الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٢٩ من سورة الرعد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 128 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٩ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فرح وقرة عين .
وقال عكرمة : نعم ما لهم .
وقال الضحاك : غبطة لهم .
وقال إبراهيم النخعي : خير لهم .
وقال قتادة : هي كلمة عربية يقول الرجل : " طوبى لك " ، أي : أصبت خيرا .
وقال في رواية : ( طوبى لهم ) حسنى لهم .
( وحسن مآب ) أي : مرجع .
وهذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها .
وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( طوبى لهم ) قال : هي أرض الجنة بالحبشية .
وقال سعيد بن مسجوح : طوبى اسم الجنة بالهندية .
وكذا روى السدي ، عن عكرمة : ( طوبى لهم ) أي : الجنة .
وبه قال مجاهد .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال : ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) وذلك حين أعجبته .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن شهر بن حوشب قال : ( طوبى ) شجرة في الجنة ، كل شجر الجنة منها ، أغصانها من وراء سور الجنة .
وهكذا روي عن أبي هريرة ، وابن عباس ، ومغيث بن سمى ، وأبي إسحاق السبيعي وغير واحد من السلف : أن طوبى شجرة في الجنة ، في كل دار منها غصن منها .
وذكر بعضهم أن الرحمن ، تبارك وتعالى ، غرسها بيده من حبة لؤلؤة ، وأمرها أن تمتد ، فامتدت إلى حيث يشاء الله تبارك وتعالى ، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة ، من عسل وخمر وماء ولبن .
وقد قال عبد الله بن وهب : حدثنا عمرو بن الحارث ، أن دراجا أبا السمح حدثه ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - [ مرفوعا : " طوبى : شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، سمعت عبد الله بن لهيعة ، حدثنا دراج أبو السمح ، أن أبا الهيثم حدثه ، عن أبي سعيد الخدري ] عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أن رجلا قال : يا رسول الله ، طوبى لمن رآك وآمن بك .
قال : " طوبى لمن رآني وآمن بي ، ثم طوبى ، ثم طوبى ، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني " .
قال له رجل : وما طوبى ؟
قال : " شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " .
وروى البخاري ومسلم جميعا ، عن إسحاق بن راهويه ، عن مغيرة المخزومي ، عن وهيب ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " قال : فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي ، فقال : حدثني أبو سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها " .
وفي صحيح البخاري ، من حديث يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول الله : ( وظل ممدود ) [ الواقعة : 30 ] قال : " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج ، حدثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرءوا إن شئتم ( وظل ممدود ) أخرجاه في الصحيحين .
وقال [ الإمام ] أحمد أيضا : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج ، قالا حدثنا شعبة ، سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو : مائة - سنة هي شجرة الخلد " .
وقال محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر ، رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر سدرة المنتهى ، قال : " يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة ، أو قال : يستظل في الفنن منها مائة راكب ، فيها فراش الذهب ، كأن ثمرها القلال " .
رواه الترمذي .
وقال إسماعيل بن عياش ، عن سعيد بن يوسف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلام الأسود قال : سمعت أبا أمامة الباهلي قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى ، فتفتح له أكمامها ، فيأخذ من أي ذلك شاء ، إن شاء أبيض ، وإن شاء أحمر ، وإن شاء أصفر ، وإن شاء أسود ، مثل شقائق النعمان ، وأرق وأحسن " .
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن أشعث بن عبد الله ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : طوبى شجرة في الجنة ، يقول الله لها : " تفتقي لعبدي عما شاء; فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها ، وعن الإبل بأزمتها ، وعما شاء من الكسوة " .
وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه هاهنا أثرا غريبا عجيبا ، قال وهب ، رحمه الله : إن في الجنة شجرة يقال لها : " طوبى " ، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ، زهرها رياط ، وورقها برود ، وقضبانها عنبر ، وبطحاؤها ياقوت ، وترابها كافور ، ووحلها مسك ، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل ، وهي مجلس لأهل الجنة ، فبينا هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة بسلاسل من ذهب وجوهها كالمصابيح حسنا ووبرها كخز المرعزى من لينه ، عليها رحال ألواحها من ياقوت ، ودفوفها من ذهب ، وثيابها من سندس وإستبرق ، فينيخونها ويقولون : إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه قال : فيركبونها ، فهي أسرع من الطائر ، وأوطأ من الفراش ، نجيا من غير مهنة ، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه ، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى ، ولا برك راحلة برك الأخرى ، حتى إن شجرة لتتنحى عن طريقهم ، لئلا تفرق بين الرجل وأخيه .
قال : فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه ، فإذا رأوه قالوا : اللهم ، أنت السلام ومنك السلام ، وحق لك الجلال والإكرام .
قال : فيقول تعالى [ عند ذلك ] أنا السلام ومني السلام ، وعليكم حقت رحمتي ومحبتي ، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري " .
قال : فيقولون : ربنا لم نعبدك حق عبادتك ، ولم نقدرك حق قدرك ، فأذن لنا في السجود قدامك قال : فيقول الله : " إنها ليست بدار نصب ولا عبادة ، ولكنها دار ملك ونعيم ، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة ، فسلوني ما شئتم ، فإن لكل رجل منكم أمنيته " فيسألونه ، حتى إن أقصرهم أمنية ليقول : رب ، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها ، رب فآتنى مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا .
فيقول الله تعالى : " لقد قصرت بك أمنيتك ، ولقد سألت دون منزلتك ، هذا لك مني ، [ وسأتحفك بمنزلتي ] ; لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد " .
قال : ثم يقول : " اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم ، ولم يخطر لهم على بال " .
قال : فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم ، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة ، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة ، على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة ، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة متظاهرة ، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين ، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة ، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما ولا ريح طيبة إلا قد عبقتا به ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة ، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة ، يرى مخهما من فوق سوقهما ، كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء ، يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل ، ويرى هو لهما مثل ذلك ، ويدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه ويعتنقانه به ، ويقولان له : والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك .
ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة ، حتى ينتهى بكل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له .
وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده ، عن وهب بن منبه ، وزاد : فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم ، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى ، وغرف مبنية من الدر والمرجان ، وأبوابها من ذهب ، وسررها من ياقوت ، وفرشها من سندس وإستبرق ، ومنابرها من نور ، يفور من أبوابها وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء ، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها ، فلولا أنه مسخر ، إذا لالتمع الأبصار ، فما كان من تلك القصور من الياقوت [ الأبيض ، فهو مفروش بالحرير الأبيض ، وما كان منها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر ، وما كان منها من الياقوت الأخضر ] فهو مفروش بالسندس الأخضر ، وما كان منها من الياقوت الأصفر ، فهو مفروش بالأرجوان الأصفر منزه بالزمرد الأخضر ، والذهب الأحمر ، والفضة البيضاء ، قوائمها وأركانها من الجوهر ، وشرفها قباب من لؤلؤ ، وبروجها غرف من المرجان .
فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم ، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض ، منفوخ فيها الروح ، تجنبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين ، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء ، منظومة بالدر والياقوت ، سروجها سرر مرضونة ، مفروشة بالسندس والإستبرق .
فانطلقت بهم تلك البراذين تزف بهم ببطن رياض الجنة .
فلما انتهوا إلى منازلهم ، وجدوا الملائكة قعودا على منابر من نور ، ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم .
فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم وما سألوا وتمنوا ، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان ، [ جنتان ] ذواتا أفنان ، وجنتان مدهامتان ، وفيهما عينان نضاختان ، وفيهما من كل فاكهة زوجان ، وحور مقصورات في الخيام ، فلما تبينوا منازلهم واستقروا قرارهم قال لهم ربهم : هل وجدتم ما وعدتكم حقا ؟
قالوا : نعم وربنا .
قال : هل رضيتم ثواب ربكم ؟
قالوا : ربنا رضينا فارض عنا قال : برضاي عنكم حللتم داري ، ونظرتم إلى وجهي ، وصافحتكم ملائكتي ، فهنيئا هنيئا لكم ، ( عطاء غير مجذوذ ) [ هود : 108 ] ليس فيه تنغيص ولا تصريد .
فعند ذلك قالوا : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ، وأدخلنا دار المقامة من فضله ، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ، إن ربنا لغفور شكور .
وهذا سياق غريب ، وأثر عجيب ولبعضه شواهد ، ففي الصحيحين : أن الله تعالى يقول لذلك الرجل الذي يكون آخر أهل الجنة دخولا الجنة : تمن " ، فيتمنى حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى : " تمن من كذا وتمن من كذا " ، يذكره ، ثم يقول : " ذلك لك ، وعشرة أمثاله " .
وفي صحيح مسلم ، عن أبي ذر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الله ، عز وجل يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، قاموا في صعيد واحد ، فسألوني ، فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر " الحديث بطوله .
وقال خالد بن معدان : إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى ، لها ضروع ، كلها ترضع صبيان أهل الجنة ، وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة ، يتقلب فيه حتى تقوم القيامة ، فيبعث ابن أربعين سنة .
رواه ابن أبي حاتم .
وقوله: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ، الصالحات من الأعمال, وذلك العمل بما أمرهم ربهم(طوبى لهم) .
* * * و " طوبى " في موضع رفع بـ" لهم ".
وكان بعض أهل البصرة والكوفة يقول: ذلك رفع, كما يقال في الكلام: " ويلٌ لعمرو ".
* * * قال أبو جعفر: وإنما أوثر الرفع في (طوبى) لحسن الإضافة فيه بغير " لام ", وذلك أنه يقال فيه " طوباك ", كما يقال: " ويلك "، و " ويبك ", ولولا حسن الإضافة فيه بغير لام، لكان النصب فيه أحسنَ وأفصح, كما النصب في قولهم: " تعسًا لزيد، وبعدًا له وسُحقًا " أحسن, إذ كانت الإضافة فيها بغير لام لا تحسن .
* * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله (طوبى لهم) .
فقال بعضهم: معناه: نِعْم ما لهم .
ذكر من قال ذلك: 20363- حدثني جعفر بن محمد البروري من أهل الكوفة قال: حدثنا أبو زكريا الكلبي, عن عمر بن نافع قال: سئل عكرمة عن " طوبى لهم " قال: نعم ما لهم .
(1) 20364- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عمرو بن نافع, عن عكرمة في قوله: (طوبى لهم) قال: نعم ما لهم .
20365- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثني عمرو بن نافع قال: سمعت عكرمة, في قوله: (طوبى لهم) قال: نِعْم مَا لهم .
* * * وقال آخرون: معناه: غبطة لهم .
*ذكر من قال ذلك: 20366- حدثنا أبو هشام قال: حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: (طوبى لهم) قال: غبطةٌ لهم .
20367- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرحمن بن مغراء, عن جويبر, عن الضحاك, مثله .
20368-...
قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, مثله .
* * * وقال آخرون: معناه: فرحٌ وقُرَّةُ عين .
*ذكر من قال ذلك: 20369- حدثني علي بن داود والمثنى بن إبراهيم قالا حدثنا عبد الله قال .
حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (طوبى لهم) ، يقول: فرحٌ وقُرَّة عين .
* * * وقال آخرون: معناه: حُسْنَى لهم .
*ذكر من قال ذلك: 20370- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (طوبى لهم) ، يقول: حسنى لهم, وهي كلمة من كلام العرب .
20371- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة .(طوبى لهم) ، هذه كلمة عربية, يقول الرجل: طوبى لك: أي أصبتَ خيرًا .
* * * وقال آخرون: معناه: خير لهم .
ذكر من قال ذلك: 20372- حدثنا أبو هشام قال: حدثنا ابن يمان قال: حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم قال: خير لهم .
20373- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم, في قوله: (طوبى لهم) ، قال: الخير والكرامة التي أعطاهم الله .
* * * وقال آخرون: (طوبى لهم) ، اسم من أسماء الجنة, ومعنى الكلام، الجنة لهُم .
*ذكر من قال ذلك: 20374- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (طوبى لهم) قال: اسم الجنة، بالحبشية .
20375- حدثنا أبو هشام قال: حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (طوبى لهم)، قال: اسم أرض الجنة، بالحبشية .
20376- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن مشجوج في قوله: (طوبى لهم) قال: (طوبى): اسم الجنة بالهندية .
20377- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا داود بن مهران قال: حدثنا يعقوب, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن مشجوج قال: اسم الجنة بالهندية: (طوبى) .
(2) 20378- حدثنا أبو هشام قال: حدثنا ابن يمان قال: حدثنا سفيان, عن السدي, عن عكرمة: (طوبى لهم) قال: الجنة .
20379- ...
قال: حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (طوبى لهم) قال: الجنة .
20380- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله .
20381- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثنى عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب) قال: لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب) ، وذلك حين أعجبته .
20382- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن ليث, عن مجاهد: (طوبى لهم) ، قال الجنة .
* * * وقال آخرون: (طوبى لهم) : شجرة في الجنة .
*ذكر من قال ذلك: 20383- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا قرة بن خالد, عن موسى بن سالم قال: قال ابن عباس: (طوبى لهم) ، شجرة في الجنة .
(3) 20384- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الأشعث بن عبد الله, عن شهر بن حوشب, عن أبي هريرة: (طوبى لهم) : شجرة في الجنة يقول لها: " تَفَتَّقي لعبدي عما شاء " !
فتتفتق له عن الخيل بسروجها ولُجُمها, وعن الإبل بأزمّتها, وعما شاء من الكسوة .
(4) 20385- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن شهر بن حوشب قال: (طوبى): شجرة في الجنة, كل شجر الجنة منها, أغصانُها من وراء سور الجنة .
20386- حدثني المثنى قال: حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن الأشعث بن عبد الله, عن شهر بن حوشب, عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها(طوبى), يقول اللهُ لها: تفَتَّقِي فذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى, عن ابن ثور .
(5) 20387- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عبد الجبار قال: حدثنا مروان، قال: أخبرنا العلاء, عن شمر بن عطية, في قوله: (طوبى لهم) قال: هي شجرة في الجنة يقال لها(طوبى) .
20388- حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن منصور, عن حسان أبي الأشرس, عن مغيث بن سُمَيّ قال: (طوبى): شجرة في الجنة, ليس في الجنة دارٌ إلا فيها غصن منها, فيجيء الطائر فيقع، فيدعوه, فيأكل من أحد جنبيه قَدِيدًا ومن الآخر شِوَاء, ثم يقول: " طِرْ" ، فيطير .
(6) 20389- ...
قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية, عن بعض أهل الشأم قال: إن ربك أخذ لؤلؤة فوضعها على راحتيه, ثم دملجها بين كفيه, (7) ثم غرسها وسط أهل الجنة, ثم قال لها: امتدّي حتى تبلغي مَرْضاتي".
ففعلت, فلما استوت تفجَّرت من أصولها أنهار الجنة, وهي" طوبى " .
20390- حدثنا الفضل بن الصباح قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني قال: حدثني عبد الصمد بن معقل, أنه سمع وهبًا يقول: إن في الجنة شجرة يقال لها: " طوبى ", يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها ; زهرها رِيَاط, (8) وورقها بُرود (9) وقضبانها عنبر, وبطحاؤها ياقوت, وترابها كافور, ووَحَلها مسك, يخرج من أصلها أنهارُ الخمر واللبن والعسل, وهي مجلسٌ لأهل الجنة .
فبينا هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربِّهم, يقودون نُجُبًا مزمومة بسلاسل من ذهب, وجوهها كالمصابيح من حسنها, وبَرَها كخَزّ المِرْعِزَّى من لينه, (10) عليها رحالٌ ألواحها من ياقوت, ودفوفها من ذهب, وثيابها من سندس وإستبرق, فينيخونها ويقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلِّموا عليه .
قال: فيركبونها، قال: فهي أسرع من الطائر, وأوطأ من الفراش نُجُبًا من غير مَهنَة, (11) يسير الرَّجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه, لا تصيب أذُنُ راحلة منها أذُنَ صاحبتها, ولا بَرْكُ راحلة بركَ صاحبتها, (12) حتى إن الشجرة لتتنحَّى عن طرُقهم لئلا تفرُق بين الرجل وأخيه .
قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم, فيُسْفِر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه, فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام, وحُقَّ لك الجلال والإكرام ".
قال: فيقول تبارك وتعالى عند ذلك: " أنا السلام, ومنى السلام, وعليكم حقّت رحمتي ومحبتي, مرحبًا بعبادي الذين خَشُوني بغَيْبٍ وأطاعوا أمري" .قال: فيقولون: " ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدرك حق قدرك, فأذن لنا بالسجود قدَّامك " قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نَصَب ولا عبادة, ولكنها دارُ مُلْك ونعيم, وإني قد رفعت عنكم نَصَب العبادة, فسلوني ما شئتم, فإن لكل رجل منكم أمنيّته ".
فيسألونه، حتى إن أقصرهم أمنيةً ليقول: ربِّ، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها, رب فآتني كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا " فيقول الله: لقد قصّرت بك اليوم أمنيتُك, ولقد سألت دون منـزلتك, هذا لك مني, وسأتحفك بمنـزلتي, لأنه ليس في عطائي نكَد ولا تَصْريدٌ" (13) .
قال: ثم يقول: " اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال ".
قال: فيعرضون عليهم حتى يَقْضُوهم أمانيهم التي في أنفسهم, فيكون فيما يعرضون عليهم بَرَاذين مقرَّنة, على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة, على كل سرير منها قبة من ذهب مُفْرَغة, في كل قبة منها فُرُش من فُرُش الجنة مُظَاهَرة, في كل قبة منها جاريتان من الحور العين, على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة, ليس في الجنة لونٌ إلا وهو فيهما, ولا ريح طيبة إلا قد عَبِقتَا به, ينفذ ضوء وجوههما غِلَظ القبة, حتى يظن من يراهما أنهما من دُون القُبة, يرى مخهما من فوق سوقهما كالسِّلك الأبيض من ياقوتة حمراء, يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة، أو أفضل, ويرى هولُهما مثل ذلك.
ثم يدخل إليهما فيحييانه ويقبّلانه ويعانقانه, ويقولان له: " والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك "، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفًّا في الجنة، حتى ينتهي كل رجُل منهم إلى منـزلته التي أعدّت له .
(14) 20391- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال: حدثنا علي بن جرير, عن حماد قال: شجرة في الجنة في دار كل مؤمن غصن منها .
20392- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن حسان بن أبي الأشرس, عن مغيث بن سمي قال: " طوبى "، شجرة في الجنة، لو أن رجلا ركب قلوصًا جَذَعا أو جَذَعَة, ثم دار بها، لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هَرمًا .
وما من أهل الجنة منـزل إلا فيه غصن من أغصان تلك الشجرة متدلٍّ عليهم, فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلّى إليهم فيأكلون منه ما شاؤوا, ويجيء الطير فيأكلون منه قديدًا وشواءً ما شاءوا, ثم يطير .
(15) * * * وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بنحو ما قال من قال هي شجرة .
*ذكر الرواية بذلك: 20393- حدثني سليمان بن داود القومسي قال، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال: حدثنا معاوية بن سلام, عن زيد: أنه سمع أبا سَلام قال: حدثنا عامر بن زيد البكالي: أنه سمع عتبة بن عبد السلمِيّ يقول: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله, في الجنة فاكهة؟
(16) قال: نعم, فيها شجرة تدعى " طوبى ", هي تطابق الفردوس .
قال: أيّ شجر أرضنا تشبه؟
قال: ليست تشبه شيئًا من شجر أرضك, ولكن أتيتَ الشام؟
فقال: لا يا رسول الله.
فقال: فإنها تشبه شجرة تدعى الجَوْزة, تنبت على ساق واحدة، ثم ينتشر أعلاها.
قال: ما عِظَم أصلها؟
قال: لو ارتحلتَ جَذَعةً من إبل أهلك، ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر تَرْقُوتَاهَا هَرَمًا (17) .
20394- حدثنا الحسن بن شبيب قال: حدثنا محمد بن زياد الجزريّ, عن فرات بن أبي الفرات, عن معاوية بن قرة, عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى لهم وحسن مآب) : ، شجرة غرسها الله بيده, ونفخ فيها من روحه، نبتتْ بالحَلْيِ والحُلل, (18) وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة .
(19) 20395- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث, أن درّاجًا حدّثه أن أبا الهيثم حدثه, عن أبي سعيد الخدري, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلا قال له: يا رسول الله، ما طوبى؟
قال: شجرة في الجنة مسيرة مئة سنة, ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها .
(20) * * * قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرواية به, يجب أن يكون القولُ في رفع قوله: (طوبى لهم) خلافُ القول الذي حكيناه عن أهل العربية فيه .
وذلك أن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن " طوبى " اسم شجرة في الجنة, فإذْ كان كذلك، فهو اسم لمعرفة كزيد وعمرو .
وإذا كان ذلك كذلك, لم يكن في قوله: (وحسن مآب) إلا الرفع، عطفًا به على " طوبى " .
* * * وأما قوله: (وحسن مآب) ، فإنه يقول: وحسن منقلب ; (21) كما:- 20396- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك: (وحسن مآب) ، قال: حسن منقلب .
(22) ------------------ الهوامش : (1) الأثر : 20363 -" جعفر بن محمد البروري ، من أهل الكوفة" شيخ الطبري ، هكذا جاء في المخطوطة ، وهو ما لا أعرف .
وقد مضى برقم : 9800 ، وذكرت هناك أني لم أجده ، وكان فيما سلف :" جعفر بن محمد الكوفي المروزي" ، وذكرت أنه روى عنه في التاريخ 5 : 18 ، وصح عندي أنه هو هو في المواضع الثلاثة ، لأنه روى عنه في التاريخ قال :" حدثني جعفر بن محمد الكوفي وعباس بن أبي طالب قالا ، حدثنا أبو زكريا يحيي بن مصعب الكلبي ، قال حدثنا عمر بن نافع" .
فهذا هو بعض إسنادنا هذا .
و" أبو زكريا الكلبي" ، هو" يحيي بن مصعب الكلبي الكوفي" ، وهو" جار الأعمش" .
روى عن الأعمش حكايات ، وروى عن عمر بن نافع ، وهو صدوق .
مترجم في الكبير 4 / 2 / 306 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 190 .
و" عمر بن نافع الثقفي" ، متكلم فيه ، مضى قريبًا برقم : 20229 ، وكان في المخطوطة هنا :" عمرو بن نافع" ، وهو فيها على الصواب في الإسناد التالي ، أما المطبوعة فقد تبع خطأ المخطوطة الأول ، وترك صوابها الثاني !!
.
(2) الأثران : 20376 ، 20377 -" سعيد بن مشجوج" أو" بن مسجوح" ، أو و" ابن مسجوع" ، وهكذا جاء مختلفًا في المخطوطة ، ثم في تفسير ابن كثير 4 : 523 ، والدر المنثور 4 : 59 ، ونسبه لابن جرير ، وأبي الشيخ .
ولم أجد له ذكرًا في شيء من كتب الرجال ، مع مراجعته على وجوه التصحيف والتحريف .
ولكني وجدت في لسان العرب مادة ( كرم ) و ( كسا )، وفيهما قال :" سعيد بن مسحوح الشيباني" ، وفي شرح القاموس" ابن مشجوج" ونسب إليه السيرافي وابن بري شعر أبي خالد القناني الخارجي ، الذي يقول في أوله : لَقَـــدْ زَادَ الحَيَــاة إلّــي حبًّــا بَنَــاتِي إنَّهــن مِــنَ الضعَــافِ وانظر الكامل 2 : 107 ، هذا غاية ما وجدته ، ولا أدري علاقة ما بين هذين الاسمين ، وفوق كل ذي علم عليم .
(3) الأثر : 20383 -" موسى بن سالم" ، مولى آل العباس ، ثقة ، حديثه عن ابن عباس مرسل ، وروى عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 284 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 143 .
(4) الأثر : 20384 -" أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني ، الحملي" الأعمى ، وينسب إلى جده فيقال :" أشعث بن جابر" ، وهو ثقة ، يعتبر بحديثه .
وقال العقيلي : في حديثه وهم .
ووثقه ابن معين والنسائي وابن حبان .
مضى برقم : 8358 ، وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 429 في" أشعث بن جابر" ثم فيه 1 / 1 / 433 في" أشعث أبو عبد الله الحملي" ، وفي ابن أبي حاتم 1 / 1 / 273 .
و" شهر بن حوشب" ، مضى مرارًا ، وثقوه ، وتكلموا فيه .
وهذا خبر موقوف على أبي هريرة .
وسيأتي من طريق أخرى برقم : 20386 .
(5) الأثر : 20386 - هو مكرر الأثر السالف رقم : 20384 .
(6) الأثر : 20388 -" منصور" ، هو" منصور بن المعتمر" ، مضى مرارًا .
و"حسان أبو الأشرس" ، هو" حسان بن أبي الأشرس بن عمار الكاهلي" ، وهو" حسان بن المنذر" كنيته وكنية أبيه" أبو الأشرس" ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 32 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 235 .
و" مغيث بن سمى الأوزاعي" ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 24 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 391 وسيأتي هذا الخبر مطولا بإسناد آخر رقم : 20392 .
(7) " دملج الشيء دملجة" ، إذ سواه وأحسن صنعته ، كما يدملج السوار .
(8) " الرياط" جمع" ريطة" ، وهي كل ثوب لين رقيق .
(9) " برود" ، جمع" برد" ، هو من ثياب الوشي .
(10) " المرعزي" ( بكسر الميم وسكون الراء ، وكسر العين وتشديد الزاي المفتوحة ) ، هو الزغب الذي تحت شعر العنز، وهو ألين الصوف وميم" المرعزي" زائدة ، ومادته ( رعز ) .
(11) " المهنة" ( بفتحات ) جمع" ماهن" ، ويجمع على" مهان" ، نحو" كاتب ، وكتبة ، وكتاب" ، وهو الخادم .
(12) هكذا في المخطوطة ، وفي تفسير ابن كثير" برك" ، وفي الدر المنثور" لا تزل راحلة بزل صاحبتها" ، وأنا أرجح أن الصواب :" ولا ورك راحلة ورك صاحبتها" ولكن الناسخ الأول وصل الواو بالراء ، فأتى ناسخنا هذا فوصل بغير بيان ولا معرفة .
(13) في المطبوعة :" ولا قصر يد" ، وهو كلام غث بل هو عين الغثاثة .
و" التصريد" في العطاء تقليله .
(14) الأثر : 20390 - : الفضل بن الصباح البغدادي" ، شيخ الطبري ثقة ، مضى برقم : 2252 ، 3958 .
و" إسماعيل بن الكريم بن معقل الصنعاني" ، ثقة ، مضى برقم : 995 ، 5598 .
و" عبد الصمد بن معقل بن منبه اليماني" ، ثقة ، روى عن عمه وهب بن منبه ، مضى برقم : 995 .
وقد رواه ابن كثير في التفسير 4 : 524 ، وقال قبله :" روى ابن جرير عن وهب بن منبه هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا" ، ثم أتم الخبر من طريق ابن أبي حاتم ، ثم قال :" وهذا سياق غريب ، وأثر عجيب ، ولبعضه شواهد" .
(15) الأثر : 20392 -" حسان بن أبي الأشرس" ، سلف برقم : 20388 .
و" مغيث بن سمى" ، سلف برقم 20388 .
وهو مطول الأثر السالف : 20388 .
(16) في المطبوعة :" إن في الجنة ..." ، وأثبت ما في المخطوطة .
(17) الأثر : 20393 -" سليمان بن داود القومسي" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب .
و" أبو توبة" ،" الربيع بن نافع" ، ثقة مضى برقم : 3833 .
و" معاوية بن سلام بن أبي سلام" ، ثقة ، روى له الجماعة ، روى عن أبيه وجده ، وأخيه زيد ، مضى برقم : 16557 .
وأخوه" زيد بن سلام بن أبي سلام" ثقة ، روى عن جده" أبي سلام" ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 361 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 564 .
و" أبو سلام" ، هو" ممطور" الأسود الحبشي ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 16557 .
و" عامر بن زيد البكالي" ، تابعي ، ثقة ، مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 320 .
و" عتبة بن عبد السلمى" ،" أبو الوليد" ، له صحبة ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم .
مترجم في الإصابة ، وأسد الغابة ، والاستيعاب، والتهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 371 ، وابن سعد 7 / 2 / 132 .
فهذا إسناد جيد ، ورواه أحمد في مسنده 4 : 183 ، 184 ، مطولا ، من طريق" علي بن بحر ، عن هشام بن يوسف ، عن يحيي بن أبي كثير ، عن عامر بن زيد البكالي" ، وهو إسناد صحيح أيضًا ، ونقله عن المسند، ابن القيم في حادي الأرواح 1 : 263 ، 264 .
(18) في المطبوعة ، أسقط قوله" نبتت" وأثبتها من المخطوطة .
(19) الأثر : 20394 -" الحسن بن شبيب بن راشد" ، شيخ الطبري ، سلف برقم : 9642 ، 11383 ، قال ابن عدي،" حدث عن الثقات بالبواطيل ، ووصل أحاديث هي مرسلة" .
و" محمد بن زياد الجزري" ، لعله هو" الرقي" ، لأن الرقة معددة من الجزيرة .
وهو" محمد بن زياد اليشكري الطحان ، الميمون الرقي" ، وهو كذاب خبيث يضع الحديث ، روى عن شيخه الميمون بن مهران وغيره الموضوعات .
مترجم في التهذيب ، وتاريخ بغداد 5 : 279 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 258 ، وميزان الاعتدال 3 : 60 ، وكان في المطبوعة" الجريري" ، غير ما في المخطوطة .
و" فرات بن أبي الفرات" ، قال ابن أبي حاتم :" صدوق ، لا بأس به" ، وذكره ابن حبان في الثقات قال :" هو حسن الاستقامة والروايات" ، ولم يذكر البخاري فيه جرحًا" ولكن قال يحيي بن معين :" ليس بشيء" ، وقال ابن عدي :" الضعف بيّن على رواياته" ، وقال الساجي" ضعيف ، يحدث بأحاديث فيها بعض المناكير" .
مترجم في الكبير 4 / 1 / 129 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 80 ، وميزان الاعتدال 2 : 316 ، ولسان الميزان 4 : 432 .
و" معاوية بن إياس المزني" ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 11211 ، 11409 .
وأبوه" قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني" ، له صحبة مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 180 .
وهذا خبر هالك الإسناد ، وحسبه ما فيه من أمر" محمد بن زياد" ، ولم أجده عند غير الطبري .
(20) الأثر : 20395 -" عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري" ، ثقة ، روى له الجماعة ، سلف مرارًا ، آخرها رقم : 17429 .
و" دراج" ، هو" دراج بن سمعان" ،" أبو السمح" ، متكلم فيه ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17754 .
و" أبو الهيثم" ، هو" سليمان بن عمرو العتواري المصري" ثقة ، مضى برقم : 1387 ، 5518 .
وقد سلف مثل هذا الإسناد برقم 1387 ، وصحح هذا الإسناد أخي السيد أحمد رحمه الله .
هذا، وقد نقل ابن عدي عن أحمد بن حنبل :" أحاديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، فيها ضعف" وقال ابن شاهين :" ما كان بهذا الإسناد فليس به بأس" ، ومقالة أحمد في دراج شديدة فقد نقل عنه عبد الله بن أحمد :" حديثه منكر" .
وعندي أن تصحيح مثل هذا الإسناد فيه بعض المجازفة ، وأحسن حاله أن يكون مما لا بأس به ومما يعتبر به .
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 3 : 71 من طريق ابن لهيعة .
عن دراج أبي السمح ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه 4 : 91 ، من طريق أسد بن موسى ، عن ابن لهيعة ، مطولا ، وصدره" أن رجلا قال له : يا رسول الله ، طوبي لمن رآك وآمن بك !
قال : طوبى لمن رآني وآمن بي ، ثم طوبى ، ثم طوبى ، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ، فقال له رجل : وما طوبى ؟" ، الحديث .
(21) انظر تفسير" المآب" فيما سلف 6 : 258 ، 259 .
(22) انظر تفسير" المآب" فيما سلف 6 : 258 ، 259 .
قوله تعالى : الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب قوله تعالى : الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم ابتداء وخبره .
وقيل : معناه لهم طوبى ، ف " طوبى " رفع بالابتداء ، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على تقدير : جعل لهم طوبى ، ويعطف عليه " وحسن مآب " على الوجهين المذكورين ، فترفع أو تنصب .
وذكر عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن أبي يزيد البكالي عن عتبة بن [ ص: 276 ] عبد السلمي قال : ( جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الجنة وذكر الحوض فقال : فيها فاكهة ؟
قال : نعم شجرة تدعى طوبى قال : يا رسول الله !
أي شجر أرضنا تشبه ؟
قال لا تشبه شيئا من شجر أرضك ، أأتيت الشام هناك شجرة تدعى الجوزة تنبت على ساق ويفترش أعلاها .
قال : يا رسول الله !
فما عظم أصلها ؟
!
قال : لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما .
وذكر الحديث ، وقد كتبناه بكماله في أبواب الجنة من كتاب " التذكرة " ، والحمد لله .
وذكر ابن المبارك قال : أخبرنا معمر عن الأشعث عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال : في الجنة شجرة يقال لها طوبى ; يقول الله تعالى لها : تفتقي لعبدي عما شاء ; فتفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء ، وتفتق عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما شاء ، وعن النجائب والثياب .
وذكر ابن وهب من حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة الباهلي قال : طوبى شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها ، ولا طير حسن إلا هو فيها ، ولا ثمرة إلا هي منها ; وقد قيل : إن أصلها في قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة ، ثم تنقسم فروعها على منازل أهل الجنة ، كما انتشر منه العلم والإيمان على جميع أهل الدنيا .
وقال ابن عباس : طوبى لهم فرح لهم وقرة عين ; وعنه أيضا أن طوبى اسم الجنة بالحبشية ; وقاله سعيد بن جبير .
الربيع بن أنس : هو البستان بلغة الهند ; قال القشيري : إن صح هذا فهو وفاق بين اللغتين .
وقال قتادة : طوبى لهم حسنى لهم .
عكرمة : نعمى لهم .
إبراهيم النخعي : خير لهم ، وعنه أيضا كرامة من الله لهم .
الضحاك : غبطة لهم .
النحاس : وهذه الأقوال متقاربة ; لأن طوبى فعلى من الطيب ; أي العيش الطيب لهم ; وهذه الأشياء ترجع إلى الشيء الطيب .
وقال الزجاج : طوبى فعلى من الطيب ، وهي الحالة المستطابة لهم ; والأصل طيبى ، فصارت الياء واوا لسكونها وضم ما قبلها ، كما قالوا : موسر وموقن .
قلت : والصحيح أنها شجرة ; للحديث المرفوع الذي ذكرناه ، وهو صحيح على ما ذكره السهيلي ; ذكره أبو عمر في التمهيد ، ومنه نقلناه ; وذكره أيضا الثعلبي في تفسيره ; وذكر أيضا [ ص: 277 ] المهدوي والقشيري عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة ومن أراد زيادة على هذه الأخبار فليطالع الثعلبي .
وقال ابن عباس : طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار علي ، وفي دار كل مؤمن منها غصن .
وقال أبو جعفر محمد بن علي : ( سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى : طوبى لهم وحسن مآب قال : شجرة أصلها في داري وفروعها في الجنة ثم سئل عنها مرة أخرى فقال : شجرة أصلها في دار علي وفروعها في الجنة .
فقيل له : يا رسول الله !
سئلت عنها فقلت : أصلها في داري وفروعها في الجنة ثم سئلت عنها فقلت : أصلها في دار علي وفروعها في الجنة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن داري ودار علي غدا في الجنة واحدة في مكان واحد وعنه - صلى الله عليه وسلم - : هي شجرة أصلها في داري وما من دار من دوركم إلا مدلى فيها غصن منها وحسن مآب آب إذا رجع .
وقيل : تقدير الكلام الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله وعملوا الصالحات طوبى لهم .
ثم قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: آمنوا بقلوبهم بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وصدقوا هذا الإيمان بالأعمال الصالحة، أعمال القلوب كمحبة الله وخشيته ورجائه، وأعمال الجوارح كالصلاة ونحوها، { طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } أي: لهم حالة طيبة ومرجع حسن.
وذلك بما ينالون من رضوان الله وكرامته في الدنيا والآخرة، وأن لهم كمال الراحة وتمام الطمأنينة، ومن جملة ذلك شجرة طوبى التي في الجنة، التي يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، كما وردت بها الأحاديث الصحيحة.
( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ابتداء ( طوبى لهم ) خبره .
واختلفوا في تفسير ( طوبى ) .
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : فرح لهم وقرة عين .
وقال عكرمة : نعم مالهم .
وقال قتادة : حسنى لهم .
وقال معمر عن قتادة : هذه كلمة عربية ، يقول الرجل للرجل : طوبى لك ، أي : أصبت خيرا .
وقال إبراهيم : خير لهم وكرامة .
وقال الفراء : [ أصله من الطيب ، والواو فيه لضمة الطاء ، وفيه لغتان ، تقول العرب : طوباك وطوبى لك أي : لهم الطيب ] .
( وحسن مآب ) أي : حسن المنقلب .
قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : طوبى اسم الجنة بالحبشية .
قال الربيع : هو البستان بلغة الهند .
وروي عن أبي أمامة ، وأبي هريرة ، وأبي الدرداء قالوا : [ طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها .
وقال عبيد بن عمير ] : هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد ، ولم يخلق الله تعالى فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ، تنبع من أصلها عينان : الكافور ، والسلسبيل .
قال مقاتل : كل ورقة منها تظل أمة ، عليها ملك يسبح الله عز وجل بأنواع التسبيح .
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طوبى ؟
قال : " شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " .
وعن معاوية بن قرة ، عن أبيه يرفعه : " طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ، ونفخ فيها من روحه ، تنبت الحلي والحلل ، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة " .
أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن زياد مولى بني مخزوم ، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها اقرءوا إن شئتم : ( وظل ممدود ) ( الواقعة - 30 ) فبلغ ذلك كعبا فقال : صدق والذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ، لو أن رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما ، إن الله تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من روحه ، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة ، ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة .
وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن الأشعث بن عبد الله ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة قال : في الجنة شجرة يقال لها طوبى ، يقول الله عز وجل لها : تفتقي لعبدي عما شئت ، فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء ، يفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما شاء وعن الثياب .
«الذين آمنوا وعملوا الصالحات» مبتدأ خبره «طوبى» مصدر من الطيب أو شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها «لهم وحسن مآب» مرجع.
الذين صدَّقوا بالله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحات لهم فرح وقرة عين، وحال طيبة، ومرجع حسن إلى جنة الله ورضوانه.
وقوله - تعالى - ( الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) بيان للثواب الجزيل الذى أعده - سبحانه - للمؤمنين الصادقين .وطوبى : مصدر كبشرى وزلفى من الطيب ، وأصله طُيْبَى ، فقلبت الباء واواً لوقوعها ساكنة إثر ضمة ، كما قلبت فى موقن وموسر وهو من اليقين واليسر .وقيل : طوبى ، اسم شجرة فى الجنة .قال ابن كثير ما ملخصه : قوله ( طوبى لَهُمْ ) قال ابن عباس : أى فرح وقرة عين لهم .وقال الضحاك : أى غبطة لهم .
وقال إبراهيم النخعى : أى خير لهم .وقال قتادة : طوبى ، كلمة عربية .
يقول الرجل لغيره : طوبى لك أى : أصبت خيراً .وقال سعيد بن جبير بن ابن عباس ( طوبى لَهُمْ ) قال : هى أرض الجنة بالحبشية .وقال سعيد بن مشجوج ( طوبى ) اسم الجنة بالهندية .وروى ابن جرير عن شهر بن حوشب قال : ( طوبى ) : شجرة فى الجنة كل شجر الجنة منها ..
.وهكذا روى عن ابن عباس وأبى هريرة وغير واحد من السلف ، " أن طوبى شجرة فى الجنة ، فى كل دار فى الجنة غصن منها " .والمآب : المرجع والمنقلب من الأوب وهو الرجوع .
يقال : آب يئوب أوبا وإبابا ومآبا إذا رجع .والمعنى : الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات لهم فى آخرتهم ، عيش طيب .
وخير كامل ، ومرجع حسن يرجعون به إلى ربهم وخالقهم .
اعلم أن قوله: ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل من قوله: ﴿ من أناب ﴾ قال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.
فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم هاهنا بالاطمئنان؟
والجواب من وجوه: الأول، أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل، وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة، سكنت قلوبهم إلى ذلك، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر، لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي، وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات.
الثاني: أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً من عند الله.
أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم.
الثالث: أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر عنه، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا، وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا.
واعلم أن لنا في قوله: ﴿ ألا بذكر تطمئن القلوب ﴾ أبحاثاً دقيقة غامضة وهي من وجوه: الوجه الأول: أن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يتأثر، ومتأثر لا يؤثر، وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء، فالمؤثر الذي لا يتأثر هو الله سبحانه وتعالى، والمتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم، فإنه ذات قابلة للصفات المختلفة والآثار المتنافية، وليس له خاصية إلا القبول فقط.
وأما الموجود الذي يؤثر تارة ويتأثر أخرى، فهي الموجودات الروحانية، وذلك لأنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة الله تعالى وقدرته وتكوينه وإيجاده وإذا توجهت إلى عالم الأجسام اشتقات إلى التصرف فيها، لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام.
وإذا عرفت هذا فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليها والتصرف فيها، أما إذا توجه القلب إلى مطالعة الحضرة الإلهية حصل فيه أنوار الصمدية والأضواء الإلهية، فهناك يكون ساكناً فلهذا السبب قال: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ .
الوجه الثاني: أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى حالة أخرى أشرف منها، لأنه لا سعادة في عالم الأجسام إلا وفوقها مرتبة أخرى في اللذة والغبطة.
أما إذا انتهى القلب والعقل إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والأضواء الصمدية بقي واستقر فلم يقدر على الانتقال منه ألبتة، لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منها وأكمل؛ فلهذا المعنى قال: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ .
والوجه الثالث: في تفسير هذه الكلمة أن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهباً باقياً على كر الدهور والأزمان، صابراً على الذوبان الحاصل بالنار، فإكسير جلال الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهراً باقياً صافياً نورانياً لا يقبل التغيير والتبدل، فلهذا قال: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير كلمة ﴿ طوبى ﴾ ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها اسم شجرة في الجنة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة»، وحكى أبو بكر الأصم رضي الله عنه: أن أصل هذه الشجرة في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن.
والقول الثاني: وهو قول أهل اللغة إن طوبى مصدر من طاب، كبشرى وزلفى، ومعنى طوبى لك، أصبت طيباً، ثم اختلفوا على وجوه: فقيل: فرح وقرة عين لهم.
عن ابن عباس رضي الله عنهما وقيل: نعم ما لهم عن عكرمة، وقيل غبطة لهم عن الضحاك.
وقيل: حسنى لهم عن قتادة.
وقيل: خير وكرامة عن أبي بكر الأصم، وقيل: العيش الطيب لهم عن الزجاج.
واعلم أن المعاني متقاربة والتفاوت يقرب من أن يكون في اللفظ.
والحاصل أنه مبالغة في نيل الطيبات ويدخل فيه جميع اللذات، وتفسيره أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.
والقول الثالث: أن هذه اللفظة ليست عربية، ثم اختلفوا فقال بعضهم: طوبى اسم الجنة بالحبشية، وقيل اسم الجنة بالهندية.
وقيل البستان بالهندية، وهذا القول ضعيف، لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما واشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ و ﴿ طوبى لهم ﴾ خبره، معنى طوبى لك أي أصبت طيباً، ومحلها النصب أو الرفع، كقولك طيباً لك وطيب لك وسلاماً لك وسلام لك، والقراءة في قوله: ﴿ وحسن مآب ﴾ بالرفع والنصب تدلك على محلها، وقرأ مكوزة الأعرابي (طيب لهم).
أما قوله: ﴿ وحسن مآب ﴾ فالمراد حسن المرجع والمقر وكل ذلك وعد من الله بأعظم النعيم ترغيباً في طاعته وتحذيراً عن المعصية.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: كيف طابق قولهم ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء ﴾ ؟
قلت: هو كلام يجري مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبيّ قبله، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية، فإذا جحدوها ولم يعتدّوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعاً للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم: إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدّة الشكيمة في الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية ﴿ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ ﴾ كان على خلاف صفتكم ﴿ أَنَابَ ﴾ أقبل إلى الحق، وحقيقته دخل في نوبة الخير، و ﴿ الذين ءَامَنُواْ ﴾ بدل من ﴿ مَنْ أَنَابَ ﴾ ﴿ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله ﴾ بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ [الزمر: 23] أو تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته، أو تطمئن بالقرآن لأنه معجزة بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها ﴿ الذين ءَامَنُواْ ﴾ مبتدأ، و ﴿ طوبى لَهُمْ ﴾ خبره.
ويجوز أن يكون بدلاً من القلوب، على تقدير حذف المضاف، أي: تطمئن القلوب قلوب الذين آمنوا، وطوبى مصدر من طاب، كبشرى وزلفى، ومعنى ﴿ طوبى لك ﴾ أصبت خيراً وطيباً، ومحلها النصب أو الرفع، كقولك: طيباً لك، وطيب لك، وسلاماً لك، وسلام لك، والقراءة في قوله ﴿ وحسن مآب ﴾ بالرفع والنصب، تدلك على محليها.
واللام في ﴿ لَهُمْ ﴾ للبيان مثلها في سقيا لك، والواو في طوبى منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها، كموقن وموسر وقرأ مكوزة الأعرابي: ﴿ طيبى لهم ﴾ ، فكسر الطاء لتسلم الياء، كما قيل: بيض ومعيشة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ.
﴿ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ ﴾ أقْبَلَ إلى الحَقِّ ورَجَعَ عَنِ العِنادِ، وهو جَوابٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قالَ قُلْ لَهم ما أعْظَمَ عِنادُكم إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ مِمَّنْ كانَ عَلى صِفَتِكم، فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِهِمْ وإنْ أنْزَلْتُ كُلَّ آيَةٍ، ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ بِما جِئْتُ بِهِ بَلْ بِأدْنى مِنهُ مِنَ الآياتِ.
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ مِن ﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
﴿ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أُنْسًا بِهِ واعْتِمادًا عَلَيْهِ ورَجاءً مِنهُ، أوْ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ بَعْدَ القَلَقِ مِن خَشْيَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ أوْ بِكَلامِهِ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي هو أقْوى المُعْجِزاتِ.
﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ.
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ وهو فُعْلى مَنِ الطَّيِّبِ قُلِبَتْ ياؤُهُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلِها مَصْدَرٌ لَطابَ كَبُشْرى وزُلْفى، ويَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ ولِذَلِكَ قُرِئَ (وَحُسْنَ مَآبٍ) بِالنَّصْبِ.
<div class="verse-tafsir"
{الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} مبتدأ {طوبى لَهُمْ} خبره وهو مصدر من طاب كبشرى ومعنى طوبى لك أصبت خيراً وطيباً ومحلها النصب أو الرفع كقولك طيباً لك وطيب لك وسلاماً لك وسلام لك واللام في لهم للبيان مثلها في سقيالك والواو في طوبى منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها كموقز والقراءة في {وحسن مآب} مرجع بالرفع والنصب تدل على محليها
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ القُلُوبِ أيْ قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا والأظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الكُلِّ لِأنَّ القُلُوبَ في الأوَّلِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُطْمَئِنِّينَ وكَذَلِكَ لَوْ عُمِّمَ القَلْبُ عَلى مَعْنى أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ الأجِلّاءِ كُلُّ القُلُوبِ لَأنَّ الكُفّارَ أفْئِدَتُهم هَواءٌ وأمّا الحَمْلُ عَلى بَدَلِ البَعْضِ لِيُعَمَّمَ القَلْبُ مِن غَيْرِ المُلاحَظَةِ المَذْكُورَةِ واسْتِنْباطِ هَذا المَعْنى مِنَ البَدَلِ فَبَعِيدٌ وأمّا احْتِمالُهُ لِبَدَلِ الِاشْتِمالِ وإنِ اسْتَحْسَنَهُ الطَّيِّبِيُّ فَكَلا أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدِّعائِيَّةُ عَلى التَّأْوِيلِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ أوْ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ فَطُوبى لَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ والعامِلُ فِيها الفِعْلانِ.
وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: لَعَلَّ الأشْبَهَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن أنابَ ﴾ ثُمَّ قِيلَ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ تُفِيدُ كَيْفَ لا تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم لَهُ ولا اطْمِئْنانَ لِلْقَلْبِ بِغَيْرِهِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلْ هو كُلُّها و ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ خَبَرُ الأوَّلِ فَيَتِمُّ التَّقابُلُ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ و ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ ﴾ وبَيْنَ جُزْأيِ التَّذْيِيلِ: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولَ الثّانِيَ خَبَرُهُ و ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ و ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ دُعاءٌ وهو كَما تَرى و ﴿ طُوبى ﴾ قِيلَ مَصْدَرٌ مِن طابَ كَبُشْرى وزُلْفى والواوُ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الياءِ كَمُوسِرٍ ومُوقِنٍ وقَرَأ مُكَوَّزَةُ الأعْرابِيُّ ( طِيبى ) لِيُسَلِّمَ الياءَ وقالَ أبُو الحَسَنِ الهَنائِيُّ: هي جَمْعُ طَيِّبَةٍ كَما قالُوا في كَيِّسَةٍ كُوسى وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فُعْلى لَيْسَتْ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ وعَلى الأوَّلِ فَلَهم في المَعْنى المُرادِ عِباراتٌ فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ لَهم وعَنِ الضَّحّاكِ غِبْطَةٌ لَهم وعَنْ قَتادَةَ حُسْنى لَهم وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أصابُوا خَيْرًا وعَنِ النَّخَعِيِّ خَيْرٌ كَثِيرٌ لَهم وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ كَرامَةٌ لَهم وعَنْ سُمَيْطِ بْنِ عَجْلانَ دَوامُ الخَيْرِ لَهم ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى مَعْنى العَيْشِ الطَّيِّبِ لَهم وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ طُوبى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ وقِيلَ بِالهِنْدِيَّةِ وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها عَلَمٌ لِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ وصَحَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي الجَنَّةِ فاكِهَةٌ قالَ: نَعَمْ فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى هي نِطاقُ الفِرْدَوْسِ قالَ: أيُّ شَجَرِ أرْضِنا تُشْبِهُ قالَ: لَيْسَ تُشْبِهُ شَيْئًا مِن شَجَرِ أرْضِكَ ولَكِنْ أتَيْتَ الشّامَ قالَ: لا قالَ: فَإنَّها تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشّامِ تُدْعى الجَوْزَةَ تَنْبُتُ عَلى ساقٍ واحِدٍ ثُمَّ يَنْتَشِرُ أعْلاها قالَ: ما عِظَمُ أصْلِها قالَ: لَوِ ارْتَحَلْتَ جَذَعَةً مِن إبِلِ أهْلِكَ ما أحَطْتَ بِأصْلِها حَتّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُها هَرَمًا قالَ: فَهَلْ فِيها عِنَبٌ قالَ: نَعَمْ قالَ: ما عِظَمُ العُنْقُودِ مِنهُ قالَ: مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْغُرابِ الأبْقَعِ» والأخْبارُ المُصَرِّحَةُ بِأنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مُنْتَشِرَةٌ جِدًّا وحِينَئِذٍ فَلا كَلامَ في جَوازِ الِابْتِداءِ بِها وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ الدُّعاءِ كَقَوْلِهِمْ: سَلامٌ عَلَيْكَ إلّا أنَّهُ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ إلى أنَّهُ التَزَمَ فِيها الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ عِيسى الثَّقَفِيَّ قَرَأ ( وحَسُنَ مَآبٍ ) .
(29) .
بِالنَّصْبِ وخَرَّجَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى طُوبى وأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهي عِنْدُهُ مَصْدَرٌ مَعْمُولٌ لِمِقْدارٍ أيْ طابَ واللّامُ لِبَيانٍ كَما في سُقْيًا لَهُ ومِنهم مَن قَدَّرَ جَعَلَ طُوبى لَهم وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ التَّقْدِيرَ يا طُوبى لَهم ويا حُسْنَ مَآبٍ فَحُسْنَ مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى وهو مُضافٌ لِلضَّمِيرِ واللّامُ مُقْحَمَةٌ كَما في قَوْلِهِ: يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضِرارُ الأقْوامِ ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن بُؤْسَ وكَأنَّهُ قِيلَ يا طُوباهم ويا حُسْنَ مَآبِهِمْ أيْ ما أطْيَبَهم وأحْسَنَ مَآبَهم كَما تَقُولُ: يا طِيبَها لَيْلَةً أيْ ما أطْيَبَها لَيْلَةً ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأجابَ السَّفاقِسِيُّ عَنِ ابْنِ مالِكٍ بِأنَّهُ يَجُوزُ نَصْبُ ( حُسْنَ ) بِمُقَدَّرٍ أيْ ورَزَقَهم حُسْنَ مَآبٍ وهو بَعِيدٌ.
وقُرِئَ ( حُسْنَ مَآبٌ ) بِفَتْحِ النُّونِ ورَفْعِ مَآبٍ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُسْنَ فِعْلٌ ماضٍ أصْلُهُ حَسُنَ نُقِلَتْ ضَمَّةُ السِّينِ إلى الحاءِ ومِثْلُهُ جائِزٌ في فِعْلٍ إذا كانَ لِلْمَدْحِ أوِ الذَّمِّ كَما قالُوا: حُسْنَ ذا <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل عليه آية من ربه، يعني: علامة لنبوته قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ يعني: من عباده عن الهدى، يعني: إذا لم يرغب فيه وَيَهْدِي إِلَيْهِ يعني: يرشد إلى دينه مَنْ أَنابَ يعني: من رجع إلى الحق.
ويقال: رجع عن الشرك.
ثم قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا هذا مقرون بالأول، يعني: ويهدي الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ يعني: تسكن قلوبهم وترضى بِذِكْرِ اللَّهِ يعني: إذا ذكروا الله تعالى بوحدانيته، آمنوا به غير شاكين.
وقال الكلبي: يعني: وتسكن وترضى قلوبهم لمن يحلف لهم بالله أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ يعني: تسكن وترضى قلوب المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا يعني: صدَّقوا بالله وبمحمد وبالقرآن، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الطاعات طُوبى لَهُمْ يعني: غبطة لهم.
قال مجاهد: طُوبى لَهُمْ يعني: الجنة.
ويقال: طُوبى شجرة في الجنة.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.
قال: حدثنا محمد بن جعفر.
قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف.
قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي اليسر، عن أبي أوفى، عن مغيث بن سمي في قوله تعالى طُوبى لَهُمْ قال: «طوبى شجرة في الجنة ليس لأهل الجنة من دار إلا ويظلّهم غصن من أغصانها، - قال ابن عباس: طُوبى شجرة في الجنة ساقها من ذهب، الورقة منها تغطي الدنيا، ليس في الجنة منزل إلا وفيه غصن من أغصانها (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط في النسخة: «ب» .
<div class="verse-tafsir"
ذوي الأَلْبَابِ، ولذلك لا تَنْكَشِفُ له أَسْرارُ الكتاب، انتهى.
وجَنَّاتُ: بدل من عُقْبَى وتفسير لها، وعَدْنٍ: هي مدينةُ الجَنَّة ووَسَطُها، ومعناها: جنَّات الإِقامة مِنْ عَدَنَ في المَكَانِ، إِذا أقام فيه طويلا، ومنه المعادن، وجَنَّاتُ عَدْنٍ: يقال: هي مَسْكن الأنبياءِ والشُّهَداء والعُلَماء فَقَطْ قاله عبد اللَّه بن عمرو بن العاص «١» ، ويروَى أَنَّ لها خَمْسَةَ آلافِ باب، وقوله: وَمَنْ صَلَحَ: أي: عمل صالحاً، وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ: أي: يقولون: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، والمعنى: هذا بما صَبَرْتُم، وباقي الآية واضحٌ.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ...
الآية: هذه صفةُ حالٍ مضادَّةٍ للمتقدّمة- نعوذ بالله من سخطه-.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)
وقوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ...
الآية: لما أخبر عَمَّن تقدَّم وصفه بأنَّ لهم اللعنةَ وسُوءَ الدار، أنْحَى بعد ذلك على أغنيائهم، / وحقَّر شأنهم وشَأْنَ أموالهم، المعنى: إِنَّ هذا كلَّه بمشيئة اللَّه يَهَبُ الكافرَ المال لهلكه بِهِ، ويَقْدِرُ على المؤمِنِ ليُعْظِمَ ذلك أَجْرَهُ وذُخْرَهُ.
وقوله: وَيَقْدِرُ: من التَّقْدِيرِ المناقِضِ للبَسْط والاتساع.
الآية: رد على مقترحي الآيات من كفَّار قريشٍ كما تقدَّم.
وقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ: «الذين» : بدلٌ مِنْ «مَنْ» في قوله: مَنْ أَنابَ، وطمأنينة القلوبِ هي الاستكانة والسرورُ بذكْر اللَّه، والسكونُ به، كمالاً به، ورضاً بالثواب عليه، وجودة اليقين، ثم قال سبحانه: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ: أي: لا بالآياتِ المُقْتَرحةِ التي ربّما كفر بعدها فنزل العذاب، و «الذين» الثاني:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أنابَ ﴾ ، والمَعْنى: يَهْدِي الَّذِينَ آمَنُوا، " وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ " في هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ.
والثّانِي: ذِكْرُ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ.
وَفِي مَعْنى هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحُبُّ لَهُ والأُنْسُ بِهِ.
والثّانِي: السُّكُونُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ، بِخِلافِ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " ألا " حَرْفُ تَنْبِيهٍ وابْتِداءٍ، والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ الَّتِي هي قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُطْمَئِنِّ القَلْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ.
رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما طُوبى، قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» "، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: طُوبى: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَها: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمّا شاءَ، فَتَتَفَتَّقُ لَهُ عَنْ الخَيْلِ بِسُرُوجِها ولُجُمِها، وعَنِ الإبِلِ بِأزِمَّتِها، وعَمّا شاءَ مِنَ الكُسْوَةِ.
وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: طُوبى: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ مِنها أغْصانُها، مِن وراءِ سُورِ الجَنَّةِ، وهَذا مَذْهَبُ عَطِيَّةَ، وشَمَّرَ بْنِ عَطِيَّةَ، ومُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ الجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ المُصَنَّفُ: وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْجُوحٍ قالَ: طُوبى: اسْمُ الجَنَّةِ بِالهِنْدِيَّةِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْمُ الجَنَّةِ عِكْرِمَةُ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى طُوبى لَهم: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ لَهم، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: نُعْمى لَهم، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: نَعِمَ ما لَهم.
والخامِسُ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
والسّادِسُ: أنَّ مَعْناهُ: خَيْرٌ لَهم، قالَهُ النَّخَعِيُّ في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى عَنْهُ قالَ: الخَيْرُ والكَرامَةُ اللَّذانِ أعْطاهُمُ اللَّهُ.
ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: طُوبى لَكَ، أيْ: أصَبْتَ خَيْرًا، وهي كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ.
والسّابِعُ: حُسْنى لَهم، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ.
والثّامِنُ: أنَّ المَعْنى: العَيْشُ الطَّيِّبُ لَهم.
و " طُوبى " عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: فُعْلى مِنَ الطِّيبِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَأْوِيلُها: الحالُ المُسْتَطابَةُ، والخَلَّةُ المُسْتَلَذَّةُ، وأصْلُها: " طُيْبى " فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وانْضِمامِ ما قَبْلَها كَما صارَتْ في " مُوقِنٍ " والأصْلُ فِيهِ " مُيْقِنٌ " لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ اليَقِينِ، فَغَلَبَتِ الضَّمَّةُ فِيهِ الياءَ فَجَعَلَتْها واوًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ المَآبُ: المِرْجِعُ والمُنْقَلَبُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدارِ ﴾ ﴿ اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُنْيا وما الحَياةُ الدُنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مِن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مِن أنابَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللهِ ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ ﴾ هَذِهِ صِفَةُ حالَةٍ مُضادَّةٍ لِلْمُتَقَدِّمَةِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ أنَّهُ رُوِيَ: « "إذا لَمْ تَمْشِ إلى قَرِيبِكَ بِرِجْلِكَ ولَمْ تُواسِهِ بِمالِكَ فَقَدْ قَطَعْتَهُ"،» وقالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ: سَألْتُ أبِي عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا ﴾ ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُنْيا ﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ؟
قالَ: لا، ولَكِنَّ الحَرُورِيَّةَ هُمُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَكانَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَجْعَلُ فِيهِمُ الآيَتَيْنِ.
و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللهِ ومِنَ الخَيْرِ جُمْلَةً، و ﴿ سُوءُ الدارِ ﴾ ضِدُّ ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ ، والأظْهَرُ في الدارِ هُنا أنَّها دارُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الدُنْيا عَلى ضَعْفٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ ﴾ الآيَةُ.
لَمّا أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ تَقَدَّمَتْ صِفَتُهُ بِأنَّ لَهُمُ اللَعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدارِ أنْحى بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أغْنِيائِهِمْ، وحَقَّرَ شَأْنَهم وشَأْنَ أمْوالِهِمْ، والمَعْنى أنَّ هَذا كُلَّهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، يَهَبُ الكافِرُ المالَ لِيُهْلِكَهُ بِهِ، ويَقْدِرُ عَلى المُؤْمِنِ لِيُعْظِمَ بِذَلِكَ أجْرَهُ وذُخْرَهُ.
وقَوْلُهُ: "وَيَقْدِرُ" التَقْدِيرُ، فَهو مُناقِضٌ لِـ "يَبْسُطُ"، ثُمَّ اسْتَجْهَلَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُنْيا ﴾ وهي بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ مَتاعٌ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ، يُسْتَمْتَعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَفْنى.
و"المَتاعُ": ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِمّا لا يَبْقى، وقالَ الشاعِرُ: تَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شَيْئًا ∗∗∗ سَبَقَتْ بِهِ المَماتَ هو المَتاعُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، هَذا رَدٌّ عَلى مُقْتَرَحِي الآياتِ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، كَسُقُوطِ السَماءِ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: سَيِّرْ عَنّا الأخْشَبَيْنِ، واجْعَلْ لَنا البِطاحَ مَحارِثَ ومُغْتَرَسًا كالأُرْدُنِّ، وأحْيِ لَنا مُضِيًّا وأسْلافَنا، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ أنَّ آياتِ الِاقْتِراحِ لَمْ تَجْرِ عادَةً الأنْبِياءُ بِالإتْيانِ بِها إلّا إذا أرادَ اللهُ تَعْذِيبَ قَوْمٍ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، أيْ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ لا تَكُونُ مَعَهُ ضَرُورَةُ إيمانِكم ولا هُداكُمْ، وإنَّما الأمْرُ بِيَدِ اللهِ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلى طاعَتِهِ والإيمانِ بِهِ مَن أنابَ إلى الطاعَةِ وآمَنَ بِالآياتِ الدالَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عَلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، أو عَلى مُحَمَّدٍ .
و"الَّذِينَ" بَدَلٌ مِن "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن أنابَ ﴾ ، وطُمَأْنِينَةُ القُلُوبِ هي الِاسْتِكانَةُ والسُرُورُ بِذِكْرِ اللهِ والسُكُونُ بِهِ كَمالًا بِهِ، ورِضًى بِالثَوابِ عَلَيْهِ، وجَوْدَةُ اليَقِينِ.
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الإخْبارُ بِأنَّ طُمَأْنِينَةَ القُلُوبِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى، وفي هَذا الإخْبارِ حَضٌّ وتَرْغِيبٌ في الإيمانِ، والمَعْنى: أنَّ بِهَذا تَقَعُ الطُمَأْنِينَةُ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، بَلْ رُبَّما كُفِرَ بَعْدَها فَنَزَلَ العَذابُ كَما سَلَفَ في بَعْضِ الأُمَمِ.
و"الَّذِينَ" الثانِي ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الأُولى.
و"طُوبى" ابْتِداءً و"لَهُمْ" خَبَرَهُ.
وطُوبى اسْمٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُهُ ابْتِداءً، وهي فُعْلى مَنِ الطِيبِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ بِها مَذْهَبَ الدُعاءِ، وقالَ: هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ رَفْعُ "وَحُسْنُ"، قالَ ثَعْلَبٌ: وقُرِئَ: "وَحُسْنَ" بِالنَصْبِ، فَـ "طُوبى" -عَلى هَذا- مَصْدَرٌ، كَما قالُوا: سَقْيًا لَكَ، ونَظِيرُهُ مِنَ المَصادِرِ: الرُجْعى والعُقْبى.
قالَ ابْنُ سِيدَةَ: والطُوبى جَمْعُ طَيِّبَةٍ -عن كُراعٍ-، ونَظِيرُهُ كُوسى في جَمْعِ كَيِّسَةٍ، وصُوفى في جَمْعِ صَيِّفَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي قَرَأ: "وَحُسْنَ" بِالنَصْبِ هو يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "طُوبى" -فَقِيلَ: مَعْناهُ: خَيْرٌ لَهُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: نِعْمَ لَهُمْ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: غِبْطَةٌ لَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طُوبى اسْمُ الجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَشْجُوحٍ: اسْمُ الجَنَّةِ طُوبى بِالهِنْدِيَّةِ، وقِيلَ: طُوبى اسْمُ شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ، وبِهَذا تَواتَرَتِ الأحادِيثُ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، يَسِيرُ الراكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ ".» وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ وعن مُغِيثِ بْنِ سُمَيِّ، وعَتَبَةَ بْنِ عَبْدٍ يَرْفَعُهُ أخْبارًا مُقْتَضاها أنَّ هَذِهِ الشَجَرَةَ لَيْسَ دارٌ في الجَنَّةِ دارَ إلّا وفِيها مِن أغْصانِها، وأنَّها تُثْمِرُ بِثِيابِ أهْلِ الجَنَّةِ، وأنَّها تَخْرُجُ مِنها الخَيْلُ بِسُرُجِها ولُجُمِها، ونَحْوُ هَذا مِمّا لَمَّ يَثْبُتْ سَنَدُهُ.
و"المَآبُ": المَرْجِعُ والمالُ، مِن آبَ يَؤُوبُ، ويُقالُ في طُوبى: طِيبى.
<div class="verse-tafsir"
استئناف اعتراضي مناسبتهُ المُضادةُ لحال الذين أضلهم الله، والبيانُ لحال الذين هداهم مع التنبيه على أن مثال الذين ضلوا هو عدم اطمئنان قلوبهم لذكر الله، وهو القرآن، لأن قولهم: ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ يتضمن أنهم لم يعدوا القرآن آية من الله، ثم التصريح بجنس عاقبة هؤلاء، والتعريض بضد ذلك لأولئك، فذكرها عقب الجملة السابقة يفيد الغرضين ويشير إلى السببين.
ولذلك لم يجعل ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدلاً من ﴿ من أناب ﴾ [الرعد: 27] لأنه لو كان كذلك لم تعطف على الصلة جملة وتطمئن قلوبهم } ولا عطف ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ على الصلة الثانية.
ف ﴿ الذين آمنوا ﴾ الأول مبتدأ، وجملة ﴿ ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب ﴾ معترضة و ﴿ الذين آمنوا ﴾ الثاني بدل مطابق من ﴿ الذين آمنوا ﴾ الأول، وجملة ﴿ طوبى لهم ﴾ خبر المبدأ.
والاطمئنان: السكون، واستعير هنا لليقين وعدم الشك، لأن الشك يستعار له الاضطراب.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ في سورة البقرة (260).
و (ذكر الله) يجوز أن يراد به خشية الله ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه.
ويجوز أن يراد به القرآن قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ [سورة الزخرف: 44]، وهو المناسب قولهم: لولا أنزل عليه آية من ربه } .
وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ [سورة الزمر: 22]، أي للذين كان قد زادهم قسوة قلوب، وقوله في آخرها: ﴿ ثم تلين جُلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ [سورة الزمر: 23].
والذكر من أسماء القرآن، ويجوز أن يراد ذكر الله باللسان فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته.
وهذا وصف لحسن حال المؤمنين ومقايستهِ بسوء حالة الكافرين الذين غمر الشك قلوبهم، قال تعالى: ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ [سورة المؤمنون: 63].
واختير المضارع في تطمئن} مرتين لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره وأنه لا يتخلله شك ولا تردد.
وافتتحت جملة ﴿ إلا بذكر الله ﴾ بحرف التنبيه اهتماماً بمضمونها وإغراء بوعيه.
وهي بمنزلة التذييل لما في تعريف ﴿ القلوب ﴾ من التعميم.
وفيه إثارة الباقين على الكفر على أن يتسموا بسمة المؤمنين من التدبير في القرآن لتطمئن قلوبهم، كأنه يقول: إذا علمتم راحة بال المؤمنين فماذا يمنعكم بأن تكونوا مثلهم فإن تلك في متناولكم لأن ذكر الله بمسامعكم.
وطوبى: مصدر من طاب طيباً إذا حسن، وهي بوزن البُشرى والزلفى، قلبت ياؤها واواً لمناسبة الضمة، أي لهم الخير الكامل لأنهم اطمأنت قلوبهم بالذكر، فهم في طيب حال: في الدنيا بالاطمئنان، وفي الآخرة بالنعيم الدائم وهو حسن المئاب وهو مرجعهم في آخر أمرهم.
وإطلاق المآب عليه باعتبار أنه آخرُ أمرهم وقرارهم كما أن قرار المرء بيته يرجع إليه بعد الانتشار منه.
على أنه يناسب ما تقرر أن الأرواح من أمر الله، أي من عالم الملكوت وهو عالم الخلد فمصيرها إلى الخلد رجوع إلى عالمها الأول.
وهذا مقابل قوله في المشركين {ولهم سوء الدار.
واللام في قوله: لهم} للملك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِذِكْرِ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: بِوَعْدِ اللَّهِ لَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: بِالقُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِطاعَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: بِثَوابِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى لَهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ طُوبى اسْمٌ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مَعْنى طُوبى لَهم حُسْنى لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ نِعْمَ ما لَهم، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الخامِسُ: مَعْناهُ خَيْرٌ لَهم، قالَهُ إبْراهِيمُ.
السّادِسُ: مَعْناهُ غِبْطَةٌ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.
السّابِعُ: مَعْناهُ فَرَحٌ لَهم وقُرَّةُ عَيْنٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّامِنُ: العَيْشُ الطَّيِّبُ لَهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
التّاسِعُ: أنَّ طُوبى فُعْلى مِنَ الطِّيبِ كَما قِيلَ أفْضَلُ وفُضْلى، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
وَهَذِهِ مَعانٍ أكْثَرُها مُتَقارِبَةٌ.
وَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كَلِمَةٌ حَبَشِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: كَلِمَةٌ هِنْدِيَّةٌ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
الثّالِثُ: عَرَبِيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويهدي إليه من أناب ﴾ أي من تاب.
وفي قوله: ﴿ وتطمئن قلوبهم بذكر الله ﴾ قال: هشت إليه واستأنست به.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ﴾ يقول: إذا حلف لهم بالله صدقوا ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ قال: تسكن القلوب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأخرج أبو الشيخ عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، حين نزلت هذه الآية ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ : «هل تدرون ما معنى ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: من أحب الله ورسوله، أحب أصحابي» .
وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما نزلت هذه الآية ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ قال: «ذاك من أحب الله ورسوله، وأحب أهل بيتي صادقاً غير كاذب، وأحب المؤمنين شاهداً وغائباً، ألا بذكر الله يتحابون» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: فرح وقرة عين.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: نعم ما لهم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: غبطة لهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: حسنى لهم.
وهي كلمة من كلام العرب.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: هذه كلمة عربية، يقول الرجل طوبى لك، أي أحببت خيراً.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن إبراهيم رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: الخير والكرامة الذي أعطاهم الله سبحانه وتعالى.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: الجنة.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: الجنة بالحبشية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال: ﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ﴾ وذلك حين أعجبته.
وأخرج جرير وأبو الشيخ، عن سعيد بن مسجوح رضي الله عنه قال: ﴿ طوبى ﴾ اسم الجنة بالهندية.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: ﴿ طوبى ﴾ اسم الجنة بالهندية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: ﴿ طوبى ﴾ اسم شجرة في الجنة.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ﴿ طوبى ﴾ شجرة في الجنة، يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عما شاء.
فتنفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإِبل برحالها وأزمتها، وعما شاء من الكسوة.
وأخرج ابن جرير من طريق معاوية بن قرة رضي الله عنه عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى، شجرة غرسها الله تعالى بيده، ونفخ فيها من روحه، تنبت بالحلى والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن عتبة بن عبد رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، في الجنة فاكهة؟
قال: نعم، فيها شجرة تدعى طوبى، هي نطاق الفردوس.
قال: قال أي شجر أرضنا تشبه؟
قال: ليس تشبه شيئاً من شجر أرضك.
ولكن، أتيت الشام؟
قال: لا.
قال: فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة، تنبت على ساق واحد ثم ينشر أعلاها.
قال: ما عظم أصلها؟
قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرماً.
قال فهل فيها عنب؟
قال: نعم.
قال: ما عظم العنقود منه؟
قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع» .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً قال: «يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك؟
قال: ﴿ طوبى ﴾ لمن رآني وآمن، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني.
قال رجل: وما طوبى؟!...
قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، تخرج من اكمامها» .
وأخرج ابن أبي شيبة في صفة الجنة، وابن أبي حاتم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد يدخل الجنة، إلا انطلق به إلى طوبى، فتنفتح له أكمامها فيأخذ له من أي ذلك شاء.
إن شاء أبيض وإن شاء أحمر وإن شاء أخضر وإن شاء أصفر وإن شاء أسود.
مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن سيرين رضي الله عنه قال: شجرة في الجنة أصلها في حجرة علي، وليس في الجنة حجرة إلا وفيها غصن من أغصانها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر رجل من أهل الشام قال إن ربك أخذ لؤلؤة فوضعها ثم دملجها ثم فرشها وسط الجنة فقال لها امتدي حتى تبلغي مرضاتي.
ففعلت ثم أخذ شجرة فغرسها وسط اللؤلؤة ثم قال لها: امتدي ففعلت فلما استوت تفجرت من أصولها أنهار الجنة وهي طوبى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن فرقد السبخي رضي الله عنه قال: أوحى الله إلى عيسى ابن مريم عليه السلام في الإِنجيل (يا عيسى، جد في أمري ولا تهزل، واسمع قولي وأطع أمري.
يا ابن البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل، وجعلتك وأمك آية للعالمين، فإياي فاعبدْ وعلي ّفتوكل، وخذ الكتاب بقوة.
قال عيسى عليه السلام: أي رب، أي كتاب آخذ بقوّة؟...
قال: خذ كتاب الإِنجيل بقوّة، ففسره لأهل السريانية، وأخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم البديع الدائم، الذي لا زوال له، فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يكون في آخر الزمان، فصدقوه واتبعوه صاحب الجمل والمدرعة والهراوة والتاج، الانجل العين، المقرون الحاجبين، صاحب الكساء الذي إنما نسله من المباركة- يعني خديجة- يا عيسى، لها بيت من لؤلؤ من قصب موصل بالذهب، لا يسمع فيه أذى ولا نصب، لها ابنة- يعني فاطمة، ولها ابنان فيستشهدان يعني الحسن والحسين- طوبى لمن سمع كلامه وأدرك زمانه وشهد أيامه.
قال عيسى عليه السلام: يا رب، وما طوبى؟
قال: شجرة في الجنة، أنا غرستها بيدي وأسكنتها ملائكتي، أصلها من رضوان، وماؤها من تسنيم).
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ طوبى ﴾ في الجنة، حملها مثال ثدي النساء، فيه حلل أهل الجنة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء، وابن أبي حاتم عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، ضروع كلها، ترضع صبيان أهل الجنة، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون، رضع من طوبى؛ وأنّ سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، وعن شهر بن حوشب قال: ﴿ طوبى ﴾ شجرة في الجنة، كل شجرة في الجنة منها أغصانها من وراء سور الجنة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، زهرها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس من مجالس أهل الجنة، ومتحدث بينهم.
فبينما هم في مجلسهم، إذْ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون خيماً مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح من حسنها ووبرها كخد المرعزي من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس واستبرق، فينيخونها ويقولون: ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه.
فيركبوها، فهي أسرع من الطائر واوطأ من الفراش، نجباء من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا يصيب إذن راحلة منها إذن صاحبتها، ولا تزل راحلة بزلل صاحبتها، حتى أن الشجرة لتنحى عن طرقهم لئلا يفرق بين الرجل وأخيه، فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: «اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإِكرام.
ويقول عز وجل، عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حققت رحمتي ومحبتي، مرحباً بعبادي الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري.
فيقولون: ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك.
فيقول الله عز وجل: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته.
فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربّ، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها.
ربّ، فائتني كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله عز وجل: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني وسأتحفك بمنزلتي؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد، ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر على بال فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم: براذين مقرنة، على كل أربعة منهم سرير من ياقوتة واحدة، على كل منها قبة من ذهب مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة ألوان إلا وهو فيهما، ولا ريح طيبة إلا وقد عبقتا به ينفذ ضوء وجوهما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما من دون القبة، يرى مخهما من فوق أسرتهما كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل.
ويرى هو لهما مثل ذلك، ثم يدخل إليهما فيجيئآنه ويقبلانه ويعانقانه، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثل ذلك.
ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة، حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزله الذي أعد له» .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن وهب بن منبه رضي الله عنه عن محمد بن علي بن الحسين بن فاطمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، لو يسير الراكب الجواب في ظلها، لسار فيه مائة عام قبل أن يقطعه، وورقها برود خضر، وزهرها رياط صفر، وأقتادها سندس واستبرق، وثمرها حلل خضر، وصمغها زنجبيل وعسل، وبطحاؤها ياقوت أحمر وزمرد أخضر، وترابها مسك وعنبر، وكافور أصفر، وحشيشها زعفران منبع، والأجوج ناجحان في غير وقود، ينفجر من أصلها.
أنهارها السلسبيل والمعين في الرحيق، وظلها مجلس من مجالس أهل الجنة يألفونه، ومتحدث يجمعهم.
فبينما هم يوماً في ظلها يتحدثون، إذ جاءتهم ملائكة يقودون نجباً جبلت من الياقوت ثم نفخ فيها الروح، مزمومة بسلاسل من ذهب كأن وجوهها المصابيح نضارة، وبرها خز أحمر ومرعز أحمر يخترطان.
لم ينظر الناظرون إلى مثله حسناً وبهاء، ولا من غير مهانة، عليها رحال ألواحها من الدر والياقوت، مفضضة باللؤلؤ والمرجان فأناخوا إليهم تلك النجائب، ثم قالوا لهم: ربكم يقرئكم السلام ويستزيركم لتنظروا إليه وينظر إليكم، وتحيونه ويحييكم، وتكلمونه ويكلمكم ويزيدكم من فضله وسعته إنه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم، فتحوّل كل رجل منهم على راحلته حتى انطلقوا صفاً واحداً معتدلاً، لا يفوت منه شيء ولا يفوت اذن ناقة إذن صاحبتها، ولا بركة ناقة بركة صاحبها، ولا يمرون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرها ورجلت لهم عن طريقها كراهية أن تثلم صفهم، أو تفرق بين رجل ورفيقه، فلما دفعوا إلى الجبار تعالى، سفر لهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم في عظمته العظيم يحييهم بالسلام» .
فقالوا: ربنا أنت السلام، ومنك السلام، لك حق الجلال والإِكرام.
قال لهم ربهم: أنا السلام ومني السلام ولي حق الجلال والاكرام، فمرحباً بعبادي الذي حفظوا وصيتي ورعوا عهدي وخافوني بالغيب، وكانوا مني على كل حال مشفقين.
قالوا: أما وعزتك وعظمتك وجلالك وعلو مكانك، ما قدرناك حق قدرك، ولا أدينا إليك كل حقك، فأذن لها بالسجود لك.
قال لهم ربهم: إني قد وضعت عنكم مؤنة العبادة وأرحت لكم أبدانكم طالما نصبتم لي الأبدان وأعنتم لي الوجوه، فالآن أفضتم إلى روحي ورحمتي وكرامتي وطولي وجلالي وعلو مكاني وعظمة شأني.
فما يزالون في الأماني والعطايا والمواهب حتى أن المقصر منهم في أمنيته ليتمنى مثل جميع الدنيا منذ يوم خلقها الله تعالى إلى يوم يفنيها.
قال لهم ربهم: لقد قصرتم في أمانيكم ورضيتم بدون ما يحق لكم، فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم، وألحقت بكم وزدتكم ما قصرت عنه أمانيكم...
فانظروا إلى مواهب ربكم التي وهبكم....
فإذا بقباب في الرفيق الأعلى وغرف مبنية من الدر والمرجان، أبوابها من ذهب وسررها من ياقوت وفرشها من سندس واستبرق، ومنابرها من نور يفور من أبوابها، وأعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهر نورها.
فلولا أنه مسخر إذن لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض، فهو مفروش بالحرير الأبيض.
وما كان منها من الياقوت الأحمر، فهو مفروش بالعبقري.
وما كان منها من الياقوت الأخضر، فهو مفروش بالسندس الأخضر.
وما كان منها من الياقوت الأصفر، فهو مفروش بالأرجوان الأصفر مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء.
قواعدها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان.
فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض منفوخ فيها الروح، بجنبها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والاستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تزف بهم وتطأ رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعوداً على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنوهم كرامة ربهم.
فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم ربهم مما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان ﴿ جنتان ﴾ ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وجنتان ﴿ مدهامتان ﴾ و ﴿ فيهما عينان نضاختان ﴾ [ الرحمن: 66] وفيهما من كل فاكهة زوجان و ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ [ الرحمن: 72] فلما تبوأوا منازلهم واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟
قالوا: نعم وربنا.
قال: هل رضيتم بثواب ربكم؟
قالوا: ربنا رضينا فارض عنا.
قال برضاي عنكم حللتم داري ونظرتم إلى وجهي وصافحتم ملائكتي، فهنيئاً لكم عطاء غير مجذوذ ليس فيه تنغيص ولا تصريد، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وأحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور.
وأخرج عبد بن حميد، عن زيد مولى بني مخزوم قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم ﴿ وظل ممدود ﴾ فبلغ ذلك كعباً رضي الله عنه فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم.
لو أن رجلاً ركب حقة أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرماً.
إن الله عز وجل غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها من وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا يخرج من أصل تلك الشجرة.
وأخرج ابن جرير عن مغيث بن سميّ رضي الله عنه قال: ﴿ طوبى ﴾ شجرة في الجنة، لو أن رجلاً ركب قلوصاً جذعاً أو جذعة، ثم دار بها، لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هرماً.
وما من أهل الجنة منزل إلا غصن من تلك الشجرة متدل عليهم، فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فيأكلون ما شاؤوا.
ويجيء الطير فيأكلون منه قديداً وشوياً ما شاؤوا ثم يطير.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح رضي الله عنه قال: ﴿ طوبى ﴾ شجرة في الجنة، لو أن راكباً ركب حقة أو جذعة فأطاف بها، ما بلغ ذلك الموضع الذي ركب فيه حتى يقتله الهرم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ طوبى ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، هل بلغك طوبى؟
قال: الله تعالى ورسوله أعلم.
قال: ﴿ طوبى ﴾ شجرة في الجنة لا يعلم طولها إلا الله تعالى، يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفاً.
ورقها الحلل، يقع عليها الطير كأمثال البخت.
قال أبو بكر- رضي الله عنه-: إن ذلك الطير ناعم، قال: أنعم منه من يأكله، وأنت منهم يا أبا بكر إن شاء الله» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى، شجرة في الجنة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة، تنبت الحلى، والثمار منهدلة على أفواهها» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مغيث بن سمي رضي الله عنه قال: ﴿ طوبى ﴾ شجرة في الجنة ليس في الجنة دار إلا يظلها غصن من أغصانها، فيه من ألوان الثمر.
ويقع عليها طير أمثال البخت، فإذا اشتهى الرجل طيراً دعاه فيقع على خوانه، فيأكل من إحدى جانبيه شواء، والآخر قديداً، ثم يصير طائراً فيطير فيذهب.
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء، وابن أبي حاتم عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، كلها ضروع، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوبى لهم ﴾ قال: غبطة ﴿ وحسن مآب ﴾ قال: حسن مرجع.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ وحسن مآب ﴾ قال: حسن منقلب.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه مثله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ ﴾ روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله : "طُوبَى شجرةٌ غرسها الله بيده تنبت العلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة" (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال أبو عبيدة (١١) (١٢) (١٣) قال ابن الأنباري (١٤) (١٥) وطُوبَى لمن يَسْتَبدلُ الطَّوْدَ بالقُرَى ...
ورِسْلًا بيَقْطِينِ العِرَاقِ وفُومِهَا قال الأزهري (١٦) (١٧) قال أبو بكر (١٨) (١٩) قال ابن عباس (٢٠) (٢١) (٢٢) وروى سعيد عن قتادة (٢٣) وقال الضحاك (٢٤) (٢٥) وفيها قول ثالث وهو: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس (٢٦) (٢٧) (٢٨) (١) أخرجه الطبري 13/ 149 وعلق عليه أحمد شاكر بقوله: وهذا خبر هالك الإسناد.
وحسبه ما فيه من أمر (محمد بن زياد) ولم أجده عند غير الطبري، قلت: وقد ترجم لمحمد بن زياد بقوله: كذاب خبيث يضع الحديث اهـ.
وأخرجه ابن مرديه عن ابن عباس مرفوعاً كما في "الدر" 4/ 111.
(٢) الطبري 13/ 147، وعبد الرزاق 2/ 336، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 634، والثعلبي 7/ 135 أ، و"زاد المسير" 4/ 327.
(٣) الطبري 13/ 147 - 148 - 149، والثعلبي 7/ 135 أ، و"زاد المسير" 4/ 328، وأبن أبي شيبة 8/ 69.
(٤) الثعلبي 7/ 135 أ.
(٥) "تفسير مقاتل" 191 أ، الثعلبي 7/ 135 أ.
(٦) الطبري 13/ 148، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 113وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 114، والثعلبي 7/ 135 ب.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 69، وانظر: "الدر" 4/ 115، والثعلبي 7/ 136 ب، و"زاد المسير" 4/ 328.
(٨) روى الطبري 13/ 146 عن عكرمة: (طوبى لهم): نعم ما لهم.
وأخرجه ابن أبي شيبة هناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 111، وروى عنه أيضًا 4/ 111، (طوبى لهم) قال: الجنة.
وانظر: "زاد المسير" 4/ 328، القرطبي 9/ 316.
(٩) الطبري 13/ 147، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 308.
(١٠) "تنوير المقباس" ص 158، الثعلبي 7/ 136 ب.
(١١) لم أجده في "مجاز القرآن" 1/ 330.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.
(١٣) "تهذيب اللغة" (طاب) 3/ 2147، و"اللسان" (طيب) 5/ 2732.
(١٤) "زاد المسير" 4/ 328.
(١٥) بلا نسبة في "الزاهر" 1/ 558، و"اللسان" (طيب) 5/ 2732 الرسل: اللبن، الطود: الجبل، اليقطين: القرع، الفوم: الخبز والحنطة، ويقال: الثوم.
(١٦) في (ح): (ممن).
(١٧) "تهذيب اللغة" (طاب) 3/ 2147.
(١٨) "معاني القرآن" 2/ 597.
(١٩) "اللسان" (طيب) 5/ 2732، و"الزاهر" 1/ 557.
(٢٠) الطبري 13/ 146، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 110 - 111.
(٢١) الطبري 13/ 146.
(٢٢) "زاد المسير" 4/ 328، القرطبي 9/ 316.
(٢٣) "زاد المسير" 4/ 328، القرطبي 9/ 316، الطبري 13/ 146، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 13/ 111.
(٢٤) الطبري 16/ 435، و"زاد المسير" 4/ 328، وأبو الشيخ كما في "الدر" 13/ 111.
(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.
(٢٦) الطبري 13/ 146، و"زاد المسير" 4/ 328، والقرطبي 9/ 316 وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 111، و"المهذب" للسيوطي (115)، و"المعرب" للجواليقي (226).
(٢٧) القرطبي 9/ 316.
(٢٨) الطبري 13/ 147، و"زاد المسير" 4/ 328، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 111، و"المهذب" (115)، و"المعرب" 226.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ ﴾ أي يوسع على ما من يشاء، ويضيق على من يشاء، وهذا تفسيره حيث وقع ﴿ وَفَرِحُواْ بالحياوة الدنيا ﴾ إخبار في ضمنه ذم وتسفيه لمن فرح بالدنيا، لذلك حقرها بقوله: وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع؛ أي: قليل بالنظر إلى الآخرة ﴿ قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ خرج به مخرج التعجب منهم لما طلبوا آية، أي قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن وآيات كثيرة فعميتم عنها، وطلبتم غيرها وتماديتم على الكفر، لأنّ الله يضل من يشاء مع ظهور الآيات، وقد يهدي من يشاء دون ذلك ﴿ الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله ﴾ بدل من أناب، أو خبر ابتداء مضمر والذين آمنوا وعملوا الصالحات بدل ثان، أو مبتدأ ﴿ طوبى لَهُمْ ﴾ مصدر من طاب كبشرى ومعناها أصابت خيراً وطيباً، وقيل: هي شجرة في الجنة، وإعرابها مبتدأ.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.
﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.
الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.
﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.
التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.
وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.
وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.
ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.
وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.
وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.
فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.
وعن الحسن.
خلق الله ليس بملك.
وعن النبي : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .
وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.
وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.
وعن علي : سبحان من سبحت له.
وكان رسول الله يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .
وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.
والمطر بكاؤهم.
أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه جعل له أعواناً.
قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.
قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.
ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.
ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله فقال رجل من أصحابه.
يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.
فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.
فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.
فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.
قال تجعل لي الأمر بعدك.
قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.
قال: لا.
قال: فماذا تجعل لي؟
قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.
قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟
وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.
فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.
فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟
ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.
قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .
ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.
وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.
أبو عبيدة: شديد العقوبة.
الحسن: شديد النقمة.
وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.
وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي في الكافرين حين دعا عليهما.
وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.
وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.
﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.
﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.
والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.
وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.
ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.
ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.
وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.
كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.
وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.
وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.
ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".
واعلم أنه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.
وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.
وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله أعلم بمراده.
ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟
فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.
والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.
وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.
ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.
قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله منزه عن ذلك.
وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.
ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.
وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.
قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.
وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.
ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.
والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.
ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.
وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.
ثم قال إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.
أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.
﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.
ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.
يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.
وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.
ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.
ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.
وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.
وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.
وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.
وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.
﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.
ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.
ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.
وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.
وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.
وقيل: هو مؤازة النبي ومعاونته ونصرته في الجهاد.
وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.
وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .
﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.
وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.
﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .
﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.
قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.
وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.
يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟
قال: من بلخ.
فقال: وهل تعرف شقيقاً؟
فقال: نعم.
فقال: كيف طريقة أصحابه؟
فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.
وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله أن تكون مرجع أهلها.
والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.
قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.
وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.
قال الواحدي: والأول أصح لأن الله جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.
ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.
والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.
وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.
قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.
وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.
وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.
وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.
ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.
والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.
وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.
وروي عن النبي أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.
وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.
وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.
قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.
والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.
وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.
وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.
وقيل: المراد أنه أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.
والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.
و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".
والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.
عن ابن عباس: فرح وقرة عين.
الضحاك: غبطة لهم.
قتادة: حسنى لهم.
الأصم: خير وكرامة.
الزجاج: عيش طيب.
والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.
وقيل: طوبى شجرة في الجنة.
حكى الأصم أن أصلها في دار النبي وفي دار كل مؤمن منها غصن.
روي عن رسول الله أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.
التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.
ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.
معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.
آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.
﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.
﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.
وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.
فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: أجابوا ربهم فيما دعاهم إليه، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة بقوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ دعاهم إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد، فمن أجابه فيما دعاه كان له دار السلام]، والحسنى الذي ذكر، ومن رد دعاءه كان له النار ودار الهوان؛ فأيهما اختار، فله الموعود الذي وعد؛ إن اختار إجابته إلى ما دعاه؛ فله النعيم الدائم الذي وعد ودار السلام؛ وإن اختار الرد وترك الإجابة، فله ما وعد من العذاب الدائم والهوان.
والأمثال التي ذكر أنها ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ هو هكذا للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وكذلك ما ذكر من القرآن أنه هدى ورحمة للمؤمنين، وأمّا على أهل الكفر؛ فهو عمى وضلال.
وكذلك قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ وأمّا قلوب الكفرة فما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ و ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ﴾ وأمثاله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ .
أي: ضِعْفه معه؛ لافتدوا به، يذكر هذا - والله أعلم - أن الذي كان يمنعهم عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه - رغبتهم في هذه الدنيا؛ وميلهم إليها؛ يتمنون - لما يحل فيهم من العذاب والشدائد - أن يكون لهم ما في الأرض جميعاً أن يفتدوا به.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
أي: يحاسبون حساباً يسوءهم؛ لأن حسناتهم التي عملوها وطمعوا الإنتفاع بها - لم تنفعهم بل صارت كالسراب الذي ذكر: ﴿ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ ولم يتجاوز عن سيئاتهم ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ أي: الذي يأوون إليه؛ هو جهنم وبئس المهاد؛ لما يسوءهم ذلك والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: من يعلم الحق حقّاً كمن هو يعمى عنه ولا يعلم؟
أو من يعلم الحقّ أنه حق؛ كمن يعلمه باطلاً؟
ليسا بسواء؛ كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
[أي] إنما يتذكر - بالتذكير أولو الألباب وذوو العقول؛ الذين ينتفعون بعقولهم ولُبّهم.
ثم بين من هم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل عهد الله عهد خلقه؛ يوفون بما في خلقتهم [من العهد]؛ إذ في خلقة كل أحد - دلالة وحدانيته، وشهادة ألوهيته؛ فوفوا ذلك العهد.
ويحتمل: عهد الله ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...
﴾ الآية [آل عمران: 81] ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [آل عمران: 187].
﴿ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ ﴾ .
العهد والميثاق واحد، وسمي العهد ميثاقاً؛ لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ الصلات التي أمر الله بها أن توصل على جهات ومراتب: أما ما بينه وبين المؤمنين: ألاَّ يحب لهم إلا ما يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب، وأما فيما بينه وبين محارمه: أن يؤوي ويحفظ الحقوق التي جعل الله لبعضهم على بعض؛ ولا يضيعها.
وأما فيما بينه وبين الرسل: فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعاً؛ والكتب كلها.
هذا والله أعلم الصلة التي أمر الله أن يوصل بها.
﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ إما في التقصير فيما أمر أن يوصل، وإما بالتفريط في ذلك، وترك الصلة.
﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ﴾ أي: شدة الحساب؛ حين لم تنفعهم حسناتهم؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم؛ فذلك يسوءهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر: هو كف النفس وحبسها عما تهواه؛ على ما تكره ويثقل عليها.
ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب، وعلى أداء ما افترض الله عليهم وأمرهم بها، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي، يكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.
والله أعلم.
[وقوله: ﴿ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين.
يحتمل: ابتغاء رضوان الله.
ويحتمل: ابتغاء وجه يكون لهم عند الله]، وهو المنزلة والرفعة، ولذلك سمي الرفيع وذو المنزلة: وجيهاً كقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ أي: ذو منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ثمَّ الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها، فعلى ذلك هذا ﴿ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم؛ أو ابتغاء رضوان الله ومرضاته والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
أي: داموا على إقامتها؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها؛ ولكن داموا على إقامتها، وعلى ذلك قوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ ﴾ أي: دوموا على إقامتها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: جعلوها قائمة أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .
يحتمل كل نفقة: الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده، ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ أي: ينفق في كل وقت؛ سرّاً من الناس وعلانية منهم أي: ينفق على جهل من الناس؛ وعلى علم منهم؛ ينفقون على كل حال؛ لا يمنعهم علم الناس بذلك عن الإنفاق، بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ .
أي: يدفعون بالحسنة السيئة، ثم يحتمل وجهين: أحدهما: يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم؛ كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ...
﴾ الآية [فصلت: 34].
والثاني: يدرءون الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف، ولا يكافئون بالسيئ السيئ؛ وبالشر الشر؛ ولكن يدفعون بالخير.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ أي: إذا سُفه عليهم حلموا، والسفه سيئة؛ والحلم حسنة.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .
أي: عقبى أولئك الذين صبروا؛ على ما ذكر؛ من وفاء العهد والصلة التي أمروا بها أن يصلوا؛ والصبر على أداء ما أمر به وافترض عليهم؛ والانتهاء عما نهى عنه - الدار التي دعاهم إليها بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ .
والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ أي: عقبى حسناتهم دار الجنة، وأولئك لهم عقبى هذه الدار الجنة، أو عاقبتهم دار الجنة.
ثم نَعَتَ تلك الدار؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ .
عدن: قال أهل التأويل: عدن: هو بطان الجنة؛ وهو وسطها، وقال بعضهم: عدن هو الإقامة؛ أي: جنات يقيمون فيها؛ يقال: عدن: أي: أقام.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ .
فإن قيل: كيف خص بالذكر الآباء والأزواج والذرية؛ وهم قد دخلوا في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ فما معنى تخصيصهم بالذكر؟
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أنهم أسلموا؛ فاخترموا؛ أي: ماتوا كما أسلموا؛ ولم يكن لهم مما ذكر من الخيرات والحسنات؛ فأخبر أن هؤلاء [يدخلونها - أيضا -] ويلحقون بأولئك.
والثاني: لم يبلغوا الدرجة التي بلغ أولئك؛ فأخبر - عز وجل - أنه يبلغهم درجة أولئك ويلحقهم به؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...
﴾ الآية [الطور: 21] يضم بعضهم إلى بعض في الآخرة كما كانوا في الدنيا، يضم كل ذي قرين في الدنيا قرينه إليه في الآخرة.
وفي قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ ﴾ وما ذكر دلالة أن صلاح غيره وإن قرب منه لا ينفعه؛ حتى يكون في نفسه صلاح، حيث قال: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ وهو ما قال لنوح: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ دل هذا أن صلاح والده أو قريبه لا يجدي له نفعاً في الآخرة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ .
هذا يحتمل أن يكون لمقامهم ومنازلهم أبواب؛ فيدخل عليهم من كل باب ملك.
والثاني: يحتمل أن [يكون] يأتي كل ملك بتحفة [غير التحفة] التي أتى بها الآخر على اختلاف خيراتهم وقدر أعمالهم.
﴿ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ أي: من كل نوع من التحف.
وفيه وجهان: أحدهما: أن الملائكة يكونون خدم أهل الجنة، وفي ذلك تفضيل [البشر] عليهم.
أو أن يكون على حق المصاحبة؛ لما أحبوا هم أهل الخير من البشر في الدنيا؛ لخيرهم؛ فجعل الله بينهم الرفقة، والصحبة في الآخرة والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ كقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله أولئك لهم عقبى الدار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ العهد قد ذكرناه في غير موضع، وكذلك النقض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر؛ إذا نقضوا العهد، والميثاق: قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل؛ وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا قطعوا ما أمر الله به أن يوصل: نقضوا العهد؛ وسعوا في الأرض بالفساد؛ إلا أن يقال: إن نقض العهد يكون بالاعتقاد؛ وذلك يكون [بينهم وبين ربهم]، وكذلك قطع ما أمر الله به أن يوصل إذا كان الأمر الذي أمر به صلة الإيمان بالنبيين والكتب جميعاً؛ فإن كان صلة الأرحام؛ فهو فعل؛ والسعي في الأرض بالفساد فعل أيضاً؛ من زناً أو سرقة أو قطع الطريق، وغير ذلك من المعاصي [ما كان، فهو الإفساد في الأرض والله أعلم.
والإفساد في الأرض يحتمل: منعهم الناس [من] الإيمان به وتصديقه أو غيره من المعاصي] أو قطع الطريق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ يحتمل ما أمر الله به أن يوصل: ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل بالكل وبجميع الكتب، ويحتمل: صلة الأرحام التي فرض عليهم صلتهم؛ قطعوا ذلك.
أو أمرهم أن يصلوا أعمالهم بما اعتقدوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .
اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والإبعاد؛ كأنهم طردوا وأبعدوا عن رحمة الله في الآخرة، أو طردوا وأبعدوا من هداية الله وإرشاده في الدنيا.
﴿ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .
قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار؛ وحذروا عن دار: دعوا إلى دار السلام؛ فإن أجابوا فلهم الحسنى؛ على ما ذكر، وحذروا عن دار الهوان؛ [فإن لم يحذروا فلهم] دار السوء والهوان.
أو سماها سوء الدار؛ لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار مقابل ما ذكر لأهل الجنة: حسن المآب وحسن الثواب والحسنى.
<div class="verse-tafsir"
وهؤلاء الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله، لهم عيش طيب في الآخرة، ولهم العاقبة الحسنة وهي الجنة.
<div class="verse-tafsir" id="91.AL0Ya"