - تعالى - ( أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً ) .والأودية : جمع واد وهو الموضع المتسع الممتد من الأرض الذى يسيل فيه الماء بكثرة ، .والسيل : الماء الجارى فى تلك الأودية .والزبد : هو الغثاء الذى يعلو على وجه الماء عند اشتداد حركته واضطرابه أو ما يعلو القدر عند الغليان ويسمى بالرغوة والوضر والخبث لعدم فائدته ، ورابيا : من الربو بمعنى العلو والارتفاع .والمعنى : أنزل الله - تعالى - من السماء ماء كثيرا .

ومطرا مدارا ، فسالت أودية بقدرها ، أى : فسالت المياه فى الأدوية بسبب هذا الإِنزال ، بمقدارها الذى حدده الله - تعالى - واقتضته حكمته فى نفع الناس .أو بمقدارها قلة وكثرة ، بحسب صغر الأودية وكبرها ، واتساعها وضيقها ( فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً ) أى فحمل الماء السائل فى الأدوية بكثرة وقوة ، غثاء عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا عليه ، لا نفع فيه ولا فائدة منه .وإلى هنا يكون قد انتهى المثل الأول ، حيث شبه - سبحانه - الحق وأهله فى الثبات والنفع بالماء الصافى الذى ينزل من السماء فتمتلئ به الأودية ويبقى محل انتفاع الناس به إلى الوقت المحدد فى علم الله - تعالى - .وشبه الباطل وشيعته فى الاضمحلال وعدم النفع ، بزبد السيل المنتفخ المرتفع فوق سطح الماء ، فإنه مهما علا وارتفع فإنه سرعان ما يضمحل ويفنى وينسلخ عن المنفعة والفائدة .ثم ابتدأ - سبحانه - فى ضرب المثل الثانى فقال : ( وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ) .و ( من ) فى قوله ( وَمِمَّا يُوقِدُونَ ) لا بتداء الغاية ، وما موصولة ، ويوقدون من الإيقاد وهو جعل الحطب وما يشبهه فى النار ليزيد اشتعالها .والجملة فى محل رفع خبر مقدم ، وقوله " زبد " مبتدأ مؤخر .والحلية : ما يتحلى به الإِنسان من الذهب والفضة وغيرهما .والمتاع : ما يتمتع به فى حياته من الأوانى والآلات المتخذة من الحديد والرصاص وأشباههما .والضمير فى قوله ( مثله ) يعود إلى الزبد فى قوله - تعالى - ( زَبَداً رَّابِياً ) .وقد قرأ حمزة والكسائى وحفص ( يوقدون ) وقرأ الباقون توقدون بالتاء .والضمير للناس ، واضمر مع عدم سبق ذكره لظهوره .والمعنى : وشبيه بالمثل السابق فى خروج الزبد والخبث وطرحه بعيدا عن الأشياء النافعة ، ما توقدون عليه النار من والمعادن والجواهر ، لكى تستخرجوا منها ما ينفعكم من الحلى والأمتعة المتنوعة ، فإنكم فى مثل هذه الحالة ، تبقون على النقى النافع منها ، وتطرحون الزبد والخبث الذى يلفظه الكير ، والذى هو مثل زبد السيل فى عدم النفع .فقد شبه - سبحانه - فى هذا المثل الثانى الحق وأهله فى البقاء والنفع بالمعادن النافعة الباقية ، وشبه الباطل وحزبه فى الفناء وعدم النفع بخبث الحديد الذى يطرحه كير الحداد ، ويهمله الناس .ثم بين - سبحانه - المقصود من ضرب هذه الأمثال فقال : ( كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل ) .أى : مثل ذلك البيان البديع ، يضرب الله الأمثلة للحق وللباطل إذا اجتمعنا بأن يبين بأنه لاثبات للباطل - مهما علا وانتفخ - مع وجود الحق ، كما انه لاثبات للزبد مع الماء الصافى ، ولا مع المعادن النقية .والكلام على حذف مضاف والتقدير : يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل .وسر الحذف : الإِنباء عن كمال التماثل بين الممثل والممثل به ، حتى لكأن المثل المضروب هو عين وعين الباطل .ثم شرع - سبحانه - فى تقسيم المثل فقال : ( فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض )أى : فأما الزبد الذى لفظه السيل والحديد فيذهب ( جفاء ) مرميا به ، مطروحا بعيدا ، لأنه لا نفع فيه .يقال : جفأ الماء بالزبد ، إذا قذفه ورمى به ، وجفأت الريح الغيم ، إذا مزقته وفرقته ، والجفاء بمعنى الغثاء .وأما ما ينفع الناس من الماء الصافى ، والمعدن النقى الخالى من الخبث ( فَيَمْكُثُ فِي الأرض ) أى فيبقى فيها لينتفع الناس به .وبدأ - سبحانه - بالزبد فى البيان فقال ( فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ ) مع أنه متأخر فى الكلام السابق لأن الزبد هو الظاهر المنظور أولا لأعين الناس ، أما الجوهر فهو مستتر خلفه لأنه هو الباقى النافع .أو لأنه جرت العادة فى التقسيم أن يبدأ بالمتأخر كما فى قوله - تعالى - ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ ) وقوله ( كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال ) تفخيم لشأن هذا التمثيل الذى اشتملت عليه الآية الكريمة .أى : مثل ذلك البيان البديع الذى اشتملت عليه الآية الكريمة يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ، فيحملهم هذا التفكير على الإِيمان الحق ، وحسن التمييز بين الخير والشر ، والمعروف والمنكر ، والحق والباطل .قال الإِمام الشوكانى : " هذان مثلان ضربهما الله - تعالى - فى هذه الآية للحق وللباطل يقول : إن الباطل وإن ظهر على الحق فى بعض الأحوال وعلاه ، فإن الله - تعالى - سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله .كالزبد الذى يعلو الماء فيلقيه الماء ، وكخبث هذه الأجسام ، فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه ، فهذا مثل الباطل .وأما الماء الذى ينفع الناس وينبت المراعى فيمكث فى الأرض ، وكذلك الصافى من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه ، وهو مثل الحق .وقال الزجاج : فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإِيمان كمثل هذا الماء المنتفع به فى نبات الأرض وحياة كل شئ ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعا لها .ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذى يذهب جفاء ، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذى لا ينفع به "

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالأعمى والبصير والظلمات والنور ضرب للإيمان والكفر مثلاً آخر فقال: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ ومن حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها، من حق الماء إذا زاد على قدر الأودية أن ينبسط على الأرض ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو عليه أن يتبدد في الأطراف ويبطل، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان من البياض أو ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة، ولما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد جري الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا بالنار، وذلك لأن كل واحد من الأجساد السبعة إذا أذيب بالنار لابتغاء حلية أو متاع آخر من الأمتعة التي يحتاج إليها في مصالح البيت، فإنه ينفصل عنها نوع من الزبد والخبث، ولا ينتفع به بل يضيع ويبطل ويبقى الخالص.

فالحاصل: أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد، وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء.

والأجساد السبعة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به، فكذا هاهنا أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماء وهو القرآن، والأودية قلوب العباد وشبه القلوب بالأودية، لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم القرآن، كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء، وكما أن كل واحد فإنما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه، فكذا هاهنا كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوة فهمه وقصور فهمه، وكما أن الماء يعلوه زبد الأجساد السبعة المذابة يخالطها خبث، ثم إن ذلك الزبد والخبث يذهب ويضيع ويبقى جوهر الماء وجوهر الأجساد السبعة، كذا هاهنا بيانات القرآن تختلط بها شكوك وشبهات، ثم إنها بالآخرة تزول وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة والمكاشفة في العاقبة، فهذا هو تقرير هذا المثل ووجه انطباق المثل على الممثل به، وأكثر المفسرين سكتوا عن بيان كيفية التمثيل والتشبيه.

المسألة الثانية: في المباحث اللفظية التي في هذه الآية في لفظ الأودية أبحاث: البحث الأول: الأودية جمع واد وفي الوادي قولان: القول الأول: أنه عبارة عن الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل، هذا قول عامة أهل اللغة.

والقول الثاني: قال السهروردي يسمى الماء وادياً إذا سال قال: ومنه سمي الودى ودياً لخروجه وسيلانه، وعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل.

والأول هو القول المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله: ﴿ سَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ مجازاً فكان التقدير: سالت مياه الأودية إلا أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

البحث الثاني: قال أبو علي الفارسي رحمه الله: الأودية جمع واد ولا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة قال: ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، وناصر ونصير، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب، وطائر وأطيار، ووزن فعيل يجمع على أفعلة، كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل.

فيقال: واد وأودية ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال: يتيم وأيتام وشريف وأشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه الله.

وقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس.

البحث الثالث: إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض.

أما قوله تعالى: ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه الدراهم وكم قدرها ومقدارها؟

أي كم تبلغ في الوزن، فما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قدرها.

البحث الثاني: ﴿ سَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ أي من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي كثر الماء.

أما قوله: ﴿ فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال الفراء: يقال أزبد الوادي إزباداً، والزبد الاسم، وقوله: ﴿ رَّابِيًا ﴾ قال الزجاج: طافياً عالياً فوق الماء.

وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه، يقال: ربا يربو إذا زاد.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع زَبَدٌ مّثْلُهُ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء، أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار، وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ يُوقِدُونَ ﴾ بالياء، واختاره أبو عبيدة لقوله: ﴿ يَنفَعُ الناس ﴾ وأيضاً فليس هاهنا مخاطب.

والباقون بالتاء على الخطاب، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان.

الأول: أنه خطاب للمذكورين في قوله: ﴿ قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء  ﴾ والثاني: أنه يجوز أن يكون خطاباً عاماً يراد به الكافة، كأنه قال: ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون.

البحث الثاني: الإيقاد على الشيء على قسمين: أحدهما: أن لا يكون ذلك الشيء في النار، وهو كقوله تعالى: ﴿ فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين  ﴾ والثاني: أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار، فلهذا السبب قال هاهنا: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ﴾ .

البحث الثالث: في قوله: ﴿ ابتغاء حِلْيَةٍ ﴾ قال أهل المعاني: الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله: ﴿ زَبَدٌ مّثْلُهُ ﴾ أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.

ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل ﴾ والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل.

ثم قال: ﴿ أَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس ﴾ قال الفراء: الجفاء الرمي والاطراح يقال: جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال، والمعنى: أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشبهات، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالاً، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار.

أما قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه تم الكلام عند قوله: ﴿ كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال ﴾ ثم استأنف الكلام بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى.

الثاني: أنه متصل بما قبله والتقدير: كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلاً وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف.

واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، أما أحوال السعداء فهي قوله: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى.

قال ابن عباس: الجنة، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال.

ولم يذكر الزيادة هاهنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ  ﴾ وأما أحوال الأشقياء، فهي قوله: ﴿ والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ ﴾ فلهم أنواع أربعة من العذاب والعقوبة.

فالنوع الأول؛ قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ والافتداء جعل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، ومفعول لافتدوا به محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في به عائدة إلى ما في قوله: ﴿ مَّا فِي الأرض ﴾ .

واعلم أن هذا المعنى حق، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيله إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكاً لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه، لأن المحبوب بالعرض لابد وأن يكون فداء لما يكون محبوباً بالذات.

والنوع الثاني: من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم هو قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب ﴾ قال الزجاج: ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم.

وأقول هاهنا حالتان: فكل ما شغلك بالله وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية، وكل ما شغلك بغير الله فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة، ولا شك أن هاتين الحالتين يقبلان الأشد والأضعف والأقل والأزيد، ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها ورسوخها لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة، ولا شك أنه لما كانت كثرة الأفعال توجب حصول تلك الملكات الراسخة وكل واحدة من تلك الأفعال حتى اللمحة واللحظة والخطور بالبال والالتفات الضعيف فإنه يوجب أثراً ما في حصول تلك الحالة في النفس فهذا هو الحساب، وعند التأمل في هذه الفصول يتبين للإنسان صدق قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ  ﴾ .

إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى الله وفي الإقبال بالكلية على عبودية الله تعالى ولا جرم حصل لهم الحسنى.

وأما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم، فلهذا السبب وجب أن يحصل لهم سوء الحساب، والمراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين عن الفوز بخدمة حضرة المولى.

والنوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاستسعاد بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم فيحترقون على مفارقتها وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك قال: ﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال: ﴿ وَبِئْسَ المهاد ﴾ ولا شك أن الأمر كذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى ﴾ فهذا إشارة إلى المثل المتقدم ذكره وهو أن العالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا أخذ يمشي من غير قائد، فالظاهر أنه يقع في البئر وفي المهالك، وربما أفسد ما كان على طريقه من الأمتعة النافعة، أما البصير فإنه يكون آمناً من الهلاك والإهلاك.

ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ﴾ والمراد أنه لا ينتفع بهذه الأمثلة إلا أرباب الألباب الذين يطلبون من كل صورة معناها، ويأخذون من كل قشرة لبابها ويعبرون بظاهر كل حديث إلى سره ولبابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، كما ضرب الأعمى والبصير والظلمات والنور مثلاً لهما، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحليّ منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفة، ولو لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفي به، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهراً، يثبت الماء في منافعه.

وتبقى آثاره في العيون والبئار والجبوب، والثمار التي تنبت به مما يدّخر ويكنز، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة.

وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن المنفعة، بزبد السيل الذي يرمي به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب.

فإن قلت: لم نكرت الأودية؟

قلت: لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ ؟

قلت: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضارّ.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس ﴾ لأنه ضرب المطر مثلا للحق، فوجب أن يكون مطراً خالصاً للنفع خالياً من المضرة، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف.

فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿ ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع ﴾ ؟

قلت: الفائدة فيه كالفائدة في قوله: ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس ﴾ لأنّ المعنى: وأما ما ينفعهم من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع مما يوقد عليه منه ويذاب، وهو الحلية والمتاع.

وقوله: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع ﴾ عبارة جامعة لأنواع الفلز، مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به كما هو هجيرى الملوك، نحو ما جاء في ذكر الآجر ﴿ أوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين ﴾ [القصص: 38] و (من) لابتداء الغاية.

أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.

أو للتبعيض بمعنى وبعضه زبداً رابياً منفخاً مرتفعاً على وجه السيل [ ﴿ جُفَآءً ﴾ يجفؤه السيل:]، أي يرمي به.

وجفأت القدر بزبدها، وأجفأ السيل وأجفل.

وفي قراءة رؤبة ابن العجاج: جفالا وعن أبي حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر.

وقرئ: ﴿ يوقدون ﴾ ، بالياء: أي يوقد الناس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ مِنَ السَّحابِ أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ أوْ مِنَ السَّماءِ نَفْسِها فَإنَّ المَبادِئَ مِنها.

﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ ﴾ أنْهارٌ جَمْعُ وادٍ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ فِيهِ بِكَثْرَةٍ فاتَّسَعَ فِيهِ، واسْتُعْمِلَ لِلْماءِ الجارِي فِيهِ وتَنْكِيرُها لِأنَّ المَطَرَ يَأْتِي عَلى تَناوُبٍ بَيْنَ البِقاعِ.

﴿ بِقَدَرِها ﴾ بِمِقْدارِها الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ نافِعٌ غَيْرُ ضارٍّ أوْ بِمِقْدارِها في الصِّغَرِ والكِبَرِ.

﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا ﴾ رَفَعَهُ والزَّبَدُ وضَرُ الغَلَيانِ.

﴿ رابِيًا ﴾ عالِيًا.

(وَمِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ) يَعُمُّ الفِلِزّاتِ كالذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والنُّحاسِ عَلى وجْهِ التَّهاوُنِ بِها إظْهارًا لِكِبْرِيائِهِ.

﴿ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ﴾ أيْ طَلَبُ حُلِيٍّ.

﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ كالأوانِي وآلاتِ الحَرْبِ والحَرْثِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ مَنافِعِها.

﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ أيْ ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ وهو خُبْثُهُ، و ﴿ مِنَ ﴾ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ وإضْمارُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ.

﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مِثْلَ الحَقِّ والباطِلِ فَإنَّهُ مِثْلُ الحَقِّ في إفادَتِهِ وثَباتِهِ بِالماءِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَسِيلُ بِهِ الأوْدِيَةُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ والمَصْلَحَةِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ أنْواعُ المَنافِعِ، ويَمْكُثُ في الأرْضِ بِأنْ يَثْبُتَ بَعْضُهُ في مَنافِعِهِ ويَسْلُكَ بَعْضُهُ في عُرُوقِ الأرْضِ إلى العُيُونِ والقِنى والآبارِ، وبِالفِلِزِّ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ في صَوْغِ الحِلى واتِّخاذِ الأمْتِعَةِ المُخْتَلِفَةِ ويَدُومُ ذَلِكَ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً، والباطِلُ في قِلَّةِ نَفْعِهِ وسُرْعَةِ زَوالِهِ بِزَبْدِهِما وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ يُجْفَأُ بِهِ أيْ يَرْمِي بِهِ السَّبِيلُ والفِلِزُّ المُذابُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ وقُرِئَ جُفالًا والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ كالماءِ وخُلاصَةِ الفِلِزِّ.

﴿ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ ﴾ يَنْتَفِعُ بِهِ أهْلُها.

﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ لِإيضاحِ المُشْتَبَهاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَنَزلَ} أي الواحد القهار وهو الله سبحانه {مِّنَ السماء} من السحاب {مَآءً} مطراً {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} جمع واد وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة وإنما نكر لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض {بِقَدَرِهَا} بمقدارها الذي علم الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضار {فاحتمل السيل} أي رفع {زَبَدًا} هو ما علا وجه الماء من الرغوة والمعنى علاه زبد {رَّابِيًا} منتفخاً مرتفعاً على وجه السيل {وَمِمَّا يوقدون عليه} وبالياء كوفي غير أبي بكر ومن لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء أو للتبعيض أي وبعضه زبد {فِي النار} حال من الضمير في عليه أي ومما توقدون عليه ثابتاً في النار {ابتغاء حِلْيَةٍ} مبتغين حلية فهو مصدر في موضع الحال من توقدون {أَوْ متاع} من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به في

الرعد (١٧ _ ١٨)

الحضر والسفر وهو معطوف على حلية أي زينة من الذهب والفضة {زَبَدٌ} خبث وهو مبتدأ {مثله} نعت له ومما توقدون

خبر له أي لهذه الفلزّات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء {كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل} أي مثل الحق والباطل {فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاءً} حال أي متلاشياً وهو ما تقذفه القدر عند الغليان والبحر عند الطغيان والجفء الرمى وجفوت الرجل صرعته {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس} من الماء والحلي والأواني {فَيَمْكُثُ فِي الأرض} فيثبت الماء في العيون والآبار والحبوب والثمار وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة {كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} ليظهر الحق من الباطل قيل هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم بأنواع المنافع وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفات وذلك ماكث في الأرض باقٍ بقاء ظاهراً يثبت الماء في منافعه وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله بزبد السيل الذي يرمي به وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب قال الجمهور وهذا مثل قوله الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل فالماء القرآن نزل لحياة الجنان كالماء للابدان والأودية للقلوب ومعنى بقدرها بقدر سعة القلب وضيقه والزبد هو أجس النفس ووساوس الشيطان والماء الصافي المنتفع به مثل الحق فكما يذهب الزبد باطلاً ويبقى صفو الماء كذلك تذهب هواجس النفس ووساوس الشيطان ويبقى الحق كما هو وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممدة بالإخلاص المعدة للخلاص فإن الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع للكسب وبعضها آلة الدفع في الحرب وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ أيْ مِن جِهَتِها عَلى ما هو المُشاهَدُ وقِيلَ: مِنها نَفْسِها ولا تَجَوُّزَ في الكَلامِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِآثارٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها وقِيلَ: أنْزَلَ مِنها نَفْسِها ﴿ ماءً ﴾ أيْ كَثِيرًا أوْ نَوْعًا مِنهُ وهو ماءُ المَطَرِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَبادِيَهُ مِنها وذَلِكَ لِتَأْثِيرِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ في تَصاعُدِ البُخارِ فَيُتَجَوَّزُ في ( مِن ) .

﴿ فَسالَتْ ﴾ بِذَلِكَ ﴿ أوْدِيَةٌ ﴾ دافِعَةٌ في مَواقِعِهِ لا جَمِيعَ الأوْدِيَةِ إذِ الأمْطارُ لا تَسْتَوْعِبُ الأقْطارِ وهو جَمْعُ وادٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا يُعْلَمُ أنَّ فاعِلًا جُمِعَ عَلى أفْعِلَةً ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَعاقُبِ فاعِلٍ وفَعِيلٍ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ كَعالِمٍ وعَلِيمٍ وشاهِدٍ وشَهِيدٍ وناصِرٍ ونَصِيرٍ ثُمَّ إنَّ وزْنَ فاعِلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ وطائِرٍ وأطْيارٍ ووَزْنُ فَعِيلٍ يُجْمَعُ عَلى أفَعِلَةٍ كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ المُناسَبَةُ المَذْكُورَةُ بَيْنَ فاعِلٍ وفَعِيلٍ لا جَرَمَ يُجْمَعُ فاعِلٍ جَمْعُ فَعِيلٍ فَيُقالُ: وادٍ وأوْدِيَةٌ ويُجْمَعُ فَعِيلٌ جَمْعَ فاعِلٍ يَتِيمٌ وأيْتامٌ وشَرِيفٌ وأشْرافٌ.

اهَـ.

ونَظِيرُ ذَلِكَ نادٍ وأنْدِيَةٌ وناجٍ وأنْجِيَةٌ قِيلَ: ولا رابِعَ لَها وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُخالِفُهُ والوادِي المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ فِيهِ الماءُ بِكَثْرَةٍ وبِهِ سُمِّيَتِ الفُرْجَةُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ ويُطْلَقُ عَلى الماءِ الجارِي فِيهِ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن ودى إذا سالَ فَإنْ أُرِيدَ الأوَّلُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما قالَ الإمامُ أيْ مِياهُ أوْدِيَةٍ وإنْ أُرِيدَ الثّانِي وهو مَعْنى مَجازِيٌّ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِ فالإسْنادُ حَقِيقِيٌّ وإيثارُ التَّمْثِيلِ بِالأوْدِيَةِ عَلى الأنْهارِ المُسْتَمِرَّةِ الجَرَيانِ لِوُضُوحِ المُماثَلَةِ بَيْنَ شَأْنِها وما مُثِّلَ بِها كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ بِمِقْدارِها الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى واقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ في نَفْعِ النّاسِ أوْ بِمِقْدارِها المُتَفاوِتِ قِلَّةً وكَثْرَةً بِحَسَبِ تَفاوُتِ مِحالِّها صِغَرًا وكِبَرًا لا بِكَوْنِها مالِئَةً لَها مُنْطَبِقَةً عَلَيْها بَلْ بِمُجَرَّدِ قِلَّتِها بِصِغَرِها المُسْتَلْزِمِ لِقِلَّةِ مَوارِدِ الماءِ وكَثْرَتِها بِكِبَرِها المُسْتَدْعِي لِكَثْرَةِ المَوارِدِ فَإنَّ مَوارِدَ السَّيْلِ الجارِي في الوادِي الصَّغِيرِ أقَلُّ مِن مَوارِدِ السَّيْلِ الجارِي في الوادِي الكَبِيرِ هَذا إذا أُرِيدَ بِالأوْدِيَةِ ما يَسِيلُ فِيها أمّا إنْ أُرِيدَ بِها المَعْنى الحَقِيقِيَّ فالمَعْنى سالَتْ مِياهُها بِقَدْرِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ عَلى نَحْوِ ما عَرَفْتَهُ آنِفًا أوْ يُرادُ بِضَمِيرِها مِياهُها بِطَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ ويُرادُ بِقَدَرِها ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ المَعْنَيَيْنِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الحَوْفِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِسالَتْ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأوْدِيَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأنْزَلَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ( بِقَدْرِها ) بِسُكُونِ الدّالِ وهي لُغَةٌ في ذَلِكَ.

﴿ فاحْتَمَلَ ﴾ أيْ حَمَلَ وجاءَ افْتَعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ كاقْتَدَرَ وقَدَرَ ﴿ السَّيْلُ ﴾ أيِ الماءُ الجارِي في تِلْكَ الأوْدِيَةِ والتَّعْرِيفُ لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْدِيَةٌ ﴾ ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ كَما قالَ الرّاغِبُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ وفي البَحْرِ أنَّهُ إنَّما عُرِّفَ لِأنَّهُ عَنى بِهِ ما فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ والَّذِي يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ مِنَ المَصْدَرِ وإنْ كانَ نَكِرَةً إلّا أنَّهُ إذا عادَ في الظّاهِرِ كانَ مَعْرِفَةً كَما كانَ لَوْ صَرَّحَ بِهِ نَكِرَةً وكَذا يُضْمَرُ إذا عادَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِنَ المَصْدَرِ نَحْوَ مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ أيِ الكَذِبُ ولَوْ جاءَ هُنا مُضْمَرًا لَكانَ جائِزًا عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن سالَتْ.

اهَـ.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعْنى بِهِ ما فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ وهو حَدَثٌ والمَذْكُورُ المُعَرَّفُ عَيْنٌ كَما عَلِمْتَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِطْرِيقِ الِاسْتِخْدامُ ورُدَّ بِأنَّ الِاسْتِخْدامَ أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ بِمَعْنى ويُعادَ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ بِمَعْنى آخَرَ حَقِيقِيًّا كانَ أوْ مَجازِيًّا وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الأوَّلَ مَصْدَرٌ أيْ حَدَثٌ في ضِمْنِ الفِعْلِ وهَذا اسْمُ عَيْنٍ ظاهِرٌ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِخْدامُ نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ أغْلَبِيٌّ لا يَخْتَصُّ بِما ذُكِرَ فَإنَّ مِثْلَ الضَّمِيرِ اسْمُ الإشارَةِ وكَذا الِاسْمُ الظّاهِرُ.

اهَـ.

وانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ السَّيْلِ المَعْنى المَصْدَرِيُّ فَلا يَحْتاجُ إلى حَدِيثِ الِاسْتِخْدامِ أمْ لا وعَلى الجَوازِ يَكُونُ المَعْنى فاحْتَمَلَ الماءُ المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ بِسَبَبِ السَّيْلِ ﴿ زَبَدًا ﴾ هو الغُثاءُ الَّذِي يَطْرَحُهُ الوادِي إذا جاشَ ماؤُهُ واضْطَرَبَتْ أمْواجُهُ عَلى ما قالَهُ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عِيسى: إنَّهُ وضَرُ الغَلَيانِ وخَبَثُهُ قالَ الشّاعِرُ: وما الفُراتُ إذا جاشَتْ غَوارِبُهُ تَرْمِي أواذِيُّهُ العِبْرَيْنِ بِالزَّبَدِ ﴿ رابِيًا ﴾ أيْ عالِيًا مُنْتَفِخًا فَوْقَ الماءِ ووُصِفَ الزَّبَدُ بِذَلِكَ قِيلَ: بَيانًا لِما أُرِيدَ بِالِاحْتِمالِ المُحْتَمِلِ لِكَوْنِ المَحْمُولِ غَيْرَ طافٍ كالأشْجارِ الثَّقِيلَةِ وإنَّما لَمْ يُدْفَعْ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا فَوْقَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ تِلْكَ الفَوْقِيَّةَ مُقْتَضى شَأْنِ الزَّبَدِ لا مِن جِهَةِ المُحْتَمَلِ تَحْقِيقًا لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما مُثِّلَ بِهِ مِنَ الباطِنِ الَّذِي شَأْنُهُ الظُّهُورُ في مَبادِي الرَّأْيِ مِن غَيْرِ مُداخَلَةٍ في الحَقِّ ﴿ ومِمّا يُوقِدُونَ ﴾ ابْتِداءُ جُمْلَةٍ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى لِضَرْبِ مَثَلٍ آخَرَ أيْ ومِنَ الَّذِي يَفْعَلُونَ الإيقادَ عَلَيْهِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلنّاسِ أُضْمِرَ مَعَ عَدَمِ السَّبْقِ لِظُهُورِهِ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ ( تُوقِدُونَ ) بِتاءِ الخِطابِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي النّارِ ﴾ عِنْدَ أبِي البَقاءِ والحَوْفِيِّ قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ يُوقَدُ عَلى الشَّيْءِ ولَيْسَ في النّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ ﴾ فَإنَّ الطِّينَ الَّذِي أُمِرَ بِالوَقْدِ عَلَيْهِ لَيْسَ في النّارِ وإنَّما يُصِيبُهُ لَهَبُها وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: إنَّ ﴿ فِي النّارِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أيْ كائِنًا أوْ ثابِتًا فِيها ومَنَعُوا تَعَلُّقَهُ بِتُوقِدُونَ قالُوا: لِأنَّهُ لا يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النّارِ والتَّعْلِيقُ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ حالٍ مِن حالٍ أُخْرى وقالَ أبُو حَيّانَ: لَوْ قُلْنا: إنَّهُ لا يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النّارِ لَجازَ أيْضًا التَّعْلِيقُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ وقِيلَ: إنَّ زِيادَةَ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِالمُبالَغَةِ في الِاعْتِمالِ لِلْإذابَةِ وحُصُولِ الزَّبَدِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ نَحْوَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ والحَدِيدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وفي عَدَمِ ذِكْرِها بِأسْمائِها والعُدُولِ إلى وصْفِها بِالإيقادِ عَلَيْها المُشْعِرِ بِضَرْبِها بِالمَطارِقِ لِأنَّهُ لِأجْلِهِ وبِكَوْنِها كالحَطَبِ الخَسِيسِ تَهاوَنَ بِها إظْهارًا لِكِبْرِيائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ما قِيلَ وهو لا يُنافِي كَوْنَ ذَلِكَ ضَرْبَ مَثَلٍ لِلْحَقِّ لِأنَّ مَقامَ الكِبْرِياءِ يَقْتَضِي التَّهاوُنَ بِذَلِكَ مَعَ الإشارَةِ إلى كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ ﴾ فَوُفِّيَ كُلٌّ مِنَ المَقامَيْنِ حَقَّهُ فَما قِيلَ: إنَّ الحَمْلَ عَلى التَّهاوُنِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِأنَّ المَقْصُودَ تَمْثِيلُ الحَقِّ بِها وتَحْقِيرُها لا يُناسِبُهُ ساقِطٌ فَتَأمَّلْ.

ونُصِبَ ﴿ ابْتِغاءَ ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ كَما هو الظّاهِرُ وقالَ الحَوْفِيُّ: إنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُبْتَغِينَ وطالِبِينَ اتِّخاذَ حِلْيَةٍ وهي ما يُتَزَيَّنُ ويُتَجَمَّلُ بِهِ كالحُلِيِّ المُتَّخَذِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ واتِّخاذَ مَتاعٍ وهو ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الأوانِي والآلاتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَدِيدِ والرَّصاصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفِلِزّاتِ ﴿ زَبَدٌ ﴾ خَبَثٌ ﴿ مِثْلُهُ ﴾ أيْ مِثْلُ ما ذُكِرَ مِن زَبَدِ الماءِ في كَوْنِهِ رابِيًا فَوْقَهُ رُفِعَ ﴿ زَبَدٌ ﴾ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( مِمّا تُوقِدُونَ ) و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ دالَّةٌ عَلى مُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً وناشِئًا مِنهُ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ بَعْضُ ما يُوقَدُ عَلَيْهِ مِن تِلْكَ المَعادِنِ ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِإخْلالِهِ عَلى ما قالَ بِالتَّمْثِيلِ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإخْراجِ ذَلِكَ مِنَ الأرْضِ كَما تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ لِعَدَمِ دَخْلِ ذَلِكَ العُنْوانِ في التَّمْثِيلِ عَلى ما سَتَعْلَمَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كَما أنَّ لِلْعُنْوانِ السّابِقِ دَخْلًا فِيهِ بَلْ لَهُ إخْلالٌ بِذَلِكَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ المُشْتَمِلِ عَلى نُكَتٍ رائِقَةٍ: ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ أيْ مِثْلُ الحَقِّ ومِثْلُ الباطِلِ والحَذْفُ لِلْإبْناءِ عَلى كَمالِ التَّماثُلِ بَيْنَ المُمَثَّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ كَأنَّ المَثَلَ المَضْرُوبَ عَيْنُ الحَقِّ والباطِلِ ﴿ فَأمّا الزَّبَدُ ﴾ مِن كُلٍّ مِنَ السَّيْلِ وما يُوقِدُونَ عَلَيْهِ وأُفْرِدَ ولَمْ يُثَنَّ وإنْ تَقَدَّمَ زَبَدانِ لِاشْتِراكِهِما في مُطْلَقِ الزَّبَدِ فَهُما واحِدٌ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ ﴿ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ مَرْمِيًّا بِهِ يُقالُ: جَفا الماءُ بِالزَّبَدِ إذا قَذَفَهُ ورَمى بِهِ ويُقالُ: أجْفَأ أيْضًا بِمَعْناهُ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جُفاءً أيْ مُتَفَرِّقًا مِن جَفَأتِ الرِّيحُ الغَيْمَ إذا قَطَّعَتْهُ وفَرَّقَتْهُ وجَفَأتُ الرَّجُلَ صَرَعْتُهُ ويُقالُ: جَفَأ الوادِي وأجْفَأ إذا نَشَفَ وقُرِئَ ( جُفالًا ) بِاللّامِ بَدَلَ الهَمْزَةِ وهو بِمَعْنى مُتَفَرِّقًا أيْضًا أخْذًا مِن جَفَلَتِ الرِّيحُ الغَيْمَ كَجَفَأتْ ونُسِبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ إلى رُؤْبَةَ قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ولا يُقْرَأُ بِقِراءَتِهِ لِأنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الفَأْرَ يَعْنِي أنَّهُ كانَ أعْرابِيًّا جافِيًا وعَنْهُ لا تُعْتَبَرُ قِراءَةُ الأعْرابِ في القُرْآنِ والنُّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ ﴿ وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ أيْ مِنَ الماءِ الصّافِي الخالِصِ مِنَ الغُثاءِ والجَوْهَرِ المَعْدِنِيِّ الخالِصِ مِنَ الخَبَثِ ﴿ فَيَمْكُثُ ﴾ يَبْقى ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أمّا الماءُ فَيَبْقى بَعْضُهُ في مَناقِعِهِ ويَسْلُكُ بَعْضُهُ في عُرُوقِ الأرْضِ إلى العُيُونِ ونَحْوِها وأمّا الجَوْهَرُ المَعْدِنِيُّ فَيُصاغُ مِن بَعْضِهِ أنْواعُ الحُلِيِّ ويُتَّخَذُ مِن بَعْضِهِ أصْنافُ الآلاتِ والأدَواتِ فَيُنْتَفَعُ بِكُلٍّ مِن ذَلِكَ أنْواعُ الِانْتِفاعاتِ مُدَّةً طَوِيلَةً فالمُرادُ بِالمُكْثِ في الأرْضِ ما هو أعَمُّ مِنَ المُكْثِ في نَفْسِها ومِنَ البَقاءِ في أيْدِي المُتَقَلِّبِينَ فِيها وتَغْيِيرُ تَرْتِيبِ اللَّفِّ الواقِعِ في الفَذْلَكَةِ المُوافِقُ لِلتَّرْتِيبِ الواقِعِ في التَّمْثِيلِ قِيلَ لِمُراعاةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حالَتَيِ الذَّهابِ والبَقاءِ وبَيْنَ ذِكْرِهِما فَإنَّ المُعْتَبَرَ إنَّما هو بَقاءُ الباقِي بَعْدَ ذَهابِ الذّاهِبِ لا قَبْلَهُ وقِيلَ: النُّكْتَةُ في تَقْدِيمِ الزَّبَدِ عَلى ما يَنْفَعُ أنَّ الزَّبَدَ هو الظّاهِرُ المَنظُورُ أوَّلًا وغَيْرَهُ باقٍ مُتَأخِّرٌ في الوُجُودِ لِاسْتِمْرارِهِ والآيَةُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ كَما لا يَخْفى.

وحاصِلُ الكَلامِ في الآيَتَيْنِ أنَّهُ تَعالى مَثَّلَ الحَقَّ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ عِنْدَ الكَثِيرِ في فَيَضانِهِ مِن جَنابِ القُدُسِ عَلى قُلُوبٍ خالِيَةٍ عَنْهُ مُتَفاوِتَةِ الِاسْتِعْدادِ وفي جَرَيانِهِ عَلَيْها مُلاحَظَةً وحِفْظًا وعَلى الألْسِنَةِ مُذاكَرَةً وتِلاوَةً مَعَ كَوْنِهِ مُمِدًّا لِحَياتِها الرُّوحانِيَّةِ وما يَتْلُوها مِنَ المَلَكاتِ السُّنِّيَّةِ والأعْمالِ المُرْضِيَةِ بِالماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ السّائِلِ في أوْدِيَةٍ يابِسَةٍ لَمْ تَجْرِ عادَتُها سَيَلانًا مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ في إحْياءِ الأرْضِ وما عَلَيْها الباقِي فِيها حَسْبَما يَدُورُ عَلَيْهِ مَنافِعُ النّاسِ وفي كَوْنِهِ حِلْيَةً تَتَحَلّى بِها النُّفُوسُ وتَصِلُ إلى البَهْجَةِ الأبَدِيَّةِ ومَتاعًا يَتَمَتَّعُ بِهِ في المَعاشِ والمَعادِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ وسائِرِ الفِلِزّاتِ الَّتِي يُتَّخَذُ مِنها أنْواعُ الآلاتِ والأدَواتِ وتَبْقى مُنْتَفَعًا بِها مُدَّةً طَوِيلَةً ومَثَّلَ الباطِلَ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ الكَفَرَةُ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ بِما يَظْهَرُ فِيهِما مِن غَيْرِ مُداخَلَةٍ لَهُ فِيهِما وإخْلالٍ بِصَفائِهِما مِنَ الزَّبَدِ الرّابِي فَوْقَهُما المُضْمَحِلِّ سَرِيعًا.

وصَحَّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «إنَّ مَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ مَثَلُ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ مِنها طائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فانْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ وكانَ مِنها أجادِبُ اكْتَسَبَتِ الماءَ نَفَعَ اللَّهُ تَعالى بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها وسَقَوْا ورَعَوْا وأصابَ طائِفَةً مِنها أُخْرى إنَّما هي قِيعانُ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَدْرُ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ فَلَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ جَعَلَهُ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ والإيمانِ والكُفْرِ واليَقِينِ في الشَّرْعِ والشَّكِّ فِيهِ وكَأنَّهُ أرادَ بِعَطْفِ الإيمانِ وما بَعْدَهُ التَّفْسِيرَ لِلْمُرادِ بِالحَقِّ والباطِلِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَعَلَ الزَّبَدَ إشارَةً إلى الشَّكِّ والخالِصَ مِنهُ إشارَةً إلى اليَقِينِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ العَجِيبِ ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ .

(17) .

في كُلِّ بابٍ إظْهارًا لِكَمالِ اللُّطْفِ والعِنايَةِ في الإرْشادِ وفِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ هَذا التَّمْثِيلِ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ إمّا بِاعْتِبارِ ابْتِناءِ هَذا عَلى التَّمْثِيلِ الأوَّلِ أوْ بِجَعْلِ ذَلِكَ إشارَةً إلَيْهِما جَمِيعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: قل يا محمد لأهل مكة من خالق السموات والأرض؟

فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ.

ثم قال: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: أفعبدتم غيره لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.

ويقال: الْأَعْمى الجاهل الذي لا يتفكر، ولا يرغب في الحق، وَالْبَصِيرُ العالم الذي يتفكر، ويرغب في الحق.

أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي: كما لا تستوي الظلمات والنور، فكذلك لا يستوي الإيمان والكفر.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر يَسْتَوِي بلفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن تأنيثه ليس بحقيقي، فيجوز أن يذكر ويؤنث، ولأن الفعل مقدم على الاسم.

ثم قال: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني: بل جعلوا لله شركاء من الأصنام.

ويقال: معناه أجعلوا لله شركاء، والميم صلة.

ثم قال: خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ يعني: هل خلق الأوثان خلقاً كما خلق الله فاشتبه عليهم خَلَقَ الله تَعَالَى مِنْ خلق غيره؟

فلما ضرب الله مثلاً لآلهتهم سكتوا.

قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ قل يا محمد، الله عز وجل خالق جميع الموجودات وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يعني: الذي لا شريك له القاهر لخلقه، القادر عليهم.

ثم ضرب الله تعالى مثلاً للحق والباطل، لأن العرب كانت عادتهم أنهم يوضحون الكلام بالمثل، وقد أنزل الله تعالى القرآن بلغة العرب، فأوضح لهم الحق من الباطل بالمثل فقال: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء يعني: المطر فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها يعني: سال في الوادي الكبير بقدره، وفي الوادي الصغير بقدره، فشبه القرآن بالمطر، وشبه القلوب بالأودية، وشبه الهدى بالسيل فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً يعني: عالياً على الماء.

فشبه الزبد بالباطل يعني: احتملته القلوب على قدر أهوائها باطلاً كبيراً.

فكما أن السيل يجمع كل قذر، كذلك الأهواء تحتمل الباطل، وكما أن الزبد لا وزن له، فكذلك الباطل لا ثواب له.

فذلك قوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يعني: يذهب كما جاء.

ويقال يذهب: جُفاءً أي سريعاً.

وقال مقاتل: جُفاءً أي: يابساً فلا ينتفع به، ويقذفه السيل.

وقال القتبي: الجفاء ما رمى به الوادي في جنباته.

ويقال: جفأت القدر بزبدها، إذا ألقته عنها وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ يعني: يبقى الماء الصافي في الأرض، فكذلك الإيمان واليقين ينتفع به أهله في الآخرة، كما ينتفع بالماء الصافي في الدنيا، والباطل لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة.

ثم ضرب مثلاً آخر بالذهب والفضة، فقال تعالى: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ من الذهب والفضة ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ يعني: التماس حِلْيَةٍ تلبسونها، يخرج منها الخبث، ويبقى الذهب والفضة خالصاً.

ثم ضرب مثلاً آخر فقال: أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ يعني: النحاس والحديد والصفر يزول عنها الخبث، ويبقى الصفر والحديد خالصاً، فيتخذ منها المتاع.

فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، كما يضمحل هذا الزبد، ويبقى خالص الماء، وخالص الذهب والفضة والحديد والصفر فكذلك يضمحل الباطل عن أهله.

وكما يمكث الماء في الأرض ويخرج نباتها، وكما يبقى خالص الذهب والفضة حين يدخلان النار، فكذلك يبقى الحق وثوابه لصاحبه.

وقال القتبي في قوله: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل.

يقول الحق: الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلا، فإن الله سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، مثل مطر سال في الأودية بقدرها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي: عالياً على الماء كما يعلو الباطل تارة على الحق.

ومن جواهر الأرض التي تدخل الكور، توقدون عليها، يعني: الذهب والفضة للحلية.

أَوْ مَتاعٍ يعني: الشبه والحديد والآنك يكون للآنية، له خبث يعلوها مثل زبد الماء.

فأما الزبد، فيذهب جفاء يتعلق بأصول الشجر، وكنبات الوادي، وكذلك خبث الفلز يعني: الجوهر يقذفه، فهذا مثل الباطل.

وأما ما ينفع الناس وينبت المرعى، فيمكث في الأرض.

فكذلك الصفر من الفلز يبقى صالحاً فهو مثل الحق.

ثم قال: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ على وجه التقديم والتأخير.

يعني: هكذا يضرب الله المثل للحق والباطل.

ويقال: معناه هكذا يبيّن الله الحق من الباطل فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ على معنى التقديم والتأخير، وقد ذكرناه من قبل كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ يعني: يبيّن الله الأشباه، ويوضح الطريق، ويقيم الحجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَالَّذِينَ: يراد به ما عُبِدَ من دون اللَّه، والضَّمير في يَدْعُونَ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، ومعنى الكَلاَمِ: والذين يدعونهم الكفَّارُ في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبونهم بِشَيْءٍ إِلاَّ، ثُمَّ مَثَّلَ سبحانه مثالاً لإِجابتهم بالذي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نحو الماء، ويشير إِليه بالإِقبال إِلى فيه، فلا/ يبلغ فَمَهُ أَبداً، فكذلك إِجابة هؤلاء والانتفاعُ بهم لا يَقَعُ.

وقوله: هُوَ: يريد به الماءَ، وهو البالغُ، والضمير في بِبالِغِهِ للفم، ويصحُّ أنْ يكون هو يراد به الفم، وهو البالغ أيضا، والضمير في بِبالِغِهِ للماء لأن الفم لا يَبْلُغ الماء أبداً على تلك الحال، ثم أخبر سبحانه عن دعاءِ الكافرين أنه في انتلاف وضلالٍ لا يفيد.

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية: تنبيهٌ على قدرته وعظمته سبحانه، وتسخيرِ الأشياءِ له، والطَّعْنِ على الكفَّار التارِكِينَ للسّجود، ومَنْ:

تَقَعُ على الملائكةِ عموماً، و «سُجُودُهُمْ» : طوع، وأما أهْلُ الأرض، فالمؤمنون داخلُونَ في مَنْ، وسجودُهم أيضاً طَوْع، وأما سجودُ الكَفَرة، فهو الكَرْه، وذلك على معنيين، فإِن جعلنا السجُودَ هذه الهيئة المعهودَةَ، فالمراد من الكَفَرَة مَنْ أسلم، خَوْفَ سيفِ الإِسلام كما قاله قتادة «١» ، وإِن جعلنا السُّجود الخضُوعَ والتذلُّل، حَسَب ما هو في اللغة، فيدخلُ الكفَّار أجمعون في مَنْ لأنه ليس من كافرٍ إِلا ويلحقه من التذلُّل والاستكانة لقدرة اللَّه تعالى أنواعٌ أكثر من أنْ تحصَى بحسب رَزَايَاهُ، واعتباراته.

وقوله سبحانه: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: إِخبار عن أنّ الظّلال لها سجود لله

تعالى كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ...

الآية [النحل: ٤٨] ، وقال مجاهد: ظلُّ الكافر يسجُدُ طوعاً، وهو كاره «١» ورُوِيَ أن الكافر إِذا سَجَد لصنمه، فإِن ظلَّه يسجُدُ للَّهِ حينئذٍ، وباقي الآية بيِّن، ثم مَثَّل الكفَّار والمؤمنين بقوله:

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وشبه الكافر بالأعمى، والكُفْرَ بالظلماتِ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ، والإِيمان بالنور.

وقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: لفظ عامٌّ يراد به الخصوصُ كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع.

وقوله سبحانه: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآءً: يريد به المَطَرَ، فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها:

«الأودية» : ما بين الجبالِ مِنَ الانخفاض والخَنَادِقِ، وقوله: بِقَدَرِها: يحتمل أنْ يريد بما قُدِّرَ لها من الماءِ، ويحتمل أنْ يريد بقَدْر ما تحمله على قَدْر صغرها وكِبَرها.

ت: وقوله: فَاحْتَمَلَ بمعنى: حمل، كاقتدر وقدر قاله [ص] .

والزَّبَدُ ما يحمله السيْلُ من غُثَاء ونحوه، و «الرابِي» : المنتفخ الذي قَدْ ربا، ومنه الرَّبْوَة.

وقوله سبحانه: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ: المعنَى:

ومن الأشياء التي توقِدُونَ عليها ابتغاءَ الحُلِيِّ، وهي الذَهَبُ والفضَّة، أو ابتغاء الاستمتاع بها في المرافِقِ، وهي الحديدُ والرَّصَاصُ والنُّحَاسُ ونحوها من الأشياء التي تُوقِدُونَ عليها، فأخبر تعالَى أنَّ من هذه أَيضاً إِذا أحمي علَيْها يكونُ لها زَبَدَ مماثِلٌ للزَّبَد الذي يحملُه السَّيْل، ثم ضرب سبحانه ذلك مثَلاً للحقِّ والباطِلِ، أي: إِن الماء الذي/ تشربه الأرْضُ من السيل، فيقَعُ النفْعُ به هو كالحَقِّ، والزَّبَد الذي يخمد وينفش ويَذْهَب هو كالبَاطِلِ، وكذلك ما يخلص من الذَّهَبَ والفضَّة والحديد ونحوه هو كالحَقِّ، وما يذهَبُ في الدُّخَان هو كالبَاطِلِ.

وقوله: جُفاءً: مصدر من قولهم: «أَجْفَأَتِ القدْرُ» إِذا غلَتْ حتى خَرَجَ زَبَدُها وذهب.

وقال ص: جُفاءً: حال، أي: مضمحلاًّ متلاشيا، أبو البقاء: وهمزته منقلبة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ ﴾ وهي جَمْعُ وادٍ، وهو كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ ماءُ المَطَرِ فَيَسِيلُ ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ: بِمَبْلَغِ ما تَحْمِلُ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي، قَلَّ الماءُ، وإنْ هو اتَّسَعَ، كَثُرَ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " بِقَدَرِها " بِإسْكانِ الدّالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ ﴾ تَوَسُّعٌ في الكَلامِ، والمَعْنى: سالَتْ مِياهُها، فَحُذِفَ المُضافُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ: بِقَدَرِ مِياهِها.

﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ﴾ أيْ: عالِيًا فَوْقَ الماءِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " بِالتّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِما قَبْلَهُ مِنَ الخِطابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ أفاتَّخَذْتُمْ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِلْكافَّةِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ذِكْرَ الغَيْبَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ .

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " ما يَدْخُلُ إلى النّارِ فَيُذابُ مِنَ الجَواهِرِ " ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ " يَعْنِي: الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ والصُّفْرَ والنُّحاسَ والرُّصاصَ تُتَّخَذُ مِنهُ الأوانِي والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، ﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ أيْ: لَهُ زَبَدٌ إذا أُذِيبَ مِثْلَ زَبَدٍ السَّيْلِ، فَهَذا مَثَلٌ آخَرُ.

وَفِيما ضُرِبَ لَهُ هَذانِ المَثَلانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، شَبَّهَ نُزُولَهُ مِنَ السَّماءِ بِالماءِ، وشَبَّهَ قُلُوبَ العِبادِ بِالأوْدِيَةِ تَحْمِلُ مِنهُ عَلى قَدْرِ اليَقِينِ والشَّكِّ، والعَقْلِ والجَهْلِ، فَيَسْتَكِنُّ فِيها، فَيَنْتَفِعُ المُؤْمِنُ بِما في قَلْبِهِ كانْتِفاعِ الأرْضِ الَّتِي يَسْتَقِرُّ فِيها المَطَرُ، ولا يَنْتَفِعُ الكافِرُ بِالقُرْآنِ لِمَكانِ شَكِّهِ وكُفْرِهِ، فَيَكُونُ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ القُرْآنِ كالزَّبَدِ وكَخَبَثِ الحَدِيدِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ والباطِلُ، فالحَقُّ شُبِّهَ بِالماءِ الباقِي الصّافِي، والباطِلُ مُشَبَّهٌ بِالزَّبَدِ الذّاهِبِ، فَهو وإنْ عَلا عَلى الماءِ فَإنَّهُ سَيُمْحَقُ، كَذَلِكَ الباطِلُ، وإنْ ظَهَرَ عَلى الحَقِّ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَمَثَلُ المُؤْمِنِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالماءِ المُنْتَفِعِ بِهِ، ومَثَلُ الكافِرِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالزَّبَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما ذُكِرَ هَذا، يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الحَقِّ والباطِلِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كَذَلِكَ يُمَثِّلُ اللَّهُ الحَقَّ ويُمَثِّلُ الباطِلَ.

فَأمّا الجُفاءُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو ما رَمى بِهِ الوادِي إلى جَنَباتِهِ، يُقالُ: أجَفَأتِ القِدْرُ بِزَبَدِها: إذا ألْقَتْهُ عَنْها.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: الجُفاءُ: ما نَفاهُ السَّيْلُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ الجَفاءِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿ جُفاءً ﴾ أيْ: بالِيًا مُتَفَرِّقًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مُسَّ الزَّبَدُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ مِنَ الماءِ والجَواهِرِ الَّتِي زالَ زَبَدُها ﴿ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ ﴾ فَيُنْتَفَعُ بِهِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ يَبْقى الحَقُّ لِأهْلِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ، ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اسْتَجَبْتُ لَكَ واسْتَجَبْتُكَ سَواءٌ، وهو بِمَعْنى: أجَبْتُ.

وَفِي الحُسْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّها الحَياةُ والرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ الجَنَّةِ فَما دُونَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ أيْ: لَجَعَلُوهُ فِداءَ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يُقْبَلُ مِنهم.

وفي سُوءِ الحِسابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها المُناقَشَةُ بِالأعْمالِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ النَّخَعِيُّ: هو أنْ يُحاسَبَ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، فَلا يُغْفَرُ لَهُ مِنهُ شَيْءٌ.

والثّانِي: أنْ لا تُقْبَلَ مِنهم حَسَنَةٌ، ولا يُتَجاوَزُ لَهم عَنْ سَيِّئَةٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ عِنْدَ الحِسابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَسالَتْ أودِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أو مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ ﴾ صَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِهِ، ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ جَعَلَهُ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ، والإيمانِ والكُفْرِ والشَكِّ في الشَرْعِ واليَقِينِ بِهِ.

"ماءً": يُرِيدُ بِهِ المَطَرَ، و"الأودِيَةُ": ما بَيْنَ الجِبالِ مِنَ الِانْخِفاضِ والخَنادِقِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "بِقَدَرِها" يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِما قَدَّرَ لَها مِنَ الماءِ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ ما تَحْمِلُهُ عَلى قَدْرِ صِغَرِها وكِبَرِها وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بِقَدَرِها" بِفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ بِسُكُونِها.

و"الزَبَدُ": ما يَحْمِلُهُ السَيْلُ مِن غُثاءٍ ونَحْوِهُ وما يَرْمِي بِهِ ضِفَّتَيْهِ مِنَ الحَبابِ المُلْتَبِكِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: والبَحْرُ حِينَ تَهُبُّ الرِيحُ شامِيَّةً ∗∗∗ فَباطِلٌ ويَرْمِي العِبْرَ بِالزَبَدِ و"الرابِي": المُنْتَفِخُ الَّذِي قَدْ رَبا، ومِنهُ الرَبْوَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمِمّا" خَبَرُ ابْتِداءٍ، والِابْتِداءُ قَوْلُهُ: "زَبَدٌ" و"مِثْلَهُ" نَعْتٌ لِـ "الزَبَدُ"، والمَعْنى: ومِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوقِدُونَ عَلَيْها ابْتِغاءَ الحُلِيِّ -وَهِيَ الذَهَبُ والفِضَّةُ- ابْتِغاءَ الِاسْتِمْتاعِ بِما في المَرافِقِ -وَهِيَ الحَدِيدُ والرَصاصُ والنُحاسُ ونَحْوُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوقِدُونَ عَلَيْها، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ مِن هَذِهِ أيْضًا -إذا أُحْمِي عَلَيْها- يَكُونُ زَبَدٌ مُماثِلٌ لِلزَّبَدِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى ذَلِكَ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ، أيْ أنَّ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُهُ الأرْضُ فَيَقَعُ النَفْعُ بِهِ هو كالحَقِّ، والزَبَدَ الَّذِي يَجْفُو ويَنْفِشُ ويَذْهَبُ هو كالباطِلِ، وكَذَلِكَ ما يَخْلُصُ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ ونَحْوِها هو كالحَقِّ، وما يَذْهَبُ في الدُخانِ هو كالباطِلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي النارِ ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كائِنًا كَذا، قالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: ومَنَعُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "يُوقِدُونَ" لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النارِ، وتَعْلِيقُ حَرْفِ الجَرِّ بِـ "يُوقِدُونَ" يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ حالٍ مِن حالٍ أُخْرى.

وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ إلى تَعَلُّقِهِ بِـ "يُوقِدُونَ"، وقالَ: قَدْ يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ ولَيْسَ في النارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ  ﴾ فَذَلِكَ البِناءُ الَّذِي أمَرَ بِهِ يُوقَدُ عَلَيْهِ ولَيْسَ في النارِ لَكِنْ يُصِيبُهُ لَهَبُها.

وقَوْلُهُ: "جُفاءً" مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: "جَفَأتِ القِدْرُ" إذا غَلَتْ حَتّى خَرَجَ زَبَدُها وذَهَبَ.

وقَرَأ رُؤْبَةُ: "جُفالًا" مِن قَوْلِهِمْ: "جَفَلَتِ الرِيحُ السَحابَ" إذا حَمَلَتْهُ وفَرَّقَتْهُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْتَبَرُ قِراءَةُ الأعْرابِ في القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَنْفَعُ الناسَ ﴾ يُرِيدُ الخالِصَ مِنَ الماءِ ومِن تِلْكَ الأحْجارِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمُ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ: "تُوقِدُونَ" بِالتاءِ، أيْ أنْتُمْ أيُّها المُوقِدُونَ، وهي صِفَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ الناسِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، ويَحْيى، وأهْلُ الكُوفَةِ "يُوقِدُونَ" بِالياءِ، عَلى الإشارَةِ إلى الناسِ.

و"جُفاءً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الشَرْعَ والدِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَسالَتْ أودِيَةٌ ﴾ يُرِيدُ بِهِ القُلُوبَ، أيْ: أخَذَ النَبِيلُ بِحَظِّهِ والبَلِيدُ بِحَظِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ واللهُ أعْلَمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يَنْحُو إلى أقْوالِ أصْحابِ الرُمُوزِ، وقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الغَزالِيُّ وأهْلُ ذَلِكَ الطَرِيقِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِ اللَفْظِ عن مَفْهُومِ كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ، وإنَّ صَحَّ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّما قَصَدَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مَعْناهُ: الحَقُّ الَّذِي يَتَقَرَّرُ في القُلُوبِ، والباطِلُ: الَّذِي يَعْتَرِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ استئناف ابتدائي أفاد تسجيل حرمان المشركين من الانتفاع بدلائل الاهتداء التي من شأنها أن تهدي من لم يطبع الله على قلبه فاهتدى بها المؤمنون.

وجيء في هذا التسجيل بطريقة ضرب المثل بحالي فريقين في تلقي شيء واحد انتفع فريق بما فيه من منافع وتعلق فريق بما فيه من مضار.

وجيء في ذلك التمثيل بحالة فيها دلالة على بديع تصرف الله تعالى ليحصل التخلص من ذكر دلائل القدرة إلى ذكر عبَر الموعظة، فالمركب مستعمل في التشبيه التمثيلي بقرينة قوله: ﴿ كذلك يضرب الله الحق ﴾ الخ.

شبه إنزال القرآن الذي به الهدى من السماء بإنزال الماء الذي به النفع والحياة من السماء.

وشبه ورود القرآن على أسماع الناس بالسيل يمر على مختلف الجهات فهو يَمرّ على التّلال والجبال فلا يستقر فيها ولكنه يمضي إلى الأودية والوهاد فيأخذ منه كُلّ بقدر سعته.

وتلك السيول في حال نزولها تحمل في أعاليها زَبَداً، وهو رغوة الماء التي تربو وتطفو على سطح الماء، فيذهب الزبد غير منتفع به ويبقى الماء الخالص الصافي ينتفع به الناس للشراب والسقي.

ثم شُبهت هيئة نزول الآيات وما تحتوي عليه من إيقاظ النظر فيها فينتفع به من دخل الإيمان قلوبهم على مقادير قوة إيمانهم وعملهم، ويمر على قلوب قوم لا يشعرون به وهم المنكرون المعرضون، ويخالط قلوبَ قوم فيتأملونه فيأخذون منه ما يثير لهم شبهات وإلحاداً.

كقولهم: ﴿ هل ندلّكم على رجل ينبئكم إذا مُزّقتم كلّ ممزّق إنكم لفي خلق جديد ﴾ .

ومنه الأخذ بالمتشابه قال تعالى: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ﴾ [سورة آل عمران: 7].

شبه ذلك كله بهيئة نزول الماء فانحدَارِه على الجبال والتلال وسيلانه في الأودية على اختلاف مقاديرها، ثم ما يدفع من نفسه زبداً لا ينتفع به ثم لم يلبث الزبد أن ذهب وفني والماء بقي في الأرض للنفع.

ولما كان المقصود التشبيه بالهيئة كلها جيء في حكاية ما ترتب على إنزال الماء بالعطف بفاء التفريع في قوله: فسالت } وقوله: ﴿ فاحتمل ﴾ فهذا تمثيل صالح لتجزئة التشبيهات التي تركب منها وهو أبلغ التمثيل.

وعلى نحو هذا التمثيل وتفسيره جاء ما يبينه من التمثيل الذي في قول النبي صلى الله عليه وسلم «مثَل ما بعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقيّة قبلتْ الماء فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناسَ فشربوا وسقَوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعَان لا تمسك ماء ولا نتنبت كلأ، مثلَ منْ فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به».

والأودية: جمع الوادي، وهو الحفير المتسع الممتد من الأرض الذي يجري فيه السيل.

وتقدم في سورة براءة عند قوله تعالى: ﴿ ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ﴾ [سورة التوبة: 121].

والقَدَر بفتحتين: التقدير، فقوله: بقدرها } في موضع الحال من ﴿ أودية ﴾ ، وذكره لأنه من مواضع العبرة، وهو أن كانت أخاديد الأودية على قَدْر ما تحتمله من السيول بحيث لا تفيض عليها وهو غالب أحوال الأودية.

وهذا الحال مقصود في التمثيل لأنه حال انصراف الماء لنفععٍ لا ضرّ معه، لأنّ من السيول جواحف تجرف الزرع والبيوت والأنعام.

وأيضاً هو دال على تفاوت الأودية في مقادير المياه.

ولذلك حظ من التشبيه وهو اختلاف الناس في قابلية الانتفاع بما نزل من عند الله كاختلاف الأودية في قبول الماء على حسب ما يسيل إليها من مصاب السيول، وقد تم التمثيل هنا.

وجملة ﴿ ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زيد مثله ﴾ معترضة بين جملة ﴿ فاحتمل ﴾ الخ وجملة ﴿ فأما الزبد ﴾ الخ.

وهذا تمثيل آخر ورد استطراداً عقب ذكر نظيره يفيد تقريب التمثيل لقوم لم يشاهدوا سيول الأودية من سكان القرى مثل أهل مكّة وهم المقصود، فقد كان لهم في مكة صواغون كما دل عليه حديث الإذخر، فقرب إليهم تمثيل عدم انتفاعهم بما انتفع به غيرهم بمَثَل ما يصهْر من الذهب والفضة في البواتق فإنه يقذف زبداً ينتفي عنه وهو الخَبث وهو غير صالح لشيء في حين صلاح معدنه لاتخاذه حلية أو متاعاً.

وفي الحديث «كما ينفي الكير خبث الحديد».

فالكلام من قبيل تعدّد التشبيه القريب، كقوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ ثم قوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ [سورة البقرة: 19].

وأقرب إلى ما هنا قولُ لبيد: فتنازعَا سَبطا يَطير ظِلالُه *** كدُخان مُشْعَلَة يَشِبّ ضرامها مشمُولَةٍ غُلثت بنابتتِ عَرفَج *** كدُخان نار سَاطع إسنامها وأفاد ذلك في هذه الآية قوله: زبد مثله}.

وتقديم المسند على المسند إليه في هذه الجملة للاهتمام بالمسند لأنّه موضع اعتبار أيضاً ببديع صنع الله تعالى إذ جعل الزبد يطفو على أرقّ الأجسام وهو الماء وعلى أغلظها وهو المعدن فهو ناموس من نواميس الخلقة، فبالتقديم يقع تشويق السامع إلى ترقب المسند إليه.

وهذا الاهتمام بالتشبيه يشبه الاهتمام بالاستفهام في قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف جهنم «فإذا فيها كلاليبُ مثل حَسك السعدان هل رأيتم حسك السعدان».

وعدل عن تسمية الذهب والفضة إلى الموصولية بقوله تعالى: ﴿ ومما توقدون عليه في النار ﴾ لأنها أخصر وأجمع، ولأن الغرض في ذكر الجملة المجعولة صلة، فلو ذكرت بكيفية غير صلة كالوصفية مثلاً لكانت بمنزلة الفضلة في الكلام ولطال الكلام بذكر اسم المَعْدنين مع ذكر الصلة إذ لا مَحيد عن ذكر الوقود لأنه سبب الزبد، فكان الإتيان بالموصول قضاءً لحق ذكر الجملة مع الاختصار البديع.

ولأنّ في العدول عن ذكر اسم الذهب والفضة إعراضاً يؤذن بقلة الاكتراث بهما ترفعاً عن وَلع النّاس بهما فإن اسميهما قد اقترنا بالتعظيم في عرف النّاس.

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ ومما توقدون ﴾ ابتدائية.

و ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مفعول لأجله متعلق ب ﴿ توقدون ﴾ .

ذكر لإيضاح المراد من الصلة ولإدماج ما فيه من منة تسخير ذلك للناس.

لشدة رغبتهم فيهما.

والحلية: ما يتحلى به، أي يتزين وهو المصوغ.

والمتاع: ما يتمتع به وينتفع، وذلك المسكوك الذي يَتعامل به الناس من الذهب والفضة.

وقرأ الجمهور ﴿ توقدون ﴾ بفوقية في أوله على الخطاب، وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف بتحتية على الغيبة.

وجملة ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ معترضة، هي فذلكة التمثيل ببيان الغرض منه، أي مثل هذه الحالة يكون ضَرْب مثل للحق والباطل.

فمعنى ﴿ يضرب ﴾ يبيّن ويُمثل.

وقد تقدم معنى يضرب عند قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ﴾ في سورة البقرة (26).

فحُذف مضاف في قوله: يضرب الله الحق } ، والتقدير: يضرب الله مَثَلَ الحق والباطل، دلالة فعل ﴿ يضرب ﴾ على تقدير هذا المضاف.

وحذف الجار من ﴿ الحق ﴾ لتنزيل المضاف إليه منزلة المضاف المحذوف.

وقد علم أن الزبد مثَل للباطل وأن الماء مثَل للحق، فارتقى عند ذلك إلى ما في المثلين من صفتي البقاء والزوال ليتوصل بذلك إلى البشارة والنذارة لأهل الحق وأهل الباطل بأن الفريق الأول هو الباقي الدائم، وأن الفريق الثاني زائل بائد، كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ [الأنبياء: 105، 106]، فصار التشبيه تعريضاً وكناية عن البشارة والنذارة، كما دل عليه قوله عقب ذلك ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له ﴾ [الرعد: 18] الخ كما سيأتي قريباً.

فجملة فأما الزبد } معطوفة على جملة ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابيا ﴾ مفرّعةٌ على التمثيل.

وافتتحت ب ﴿ أما ﴾ للتوكيد وصَرْف ذهن السامع إلى الكلام لما فيه من خفي البشارة والنذارة، ولأنه تمام التمثيل.

والتقدير: فذهب الزبد جُفاء ومكُث ما ينفع الناس في الأرض.

والجُفاء: الطريح المرميُّ، وهذا وعيد للمشركين بأنهم سيبيدون بالقتل ويبقى المؤمنون.

وعبر عن الماء بما ينفع الناس للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو البقاء في الأرض تعريضاً للمشركين بأن يعرضوا أحوالهم على مضمون هذه الصلة ليعلموا أنهم ليسوا ما ينفع الناس، وهذه الصلة موازنة للوصف في قوله تعالى: ﴿ إن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ [سورة الأنبياء: 105].

واكتفي بذكر وجه شبه النافع بالماء وغير النافع بالزبد عن ذكر وجه شَبَه النافع بالذهب أو الفضة وغير النافع بزبدهما استغناء عنه.

وجملة كذلك يضرب الله الأمثال } مستأنفة تذييلية لما في لفظ ﴿ الأمثال ﴾ من العموم.

فهو أعم من جملة ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ لدلالتها على صنف من المثل دون جميع أصنافه فلما أعقب بمثل آخر وهو ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ جيء بالتنبيه إلى الفائدة العامة من ضرب الأمثال.

وحصل أيضاً توكيد جملة ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ لأن العام يندرج فيه الخاص.

فإشارة ﴿ كذلك ﴾ إلى التمثيل السابق في جملة ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ أي مثل ذلك الضَرْب البديع يضرب الله الأمثال، وهو المقصود بهذا التذييل.

والإشارة للتنويه بذلك المثل وتنبيه الأفهام إلى حكمته وحكمة التمْثيل، وما فيه من المواعظ والعبر، وما جمعه من التمثيل والكناية التعريضية، وإلى بلاغة القرآن وإعجازه، وذلك تبهيج للمؤمنين وتحدّ للمشركين، وليعلم أن جملة ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ لم يؤت بها لمجرد تشخيص دقائق القدرة الإلهية والصنع البديع بل ولضرب المثَل، فيعلمَ لممثّل له بطريق التعريض بالمشركين والمؤمنين، فيكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿ كذلك يضرب الله الأمثال ﴾ كما في شأن التذييل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِما قَدَّرَ لَها مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ.

الثّانِي: يَعْنِي: الصَّغِيرُ مِنَ الأوْدِيَةِ سالَ بِقَدْرِ صِغَرِهِ، والكَبِيرُ مِنها سالَ بِقَدْرِ كِبَرِهِ.

وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْقُرْآنِ وما يَدْخُلُ مِنهُ في القُلُوبِ، فَشَبَّهَ القُرْآنَ بِالمَطَرِ لِعُمُومِ خَيْرِهِ وبَقاءِ نَفْعِهِ، وشَبَّهَ القُلُوبَ بِالأوْدِيَةِ يَدْخُلُ فِيها مِنَ القُرْآنِ مِثْلُ ما يَدْخُلُ في الأوْدِيَةِ مِنَ الماءِ بِحَسَبِ سِعَتِها وضِيقِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ أيْ قُرْآنًا ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ﴾ قالَ: الأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ.

﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ﴾ الرّابِي: المُرْتَفِعُ.

وَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْحَقِّ والباطِلِ، فالحَقُّ مُمَثَّلٌ بِالماءِ الَّذِي يَبْقى في الأرْضِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ، والباطِلُ مُمَثَّلٌ بِالزَّبَدِ الَّذِي يَذْهَبُ جُفاءً لا يُنْتَفَعُ بِهِ.

ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا ثانِيًا بِالنّارِ فَقالَ ﴿ وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ﴾ يَعْنِي الذَّهَبَ والفِضَّةَ.

﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ يَعْنِي الصُّفْرَ والنُّحاسَ.

﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إذا سُبِكَ بِالنّارِ كانَ لَهُ خَبَثٌ كالزَّبَدِ الَّذِي عَلى الماءِ يَذْهَبُ فَلا يُنْتَفَعُ بِهِ كالباطِلِ، ويَبْقى صَفْوَةٌ فَيُنْتَفَعُ بِهِ كالحَقِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُنْشَقًّا قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّانِي: جافِيًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: مَرْمِيًّا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

وَحَكى أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ سَمِعَ رُؤْبَةَ يَقْرَأُ: جِفالًا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أجْفَلَتِ القِدْرُ إذا قَذَفَتْ بِزَبَدِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء...

﴾ الآية قال: هذا مثل ضربه الله تعالى احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك، فما ينفع معه العمل.

وأما اليقين، فينفع الله به أهله.

وهو قوله: ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ وهو اليقين، كما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه به ويترك خبيثه في النار، كذلك يقبل الله تعالى اليقين ويترك الشك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الصغير، قدر صغيره.

والكبير، قدر كبيره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: هذا مثل ضربه الله تعالى بين الحق والباطل، يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة، ومما توقدون عليه في النار فهو الذهب والقضة والحلية والمتاع النحاس والحديد، وللنحاس والحديد خبث، فجعل الله تعالى مثل خبثه كمثل زبد الماء، فأما ما ينفع الناس، فالذهب والفضة.

وأما ما ينفع الأرض، فما شربت من الماء فأنبتت.

فجعل ذلك مثل العمل الصالح الذي يبقى لأهله.

والعمل السيء يضمحل من محله، فما يذهب هذا الزبد، فذلك الهدى والحق جاء من عند الله تعالى، فمن عمل بالحق كان له.

وما بقي كما يبقى، ما ينفع الناس في الأرض.

وكذلك الحديد، لا يستطيع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل النار، فتأكل خبثه فيخرج جيده فينتفع به، كذلك يضمحل الباطل، وإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيرفع الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح من طريق مرة، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها...

﴾ الآية.

قال: فمر السيل على رأسه من التراب والغثاء حتى استقر في القرار وعليه الزبد، فضربته الريح فذهب الزبد جفاء إلى جوانبه فيبس فلم ينفع أحداً، وبقي الماء الذي ينتفع به الناس، فشربوا منه وسقوا أنعامهم.

فكما ذهب الزبد فلم ينفع، فكذلك الباطل يضمحل يوم القيامة فلا ينفع أهله، وكما نفع الماء فكذلك ينفع الحق أهله.

هذا مثل ضربه الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ حتى جرى الوادي وامتلأ بقدر ما يحمل ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: زبد الماء.

﴿ ومما يوقدون عليه في النار ﴾ قال: زبد ما توقدون عليه من ذلك حلية، وما سقط فهو مثل زبد الماء، وهو مثل ضرب للحق والباطل.

فأما خبث الحديد والذهب وزبد الماء فهو الباطل، وما تصنعوا من الحلية والماء والحديد فمثل الحق.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عطاء رضي الله عنه قال: ضرب الله تعالى مثل الحق والباطل.

فضرب مثل الحق، السيل الذي يمكث في الأرض فينتفع الناس به.

ومثل الباطل، مثل الزبد الذي لا ينفع الناس.

ومثل الحق، مثل الحلي الذي يجعل في النار، فما خلص منه انتفع به أهله.

وما خبث منه، فهو مثل الباطل علم أن لا ينفع الزبد، وخبث الحلي أهله، فكذلك الباطل لا ينفع أهله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الصغير بصغيره، والكبير بكبره، ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: عالياً ﴿ ومما يوقدون...

﴾ إلى قوله: ﴿ فيذهب جفاء ﴾ والجفاء، ما يتعلق بالشجر ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا يرجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله.

وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وربت بركته وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحق لأهله.

وقوله: ﴿ ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية ﴾ كما يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل النار، كذلك فيذهب خبثه، كذلك يبقى الحق لأهله.

وكما اضمحل خبث هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار، كذلك يضمحل الباطل عن أهله.

وقوله: ﴿ أو متاع زبد مثله ﴾ يقول هذا الحديد وهذا الصفر حين دخل النار وذهبت بخبثه، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: الكبير بقدره والصغير بقدره ﴿ زبداً رابياً ﴾ قال: ربا فوق الماء الزبد ﴿ ومما توقدون عليه في النار ﴾ قال: هو الذهب، إذا ادخل النار بقي صفوه وذهب ما كان فيه من كدر.

وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ يتعلق بالشجر ولا يكون شيئاً، هذا مثل الباطل ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ هذا يخرج النبات، وهذا مثل الحق ﴿ أو متاع زبد مثله...

﴾ قال: المتاع الصفر والحديد.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: بملئها ما أطاقت ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ قال: انقضى الكلام، ثم استقبل فقال: ﴿ ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ﴾ قال: المتاع الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه ﴿ زبد مثله ﴾ قال: خبث ذلك الحديد، والحلية مثل زبد السيل ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من الماء ﴿ فيمكث في الأرض ﴾ وأما الزبد ﴿ فيذهب جفاء ﴾ قال: جموداً في الأرض، قال: فكذلك مثل الحق والباطل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ الآية.

قال: ابتغاء حلية الذهب والفضة، أو متاع الصفر والحديد.

قال: كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد خلص خالصه، كذلك بقي الحق لأهله فانتفعوا به.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عيينة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ قال: أنزل من السماء قرآناً فاحتمله عقول الرجال.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ قال: الحياة والرزق.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ قال: هي الجنة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن فرقد السبخي رضي الله عنه قال: قال لي شهر بن حوشب رضي الله عنه ﴿ سوء الحساب ﴾ أن لا يتجاوز له عن شيء.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وأبو الشيخ، عن فرقد السبخي رضي الله عنه قال: قال لي إبراهيم النخعي- رضي الله عنه-: يا فرقد، أتدري ما سوء الحساب؟

قلت: لا.

قال: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: ﴿ سوء الحساب ﴾ أن يؤخذ العبد بذنوبه كلها ولا يغفر له منها ذنب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ سوء الحساب ﴾ المناقشة في الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ وهي جمع وادي، وهو كل مفرج بين جبال وآكام وتلال.

يجتمع إليه ماء المطر فيسيل فيه، هذا قول عامة أهل اللغة (١) (٢) (٣) قال أبو علي الفارسي (٤) ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ اتساع، والمراد في: سال الوادي، وجرى النهر، ماؤهما، فحذف المضاف، قال: والأودية جمع نادر في فاعل، ولا يعلم فاعلًا جمع على أفعله، ويشبه أن يكون ذلك، ليتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد، كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، ووال وولي، ألا ترى أنهم جمعوا فاعلًا أيضًا على فعلاء، كشاعر وشعراء، مثل فقيه وفقهاء، فجعلوا فاعلًا كفعيل في التكسير، كجريب وأجربة، وقالوا: يتيم وأيتام، وشريف وأشراف، كما قالوا: صاحب وأصحاب وطائر وأطيار، فلذلك جمع وادٍ على أودية (٥) وقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس.

وقوله تعالى: ﴿ بِقَدَرِ ﴾ القَدَر والقَدْر، مبلغ الشيء يقال: كم قَدْر هذه الدراهم؟

وقدرها ومقدارها، أي: كم (٦) ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ وفي مواضع.

قال مجاهد (٧) وقال ابن جريج (٨) وقال ابن الأنباري والزجاج (٩) (١٠) ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ ، بقدرها من الماء، لأن القدر معناه الهنداز (١١) قال أبو علي (١٢) قال ابن عباس في رواية عطاء (١٣) ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ يريد قرآنًا، وهو مثل ضربه الله، ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ قال: يريد بالأودية قلوب العباد، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب؛ إذ الأودية يستكن فيه الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، ونحو هذا قال الفراء (١٤) وقال صاحب النظم: الماء هاهنا إن شاء الله الإيمان والحق، فهؤلاء الذين سمينا جعلوا الماء مثلًا للإيمان والقرآن، والأودية مثلًا للقلوب.

والباقون من المفسرين وأهل المعاني سكتوا عن بيان الممثل والممثل به، وجعلوا ابتداء المثل من قوله: ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾ ، قال ابن عباس (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) قال ابن عباس وغيره من المفسرين (١٩) ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ﴾ ، قرئ (٢٠) (٢١) ﴿ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ ﴾ ، ويجوز أن يكون خطابًا عامًا يراد به الكافة، كأنه ومما توقدون عليه أيها الموقدون، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تَقَدّم في قوله: [ ﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ ويجوز أن يراد به] (٢٢) (٢٣) ﴿ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ ﴾ فكما أن الناس يعم المؤمن والكافر، كذلك الضمير في يوقدون (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال أبو علي (٢٧) ﴿ فىِ النَّارِ ﴾ متعلقًا بتوقدون؛ لأنه قد يوقد على ما ليس في النار، كقوله: ﴿ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ  ﴾ فهذا إيقاد على ما ليس في النار، وإن كان يلحقه وهجها ولهيبها، يريد أن هذه الجواهر تدخل النار فيوقد عليها.

وقوله تعالى: ﴿ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ قال الزجاج (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.

وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ كما ذكر من هذه الأشياء يضرب الله مثل الحق والباطل، قال صاحب النظم: هذا كلام فرّق به بين الكلام الأول وبين تمامه؛ لأن قوله: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ هو من الكلام الأول، ثم لما تم ذلك رجع إلى تمام قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ ، فقال: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ والتأويل: كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل، فاختصر الكلام اختصارًا على ما سبق من ذكر الحق والباطل، اعتماداً على بيانه في آخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ ، وأنشد قول ذي الرمة (٣٠) فأضْحَتْ مَغَانِيها قِفَارًا رُسُومُها ...

كأن لم سِوَى أهْلٍ من الوَهِل تؤهلُ المعنى: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، ففرق بين لم، وتؤهل، ومعنى قوله: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ الجفاء (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وتلخيص معنى الآية على ما ذكره المفسرون وأهل المعاني (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقال أبو إسحاق (٤١) (٤٢) (٤٣) (١) "تهذيب اللغة" (ودي) 4/ 3865، و"اللسان" (ودي) 8/ 4803.

(٢) "تهذيب اللغة" (ودي) 4/ 3865.

(٣) (كالسيل) ساقط من (ج).

(٤) "الحجة" 2/ 340 (بتصرف).

(٥) إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 2/ 340 بتصرف.

(٦) في (ب): (لم).

ولعله خطأ.

(٧) الطبري 13/ 136، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي هاشم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 105، القرطبي 9/ 305.

(٨) الطبري 13/ 137، وابن جريج عن ابن عباس، القرطبي 9/ 305، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 4/ 103.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.

(١٠) في: (أ)، (ج) ساقط (أن).

(١١) الهنداز: سبق التعريف به، وهو معرب، وأصله بالفارسية أنْدازاه، يقال: أعطاه بلا حساب ولا هنْداز.

(١٢) "الحجة" 2/ 340.

(١٣) القرطبي 9/ 305.

(١٤) "معاني القرآن" 2/ 61.

(١٥) الطبري 13/ 135، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 103.

(١٦) لم أجده في مظانه، وانظر: "اللسان" (زبد) 3/ 1803.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.

(١٨) أبو عبيدة "مجاز القرآن" 1/ 328.

(١٩) الطبري 13/ 134، والثعلبي 7/ 130 ب، و"زاد المسير" 4/ 322، والقرطبي 9/ 305، وابن كثير 2/ 557 - 558.

(٢٠) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (توقدون) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (يوقدون) بالياء وروى علي بن نصر عن أبيه عن أبي عمرو بالتاء والباء والغالب التاء وانظر: "السبعة" ص 358، و"الإتحاف" 270، و"زاد المسير" 4/ 321، و"البحر المحيط" 5/ 381.

(٢١) من هنا يبدأ القتل عن "الحجة" 5/ 16 باختصار.

(٢٢) في (ج): (أم جعلوا لله شركاء خلقوا، ويراد به).

(٢٣) في (ب): (جمع).

(٢٤) إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 5/ 16 باختصار.

(٢٥) الفِلْزُ والفِلَزُّ، والفُلُزُّ: نحاس أبيض تصنع منه القدور وغيرها، وقيل: هو جميع == جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وأشباه ذلك.

انظر: "تهذيب اللغة" (فلز) 3/ 2828، و"اللسان" (فلز) 6/ 3460.

(٢٦) الطبري 13/ 134، والثعلبي 7/ 131 أ، و"زاد المسير" 4/ 322، والقرطبي 9/ 305، وابن كثير 2/ 558، و"البحر المحيط" 5/ 381.

(٢٧) "الحجة" 5/ 16، و"البحر المحيط" 5/ 382.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.

(٢٩) "تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3334.

(٣٠) "ديوانه" 1465، وفيه (من الوحش) بدل (من الوهل).

"خزانة الأدب" 9/ 5، و"الخصائص" 2/ 401، و"الدرر" 5/ 63.انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 207، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي ص 233.

(٣١) "تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619، و"الزاهر" 2/ 89.

(٣٢) "تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619.

(٣٣) "معاني الفراء" 2/ 62 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619.

(٣٤) القماش: ما يجمع من هنا وهناك.

(٣٥) الدقائق: فتات كل شيء.

(٣٦) "فعلت وأفعلت" ص 8، ونقله في "التهذيب" 1/ 619 عن الفراء.

(٣٧) "زاد المسير" 4/ 322، القرطبي 9/ 305.

(٣٨) في (أ)، (ج): (عن).

(٣٩) في (أ)، (ج): (الأشوب) بألف.

(٤٠) "مشكل القرآن وغريبه" ص 233.

(٤١) "معاني القرآن وإعرابه " 3/ 145.

(٤٢) في (ج): بزيادة هذا: (وكمثل هذا خبث الحديد).

(٤٣) في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 146: (الذمي لا ينتفع به).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية، وينتفع به أهل الأرض، وبالذهب والفضة والحديد والصفر النحاس وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله وزواله بالزبد الذي يربى به السيل ويريد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا أذيبت، وليس في الزبد منفعة، وليس له دوام ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ يحتمل أن يريد ما قدر لها من الماء، ويحتمل أن يريد بقدر ما تحتمله على قدر صغرها وكبرها ﴿ زَبَداً رَّابِياً ﴾ الزبد ما يحمله السيل من غثاء ونحوه، والرابي المنتفخ الذي ربا ومنه الربوة ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ ﴾ المجرور في موضع خبر المقدم، والمبتدأ زبدٌ مثله: أي ينشأ من الأشياء التي يوقد عليها زبد السيل ﴿ ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ متاع ﴾ الذي يوقد عليه ابتغاء الحلي: هو الذهب والفضة، والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو الحديد والرصاص والنحاس والصفر وشبه ذلك، والمتاع ما يستمتع الناس به في مرافقهم وحوائجهم ﴿ يَضْرِبُ الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب أمثال الحق والباطل ﴿ جُفَآءً ﴾ يجفاه السيل، أي يرمي به ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض ﴾ يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.

﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.

الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.

﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.

وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.

وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.

ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.

وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.

وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.

فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.

وعن الحسن.

خلق الله ليس بملك.

وعن النبي  : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .

وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.

وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.

وعن علي  : سبحان من سبحت له.

وكان رسول الله  يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .

وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ .

قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.

والمطر بكاؤهم.

أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه  جعل له أعواناً.

قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.

وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.

قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.

ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.

ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله  فقال رجل من أصحابه.

يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.

فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.

فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.

فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.

قال تجعل لي الأمر بعدك.

قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.

قال: لا.

قال: فماذا تجعل لي؟

قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.

قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟

وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.

فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي  ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله  فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.

فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟

ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.

قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .

ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.

وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.

أبو عبيدة: شديد العقوبة.

الحسن: شديد النقمة.

وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه  يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.

وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي  في الكافرين حين دعا عليهما.

وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.

وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.

﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.

﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.

والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.

وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.

ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.

ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.

وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض  ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.

كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.

وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.

وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.

ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".

واعلم أنه  ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة  ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.

وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض  ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.

وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله  أعلم بمراده.

ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟

فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.

والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.

وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.

ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.

قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله  وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.

ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.

وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.

قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.

وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.

ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.

قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.

والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.

ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.

وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.

ثم قال  إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.

أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين  ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.

﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.

ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.

يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.

وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه  أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.

ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.

ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.

وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.

وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.

وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.

وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.

وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.

وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.

﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.

ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.

ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم  ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.

وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.

وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال  : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.

وقيل: هو مؤازة النبي  ومعاونته ونصرته في الجهاد.

وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.

وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.

وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .

﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.

وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.

﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .

﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.

قال  لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.

وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.

يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟

قال: من بلخ.

فقال: وهل تعرف شقيقاً؟

فقال: نعم.

فقال: كيف طريقة أصحابه؟

فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.

وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله  أن تكون مرجع أهلها.

والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.

قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.

وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.

قال الواحدي: والأول أصح لأن الله  جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.

ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.

والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.

وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله  بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.

قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.

وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.

وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.

وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.

ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.

والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.

وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.

وروي عن النبي  أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.

وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.

وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.

قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.

والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.

وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.

وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.

وقيل: المراد أنه  أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.

والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه  واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.

و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".

والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.

عن ابن عباس: فرح وقرة عين.

الضحاك: غبطة لهم.

قتادة: حسنى لهم.

الأصم: خير وكرامة.

الزجاج: عيش طيب.

والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.

وقيل: طوبى شجرة في الجنة.

حكى الأصم أن أصلها في دار النبي  وفي دار كل مؤمن منها غصن.

روي عن رسول الله  أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.

التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.

ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.

معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.

آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.

﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.

﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.

وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل  ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي  ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي  وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال  : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ .

أمره أن يسألهم: من رب السماوات والأرض؟

ثم أمره أن يجيب هو لهم؛ فيقول الله وهو في الظاهر دعوى، أكثر ما في هذه الآية دعوى، وبعضه حجاج، وهو قوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِه ﴾ لأنهم يقرون بهذا؛ لا يخلقون كخلقه؛ ولا يملكون دفع الضر؛ ولا جَرّ النفع.

وقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

﴿ قُلِ ﴾ إنما أمره أن يسألهم من رب السماوات والأرض، ولم يقل من ربكم فإنما [أمره أن يسألهم] ما لا يتجاسرون أن يقولوا الأصنام التي يعبدونها هي أرباب السماوات والأرض فلا بد أن يقروا الله رب السماوات والأرض، فإذا أقروا بهذا أنه رب السماوات والأرض قد دخل ما في السماوات والأرض في ربوبيته، إذ السماوات والأرض، إنما خلقهما لأهلهما؛ فإذا كان ربَّ السماوات والأرض - كان ربَّ ما فيهما.

وقال بعضهم: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ أمره أن يسألهم ثم يسبقهم بالإجابة؛ لأنه هو السابق بكل خير، وهم يجيبون له أنه رب السماوات والأرض.

دليله: حرف أبي وابن مسعود وحفصة؛ حيث قرءوا (من رب السماوات والأرض قالوا الله) يدل إنه أمره أن يسبقهم بالإجابة، كما كان هو السابق على كل خير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .

يقول - والله أعلم - إذا أقررتم أن رب السماوات والأرض هو الله؛ وهو الإله؛ فكيف اتخذتم من دونه هذه الأصنام آلهة أرباباً وعبدتموها أو كيف جعلتم من ليس هو رب السماوات والأرض - أولى ممن أقررتم بالعبادة له أنه ربهما؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ إذ لا يملكون نفعاً لأنفسهم، ولا دفع الضر عنها؛ فكيف يملكون نفع غيره أو دفع ضرّ عن غيره؟

فعرفهم أنهم لا يملكون ذلك؛ وأن الله هو المالك؛ فكيف تركتم عبادة من يملك ذلك؛ وعبدتم من لا يملك؟.

فيخرج تأويله على وجهين: أحدهما: يقول: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، فكيف اتخذتم دون الله آلهة؟.

والثاني: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً مع وجود الحاجة فيها؛ فكيف تعبدون على رجاء النفع لكم بقولكم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ أي: تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها أنها عمي لا تبصر شيئاً؛ والله هو البصير؛ فكيف تركتم عبادة من يبصر؛ وعبدتم من لا يبصر؟

هل يستوي ذلك؟

أي: لا يستوي.

أو يقول [لهم]: إنكم بعبادتكم الأصنام طمعتم شفاعتهم عند الله؛ وهم عمي وأنتم بصراء؛ فهل رأيتم أعمى يقود بصيراً في الشاهد؟

أو هل رأيتم من لا يبصر يكون دليلا لبصير؟

فإذا لم تروا ذلك؛ فكيف طمعتم من الأصنام ذلك.

وقال أهل التأويل: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ : الأعمى: الكافر: والبصير: المؤمن.

﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ ﴾ .

الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان.

ووجه قولهم؛ حيث شبهوا الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور؛ لأن الظلمة تحجب وتستر كل شيء، والنور يرفع ذلك الحجاب وذلك الستر؛ فالإيمان له دلائل وحجج؛ ترفع تلك الحجب والستر؛ فينور له كل شيء.

والكفر ليس له حجج ودلائل ترفع ذلك؛ فهو ظلمة لم يضيء له شيئاً، والإيمان نور؛ حيث أضاء له، ونور كل شيء له بالدلائل والحجج التي ذكرنا.

فصار الكافر كالأعمى لا يبصر شيئاً؛ لأنه في الظلمة، والمؤمن كالبصير؛ لأن معه الدلائل والحجج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: بل جعلوا لله شركاء في العبادة؛ بعد ما علموا أنهم لا يملكون لهم نفعاً إن عبدوها ولا ضرّاً إن تركوا العبادة لها.

وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾ .

أي: خلق هؤلاء الأصنام؛ التي عبدوها وأشركوها في ألوهيته؛ كخلق الله؛ فتشابه عليهم خلقه من خلق الأصنام؛ أي: عرفوا أنها لم تخلق شيئاً كما خلق الله؛ فكيف أشركوا هذه الأصنام في عبادة الله وألوهيته؛ وهم كأنهم قد أقروا أن الله هو خالق كل شيء؟

وهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولا يقدر على خلقها؛ فإذا كان الله لم يخلقها؛ فهم خلقوها - على زعمهم - فيكون موضع تشابه الخلق عليهم - على قولهم - فيدل على بطلان قولهم وفساد مذهبهم.

والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ في السماوات والأرض ﴿ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

أي: كل شيء دونه تحت قدرته وقهره وسلطانه، والأصنام التي تبعدونها مقهورة مغلوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً...

﴾ إلى آخر ما ذكر من الأمثال؛ إلى قوله ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: هذا مثل ضربه الله لليقين والشك؛ فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها: فأمّا الشك فلا ينفع منه عمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ \[وهو الشك\]، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبيثه في النار؛ كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك؛ وهو قول ابن عباس  .

وقال قتادة: قوله: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الصغير بصغره والكبير بكبره.

﴿ فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ﴾ يقول: رابيا ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ والجفاء: ما يتعلق بالشجر من الزبد، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؛ فضرب المثل للحق والباطل.

يقول - والله أعلم - كما اضمحل هذا الزبد؛ الذي ظهر فوق الماء؛ فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله؛ كما اضمحل هذا الزبد؛ وكما مكث هذا الماء في الأرض، وقر قرارها فأمرعت ورجيت بركته كذلك، وأخرجت له نباتها؛ كذلك يبقى الحق لأهله؛ كما بقي هذا الماء في الأرض.

﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ يقول: يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار؛ وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله.

﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ يعني هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به؛ وفيه منافع؛ يقول: ما بقي خالص هذا الحديد وهذا الصفر؛ حين أدخل النار وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.

وقال الكلبي: قوله: ﴿ نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ وهو القرآن؛ فاحتمله القلوب بأهوائها؛ ذو اليقين على قدر يقينه، وذو الشك على قدر شكه؛ فاحتملت الأهواء باطلا كثيراً وجفاء: فالماء هو الحق، والأودية هي القلوب، والسيل الأهواء، والزبد الباطل، والحق المتاع والحلية.

قال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فالزبد وخبث الحديد وخبث المتاع: هو الباطل؛ من أصاب من هذا شيئاً لم ينتفع به، فكذلك الباطل يوم القيامة لا ينتفع بباطله.

وأمّا الحلية والماء والمتاع: فهو الحق؛ من أصاب شيئاً منه انتفع به، وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينتفع بالحق.

أما الحلية: فالذهب والفضة، وأما المتاع: فالصفر والحديد والرصاص والنحاس، ونحوه، ليس شيء من هذا ينتفع به حتى يدخل النار؛ فيميز صفوه من خبثه.

وقال الحسين بن واقد: وهو قول مقاتل؛ ضرب الله مثل الكفر والإيمان؛ ومثل الحق والباطل، فقال: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ ، سال الوادي الكبير على قدر كبره؛ والصغير على قدر صغره؛ فاحتمل السيل زبداً رابياً أي: عالياً، ثم قال: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ ؛ الذهب والفضة، ثم قال: ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ الشَّبَهُ والحديد والصفر والرصاص، ﴿ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ﴾ أي: للسيل زبد مثله لا ينتفع به؛ [والماء ينتفع به]، وللحلي والمتاع أيضاً زبد مثل زبد السيل؛ إذا أدخل النار؛ وهو خبثه لا ينتفع به والحلي والمتاع ما خلص منهما ينتفع به فمثل الأودية مثل القلوب ومثل السيل مثل الأهواء ومثل الماء والحلي والمتاع الذي ينتفع به مثل [الحق، ومثل زبد الماء وخبث الحلي والمتاع الذي لا ينتفع به مثل] الباطل فكما ينتفع بالماء وما خلص من الحلي والمتاع الذي ينتفع به أهله في الدنيا؛ فكذلك الحق ينفع أهله في الآخرة؛ وكما لا ينفع الزبد؛ وخبث الحلي؛ وخبث المتاع أهله في الدنيا؛ فكذلك الباطل لا ينفع أهله في الآخرة ﴿ كَذٰلِكَ ﴾ أي: هكذا يضرب الله الأمثال، أي: يبين الله ما ذكر من مثل الحق والباطل، ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ قال: يعني يابساً؛ فلا ينتفع به، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ﴾ من الماء؛ ﴿ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فيسقون ويزرعون عليه ويتنفعون به.

فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد؛ يقول: هكذا يبين الله الأمثال والأشباه ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ﴾ أي: أجابوا ﴿ لِرَبِّهِمُ ﴾ في الدنيا؛ بالإيمان والتوحيد ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ لهم؛ وهي الجنة في الآخرة.

ضرب الله مثل الإيمان والحق؛ ووصفهما بالثبات والقرار والطيب؛ بالأرض الطيبة مرة؛ وشجرة طيبة ثانياً، وضرب مثل الكفر والباطل؛ بالأرض الخبيثة؛ والشجرة الخبيثة، ووصفهما بالخبث والذهاب؛ فقال: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ...

 ﴾ وقال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ...

﴾ الآية [الأعراف: 58] وضرب مثل المؤمن مرة بالبصير والسميع، ومثل الكافر بالأعمى والأصم؛ فقال: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً  ﴾ وضرب مثل الكفر؛ مرة بالظلمات؛ ومرة بالرماد والموت، ومثل الإيمان بالنور والضياء والحياة؛ ونحوه.

فهذه الأمثال التي ضرب الله - عز وجل - تخرج كلها مخرج الدعوى في الظاهر؛ إذ ليس فيها بيان الحق منها؛ وبيان المحق من غير المحق؛ سوى أن فيها: هل يستوي ذا مع ذا؟

لا يستوى على ما ذكر، وهل يستوي الطيب والخبيث؛ أو البصير والسميع [أو] الأصم والأعمى؛ أو الميت [و] الحي؛ أو الظلمات والنور؟

وأمثاله، هذا كله غير مستوٍ.

وكل أهل الأديان وإن - اختلفت مذاهبهم - يقول كل: أنا الذي عليه هو الحق؛ والباطل هو الذي عليه غيري، وينفي كل عن نفسه العمى والصمم؛ وكونه في ظلمة؛ ويدعي كونه في النور؛ ونحوه.

فليس في نفس الأمثال التي ضربت بيان الحق من الباطل والمحق من غيره؛ فذلك يعرف بغيرها بالدلائل والحجج والبراهين؛ وهو ما ذكر ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 43] فبالدلائل والحجج والبراهين يعرف الحق من الباطل والمحق من غير المحق؛ فللإيمان والحق دلائل وحجج ويعرف ذوو العقول - بالعقول - حسنه وطيبه، وما يعقب من ثمرته، ويبين قبح الكفر والباطل لذوي العقول بالعقول، واستخباثهم الباطل؛ وما يعقبه لأهله من الخبث والقبح والشرّ.

وقال القتبي: ﴿ زَبَداً رَّابِياً ﴾ أي: عالياً على الماء ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ أي: حلي أو متاع آنية يعني من فِلزّ الأرض وجواهرها؛ مثل الرصاص والحديد؛ ونحوه، والذهب والفضة؛ حيث تعلوها - إذا أذيبت - مثل زبد الماء.

والجُفاء ما رمى به الوادي إلى جنباته؛ يقال: أجفأت القدر بِزَبدها: إذا ألقت زبدها عنها.

وقال أبو عوسجة: ﴿ رَّابِياً ﴾ : أي: مرتفعاً فوق ظهر الماء؛ وهو واحد، ويقال: زبد الماء: إذا صار له زبد ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ هو من الحلي؛ من الذهب والفضة؛ مما يتحلى به؛ ﴿ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ أي: باطلا لا ينتفع به، وأما الجفاء: فهو إظهار التهاون بالإنسان؛ وقلة الاكتراث له؛ والاستخفاف به.

وقال: الجفاء هو الغثاء، ويقال: قد أجفأ الوادي: إذا علاه ذلك ثم جرى به الماء.

قال أبو عوسجة: والغثاء - عندي -: ما حمله السيل؛ من العيدان والبعر؛ وما يشبه ذلك.

وقال القتبي: قوله: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ  ﴾ أي: يبساً.

قال أبو عبيد: الجفاء الجمود، ويذهب إلى أن الزبد يجمد ويجتمع على الماء، ثم يذهب بمائها.

وقال الفراء يذهب جُفاء: أي: يذهب سريعاً كما جاء.

وقال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن يكون المثل الذي ضرب بالماء هو للدين وهو أن الدين الحق الذي أنزل من السماء واحد؛ لكن الناس اتخذوا أدياناً متفرقة، ومذاهب مختلفة؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ فالدين الذي أمر بسلوكه واتباعه واحد؛ وهو كالماء الذي أنزل من السماء واحد صاف؛ وهو الأصل؛ فحذف منه أشياء لا يعبأ به ولا يكترث؛ فعلى ذلك السبل.

أو أن يكون وجه ضرب مثله بالماء؛ وهو أن الماء إذا أنزل من السماء أنزل [طيباً عذباً]، لكن اختلف ألوانه وطعومه باختلاف جواهر الأرض؛ بعضه خرج مالحاً أجاجاً، وبعضه مرّاً لا ينتفع به؛ وبعضه عذب، وذلك على اختلاف جواهر الأرض، وإلا كان المنزّل من السماء كله عذب طيب؛ فالذي ينتفع به واحد؛ وهو العذب.

فعلى ذلك الدين الذي ينتفع به - واحد؛ والبواقي لا ينتفع بها كالمياه المرة والمالحة، أو يكون غير هذا؛ ونحن لا نعرفه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ضرب الله مثلًا لتلاشي الباطل وبقاء الحق بماء مطر نازل من السماء حتى سالت به الأودية، كلٌّ حسب حجمه صغرًا وكبرًا، فحمل السيل الغُثَاء والرَّغْوَة مرتفعًا فوق الماء، وضرب مثلًا آخر لهما ببعض ما يوقد الناس عليه من المعادن النفيسة ابتغاء صهرها وصنع ما يتزين الناس به، بمثل هذين المثلين يضرب الله مثل الحق والباطل، فالباطل مثل الغُثَاء والزَّبَد الطافي على الماء، ومثل ما ينفيه صهر المعدن من الصدأ، والحق مثل الماء الصافي الذي يشرب منه، وينبت الثمار والكلأ والعشب، ومثل ما بقي من المعدن بعد صهره فينتفع الناس به، كما ضرب الله هذين المثلين يضرب الله الأمثال للناس؛ ليتضح الحق من الباطل.

<div class="verse-tafsir" id="91.dqZzE"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
سبحان الله