الآية ٣٠ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٠ من سورة الرعد

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة : ( لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ) أي : لتبلغهم رسالة الله إليهم ، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله ، وقد كذب الرسل من قبلك ، فلك بهم أسوة ، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك ، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم ، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين ، قال الله تعالى : ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم ) [ النحل : 63 ] وقال تعالى : ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) [ الأنعام : 34 ] أي : كيف نصرناهم ، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة .

وقوله : ( وهم يكفرون بالرحمن ) أي : هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن ، لا يقرون به; لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم; ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم " وقالوا : ما ندري ما الرحمن الرحيم .

قاله قتادة ، والحديث في صحيح البخاري وقد قال الله تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) [ الإسراء : 110 ] وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن .

( قل هو ربي لا إله إلا هو ) أي : هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به ، معترف مقر له بالربوبية والإلهية ، هو ربي لا إله إلا هو ، ( عليه توكلت ) أي : في جميع أموري ، ( وإليه متاب ) أي : إليه أرجع وأنيب ، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هكذا أرسلناك يا محمد في جماعة من الناس (23) يعني إلى جماعةٍ قد خلت من قبلها جماعات على مثل الذي هم عليه, فمضت (24) (لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك) ، يقول: لتبلغهم ما أرسَلْتك به إليهم من وحيي الذي أوحيته إليك(وهم يكفرون بالرحمن) ، يقول: وهم يجحدون وحدانيّة الله, ويكذّبون بها(قل هو ربي) ، يقول: إنْ كفر هؤلاء الذين أرسلتُك إليهم، يا محمد بالرحمن, فقل أنت: الله ربّي (لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب) ، يقول: وإليه مرجعي وأوبتي .

* * * وهو مصدر من قول القائل: " تبت مَتَابًا وتوبةً .

(25) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك: 20397- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وهم يكفرون بالرحمن) .

ذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم زَمَنَ الحديبية حين صالح قريشًا كتب: " هذا ما صالح عليه محمدٌ رسول الله .

فقال مشركو قريش: لئن كنت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ثم قاتلناك لقد ظلمناك!

ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله .

فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعنا يا رسول الله نقاتلهم !

فقال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون إنّي محمد بن عبد الله.

فلما كتب الكاتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " ، قالت قريش: أما " الرحمن " فلا نعرفه ; وكان أهل الجاهلية يكتبون: " باسمك اللهم ", فقال أصحابه: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم !

قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون " .

20398- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنى حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال قوله: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت) الآية، قال: هذا لمّا كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا في الحديبية، كتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " ، قالوا: لا تكتب " الرحمن ", وما ندري ما " الرحمن ", ولا تكتب إلا " باسمك اللهم " .قال الله: (وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو) ، الآية .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ، (ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال) ، أي: يكفرون بالله ولو سَيَّر لهم الجبال بهذا القرآن .وقالوا: هو من المؤخر الذي معناه التقديم .

وجعلوا جواب " لو " مقدَّمًا قبلها, وذلك أن الكلام على معنى قيلهم: ولو أنّ هذا القرآن سُيَرت به الجبال أو قطعت به الأرض, لكفروا بالرحمن .

*ذكر من قال ذلك: 20399- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ولو أن قرآنا سُيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) قال: هم المشركون من قريش، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وسعت لنا أودية مكَّة, وسيَّرت جبَالها, فاحترثناها, وأحييت من مات منَّا, وقُطّع به الأرض, أو كلم به الموتى !

فقال الله تعالى: (ولو أن قرآنا سُيّرت به الجبال أو قُطّعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا) .

20400- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ، قول كفار قريش لمحمد: سيِّر جبالنا تتسع لنا أرضُنا فإنها ضيِّقة, أو قرب لنا الشأم فإنا نَتَّجر إليها, أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم !

فقال الله تعالى (26) (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) .

20401- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .

20402- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه قال ابن جريج: وقال عبد الله بن كثير قالوا: لو فَسَحت عنّا الجبال, أو أجريت لنا الأنهار, أو كلمتَ به الموتى!

فنـزل ذلك قال ابن جريج: وقال ابن عباس: قالوا: سيِّر بالقرآن الجبالَ, قطّع بالقرآن الأرض, أخرج به موتانا .

20403- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن كثير: قالوا: لو فسحت عنا الجبال، أو أجريت لنا الأنهار، أو كلمت به الموتى !

فنـزل: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا .

* * * وقال آخرون: بل معناه: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) كلامٌ مبتدأ منقطع عن قوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ .

قال: وجوابُ" لو " محذوف اسْتغنيَ بمعرفة السامعين المرادَ من الكلام عن ذكر جوابها .

قالوا: والعرب تفعل ذلك كثيرًا, ومنه قول امرئ القيس: فَلَــوْ أَنَّهَــا نَفْسٌ تَمُـوتُ سَـرِيحَةً وَلكِنَّهَـــا نَفْسٌ تَقَطَّـــعُ أَنْفُسَــا (27) وهو آخر بيت في القصيدة, (28) فترك الجواب اكتفاءً بمعرفة سامعه مرادَه, وكما قال الآخر: (29) فَأُقْسِــمُ لَـوْ شَـيْءٌ أَتَانَـا رَسُـولُهُ سِـوَاكَ وَلكِـنْ لَـمْ نَجِـدْ لَـكَ مَدْفَعَا (30) * * * *ذكر من قال نحو معنى ذلك: 20404- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال.

حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ، ذكر لنا أن قريشًا قالوا: إن سَرَّك يا محمد، اتباعك أو: أن نتبعك فسيّر لنا جبال تِهَامة, أو زد لنا في حَرَمنا حتى نتَّخذ قَطَائع نخترف فيها, (31) أو أحِي لنا فلانًا وفلانًا !

ناسًا ماتوا في الجاهلية .

فأنـزل الله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ، يقول: لو فعل هذا بقرآنٍ قبل قرآنكم لفُعِل بقرآنكم .

20405- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: أن كفّار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أذهب عنا جبال تِهَامة حتى نتّخذها زرعًا فتكون لنا أرضين, أو أحي لنا فلانًا وفلانًا يخبروننا: حقٌّ ما تقول !

فقال الله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا) ، يقول: لو كان فَعل ذلك بشيء من الكتب فيما مضى كان ذلك .

20406- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال) ، الآية، قال: قال كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: سيّر لنا الجبالَ كما سُخِّرت لداود, أو قَطِّع لنا الأرض كما قُطعت لسليمان، فاغتدى بها شهرًا وراح بها شهرًا, أو كلم لنا الموتَى كما كان عيسى يكلمهم، يقول: لم أنـزل بهذا كتابًا, ولكن كان شيئًا أعطيته أنبيائي ورسلي .

20407- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال) ، الآية، قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقًا فسيِّر عنا هذه الجبال واجعلها حروثًا كهيئة أرض الشام ومصر والبُلْدان, أو ابعث موتانَا فأخبرهم فإنهم قد ماتوا على الذي نحن عليه !

فقال الله : (ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى)، لم يصنع ذلك بقرآن قط ولا كتاب, فيصنع ذلك بهذا القرآن .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا قال أبو جعفر: اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله (أفلم ييأس) .

فكان بعض أهل البصرة يزعم أن معناه: ألم يعلمْ ويتبيَّن ويستشهد لقيله ذلك ببيت سُحَيْم بن وَثيلٍ الرِّياحيّ: أَقُــولُ لَهُـمْ بالشِّـعْبِ إِذْ يَأْسِـرُونَنِي أَلَـمْ تَيْأَسُـوا أَنِّـي ابْـنُ فَارِسِ زَهْدَمِ (32) ويروى: " يَيْسِرُونَني", فمن رواه: " ييسرونني" فإنه أراد: يقتسمونني، من " الميسر ", كما يقسم الجزور .

ومن رواه: " يأسرونني", فإنه أراد الأسر، وقال: عنى بقوله: " ألم تيأسوا "، ألم تعلموا .

وأنشدوا أيضًا في ذلك: (33) أَلَـمْ يَيْـأَسِ الأقْـوَامُ أَنِّـي أَنَـا ابْنُـهُ وَإِنْ كُـنْتُ عَـنْ أَرْضِ العَشِـيرَةِ نَائِيَا (34) وفسروا قوله: " ألم ييأس ": ألم يعلَم ويتبيَّن؟

* * * وذكر عن ابن الكلبي أن ذلك لغة لحيّ من النَّخَع يقال لهم: وَهْبيل, تقول: ألم تيأس, كذا بمعنى: ألم تعلمه؟

* * * وذكر عن القاسم ابن معن أنّها لغة هَوازن, وأنهم يقولون: " يئستْ كذا "، علمتُ.

* * * وأما بعض الكوفيين فكان ينكر ذلك, (35) ويزعم أنه لم يسمع أحدًا من العرب يقول: " يئست " بمعنى: " علمت ".

ويقول هو في المعنى وإن لم يكن مسموعًا: " يئست " بمعنى: علمت يتوجَّهُ إلى ذلك إذ أنه قد أوقع إلى المؤمنين, أنه لو شاء لهدى الناس جميعا, (36) فقال: " أفلم ييأسوا علما ", يقول: يؤيسهم العلم, فكأن فيه العلم مضمرًا, (37) كما يقال: قد يئست منك أن لا تفلح علمًا, كأنه قيل: علمتُه علمًا قال: وقول الشاعر: (38) حَــتَّى إِذَا يَئِـسَ الرُّمَـاةُ وَأَرْسُـلوا غُضْفًــا دَوَاجِـنَ قَـافِلا أَعْصَامُهَـا (39) معناه: حتى إذا يئسوا من كل شيء مما يمكن، إلا الذي ظهر لهم، أرسلوا, فهو في معنى: حتى إذا علموا أن ليس وجه إلا الذي رأوا وانتهى علمهم, فكان ما سواه يأسا .

(40) * * * وأما أهل التأويل فإنهم تأولوا ذلك بمعنى: أفلم يعلَم ويتبيَّن .

*ذكر من قال ذلك 20408- حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم, عن أبي إسحاق الكوفي, عن [مولى مولى بحير] أن عليًّا رضي الله عنه كان يقرأ: " أَفَلَمْ يَتَبيَّنِ الَّذِينَ آمنُوا " .

(41) 20409- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عبد الوهاب, عن هارون, عن حنظلة, عن شهر بن حوشب, عن ابن عباس: (أفلم ييأس) يقول: أفلم يتبيّن .

20410- حدثنا أحمد بن يوسف قال: حدثنا القاسم قال: حدثنا يزيد, عن جرير بن حازم, عن الزبير بن الخِرِّيت أو يعلى بن حكيم, عن عكرمة, عن ابن عباس, أنه كان يقرؤها: " أَفَلَمْ يَتَبيَّنِ الَّذِينَ آمنُوا " ؛ قال: كتب الكاتب الأخرى وهو ناعسٌ .

(42) 20411- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا حجاج بن محمد, عن ابن جُرَيْج قال في القراءة الأولى .

زعم ابن كثير وغيره: " أفلم يتَبيَّن " .

(43) 20412- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (أفلم ييأس الذين آمنوا) يقول: ألم يتبين .

20413- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: (أفلم ييأس الذين آمنوا) ، يقول: يعلم .

20414- حدثنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا ليث, عن مجاهد, في قوله: (أفلم ييأس الذين آمنوا) قال: أفلم يتبين .

(44) 20415- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, في قوله: (أفلم ييأس الذين آمنوا) قال: ألم يتبين الذين آمنوا .

20416- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أفلم ييأس الذين آمنوا) قال: ألم يعلم الذين آمنوا .

20417- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (أفلم ييأس الذين آمنوا) قال: ألم يعلم الذين آمنوا .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله أهل التأويل: إن تأويل ذلك: " أفلم يتبين ويعلم "، لإجماع أهل التأويل على ذلك، والأبيات التي أنشدناها فيه .

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً: ولو أنّ قرآنًا سوى هذا القرآن كان سُيّرت به الجبال، لسُيّر بهذا القرآن, أو قُطَعت به الأرض لُقطعت بهذا, أو كُلِّم به الموتى، لكُلِّم بهذا, ولكن لم يُفْعل ذلك بقرآن قبل هذا القرآن فيُفْعل بهذا (45) بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا ، يقول ذلك: كله إليه وبيده, يهدى من يشاءُ إلى الإيمان فيوفِّقَه له، ويُضِل من يشاء فيخذله, أفلم يتبيَّن الذين آمنوا بالله ورسوله إذْ طمِعوا في إجابتي من سأل نبيَّهم ما سأله من تسيير الجبال عنهم، (46) وتقريب أرض الشأم عليهم، وإحياء موتاهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا إلى الإيمان به من غير إيجاد آية، ولا إحداث شيء مما سألوا إحداثه؟

يقول تعالى ذكره: فما معنى محبتهم ذلك، مع علمهم بأن الهداية والإهلاك إليّ وبيدي، أنـزلت آيةً أو لم أنـزلها ; أهدي من أشاءُ بغير إنـزال آية, وأضلّ من أردتُ مع إنـزالها .

------------------------ الهوامش : (23) انظر تفسير" الأمة" فيما سلف من فهارس اللغة ( أمم ) .

(24) انظر تفسير" خلا" فيما سلف ، 350 تعليق : 3 والمراجع هناك .

(25) انظر تفسير" التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) .

(26) قوله :" فقال الله تعالى" ، ساقطة من المخطوطة ، وهي واجبة .

(27) ديوانه : 107 ، وروايتهم : فَلَــوْ أَنَّهَــا نَفْسٌ تَمُـوتُ جَمِيعَـةً وَلَكِنَّهَـــا نَفْسٌ تَسَـــاقَطُ أَنْفُسَــا وقوله :" سريحة" ، أي معجلة في سهولة ويسر ، من قولهم :" شيء سريح" ، أي سهل أو" أمر سريح" ، أي معجل .

(28) في دواوينه المنشورة ، ليس هو آخر القصيدة ، ولو أحسن ناشرو دواوين الشعر ، لأدوا إلينا الروايات المختلفة على ترتيبها ، فإن ديوان امرئ القيس المطبوع حديثًا قد أغفل ترتيب الروايات إغفالًا تامًا ، مع شدة حاجتنا إلى ذلك في فهم الشعر ، وفي إعادة ترتيبه .

وهذا مما ابتلى الله به الشعر الجاهلي ، أن يحمله إلى الناس من لا يحسنه ، حتى ساء ظن الناس فيه ، وأكثروا الطعن في روايته .

(29) هو امرؤ القيس .

(30) سلف البيت وتخريجه وشرحه 15 : 277 ، 278 .

(31) " نخترف فيها" ، أي : نقيم فيها زمن الخريف ، وذلك حين ينزل المطر ، وتنبت الأرض .

والذي في كتب اللغة" أخرفوا" ، أقاموا بالمكان خريفهم ، وهذا الذي هنا قياس العربية نحو" ارتبع" ، و" اصطاف" .

(32) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 332 ، وأساس البلاغة ( يأس ) ، وخرجه الأستاذ سيد صقر في مشكل القرآن : 148 ، وغريب القرآن : 228 ، واللسان ( يأس ) .

وشرحه وبينه هنالك ، وغير هذه المواضع كثير .

و" زهدم" فرس سحيم فيما قالوا .

ولو صحت نسبة الشعر لسحيم لكان" زهدم" فرس أبيه وثيل .

وهذا الشعر ينسب إلى جابر بن سحيم ، فإذا صح ذلك ، صح أن" زهدم" فرس سحيم .

وانظر نسب الخيل لابن الكلبي : 17 ، وأسماء الخيل لابن الأعرابي : 63 .

(33) نسب إلى مالك بن عوف ، وإلى رياح بن عدي .

(34) معجم غريب القرآن في مسائل نافع بن الأزرق ، لابن عباس : 291 : والقرطبي : 9 : 320 ، وأبو حيان 5 : 392 ، وأساس البلاغة ( يأس ) ، ولم أعرف الشعر .

(35) هو الفراء في معاني القرآن ، في تفسير الآية ، والآتي هو نص كلامه .

(36) في المطبوعة :" إن الله قد أوقع ..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لما في معاني القرآن .

(37) في معاني القرآن :" فكأن فيهم العلم" ، والصواب ما في الطبري ، وهو موافق لما في اللسان ( يأس ) .

(38) هو لبيد .

(39) معلقته المشهورة ، في صفة صيد البقرة الوحشية .

يقول : أرسلوا عليها كلابًا غضف الآذان ، وهي كلاب الصيد تسترخى آذانها .

و" دواجن" ضاريات قد عودن الصيد .

و" القافل" اليابس .

و" الأعصام" ، جمع" عصام" ، وهو قلائد من أدم تجعل في أعناق الكلاب ، وهي السواجير أيضًا .

(40) في معاني القرآن :" فكان ما وراءه يأسا" ، وهو جيد .

(41) الأثر : 20408 -" أبو إسحاق الكوفي" ، هو" عبد الله بن ميسرة" ، ضعيف واهي الحديث ، ووثقه ابن حبان ، مضى برقم : 6920 ، 13489 ، 20078 ، وكان هشيم يكنيه بابن له يقال له" إسحاق" ، وكنيته" أبو ليلى" وهشيم يدلس بهذه الكنية .

وكان في المخطوطة" ابن إسحاق الكوفي" ، وهو خطأ صرف .

وأما الذي بين القوسين ، فهو هكذا جاء في المخطوطة ، وجعل مكانه في المطبوعة :" عن مولى يخبر" ، تصرف في الإسناد أسوأ التصرف وأشنعه .

وهذا الذي بين القوسين ربما قرئ آخره :" مولى بحتر" ، وقد استوعبت ما في تهذيب الكمال للحافظ المزي ، في باب من روى عن" علي بن أبي طالب" ، وباب من روى عنه" أبو إسحاق الكوفي" ، فلم أجد شيئًا قريب التحريف من هذا الذي عندنا .

ومهما يكن من شيء ،فحسب هذا الإسناد وهاء أن يكون فيه" أبو سحاق الكوفي" ، ثم انظر التعليق على الأثر التالي رقم : 20410 .

وكان في المطبوعة :" كان يقول" مكان :" كان يقرأ" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأن الناسخ كتب"يقول" ثم جعل الواو" راء" ، وأدخل الألف في اللام ، ووضع عليها الهمزة ، فاختلط الأمر على الناشر .

(42) الأثر : 20410 -" أحمد بن يوسف التغلبي الأحول" ، شيخ أبي جعفر الطبري ، هو صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام ، مشهور بصحبته ، ثقة مأمون ، مضى مرارًا آخرها رقم : 12994 وهو الذي أخذ عنه أبو جعفر الطبري كتب أبي عبيد القاسم بن سلام .

و" القاسم" ، هو" القاسم بن سلام" ،" أبو عبيد" ، الفقيه القاضي ، صاحب التصانيف المشهورة ، كان إمام دهره في جميع العلوم ، وهو صاحب سنة ، ثقة مأمون ، وثناء الأئمة عليه ثناء لا يدرك .

و" يزيد" ، هو" يزيد بن هرون السلمي" ، وهو أحد الحفاظ الثقات الأثبات المشاهير ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 10484 .

و" جرير" هو" جرير بن حازم الأزدي" ، ثقة حافظ ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 14157 .

و" الزبير بن الخريت" .

ثقة ، روى له الجماعة سوى النسائي ، مضى برقم : 4985 ، 11693 ، وكان في المطبوعة :" الزبير بن الحارث" ، غير ما في المخطوطة مجازفة .

و" يعلي بن حكيم" ، ثقة ، روى له الجماعة سوى الترمذي ، مضى برقم : 12748 .

فهذا خبر رجاله ثقات ، بل كل رجاله رجال الصحيحين ، سوى أبي عبيد القاسم بن سلام ، وهو أمام ثقة صدوق ، فإسناده صحيح ، لا مطعن فيه - ومع صحة إسناده لم أجد أحدًا من أصحاب الدواوين الكبار ، كأحمد في مسنده ، أو الحاكم في المستدرك ، ولا أحدًا ممن نقل عن الدواوين الكبار ، كالهيثمي في مجمع الزوائد ، أخرج هذا الخبر أو أشار إلى هذه القراءة عن ابن عباس ، أو علي بن أبي طالب ، كما جاء في الخبر الذي قبله رقم : 20408 ، بل أعجب من ذلك أن ابن كثير ، وهو المتعقب أحاديث أبي جعفر في التفسير ، لما بلغ تفسير هذه الآية ، لم يفعل سوى أن أشار إلى قراءة ابن عباس ، وأغفل هذا الخبر إغفالًا على غير عادته ، وأكبر ظني أن ابن كثير عرف صحة إسناده ، ولكنه أنكر ظاهر معناه إنكارًا حمله على السكوت عنه ، وكان خليقًا أن يذكره ويصفه بالغرابة أو النكارة ، ولكنه لم يفعل ، لأنه فيما أظن قد تحير في صحة إسناده ، مع نكارة ما يدل عليه ظاهر لفظه .

وزاد هذا الظاهر نكارة عنده ، ما قاله المفسرون قبله في هذا الخبر عن ابن عباس ، حين رووه غير مسند بألفاظ غير هذه الألفاظ .

فلما رأيت ذلك من فعل ابن كثير وغيره ، تتبعت ما نقله الناقلون من ألفاظ الخبر ، فوجدت بين ألفاظ الخبر التي رويت غير مسندة ، وبين لفظ أبي جعفر المسند ، فرقًا يلوح علانية ، وألفاظهم هذه هي التي دعت كثيرًا من الأئمة يقولون في الخبر مقالة سيئة ، بلغت مبلغ الطعن في قائله بأنه زنديق ملحد !

ونعم ، فإنه لحق ما قالوه في الخبر الذي رووه بألفاظهم ، أما لفظ أبي جعفر هذا ، وإن كان ظاهره مشكلا ، فإن دراسته على الوجه الذي ينبغي أن يدرس به ، تزيل عنه قتام المعنى الفاسد الذي يبتدر المرء عند أول تلاوته .

فلما شرعت في دراسته من جميع وجوه الدراسة ، انفتح لي باب عظيم من القول في هذا الخبر وأشباهه ، من مثل قول عائشة أم المؤمنين :" يا ابن أخي ، أخطأ الكاتب" ، أي ما كتب في المصحف الإمام ، ومعاذ الله أن يكون ذلك ظاهر لفظ حديثها .

وهذان الخبران وأشباه لهما يتخذهما المستشرقون وبطانتهم ممن ينتسبون إلى أهل الإسلام ، مدرجة للطعن في القرآن .

أو تسويلا للتلبيس على من لا علم عنده بتنزيل القرآن العظيم ، فاقتضاني الأمر أن أكتب رسالة جامعة في بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم :" أنزل القرآن على سبعة أحرف" ، وكيف كانت هذه الأحرف السبعة وما الذي بقي عندنا منها ، وانتهيت إلى أنها بحمد الله باقية بجميعها في قراءات القرأة ، وفي شاذ القراءة ، وفي رواية الحروف ، لا كما ذهب إليه أبو جعفر الطبري في مقدمة تفسيره ( 1 : 55 - 59 ) ، ومن ذهب في ذلك مذهبه .

ثم بينت ما كان من أمر كتابة المصحف على عهد أبي بكر ، ثم كتابة المصحف الإمام على عهد عثمان رضي الله عنهما ، وجعلت ذلك بيانًا شافيًا كافيًا بإذن الله .

وكنت على نية جعل هذه الرسالة مقدمة للجزء السادس عشر من تفسير أبي جعفر ولكنها طالت حتى بلغت أن تكون كتابًا ، فآثرت أن أفردها كتابًا يطبع على حدته إن شاء الله .

(43) الأثر : 20411 -" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني" ، شيخ الطبري ثقة ، أحد أصحاب الشافعي ، مضى مرارًا آخرها رقم : 18807 .

و" حجاج بن محمد المصيصي الأعور" ،" أبو محمد ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 18290 .

(44) الأثر : 20414 -" عمران بن موسى بن حيان القزاز" ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 8683 .

و" عبد الوارث" ، هو" عبد الوارث بن سعد بن ذكوان" ، أحد الأعلام ، مضى مرارًا آخرها رقم : 15339 .

و" ليث" ، هو" ليث بن أبي سليم القرشي" ، هو الذي يروي عن مجاهد ، مضى مرارًا ، آخرها : 9632 .

(45) كانت هذه العبارة في المطبوعة :" ولو يفعل بقرآن قبل هذا القرآن لفعل بهذا" ، وهي عبارة فاسدة كل الفساد ، صوابها ما في المخطوطة ، ولا أدري لم غيره ؟

(46) الزيادة بين القوسين ، يقتضيها السياق أو أن يحذف من الكلام" من" في قوله :" من تسيير الجبال" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متابقوله تعالى : كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم أي أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك ; قاله الحسن .

وقيل : شبه الإنعام على من أرسل إليه محمد - عليه السلام - بالإنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله .لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك يعني القرآن .وهم يكفرون بالرحمن قال مقاتل وابن جريج : نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو والمشركون : ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ; اكتب باسمك اللهم ، وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون ; فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال مشركو قريش : لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك وصددناك لقد ظلمناك ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ; فقال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 278 ] دعنا نقاتلهم ; فقال : لا ولكن اكتب ما يريدون فنزلت .

وقال ابن عباس : نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن فنزلت .

قل هو ربي لا إله إلا هوقل هو ربي لا إله إلا هو قل لهم يا محمد : الذي أنكرتم .

هو ربي لا إله إلا هو ولا معبود سواه ; هو واحد بذاته ; وإن اختلفت أسماء صفاته .عليه توكلت واعتمدت ووثقت .

وإليه متاب أي مرجعي غدا ، واليوم أيضا عليه توكلت ووثقت ، رضا بقضائه ، وتسليما لأمره .

وقيل : سمع أبو جهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو في الحجر ويقول : ( يا الله يا رحمن ) فقال : كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين ; فنزلت هذه الآية ، ونزل .

قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ } إلى قومك تدعوهم إلى الهدى { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ } أرسلنا فيهم رسلنا، فلست ببدع من الرسل حتى يستنكروا رسالتك، ولست تقول من تلقاء نفسك، بل تتلو عليهم آيات الله التي أوحاها الله إليك ، التي تطهر القلوب وتزكي النفوس.

والحال أن قومك يكفرون بالرحمن، فلم يقابلوا رحمته وإحسانه -التي أعظمها أن أرسلناك إليهم رسولا وأنزلنا عليك كتابا- بالقبول والشكر بل قابلوها بالإنكار والرد، أفلا يعتبرون بمن خلا من قبلهم من القرون المكذبة كيف أخذهم الله بذنوبهم، { قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } وهذا متضمن للتوحيدين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية.

فهو ربي الذي رباني بنعمه منذ أوجدني، وهو إلهي الذي { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في جميع أموري { وَإِلَيْهِ متاب } أي: أرجع في جميع عباداتي وفي حاجاتي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( كذلك أرسلناك في أمة ) كما أرسلنا الأنبياء إلى الأمم أرسلناك إلى هذه الأمة ( قد خلت ) مضت ( من قبلها أمم لتتلو ) لتقرأ ( عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن ) .

قال قتادة ، ومقاتل ، وابن جريج : الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية ، وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم .

قالوا : لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب كما كنت تكتب : " باسمك اللهم " ، فهذا معنى قوله : ( وهم يكفرون بالرحمن ) .

والمعروف أن الآية مكية ، وسبب نزولها : أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله ، يا رحمن ، فرجع إلى المشركين فقال : إن محمدا يدعو إلهين; يدعو الله ، ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ، ولا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) ( الإسراء - 110 ) .

وروى الضحاك ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : اسجدوا للرحمن ، قالوا : وما الرحمن ؟

قال الله تعالى : ( قل ) لهم يامحمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته ( هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ) اعتمدت ( وإليه متاب ) أي : توبتي ومرجعي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كذلك» كما أرسلنا الأنبياء قبلك «أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتَتْلوَ» تقرأ «عليهم الذي أوحينا إليك» أي القرآن «وهم يكفرون بالرحمن» حيث قالوا لما أمروا بالسجود له وما الرحمن؟

«قل» لهم يا محمد «هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كما أرسلنا المرسلين قبلك أرسلناك -أيها الرسول- في أمة قد مضت مِن قبلها أمم المرسلين؛ لتتلو على هذه الأمة القرآن المنزل عليك، وحال قومك الجحود بوحدانية الرحمن، قل لهم -أيها الرسول-: الرحمن الذي لم تتخذوه إلهًا واحدًا هو ربي وحده لا معبود بحق سواه، عليه اعتمدت ووثقت، وإليه مرجعي وإنابتي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس ليس بدعا ، فقد سبقه رسل كثيرون إلى أقوامهم فقال - تعالى - : ( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ) .فالكاف فى قوله ( كَذَلِكَ ) للتشبيه حيث شبه - سبحانه - إرساله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس ، بإرسال الرسل السابقين إلى أقوامهم .واسم الإِشارة يعود إلى الإِرسال المأخوذ من فعل ( أَرْسَلْنَاكَ ) .والمراد بالأمة هنا : أمة الدعوة التى أرسل إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فآمن من آمن من أفرادها ، وكفر من كفر .أى : كما أرسلنا رسلا سابقين إلى أقوامهم ، أرسلناك يا محمد إلى قومك الذين قد سبقهم أقوام ورسل كثيرون لكى تقرأ على مسامعهم هذا القرآن العظيم الذى أوحيناه إليك من لدنا ، ولتبين لهم ما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات ، كما بين الرسل الذين سبقوك لأقوامهم ما أمرهم الله - تعالى - ببيانه .وفى قوله - تعالى - ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ ) تعريض بمشركى مكة ، وأنهم إذا ما استمروا فى طغيانهم ، فسيصيبهم ما أصاب الأمم الخالية .وقوله ( لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ) المقصود منه تفخيم شأن القرآن الكريم ، وأنه هو المعجزة الكبرى للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قراءته عليهم قراءة تدبر واستجابة لما يدعوهم إليه .وأن قول المشركين ( لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ) إنما هو قول يدل على عنادهم وغبائهم وجحودهم للحق بعد أن تبين .وجملة ( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن ) حالية .أى : أرسلناك أيها الرسول الكريم إلى هؤلاء الضالين ، لتتلو عليهم ما ينقذهم من الضلال ، ولكنهم عموا وصموا عن سماعه ، والحال أنهم يكفرون بالرحمن أى العظيم الرحمة ، الذى وسعت رحمته كل شئ .وأوثر اختيار اسم الرحمن من بين أسمائه - تعالى - للإِشارة إلى أن إرساله - صلى الله عليه وسلم - مبعثه الرحمة كما قال - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) وللرد عليهم فى إنكارهم أن يكون الله - تعالى - رحمانا ، فقد حكى القرآن عنهم ذلك فى قوله ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن )وقد ثبت فى الحديث الصحيح أنهم لم يرضوا بكتابة هذا الاسم الكريم فى صلح الحديبية ، فعندما قال - صلى الله عليه وسلم - لعلىٍّ : اكتب ( بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ ) قال أحد زعمائهم .

ما ندرى ما الرحمن الرحيم .

.وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يبطل كفرهم فقال : ( قُلْ هُوَ رَبِّي لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ )أى : قل لهم أيها الرسول الكريم : الرحمن الذى تتجافون النطق باسم الكريم هو وحده ربى وخالقى ، لا إله مستحق للعبادة سواه ، عليه لا على أحد سواه توكلت فى جميع أمورى ، وإليه لا إلى غيره مرجعى وتوبتى وإنابتى .فهذه الجملة الكريمة اشتملت على أبلغ رد على أولئك المشركين الذين أنكروا أن يكون الإِله - جل وعلا - رحمانا ، وأنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

[30] ﴿ كَذَلِكَ أرسلناك فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِتَتْلُوَاْ عليْهِمُ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن قُلْ هُوَ رَبِّى لآ إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ اعلم أن الكاف في ﴿ كذلك ﴾ للتشبيه فقيل وجه التشبيه أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك في أمة قد خلت من قبلها أمم، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة، وقيل: كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم، كذلك أعطيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلماذا اقترحوا غيره، وقال صاحب الكشاف: ﴿ كذلك أرسلناك ﴾ أي مثل ذلك الإرسال ﴿ أرسلناك ﴾ يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم فهي آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء.

أما قوله: ﴿ لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ﴾ فالمراد: لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ أي وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن الذي رحمته وسعت كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، وكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم ﴿ قل هو ربي ﴾ الواحد المتعالي عن الشركاء: ﴿ لا إله إلا هو عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ فيعينني على مصابرتكم ومجاهدتكم قيل: نزل قوله: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ في عبد الله بن أمية المخزومي وكان يقول أما الله فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه، إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب فقال تعالى: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسني  ﴾ وكقوله: ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن  ﴾ وقيل: إنه عليه السلام حين صالح قريشاً من الحديبية كتب: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» فقال المشركون: إن كنت رسول الله وقد قاتلناك فقد ظلمنا.

ولكن اكتب، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فكتب كذلك، ولما كتب في الكتاب: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قالوا: أما الرحمن فلا نعرفه، وكانوا يكتبون باسمك اللهم، فقال عليه السلام: «اكتبوا كما تريدون».

واعلم أن قوله: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ إذا حملناه على هاتين الروايتين كان معناه أنهم كفروا بإطلاق هذا الإسم على الله تعالى، لا أنهم كفروا بالله تعالى.

وقال آخرون: بل كفروا بالله إما جحداً له وإما لاثباتهم الشركاء معه.

قال القاضي: وهذا القول أليق بالظاهر، لأن قوله تعالى: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يقتضي أنهم كفروا بالله وهو المفهوم من الرحمن، وليس المفهوم من الاسم كما لو قال قائل: كفروا بمحمد وكذبوا به لكان المفهوم هو، دون اسمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ ﴾ مثل ذلك الإرسال أرسلناك، يعني: أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات، ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾ أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء ﴿ لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم ﴿ قُلْ هُوَ رَبّى ﴾ الواحد المتعالي عن الشركاء ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ يَعْنِي إرْسالَ الرُّسُلِ قَبْلَكَ.

﴿ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها ﴾ تَقَدَّمَتْها.

﴿ أُمَمٌ ﴾ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ إرْسالُكَ إلَيْهِمْ.

﴿ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ.

﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ وحالُهم أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ الَّذِي أحاطَتْ بِهِمْ نِعْمَتُهُ ووَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ، فَلَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ وخُصُوصًا ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ، وإنْزالَ القُرْآنِ الَّذِي هو مَناطُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْياوِيَّةِ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ حِينَ قِيلَ لَهُمُ ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴾ .

﴿ قُلْ هو رَبِّي ﴾ أيِ الرَّحْمَنُ خالِقِي ومُتَوَلِّي أمْرِي.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ لا مُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ سِواهُ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في نُصْرَتِي عَلَيْكم.

﴿ وَإلَيْهِ مَتابِ ﴾ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ} مثل ذلك الإرسال أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات ثم فسر كيف أرسله فقال {فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ} أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء {لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك {وَهُمْ يَكْفُرُونَ} وحال هؤلاء أنهم يكفرون {بالرحمن} بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء {قل هو ربي} رب كل شيء {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أي هو ربي الواحد المتعالي عن الشركاء {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في نصرتي

عليكم {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} مرجعي فيثيبنى على مصابرتكم متابى وعقابي ومآبي في الحالين يعقوب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المَصْحُوبِ بِالمُعْجِزَةِ الباهِرَةِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِثْلُ إرْسالِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ ﴿ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ ﴾ فَيَكُونُ قَدْ شُبِّهَ إرْسالُهُ  بِإرْسال مَن قَبْلَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿ مِن قَبْلِها أُمَمٌ ﴾ كَثِيرَةٌ قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلٌ عَلَيْهِمْ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وقِيلَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ ..

إلَخْ أيْ كَما أنْفَذْنا ذَلِكَ أرْسَلْناكَ ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الحَوْفِيِّ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى كَما أجْرَيْنا العادَةَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ بِأنْ نُضِلَّ ونَهْدِيَ بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ كَذَلِكَ أيْضًا فَعَلْنا في هَذِهِ الأُمَّةِ وأرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَنُضِلُّ مَن نَشاءُ ونَهْدِي مَن أنابَ وقالَ أبُو البَقاءِ: التَّقْدِيرُ الأمْرُ كَذَلِكَ والحَسَنُ ما قَدَّمْناهُ وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

و( في ) بِمَعْنى إلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ وقِيلَ: هي عَلى ظاهِرِها وفِيها إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِن جُمْلَتِهِمْ وناشِئٌ بَيْنَهم ولا تَكُونُ بِمَعْنى إلى إذْ لا حاجَةَ لِبَيانِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ يَعْنِي أرْسَلْنا إرْسالًا لَهُ شَأْنٌ وفَضْلٌ عَلى الإرْسالاتِ ثُمَّ فَسَّرَ كَيْفَ أرْسَلَهُ بِقَوْلِهِ: إلى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ أيِ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ تَقَدَّمَها أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فَهي آخِرُ الأُمَمِ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ لَمْ يَرِدْ بِهِ أنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِالمَذْكُورِ بَلْ أرادَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ المُبْهَمَ لَمّا كانَ ما بَعْدَهُ تَفْخِيمًا كانَ بَيانُهُ بِصِلَةِ ذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى يَزُولَ الإبْهامُ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ فَيُقَدَّرُ أرْسَلْناكَ ثانِيًا ويَكُونُ قَوْلُهُ: أيْ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ إظْهارًا لِلْمَحْذُوفِ أيْضًا لا بَيانًا لِحاصِلِ الآيَةِ وهو الَّذِي آثَرَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ والتَّعَلُّقُ بِالمَذْكُورِ هو الظّاهِرُ وجُمْلَةُ ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ ..

إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأُمَّةٍ وفائِدَةُ الوَصْفِ بِذَلِكَ قِيلَ: ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَقَدُّمِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ قَبْلَ أنْ لا يَكُونَ أُمَّةٌ يُرْسَلُ إلَيْها بَعْدُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ  خاتَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّ المُرادَ بِكَوْنِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَجِيبًا أنَّ رِسالَتَهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ رِسالَةٍ فَهي جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ فَيَلْزَمُ أنْ لا نَسْخَ إذِ النَّسْخُ إنَّما يَكُونُ لِلتَّكْمِيلِ والكامِلُ أتَمَّ كَمالٍ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِتَكْمِيلٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ .

اهَـ.

ولَعَمْرِي أنَّ الِاعْتِراضَ قَوِيٌّ والبَحْثَ في غايَةِ الضَّعْفِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ إرْسالِهِ  عَجِيبًا ما ادَّعاهُ ولَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ لا يَلْزَمُ مِنهُ أيْضًا كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمًا إذْ بَعْثُهُ مُقَرِّرٌ دِينَهُ الكامِلَ كَما بُعِثَ كَثِيرٌ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ لِتَقْرِيرِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَأْبى ما ذُكِرَ مِن جامِعِيَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولُزُومِ عَدَمِ النَّسْخِ لِذَلِكَ كَما لا يَخْفى ولَعَلَّهُ لِهَذا اخْتارَ بَعْضُهم ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقالَ: مُنَبِّهًا عَلى فائِدَةِ الوَصْفِ يَعْنِي مِثْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ أرْسَلْناكَ إلى أُمَمٍ تَقَدَّمَتْها أُمَمٌ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ إرْسالُكَ إلَيْها ﴿ لِتَتْلُوَ ﴾ لِتَقْرَأ ﴿ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ أيِ الكِتابَ العَظِيمَ الشَّأْنِ: ويُشْعِرُ بِهَذا الوَصْفِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ غَيْرَ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ وإسْنادُ الفِعْلِ في صِلَتِهِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ وكَذا الإيصالُ إلى المُخاطَبِ المُعَظَّمِ بِدَلِيلِ سابِقِهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ مِن قَبِيلِ الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِن تَرْقُّبِ النَّفْسِ إلى ما سَيَرِدُ وحُسْنِ قَبُولِها لَهُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأُمَّةِ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما رُوعِيَ في ضَمِيرِ ﴿ خَلَتْ ﴾ لَفْظُها.

﴿ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ أيْ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ الَّذِي أحاطَتْ بِهِمْ نِعْمَتُهُ ووَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ فَلَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ سُبْحانَهُ لا سِيَّما ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ وإنْزالِ القُرْآنِ الَّذِي هو مَدارُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ بَلْ قابَلُوا رَحْمَتَهُ ونِعَمَهُ بِالكُفْرِ ومُقْتَضى العَقْلِ عَكْسُ ذَلِكَ وكانَ الظّاهِرَ بِنا إلّا أنَّهُ التَفَتَ إلى الظّاهِرِ وأُوثِرَ هَذا الِاسْمُ الدّالُّ عَلى المُبالَغَةِ في الرَّحْمَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإرْسالَ ناشِئٌ مِنها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأُمَّةِ أيْضًا والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( أرْسَلْنا ) لا مِن ضَمِيرِ ﴿ عَلَيْهِمُ ﴾ إذِ الإرْسالُ لَيْسَ لِلتِّلاوَةِ عَلَيْهِمْ حالَ كُفْرِهِمْ ومِنهم مَن جَوَّزَ ذَلِكَ والتِّلاوَةُ عَلَيْهِمْ حالَ الكُفْرِ لِيَقِفُوا عَلى إعْجازِهِ فَيُصَدِّقُوا بِهِ لِعِلْمِهِمْ بِأفانِينِ البَلاغَةِ ولا يُنافِي تِلاوَتَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ وجُوِّزَ في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً والضَّمِيرُ حَسْبَما عَلِمْتَ وقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ قالُوا ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ﴿ أُمَّةٍ ﴾ وعَلى ( أُمَمٍ ) ويَكُونُ في الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لَهُ  وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا رَأوْا كِتابَ الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ كَتَبَ فِيهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فَقالَ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا مُسَيْلَمَةَ وقِيلَ: سَمِعَ أبُو جَهْلٍ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ  : يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ فَقالَ إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ فَنَزَلَتْ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لَمّا قِيلَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴾ فَنَزَلَتْ وضُعِّفَ كُلُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهم يَكْفُرُونَ بِهَذا الِاسْمِ وإطْلاقِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والظّاهِرُ أنَّ كُفْرَهم بِمُسَمّاهُ ﴿ قُلْ ﴾ حِينَ كَفَرُوا بِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُوَحِّدُوهُ ﴿ هُوَ ﴾ أيِ الرَّحْمَنُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ ﴿ رَبِّي ﴾ خالِقِي ومُتَوَلِّي أمْرِي ومُبَلِّغِي إلى مَراتِبِ الكَمالِ وإيرادُ هَذا قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ أيْ لا مُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ سِواهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ مَنُوطٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ والجُمْلَةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ وهي خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عِنْدَ بَعْضٍ وقالَ بَعْضُ آخَرُ: إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَعى عَلى الكَفَرَةِ حالَهم وعَكْسَهم مُقْتَضى العَقْلِ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى خاصَّةِ نَفْسِهِ ووَظِيفَتِهِ مِنَ الشُّكْرِ ومَآلِ أمْرِهِ تَأْنِيبًا لَهم فَقالَ: قُلْ هو رَبِّي الَّذِي أرْسَلَنِي إلَيْكم وأيَّدَنِي بِما أيَّدَنِي ولا رَبَّ لِي سِواهُ ﴿ عَلَيْهِ ﴾ لا عَلى أحَدٍ سِواهُ ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي لا سِيَّما في النُّصْرَةِ عَلَيْكم ﴿ وإلَيْهِ ﴾ خاصَّةً ﴿ مَتابِ ﴾ .

(30) .

أيْ مَرْجِعِي فَيُثِيبُنِي عَلى مُصابِرَتِكم ومُجاهَدَتِكم وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ اخْتِصاصُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَفْوِيضُ الأُمُورِ عاجِلًا وآجِلًا إلَيْهِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ .

اهَـ.

وإلى القَوْلِ بِالِاعْتِراضِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشْفِ وحَمَلَ عَلى ذَلِكَ كَلامَ الكَشّافِ حَيْثُ ذَكَرَ بَعْدَ ﴿ هُوَ رَبِّي ﴾ الواحِدُ المُتَعالِي عَنِ الشُّرَكاءِ فَقالَ: جَعَلَهُ فائِدَةَ الِاعْتِراضِ بِلا إلَهَ إلّا هو أيْ هَذا البَلِيغُ الرَّحْمَةِ ولا إلَهَ إلّا هو فَهو بَلِيغُ الِانْتِقامِ كَما هو بَلِيغُ الرَّحْمَةِ يَرْحَمُنِي ويَنْتَقِمُ لِي مِنكم وهو تَمْهِيدٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ولَمْ يُجْعَلْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّهُ تَعالى مُتَوَحِّدٌ بِالإلَهِيَّةِ بَلِ المَقْصُودُ أنَّ المُتَوَحِّدَ بِها رَبِّي وذَلِكَ يُفِيدُهُ الِاعْتِراضُ وأمّا أنَّ المَفْهُومَ مِن كَلامِهِ أنَّهُ حالٌ ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْرى الوَصْفِ فَكَلّا إلّا أنْ يُجْعَلَ حالًا مُؤَكِّدَةً ولا يُغايِرُ الِاعْتِراضُ إذًا كَثِيرَ مُغايِرَةٍ لَكِنَّ الأوَّلَ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ.

اهَـ.

ولا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ كَلامِ الكَشّافِ بِذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ وفي كَوْنِ المَقْصُودِ أنَّ المُتَوَحِّدَ بِالإلَهِيَّةِ رَبِّي دُونَ الإخْبارِ بِأنَّهُ تَعالى مُتَوَحِّدٌ بِها عَلى ما قِيلَ تَأمَّلْ ولَعَلَّ مَبْناهُ أنَّ ما أثْبَتَهُ أوْفَقُ بِالغَرَضِ الَّذِي يُشِيرُ كَلامُهُ إلى اعْتِبارِهِ مَساقًا لِلْآيَةِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في وصْفِهِ تَعالى بِالتَّوَحُّدِ ما لا يَخْفى.

نَعَمْ قِيلَ لِلْقَوْلِ بِالِاعْتِراضِ وجْهٌ وأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ إرْسالَهُ  إلَيْهِمْ وأنَّ حالَهم أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ ولا يُقابِلُونَ رَحْمَتَهُ بِالشُّكْرِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ويُوَحِّدُوهُ أمَرَهُ بِالإخْبارِ بِتَخْصِيصِ تَوَكُّلِهِ واعْتِمادِهِ عَلى ذَلِكَ البَلِيغِ الرَّحْمَةِ ورُجُوعِهِ في سائِرِ أُمُورِهِ إلَيْهِ إيماءً إلى أنَّ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا وأنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً وأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ وفي ذَلِكَ مِن تَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ واسْتِنْهاضِهِمْ إلى اتِّباعِهِ ما فِيهِ إلّا أنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يَقُولَ: ﴿ هُوَ رَبِّي ﴾ تَوْطِئَةً لِذَلِكَ وجِيءَ بِلا إلَهَ إلّا هو اعْتِراضًا لِلتَّأْكِيدِ والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ بَعْدَ التَّأمُّلِ ومُلاحَظَةِ الأُسْلُوبِ القَوْلُ بِالِاعْتِراضِ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ جُمَلَ ﴿ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ عَلى إلَيْهِ رُجُوعِي في سائِرِ أُمُورِي خِلافُ الظّاهِرِ وأنَّهُ عَلى ذَلِكَ يَكُونُ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَهُ وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في تَفْسِيرِهِ: أيْ إلَيْهِ تَوْبَتِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ إبانَةً لِفَضْلِ التَّوْبَةِ ومِقْدارِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّها صِفَةُ الأنْبِياءِ وبَعْثًا لِلْكَفَرَةِ عَلى الرُّجُوعِ عَمّا هم عَلَيْهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ أُمِرَ بِها وهو مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ اقْتِرافِ ما يُوجِبُها مِنَ الذَّنْبِ وإنْ قَلَّ فَتَوْبَتُهم وهم عاكِفُونَ عَلى أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي مِمّا لا بُدَّ مِنهُ أصْلًا.

اهَـ.

وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَصْلُحُ باعِثًا لِلْإقْلاعِ عَنِ الذَّنْبِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ لَوْ كانَ الكَلامُ مَعَ غَيْرِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَعَلَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ عِنْدَ المُنْصِفِ وقالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ في ذَلِكَ: أيْ إلَيْهِ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم وكَأنَّهُ أرادَ أيْضًا فَيَرْحَمُنِي ويَنْتَقِمُ مِنكم والِانْتِقامُ مِنَ الرَّحْمَنِ أشَدُّ كَما قِيلَ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَضَبِ الحَلِيمِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ ولَوْ كانَ المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ أيْ مَتابُنا إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم تَفْصِيلًا لِذَلِكَ ولا يَكادُ يَقُولُ بِهِ أحَدٌ مَعَ قَوْلِهِ بِكَسْرِ الباءِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ الياءَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الضَّمِيرَ لا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ ولَعَلَّ العَلّامَةَ اعْتَبَرَ أنَّ في الآيَةِ اكْتِفاءً عَلى ما قِيلَ: أيْ مَتابِي ومَتابُكم أوْ أنَّ الكَلامَ دالٌّ عَلَيْهِ التِزامًا وهَذا أوْلى عَلى ما قِيلَ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ يقول: هكذا بعثناك في أمة كما بعثنا إلى من كان قبلك من الرجال في الأمم الخالية قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ يعني: قد مضت من قبل قومك أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ يعني: أرسلناك لتقرأ عليهم الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من القرآن وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ يعني: يجحدون ويكذبون، وذلك أن عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه قالوا: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب.

قال الله تعالى: قُلْ هُوَ رَبِّي يعني: قل يا محمد، الرحمن الذي تكفرون به هو الله ربي الذى لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: فوضت أمري إليه وَإِلَيْهِ مَتابِ يعني: وإليه أتوب وأرجع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مبتدأ، وخبره طُوبى لَهُمْ.

واختلف في معنى طُوبى، فقال ابن عباس: طُوبى: اسمُ الجنَّةِ بالحَبَشِيَّةِ «١» ، وقيل: طُوبى: اسم الجنَّة بالهِنْدِيَّة، وقيل: طُوبى: اسم شجرة في الجنَّة، وبهذا تواترتِ الأحاديث قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «طُوبَى اسم شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها ...

» «٢» الحديث.

قال ص: طُوبى: «فُعْلَى» من الطِّيب، والجمهور أنها مفرد مصدر ك «سُقْيَا وبُشْرَى» .

قال الضَّحَّاك: ومعناها: غِبْطَةً لهم «٣» ، قال القُرطُبيُّ «٤» : والصحيحُ أنها شجرةٌ للحديث المرفوع.

انتهى.

ت: وروى الشيخُ الحافظ أبو بكْرٍ أحمدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثابتِ بنِ الخَطِيبِ البَغْدَادِيُّ في «تاريخه» ، عن شيخه أبي نُعَيْمٍ الأَصبهانيِّ بسنده عن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِك!

قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، ثُمَّ طُوبَى، ثُم طُوبَى، ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي» ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا طُوبَى؟

قَالَ: «شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةَ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» «٥» .

انتهى من ترجمة «أحمد بن الحَسَن» .

وقوله تعالى: «كذلك أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ» : أي: كما أجرينا عادَتَنا، كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ ...

الآية.

وقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ: قال قتادة: نزلَتْ في قريش: لما كُتِبَ في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في قصَّة الحُدَيْبِيَة، فقال قائلهم: نَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرحمن «١» .

قال ع «٢» : وذلك منهم إِباءةُ اسم فقطْ، وهروبٌ عن هذه العبارة التي لم يَعْرِفُوها إِلا مِنْ قِبَل النبيِّ عليه السلام، وال مَتابِ: المرجعُ ك «المآب» لأن التوبة هي الرجُوعُ.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ...

الآية:

قال ابن عباس وغيره: إِن الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أزِحْ عَنَّا وَسَيِّرِ جَبَلِيْ مَكَّةَ، فَقَدْ ضَيَّقَا عَلَيْنَا، واجعل لَنَا أَرْضَنَا قِطَعَ غِرَاسَةٍ وَحَرْثٍ، وأوحي لَنَا آبَاءَنَا وَأَجْدَادَنَا، / وَفُلاَناً وفُلاَناً، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك معلمةً أنهم لا يُؤْمِنُونَ، ولو كان ذلك كله «٣» .

وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: «يَيْئَس» : معناه: يعلم، وهي لغة هَوَازِنَ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّن» ، ثم أخبر سبحانه عن كُفَّار قريشٍ والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وغزواته، ثم قال: «أَوْ تُحَلُّ أَنْتَ يَا محمَّد قريباً من دارهم» .

[هذا تأويلُ ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» .

وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: المعنى: أو تَحُلُّ القارعةُ قريباً من دارهم] «٥» ، ووَعْدُ اللَّهِ على قول ابن عباس وغيره: هو فَتْحُ مَكَّة، وقال الحسن: الآيةُ عامَّة في الكفّار إلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ ﴾ أيْ: كَما أرْسَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا قالَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ، قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وقِيلَ لَهم: إنَّ الرَّحْمَنَ الَّذِي أنْكَرْتُمْ هو رَبِّي، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا أرادُوا كِتابَ الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا مُسَيْلِمَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ يَوْمًا في الحِجْرِ يَدْعُو، وأبُو جَهْلٍ يَسْتَمِعُ إلَيْهِ وهو يَقُولُ: يا رَحْمَنُ، فَوَلّى مُدْبِرًا إلى المُشْرِكِينَ فَقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ !

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَيْهِ مَتابِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَصْدَرُ تُبْتُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهُ إنَّ اللهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ الكافُ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ  ﴾ ، أيْ: كَما أنْفَذَ اللهُ هَذا كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ، هَذا قَوْلٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المَعْنى: كَما أجْرَيْنا العادَةَ بِأنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي، لا الآياتُ المُقْتَرَحَةُ، فَكَذَلِكَ أيْضًا فِعْلُنا في هَذِهِ الأُمَّةِ، أرْسَلْناكَ إلَيْها بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ حِينَ عاهَدَهم رَسُولُ اللهِ  عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ الكِتابَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، فَقالَ قائِلُهُمْ: نَحْنُ لا نَعْرِفُ الرَحْمَنَ ولا نَقْرَأُ اسْمَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ "الرَحْمَنَ" هُنا يُرادُ بِهِ اللهُ تَعالى وذاتُهُ، ونَسَبَ إلَيْهِمُ الكُفْرَ بِهِ عَلى الإطْلاقِ، وقِصَّةُالحُدَيْبِيَةَ وقِصَّةُ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ مَعَ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، إنَّما هي عن إبايَةِ الِاسْمِ فَقَطْ، وهُرُوبٌ عن هَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفُوها إلّا مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ  ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِالتَصْرِيحِ بِالدِينِ والإفْصاحِ بِالدَعْوَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ ، و"المَتابُ": المَرْجِعُ كالمَآبِ، لِأنَّ التَوْبَةَ: الرُجُوعُ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ الآيَةُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ الإخْبارَ عنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَلَ قُرْآنٌ سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ، هَذا تَأْوِيلُ الفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أنَّ قُرْآنًا يَكُونُ صِفَتُهُ كَذا لَما آمَنُوا بِوَجْهٍ، وقالَ أهْلُ هَذا التَأْوِيلِ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: «إنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : أزِحْ عَنّا، أو سَيِّرْ جَبَلَيْ مَكَّةَ فَقَدْ ضَيَّقا عَلَيْنا، واجْعَلْ لَنا أرْضًا قِطَعَ غِراسَةٍ وحَرْثٍ، وأحْيِ لَنا آباءَنا وأجْدادَنا وفُلانًا وفُلانًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» في ذَلِكَ مُعْلِمَةً أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ ولَكِنَّهُ لَيْسَ في هَذا المَعْنى، بَلْ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ الَّذِي يُصْنَعُ بِهِ هَذا، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- تَعْظِيمَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يُحَرِّرُ فَصاحَةَ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ يُعَضِّدُ التَأْوِيلَ الأخِيرَ ويَتَرَتَّبُ مَعَ الآخَرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِمَعْنى: يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ هَوازِنَ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ "هَبِيلٍ" حَيٌّ مِنَ النَخَعِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرِياحِيِّ: أقُولُ لَهم بِالشِعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اليَأْسُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَ إيمانَهم في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةُ، عَلى التَأْوِيلَيْنِ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ قالَ في هَذِهِ: أفَلَمْ يَيْأسِ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، عِلْمًا مِنهم أنْ لَوْ شاءَ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا؟

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "يَأْيَسْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ".

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ أنَّهم لا يَزالُونَ تُصِيبُهم قَوارِعُ مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ  وغَزَواتِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: "وَلا يَزالُ الَّذِينَ ظَلَمُوا"، ثُمَّ قالَ: ﴿ أو تَحُلُّ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، هَذا تَأْوِيلُ فِرْقَةٍ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ، وعَزاهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: أو تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: "أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دِيارِهِمْ" بِالجَمْعِ.

وَوَعْدُ اللهِ -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَوْمٍ- فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآيَةُ عامَّةٌ في الكُفّارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ حالَ الكَفَرَةِ هَكَذا هي أبَدًا، ووَعْدُ اللهِ قِيامُ الساعَةِ، و"القارِعَةُ": الرَزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها بِفَظاعَتِها كالقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ المالِ وكَشْفِ الحَرِيمِ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ .

هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ  ، أيْ: لا يَضِيقُ صَدْرُكُ يا مُحَمَّدُ بِما تَرى مِن قَوْمِكَ وتَلْقى مِنهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ولا نَكِيرٍ، قَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، و"أمْلَيْتُ لَهُمْ": أيْ: مَدَدْتُ المُدَّةَ وأطَلْتُ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدْراجِ، وهو مِنَ المُلاوَةِ مِنَ الزَمَنِ، ومِنهُ: تَمَلَّيْتُ حَسَنَ العَيْشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَعْجِيبٌ، في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا الجواب عن قولهم: ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ لأن الجواب السابق بقوله: ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ﴾ جواب بالإعراض عن جهالتهم والتعجب من ضلالهم وما هنا هو الجواب الرادُّ لقولهم.

فيجوز جعل هذه الجملة من مقول القول، ويجوز جعله مقطوعة عن جملة ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ﴾ .

وأيّا ما كان فهي بمنزلة البيان لجملة القول كلها، أو البيان لجملة المقول وهو التعجب.

وفي افتتاحها بقوله: ﴿ كذلك ﴾ الذي هو اسم إشارة تأكيد للمشار إليه وهو التعجب من ضلالتهم إذ عموا عن صفة الرسالة.

والمشارُ إليه: الإرسال المأخوذ من فعل ﴿ أرسلناك ﴾ ، أي مثل الإرسال البين أرسلناكَ، فالمشبه به عين المشبّه، إشارة إلى أنه لوضوحه لا يبين ما وضح من نفسه.

وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ في سورة البقرة (143).

ولما كان الإرسال قد علق بقوله: في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك } صارت الإشارة أيضاً متحملة لمعنى إرسال الرسل من قبله إلى أمم يقتضي مرسَلين، أي ما كانت رسالتك إلاّ مثل رسالة الرسل من قبلك.

كقوله: ﴿ قل ما كنت بدعا من الرسل ﴾ [سورة الأحقاف: 9] وقوله: ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ [سورة الفرقان: 20] لإبطال توهم المشركين أن النبي لما لم يأتهم بما سألوه فهو غير مرسل من الله.

وفي هذا الاستدلال تمهيد لقوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ [سورة الرعد: 31] الآيات.

ولذلك أردفت الجملة بقوله: لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك } .

والأمّة: هي أمة الدعوة ﴿ فمنهم من آمن ومنهم من كفر ﴾ .

وتقدم معنى ﴿ قد خلت من قبلها أمم ﴾ في سورة آل عمران عند قوله: ﴿ قد خلت من قبلكم سُنن ﴾ [سورة آل عمران: 137].

ويتضمن قوله: قد خلت من قبلها أمم } التعريض بالوعيد بمثل مصير الأمم الخالية التي كذبت رسلها.

وتضمن لام التعليل في قوله: ﴿ لتتلوا عليهم ﴾ أن الإرسال لأجل الإرشاد والهداية بما أمر الله لا لأجل الانتصاب لخوارق العادات.

والتلاوة: القراءة.

فالمقصود لتقرأ عليهم القرآن، كقوله: ﴿ وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ [سورة النمل: 92] الآية.

وفيه إيماء إلى أن القرآن هو معجزته لأنه ذكره في مقابلة إرسال الرسل الأولين ومقابلة قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ [سورة الرعد: 7].

وقد جاء ذلك صريحاً في قوله: ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ﴾ [سورة العنكبوت: 51].

وقال النبي: ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إلي.

وجملة وهم يكفرون بالرحمن } عطف على جملة ﴿ كذلك أرسلناك ﴾ ، أي أرسلناك بأوضح الهداية وهم مستمرون على الكفر لم تدخل الهداية قلوبهم، فالضمير عائد إلى المشركين المفهومين من المقام لا إلى ﴿ أمة ﴾ لأن الأمة منها مؤمنون.

والتعبير بالمضارع في ﴿ يكفرون ﴾ للدلالة على تجدد ذلك واستمراره.

ومعنى كفرهم بالله إشراكهم معه غيره في الإلهية، فقد أبطلوا حقيقة الإلهية فكفروا به.

واختيار اسم (الرحمن) من بين أسمائه تعالى لأن كفرهم بهذا الاسم أشد لأنهم أنكروا أن يكون اللّهُ رحمان.

قال تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمان ﴾ في سورة الفرقان (60)، فأشارت الآية إلى كفرين من كفرهم: جحدِ الوحدانية، وجحدِ اسم الرحمان؛ ولأن لهذه الصفة مزيد اختصاص بتكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتأييده بالقرآن لأن القرآن هُدًى ورحمة للناس.

وقد أرادوا تعويضه بالخوارق التي لا تكسب هدْياً بذاتها ولكنها دالة على صدق من جاء بها.

قال مقاتل وابن جريج: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح فقال النبي للكاتب اكتب بِسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عَمرو: ما نعرف الرحمان إلا صاحب اليمامة، يعني مسيلمة، فقال النبي اكتب باسمك اللّهم.

ويبعده أن السورة مكية كما تقدم.

وعن ابن عباس نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن فنزلت.

وقد لقن النبي بإبطال كفرهم المحكي إبطالاً جامعاً بأن يقول: هو ربي } ، فضمير ﴿ هو ﴾ عائد إلى (الرحمان) باعتبار المسمى بهذا الاسم، أي المسمى هو ربي وأن الرحمان اسمه.

وقوله: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إبطال لإشراكهم معه في الإلهية غيره.

وهذا مما أمر الله نبيه أن يقوله، فهو احتراس لرد قولهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى رب واحد وهو يقول: إن ربه الله وإن ربه الرحمان، فكان قوله: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ دالاً على أن المدعو بالرحمان هو المدعو بالله إذ لا إله إلا إله واحد، فليس قوله: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إخباراً من جانب الله على طريقة الاعتراض.

وجملة ﴿ عليه توكلت وإليه متاب ﴾ هي نتيجة لكونه رباً واحداً.

ولكنها كالنتيجة لذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من الاتصال.

وتقديم المجرورين وهما ﴿ عليه ﴾ و ﴿ إليه ﴾ لإفادة اختصاص التوكل والمتاب بالكون عليه، أي لا على غيره، لأنه لما توحد بالربوبية كان التوكل عليه، ولما اتّصف بالرحمانية كان المتاب إليه، لأن رحمانيته مظنة لقبوله توبة عبده.

والمتاب: مصدر ميمي على وزن مفعل، أي التوبة، يفيد المبالغة لأن الأصل في المصادر الميمية أنها أسماء زمان جعلت كناية عن المصدر، ثم شاع استعمالها حتى صارت كالصريح.

ولما كان المتاب متضمناً معنى الرجوع إلى ما يأمر الله به عدّي المتاب بحرف {إلى.

وأصلُ مَتَاب} متابي بإضافة إلى ياء المتكلم فحذفت الياء تخفيفاً وأبقيت الكسرة دليلاً على المحذوف كما حذف في النادى المضاف إلى الياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي ﴾ قالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِكَتْبِ القَضِيَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، فَقالَ لِلْكاتِبِ: (اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَقالُوا: ما نَدْرِي ما الرَّحْمَنُ وما نَكْتُبُ إلّا: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ.

وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهم قالُوا: قَدْ بَلَغَنا أنَّهُ إنَّما يُعَلِّمُكَ هَذا الَّذِي تَأْتِي بِهِ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ يُقالُ لَهُ الرَّحْمَنُ، وإنّا واللَّهِ لَنْ نُؤْمِنَ بِهِ أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ أسْماؤُهُ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالمَتابِ التَّوْبَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: وإلَيْهِ المَرْجِعُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية- حين صالح قريشاً، كتب في الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم.

فقالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم.

فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم.

قال: لا، ولكن اكتبوا كما يريدون» وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في الآية قال: هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في الحديبية، كتب «بسم الله الرحمن الرحيم.

فقالوا: لا نكتب الرحمن وما ندري ما الرحمن!....

وما نكتب إلا باسمك اللهم فأنزل الله تعالى ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإليه متاب ﴾ قال: توبتي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ ﴾ قال الحسن (١) ﴿ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾ قال ابن عباس (٢) ﴿ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ يعني القرآن، ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ قال: وذلك أن رسول الله  كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يسمع إليه، وهو يقول: يا رحمن، فلما سمعه يذكر الرحمن ولىَّ مدبرًا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدًا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلهًا آخر يقال له: الرحمن، فأنزل الله هذه الآية (٣) وقوله: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ قال مقاتل (٤) (٥) (٦)  لعلي: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فقال المشركون: ما .....

(٧) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي ﴾ أي قل لهم يا محمد: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته، هو إلهي وسيدي، لا إله إلا هو.

(١) القرطبي 9/ 317، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 308.

(٢) انظر: "فتح البيان" 7/ 57.

(٣) نقله في "زاد المسير" 4/ 329 عن الواحدي، وانظر القرطبي 9/ 318.

(٤) "تفسير مقاتل" 191 أ، "زاد المسير" 4/ 329، القرطبي 9/ 317، الثعلبي 7/ 137 أ.

(٥) "زاد المسير" 4/ 329، القرطبي 9/ 317، الطبري 13/ 150 وابن جريج عن مجاهد، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 116، الثعلبي 7/ 137 أ.

(٦) الطبري 13/ 150، و"زاد المسير" 4/ 329، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 116، والثعلبي 7/ 137 أ.

(٧) بياض في جميع النسخ، وفي البخاري (4180، 4181) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية، وأحمد 4/ 330 وفيه: فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم).

وفي الطبري 13/ 150 عن مجاهد: ما ندري ما الرحمن اكتب باسمك اللهم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَذَلِكَ أرسلناك ﴾ الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ [النحل: 93] ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن ﴾ قيل: إنها نزلت في أبي جهل، وقيل: نزلت في قريش حين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فكتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن لا نعرف الرحمن وهذا ضعيف، لأن الآية نزلت قبل ذلك ولأن تلك القصة إنما أنكروا فيها التسمية فقط، ومعنى الآية: أنهم يكفرون بالله مع تلاوة القرآن عليهم ﴿ مَتَابِ ﴾ مفعل من التوبة وهو اسم مصدر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الباقون بفتحها.

﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.

الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.

﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.

﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.

﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟

وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.

ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟

فقيل للنبي  : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.

﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.

وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله  لعلي  : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.

فأنزل الله الآية.

فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله  لا على جحودهم أو إِشراكهم.

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله  وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.

قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.

وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  ﴾ الآية.

وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.

ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً  ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.

وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.

ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.

أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.

ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

وهذا لغة قوم من النخع.

وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي  وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .

وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.

وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.

وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.

﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.

وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله  لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.

والإملاء الإمهال وقد مر هناك.

والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.

ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.

وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.

ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.

وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.

وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.

قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.

أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم  ﴾ وقد مر في أول "يونس".

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها  ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.

ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.

والكلام في أن المزين هو الله  أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.

وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.

وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة  ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.

والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً  ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله  : ﴿ كل من عليها فان  ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين  ﴾ .

ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.

وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.

واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.

ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.

وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.

واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.

وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.

وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.

ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.

ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.

ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.

ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.

وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.

وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.

روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله  إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.

وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.

قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله  وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.

ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله  : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته  ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله  يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.

وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.

والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.

وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه  يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله  .

والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.

الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية  ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.

واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله  { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.

ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.

وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ .

وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.

وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.

عن النبي  : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.

روى أبو الدرداء عن النبي  : "إن الله  في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .

وقيل: هو علم الله  المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.

ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.

والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.

ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.

قال الواحدي.

الأليق بالمقام هو القول الأول.

وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.

﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.

﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.

وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.

وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.

قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله  وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.

وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.

وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.

ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.

وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.

وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.

ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.

فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.

وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.

ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.

واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.

وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.

والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.

وقال الزجاج: الأشبه أن الله  لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.

وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً  ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.

ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله  في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام  ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.

﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ ﴾ .

يرغبهم فيما عنده ويؤيسهم عما في أيدي الخلق، ويقطع رجاءهم عن ذلك؛ لأن الذي كان يمنعهم عن الإيمان به، ويحملهم على تكذيب الرسل؛ وترك الإجابة - هذه الأموال التي كانت في أيدي أولئك، وبها [رأوا دوام] الرياسة والعز والشرف لهم في هذه الدنيا؛ فقال: هو الباسط لذلك؛ والقاتر لا أولئك، هو يوسع على من يشاء، ويقتّر على من يشاء؛ ليس ذلك إلى الخلق، وذكر أنه يبسط الرزق لمن يشاء من أوليائه وأعدائه، ويقتر على من يشاء من أعدائه وأوليائه، ليعلموا [أن] التوسيع في الدنيا والبسط لا يدل على الولاية، ولا التقتير والتضييق على العداوة، ليس كما يكون في الشاهد؛ يوسع على الأولياء ويبسط، ويضيق على الأعداء؛ لأن التوسيع في الدنيا والتضييق بحق المحنة وفي الآخرة، بحق الجزاء، ويستوي في المحنة الولي والعدوّ، ويجمع بينهما في المحنة؛ ويفرق بينهما في الجزاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَفَرِحُواْ ﴾ صلة ما تقدم؛ وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ ، ويفرحون بالحياة الدنيا.

ثم الفرح يحتمل وجوهاً: يحتمل: فرحوا بالحياة الدنيا؛ أي: رضوا بها؛ كقوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ أي: فرحوا، سروراً بها.

فإن قيل: إن المؤمن قد يسرّ بالحياة الدنيا؟

قيل: يُسَرّ ولكن لا يُلْهيه سروره بها؛ ولا يغفل عن الآخرة، وأما الكافر: فإنه لشدة سروره بها وفرحه عليها؛ يلهى عن الآخرة؛ وعن جميع الطاعات.

وهكذا [العرف في] الناس أنه إذا اشتد بالمرء السرور بالشيء؛ فإنه يلهى عن غيره ويغفل عنه.

أو يكون قوله: ﴿ وَفَرِحُواْ ﴾ أي: أشروا وبطروا؛ كقوله  : ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ  ﴾ وهو الأشر والبطر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: ما الحياة الدنيا - مع طول تمتعهم بها بتمتع الآخرة - إلا كمتاع ساعة أو كمتاع شيء يسير؛ وهو كقوله: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا  ﴾ وكقوله: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ  ﴾ يظنون - مع طول ما متعوا في هذه الدنيا - عند متاع الآخرة كأنهم ما متعوا بها إلا ساعة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾ ، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  ﴾ عند متاع الآخرة؛ لأن متاع الآخرة ونعيمها دائم متصل غير منقطع؛ لا يشوبه آفة ولا حزن ولا خوف، ومتاع الدنيا منقطع غير متصل؛ مشوب بالآفات والأحزان؛ لذلك كان قليلا عند متاع الآخرة ونعيمها.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾ أي: إلا لهو وباطل لكن الوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .

يحتمل سؤالهم الآية أنفس الآيات التي أتت بها الرسل من قبل قومهم، أو سألوا آيات سموها، كقوله: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا...

﴾ الآية [الإسراء: 90] ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر من الآيات، سألوها منه، أو سألوه آيات تضطرهم وتقهرهم على الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ .

وفيه دلالة أنه لو شاء لأنزل عليهم آيات؛ لآمنوا كلهم بها، واهتدوا، وعنده أشياء لو أعطاهم لكان ذلك سبب اهتدائهم وتوحيدهم؛ وكذلك لو أعطى أشياء لكان ذلك سبب كفرهم جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 33] لكنه لا ينزل الآية على شهواتهم وأمانيهم، ولكن ينزل أشياء؛ تكون عند النظر والتأمل حجة؛ فمن تأمّل فيها وتفكرّ لاهتدى وآمن بالاختيار، ومن أعرض عنها ولم يتفكر ضل وزاغ بالاختيار.

ويحتمل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً  ﴾ أي: [إن نشأ] إيمانهم واهتداءهم ننزل عليهم آية، وذلك تأويل قوله على أثر سؤالهم الآية.

﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ .

أي: ينزل من الآيات ما يهتدي بها المنيب إليها والمقبل، ويضل المعرض عنها؛ والصادر بالاختيار، ويكون اهتداؤهم باختيارهم؛ [وضلالهم باختيارهم]؛ لا بالاضطرار والقهر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ وهو القرآن الذي أنزله على رسوله؛ فهو وصف المقبل المنيب إلى ذكر الله؛ يسكن وتطمئن قلوبهم بالتأمل والتفكر فيها وأصله أن الله - عز وجل -: شاء اهتداء من علم أنه يختار الاهتداء والإيمان، وشاء ضلال من علم أنه يختار فعل الضلال والزيغ، يشاء [لكل]؛ لما علم منه أنه يختار ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ﴾ وتسكن إليه.

وقال بعض أهل التأويل: هو في الحلف في الخصومات؛ ألا في الحلف بالله؛ [تطمئن وتسكن] قلوب الذين آمنوا لا تطمئن بالحلف بغير الله.

وقال بعضهم: ألا بالقرآن؛ وبما في القرآن من الثواب، تسكن وتطمئن قلوب الذين آمنوا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: تفرح وتستبشر قلوب الذين آمنوا بذكر الله ألا بذكر الله تستبشر وتفرح قلوب الذين آمنوا؛ لأنه ذكر في الكفرة الفرح بالحياة الدنيا؛ وهو قوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ وذكر في المؤمنين الاستبشار والفرح بذكر الله، وفي أولئك ذكر أن قلوبهم تشمئز بذكر الرحمن وتستبشر بذكر من دونه؛ وهو قوله: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  ﴾ أخبر الله  أن قلوب المؤمنين تستبشر وتفرح بذكر الله، وقلوب أولئك تستبشر [وتفرح] بذكر من دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: تطمئن قلوبهم بذكر الله لهم، وذكر الله لهم التوفيق والتسديد والعصمة، ونحوه.

والثاني: تطمئن قلوبهم بذكرهم الله، وذكرهم الله: إحسانه ونعمه وعظمته وجلاله، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ .

[طوبى] قيل: خير لهم وغبطة، وقيل: حسنى لهم ونعمى لهم، وقيل: يقال: طوبى لك؛ إن أصبت خيراً، وقيل: هم اسم الجنة بلسان الحبشة؛ وقيل: بالهندية، وقيل: اسم شجرة في الجنة أصلها في دار رسول الله  ؛ وأغصانها في دار أمته، فإن كان هذا، وهو اسم شجرة؛ فذلك لا يستقيم إلا [على تقدمه كان] أهل الكتاب؛ ادعوها لأنفسهم؛ فأخبر أنها للذين آمنوا لا لهم كقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ [ثم] قال - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ  ﴾ ادعوا الجنة لأنفسهم؛ فأخبر أنها ليست لهم؛ ولكن للذي أسلم وأخلص وجهه لله؛ فعلى ذلك يشبه أن يكونوا ادعوا طوبى لأنفسهم فأخبر أنها ليست لهم، ولكن للذين آمنوا.

وإن كان في مشركي العرب؛ فهم ينكرون البعث والجنة والنار، فيشبه أن يكونوا قالوا: إن كان بعث على ما تقولون وجنة وطوبى؛ فهي لنا؛ كقوله: ﴿ لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ طُوبَىٰ ﴾ : كلمة مدح الله ثوابهم، وغبطهم بها.

وقال بعضهم: ﴿ طُوبَىٰ ﴾ : كرامة أعد الله لأوليائه، وهي مذكورة في الكتب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ ﴾ .

أي: كما أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ \[وقال كل واحد من الرسل\]: ﴿ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ...

﴾ الآية أي: كل رسول كان أرسل قبلك كان أمر أن يقول ما ذكر؛ كذلك أرسلناك إلى قومك رسولا، وإن كانوا يكفرون بالرحمن؛ فقل أنت ما قال أولئك الرسل: ﴿ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ...

﴾ الآية، لم تخل أمة عن رسول؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

﴿ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ [يقول: أرسلناك لتتلو أنباء الرسل والأمم الذين كانوا من قبلك عليهم؛ ليكون آية] لرسالتك؛ ليعلموا أنك إنما علمت تلك الأنباء بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .

يقول: والله أعلم - هم يكفرون بالرحمن؛ وفي كل الخلائق آية توحيد الرحمن وألوهيته؛ ولا في كل الخلائق آية لرسالتك، وهم مع ذلك كله يكفرون بالرحمن؛ فعلى ذلك يكفرون بآيات رسالتك.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ وكانوا هم أهل التعبد من الكبراء؛ فقال: لو جئتهم بقرآن سيرت به الجبال؛ أو قطعت به الأرض؛ أو كلم به الموتى، يقول: لو جئت بذلك كله كان أمرهم التكذيب والعناد؛ وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...

﴾ الآية [الأنعام: 111] وقوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ...

﴾ الآية [الحجر: 14] يخبر - عز وجل - عن عنادهم أنهم لا يؤمنون بالآية - وإن عظمت - إلا أن يشاء الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ كقوله: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ أي: الأمر لله؛ من شاء أن يؤمن فيؤمن، ومن شاء ألا يؤمن فلا يؤمن ألبتة.

وقال بعضهم: [قوله:] ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: يكفرون باسم الرحمن؛ لأنهم قالوا: إن محمداً كان يدعونا إلى عبادة الله وتوحيده فالساعة يدعونا إلى عبادة الرحمن وألوهيته؛ فذلك عبادة اثنين؛ فقال: ﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ أي: دعائي إلى عبادة الرحمن وألوهيته وهو دعائي إلى عبادة الله، وهو واحد ليس هو باثنين ولا عدد؛ كقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  ﴾ أي: عدد الأسماء لا يوجب عدد الذات؛ إذ يكون لشيء واحد في الشاهد أسماء مختلفة؛ فاختلاف الأسماء لا يوجب اختلاف الذات؛ فعلى ذلك في الله  .

وقال بعضهم: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنَ ﴾ اسم من أسماء الله في الكتب الأول، قالوا: كتبها رسول الله؛ أبوا أن يقرءوا به، قالوا: وما الرحمن، إنا لا نعرفه؟

فنزل: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مثل هذا الإرسال الذي أرسلنا به الرسل السابقين إلى أممهم؛ أرسلناك -أيها الرسول- إلى أمتك؛ لتقرأ عليهم القرآن الذي أوحيناه إليك، فهو كاف في الدلالة على صدقك، لكن حال قومك أنهم يجحدون هذه الآية؛ لأنهم يكفرون بالرحمن حيث يشركون معه غيره، قل لهم -أيها الرسول-: الرحمن الذي تشركون به غيره هو ربي الذي لا معبود بحق غيره، عليه توكلت في جميع أموري، وإليه توبتي.

<div class="verse-tafsir" id="91.9bd5y"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله