الآية ٣١ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣١ من سورة الرعد

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 141 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مادحا للقرآن الذي أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) أي : لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها ، أو تقطع به الأرض وتنشق أو تكلم به الموتى في قبورها ، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره ، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك; لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله ، ولا بسورة من مثله ، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به ، جاحدون له ، ( بل لله الأمر جميعا ) أي : مرجع الأمور كلها إلى الله ، عز وجل ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ومن يضلل الله فلا هادي له ، ومن يهد الله فلا مضل له .

وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة; لأنه مشتق من الجميع ، قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " خففت على داود القراءة ، فكان يأمر بدابته أن تسرج ، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته ، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه " .

انفرد بإخراجه البخاري .

والمراد بالقرآن هنا الزبور .

وقوله : ( أفلم ييأس الذين آمنوا ) أي : من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو يتبينوا ( أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في النفوس والعقول من هذا القرآن ، الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله .

وثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " معناه : أن معجزة كل نبي انقرضت بموته ، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد ، لا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، ولا يشبع منه العلماء ، هو الفصل ليس بالهزل .

من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا منجاب بن الحارث ، أنبأنا بشر بن عمارة ، حدثنا عمر بن حسان ، عن عطية العوفي قال : قلت له : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) الآية ، قالوا لمحمد ، صلى الله عليه وسلم : لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها ، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح ، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه فأنزل الله هذه الآية .

قال : قلت : هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ؟

قال : نعم ، عن أبي سعيد ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم .

وكذا روي عن ابن عباس ، والشعبي ، وقتادة ، والثوري ، وغير واحد في سبب نزول هذه الآية ، فالله أعلم .

وقال قتادة : لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم ، فعل بقرآنكم .

وقوله : ( بل لله الأمر جميعا ) قال ابن عباس : [ أي ] لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء ، ولم يكن ليفعل ، رواه ابن إسحاق بسنده عنه ، وقاله ابن جرير أيضا .

وقال غير واحد من السلف في قوله : ( أفلم ييأس الذين آمنوا ) أفلم يعلم الذين آمنوا .

وقرأ آخرون : " أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا " .

وقال أبو العالية : قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا ، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعا .

وقوله : ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ) أي : بسبب تكذيبهم ، لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا ، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا ، كما قال تعالى : ( ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ) [ الأحقاف : 27 ] وقال ( أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ) [ الأنبياء : 44 ] .

قال قتادة ، عن الحسن : ( أو تحل قريبا من دارهم ) أي : القارعة .

وهذا هو الظاهر من السياق .

قال أبو داود الطيالسي : حدثنا المسعودي ، عن قتادة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ) قال : سرية ، ( أو تحل قريبا من دارهم ) قال : محمد صلى الله عليه وسلم ، ( حتى يأتي وعد الله ) قال : فتح مكة .

وهكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، في رواية .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( تصيبهم بما صنعوا قارعة ) قال : عذاب من السماء ينزل عليهم ( أو تحل قريبا من دارهم ) يعني : نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم وقتاله إياهم .

وكذا قال مجاهد ، وقتادة ، وقال عكرمة في رواية عنه ، عن ابن عباس : ( قارعة ) أي : نكبة .

وكلهم قال : ( حتى يأتي وعد الله ) يعني : فتح مكة .

وقال الحسن البصري : يوم القيامة .

وقوله : ( إن الله لا يخلف الميعاد ) أي : لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة ، ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ) [ إبراهيم : 47 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (ولا يزال) يا محمد(الذين كفروا)، من قومك(تصيبهم بما صنعوا) من كفرهم بالله، وتكذيبهم إياك، وإخراجهم لك من بين أظهرهم(قارعة), وهي ما يقرعهم من البلاء والعذاب والنِّقم, بالقتل أحيانًا, وبالحروب أحيانًا, والقحط أحيانًا(أو تحل) ، أنت يا محمد, يقول: أو تنـزل أنت(قريبًا من دارهم) بجيشك وأصحابك(حتى يأتي وعدُ الله) الذي وعدك فيهم, وذلك ظهورُك عليهم وفتحُك أرضَهمْ، وقهرْك إياهم بالسيف(إن الله لا يخلف الميعاد)، يقول: إن الله منجزك، يا محمد ما وعدك من الظهور عليهم, لأنه لا يخلف وعده .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20418- [حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا] أبو داود قال: حدثنا المسعوديّ, عن قتادة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ) قال: سَرِيَّة (أو تحل قريبًا من دارهم) ، قال: محمد(حتى يأتي وعد الله) ، قال: فتح مكة .

(47) 20419- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن المسعودي, عن قتادة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس، بنحوه غير أنه لم يذكر " سريّة " .

20420- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا أبو قطن قال: حدثنا المسعودي, عن قتادة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, تلا هذه الآية: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ) ، قال: " القارعة ": السريّة، (أو تحلّ قريبًا من دارهم) ، قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم(حتى يأتي وعد الله) ، قال: فتح مكة .

(48) 20421- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو غسان قال: حدثنا زهير, أن خصيفًا حدثهم, عن عكرمة, في قوله: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبًا من دارهم) ، قال: نـزلت بالمدينة في سرايَا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم(أو تحل)، أنت يا محمد(قريبًا من دارهم) .

20422- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن النضر بن عربيّ, عن عكرمة: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، قال: سرية(أو تحلّ قريبًا من دارهم) ، قال: أنت يا محمد .

20423- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، يقول: عذابٌ من السماء ينـزل عليهم(أو تحلّ قريبًا من دارهم) ، يعني: نـزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتالَه إياهم .

20424- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، تصاب منهم سَرِيَّة, أو تصاب منهم مصيبة أو يحل محمد قريبًا من دارهم وقوله: (حتى يأتي وعد الله) قال: الفتح .

20425- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد بن زيد, عن عبد الله بن أبي نجيح: (أو تحل قريبًا من دارهم) ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم .

20426- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد نحو حديث الحسن, عن شبابة .

20427- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا قيس, عن خصيف, عن عكرمة, عن ابن عباس: قال: (قارعة)، قال: السرايا .

20428- ...

قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الغفار, عن منصور, عن مجاهد: (قارعة) قال: مصيبة من محمد(أو تحلّ قريبًا من دارهم) ، قال: أنت يا محمد(حتى يأتي وعد الله) ، قال: الفتح .

20429- ...

قال: حدثنا إسرائيل, عن خصيف, عن مجاهد: (قارعة) ، قال: كتيبةً .

20430- ...

قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا عمرو بن ثابت, عن أبيه, عن سعيد بن جبير: (تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، قال: سرية (أو تحل قريبًا من دارهم) ، قال: أنت يا محمد .

20431- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) أي بأعمالهم أعمال السوء وقوله: (أو تحل قريبًا من دارهم) ، أنت يا محمد(حتى يأتي وعد الله) ، ووعدُ الله: فتحُ مكة .

20432- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (قارعة) ، قال: وَقِيعة(أو تحلّ قريبًا من دارهم) ، قال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم, يقول: أو تحل أنتَ قريبًا من دارهم .

20433- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن طلحة, عن طلحة, عن مجاهد: (تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، قال: سريّة .

(49) 20434- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد: (تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، قال: السرايا، كان يبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم(أو تحل قريبًا من دارهم) ، أنت يا محمد(حتى يأتي وعد الله) ، قال: فتح مكة .

20435-...

قال، حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن بعض أصحابه, عن مجاهد: (تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، قال: كتيبة .

20436- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد, في قوله: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، قال: قارعة من العذاب .

* * * وقال آخرون: معنى قوله: (أو تحلّ قريبًا من دارهم) ، تحل القارعةُ قريبًا من دارهم .

*ذكر من قال ذلك: 20437- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: قال الحسن: (أو تحل قريبًا من دارهم) ، قال: ( أو تحل القارعة قريبا من دارهم) .

20438- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, عن الحسن قال،: (أو تحل قريبًا من دارهم) ، قال: أو تحل القارعة .

* * * وقال آخرون في قوله: (حتى يأتي وعد الله) ، هو: يوم القيامة .

*ذكر من قال ذلك: 20439- حدثني المثنى قال: حدثنا مُعلَّى بن أسَد قال: حدثنا إسماعيل بن حكيم, عن رجل قد سماه عن الحسن, في قوله: (حتى يأتي وعد الله) قال: يوم القيامة .

------------------- الهوامش : (47) الأثر : 20418 - هذا إسناد لا شك أن قد سقط صدره ، وهو الذي زدته بين القوسين ، استظهارًا بإسناد سابق رقم : 2156 :" حدثنا محمد بن المثنى ، عن أبي داود ، عن المسعودي ..." و" أبو داود" هو الطيالسي الإمام الحافظ :" سليمان بن داود بن الجارود" ، و" المسعودي" ، هو" عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود" ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها : 17982 .

(48) الأثر : 20420 -" أبو قطن" ، هو" عمرو بن الهيثم البغدادي" ثقة ، سلف برقم : 18674 ، 20091 .

وكان هذا الإسناد مكررًا في المخطوطة ، ثم ختمه بقوله :" عن ابن عباس بنحوه، غير أنه لم يذكر سرية" ، وهذا يناقض رواية الإسناد بعده .

والظاهر أنه لما قلب الورقة ليكتب بقية الخبر ، سبق نظره إلى ختام الخبر السالف ، ثم تابع النقل على الصواب ، فكرر الإسناد ثم أتبعه الخبر .

(49) الأثر : 20433 -" محمد بن طلحة بن مصرف اليامي" ، وثقه أحمد ، وضعفه غيره ، ومضى برقم : 5088 ، 5420 .

و" طلحة" أبوه ، وهو" طلحة بن مصرف اليامي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، وهو يروي عن مجاهد .

مضى برقم : 5431 ، 11145 ، 11146 .

وكان في المخطوطة هنا في الهامش علامة تشكك ، وهذا هو تفسير ما تشكك فيه الناسخ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعادقوله تعالى : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال هذا متصل بقول : لولا أنزل عليه آية من ربه .

وذلك أن نفرا من مشركي مكة فيهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزوميان جلسوا خلف الكعبة ، ثم أرسلوا إلى رسول الله فأتاهم ; فقال له عبد الله : إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن ، فأذهبها عنا حتى تنفسح ; فإنها أرض ضيقة ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا ، حتى نغرس ونزرع ; فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه ، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا ، ثم نرجع من يومنا ; فقد كان سليمان سخرت له الريح كما زعمت ; فلست بأهون على ربك من سليمان بن داود ، وأحي لنا قصيا جدك ، أو من شئت أنت من موتانا نسأله ; أحق ما تقول أنت أم باطل ؟

فإن عيسى كان يحيي الموتى ، ولست بأهون على الله منه ; فأنزل الله تعالى : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال الآية ; قال معناه الزبير بن العوام ومجاهد وقتادة والضحاك ; [ ص: 279 ] والجواب محذوف تقديره : لكان هذا القرآن ، لكن حذف إيجازا ، لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه ; كما قال امرؤ القيس :فلو أنها نفس تموت جميعة ولكنها نفس تساقط أنفسايعني لهان علي ; هذا معنى قول قتادة ; قال : لو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم .

وقيل : الجواب متقدم ، وفي الكلام تقديم وتأخير ; أي وهم يكفرون بالرحمن لو أنزلنا القرآن وفعلنا بهم ما اقترحوا .

الفراء : يجوز أن يكون الجواب لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمن .

الزجاج : ولو أن قرآنا إلى قوله : الموتى لما آمنوا ، والجواب المضمر هنا ما أظهر في قوله : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " إلى قوله : " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " .بل لله الأمر جميعا أي هو المالك لجميع الأمور ، الفاعل لما يشاء منها ، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن ، إنما يكون بأمر الله .قوله تعالى : أفلم ييأس الذين آمنوا قال الفراء قال الكلبي : " ييأس " بمعنى يعلم ، لغة النخع ; وحكاه القشيري عن ابن عباس ; أي أفلم يعلموا ; وقاله الجوهري في الصحاح .

وقيل : هو لغة هوازن ; أي أفلم يعلم ; عن ابن عباس ومجاهد والحسن .

وقال أبو عبيدة : أفلم يعلموا ويتبينوا ، وأنشد في ذلك أبو عبيدة لمالك بن عوف النصري :أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدمييسرونني من الميسر ، وقد تقدم في " البقرة " ويروى يأسرونني من الأسر .

وقال رباح بن عدي :ألم ييئس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيافي كتاب الرد " أني أنا ابنه " وكذا ذكره الغزنوي : ألم يعلم ; والمعنى على هذا : أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من غير أن يشاهدوا الآيات .

وقيل : هو من اليأس المعروف ; أي أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار ، لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم ; لأن المؤمنين تمنوا نزول الآيات طمعا في إيمان الكفار .

وقرأ علي وابن عباس : " أفلم يتبين الذين آمنوا " من البيان .

قال القشيري : وقيل لابن عباس المكتوب " أفلم ييئس " قال : أظن الكاتب كتبها وهو ناعس ; أي زاد بعض الحروف حتى صار [ ص: 280 ] ييئس .

قال أبو بكر الأنباري : روي عن عكرمة عن ابن أبي نجيح أنه قرأ - " أفلم يتبين الذين آمنوا " وبها احتج من زعم أنه الصواب في التلاوة ; وهو باطل عن ابن عباس ، لأن مجاهدا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس ، على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس ; ثم إن معناه : أفلم يتبين ; فإن كان مراد الله تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماع فقراءتنا تقع عليها ، وتأتي بتأويلها ، وإن أراد الله المعنى الآخر الذي اليأس فيه ليس من طريق العلم فقد سقط مما أوردوا ; وأما سقوطه يبطل القرآن ، ولزوم أصحابه البهتان .

" أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا " " أن " مخففة من الثقيلة ، أي أنه لو يشاء الله " لهدى الناس جميعا " وهو يرد على القدرية وغيرهم .قوله تعالى : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أي داهية تفجؤهم بكفرهم وعتوهم ، ويقال : قرعه أمر إذا أصابه ، والجمع قوارع ; والأصل في القرع الضرب ; قال :أفنى تلادي وما جمعت من نشب قرع القواقيز أفواه الأباريقأي لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد ، أو من قتل أو من أسر أو جدب ، أو غير ذلك من العذاب والبلاء ; كما نزل بالمستهزئين ، وهم رؤساء المشركين .

وقال عكرمة عن ابن عباس : القارعة النكبة .

وقال ابن عباس أيضا وعكرمة : القارعة الطلائع والسرايا التي كان ينفذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم .

أو تحل أي القارعة .

قريبا من دارهم قاله قتادة والحسن .

وقال ابن عباس : أو تحل أنت قريبا من دارهم .

وقيل : نزلت الآية بالمدينة ; أي لا تزال تصيبهم القوارع فتنزل بساحتهم أو بالقرب منهم كقرى المدينة ومكة ." حتى يأتي وعد الله " في فتح مكة ; قاله مجاهد وقتادة وقيل : نزلت بمكة ; أي تصيبهم القوارع ، وتخرج عنهم إلى المدينة يا محمد ، فتحل قريبا من دارهم ، أو تحل بهم محاصرا لهم ; وهذه المحاصرة لأهل الطائف ، ولقلاع خيبر ، ويأتي وعد الله بالإذن لك في قتالهم وقهرهم .

وقال الحسن : وعد الله يوم القيامة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى مبينا فضل القرآن الكريم على سائر الكتب المنزلة: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا } من الكتب الإلهية { سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ } عن أماكنها { أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ } جنانا وأنهارا { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى } لكان هذا القرآن.

{ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا } فيأتي بالآيات التي تقتضيها حكمته، فما بال المكذبين يقترحون من الآيات ما يقترحون؟

فهل لهم أو لغيرهم من الأمر شيء؟.

{ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } فليعلموا أنه قادر على هدايتهم جميعا ولكنه لا يشاء ذلك، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا } على كفرهم، لا يعتبرون ولا يتعظون، والله تعالى يوالي عليهم القوارع التي تصيبهم في ديارهم أو تحل قريبا منها، وهم مصرون على كفرهم { حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ } الذي وعدهم به، لنزول العذاب المتصل الذي لا يمكن رفعه، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } وهذا تهديد لهم وتخويف من نزول ما وعدهم الله به على كفرهم وعنادهم وظلمهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) الآية .

نزلت في نفر من مشركي مكة; منهم أبو جهل بن هشام ، وعبد الله بن أبي أمية; جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم ، فقال له عبد الله بن أبي أمية : إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسح ، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا لنغرس فيها الأشجار ونزرع ، ونتخذ البساتين ، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود عليه السلام حيث سخر له الجبال تسبح معه ، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ونرجع في يومنا ، فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت ، ولست بأهون على ربك من سليمان ، وأحي لنا جدك قصيا أو من شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن أمرك أحق ما تقول أم باطل ؟

فإن عيسى كان يحيي الموتى ، ولست بأهون على الله منه فأنزل الله عز وجل : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) فأذهبت عن وجه الأرض ( أو قطعت به الأرض ) أي : شققت فجعلت أنهارا وعيونا ( أو كلم به الموتى ) واختلفوا في جواب " لو " : فقال قوم : جوابه محذوف ، اكتفى بمعرفة السامعين مراده ، وتقديره : لكان هذا القرآن ، كقول الشاعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا أراد : لرددناه ، وهذا معنى قول قتادة قال : لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم .

وقال آخرون : جواب لو مقدم .

وتقدير الكلام : وهم يكفرون بالرحمن " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " كأنه قال : لو سيرت به الجبال " أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى " لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا ، لما سبق من علمنا فيهم ، كما قال : ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا ) ( الأنعام - 111 ) ثم قال : ( بل لله الأمر جميعا ) أي : في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل .

( أفلم ييئس الذين آمنوا ) قال أكثر المفسرين : معناه أفلم يعلم .

قال الكلبي : هي لغة النخع .

وقيل : لغة هوازن ، يدل عليه قراءة ابن عباس : " أفلم يتبين الذين آمنوا " .

وأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم ، وزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول : يئست ، بمعنى : علمت ، ولكن معنى العلم فيه مضمر .

وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل : ( أفلم ييئس الذين آمنوا ) يعني : الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان هؤلاء ، أي لم ييئسوا علما ، وكل من علم شيئا يئس من خلافه ، يقول : ألم ييئسهم العلم : ( أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) .

( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ) من كفرهم وأعمالهم الخبيثة ( قارعة ) أي : نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء ، أحيانا بالجدب ، وأحيانا بالسلب ، وأحيانا بالقتل والأسر .

وقال ابن عباس : أراد بالقارعة : السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم إليهم .

( أو تحل ) يعني السرية والقارعة ( قريبا من دارهم ) وقيل : أو تحل : أي تنزل أنت يا محمد بنفسك قريبا من ديارهم ( حتى يأتي وعد الله ) قيل : يوم القيامة .

وقيل : الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه .

( إن الله لا يخلف الميعاد ) وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ولقد استهزئ برسل من قبلك )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما قالوا له إن كنت نبيا فسيّر عنا جبال مكة، واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس ونزرع وابعث لنا آباءنا الموتى يكلمونا أنك نبي «ولو أن قرآنا سُيّرت به الجبال» نقلت عن أماكنها «أو قطّعت» شققت «به الأرض أو كلم به الموتى» بأن يحيوا لما آمنوا «بل لله الأمر جميعا» لا لغيره فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره إن أوتوا ما اقترحوا، ونزل لما أراد الصحابة إظهار ما اقترحوا طمعا في إيمانهم «أفلم ييأس» يعلم «الذين آمنوا أن» مخففة أي أنه «لو يشاء الله لهدي الناس جميعا» إلى الإيمان من غير آية «ولا يزال الذين كفروا» من أهل مكة «تصيبهم بما صنعوا» بصنعهم أي كفرهم «قارعهٌ» داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب «أو تحل» يا محمد بجيشك «قريبا من دارهم» مكة «حتى يأتي وعد الله» بالنصر عليهم «إن الله لا يخلف الميعاد» وقد حلَّ بالحديبية حتى أتى فتح مكة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يردُّ الله -تعالى- على الكافرين الذين طلبوا إنزال معجزات محسوسة على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: ولو أن ثمة قرآنًا يقرأ، فتزول به الجبال عن أماكنها، أو تتشقق به الأرض أنهارًا، أو يحيا به الموتى وتُكَلَّم -كما طلبوا منك- لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، ولما آمنوا به.

بل لله وحده الأمر كله في المعجزات وغيرها.

أفلم يعلم المؤمنون أن الله لو يشاء لآمن أهل الأرض كلهم من غير معجزة؟

ولا يزال الكفار تنزل بهم مصيبة بسبب كفرهم كالقتل والأسر في غزوات المسلمين، أو تنزل تلك المصيبة قريبًا من دارهم، حتى يأتي وعد الله بالنصر عليهم، إن الله لا يخلف الميعاد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أشار - سبحانه - إلى عظمة هذا القرآن الذى أوحاه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى .

.

.

) .والمراد بالقرآن هنا : معناه اللغوى ، أى الكلام المقروء .وجواب لو محذوف لدلالة المقام عليه .والمعنى : ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية ، ( سُيِّرَتْ بِهِ الجبال ) أى : تحركت من أماكنها ، ( أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض ) أى شققت وصارت قطعا ، ( أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى ) بأن يعودوا إلى الحياة بعد قراءته عليهم .ولو أن كتابا مقروءا كان من وظيفته أن يفعل ذلك لكان هذا القرآن ، لكونه الغاية القصوى فى الهداية والتذكير ، والنهاية العظمى فى الترغيب والترهيب .وعلى هذا المعنى يكون الغرض من الآية الكريمة بيان عظم شأن القرآن الكريم ، وإبطال رأى الكافرين الذين طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - آية كونية سواه .ويصح أن يكون المعنى : ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية نزل عليك يا محمد فسيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ، لما آمن هؤلاء المعاندون .قال - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله .

.

.

) وعلى هذا المعنى يكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان غلوهم فى العناد والطغيان ، وتماديهم فى الكفر والضلال ، وأن سبب عدم إيمانهم ليس مرده إلى عدم ظهور الدلائل الدالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - وإنما سببه الحسد والعناد والمكابرة .ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق التى طلبوها منه - صلى الله عليه وسلم - ما ذكره الإِمام ابن كثير من أن المشركين قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - : يا محمد ، لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها ، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح ، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .وقوله - سبحانه - ( بَل للَّهِ الأمر جَمِيعاً ) إضراب عن مطالبهم المتعنتة إلى بيان أن الأمور كلها بيد الله ، وأن قدرته - سبحانه - لا يعجزها شئ .أى : إن الله - تعالى - لا يعجزه أن يأتى بالمقترحات التى اقترحوها ، ولكن إرادته - سبحانه - لم تتعلق بما اقترحوه ، لعلمه - سبحانه - بعتوهم ونفورهم عن الحق مهما أوتوا من آيات .وقوله - سبحانه - : ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً ) تيئيس للمؤمنين من استجابة أولئك الجاحدين للحق ، إلا أن شاء الله لهم الهداية ، والاستفهام للإِنكار ، وأصل اليأسك قطع الطمع فى الشئ والقنوط من حصوله .وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان :أحدهما يرى أصحابه أن الفعل ييأس على معناه الحقيقى وهو قطع الطمع فى الشئ ، وعليه يكون المعنى : أفلم ييأس على معناه الحقيقى وهو قطع فى الشئ ، وعليه يكون المعنى : أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان كفار قريش ، ويعلموا أن الله - تعالى - لو يشاء هداية الناس جميعا لاهتدوا ، ولكنه لم يشأ ذلك ، ليتميزا الخبيث من الطيب .وعلى هذا الاتجاه سار الإِمام ابن كثير فقد قال - رحمه الله - : وقوله - تعالى ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا ) أى : من إيمان جميع الخلق ويعلموا أن يتبينوا ( أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً ) فإنه ليس هناك حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع فى النفوس والعقول من هذا القرآن ، الذى لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله .وثبت فى الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من نبى إلا وقد أوتى ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .ويؤيد هذا الاتجاه ما ذكره السيوطى فى تفسيره من أن بعض الصحابة قالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ، اطلب لهم - أى للمشركين ، ما اقترحوه عسى أن يؤمنوا .أما الاتجاه فيرى أصحابه أن الفعل ييأس بمعنى يعلم ، وعليه يكون المعنى : أفلم يعلم المؤمنون أنه - سبحانه - لو شاء هداية الناس جميعا لآمنوا .وهذا الاتجاه صدر به الآلوسى تفسيره فقال ما ملخصه :ومعنى قوله - سبحانه - : ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا ) أفلم يعلموا ، وهى كما قال القاسم بن معن لغة هوازن ، وقال الكلبى هى لغة حى من النخع ، وأنشدوا على ذلك قول سيحم بن وئيل الرباحى :أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى ...

ألم ييأسوا أنى ابن فارس زهدموقول رباح بن عدى :ألم ييأس الأقوام أنى أنا ابنه ...

وإن كنت عن أرض العشيرة نائياوالظاهر أن استعمال اليأس فى ذلك حقيقه .وقيل مجاز لأنه متضمن للعلم فإن الآيس عن الشئ عالم بأنه لا يكون .

.والفاء للعطف على مقدر .

أى : أغفلوا عن كون الأمر جميعه لله - تعالى - فلم يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا .

.ثم حذر - سبحانه - الكافرين من التمادى فى كفرهم ، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة فقال - تعالى - : ( وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ) .والقارعة : من القرع ، وهو ضرب الئ بشئ آخر بقوة وجمعها قوارع .والمراد بها : الرزية والمصيبة والكارثة .أى : ولا يزال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم تصيبهم بسبب ما صنعوه من الكفر والضلال " قارعة " أى مصيبة تفجؤهم وتزعجهم أو تحل تلك المصيبة فى مكان قريب من دارهم ، فيتطاير شرها إليهم ، حتى يأتى وعد الله بهلاكهم وهزيمتهم ونصر المؤمنين عليهم ، إن الله - تعالى - لا يخلف الميعاد ، أى : موعوده لرسله ولعباده المؤمنين .وأبهم - سبحانه - ما يصيب الكافرين من قوارع ، لتهويله وبيان شدته .والتعبير بقوله : ( ولا يزال ) يشير إلى أن ما أصابهم من قوارع كان موجودا قبل نزول هذه الآية ، واستمرت إصابته لهم بعد نزولها ، لأن الفعل ( لا يزال ) يدل علىا لإخبار باستمرار شئ واقع .ولعل هذه الآية الكريمة كان نزولها فى خلال سنى الجدب التى حلت بقريش والتى أشار إليها القرآن بقوله : ( فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ .

يَغْشَى الناس هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ .

.

.

) وعبر - سبحانه - عما أصابهم من بلاء بالقارعة ، للمبالغة فى شدته وقوته ، حتى إنه ليقرع قلوبهم فجأة فيبتهتهم ويزعجهم ، ولذلك سميت القيامة بالقارعة ، لأنها تقرع القلوب بأهوالها .وقال - سبحانه - : ( أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ) لبيان أنهم بين أمرين أحلاهما مُرّ لأن القارعة إما أن تصيبهم بما يكرهونه ويتألمون له ، وإما أن تنزل قريبا منهم فتفزعهم ، وتقلق أمنهم ، وهم مستمرون على ذلك حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .ولقد قضى الله - تعالى - أمره ، بهزيمتهم فى بدر وفى غيرهم ، وأتم نصره على المؤمنين بفتح مكة .

وبدخول الناس فى دين الله أفواجا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

[31] ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سًيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى بَل لِّلَّهِ الأمر جَمِيعًا أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ الذين ءَامنُواْ أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الذين كَفُرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حتى يأَتِىَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ﴾ اعلم أنه روي أن أهل مكة قعدوا في فناء مكة، فأتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعرض الإسلام عليهم، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي: سير لنا جبال مكة حتى ينفسخ المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، أو أَحْي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أو بطال، فقد كان عيسى يحيى الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان فلست بأهون على ربك من سليمان، فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ أي من أماكنها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ لكان هو هذا القرآن الذي أنزلناه عليك.

وحذف جواب لو لكونه معلوماً، وقال الزجاج: المحذوف هو أنه ﴿ لو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وكذا وكذا لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وليس لأحد أن يتحكم عليه في أفعاله وأحكامه.

ثم قال تعالى: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ أفلم ييأس ﴾ قولان: القول الأول: أفلم يعلموا وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الوجه الأول: ﴿ ييأس ﴾ يعلم في لغة النخع وهذا قول أكثر المفسرين مثل مجاهد والحسن وقتادة.

واحتجوا عليه بقول الشاعر: ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه *** وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً وأنشد أبو عبيدة: أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني *** إلم تيأسوا أني ابن فارس زهدم أي ألم تعلموا.

وقال الكسائي: ما وجدت العرب تقول يئست بمعنى علمت ألبته.

والوجه الثاني: ما روي أن علياً وابن عباس كانا يقرآن: ﴿ أفلم يأس الذين آمنوا ﴾ فقيل لابن عباس أفلم ييأس فقال: أظن أن الكاتب كتبها وهو ناعس أنه كان في الخط يأس فزاد الكاتب سنة واحدة فصار ييأس فقرئ ييأس وهذا القول بعيد جداً لأنه يقتضي كون القرآن محلاً للتحريف والتصحيف وذلك يخرجه عن كونه حجة قال صاحب الكشاف: ما هذا القول والله إلا فرية بلا مرية.

والقول الثاني: قال الزجاج: المعنى أو يئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لأن الله لو شاء لهدى الناس جميعاً.

وتقريره أن العلم بأن الشيء لا يكون يوجب اليأس من كونه والملازمة توجب حسن المجاز، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ اليأس لإرادة العلم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ﴾ وكلمة لو تفيد انتقاء الشيء لانتفاء غيره.

والمعنى: أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس، والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء، وتارة يحملون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة، وفيهم من يجري الكلام على الظاهر، ويقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون شائياً لهداية جميع الناس.

والكلام في هذه المسألة قد سبق مراراً.

أما قوله تعالى: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فيه قولان: القول الأول: قيل: أراد به جميع الكفار لأن الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي أوجب حصول الغم في قلب الكل، وقيل: أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون والألف واللام في لفظ الكفار للمعهود السابق هو ذلك الجمع المعين.

المسألة الثانية: في الآية وجهان.

الأول: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارعة داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم، أو تحل القارعة قريباً منهم، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، ويتعدى إليهم شرورها حتى يأتي وعد الله وهو موتهم أو القيامة.

والقول الثاني: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم، أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك.

ثم قال: ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ والغرض منه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه.

قال القاضي: وهذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذ بعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق.

وجوابنا: أن الخلف غير، وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف، ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا ﴾ جوابه محذوف، كما تقول لغلامك: لو أني قمت إليك، وتترك الجواب والمعنى: ولو أن قرآنا ﴿ سُيّرَتْ بِهِ الجبال ﴾ عن مقارّها، وزعزعت عن مضاجعها ﴿ أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرض ﴾ حتى تتصدع وتتزايل قطعاً ﴿ أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى ﴾ فتسمع وتجيب، لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف، كما قال: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ [الحشر: 21] هذا يعضد ما فسرت به قوله: ﴿ لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ [الرعد: 30] من إرادة تعظيم ما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن.

وقيل: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى وتنبيههم، لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة ﴾ [الأنعام: 111] الآية.

وقيل: إن أبا جهل بن هشام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سيِّر بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها البساتين والقطائع، كما سخرت لداود عليه السلام إن كنت نبياً كما تزعم، فلست بأهون على الله من داود.

وسخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام ثم نرجع في يومنا، فقد شق علينا قطع المسافة البعيدة كما سخرت لسليمان عليه السلام.

أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا: منهم قصي بن كلاب فنزلت ومعنى تقطيع الأرض على هذا: قطعها بالسير ومجاوزتها.

وعن الفراء: هو متعلق بما قبله.

والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض، وليس ببعيد من السداد.

وقيل ﴿ قُطّعَتْ بِهِ الارض ﴾ شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ بَل للَّهِ الأمر جَمِيعًا ﴾ على معنيين، أحدهما: بل لله القدرة على كل شيء، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها؛ إلا أنّ علمه بأنّ إظهارها مفسدة يصرفه.

والثاني: بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الالجاء لولا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

ويعضده قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ الذين ءامَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء الله ﴾ يعني مشيئة الإلجاء والقسر ﴿ لَهَدَى الناس جَمِيعًا ﴾ ومعنى ﴿ أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ ﴾ أفلم يعلم.

قيل: هي لغة قوم من النخع.

وقيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه؛ لأنّ اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك.

قال سحيم بن وثيل الرياحي: أَقُولُ لَهُمْ بالشِّعْبِ إذْ يَيْسُرُونَنِي ** أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ ويدل عليه أن علياً وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرؤا: ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير (أفلم ييئس) وقيل: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوى السينات، وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتاً بين دفتي الإمام.

وكان متقلباً في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، وهذه والله فرية ما فيها مرية.

ويجوز أن يتعلق ﴿ أَن لَّوْ يَشَاء ﴾ بآمنوا، على أو لم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولهداهم ﴿ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قَارِعَةٌ ﴾ داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم ﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ القارعة ﴿ قَرِيبًا ﴾ منهم فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، ويتعدى إليهم شرورها ﴿ حتى يَأْتِىَ وَعْدُ الله ﴾ وهو موتهم، أو القيامة.

وقيل: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم، وتصيب من مواشيهم.

أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم بجيشك، كما حل بالحديبية، حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ والمُرادُ مِنهُ تَعْظِيمُ شَأْنِ القُرْآنِ، أوِ المُبالَغَةُ في عِنادِ الكَفَرَةِ وتَصْمِيمِهِمْ أيْ: ولَوْ أنَّ كِتابًا زُعْزِعَتْ بِهِ الجِبالُ عَنْ مَقارِّها.

أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ تَصَدَّعَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عِنْدَ قِراءَتِهِ أوْ شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا.

﴿ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى ﴾ فَتَسْمَعُ فَتَقْرَؤُهُ، أوْ فَتَسْمَعُ وتُجِيبُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لَكانَ هَذا القُرْآنَ لِأنَّهُ الغايَةُ في الإعْجازِ والنِّهايَةُ في التَّذْكِيرِ والإنْذارِ، أوْ لَما آمَنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ ﴾ الآيَةَ.

وقِيلَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا يا مُحَمَّدُ إنَّ سَرَّكَ أنْ نَتْبَعُكَ فَسَيِّرْ بِقُرْآنِكَ الجِبالَ عَنْ مَكَّةَ حَتّى تَتَّسِعَ لَنا فَنَتَّخِذَ فِيها بَساتِينَ وقَطائِعَ، أوْ سَخِّرْ لَنا بِهِ الرِّيحَ لِنَرْكَبَها ونَتَّجِرَ إلى الشّامِ، أوِ ابْعَثْ لَنا بِهِ قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ وغَيْرَهُ مِن آبائِنا لِيُكَلِّمُونا فِيكَ، فَنَزَلَتْ.

وعَلى هَذا فَتَقْطِيعُ الأرْضِ قَطْعُها بِالسَّيْرِ.

وقِيلَ الجَوابُ مُقَدَّمٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وتَذْكِيرٌ ﴿ كُلِّمَ ﴾ خاصَّةً لِاشْتِمالِ المَوْتى عَلى المُذَكِّرِ الحَقِيقِيِّ.

﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ بَلْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو إضْرابٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ لَوْ مِن مَعْنى النَّفْيِ أيْ: بَلِ اللَّهُ قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنَّ إرادَتَهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ، لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَلِينُ لَهُ شَكِيمَتُهم ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَنْ إيمانِهِمْ مَعَ ما رَأوْا مِن أحْوالِهِمْ، وذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّ مَعْناهُ أفَلَمْ يَعْلَمْ لِما رُوِيَ أنْ عَلِيًّا وابْنَ عَبّاسٍ وجَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ قَرَءُوا « أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ»، وهو تَفْسِيرُهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَ اليَأْسُ بِمَعْنى العِلْمِ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ العِلْمِ، فَإنَّ المَيْئُوسَ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا مَعْلُومًا ولِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ نَفْيُ هُدى بَعْضِ النّاسِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِاهْتِدائِهِمْ، وهو عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ إيمانِهِمْ عِلْمًا مِنهم أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا أوْ بِـ ﴿ آمَنُوا ﴾ .

﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا ﴾ مِنَ الكُفْرِ وسُوءِ الأعْمالِ.

﴿ قارِعَةٌ ﴾ داهِيَةٌ تَقْرَعُهم وتُقَلْقِلُهم.

﴿ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرَرُها.

وقِيلَ الآيَةُ في كَفّارِ مَكَّةَ فَإنَّهم لا يَزالُونَ مُصابِينَ بِما صَنَعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لا يَزالُ يَبْعَثُ السَّرايا عَلَيْهِمْ فَتُغِيرُ حَوالَيْهِمْ وتَخْتَطِفُ مَواشِيَهم، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحُلُّ خِطابًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ حَلَّ بِجَيْشِهِ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ.

﴿ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ ﴾ المَوْتُ أوِ القِيامَةُ أوْ فَتْحُ مَكَّةَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ لِامْتِناعِ الكَذِبِ في كَلامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال} عن مقارِّها {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض} حتى تتصدع وتتزايل قطعاً {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى} فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف فجواب لو محذوف أو معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأَرض وتكليم الموتى وتنبيئهم لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة الآية {بَل للَّهِ الأمر جَمِيعًا} بل لله القدرة على كل شيء وهو قادر على الآيات التي اقترحوها {أفلم ييأس الذين آمنوا} أفلم يعلم وهي لغة قوم من النخع وقيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه لأَن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون كما استعمل النسيان في معنى الترك لتضمن ذلك دليله قراءة علي رضي الله عنه أفلم يتبين وقيل إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوي السنات وهذه والله فرية ما فيها مرية {أَن لَّوْ يَشَاءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بما صنعوا}

من كفرهم وسوء أعمالهم {قَارِعَةٌ} داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ} أو تحل القارعة قريباً منهم فيفزعون ويتطاير عليهم شررها ويتعدى إليهم شرورها {حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله} أي موتهم أو القيامة أو ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله من العداوة والتكذيب قارعة لأن جيش رسول الله يغير حول مكة ويختطف منهم أو

تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم بجيشك يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله أي فتح مكة {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} أي لا خلف في موعده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ أيْ قُرْآنًا ما والمُرادُ بِهِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ وهو اسْمُ أنَّ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِانْسِياقِ الكَلامِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ: .

فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولَهُ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا والمَقْصُودُ إمّا بَيانُ عِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ وفَسادِ رَأْيِ الكَفَرَةِ حَيْثُ لَمْ يُقَدِّرُوا قَدْرَهُ ولَمْ يَعُدُّوهُ مِن قَبِيلِ الآياتِ واقْتَرَحُوا غَيْرَهُ وإمّا بَيانُ غُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ والفَسادِ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ لَوْ أنَّ كِتابًا سُيِّرَتْ بِإنْزالِهِ أوْ بِتِلاوَتِهِ الجِبالُ وزُعْزِعَتْ عَنْ مَقارِّها كَما فُعِلَ ذَلِكَ بِالطَّوْرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ ﴾ أيْ شُقِّقَتْ وجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا كَما فُعِلَ بِالحَجَرِ حِينَ ضَرَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ أوْ جُعِلَتْ قِطَعًا مُتَصَدِّعَةً ﴿ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى ﴾ أيْ كَلَّمَ أحَدٌ بِهِ المَوْتى بِأنْ أحْياهم بِقِراءَتِهِ فَتَكَلَّمَ مَعَهم بَعْدُ وذَلِكَ كَما وقَعَ الإحْياءُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَكانَ ذَلِكَ هَذا القُرْآنَ لِكَوْنِهِ الغايَةَ القُصْوى في الِانْطِواءِ عَلى عَجائِبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهَيْبَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وقِيلَ: في التَّعْلِيلِ لِكَوْنِهِ الغايَةَ في الإعْجازِ والنِّهايَةَ في التَّذْكِيرِ والإنْذارِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْإعْجازِ في هَذِهِ الآثارِ والتَّذْكِيرُ والإنْذارُ مُخْتَصّانِ بِالعُقَلاءِ مَعَ أنَّهُ لا عِلاقَةَ لِذَلِكَ بِتَكْلِيمِ المَوْتى واعْتِبارُ فَيْضِ العُقُولِ إلَيْها مُخِلٌّ بِالمُبالَغَةِ المَقْصُودَةِ وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا مِن مَزِيدِ الِانْطِواءِ عَلى عَجائِبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ يَرْجِعُ إلى الهَيْبَةِ وهي أيْضًا مِمّا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها تَكْلِيمُ المَوْتى بَلْ لَعَلَّها مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّها حَيْثُ اقْتَضَتْ تَزَعْزُعَ الجِبالِ وتَقَطُّعَ الأرْضِ فَلَأنْ تَقْتَضِي مَوْتَ الأحْياءِ دُونَ إحْياءِ الأمْواتِ الَّذِي يَكُونُ التَّكْلِيمُ بَعْدَهُ مِن بابِ أوْلى وفِيهِ نَظَرٌ والباءُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ لِلسَّبَبِيَّةِ وجُوِّزَ في الثّالِثِ مِنها أنْ تَكُونَ صِلَةَ ما عِنْدَها وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ فِيها عَلى المَرْفُوعِ لِقَصْدِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

و( أوْ ) في المَوْضِعَيْنِ لِمَنعِ الخُلُوِّ لا الجَمْعِ والتَّذْكِيرُ في ﴿ كُلِّمَ ﴾ لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ مِنَ المَوْتى عَلى غَيْرِهِ واقْتِراحِهِمْ وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الأفاعِيلِ العَجِيبَةِ عَلى يَدِهِ  لا بِظُهُورِها بِواسِطَةِ القُرْآنِ لَكِنَّ ذَلِكَ حَيْثُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى عَدَمِ اشْتِمالِهِ في زَعْمِهِمْ عَلى الخَوارِقِ نِيطَ ظُهُورُها بِهِ مُبالَغَةً في شَأْنِ اشْتِمالِهِ عَلَيْها وأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِكُلِّ خارِقٍ وإبانَةً لِرَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في شَأْنِهِ الرَّفِيعِ كَأنَّ قِيلَ: لَوْ أنَّ ظُهُورَ أمْثالِ ما اقْتَرَحُوهُ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ لَكانَ مَظْهَرُها هَذا القُرْآنَ الَّذِي لَمْ يَعُدُّوهُ آيَةً وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ العَزِيزِ ووَصْفُهم بِرَكاكَةِ العَقْلِ لا يَخْفى كَذا حَقَّقَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ وعَلى الثّانِي لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَتْ بِهِ هَذِهِ الأفاعِيلُ العَجِيبَةُ لَما آمَنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى ﴾ الآيَةَ والكَلامُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ الشِّهابُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ حَقِيقَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ كَقَوْلِهِ: .

ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها ∗∗∗ لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطْرِ وجَعَلَهُ عَلى الأوَّلِ تَمْثِيلًا كالآيَةِ المَذْكُورَةِ هُناكَ عَلى ما قالَ لا وجْهَ لَهُ وتَمْثِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِها لِبَيانِ أنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي غايَةَ الخَشْيَةِ وصَنِيعُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ ظاهِرٌ في تَرْجِيحِ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ وفي الكَشْفِ لَوْ تَأمَّلْتَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدْتَ بِناءَ الكَلامِ فِيها عَلى حَقِّيَّةِ الكِتابِ المَجِيدِ واشْتِمالِهِ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ الدّارَيْنِ وإنَّ السَّعِيدَ كُلَّ السَّعِيدِ مَن تَمَسَّكَ بِحَبْلِهِ والشَّقِيَّ كُلَّ الشَّقِيِّ مَن أعْرَضَ عَنْهُ إلى هَواهُ حَيْثُ قالَ تَعالى أوَّلًا: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ ثُمَّ تَعَجَّبَ مِن إنْكارِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ فَأثْبَتَ حَقِّيَّتَهُ بِالحُجَّةِ ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ وهو مَثَلٌ لِلْحَقِّ الَّذِي هو القُرْآنُ ومَنِ انْتَفَعَ بِهِ عَلى ما فَسَّرَهُ المُحَقِّقُونَ ثُمَّ صَرَّحَ تَعالى بِنَتِيجَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالبُرْهانِ النَّيِّرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى ﴾ ثُمَّ أعادَ جَلَّ شَأْنُهُ قَوْلَهُ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ دَلالَةً عَلى إنْكارِهِمْ أوَّلَ ما أتاهم وبَعْدَ رَصانَةِ عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ فَهم مُتَمادُونَ في الإنْكارِ ثُمَّ كَرَّ إلى بَيانِ الحَقِّيَّةِ فِيما نَحْنُ فِيهِ وبالَغَ المُبالَغَةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَها سَواءً جُعِلَ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ أوْ جُعِلَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِنهُ تَعالى تَذْيِيلًا وهو الأبْلَغُ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ في الإفادَةِ المَذْكُورَةِ مُؤَكِّدًا لِمَجْمُوعِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ ﴾ مِن تَعْظِيمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ وشِدَّةُ إنْكارِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عِلاوَةً في أنْ لَمْ يَبْقَ إلّا التَّوَكُّلُ والصَّبْرُ عَلى مُجاهَدَتِكم إذْ لا وراءَ هَذا القُرْآنِ حَتّى أجِيءَ بِهِ لِتُسْلِمُوا ثُمَّ فَخَّمَهُ ونَعى عَلَيْهِمْ مُكابَرَتَهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ وأيَّدَ حَقِّيَّةَ الكِتابِ فِيمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ في خاتِمَةِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ كَفى بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مَعَ ظُهُورِ أمْرِهِ في إفادَةِ الحَقائِقِ العِرْفانِيَّةِ والخَلائِقِ الإيمانِيَّةِ لا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ ما فِيهِ إلّا مِن تَفَرَّدَ بِهِ وبِإنْزالِهِ تَبارَكَ وتَعالى.

اهَـ.

وفي سَبَبِ النُّزُولِ وسَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُؤَيِّدُ الثّانِي والظّاهِرُ عَلى حَقِّهِ وأشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا أنَّ الآيَةَ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ وهي عَلى الثّانِي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ بَيانًا لِتَصْمِيمِهِمْ في كُفْرِهِمْ وإنْكارِهِمُ الآياتِ ومَن أتى بِها لا بِذَلِكَ لِبُعْدِ المَرْمى مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ أيْ لَهُ الأمْرُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الأكْوانِ وُجُودًا وعَدَمًا يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكَمُ البالِغَةُ قِيلَ: إضْرابٌ عَمّا تَقْتَضِيهِ الشَّرْطِيَّةُ مِن مَعْنى النَّفْيِ لا بِحَسَبِ مَنطُوقِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ مُوجِبِهِ ومُؤَدّاهُ أيْ لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ما ذُكِرَ لَكانَ ذَلِكَ هَذا القُرْآنَ ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُبْحانَهُ بَلْ فَعَلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ لِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ وحْدَهُ فالإضْرابُ لَيْسَ بِمُتَوَجِّهٍ إلى كَوْنِ الأمْرِ لِلَّهِ تَعالى بَلْ إلى ما لا يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِن كَوْنِ الشَّأْنِ عَلى ما كانَ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وقِيلَ: إنَّ حاصِلَ الإضْرابِ لا يَكُونُ تَسْيِيرَ الجِبالِ مَعَ ما ذُكِرَ بِقُرْآنٍ بَلْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ مِمّا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ الأمْرَ لَهُ سُبْحانَهُ جَمِيعًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأحْسَنَ العَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ بَلِ الأمْرُ لِلَّهِ جَمِيعًا ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أفَلَمْ يَعْلَمُوا وهي كَما قالَ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ لُغَةُ هَوازِنَ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ حَيٍّ مِنَ النَّخَعِ وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَ سُحَيْمِ بْنِ وُثَيْلٍ الرَّباحِيِّ: .

أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسٍ زَهْدَمِ وقَوْلَ رَباحِ بْنِ عَدِيٍّ: .

ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةَ نائِيا فَإنْكارُ الفَرّاءِ ذَلِكَ وزَعْمُهُ أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ يَئِسْتُ بِمَعْنى عَلِمْتُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ والظّاهِرُ أنَّ اسْتِعْمالَ اليَأْسِ في ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وقِيلَ: مَجازٌ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلْمِ فَإنَّ الآيِسَ عَنِ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ واعْتُرِضَ بِأنَّ اليَأْسَ حِينَئِذٍ يَقْتَضِي حُصُولَ العِلْمِ بِالعَدَمِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في العِلْمِ بِالوُجُودِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ العِلْمَ بِالعَدَمِ تَضَمَّنَ مُطْلَقَ العِلْمِ فاسْتُعْمِلَ فِيهِ ويَشْهَدُ لِإرادَةِ العِلْمِ هُنا قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وعِكْرِمَةَ وابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ والجَحْدَرَيِّ وأبِي يَزِيدَ المَدَنِيِّ وجَماعَةٍ ( أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ ) مِن تَبَيَّنْتُ كَذا إذا عَلِمْتُهُ وهي قِراءَةٌ مُسْنَدَةٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَتْ مُخالَفَةً لِلسَّوادِ إذْ كَتَبُوا يَيْئَسُ بِغَيْرِ صُورَةِ الهَمْزَةِ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّما كَتَبَهُ الكاتِبُ وهو ناعِسٌ فَسَوّى أسْنانَ السِّينِ فَهو قَوْلُ زِنْدِيقٍ ابْنِ مُلْحِدٍ عَلى ما في البَحْرِ وعَلَيْهِ فَرِوايَةُ ذَلِكَ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما غَيْرُ صَحِيحَةٍ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها قِراءَةُ تَفْسِيرٍ ولَيْسَ بِذاكَ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ أغْفَلُوا عَنْ كَوْنِ الأمْرِ جَمِيعِهِ لِلَّهِ تَعالى فَلَمْ يَعْلَمُوا ﴿ أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ ﴾ بِتَخْفِيفِ ( أنْ ) وجَعْلِ اسْمِها ضَمِيرَ الشَّأْنِ والجُمْلَةِ الِامْتِناعِيَّةِ خَبَرَها وأنْ وما بَعْدَها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ العِلْمِ ﴿ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ﴾ أيْ بِإظْهارِ أمْثالِ تِلْكَ الآثارِ العَظِيمَةِ والإنْكارُ عَلى هَذا مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْطُوفِينَ جَمِيعًا أوْ أعَلِمُوا كَوْنَ الأمْرِ جَمِيعًا لِلَّهِ تَعالى فَلَمْ يَعْلَمُوا ما يُوجِبُهُ ذَلِكَ العِلْمُ مِمّا ذُكِرَ وحِينَئِذٍ هو مُتَوَجِّهٌ إلى تَرُتُّبِ المَعْطُوفِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ تَخَلُّفُ العِلْمِ الثّانِي عَنِ العِلْمِ الأوَّلِ وأيًّا ما كانَ فالإنْكارُ إنْكارُ الوُقُوعِ لا الواقِعِ ومَناطُ الإنْكارِ لَيْسَ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ فَقَطْ بَلْ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ مُقَدَّمِها كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ هِدايَتَهم لَهَداهم وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ وذَلِكَ لَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَألُوا الآياتِ ودَّ المُؤْمِنُونَ أنْ يُظْهِرَها اللَّهُ تَعالى لِيَجْتَمِعُوا عَلى الإيمانِ هَذا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما سَلَفَ مِنَ اقْتِراحِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ في العِنادِ عَلى ما شُرِحَ والمَعْنى فَلَيْسَ لَهم ذَلِكَ بَلِ لِلَّهِ تَعالى الأمْرُ إنْ شاءَ أتى بِما اقْتَرَحُوا وإنْ شاءَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَسْبَما تَسْتَدْعِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ حُكْمٌ أوِ اقْتِراحٌ واليَأْسُ بِمَعْنى القُنُوطِ كَما هو الشّائِعُ في مَعْناهُ أيْ ألَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا حالَهم هَذِهِ فَلَمْ يَقْنَطُوا مِن إيمانِهِمْ حَتّى ودُّوا ظُهُورَ مُقْتَرَحاتِهِمْ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْطُوفِينَ أوْ أعَلِمُوا ذَلِكَ فَلَمْ يَقْنَطُوا مِن إيمانِهِمْ فَهو مُتَوَجِّهٌ إلى وُقُوعِ المَعْطُوفِ بَعْدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ إلى تَخَلُّفِ القُنُوطِ عَنِ العِلْمِ المَذْكُورِ والإنْكارُ عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ إنْكارُ الواقِعِ لا الوُقُوعِ فَإنَّ عَدَمَ قُنُوطِهِمْ مِن ذَلِكَ مِمّا لا مَرَدَّ لَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولٌ بِهِ لِعَلِما مَحْذُوفٍ وقَعَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ أفَلَمْ يَيْأسُوا مِن إيمانِ الكُفّارِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا وأنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ وقَدْ يُجْعَلُ العِلْمُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ عالِمِينَ بِذَلِكَ ولَمْ يُعْتَبَرِ التَّضْمِينُ لِبُعْدِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا بِتَقْدِيرِ الباءِ أيْ أفَلَمْ يَقْنَطِ الَّذِينَ آمَنُوا وصَدَّقُوا بِأنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا عَلى مَعْنى أفَلَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُؤْمِنُونَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ وبِعَدَمِ تَحَقُّقِها المُنْفَهِمِ مِن مُكابَرَتِهِمْ حَسْبَما يَحْكِيهِ كَلِمَةُ ( لَوْ ) فالوَصْفُ المَذْكُورُ مِن دَواعِي إنْكارِ يَأْسِهِمْ وبِما أشَرْنا إلَيْهِ يَنْحَلُّ ما قِيلَ: مِن أنَّ تَعَلُّقَ الإيمانِ بِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وتَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ يَقْتَضِي أنَّ لِذَلِكَ دَخْلًا في اليَأْسِ مِنَ الإيمانِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى هِدايَةِ جَمِيعِ النّاسِ يَقْتَضِي رَجاءَ إيمانِهِمْ لا اليَأْسَ مِنهُ وذَلِكَ لِاعْتِبارِ العِلْمِ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ المَضْمُونِ أيْضًا.

وقالَ بَعْضُهم في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ: إنَّ وجْهَ تَخْصِيصِ الإيمانِ بِذَلِكَ أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُصَمِّمِينَ كَأنَّهُ مُحالٌ مُتَعَلِّقٌ بِما لا يَكُونُ لِتَوَقُّفِهِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى هِدايَةَ جَمِيعِ النّاسِ وذَلِكَ ما لا يَكُونُ بِالِاتِّفاقِ وهو في مَعْنى ما أُشِيرَ إلَيْهِ وذَكَرَ أبُو حَيّانَ احْتِمالًا آخَرَ في الآيَةِ وهو أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهو تَقْرِيرٌ أيْ قَدْ يَئِسَ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ و ﴿ أنْ لَوْ يَشاءُ ﴾ ..

إلَخْ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ أُقْسِمُ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ويَدُلُّ عَلى إضْمارِ القَسَمِ وُجُودُ أنْ مَعَ لَوْ كَقَوْلِهِ: .

أما واللَّهِ أنْ لَوْ كُنْتُ حُرًّا ∗∗∗ وما بِالحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ وقَوْلِهِ: .

فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَنا يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ أنْ تَأْتِي بَعْدَ القَسَمِ وجَعَلَها ابْنُ عُصْفُورٍ رابِطَةً لِلْقَسَمِ بِالجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها.

انْتَهى.

وفِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ما لا يَخْفى ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الإضْرابَ مُطْلَقًا عَمّا تَضَمَّنَهُ ( لَوْ ) مِن مَعْنى النَّفْيِ عَلى مَعْنى بَلِ اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِما اقْتَرَحُوا إلّا أنَّ أرادَتَهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لا تَلِينُ لَهُ شَكِيمَتُهم ولا يَخْفى أنَّهُ ظاهِرٌ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ إرادَةَ تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ لا تُنافِي الرَّدَّ عَلى المُقْتَرَحَيْنِ وأُيِّدَ جانِبُ الرَّدِّ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَزْعُمُ فَباعِدْ جَبَلَيْ مَكَّةَ أخْشَبَيْها هَذَيْنِ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أيّامٍ أوْ خَمْسَةٍ فَإنَّها ضَيِّقَةٌ حَتّى نَزْرَعَ فِيها ونَرْعى وابْعَثْ لَنا آباءَنا مِنَ المَوْتى حَتّى يُكَلِّمُونا ويُخْبِرُونا أنَّكَ نَبِيٌّ أوِ احْمِلْنا إلى الشّامِ أوْ إلى اليَمَنِ أوْ إلى الحِيرَةِ حَتّى نَذْهَبَ ونَجِيءَ في لَيْلَةٍ كَما زَعَمْتَ أنَّكَ فَعَلْتَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: سَيِّرْ بِالقُرْآنِ الجِبالَ قَطِّعْ بِالقُرْآنِ الأرْضَ أخْرِجْ بِهِ مَوْتانا فَنَزَلَتْ وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ في إسْنادِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ إلى القُرْآنِ كَما احْتِيجَ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ وعَلى خَبَرِ الشَّعْبِيِّ يُرادُ مِن تَقْطِيعِ الأرْضِ قَطْعُها بِالسَّيْرِ ويَشْهَدُ لِلتَّفْسِيرِ بِما قَدَّمْنا أوَّلًا ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ صاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أبِي قُبَيْسٍ يا آلَ عَبْدَ مَنافٍ إنِّي نَذِيرٌ فَجاءَتْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرَيْشٌ فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهم فَقالُوا تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ يُوحى إلَيْكَ وإنَّ سُلَيْمانَ سُخِّرَ لَهُ الرِّيحُ والجِبالُ وإنَّ مُوسى سُخِّرَ لَهُ البَحْرُ وإنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُسَيِّرَ عَنّا هَذِهِ الجِبالَ ويُفَجِّرَ لَنا الأرْضَ أنْهارًا فَنَتَّخِذَ مَحارِثَ فَنَزْرَعَ ونَأْكُلَ وإلّا فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُحْيِيَ لَنا مَوْتانا فَنُكَلِّمَهم ويُكَلِّمُونا وإلّا فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْتَكَ ذَهَبًا فَنَنْحِتَ مِنها وتُغْنِيَنا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَإنَّكَ تَزْعُمُ أنَّكَ كَهَيْئَتِهِمُ، الخَبَرَ.

وفِيهِ: فَنَزَلَتْ ﴿ وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ ﴾ إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ ونَزَلَتْ ﴿ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةَ هَذا».

وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ جَوابَ ( لَوْ ) مُقَدَّمٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وهو مَبْنِيٌّ كَما قِيلَ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَراهُ ولا يَخْفى أنَّ في اللَّفْظِ نَبْوَةً عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِ تِلْكَ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً مُقْتَرِنَةً بِالواوِ ولِذا أشارَ السَّمِينُ إلى أنَّ مُرادَهُ أنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ دَلِيلُ الجَوابِ والتَّقْدِيرُ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ كَذا وكَذا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وتَقْدِيرِ لَما آمَنُوا في المَعْنى وجُوِّزَ جَعْلُ لَوْ وصْلِيَّةً ولا جَوابَ لَها والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ.

﴿ ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ ﴿ تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما صَنَعُوهُ مِنَ الكُفْرِ والتَّمادِي فِيهِ وإبْهامُهُ إمّا لِقَصْدِ تَهْوِيلِهِ أوِ اسْتِهْجانِهِ وهو تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلْيَةِ الصِّلَةِ لَهُ مَعَ ما في صِيغَةِ الصُّنْعِ مِنَ الإيذانِ بِرُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ ﴿ قارِعَةٌ ﴾ مِنَ القَرْعِ وأصْلُهُ ضَرْبُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ بِقُوَّةٍ ومِنهُ قَوْلُهُ: .

ولَمّا قَرَعْنا النَّبْعَ بِالنَّبْعِ بَعْضَهُ ∗∗∗ بِبَعْضٍ أبَتَ عِيدانُهُ أنْ تُكَسَّرا والمُرادُ بِها الرَّزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها وهي هُنا ما كانَ يُصِيبُهم مِن أنْواعِ البَلايا والمَصائِبِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّلْبِ وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن إرادَةِ التَّفْسِيرِ إثْرَ الإبْهامِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإحْكامِ مَعَ ما فِيهِ مِن بَيانِ أنَّ مَدارَ الإصابَةِ مِن جِهَتِهِمْ أثَرُ ذِي أثِيرٍ ﴿ أوْ تَحُلُّ ﴾ تِلْكَ القارِعَةُ ﴿ قَرِيبًا ﴾ مَكانًا قَرِيبًا ﴿ مِن دارِهِمْ ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرَرُها شَبَّهَ القارِعَةَ بِالعَدُوِّ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِمْ فَأسْنَدَ إلَيْها الإصابَةَ تارَةً والحُلُولَ أُخْرى فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ وتَخْيِيلٌ وتَرْشِيحٌ ﴿ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ ﴾ أيْ مَوْتُهم أوِ القِيامَةُ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما وعْدٌ مَحْتُومٌ لا مَرَدَّ لَهُ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يُصِيبُهم حِينَئِذٍ مِنَ العَذابِ أشَدُّ ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ .

(31) .

أيِ الوَعْدَ كالمِيلادِ والمِيثاقِ بِمَعْنى الوِلادَةِ والتَّوْثِقَةِ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ ما يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الوَعْدُ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ الإتْيانُ لا هو فَقَطْ قالَ القاضِيَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَن يُجَوِّزُ الخُلْفَ عَلى اللَّهِ تَعالى في مِيعادِهِ وهي وإنْ كانَتْ وارِدَةً في حَقِّ الكُفّارِ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وعُمُومُهُ يَتَناوَلُ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الفُسّاقِ وأجابَ الإمامُ بِأنَّ الخُلْفَ غَيْرُ وتَخْصِيصَ العَمُولِ غَيْرُ ونَحْنُ لا نَقُولُ بِالخُلْفِ ولَكِنّا نُخَصِّصُ عُمُوماتِ الوَعِيدِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ في الجَوابِ أنَّ آياتِ الوَعْدِ مُطْلَقَةٌ وآياتِ الوَعِيدِ وإنْ ورَدَتْ مُطْلَقَةً لَكِنَّها مُقَيَّدَةٌ حُذِفَ قَيْدُها لِمَزِيدِ التَّخْوِيفِ ومَنشَأُ الأمْرَيْنِ عِظَمُ الرَّحْمَةِ ونِهايَةُ الكَرْمِ والفَرْقُ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ أظْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ نَعَمْ قَدْ يُطْلَقُ الوَعْدُ عَلى ما هو وعِيدٌ في نَفْسِ الأمْرِ لِنُكْتَةٍ ولْيُتَأمَّلْ فِيما هُنا عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَرَّرَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالقارِعَةِ السَّرايا الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَبْعَثُها كانُوا بَيْنَ غارَةٍ واخْتِطافٍ وتَخْوِيفٍ بِالهُجُومِ عَلَيْهِمْ في دارِهِمْ فالإصابَةُ والحُلُولُ حِينَئِذٍ مِن أحْوالِهِمْ وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَحُلُّ ﴾ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ  مُرادًا بِهِ حُلُولَ الحُدَيْبِيَةِ والمُرادُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى ما وعَدَ بِهِ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وعَزا ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ وعِكْرِمَةَ وذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ كَفَرُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ وفَسَّرَ القارِعَةَ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ  وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ السّائِبِ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكُفّارُ مُطْلَقًا قالا: وذَلِكَ الأمْرُ مُسْتَمِرٌّ فِيهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا يَتَأتّى عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالقارِعَةِ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيُرادُ بِها حِينَئِذٍ ما ذُكِرَ أوَّلًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ جِنْسُ الكَفَرَةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ حُلُولُ ما تَقَدَّمَ بِجَمِيعِهِمْ وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ( أوْ يَحُلَّ ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَرَآ أيْضًا ( مِن دِيارِهِمْ ) عَلى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ وذلك أن عبد الله بن أمية وغيره من كفار مكة قالوا للنبي  : سيّر لنا جبال مكة ذهباً وفضة حتى نعلم أنك صادق في مقالتك، أو قرب أسفارنا كما فعل سليمان بن داود بريحه، أو كلم موتانا كما فعل عيسى بدعائه، فنزل وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ عن أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ غُدُوُّهَا شَهْرٌ، وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى فلم يذكر جوابه، لأن في الكلام دليلاً عليه.

يعني: لو فعلنا ذلك بقرآن قبل قرآن محمد  ، لفعلنا ذلك بقرآن محمد  .

ويقال: لو فعل أحد من الأنبياء ما سألتموني، لفعلت لكم، ولكن الأمر إلى الله تعالى، أن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فذلك قوله تعالى: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ويقال: معناه، ولو أن قرانا سيرت به الجبال عن أماكنها، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لم يؤمنوا به، وهذا كقوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [الأنعام: 111] الآية إلى قوله: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: 111] بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً إن شاء هدى من كان أهلاً لذلك، وإن شاء لم يهد من لم يكن أهلاً لذلك.

قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا قال الحسن وقتادة: أفلم يعلم الذين آمنوا وقال الفراء: لم أجد في العربية مثل هذا، ويقال: معناه أفلم يتبيّن للذين آمنوا.

ويقال: هو من الإياس.

ومعناه: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بأنهم لا يؤمنون أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً يعني: إنهم لم يكونوا أهلاً لذلك، فلم يهدهم.

وروى ابن أبان بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنَ للذين آمنوا فقيل له: إنها أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا فقال: «إني أرى الكاتب كتبها وهو ناعس» .

وروي في خبر آخر: أن نافع بن الأزرق، سأل ابن عباس عن قوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ قال: أفلم يعلم الذين آمنوا.

وقال ابن عباس: أما سمعت مالك بن عوف وهو يقول: قد يئس الأقوام أني أنا ابنه ...

وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا ثم قال: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ يعني: نكبة وشدة.

ويقال: قارِعَةٌ داهية تقرع، ويقال: لكل مهلكة قارعة، ويقال: نازلة تنزل لأمر شديد.

فالمراد هنا: سرية من سرايا رسول الله  تأتيهم، وتصيبهم من ذلك شدة أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ يعني: تنزل أنت يا محمد بجماعة أصحابك قريباً من دارهم، يعني: من مكة، وذلك أن النبيّ  سار بجنوده حتى أتى عسفان، ثم بعث مائتي راكب حتى انتهوا قريباً من مكة، ثم قال: حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ يعني: فتح مكة.

قالوا: هذه الآية مدنية.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ أي: بفتح مكة على النبيّ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مبتدأ، وخبره طُوبى لَهُمْ.

واختلف في معنى طُوبى، فقال ابن عباس: طُوبى: اسمُ الجنَّةِ بالحَبَشِيَّةِ «١» ، وقيل: طُوبى: اسم الجنَّة بالهِنْدِيَّة، وقيل: طُوبى: اسم شجرة في الجنَّة، وبهذا تواترتِ الأحاديث قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «طُوبَى اسم شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها ...

» «٢» الحديث.

قال ص: طُوبى: «فُعْلَى» من الطِّيب، والجمهور أنها مفرد مصدر ك «سُقْيَا وبُشْرَى» .

قال الضَّحَّاك: ومعناها: غِبْطَةً لهم «٣» ، قال القُرطُبيُّ «٤» : والصحيحُ أنها شجرةٌ للحديث المرفوع.

انتهى.

ت: وروى الشيخُ الحافظ أبو بكْرٍ أحمدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثابتِ بنِ الخَطِيبِ البَغْدَادِيُّ في «تاريخه» ، عن شيخه أبي نُعَيْمٍ الأَصبهانيِّ بسنده عن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِك!

قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، ثُمَّ طُوبَى، ثُم طُوبَى، ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي» ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا طُوبَى؟

قَالَ: «شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةَ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» «٥» .

انتهى من ترجمة «أحمد بن الحَسَن» .

وقوله تعالى: «كذلك أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ» : أي: كما أجرينا عادَتَنا، كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ ...

الآية.

وقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ: قال قتادة: نزلَتْ في قريش: لما كُتِبَ في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في قصَّة الحُدَيْبِيَة، فقال قائلهم: نَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرحمن «١» .

قال ع «٢» : وذلك منهم إِباءةُ اسم فقطْ، وهروبٌ عن هذه العبارة التي لم يَعْرِفُوها إِلا مِنْ قِبَل النبيِّ عليه السلام، وال مَتابِ: المرجعُ ك «المآب» لأن التوبة هي الرجُوعُ.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ...

الآية:

قال ابن عباس وغيره: إِن الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أزِحْ عَنَّا وَسَيِّرِ جَبَلِيْ مَكَّةَ، فَقَدْ ضَيَّقَا عَلَيْنَا، واجعل لَنَا أَرْضَنَا قِطَعَ غِرَاسَةٍ وَحَرْثٍ، وأوحي لَنَا آبَاءَنَا وَأَجْدَادَنَا، / وَفُلاَناً وفُلاَناً، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك معلمةً أنهم لا يُؤْمِنُونَ، ولو كان ذلك كله «٣» .

وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: «يَيْئَس» : معناه: يعلم، وهي لغة هَوَازِنَ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّن» ، ثم أخبر سبحانه عن كُفَّار قريشٍ والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وغزواته، ثم قال: «أَوْ تُحَلُّ أَنْتَ يَا محمَّد قريباً من دارهم» .

[هذا تأويلُ ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» .

وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: المعنى: أو تَحُلُّ القارعةُ قريباً من دارهم] «٥» ، ووَعْدُ اللَّهِ على قول ابن عباس وغيره: هو فَتْحُ مَكَّة، وقال الحسن: الآيةُ عامَّة في الكفّار إلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : لَوْ وسَّعْتَ لَنا أوْدِيَةَ مَكَّةَ بِالقُرْآنِ، وسَيَّرْتَ جِبالَها فاحْتَرَثْناها، وأحْيَيْتَ مَن ماتَ مِنّا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  : ادْعُ اللَّهَ أنْ يُسَيِّرَ عَنّا هَذِهِ الجِبالَ ويُفَجِّرَ لَنا الأرْضَ أنْهارًا فَنَزْرَعَ، أوْ يُحْيِيَ لَنا مَوْتانا فَنُكَلِّمَهم، أوْ يُصَيِّرَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ ذَهَبًا فَتُغْنِيَنا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَقَدْ كانَ لِلْأنْبِياءِ آياتٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ  ﴾ .

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ ﴾ أيْ: شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا، ﴿ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى ﴾ أيْ: أُحْيُوا حَتّى كُلِّمُوا.

واخْتَلَفُوا في جَوابِ " لَوْ " عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ.

وفي تَقْدِيرِ الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ قَتادَةُ: لَوْ فُعِلَ هَذا بِقُرْآنٍ غَيْرِ قُرْآنِكم لَفُعِلَ بِقُرْآنِكم.

والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لَوْ كانَ هَذا كُلُّهُ لَما آمَنُوا.

وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ.

.

.

﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ [الأنْعامِ:١١١]، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ جَوابَ " لَوْ " مُقَدَّمٌ، والمَعْنى: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، ولَوْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ ما سالُوا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا، وإذا لَمْ يَشَأْ، لَمْ يَنْفَعْ ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ.

ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أفَلَمَّ يَتَبَيَّنْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، ويَقُولُ: أظُنُّ الكاتِبَ كَتَبَها وهو ناعِسٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي مالِكٍ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أفَلَمْ يَعْلَمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: هي لُغَةٌ لِلنَّخَعِ " يَيْأسُ " بِمَعْنى " يَعْلَمُ " قالَ الشّاعِرُ: أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسَ زَهْدَمِ وَإنَّما وقَعَ اليَأْسُ في مَكانِ العِلْمِ، لِأنَّ في عِلْمِكَ الشَّيْءَ وتَيَقُّنِكَ بِهِ يَأْسَكَ مِن غَيْرِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَهْدُوا واحِدًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والرّابِعُ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يُؤْمِنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الكِسائِيُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عِنْدِي: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: كُفّارُ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا القارِعَةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هي في اللُّغَةِ: النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ تَنْـزِلُ بِأمْرٍ عَظِيمٍ.

وَفِي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: السَّرايا والطَّلائِعُ الَّتِي كانَ يُنْفِذُها رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فالمَعْنى: أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها القارِعَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: القِيامَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهُ إنَّ اللهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ الكافُ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ  ﴾ ، أيْ: كَما أنْفَذَ اللهُ هَذا كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ، هَذا قَوْلٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المَعْنى: كَما أجْرَيْنا العادَةَ بِأنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي، لا الآياتُ المُقْتَرَحَةُ، فَكَذَلِكَ أيْضًا فِعْلُنا في هَذِهِ الأُمَّةِ، أرْسَلْناكَ إلَيْها بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ حِينَ عاهَدَهم رَسُولُ اللهِ  عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ الكِتابَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، فَقالَ قائِلُهُمْ: نَحْنُ لا نَعْرِفُ الرَحْمَنَ ولا نَقْرَأُ اسْمَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ "الرَحْمَنَ" هُنا يُرادُ بِهِ اللهُ تَعالى وذاتُهُ، ونَسَبَ إلَيْهِمُ الكُفْرَ بِهِ عَلى الإطْلاقِ، وقِصَّةُالحُدَيْبِيَةَ وقِصَّةُ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ مَعَ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، إنَّما هي عن إبايَةِ الِاسْمِ فَقَطْ، وهُرُوبٌ عن هَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفُوها إلّا مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ  ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِالتَصْرِيحِ بِالدِينِ والإفْصاحِ بِالدَعْوَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ ، و"المَتابُ": المَرْجِعُ كالمَآبِ، لِأنَّ التَوْبَةَ: الرُجُوعُ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ الآيَةُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ الإخْبارَ عنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَلَ قُرْآنٌ سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ، هَذا تَأْوِيلُ الفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أنَّ قُرْآنًا يَكُونُ صِفَتُهُ كَذا لَما آمَنُوا بِوَجْهٍ، وقالَ أهْلُ هَذا التَأْوِيلِ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: «إنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : أزِحْ عَنّا، أو سَيِّرْ جَبَلَيْ مَكَّةَ فَقَدْ ضَيَّقا عَلَيْنا، واجْعَلْ لَنا أرْضًا قِطَعَ غِراسَةٍ وحَرْثٍ، وأحْيِ لَنا آباءَنا وأجْدادَنا وفُلانًا وفُلانًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» في ذَلِكَ مُعْلِمَةً أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ ولَكِنَّهُ لَيْسَ في هَذا المَعْنى، بَلْ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ الَّذِي يُصْنَعُ بِهِ هَذا، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- تَعْظِيمَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يُحَرِّرُ فَصاحَةَ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ يُعَضِّدُ التَأْوِيلَ الأخِيرَ ويَتَرَتَّبُ مَعَ الآخَرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِمَعْنى: يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ هَوازِنَ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ "هَبِيلٍ" حَيٌّ مِنَ النَخَعِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرِياحِيِّ: أقُولُ لَهم بِالشِعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اليَأْسُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَ إيمانَهم في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةُ، عَلى التَأْوِيلَيْنِ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ قالَ في هَذِهِ: أفَلَمْ يَيْأسِ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، عِلْمًا مِنهم أنْ لَوْ شاءَ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا؟

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "يَأْيَسْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ".

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ أنَّهم لا يَزالُونَ تُصِيبُهم قَوارِعُ مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ  وغَزَواتِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: "وَلا يَزالُ الَّذِينَ ظَلَمُوا"، ثُمَّ قالَ: ﴿ أو تَحُلُّ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، هَذا تَأْوِيلُ فِرْقَةٍ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ، وعَزاهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: أو تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: "أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دِيارِهِمْ" بِالجَمْعِ.

وَوَعْدُ اللهِ -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَوْمٍ- فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآيَةُ عامَّةٌ في الكُفّارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ حالَ الكَفَرَةِ هَكَذا هي أبَدًا، ووَعْدُ اللهِ قِيامُ الساعَةِ، و"القارِعَةُ": الرَزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها بِفَظاعَتِها كالقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ المالِ وكَشْفِ الحَرِيمِ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ .

هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ  ، أيْ: لا يَضِيقُ صَدْرُكُ يا مُحَمَّدُ بِما تَرى مِن قَوْمِكَ وتَلْقى مِنهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ولا نَكِيرٍ، قَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، و"أمْلَيْتُ لَهُمْ": أيْ: مَدَدْتُ المُدَّةَ وأطَلْتُ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدْراجِ، وهو مِنَ المُلاوَةِ مِنَ الزَمَنِ، ومِنهُ: تَمَلَّيْتُ حَسَنَ العَيْشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَعْجِيبٌ، في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الارض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى بَل للَّهِ الامر جَمِيعًا أَفَلَمْ يَاْيْھَسِ الذين ءامنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا ﴾ .

يجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ كذلك أرسلناك في أمة ﴾ لأن المقصود من الجملة المعطوف عليها أن رسالته لم تكن إلا مثل رسالة غيره من الرسل عليهم السّلام كما أشار إليه صفة ﴿ أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ ، فتكون جملة ﴿ ولو أن قرآناً ﴾ تتمة للجواب عن قولهم: ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ .

ويجوز أن تكون معترضة بين جملة ﴿ قل هو ربي ﴾ وبين جملة ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس ﴾ [سورة الرعد: 33] كما سيأتي هنالك.

ويجوز أن تكون محكية بالقول عطفاً على جملة هو ربي لا إله إلا هو } .

والمعنى: لو أن كتاباً من الكتب السالفة اشتمل على أكثر من الهداية فكانت مصادر لإيجاد العجائب لكان هذا القرآن كذلك ولكن لم يكن قرآنٌ كذلك، فهذا القرآن لا يتطلب منه الاشتمال على ذلك إذ ليس ذلك من سُنن الكتب الإلهية.

وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف لدلالة المقام عليه.

وحذفُ جواب ﴿ لو ﴾ كثير في القرآن كقوله: ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ [سورة الأنعام: 27] وقوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ﴾ [سورة السجدة: 12].

ويفيد ذلك معنى تعريضياً بالنداء عليهم بنهاية ضلالتهم، إذ لم يهتدوا بهدي القرآن ودلائله والحال لو أن قرآناً أمَر الجبال أن تسير والأرض أن تتقطع والموتى أن تتكلم لكان هذا القرآن بالغاً ذلك ولكن ذلك ليس من شأن الكتب، فيكون على حدّ قول أبَيّ بن سُلْمَى من الحماسة: ولو طَارَ ذو حافر قَبلها *** لطارتْ ولكنه لم يَطِر ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق المفروضة ما رواه الواحدي والطبري عن ابن عباس: أن كفار قريش، أبا جهل وابن أبي أميّة وغيرهما جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى النبي فقالوا: لو وسّعْت لنا جبال مكّة فسيرتها حتى تتسع أرضنا فنحتَرثهما فإنها ضيقة، أو قرّب إلينا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج قصَياً نكلمه.

وقد يؤيد هذه الرواية أنه تَكرر فرض تكليم الموتى بقوله في سورة الأنعام ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى ﴾ [سورة الأنعام: 111]، فكان في ذكر هذه الأشياء إشارةٌ إلى تهكمهم.

وعلى هذا يكون قطعت به الأرض } قطعت مسافات الأسفار كقوله تعالى: ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ [سورة الأنعام: 94].

وجملة بل لله الأمر جميعاً } عطف على ﴿ ولو أن قرآناً ﴾ بحرف الإضراب، أي ليس ذلك من شأن الكتب بل لله أمر كل محدَث فهو الذي أنزل الكتاب وهو الذي يخلق العجائب إن شاء، وليس ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند سؤالكم، فأمر الله نبيئه بأن يقول هذا الكلام إجراء لكلامهم على خلاف مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم، لأنهم ما أرادوا بما قالوه إلا التهكم، فحمل كلامهم على خلاف مرادهم تنبيهاً على أن الأولى بهم أن ينظروا هل كان في الكتب السابقة قُرآن يتأتى به مثل ما سألوه.

ومثل ذلك قول الحجاج للقبعثري: لأحملنّك على الأدهم (يريد القيد).

فأجابه القبعثري بأن قال: مثلُ الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، فصرفه إلى لون فرس.

والأمر هنا: التصرف التكويني، أي ليس القرآن ولا غيره بمكوّن شيئاً مما سألتم بل الله الذي يكوّن الأشياء.

وقد أفادت الجملتان المعطوفة والمعطوف عليها معنى القصر لأن العطف ب ﴿ بل ﴾ من طرق القصر، فاللام في قوله: ﴿ الأمر ﴾ للاستغراق، و ﴿ جميعاً ﴾ تأكيد له.

وتقديم المجرور على المبتدأ لمجرد الاهتمام لأن القصر أفيد ب ﴿ بل ﴾ العاطفة.

وفرع على الجملتين ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ﴾ استفهاماً إنكارياً إنكاراً لانتفاء يَأسي الذين آمنوا، أي فهم حقيقون بزوال يأسهم وأن يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

وفي هذا الكلام زيادة تقرير لمضمون جملة ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ [سورة الرعد: 27].

وييأس } بمعنى يوقن ويعلم، ولا يستعمل هذا الفعل إلا مع ﴿ أن ﴾ المصدرية، وأصله مشتق من اليَأس الّذي هو تيقّن عدم حصول المطلوب بعد البحث، فاستعمل في مطلق اليقين على طريقة المجاز المرسل بعلاقة اللزوم لتضمن معنى اليأس معنى العلم وشاع ذلك حتى صار حقيقة، ومنه قول سُحَيم بن وَثيل الرياحي: أقول لهم بالشّعْب إذ يَيْسَرُونَنِي *** ألم تأيسوا أني ابنُ فارس زهدم وشواهد أخرى.

وقد قيل: إن استعمال يَئِس بمعنى عَلِم لغة هَوازن أو لغة بنِي وَهْبيل (فخذ من النخَع سمي باسم جَد).

وليس هنالك ما يلجئ إلى هذا.

هذا إذا جعل ﴿ أن لو يشاء الله ﴾ مفعولاً ل ﴿ ييأس ﴾ .

ويجوز أن يكون متعلق ﴿ ييأسْ ﴾ محذوفاً دل عليه المقام.

تقديره: مِن إيمان هَؤلاء، ويكونَ ﴿ أن لو يشاء الله ﴾ مجروراً بلام تعليل محذوفة.

والتقدير: لأنه لو يشاء الله لهدى الناس، فيكون تعليلاً لإنكار عَدَم يأسهم على تقدير حصوله.

﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حتى يَأْتِىَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ﴾ .

معطوفة على جملة ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ على بعض الوجوه في تلك الجملة.

وهي تهديد بالوعيد على تعنتهم وإصرارهم على عدم الاعتراف بمعجزة القرآن، وتهكمهم باستعجال العذاب الذي توعدوا به، فهددوا بما سيحلّ بهم من الخوف بحلول الكتائب والسرايا بهم تنال الذين حلّت فيهم وتخيف من حولهم حتى يأتي وعد الله بيوم بدر أو فتح مكّة.

واستعمال ﴿ لا يزال ﴾ في أصلها تدل على الإخبار باستمرار شيء واقع، فإذا كانت هذه الآية مكية تعين أن تكون نزلت عند وقوع بعض الحوادث المؤلمة بقريش من جوع أو مرض، فتكون هذه الآية تنبيهاً لهم بأن ذلك عقاب من الله تعالى ووعيد بأن ذلك دائم فيهم حتى يأتي وعد لله.

ولعلها نزلت في مدة إصابتهم بالسنين السبع المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ﴾ [سورة البقرة: 155].

ومن جعلوا هذه السورة مدنية فتأويل الآية عندهم أن القارعة السرية من سرايا المسلمين التي تخرج لتهديد قريش ومن حولهم.

وهو لا ملجئ إليه.

والقارعة: في الأصل وصف من القرع، وهو ضرب جسم بجسم آخر.

يقال: قرع الباب إذا ضربه بيده بحلقة.

ولما كان القرع يحدث صوتاً مباغتاً يكون مزعجاً لأجل تلك البغتة صار القرع مجازاً للمباغتة والمفاجأة، ومثله الطّرْق.

وصاغوا من هذا الوصف صيغة تأنيث إشارة إلى موصوف مُلتزم الحذف اختصاراً لكثرة الاستعمال، وهو ما يؤوّل بالحادثة أو الكائنة أو النازلة، كما قالوا: داهية وكارثة، أي نازلة موصوفة بالإزعاج فإن بغت المصائب أشد وقعاً على النفس.

ومنه تسمية ساعة البعث بالقارعة.

والمراد هنا الحادثة المفجعة بقرينة إسناد الإصابة إليها.

وهي مِثل الغارة والكارثة تحلّ فيهم فيصيبهم عذابها، أو تقع بالقرب منهم فيصيبهم الخوف من تجاوزها إليهم، فليس المراد بالقارعة الغزو والقتال لأنه لم يتعارف إطلاق اسم القارعة على موقعة القتال، ولذلك لم يكن في الآية ما يدل على أنها مما نزل بالمدينة.

ومعنى بما صنعوا} بسبب فعلهم وهو كفرهم وسوء معاملتهم نبيئَهم.

وأتي في ذلك بالموصول لأنه أشمل لأعمالهم.

وضمير ﴿ تحل ﴾ عائد إلى ﴿ قارعة ﴾ فيكون ترديداً لحالهم بين إصابة القوارع إياهم وبين حلول القوارع قريباً من أرضهم فهم في رعب منها وفزع ويجوز أن يكون ﴿ تحل ﴾ خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم أي أو تحل أنتَ مع الجيش قريباً من دارهم.

والحلول: النزول.

وتحُلّ: بضم الحاء مضارع حَلّ اللازم.

وقد التزم فيه الضم.

وهذا الفعل مما استدركه بحرق اليمني على ابن مالك في شرح لامية الأفعال، وهو وجيه.

و ﴿ وعد الله ﴾ من إطلاق المصدر على المفعول، أي موعود الله، وهو ما توعدهم به من العذاب، كما في قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ [سورة آل عمران: 12]، فأشارت الآية إلى استئصالهم لأنها ذكرت الغلب ودخول جهنم، فكان المعنى أنه غلبُ القتل بسيوف المسلمين وهو البطشة الكبرى.

ومن ذلك يوم بدر ويوم حنين ويوم الفتح.

وإتيان الوعد: مجاز في وقوعه وحلوله.

وجملة إن الله لا يخلف الميعاد } تذييل لجملة ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ إيذاناً بأن إتيان الوعد المغيا به محقق وأن الغاية به غاية بأمر قريب الوقوع.

والتأكيد مراعاة لإنكار المشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ ﴾ الآيَةِ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ ما حَكاهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنْ يَسُرُّكَ أنْ نَتَّبِعَكَ فَسَيِّرْ جِبالَنا حَتّى تَتَّسِعَ لَنا أرْضُنا فَإنَّها ضَيِّقَةٌ، وقَرِّبْ لَنا الشّامَ فَإنَّنا نَتَّجِرُ إلَيْها، وأخْرِجْ لَنا المَوْتى مِنَ القُبُورِ نُكَلِّمُها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ أيْ أُخِّرَتْ.

﴿ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ ﴾ أيْ قُرِّبَتْ.

﴿ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى ﴾ أيْ أُحْيُوا.

وَجَوابُ هَذا مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ لَكانَ هَذا القُرْآنَ، لَكِنَّهُ حُذِفَ إيجازًا لِما في ظاهِرِ الكَلامِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى المُضْمَرِ المَحْذُوفِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ أيْ هو المالِكُ لِجَمِيعِ الأُمُورِ الفاعِلُ لِما يَشاءُ مِنها.

﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ﴾ وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  ما سَألُوهُ اسْتَرابَ المُؤْمِنُونَ إلَيْهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا، قالَهُ عَطِيَّةُ، وهي في القِراءَةِ الأُولى: أفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا.

وَقِيلَ لُغَةُ جُرْهُمَ ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ ﴾ أيْ يَتَبَيَّنْ.

الثّانِي: أفَلَمْ يَعْلَمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ رَباحِ بْنِ عَدِيٍّ ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا الثّالِثُ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا بِانْقِطاعِ طَمَعِهِمْ.

وَفِيما يَئِسُوا مِنهُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَيْأسُوا مِمّا سَألَهُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: يَئِسُوا أنْ يُؤْمِنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الكِسائِيُّ.

﴿ أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَهَداهم إلى الإيمانِ.

الثّانِي: لَهَداهم إلى الجَنَّةِ.

﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما يَقْرَعُهم مِنَ العَذابِ والبَلاءِ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جَرِيرٍ.

الثّانِي: أنَّها الطَّلائِعُ والسَّرايا الَّتِي كانَ يُنْفِذُها رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أوْ تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ﴿ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: القِيامَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كان كما تقول، فأرِنا أشياخنا الذين من الموتى نكلمهم، وافسح لنا هذه الجبال- جبال مكة- التي قد ضمتنا.

فنزلت ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن عطية العوفي رضي الله عنه قال: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم «لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعتْ لنا الأرض كما كان سليمان عليه السلام يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى عليه السلام يحيي الموتى لقومه.

فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال...

﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يتبين الذين آمنوا؟» قالوا: هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال المشركون من قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وسعت لنا أودية مكة وسيرت جبالها فاحترثناها، وأحييت من مات منا واقطع به الأرض، أو كلم به الموتى...

فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً ﴾ .

وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم في الدلائل، وابن مردويه عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [ الشعراء: 214] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس: «يا آل عبد مناف، إني نذير فجاءته قريش، فحذرهم وأنذرهم.

فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان عليه السلام سخرت له الريح والجبال، وإن موسى عليه السلام سخر له البحر، وإن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهاراً فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل وإلا، فادع الله أن يحيي لنا الموتى فنكلمهم ويكلمونا وإلا، فادع الله أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم.

فبينا نحن حوله، إذ نزل عليه الوحي، فلما سرى عنه الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني الله ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة ويؤمن مؤمنكم، وأخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين» فنزلت ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ان كذب بها الأولون ﴾ [ الإِسراء: 59] حتى قرأ ثلاث آيات.

ونزلت ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال...

﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أن هذه الآية ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ﴾ مكية.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ الآية.

قال: قول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: سيّر جبالنا تتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قالوا سير بالقرآن الجبال، قطع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: قال كفار مكة لمحمد صلى الله عليه وسلم: «سيّر لنا الجبال كما سخرت لداود، وقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان عليه السلام فاغدُ بها شهراً، ورح بها شهراً، أو كلم لنا الموتى كما كان عيسى عليه السلام يكلمهم.

يقول: لم أنزل بهذا كتاباً، ولكن كان شيئاً أُعطيته أنبيائي ورسلي» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً كما تزعم، فباعد عن مكة اخشبيها هذين مسيرة أربعة أيام، أو خمسة أيام، فإنها ضيقة حتى نزرع فيها أو نزعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا إنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى الحيرة، حتى نذهب ونجيء في ليلة كما زعمت إنك فعلته.

فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ الآية.

وأخرج إسحاق وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء، ولم يكن ليفعل.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه كان يقرأ ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قرأ ﴿ أفلم يتبين الذين آمنوا ﴾ فقيل له: إنها في المصحف ﴿ أفلم ييأس ﴾ فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس.

وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ أفلم يتبين الذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ أفلم ييأس ﴾ يقول: يعلم.

وأخرج الطستي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم، بلغة بني مالك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت مالك بن عوف يقول: لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه ** وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا وأخرج ابن الأنباري، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: في قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم، بلغة هوازن، وأنشد قول مالك بن عوف النضري: أقول لهم بالشعب إذ ييئسونني ** ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم الذين آمنوا؟.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعرف الذين آمنوا.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

ومن الناس من يقرؤها ﴿ أفلم يتبين ﴾ وإنما هو كالاستنقاء، أفلم يعقلوا ليعلموا أن الله يفعل ذلك؟

لم ييأسوا من ذلك وهم يعلمون أن الله تعالى لو شاء فعل ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو شاء الله ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: السرايا.

وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه- عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: سرية ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: أنت يا محمد ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال فتح مكة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أو تحل ﴾ يا محمد ﴿ قريباً من دارهم ﴾ .

وأخرج ابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ القارعة ﴾ السرايا ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: الحديبية ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال: فتح مكة.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا...

﴾ الآية.

قال: نزلت بالمدينة في سرايا النبي صلى الله عليه وسلم.

﴿ أو تحل ﴾ أنت يا محمد ﴿ قريباً من دارهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: نكبة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: عذاب من السماء ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ يعني، نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله إياهم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: أو تحل القارعة قريباً من دارهم ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال: يوم القيامة.

أما قوله تعالى: ﴿ ولقد استهزئ برسل من قبلك ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: «كان رجل خلف النبي صلى الله عليه وسلم يحاكيه ويلمطه، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذلك فكن.

فرجع إلى أهله فلبث به مغشياً شهراً، ثم أفاق حين أفاق وهو كما حاكى رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: يعني بذلك نفسه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: الله تعالى، قائم بالقسط والعدل.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: ذلكم ربكم تبارك وتعالى قائم على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: الله عز وجل، القائم على كل نفس ﴿ بما كسبت ﴾ على رزقها وعلى علمها.

وفي لفظ: قائم على كل بر وفاجر، يرزقهم ويكلؤهم ثم يشرك به منهم من أشرك ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ يقول: آلهة معه ﴿ قل سموهم ﴾ ولو سموا آلهة لكذبوا وقالوا في ذلك غير الحق؛ لأن الله تعالى واحد لا شريك له ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ يقول: لا يعلم الله تعالى في الأرض إلهاً غيره ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ يقول: أم بباطل من القول وكذب.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ يعني بذلك نفسه، يقول ﴿ قائم على كل نفس ﴾ على كل بر وفاجر ﴿ بما كسبت ﴾ وعلى رزقهم، وعلى طعامهم، فأنا على ذلك وهم عبيدي، ثم جعلوا لي شركاء ﴿ قل سموهم ﴾ ولو سموهم كذبوا في ذلك لا يعلم الله تعالى من إله غير الله، فذلك قوله: ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه أنه قام في الناس يوماً، فقال: اتقوا الله في السرائر وما ترخى عليه الستور...

ما بال أحدكم ينزع عن الخطيئة للنبطي يمر به، والأمة من إمائه، والله تعالى يقول ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ويحكم فأجلوا مقام الله سبحانه وتعالى: ما يؤمن أحدكم أن يمسخه قرداً أو خنزيراً بمعصيته إياه، فإذا هو خزي في الدنيا وعقوبة في الآخرة.

فقال رجل من القوم: والله الذي لا إله إلا هو، ليكونن ذاك يا ربيعة، فنظر القوم من الحالف فإذا هو عبد الرحمن بن غنم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ قال: بظن ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ قال: قولهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ قال: الظاهر من القول، هو الباطل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ الآية، قال المفسرون (١)  : إن كنت كما تقول فباعد عنا أخشبي هذه.

يعنون جبلها فإنها ضيقة، حتى نتخذ فيها قطائع وبساتين، واجعل لنا (٢) ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ أي جعلت تسير، ﴿ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ﴾ هو أي شققت، فجعلت أنهارًا وعيونًا، وقيل: معناه: هو أنهم قالوا له: اجعلنا يخرج أحدنا إلى الشام أو إلى اليمن أو الحيرة ويرجع في ليلة، كما خبرت أنك فعلته، فعلى هذا معنى (قطعت) من قطع المسافة ﴿ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾ أي: أُحْيُوا حتى كلموا، وجواب (لو) محذوف: لِسُيِّر مَوْضِعُه، وتلخيصه: ولو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن، فلما عرف تأويله حذف اختصارًا، هذا قول الفراء (٣) (٤) وقال الفراء: وإن شئت جعلت جوابها متقدمًا على تقدير: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أنزلنا عليهم ما سألوا (٥) (٦) وقال الزجاج (٧) ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ ﴾ إلى قوله ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ  ﴾ ، فجعل الجواب المضمر هاهنا ما أظهر في] (٨) ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا ﴾ وهو قوله: ﴿ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ ، وهذا الذي ذكره هو قول ابن عباس (٩) ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ يريد: لو قضيت أن لا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حيوا وتكلموا، ما آمنوا، لما سبق عليهم في علمي.

وذكر الكسائي (١٠) ﴿ لَوْ ﴾ هاهنا وجوهًا فاسدة يطول ذكرها وبيان فسادها فتركناها.

وقوله تعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾ معنى بل: نفي الأول وإثبات الثاني، كأنه يقول: دع ذلك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جمعيًا، لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذ لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال، وما اقترحوا من الآيات، وسياق الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ ، قال ابن عباس (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقال أبو عبيدة (١٧) (١٨) (١٩) أقُولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يأسِرُونَنِي ...

ألم تَيْأسُوا أني ابنُ فارِسِ زَهْدَمِ بمعنى: ألم يعلموا، وأنشد الليث (٢٠) وقال قطرب (٢١) (٢٢) (٢٣)  بهذه الآيات اشرأب المسلمون بذلك، وأرادوا أن يظهر لهم آية ليجتمعوا على الإيمان، فقال الله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ كأنه قال ألم يعلموا علمًا ييأسوا معه من أن يكون غير ما علموه، وهو أن الله لو شاء لهداهم من غير ظهور هذه الآيات، فأضمر العلم هاهنا مع اليأس، كما أضمر في قولهم: يئست من غلامي أن يفلح، وتأويله: يئست من غلامي علمًا مني أنه لا يفلح، وتلخيصه: قد علمت أن غلامي لا يفلح علمًا أيأسني من غيره، وهذا قول الفراء (٢٤) وقال أبو إسحاق (٢٥) قال أبو بكر ابن الأنباري: وهذا القول مأخوذ من قول الكسائي والفراء وأبي إسحاق، هو معنى وليس بتفسير، كما قال الفراء هو في المعنى على تفسيرهم، أي أن المعنى يؤول إلى ما ذكروا؛ لأن العلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه.

ويدل على أن المراد هاهنا العلم، ما روي أن ابن عباس كان يقرأ (٢٦) ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، يريد أنه كان في الخط بتاءين، فزاد الكاتب سينة واحدة فصار (ييئس) فقرئ ييس.

وقوله تعالى: ﴿ أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ ﴾ قال أبو علي (٢٧) ﴿ أَنْ ﴾ هاهنا مخففة من الثقيلة وفيه ضمير القصة، والحديث على تقدير: أنه لو يشاء، كقوله ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ  ﴾ و ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ  ﴾ .

على ذلك حسن وقوع الفعل بعدها، لفصل الحرف بينهما وهو لو ولا والسين.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ﴾ قال ابن عباس (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال أبو إسحاق (٣١) وروي عن ابن عباس (٣٢)  إليهم، وهو اختيار الفراء (٣٣)  في قول ابن عباس (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد القيامة، وهو قول الحسن، وقال قتادة (٣٨) (١) روى الطبري 13/ 151 - 152 نحو هذا عن قتادة والضحاك وابن زيد وفي "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 309 عن الحسن.

(٢) (لنا) مكررة في (أ).

(٣) "معاني القرآن" 2/ 63.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.

(٥) روى الطبري 13/ 151 نحو هذا القول عن ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير.

(٦) "زاد المسير" 4/ 331.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٩) الطبري 13/ 151 نحوه.

وانظر: "الدر المنثور" 4/ 117.

(١٠) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 172 قال: قال الكسائي: المعنى وددنا لو أن قرآنا سيرت به الجبال فهذا بغير حذف.

اهـ.

(١١) الطبري 13/ 154، و"زاد المسير" 4/ 331، والقرطبي 9/ 320، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 118.

(١٢) "تنوير المقباس" ص 158، الطبري 13/ 153، "زاد المسير" 4/ 331، الثعلبي 7/ 138 أ.

(١٣) الطبري 13/ 155، القرطبي 9/ 320.

(١٤) "زاد المسير" 4/ 331، القرطبي 9/ 320.

(١٥) الطبري 13/ 155، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 118، و"زاد المسير" 4/ 331.

(١٦) الطبري 13/ 155، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 118، و"زاد المسير" 4/ 331.

(١٧) "مجاز القرآن" 1/ 332.

(١٨) "تهذيب اللغة" (يئس) 4/ 3991.

(١٩) في "مجاز القرآن" 1/ 332 نسبه لسحيم بن وثيل اليربوعي.

وانظر: "اللسان" 8/ 4946 وكان وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام، وفي "اللسان" 8/ 4946 له أو لولده جابر بن سحيم.

وفي "البحر المحيط" 5/ 392 لسحيم، وغير منسوب في "المعاني الكبير" 2/ 1148 لابن قتيبة، وفي "الميسر والقداح" (33)، الطبري 13/ 153، القرطبي 9/ 320 ونسبه لمالك بن عوف النصرى، و"مشكل القرآن" (192) وزهدم: فرس سحيم، و"الكشاف" 2/ 360، و"تهذيب اللغة" (يأس) 4/ 3991، و"الحجة" 4/ 437، و"مقاييس اللغة" 6/ 154، "ديوان الأدب" 3/ 258، و"المخصص" 13/ 20.

(٢٠) اختلف في نسبة البيت، فنسبه القرطبي 9/ 320، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 392 إلى رياح بن عدي.

وانظر: "المحتسب" 1/ 357، و"الدر المصون" 7/ 53، والطبري 13/ 153، و"الحجة" 4/ 438، و"أساس البلاغة" (يئس) بلا نسبة.

(٢١) انظر: الطبري 13/ 153، و"تهذيب اللغة" (يئس) 4/ 3991.

(٢٢) "معاني القرآن" للنحاس 3/ 498، و"البحر المحيط" 5/ 392.

(٢٣) كذا في جميع النسخ ولعلها: (لامن العلم).

(٢٤) "معاني القرآن" 2/ 63، 64.

وهو كذا في النسخ ولعل الصواب (وهذا وقول الفراء سواء).

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 149.

(٢٦) في الطبري 13/ 154 أن ابن عباس كان يقرؤها (أفلم يتبين) ...

إلخ، وأخرجه ابن الأنباري في المصاحف كما في "الدر" 4/ 653.

وقد روى الطبري 13/ 154 عن علي نحوه.

وقد علق الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- على هذا الأثر وبين صحة إسناده.

وأخبر أنه كتب رسالة مستقلة حول هذا الأثر المشكل وأشباهه.

وانظر الثعلبي 7/ 138 أ، و"زاد المسير" 4/ 331، والقرطبي 9/ 320 وعلق بقوله: وهو باطل عن ابن عباس؛ لأن مجاهدًا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو، وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس، ثم إن معناه: أفلم يتبين، فإن كان مراد الله تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماع فقراءتنا تقع عليها، وتأتي بتأويلها، وإن أراد الله المعنى الآخر الذي اليأس فيه ليس من طريق العلم فقد سقط مما أوردوا.

اهـ.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 393: وهذه القراءة ليس قراءة تفسير لقوله ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ كما يدل عليه ظاهر كلام الزمخشري، بل هي قراءة مسندة إلى الرسول -  -، وليست مخالفه للسواد، إذ كتبوا (ييئس) بغير صورة الهمزة، وهذه كقراءة فتبينوا وفتثبتوا، وكلتاهما في السبعة، وأما قول من قال: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس فسوق أسنان السين فقول زنديق ملحد.

اهـ.

وقال الزمخشري في "كشافه" 2/ 360: وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتًا بين دفتي الإمام، وكان متقلبًا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع والقاعدة التي عليها البناء، هذه والله فرية ما فيها مرية.

اهـ.

(٢٧) "الحجة" 4/ 438.

(٢٨) الطبري 13/ 156، وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 119، و"زاد المسير" 4/ 332.

(٢٩) الطبري 13/ 155، الثعلبي 7/ 138 ب، "زاد المسير" 4/ 332، القرطبي 9/ 321.

(٣٠) (والحرب) كذا في جميع النسخ، ولعل هذه اللفظة في السطر الذي يليه كما في الوسيط.

(بما صنعوا) من كفرهم، وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجذب).

(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 149.

(٣٢) الطبري 13/ 155، والفريابي وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 119، الثعلبي 7/ 138 ب.

(٣٣) "معاني القرآن" 2/ 64.

(٣٤) الطبري 13/ 156، والطيالسي، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل كما في "الدر" 4/ 119، والثعلبي 7/ 138 ب.

(٣٥) "معاني القرآن" 2/ 64.

(٣٦) الطبري 13/ 157، الثعلبي 7/ 138 ب، القرطبي 9/ 321.

(٣٧) الطبري 13/ 157، عبد الرزاق 2/ 337، "زاد المسير" 4/ 332، القرطبي 9/ 321.

(٣٨) عبد الرزاق 2/ 337، و"تفسيركتاب الله العزيز" 2/ 310، القرطبي 9/ 321.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال ﴾ الآية: جواب لو محذوف تقديره: لو أن قرآناً على هذه الصفة من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لم يؤمنوا به، فالمعنى كقوله: لا يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية، وقيل تقديره: ولو أن قرآناً على هذه الصفة لكان هذا القرآن الذي هو غاية في التذكير ونهاية في الإنذار كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدِّعاً ﴾ [الحشر: 21]، وقيل هو متعلق بما قبله والمعنى، وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ معناه أفلم يعلم وهي لغة هوازن ﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني كفار قريش ﴿ قَارِعَةٌ ﴾ يعني مصيبة في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، أو غزوات المسلمين إليهم ﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ الفاعل ضمير القارعة.

والمعنى إما إن تصيبهم، وإما أن تقرب منهم، وقيل التاء للخطاب، والفاعل ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر ﴿ حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله ﴾ هو فتح مكة، وقيل قيام الساعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الباقون بفتحها.

﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.

الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.

﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.

﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.

﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟

وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.

ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟

فقيل للنبي  : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.

﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.

وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله  لعلي  : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.

فأنزل الله الآية.

فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله  لا على جحودهم أو إِشراكهم.

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله  وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.

قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.

وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  ﴾ الآية.

وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.

ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً  ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.

وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.

ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.

أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.

ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

وهذا لغة قوم من النخع.

وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي  وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .

وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.

وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.

وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.

﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.

وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله  لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.

والإملاء الإمهال وقد مر هناك.

والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.

ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.

وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.

ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.

وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.

وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.

قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.

أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم  ﴾ وقد مر في أول "يونس".

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها  ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.

ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.

والكلام في أن المزين هو الله  أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.

وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.

وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة  ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.

والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً  ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله  : ﴿ كل من عليها فان  ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين  ﴾ .

ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.

وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.

واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.

ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.

وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.

واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.

وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.

وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.

ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.

ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.

ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.

ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.

وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.

وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.

روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله  إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.

وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.

قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله  وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.

ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله  : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته  ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله  يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.

وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.

والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.

وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه  يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله  .

والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.

الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية  ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.

واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله  { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.

ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.

وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ .

وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.

وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.

عن النبي  : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.

روى أبو الدرداء عن النبي  : "إن الله  في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .

وقيل: هو علم الله  المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.

ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.

والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.

ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.

قال الواحدي.

الأليق بالمقام هو القول الأول.

وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.

﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.

﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.

وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.

وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.

قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله  وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.

وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.

وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.

ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.

وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.

وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.

ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.

فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.

وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.

ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.

واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.

وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.

والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.

وقال الزجاج: الأشبه أن الله  لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.

وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً  ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.

ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله  في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام  ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.

﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال بعض أهل التأويل: تأويله: لو أن قرآنا [ما] غير قرآنك؛ سيرت به الجبال؛ من أماكنها؛ أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لفعلناه بقرآنك أيضاً، ذلك ولكن لم نفعل بكتاب من الكتب التي أنزلتها على الرسل الذين من قبلك، ولكن شيء أعطيته أنبيائي ورسلي.

﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ .

يقول: بل جميع ذلك الأمر كان من الله؛ وليس من قبل القرآن؛ أي: لو فعل بالقرآن ذلك كان جميع ذلك من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ إن شاء فعل ما سألتم، وإن شاء لم يفعل ويشبه أن يكون غير هذا أقرب؛ أن يكون صلة ما تقدم من سؤالهم الآيات؛ وهو قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ فيقول: لو أن قرآنك الذي تقرؤه عليهم: لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لما آمنوا بك؛ ولما صدقوك على رسالتك على ما لا يؤمنون بالرحمن، وكل الخلائق له آية لوحدانيته وألوهيته، يخبر عن شدة تعنتهم وتمردهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه سلم؛ [ليعلم رسول الله  ] أن سؤالهم الآية سؤال تعنت وتمرد؛ ليس سؤال استرشاد واستهداء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ﴾ .

أي: لو أن قرآنا ما عمل [ما] ذكر لكان هذا القرآن؛ تعظيماً لهذا القرآن.

والتأويل الذي ذكرنا قبل هذا كأنه أقرب.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة ما تقدم؛ من قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية، يقول - والله أعلم -: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمان من كان على ما وصف الله، وتمام هذا كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات، ليؤمنوا؛ لما سألوا هم آيات من رسول الله؛ فيقول: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ عن إيمان هؤلاء؛ وهو كما قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا  ﴾ كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات ليؤمنوا؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ  ﴾ يأيها المؤمنون ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ أي: يؤمنون على طرح (لا) على هذا التأويل.

وقال بعضهم: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : أفلم يتبين للذين آمنوا أنهم لا يؤمنون؛ لكثرة ما رأوا منهم من العناد والمكابرة.

فسروا الإياس بالعلم والأيس؛ لأن الإياس إذا غلب يعمل عمل العلم؛ كالخوف والظن ونحوه جعلوه يقيناً، وعلماً للغلبة؛ لأنه إذا غلب يعمل عمل اليقين والعلم.

وقال بعضهم: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ ﴾ : أي: أفلم يعلم الذين آمنوا أن الله يفعل [ذلك]، لو شاء لهدى الناس جميعاً.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ قالت عائشة -  ا -: قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ خطأ من الكاتب، إنما هو (أفلم يتبين للذين آمنوا أن لو يشاء الله) فمعناه: أي: قد تبين للذين آمنوا.

وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ أي: أفلم يعلم الذين آمنوا، أي: قد علم الذين آمنوا، لو شاء الله إيمان الناس واهتداءهم لآمنوا واهتدوا.

وقال صاحب هذا التأويل: إن [هذا] جائز في اللغة: ييئس: يعلم، وذكر أنها لغة "نخع" وغيرها.

والله أعلم.

وقال بعضهم قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ مقطوع من قوله ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية، وهو موصول بما تقدم من قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ثم قال جواباً لما قالوا؛ كأنه قال: لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، أي: علم منه أنه يختار [الضلال] ويؤثره؛ يشاء ذلك له، ومن علم منه أنه يختار الهدى يشاء ذلك له، ويكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ مقطوع لا جواب له، كأنه قال: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمانهم لكثرة ما رأوا منهم من العناد والتعنت بعد رؤيتهم الآيات والحجج، كأن أهل الإيمان والإسلام سألوا رسول الله  الآيات التي سألوا هم؛ رغبة في إسلامهم؛ وإشفاقاً عليهم؛ فيقول - والله أعلم -: ألم يأن للذين آمنوا الإياس من إيمانهم؛ أي: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من [إيمانهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...

﴾ الآية [الأنعام: 111] فعلى ذلك هذا يقول: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من إيمانهم]، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً؛ وقوله: ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ صلته قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ كقوله: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قال بعضهم: الذين حاربوا رسول الله.

﴿ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ .

القارعة: هي ما يقرع القلوب ويكسرها، ثم قرعهم يكون بعذاب، وقتل، وغيره؛ من الهزيمة ونحوه وبسبي ذراريهم ويغنم المسلمين أموالهم.

﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ أنت ﴿ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: أو تكون القارعة بجيرانهم الذين قرب منكم دارهم.

وقال بعضهم: لا تزال سرية من سرايا رسول الله  تحل ببعضهم؛ أو ينزل هو قريباً منهم؛ حتى يأتي وعد الله، وعد الله يكون بوجهين: أحدهما: أن يظفره بهم جميعاً، وأن يورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم.

والثاني: يكون وعد الله فتح مكة؛ كقوله: ﴿ وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا...

 ﴾ الآية.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ ما وعد رسوله؛ من الفتح والنصر وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ .

يحتمل ما ذكر؛ من إصابة القارعة؛ الجوع والشدائد التي أصابتهم، ويحتمل القتال والحرب؛ التي كانت بينهم وبينهم.

وقوله: ﴿ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ نزول السرايا بقرب من دارهم.

﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل فتح مكة، أي: تحل قريباً من دارهم حتى يأتي ما وعد الله؛ من فتح مكة عليك، أو أن يكون وعد الله هو البعث والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .

يقول: ولقد استهزأ برسل من قبلك قومهم؛ كما استهزأ بك قومك، يُعَزّي نبيهُ  ليصبر على تكذيبهم.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ من تقدم من الرسل سألهم قومهم الآيات والعذاب بالهزء، ثم بين بهذا أن ما سألوه من الآية أرادوا الهزء، وهو صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يقول: أمهلتهم [في كفرهم وهزئهم.

هذا يدل أن تأخر العذاب عنهم لا يؤمنهم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ يقول: أحللت] بهم جزاء ما كانوا يهزءون منه.

وقال بعضهم: فكيف كان عقاب الله؛ أي: شديد عقابه؛ وهو كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا...

﴾ الآية [الحج: 48] وقيل: كيف رأيت عذابي لهم أي: أليس وجدوه شديداً.

والثالث: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ : أي: أليس ما أوعدهم الرسل من العذاب كان حقاً وصدقاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو كان من صفات كتاب من الكتب الإلهية أن تزال به الجبال عن أماكنها، أو تشقق به الأرض فتستحيل أنهارًا وعيونًا، أو يقرأ على الموتى فيصيروا أحياء -لكان هذا القرآن المنزل عليك -أيها الرسول- فهو واضح البرهان، عظيم التأثير لو أنهم كانوا أتقياء القلوب، لكنهم جاحدون.

بل لله الأمر كله في إنزال المعجزات وغيرها، أفلم يعلم المؤمنون بالله أنَّه لو يشاء الله هداية الناس جميعًا دون إنزال آيات لهداهم جميعًا دونها؛ لكنه لم يشأ ذلك، ولا حال الذين كفروا بالله تصيبهم بما عملوا من الكفر والمعاصي داهية شديدة تقرعهم، أو تنزل تلك الداهية قريبًا من دارهم، حتى يأتي وعد الله بنزول العذاب المتصل، إن الله لا يترك إنجاز ما وعد به إذا جاء وقته المحدد له.

<div class="verse-tafsir" id="91.1nEd3"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله