تفسير الآية ٣٣ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٣ من سورة الرعد

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ٣٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٣ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) أي : حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة ، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر ، ولا يخفى عليه خافية ، ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) [ يونس : 61 ] وقال تعالى : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) [ الأنعام : 59 ] وقال ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] وقال ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] وقال ( يعلم السر وأخفى ) [ طه : 7 ] وقال ( وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) [ الحديد : 4 ] أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ، ولا تملك نفعا لأنفسها ولا لعابديها ، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها ؟

وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه ، وهو قوله : ( وجعلوا لله شركاء ) أي : عبدوها معه ، من أصنام وأنداد وأوثان .

( قل سموهم ) أي : أعلمونا بهم ، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا ، فإنهم لا حقيقة لهم; ولهذا قال : ( أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ) أي : لا وجود له; لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمها; لأنه لا تخفى عليه خافية .

( أم بظاهر من القول ) قال مجاهد : بظن من القول .

وقال الضحاك وقتادة : بباطل من القول .

أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر ، وسميتموها آلهة ، ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) [ النجم : 23 ] .

( بل زين للذين كفروا مكرهم ) قال مجاهد : قولهم ، أي : ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار ، كما قال تعالى : ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ) [ فصلت : 25 ] .

" وصدوا عن السبيل " : من قرأها بفتح الصاد ، معناه : أنهم لما زين لهم ما فيه وأنه حق ، دعوا إليه وصدوا الناس عن اتباع طريق الرسل .

ومن قرأها ) وصدوا ) أي : بما زين لهم من صحة ما هم عليه ، صدوا به عن سبيل الله; ولهذا قال : ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) كما قال ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ) [ المائدة : 41 ] وقال ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ) [ النحل : 37 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفَالرَّبُ الذي هو دائمٌ لا يَبيدُ ولا يَهْلِك ، قائم بحفظ أرزاق جميع الخَلْق, (58) متضمنٌ لها, عالمٌ بهم وبما يكسبُونه من الأعمال, رقيبٌ عليهم, لا يَعْزُب عنه شيء أينما كانوا، كَمن هو هالك بائِدٌ لا يَسمَع ولا يُبصر ولا يفهم شيئًا, ولا يدفع عن نفسه ولا عَمَّن يعبده ضُرًّا, ولا يَجْلب إليهما نفعًا؟

كلاهما سَواءٌ؟

* * * وحذف الجواب في ذلك فلم يَقُل، وقد قيل (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) : ككذا وكذا, اكتفاءً بعلم السامع بما ذَكَر عما ترك ذِكْره .

وذلك أنه لما قال جل ثناؤه: (وَجعلُوا لله شُرَكاء) ، عُلِمَ أن معنى الكلام: كشركائهم التي اتخذوها آلهةً.

كما قال الشاعر: (59) تَخَـــيَّرِي خُـــيِّرْتِ أُمَّ عَـــالِ بَيْـــنَ قَصِــيرٍ شِــبْرُهُ تِنْبَــالِ أَذَاكَ أَمْ مُنْخَــــرِقُ السِّــــرْبَالِ وَلا يَـــزَالُ آخِــــرَ اللَّيـــالِي مُتْلِــفَ مَـالٍ وَمُفِيدَ مَــالِ (60) ولم يقل وقد قال: " شَبْرُهُ تِنْبَال ", (61) وبين كذا وكذا, اكتفاء منه بقوله: " أذاكَ أم منخرق السربال ", ودلالة الخبر عن المنخرق السربال على مراده في ذلك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20440- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، ذلكم ربكم تبارك وتعالى, قائمٌ على بني آدمَ بأرزاقهم وآجالهم, وحَفظ عليهم والله أعمالهم .

(62) 20441- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أفمَن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، قال: الله قائم على كل نفس.

(63) 20442- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، يعني بذلك نفسه, يقول: هو معكم أينما كنتم, فلا يعمل عامل إلا والله حاضِرُه .

ويقال: هم الملائكة الذين وُكِلوا ببني آدم .

(64) 20443- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، وعلى رزقهم وعلى طعامهم, فأنا على ذلك قائم، وهم عبيدي، (65) ثم جعلوا لي شُركاء .

20444- حدثت عن الحُسَين بن فرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، فهو الله قائم على كل نفس بَرّ وفاجر, يرزقهم ويَكلؤُهم, ثم يشرك به منهم من أشرك .

(66) * * * وقوله: (وجَعَلوا لله شركاءَ قُلْ سَموهم أم تنَبِّئونه بما لا يعلم في الأرض أمْ بظاهر من القول) ، يقول تعالى ذكره: أنا القائم بأرزاق هؤلاء المشركين, والمدبِّرُ أمورهم, والحافظُ عليهم أعمالَهُمْ, وجعلوا لي شركاء من خلقي يعبدُونها دوني, قل لهم يا محمد: سمّوا هؤلاء الذين أشركتموهم في عبادة الله, فإنهم إن قالوا: آلهة فقد كذبوا, لأنه لا إله إلا الواحد القهار لا شريك له(أم تُنَبِّؤونُه بما لا يعلم في الأرضُ) ، يقول: أتخبرونه بأن في الأرض إلهًا, ولا إله غيرُه في الأرض ولا في السماء؟

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20445- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وجعلوا لله شركاء قل سمُّوهم) ، ولو سمَّوْهم آلهةً لكذبَوا وقالوا في ذلك غير الحق، لأن الله واحدٌ ليس له شريك.

قال الله: (أم تُنَبؤونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول) يقول: لا يعلم الله في الأرض إلها غيره .

(67) 20446- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (وجَعلوا لله شركاء قل سموهم) ، والله خلقهم .

20447- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (وجعلوا لله شركاء قل سموهم) ، ولو سَمَّوهم كذبوا وقالوا في ذلك مَا لا يعلم الله، مَا من إله غير الله، (68) فذلك قوله: (أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض).

* * * وقوله: (أم بظاهر من القول) ، مسموع, (69) وهو في الحقيقة باطلٌ لا صحة له .

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم قالوا: (أم بظاهر), معناه: أم بباطل, فأتوا بالمعنى الذي تدل عليه الكلمة دون البيان عن حَقيقة تأويلها .

*ذكر من قال ذلك: 20448- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء, عن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (بظاهر من القول) ، بظنٍّ .

20449- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله .

20450- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن قتادة قوله: (أم بظاهر من القول) ، والظاهر من القول: هو الباطل .

20451- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أم بظاهر من القول) ، يقول: أم بباطل من القول وكذب, ولو قالوا قالُوا الباطلَ والكذبَ .

* * * وقوله: (بل زُيِّن للذين كفروا مكرهم) ، يقول تعالى ذكره: ما لله من شريك في السموات ولا في الأرض, ولكن زُيِّن للمشركين الذي يدعون من دونه إلهًا، (70) مَكْرُهم, وذلك افتراؤهُم وكذبهم على الله .

(71) * * * وكان مجاهد يقول: معنى " المكر " ، ههنا: القول, كأنه قال: يعني قَوْلُهم بالشرك بالله .

(72) 20452- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (بل زين للذين كفروا مكرهم) ، قال: قولهم .

20453- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله .

* * * وأما قوله: (وصدوا عن السبيل) ، فإن القَرَأة اختلفت في قراءته.

فقرأته عامة قَرَأة الكوفيين: (وَصُدُّوا عن السَّبِيلِ) ، بضم " الصاد ", بمعنى: وصدَّهم الله عن سبيله لكفرهم به, ثم جُعلت " الصاد " مضمومة إذ لم يُسَمَّ فاعله .

* * * وأما عامة قرأة الحجاز والبصرة, فقرأوه بفتح " الصاد "، على معنى أن المشركين هم الذين صَدُّوا الناس عن سبيل الله .

(73) قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمةٌ من القرأة, متقاربتا المعنى، وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به, وهم مع ذلك كانوا يعبدون غيرهم, كما وصفهم الله به بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ .

[الأنفال: 36] * * * وقوله (ومن يُضْلل الله فمَا لهُ من هادٍ) ، يقول تعالى ذكره: ومن أضلَّه الله عن إصابة الحق والهدى بخذلانه إياه, فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما، لأن ذلك لا يُنَال إلا بتوفيق الله ومعونته, وذلك بيد الله وإليه دُون كل أحد سواه .

----------------------- الهوامش : (58) انظر تفسير" القيام" فيما سلف 6 : 519 - 521 / 7 : 120 - 124 .

وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 333 .

(59) هو القتال الكلابي .

(60) من رجز رواه صاحب الأغاني 20 : 164 في حديث طويل ، أخرجه إحسان عباس فيما جمعه من شعر القتال الكلابي : 83 ، والتخريج في : 113 ، ويزاد عليه اللسان ( رمل ) ، مع اختلاف في روايته ." أم عال" ، هي" عالية" ، امرأة من بني نصر بن معاوية ، كانت زوجة لرجل من أشراف الحي ، فكان القتال ينسب بها في أشعاره ، ورواية الأغاني : * تَخَـيَّرِي خُـيِّرْتِ فـي الرِّجَـالِ * لأن قبله : * لَعَلَّنَـــا نَطْــرُقُ أُمَّ عَــالِ * وفي المطبوع :" قصير شده" ، وهو خطأ .

ويقال :" فلان قصير الشبر" ، إذا كان متقارب الخطو ، وقال الزمخشري : متقارب الخلق .

ورواية الأغاني :" قصير باعه" .

و" التنبال" ، القصير .

وبعد هذا البيت : وَأُمُّــــهُ رَاعِيَـــةُ الجِمَـــالِ تَبِيــتُ بَيْــنَ القَــتِّ والجِعَــالِ " منخرق السربال" ، ممزق السربال ، وهو القميص ، قال البكري في شرح قول ليلى الأخيلة : وَمُخَــرَّقٍ عَنْــهُ القَمِيـصُ تَخَالُـهُ وَسْـطَ البُيُـوتِ مِـنَ الحَيَـاء سَـقِيمَا فيه قولان ، أحدهما : أن ذلك إشارة إلى جذب العفاة له ، والثاني : أنه يؤثر بجيد ثيابه فيكسوها .

والأجود عندي أنهم يمدحون الرجل بأنه ملازم للأسفار والغزو ، يعاقب بينهما ، فلا يزال في ثياب تبلى ، لأنه غير مقيم ملازم للحي ، فلا يبالى أن يستجد ثيابًا ، وذلك من خلائق الكرم والبأس .

وبعد هذا البيت ، وهو يؤيد ما قلت : كَـــرِيمُ عَــمٍّ وَكَــرِيمُ خَــالِ متْلِـــفُ مَــالٍ ومُفِيــدُ مَــالِ وَلا تَـــزَالُ آخِـــرَ اللَّيَـــالِي قَلُوصُــهُ تَعْــثُرُ فــي النِّقَــالِ و" مفيد مال" ، مستفيد مال .

ورواية اللسان :" ناقته ترمل في النقال" .

و" ترمل" ، أي تسرع .

و" النقال" ، المناقلة ، وهي أن تضع رجليها مواضع يديها وذلك من سرعتها .

(61) في المطبوعة هنا أيضًا :" شره" .

(62) الأثر : 20440 - الدر المنثور 4 : 64 ، وأسقط آخر الخبر .

(63) من أول قوله :" قال ..." ، ساقط من المطبوعة .

(64) الأثر : 20442 - في الدر المنثور 4 : 64 ، واقتصر علي" يعني بذلك نفسه" .

وفي المطبوعة" إلا وهو حاضر" ، غير ما في المخطوطة .

وقوله :" ويقال هم الملائكة ..." ، ليس من قول ابن عباس بلا ريب ، وكأنه من قول :" محمد بن سعد" ، راوي الخبر .

(65) في المخطوطة :" فأنا على ذلك وهم عبيدي" ، أسقط" قائم" .

(66) الأثر : 20444 - في المطبوعة أسقط من الإسناد :" بن الفرج" ، وزاد في نص الخبر فجعله" على كل نفس بر وفاجر" ، والذي أثبته مطابق لما في الدر المنثور : 4 : 64 .

(67) الأثر : 20445 - هو تتمة الخبر السالف في الدر المنثور 4 : 64 .

(68) في المطبوعة ، أسقط" ما" من قوله :" ما من إله" فأفسد الكلام .

(69) أسقط في المطبوعة :" وقوله" ، فجعل الكلام سياقًا واحدًا .

(70) انظر تفسير" التزيين" فيما سلف 15 : 55 ، تعليق رقم : 3 ، والمراجع هناك .

(71) انظر تفسير" المكر" فيما سلف : 68 تعليق رقم : 2 والمراجع هناك .

(72) في المطبوعة أسقط" يعني" .

(73) انظر تفسير :" الصد" فيما سلف 15 : 285 ، تعليق رقم : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ليس هذا القيام القيام الذي هو ضد القعود ، بل هو بمعنى التولي لأمور الخلق ; كما يقال : قام فلان بشغل كذا ; فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب ، ويخلقها ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها ; فالمعنى : أنه حافظ لا يغفل ، والجواب محذوف ; والمعنى : أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل .

وقيل : أفمن هو قائم أي عالم ; قاله الأعمش .

قال الشاعر :فلولا رجال من قريش أعزة سرقتم ثياب البيت والله قائمأي عالم ; فالله عالم بكسب كل نفس .

وقيل : المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم ، عن الضحاك .وجعلوا حال ; أي أوقد جعلوا ، أو عطف على استهزئ أي استهزءوا وجعلوا ; أي سموا لله شركاء يعني أصناما جعلوها آلهة .

قل سموهم أي قل لهم يا محمد : سموهم أي بينوا أسماءهم ، على جهة التهديد ; أي إنما يسمون : اللات والعزى ومناة وهبل .أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " أم " استفهام توبيخ ، أي أتنبئونه ; وهو على التحقيق عطف على استفهام متقدم في المعنى ; لأن قوله : سموهم معناه : ألهم أسماء الخالقين .

أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ؟

.

وقيل : المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه .أم بظاهر من القول يعلمه ؟

فإن قالوا : بباطن لا يعلمه أحالوا ، وإن قالوا : بظاهر يعلمه فقل لهم : سموهم ; فإذا سموهم اللات والعزى فقل لهم : إن الله لا يعلم لنفسه شريكا .

وقيل : أم تنبئونه عطف على قوله : أفمن هو قائم أي أفمن هو قائم ، أم تنبئون الله بما لا يعلم ; أي أنتم تدعون لله شريكا ، والله لا يعلم لنفسه شريكا ; أفتنبئونه بشريك له في [ ص: 282 ] الأرض وهو لا يعلمه !

وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك في غير الأرض لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض .

ومعنى أم بظاهر من القول : الذي أنزل الله على أنبيائه .

وقال قتادة : معناه بباطل من القول ; ومنه قول الشاعر :أعيرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا ابن ريطة ظاهرأي باطل .

وقال الضحاك : بكذب من القول .

ويحتمل خامسا - أن يكون الظاهر من القول حجة يظهرونها بقولهم ; ويكون معنى الكلام : أتخبرونه بذلك مشاهدين ، أم تقولون محتجين .بل زين للذين كفروا مكرهم أي دع هذا !

بل زين للذين كفروا مكرهم قيل : استدراك .

على هذا الوجه ، أي ليس لله شريك ، لكن زين للذين كفروا مكرهم .

وقرأ ابن عباس ومجاهد " بل زين للذين كفروا مكرهم " مسمى الفاعل ، وعلى قراءة الجماعة فالذي زين للكافرين مكرهم الله تعالى ، وقيل : الشيطان .

ويجوز أن يسمى الكفر مكرا ; لأن مكرهم بالرسول كان كفرا .وصدوا عن السبيل أي صدهم الله ; وهي قراءة حمزة والكسائي .

الباقون بالفتح ; أي صدوا غيرهم ; واختاره أبو حاتم ، اعتبارا بقوله : ويصدون عن سبيل الله وقوله : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام .

وقراءة الضم أيضا حسنة في " زين " و " صدوا " لأنه معلوم أن الله فاعل ، ذلك في مذهب أهل السنة ; ففيه إثبات القدر ، وهو اختيار أبي عبيد .

وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة - " وصدوا " بكسر الصاد ; وكذلك .

" هذه بضاعتنا ردت إلينا " بكسر الراء أيضا على ما لم يسم فاعله ; وأصلها صددوا ورددت ، فلما أدغمت الدال الأولى في الثانية نقلت حركتها على ما قبلها فانكسر ." ومن يضلل الله " بخذلانه .فما له من هاد أي موفق ; وفي هذا إثبات قراءة الكوفيين ومن تابعهم ; لقوله : ، ومن يضلل الله فكذلك قوله : " وصدوا " .

ومعظم القراء يقفون على الدال من غير الياء ; وكذلك " وال " و " واق " ; لأنك تقول في الرجل : هذا قاض ووال وهاد ، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين .

وقرئ " فما له من هادي " و " والي " و " واقي " بالياء ; وهو على لغة من يقول : هذا داعي وواقي بالياء ; لأن حذف الياء في حالة الوصل لالتقائها مع التنوين ، وقد أمنا هذا في الوقف ; فردت الياء فصار هادي ووالي وواقي .

وقال الخليل في نداء قاض : يا قاضي بإثبات الياء ; إذ لا تنوين مع النداء ، كما لا تنوين في نحو الداعي والمتعالي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } بالجزاء العاجل والآجل، بالعدل والقسط، وهو الله تبارك وتعالى كمن ليس كذلك؟

ولهذا قال: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ } وهو الله الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له ولا ند ولا نظير، { قُلْ } لهم إن كانوا صادقين: { سَمُّوهُمْ } لتعلم حالهم { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ } فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة وهو لا يعلم له شريكا، علم بذلك بطلان دعوى الشريك له، وأنكم بمنزلة الذي يُعَلِّمُ الله أن له شريكا وهو لا يعلمه، وهذا أبطل ما يكون؛ ولهذا قال: { أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ } أي: غاية ما يمكن من دعوى الشريك له تعالى أنه بظاهر أقوالكم.

وأما في الحقيقة، فلا إله إلا الله، وليس أحد من الخلق يستحق شيئا من العبادة، ولكن { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ } الذي مكروه وهو كفرهم وشركهم، وتكذيبهم لآيات الله { وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ } أي: عن الطريق المستقيمة الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } لأنه ليس لأحد من الأمر شيء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) أي : حافظها ، ورازقها ، وعالم بها ، ومجازيها بما عملت .

وجوابه محذوف ، تقديره : كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه .

( وجعلوا لله شركاء قل سموهم ) بينوا أسماءهم .

وقيل : صفوهم ثم انظروا : هل هي أهل لأن تعبد ؟

( أم تنبئونه ) أي : تخبرون الله تعالى : ( بما لا يعلم في الأرض ) فإنه لا يعلم لنفسه شريكا ولا في الأرض إلها غيره ( أم بظاهر ) يعني : أم تتعلقون بظاهر ( من القول ) مسموع ، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له .

وقيل : بباطل من القول : قال الشاعر : وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي : زائل .

( بل زين للذين كفروا مكرهم ) كيدهم .

وقال مجاهد : شركهم وكذبهم على الله .

( وصدوا عن السبيل ) أي : صرفوا عن الدين .

قرأ أهل الكوفة ، ويعقوب ( وصدوا ) وفي حم المؤمن ( وصد ) بضم الصاد فيهما ، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ) ( الحج - 25 ) ، وقوله ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) ( النحل - 88 وغيرها ) .

( ومن يضلل الله ) بخذلانه إياه ( فما له من هاد ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفمن هو قائم» رقيب «على كل نفس بما كسبت» عملت من خير وشر وهو الله كمن ليس كذلك من الأصنام لا، دل على هذا «وجعلوا الله شركاء قل سمّوهم» له من هم؟

«أم» بل أ «تنبئونه» تخبرون الله «بما» أي بشريك «لا يعلمـ» ـه «في الأرض» استفهام إنكار أي لا شريك له إذ لو كان لعلمه تعالى عن ذلك «أم» بل تسمونهم شركاء «بظاهر من القول» بظن باطل لا حقيقة له في الباطن «بل زُيّن للذين كفروا مكرهم» كفرهم «وصدوا عن السبيل» طريق الهدى «ومن يضلل الله فما له من هاد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفمن هو قائم على كل نفس يُحصي عليها ما تعمل، أحق أن يعبد، أم هذه المخلوقات العاجزة؟

وهم -من جهلهم- جعلوا لله شركاء مِن خَلْقه يعبدونهم، قل لهم -أيها الرسول-: اذكروا أسماءهم وصفاتهم، ولن يجدوا من صفاتهم ما يجعلهم أهلا للعبادة، أم تخبرون الله بشركاء في أرضه لا يعلمهم، أم تسمونهم شركاء بظاهر من اللفظ من غير أن يكون لهم حقيقة.

بل حسَّن الشيطان للكفار قولهم الباطل وصدَّهم عن سبيل الله.

ومَن لم يوفِّقه الله لهدايته فليس له أحد يهديه، ويوفقه إلى الحق والرشاد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أقام - سبحانه - الأدلة الساطعة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له - تعالى - فقال : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ .

.

.

) .والمراد بالقيام هنا : الحفظ والهيمنة على جميع شئون الخلق والاستفهام للإِنكار ، والخبر محذوف والتقدير : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ ) أى : رقيب ومهيمن ( على كُلِّ نَفْسٍ ) كائنة ما كانت ، عالم بما تعمله من خير أو شر فمجازيها به كن ليس كذلك؟وحذف الخبر هنا وهو قولنا - كمن ليس كذلك - لدلالة السياق عليه ، كما فى قوله - تعالى - : ( أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ) أى : كمن قسا قلبه .وحسن حذف الخبر هنا لأنه مقابل للمبتدأ هو ( من ) ولأن قوله - تعالى - : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ) حالية ، والتقدير :أفمن هذه صفاته ، وهو الله - تعالى - كمن ليس كذلك ، والحال أن هؤلاء الأغبياء قد جعلوا له شركاء فى العبادة وغيرها .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، زيادة توبيخهم ، وتسفيه أفكارهم وعقولهم .وقوله - سبحانه - ( قُلْ سَمُّوهُمْ ) تبكيت لهم إثر تبكيت .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - سموهم شركاء إن شئتم ، فإن هذه التسمية لا وجود لها فى الحقيقة والواقع ، ولا تخرجهم عن كونهم لا يملكون لأنفسهم - فضلا عن غيرهم - نفعا ولا ضرا ، لأن الله - تعالى - واحد لا شريك له .وهذه التسمية إنما هى من عند أنفسكم ما أنزل الله بها من سلطن ، كما قال تعالى : ( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) فالأمر فى قوله ( سموهم ) مستعمل فى الإِباحة المصحوبة بالتهديد ، للإِشارة إلى عدم الاكتراث بهم وبآلهتهم التى سموها شركاء وسموهم بهذا الاسم : قل لهم على سبيل الإِنكار والتوبيخ : أتخبرون الله بشركاء لا وجود لهم فى الأرض ، لأنهم لو كان لهم وجود لعلمهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء .أم أنكم سميتموهم شركاء بظاهر من القول أى : بظن من القول لا حقيقة له فى الواقع ونفس الأمر .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ ) أى : بل أتخبرون الله - تعالى - ( بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض ) أى بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم - سبحانه - والمراد : نفيها بنفى لازمها على طريق الكناية ، لأنه - سبحانه - إذا كان لا يعلمها - وهو الذى لا يعرزب عن علمه شئ - فهى لا حقيقة لها أصلا .وتخصيص الأرض بالذكر ، لأن المشركين زعموا أنه - سبحانه - له شركاء فيها .وقوله ( أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول ) أى : بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير معنى متحقق فى نفس الأمر ، كتسمية الزنجى كافوراً .وروى عن الضحاك وقتادة ، أن الظاهر من القول : الباطل منه ، كما فى قول القائل :أعيرتنا ألبانها ولحومها ...

وذلك عار يابن ربطة ظاهرأى : باطل زائد .

.

.

.وقوله - سبحانه - : ( بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السبيل وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) إضراب عن حجاجهم ، وإهمال لشأنهم و " زين " من التزيين وهو تصيير الشئ زينا أى : حسنا .والمكر : صرف الغير عما يريده بحيلة ، والمراد به هنا : كفرهم ومسالكهم الخبيثة ضد الإِسلام والمسلمين .والمعنى : دع عنك أيها الرسول الكريم - مجادلتهم ، لأنه لا فائدة من ورائها ، فإن هؤلاء الكافرين قد زين لهم الشيطان ورؤساؤهم فى الفكر مكرهم وكيدهم للإِسلام وأتباعه ، وصدوهم عن السبيل الحق ، وعن الصراط المستقيم ، ومن يضلله الله - تعالى - بأن يخلق فيه الضلال لسوء استعداده ، فما له من هاد يهديه ويرشده إلى ما فيه نجاته .هذا ، وقد اشتملت هذه الآية على ألوان من الحجج الساطعة التى تثبت وجوب إخلاص العبادة لله ، وتبطل الشركة والشركاء أشار إليها بعض المفسرين فقال :قال الطيبى : فى هذه الآية الكريمة احتجاج بليغ مبنى على فنون من علم البيان :أولها : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) كمن ليس كذلك ، احتجاج عليهم وتوبيخ لهم على القياس الفاسد لفقد الجهة الجامعة لهما .ثانيها : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ) من وضع المظهر موضع المضمر ، للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد فى أسمائه .ثالثها : ( قُلْ سَمُّوهُمْ ) أى عينوا أسماءهم فقولوا فلان وفلان ، فهو إنكار لوجودها على وجه برهانى .

.رابعها : ( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ ) احتجاج من باب نفى الشئ أعنى العلم بنفى لازمه وهو المعلوم وهو كناية .خامسها : ( أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول ) احتجاج من باب الاستدراج لبعثهم على الفكر .أى : أتقولون بأفواهكم من غير روية ، وأنتم ألباء ، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه .سادسها : التدرج فى كل من الإضرابات على ألطف وجه ، وحيث كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها ، كان الاحتجاج المذكور مناديا على نفسه بالإِعجاز وأنه ليس كلام البشر " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

[31] ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سًيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى بَل لِّلَّهِ الأمر جَمِيعًا أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ الذين ءَامنُواْ أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الذين كَفُرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حتى يأَتِىَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ﴾ اعلم أنه روي أن أهل مكة قعدوا في فناء مكة، فأتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعرض الإسلام عليهم، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي: سير لنا جبال مكة حتى ينفسخ المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، أو أَحْي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أو بطال، فقد كان عيسى يحيى الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان فلست بأهون على ربك من سليمان، فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ أي من أماكنها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ لكان هو هذا القرآن الذي أنزلناه عليك.

وحذف جواب لو لكونه معلوماً، وقال الزجاج: المحذوف هو أنه ﴿ لو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وكذا وكذا لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وليس لأحد أن يتحكم عليه في أفعاله وأحكامه.

ثم قال تعالى: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ أفلم ييأس ﴾ قولان: القول الأول: أفلم يعلموا وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الوجه الأول: ﴿ ييأس ﴾ يعلم في لغة النخع وهذا قول أكثر المفسرين مثل مجاهد والحسن وقتادة.

واحتجوا عليه بقول الشاعر: ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه *** وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً وأنشد أبو عبيدة: أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني *** إلم تيأسوا أني ابن فارس زهدم أي ألم تعلموا.

وقال الكسائي: ما وجدت العرب تقول يئست بمعنى علمت ألبته.

والوجه الثاني: ما روي أن علياً وابن عباس كانا يقرآن: ﴿ أفلم يأس الذين آمنوا ﴾ فقيل لابن عباس أفلم ييأس فقال: أظن أن الكاتب كتبها وهو ناعس أنه كان في الخط يأس فزاد الكاتب سنة واحدة فصار ييأس فقرئ ييأس وهذا القول بعيد جداً لأنه يقتضي كون القرآن محلاً للتحريف والتصحيف وذلك يخرجه عن كونه حجة قال صاحب الكشاف: ما هذا القول والله إلا فرية بلا مرية.

والقول الثاني: قال الزجاج: المعنى أو يئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لأن الله لو شاء لهدى الناس جميعاً.

وتقريره أن العلم بأن الشيء لا يكون يوجب اليأس من كونه والملازمة توجب حسن المجاز، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ اليأس لإرادة العلم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ﴾ وكلمة لو تفيد انتقاء الشيء لانتفاء غيره.

والمعنى: أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس، والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء، وتارة يحملون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة، وفيهم من يجري الكلام على الظاهر، ويقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون شائياً لهداية جميع الناس.

والكلام في هذه المسألة قد سبق مراراً.

أما قوله تعالى: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فيه قولان: القول الأول: قيل: أراد به جميع الكفار لأن الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي أوجب حصول الغم في قلب الكل، وقيل: أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون والألف واللام في لفظ الكفار للمعهود السابق هو ذلك الجمع المعين.

المسألة الثانية: في الآية وجهان.

الأول: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارعة داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم، أو تحل القارعة قريباً منهم، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، ويتعدى إليهم شرورها حتى يأتي وعد الله وهو موتهم أو القيامة.

والقول الثاني: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم، أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك.

ثم قال: ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ والغرض منه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه.

قال القاضي: وهذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذ بعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق.

وجوابنا: أن الخلف غير، وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف، ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الإملاء: الإمهال، وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن، كالبهيمة يملي لها في المرعى وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء به وتسلية له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  .

ووَعِيدٌ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ بِهِ والمُقْتَرِحِينَ عَلَيْهِ، والإمْلاءُ أنْ يُتْرُكَ مَلاوَةً مِنَ الزَّمانِ في دَعَةٍ وأمْنٍ.

﴿ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ أيْ عِقابِي إيّاهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} احتجاج عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو رقيب {على كُلّ نَفْسٍ} صالحة أو طالحة {بِمَا كَسَبَتْ} يعلم خيره وشره ويعد لكل جزاءه كمن ليس كذلك ثم استأنف فقال {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء} أي الأصنام {قُلْ سَمُّوهُمْ} أي سموهم له من هم ونبؤه بأسمائهم ثم قال {أَمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى الأرض} على أم المنقطعة أي بل اتنبؤنه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض فاذا لم يعلمهم على أنهم ليسوا بشيء والمراد نفي أن يكون له شركاء {أَم بظاهر مّنَ القول} بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله ذلك قَوْلُهُم بأفواههم ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتوها {بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} كيدهم للإسلام بشركهم {وَصُدُّواْ عَنِ السبيل} عن سبيل الله بضم الصاد كوفي وبفتحها غيرهم ومعناه وصدوا المسلمين عن سبيل الله {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} من أحد يقدر على هدايته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ أيْ رَقِيبٌ ومُهَيْمِنٌ ﴿ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ﴾ كائِنَةٍ ما كانَتْ ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ فَعَلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَفُوتُهُ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَ الجَزاءِ وهو اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ وما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ مِن أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ فَمِمّا لا يَكادُ يُعَرَّجُ عَلَيْهِ هُنا و( مَن ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ وحَسَّنَ حَذْفَهُ المُقابَلَةُ وقَدْ جاءَ مُثْبَتًا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وإدْخالُ الفاءِ قِيلَ: لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى تَوَهُّمِ المُماثَلَةِ في ما عُلِمَ مِمّا فَعَلَ سُبْحانَهُ بِالمُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الإمْلاءِ والأخْذِ ومِن كَوْنِ الأمْرِ كُلِّهِ لَهُ سُبْحانَهُ وكَوْنِ هِدايَةِ النّاسِ جَمِيعًا مَنُوطَةً بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا ومِن تَواتُرِ القَوارِعِ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَما لَيْسَ في عِدادِ الأشْياءِ حَتّى يُشْرِكُوهُ بِهِ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ أعْنِي تَوَهُّمَ المُماثَلَةِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُقَدَّرِ أعْنِي كَوْنَ الأمْرِ كَما ذُكِرَ لا إلى المَعْطُوفِينَ جَمِيعًا وفي الكَشْفِ أنَّهُ ضِمْنَ هَذا التَّعْقِيبِ التَّرَقِّي في الإنْكارِ يَعْنِي لا عَجَبَ مِن إنْكارِهِمْ لِآياتِكَ الباهِرَةِ مَعَ ظُهُورِها إنَّما العَجَبُ كُلَّ العَجَبِ جَعْلُهُمُ القادِرَ عَلى إنْزالِها المُجازِيَ لَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ مَعانِيها وأمْثالِها بِقَوارِعَ تَتْرى واحِدَةٌ غِبَّ أُخْرى يُشاهِدُونَها رَأْيَ عَيْنٍ تَتَرامى بِهِمْ إلى دارِ البَوارِ وأهْوالِها كَمَن لا يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا فَضْلًا عَمَّنِ اتَّخَذَهُ رَبًّا يَرْجُو مِنهُ دَفْعًا أوْ جَلْبًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ أيْ بَعْدَ ما ذُكِرَ أقُولُ هَذا الأمْرُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وفِيها دَلالَةٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ كَسَبَتْ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً لا مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ ولا يَلْزَمُ اجْتِماعُ الأمْرَيْنِ حَتّى يَخُصَّ كُلَّ نَفْسٍ بِالمُشْرِكِينَ وأبْعَدَ مَن قالَ: إنَّها عَطْفٌ عَلى ﴿ اسْتُهْزِئَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً عَلى مَعْنى أفَمَن هَذِهِ صِفاتُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ وقَدْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ لا شَرِيكًا واحِدًا وقالَ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ: المَعْنى عَلى الحالِيَّةِ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مَوْجُودٌ والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وهَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: أجَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويُحْرَمُ مِثْلِي ومِنهم مَن أجازَ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ بِمَعْنى النَّفْيِ فَهي خَبَرِيَّةٌ مَعْنًى وقَدَّرَ آخَرُونَ الخَبَرَ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجُعِلَ العَطْفُ عَلَيْهِ أيْ أفَمَن هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وظاهِرُ كَلامِهِمُ اخْتِصاصُ العَطْفِ عَلى الخَبَرِ بِهَذا التَّقْدِيرِ دُونَ تَقْدِيرِ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ قالَ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ: ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ الِاخْتِصاصِ ووَجَّهَ ذَلِكَ الفاضِلُ الشَّمْنِيُّ بِأنَّ حُصُولَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّتِي هي شَرْطُ قَبُولِ العَطْفِ بِالواوِ إنَّما هو عَلى التَّقْدِيرِ الأخِيرِ دُونَ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ.

ويَدُلُّ عَلى الِاشْتِراطِ قَوْلُ أهْلِ المَعانِي: زَيْدٌ يَكْتُبُ ويُشْعِرُ مَقْبُولٌ دُونَ يُعْطِي ويُشْعِرُ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ فَإنَّ مُرادَهم أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا بِمَعْنى لَمْ يَكُنْ نَفْيًا لِلتَّشابُهِ عَلى طَرِيقِ الإنْكارِ فَلَوْ عُطِفَ جَعَلَهم شُرَكاءَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ وعَلى التَّقْدِيرِ الأخِيرِ الِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ والإنْكارُ فِيهِ بِمَعْنى لِمَ كانَ وعَدَمُ التَّوْحِيدِ وجَعْلُ الشُّرَكاءِ واقِعٌ مُوَبَّخٌ عَلَيْهِ مُنْكَرٌ فَيَظْهَرُ العَطْفُ عَلى الخَبَرِ وأمّا ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ التَّناسُبِ فَغَفْلَةٌ لِأنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَ تَشْبِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِغَيْرِهِ والشِّرْكِ تامَّةٌ وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ عَدَمُ التَّوْحِيدِ عَيْنُ الإشْراكِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْعَطْفِ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي عَلى ما ذَكَرَهُ فَهو مُحْتاجٌ إلى تَوْجِيهٍ آخَرَ.

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ وفي ذَلِكَ الحَذْفِ تَعْظِيمٌ لِلْقالَةِ وتَحْقِيرٌ لِمَن زَنَّ بِتِلْكَ الحالَةِ وفي العُدُولِ عَنْ صَرِيحِ الِاسْمِ في ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ تَفْخِيمٌ فَخِيمٌ بِواسِطَةِ الإبْهامِ المُضْمَرِ في إيرادِهِ مَوْصُولًا مَعَ تَحْقِيقِ أنَّ القِيامَ كائِنٌ وهم مُحَقِّقُونَ وفي وضْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى ( مَن ) تَنْصِيصٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى ذاتًا واسْمًا وتَنْبِيهٌ عَلى اخْتِصاصِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ ولَعَلَّ تَوْجِيهَ الوَضْعِ المَذْكُورِ مِمّا لا يُخْتَصُّ بِهِ تَقْدِيرٌ دُونَ تَقْدِيرٍ وخَصَّهُ بَعْضُهم فِيما يَحْتاجُ عَلَيْهِ إلى ضَمِيرِ ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ تَبْكِيتٌ إثْرَ تَبْكِيتٍ أيْ سَمُّوهم مَن هم وماذا أسْماؤُهم وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ ويُسَمّى إنَّما يُذْكَرُ ويُسَمّى مَن يَنْفَعُ ويَضُرُّ وهَذا مِثْلُ أنْ يُذْكَرَ لَكَ أنَّ شَخْصًا يُوَقَّرُ ويُعَظَّمُ وهو عِنْدَكَ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَذاكِرِهِ: سَمِّهِ حَتّى أُبَيِّنَ لَكَ زَيْفَهُ وأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يُقالُ في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي يَبْلُغُ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ فَيُقالُ سَمِّهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرَ ويُسَمّى ولَكِنَّ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ عَلى التَّهْدِيدِ والمَعْنى سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِذَلِكَ أمْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ فَإنَّهم في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِمْ عاقِلٌ وقِيلَ: إنَّ التَّهْدِيدَ هَنا نَظِيرُ التَّهْدِيدِ لِمَن نُهِيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ ثُمَّ قِيلَ لَهُ: سَمِّ الخَمْرَ بَعْدَ هَذا وهو خِلافُ الظّاهِرِ وقِيلَ: المَعْنى اذْكُرُوا صِفاتِهِمْ وانْظُرُوا هَلْ فِيها ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ ﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ ﴾ أيْ بَلْ أتُخْبِرُونَ اللَّهَ تَعالى ﴿ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ أيْ بِشُرَكاءَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِبادَةِ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ وتَعالى والمُرادُ نَفْيُها بِنَفْيِ لازِمِها عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا كانَ لا يَعْلَمُها وهو الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَهي لا حَقِيقَةَ لَها أصْلًا وتَخْصِيصُ الأرْضِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما زَعَمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ شُرَكاءُ فِيها والضَّمِيرُ المُسْتَقِرُّ في ﴿ يَعْلَمُ ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ لِلَّهِ تَعالى والعائِدُ عَلى ( ما ) مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلى ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العائِدُ ضَمِيرَ ﴿ يَعْلَمُ ﴾ والمَعْنى أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ تَعالى بِشَرِكَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَتَّصِفُ بِعِلْمٍ البَتَّةَ وذُكِرَ نَفْيُ العِلْمِ في الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ مَقَرُّ الأصْنامِ فَإذا انْتَفى عِلْمُها في المَقَرِّ الَّتِي هي فِيهِ فانْتِفاؤُهُ في السَّماواتِ العُلى أحْرى وقَرَأ الحَسَنُ ( أتُنْبِئُونَهُ ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْباءِ ﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ مَعْنًى مُتَحَقِّقٍ في نَفْسِ الأمْرِ كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ أنَّ الظّاهِرَ مِنَ القَوْلِ الباطِلِ مِنهُ وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ: .

أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ ويُطْلَقُ الظّاهِرُ عَلى الزّائِلِ كَما في قَوْلِهِ: .

وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها ومَن أرادَ ذَلِكَ هُنا فَقَدْ تَكَلَّفَ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ مِن ظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرُ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى وسَمّى بِهِ الأصْنامَ آلِهَةً حَقَّةً وحاصِلُ الآيَةِ نَفْيُ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلى حَقِّيَّةِ عِبادَتِها واتِّخاذِها آلِهَةً وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( أمْ ) مُتَّصِلَةً والِانْقِطاعُ هو الظّاهِرُ ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الِاحْتِجاجِ والأسالِيبِ العَجِيبَةِ ما يُنادِي بِلِسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَيَّنَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ كافِيًا في هَدْمِ قاعِدَةِ الإشْراكِ لِلتَّفَرُّعِ السّابِقِ والتَّحَقُّقِ بِالوَصْفِ اللّاحِقِ مَعَ ما ضُمِّنَ مِن زِياداتِ النُّكَتِ وكانَ إبْطالًا مِن طَرَفِ الحَقِّ وذُيِّلَ بِإبْطالِهِ مِن طَرَفِ النَّقِيضِ عَلى مَعْنى ولَيْتَهم إذْ أشْرَكُوا بِمَن لا يَجُوزُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ أشْرَكُوا مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ أدْنى تَوَهُّمٍ ورُوعِيَ فِيهِ أنَّهُ لا أسْماءَ لِلشُّرَكاءِ فَضْلًا عَنِ المُسَمّى عَلى الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ ثُمَّ بُولِغَ فِيهِ بِأنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ السُّؤالَ عَنْ حالِها بِظُهُورِ فَسادِها وسَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ مِن نَفْيِ العِلْمِ بِنَفْيِ المَعْلُومِ ثُمَّ مِنهُ بِعَدَمِ الِاسْتِئْهالِ والهَمْزَةُ المُضَمَّنَةُ فِيها تَدُلُّ عَلى التَّوْبِيخِ وتَقْرِيرِ أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُنَبِّئُوا عالِمَ السِّرِّ والخَفِيّاتِ بِما لا يَعْلَمُهُ وهَذا مُحالٌ عَلى مُحالٍ وفي جَعْلِهِ اتِّخاذَهم شُرَكاءَ ومُجادَلَتَهم رَسُولَ اللَّهِ  نُكْتَةً سَرِيَّةً بَلْ نُكَتٌ سَرِيَّةٌ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وقِيلَ: قَدْ بَيَّنَ الشَّمْسَ لِذِي عَيْنَيْنِ وما تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ طائِلٌ وما هو إلّا مُجَرَّدُ صَوْتٍ فارِغٍ حُقَّ لِمَن تَأمَّلَ فِيهِ حَقَّ التَّأمُّلِ أنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّهُ كَلامٌ مَصُونٌ عَنِ التَّعَمُّلِ صادِرٌ عَنْ خالِقِ القُوى والقَدْرِ تَتَضاءَلُ عَنْ بُلُوغِ طَرَفٍ مِن أسْرارِهِ أفْهامُ البَشَرِ.

وقَدْ ذَيَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ وهي كَما في الِانْتِصافِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ يُدَنْدِنُ بِها مَن هو عَنْ حِلْيَةِ الإنْصافِ عاطِلٌ هَذا ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إضْرابٌ عَنِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ هَذا فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّهم زُيِّنَ لَهم ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ كَيْدُهم لِلِاسْتِلامِ بِشِرْكِهِمْ أوْ تَمْوِيهِهِمُ الأباطِيلَ فَتَكَلَّفُوا إيقاعَها في الخَيالِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوها شَيْئًا لِتَمادِيَهم في الضَّلالِ وعَلى هَذا المُرادِ مَكْرُهم بِأنْفُسِهِمْ وعَلى الأوَّلِ مَكْرُهم بِغَيْرِهِمْ وإضافَةُ مَكْرٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ وجُوِّزَ عَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ وفِيهِ بُعْدٌ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ ( بَلْ زَيَّنَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و( مَكْرَهم ) بِالنَّصْبِ ( وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ) أيْ سَبِيلِ الحَقِّ فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ أوْ ما عَداهُ كَأنَّهُ غَيْرُ سَبِيلِ وفاعِلُ الصَّدِّ إمّا مَكْرُهم ونَحْوُهُ أوِ اللَّهُ تَعالى بِخَتْمِهِ عَلى قُلُوبِهِمْ أوِ الشَّيْطانُ بِإغْوائِهِ لَهم والِاحْتِمالانِ الأخِيرانِ جارِيانِ في فاعِلِ التَّزْيِينِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( وصَدُّوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو كالأوَّلِ مِن صَدَّهُ صَدًّا فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ صَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَدَّ صُدُودًا فَلا مَفْعُولَ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( وصِدُّوا ) بِكَسْرِ الصّادِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ في المُؤْمِنِ والكَسْرُ هُنا لِابْنِ يَعْمُرَ والفِعْلُ عَلى ذَلِكَ مَجْهُولٌ نُقِلَتْ فِيهِ حَرَكَةُ العَيْنِ إلى الفاءِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الأجْوَفِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ( وصَدٌّ ) بِالتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى مَكْرِهِمْ ﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ .

(33) .

يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى ويُوصِلُهُ إلى ما فِيهِ نَجاتُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزأ بك قومك فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أمهلتهم بعد الاستهزاء، ولم أعاقبهم ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعذاب عند المعصية بالتكذيب، فأهلكتهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ يعني: فكيف رأيت إنكاري وتعييري عليهم بالعذاب؟

لم ير النبيّ  عقوبتهم، إلا أنه علم بحقيقته فكأنه رأى عيانا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مبتدأ، وخبره طُوبى لَهُمْ.

واختلف في معنى طُوبى، فقال ابن عباس: طُوبى: اسمُ الجنَّةِ بالحَبَشِيَّةِ «١» ، وقيل: طُوبى: اسم الجنَّة بالهِنْدِيَّة، وقيل: طُوبى: اسم شجرة في الجنَّة، وبهذا تواترتِ الأحاديث قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «طُوبَى اسم شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها ...

» «٢» الحديث.

قال ص: طُوبى: «فُعْلَى» من الطِّيب، والجمهور أنها مفرد مصدر ك «سُقْيَا وبُشْرَى» .

قال الضَّحَّاك: ومعناها: غِبْطَةً لهم «٣» ، قال القُرطُبيُّ «٤» : والصحيحُ أنها شجرةٌ للحديث المرفوع.

انتهى.

ت: وروى الشيخُ الحافظ أبو بكْرٍ أحمدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثابتِ بنِ الخَطِيبِ البَغْدَادِيُّ في «تاريخه» ، عن شيخه أبي نُعَيْمٍ الأَصبهانيِّ بسنده عن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِك!

قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، ثُمَّ طُوبَى، ثُم طُوبَى، ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي» ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا طُوبَى؟

قَالَ: «شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةَ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» «٥» .

انتهى من ترجمة «أحمد بن الحَسَن» .

وقوله تعالى: «كذلك أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ» : أي: كما أجرينا عادَتَنا، كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ ...

الآية.

وقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ: قال قتادة: نزلَتْ في قريش: لما كُتِبَ في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في قصَّة الحُدَيْبِيَة، فقال قائلهم: نَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرحمن «١» .

قال ع «٢» : وذلك منهم إِباءةُ اسم فقطْ، وهروبٌ عن هذه العبارة التي لم يَعْرِفُوها إِلا مِنْ قِبَل النبيِّ عليه السلام، وال مَتابِ: المرجعُ ك «المآب» لأن التوبة هي الرجُوعُ.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ...

الآية:

قال ابن عباس وغيره: إِن الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أزِحْ عَنَّا وَسَيِّرِ جَبَلِيْ مَكَّةَ، فَقَدْ ضَيَّقَا عَلَيْنَا، واجعل لَنَا أَرْضَنَا قِطَعَ غِرَاسَةٍ وَحَرْثٍ، وأوحي لَنَا آبَاءَنَا وَأَجْدَادَنَا، / وَفُلاَناً وفُلاَناً، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك معلمةً أنهم لا يُؤْمِنُونَ، ولو كان ذلك كله «٣» .

وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: «يَيْئَس» : معناه: يعلم، وهي لغة هَوَازِنَ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّن» ، ثم أخبر سبحانه عن كُفَّار قريشٍ والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وغزواته، ثم قال: «أَوْ تُحَلُّ أَنْتَ يَا محمَّد قريباً من دارهم» .

[هذا تأويلُ ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» .

وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: المعنى: أو تَحُلُّ القارعةُ قريباً من دارهم] «٥» ، ووَعْدُ اللَّهِ على قول ابن عباس وغيره: هو فَتْحُ مَكَّة، وقال الحسن: الآيةُ عامَّة في الكفّار إلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ يَعْنِي: نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ.

ومَعْنى القِيامِ هاهُنا: التَّوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ، والتَّدْبِيرُ لِأرْزاقِهِمْ وآجالِهِمْ، وإحْصاءُ أعْمالِهِمْ لِلْجَزاءِ، والمَعْنى: أفَمَن هو مُجازِي كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، يُثِيبُها إذا أحْسَنَتْ، ويَأْخُذُها بِما جَنَتْ، كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الأصْنامِ ؟

قالَ الفَرّاءُ: فَتُرِكَ جَوابُهُ، لِأنَّ المَعْنى مَعْلُومٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَشُرَكائِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أيْ: بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الصِّفاتِ وإضافَةِ الأفْعالِ إلَيْهِمْ إنْ كانُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما يُسَمّى اللَّهُ بِالخالِقِ، والرّازِقِ، والمُحْيِي، والمُمِيتِ، ولَوْ سَمَّوْهم بِشَيْءٍ مِن هَذا لَكَذَبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مُنْقَطِعٌ مِمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَإنْ سَمَّوْهم بِصِفاتِ اللَّهِ، فَقُلْ لَهم: أتُنَبِّئُونَهُ، أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِشَرِيكٍ لَهُ في الأرْضِ وهو لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولَوْ كانَ لَعَلِمَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أمْ بِظَنٍّ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: بِباطِلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: بِكَلامٍ لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ الكُفْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " وصَدُّوا " بِفَتْحِ الصّادِ، ومِثْلُهُ في (حم المُؤْمِنِ) [غافِرٍ:٣٧] .

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " وصُدُّوا " بِالضَّمِّ فِيهِما.

فَمَن فَتَحَ، أرادَ صَدُّوا المُسْلِمِينَ، إمّا عَنِ الإيمانِ، أوْ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ.

ومَن ضَمَّ، أرادَ: صَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْ سَبِيلِ الهُدى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهُ إنَّ اللهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ الكافُ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ  ﴾ ، أيْ: كَما أنْفَذَ اللهُ هَذا كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ، هَذا قَوْلٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المَعْنى: كَما أجْرَيْنا العادَةَ بِأنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي، لا الآياتُ المُقْتَرَحَةُ، فَكَذَلِكَ أيْضًا فِعْلُنا في هَذِهِ الأُمَّةِ، أرْسَلْناكَ إلَيْها بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ حِينَ عاهَدَهم رَسُولُ اللهِ  عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ الكِتابَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، فَقالَ قائِلُهُمْ: نَحْنُ لا نَعْرِفُ الرَحْمَنَ ولا نَقْرَأُ اسْمَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ "الرَحْمَنَ" هُنا يُرادُ بِهِ اللهُ تَعالى وذاتُهُ، ونَسَبَ إلَيْهِمُ الكُفْرَ بِهِ عَلى الإطْلاقِ، وقِصَّةُالحُدَيْبِيَةَ وقِصَّةُ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ مَعَ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، إنَّما هي عن إبايَةِ الِاسْمِ فَقَطْ، وهُرُوبٌ عن هَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفُوها إلّا مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ  ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِالتَصْرِيحِ بِالدِينِ والإفْصاحِ بِالدَعْوَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ ، و"المَتابُ": المَرْجِعُ كالمَآبِ، لِأنَّ التَوْبَةَ: الرُجُوعُ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ الآيَةُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ الإخْبارَ عنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَلَ قُرْآنٌ سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ، هَذا تَأْوِيلُ الفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أنَّ قُرْآنًا يَكُونُ صِفَتُهُ كَذا لَما آمَنُوا بِوَجْهٍ، وقالَ أهْلُ هَذا التَأْوِيلِ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: «إنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : أزِحْ عَنّا، أو سَيِّرْ جَبَلَيْ مَكَّةَ فَقَدْ ضَيَّقا عَلَيْنا، واجْعَلْ لَنا أرْضًا قِطَعَ غِراسَةٍ وحَرْثٍ، وأحْيِ لَنا آباءَنا وأجْدادَنا وفُلانًا وفُلانًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» في ذَلِكَ مُعْلِمَةً أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ ولَكِنَّهُ لَيْسَ في هَذا المَعْنى، بَلْ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ الَّذِي يُصْنَعُ بِهِ هَذا، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- تَعْظِيمَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يُحَرِّرُ فَصاحَةَ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ يُعَضِّدُ التَأْوِيلَ الأخِيرَ ويَتَرَتَّبُ مَعَ الآخَرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِمَعْنى: يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ هَوازِنَ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ "هَبِيلٍ" حَيٌّ مِنَ النَخَعِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرِياحِيِّ: أقُولُ لَهم بِالشِعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اليَأْسُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَ إيمانَهم في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةُ، عَلى التَأْوِيلَيْنِ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ قالَ في هَذِهِ: أفَلَمْ يَيْأسِ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، عِلْمًا مِنهم أنْ لَوْ شاءَ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا؟

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "يَأْيَسْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ".

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ أنَّهم لا يَزالُونَ تُصِيبُهم قَوارِعُ مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ  وغَزَواتِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: "وَلا يَزالُ الَّذِينَ ظَلَمُوا"، ثُمَّ قالَ: ﴿ أو تَحُلُّ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، هَذا تَأْوِيلُ فِرْقَةٍ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ، وعَزاهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: أو تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: "أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دِيارِهِمْ" بِالجَمْعِ.

وَوَعْدُ اللهِ -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَوْمٍ- فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآيَةُ عامَّةٌ في الكُفّارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ حالَ الكَفَرَةِ هَكَذا هي أبَدًا، ووَعْدُ اللهِ قِيامُ الساعَةِ، و"القارِعَةُ": الرَزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها بِفَظاعَتِها كالقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ المالِ وكَشْفِ الحَرِيمِ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ .

هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ  ، أيْ: لا يَضِيقُ صَدْرُكُ يا مُحَمَّدُ بِما تَرى مِن قَوْمِكَ وتَلْقى مِنهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ولا نَكِيرٍ، قَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، و"أمْلَيْتُ لَهُمْ": أيْ: مَدَدْتُ المُدَّةَ وأطَلْتُ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدْراجِ، وهو مِنَ المُلاوَةِ مِنَ الزَمَنِ، ومِنهُ: تَمَلَّيْتُ حَسَنَ العَيْشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَعْجِيبٌ، في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء الواقعة بعد همزة الاستفهام مؤخرة من تقديم لأن همزة الاستفهام لها الصدارة.

فتقدير أصل النظم: فأمن هو قائم.

فالفاء لتفريع الاستفهام وليس الاستفهام استفهاماً على التفريع، وذلك هو الوجه في وقوع حروف العطف الثلاثة الواو والفاء وثم بعد الاستفهام وهو رأي المحقيقين، خلافاً لمن يجعلون الاستفهام وارداً على حرف العطف وما عَطفه.

فالفاء تفريع على جملة ﴿ قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ﴾ [الرعد: 30] المجاببِ به حكاية كفرهم المضمن في جملة ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ [الرعد: 30]، فالتفريع في المعنى على مجموع الأمرين: كفرهم بالله، وإيمان النبي بالله.

ويجوز أن تكون تفريعاً على جملة ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ [الرعد: 31]، فيكون ترقياً في إنكار سؤالهم إتيان معجزة غير القرآن، أي إن تعجب من إنكارهم آيات القرآن فإن أعجب منه جعلهم القائم على كل نفس بما كسبت مماثلاً لمن جعلوهم لله شركاء.

واعتُرض أثرَ ذلك بردّ سُؤالهم أن تُسيّر الجبال أو تُقَطّع الأرض أو تُكلّم الموتى، وتذكيرهم بما حل بالمكذبين من قبلهم مع إدماج تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم فرع على ذلك الاستفهام الإنكاري.

وللمفسرين في تصوير نظم الآية محامل مختلفة وكثير منها متقاربة، ومرجع المتجه منها إلى أن في النظم حذفاً يدل عليه ما هو مذكور فيه، أو يدل عليه السياق.

والوجه في بيان النظم أن التفريع على مجموع قوله: وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو} أي أن كفرهم بالرحمان وإيمانك بأنه ربّك المقصورة عليه الربوبية يُتفرع على مجموع ذلك استفهامُهم استفهامَ إنكار عليهم تسويتهم من هو قائم على كلّ نفس بمن ليس مثله من جعلوهم له شركاء، أي كيف يشركونهم وهم ليسوا سواء مع الله.

وما صدق ﴿ من هو قائم على كلّ نفس ﴾ هو الله الإله الحق الخالق المدبّر.

وخبر ﴿ من هو قائم ﴾ محذوف دلت عليه جملة ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ .

والتقدير: أمن هو قائم على كل نفس ومن جعلوهم به شركاء سواء في استحقاق العبادة.

دل على تقديره ما تقتضيه الشركة في العبادة من التسوية في الإلهية واستحقاق العبادة.

والاستفهام إنكار لتلك التسوية المفاد من لفظ ﴿ شركاء ﴾ .

وبهذا المحذوف استغني عن تقدير معادل للهمزة كما نبّه عليه صاحب «مغني اللّبيب»، لأن هذا المقدّر المدلول عليه بدليل خاص أقوى فائدة من تقدير المعادل الّذي حاصله أن يقدر: أم من ليس كذلك.

وسيأتي قريباً بيان موقع ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ .

والعدول عن اسم الجلالة إلى الموصول في قوله: ﴿ أفمن هو قائم ﴾ لأن في الصلة دليلاً على انتفاء المساواة، وتخطئة لأهل الشرك في تشريك آلهتهم لله تعالى في الإلهية، ونداء على غباوتهم إذ هم معترفون بأن الله هو الخالق.

والمقدر باعتقادهم ذلك هو أصل إقامة الدليل عليهم بإقرارهم ولما في هذه الصلة من التعريض لما سيأتي قريباً.

والقائم على الشيء: الرقيب، فيشمل الحفظ والإبقاء والإمداد، ولتضمنه معنى الرقيب عدي بحرف ﴿ على ﴾ المفيد للاستعلاء المجازي.

وأصله من القيام وهو الملازمة كقوله: ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ [سورة آل عمران: 75].

ويجيء من معنى القائم أنه العليم بحال كل شيء لأن تمام القيومية يتوقف على إحاطة العلم.

فمعنى قائم على كل نفس } مُتولّيها ومدبّرها في جميع شؤونها في الخلق والأجل والرزق، والعالم بأحوالها وأعمالها، فكان إطلاق وصف ﴿ قائم ﴾ هنا من إطلاق المشترك على معنييه.

والمشكرون لا ينازعون في انفراد الله بهذا القيام ولكنهم لا يراعون ذلك في عبادتهم غيره، فمن أجل ذلك لزمتهم الحجة ولمراعاة هذا المعنى تعلق قائم بقوله: ﴿ على كل نفس ﴾ ليعم القيام سائر شؤونها.

والباء في قوله: ﴿ بما كسبت ﴾ للملابسة.

وهي في موقع الحال من ﴿ نفس ﴾ أو من ﴿ قائم ﴾ باعتبار ما يقتضيه القيام من العلم، أي قياماً ملابساً لما عملته كل نفس، أي قياماً وفاقاً لأعمالها من عمل خير يقتضي القيامَ عليها باللطف والرضى فتظهر آثار ذلك في الدنيا والآخرة لقوله: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيّبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [سورة النحل: 97]، وقال: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ﴾ [سورة النور: 55]؛ أو من عَمَل شر يقتضي قيامَه على النفس بالغضب والبلايا.

ففي هذه الصلة بعمومها تبشير وتهديد لمن تأمل من الفريقين.

فهذا تعريض بالأمرين للفريقين أفادته صلة الموصول.

وجملة وجعلوا لله شركاء} في موضع الحال، والواو للحال، أي والحال جعلوا له شركاء.

وإظهار اسم الجلالة إظهار في مقام الإتيان بضمير ﴿ من هو قائم ﴾ .

وفائدة هذا الإظهار التعبير عن المسمى باسمه العَلَم الذي هو الأصل إذ كان قد وقع الإيفاء بحق العدول عنه إلى الموصول في الجملة السابقة فتهيأ المقام للاسم العَلَم، وليكون تصريحاً بأنه المراد من الموصول السابق زيادة في التصريح بالحجة.

وجملة ﴿ قل سموهم ﴾ استئناف أعيد معها الأمر بالقول لاسترعاء الأفهام لوَعي ما سيذكر.

وهذه كلمة جامعة، أعني جملة ﴿ سموهم ﴾ ، وقد تضمنت رداً عليهم.

فالمعنى: سموهم شركاء فليس لهم حظ إلا التسمية، أي دون مسمى الشريك، فالأمر مستعمل في معنى الإباحة كناية عن قلة المبالاة بادعائهم أنهم شركاء مثل ﴿ قل كونوا حجارة ﴾ [سورة الإسراء: 50]، وكما تقول للذي يخطئ في كلامه: قُل ما شئتَ.

والمعنى: إن هي إلا أسماء سميتموها لا مسمياتتٍ لها بوصف الإلهيّة لأنها حجارة لا صفات لها من صفات التصرف.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ [سورة يوسف: 40] وقوله: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها ﴾ [سورة النجم: 23].

وهذا إفحام لهم وتسفيه لأحلامهم بأنهم ألّهوا ما لا حقائق لها فلا شبهة لهم في ذلك، كقوله تعالى: ﴿ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ﴾ [سورة الرعد: 16].

وقد تمحل المفسرون في تأويل قل سموهم } بما لا مُحَصّل له من المعنى.

ثم أضرب عن ذلك بجملة ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ وهي ﴿ أم ﴾ المنقطعة.

ودَلت ﴿ أم ﴾ على أن ما بعدها في معنى الاستفهام، وهو إنكاري توبيخي، أي ما كان لكم أن تفتروا على الله فتضعوا له شركاء لم ينبئكم لوجودهم، فقوله: ﴿ بما لا يعلم في الأرض ﴾ كناية عن غير الموجود لأن ما لا يعلمه الله لا وجود له إذ لو كان موجوداً لم يَخْفَ على علم العلام بكل شيء.

وتقييد ذلك ب ﴿ الأرض ﴾ لزيادة تجهيلهم لأنه لو كان يخفى عن علمه شيء لخفي عنه ما لا يرى ولما خفيت عنه موجودات عظيمة بزعمكم.

وفي سورة يونس (18) ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ﴾ زيادة في التعميم.

وأم } الثانية متصلة هي معادلة همزة الاستفهام المقدرة في ﴿ أم تنبئونه ﴾ .

وإعادة الباء للتأكيد بعد ﴿ أم ﴾ العاطفة.

والتقدير: بل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض بل أتنبئونه بظاهر من القول.

وليس الظاهر هنا مشتقاً من الظهور بمعنى الوضوح بل هو مشتق من الظُور بمعنى الزوال كناية عن البطلان، أي بمجرد قبول لا ثبات له وليس بحق، كقول أبي ذؤيب: وتلككِ شكاة ظاهر عنككِ عارُها *** وقول سبرة بن عمرو الفقعسي: أعيّرْتَنا ألبانها ولحومها *** وذلك عارياً يا ابنَ رَيْطة ظاهر وقوله: ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ إضراب عن الاحتجاج عليهم بإبطال إلهية أصنامهم إلى كشف السبب، وهو أن أيمة المشركين زيّنوا للذين كفروا مكرهم بهم إذ وضعوا لهم عبادتَها.

والمكر: إخفاء وسائل الضر.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ في أوائل سورة آل عمران (54)، وعند قوله: ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ في سورة الأعراف (99)، وعند قوله: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ في سورة الأنفال (30).

والمراد هنا أن أيمة الكفر مثل عَمْرو بن لُحَيّ وضعوا للعرب عبادة الأصنام وحسّنوها إليهم مظهرين لهم أنها حق ونفع وما أرادوا بذلك إلا أن يكونوا قادة لهم ليسودُوهم ويُعبّدوهم.

فلما كان الفعل المبني للمجهول يقتضي فاعلاً منويّاً كان قوله: زين للذين كفروا} في قوة قولك: زيّن لهم مزين.

والشيء المزيّن (بالفتح) هو الذي الكلام فيه وهو عبادة الأصنام فهي المفعول في المعنى لفعل التزيين المبني للمجهول، فتعين أن المرفوع بعد ذلك الفعل هو المفعول في المعنى، فلا جرم أن مكرهم هو المفعول في المعنى، فتعيّن أن المكر مراد به عبادة الأصنام.

وبهذا يتجه أن يكون إضافة (مكر) إلى ضمير الكفار من إضافة المصدر إلى ما هو في قوة المفعول وهو المجرور بباء التعدية، أي المكر بهم ممن زينوا لهم.

وقد تضمن هذا الاحتجاح أساليب وخصوصيات: أحدها: توبيخهم على قياسهم أصنامهم على الله في إثبات الإلهية لها قياساً فاسداً لانتفاء الجهة الجامعة فكيف يسوي من هو قائم على كل نفس بمن ليسوا في شيء من ذلك.

ثانيها: تبهيلهم في جعلهم أسماءَ لا مسمياتتٍ لها آلهةً.

ثالثها: إبطال كون أصنامهم آلهة بأن الله لا يعلمها آلهة، وهو كناية عن انتفاء إلهيتها.

رابعها: أن ادعاءهم آلِهة مجرد كلام لا انطباق له مع الواقع، وهو قوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ .

خامسها: أن ذلك تمويه باطل روجه فيهم دعاة الكفر، وهو معنى تسميته مكراً في قوله: ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ .

سادسها: أنهم يصدون الناس عن سبيل الهدى.

وعُطف ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ على جملة ﴿ زين للذين كفروا مكرهم ﴾ .

وقرأه الجمهور بفتح الصاد فهو باعتبار كون مضمون كلتا الجملتين من أحوال المشركين: فالأولى باعتبار كونهم مفعولين، والثانية باعتبار كونهم فاعلين للصدّ بعد أن انفعلوا بالكفر.

وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائيّ، وخلف ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد فهو كجملة ﴿ زين للذين كفروا ﴾ في كون مضمون كلتيهما جعْل الذين كفروا مفعولاً للتزيين والصدّ.

وجملة ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ تذييل لما فيه من العموم.

وتقدم الخلاف بين الجمهور وابن كثير في إثبات ياء ﴿ هاد ﴾ في حالة الوصل عند قوله تعالى: ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ في هذه السورة (7).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِبَنِي آدَمَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: هو اللَّهُ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها نَفْسُهُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قائِمٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي والِيًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ قائِمًا بِالقِسْطِ ﴾ أيْ والِيًا بِالعَدْلِ.

الثّانِي: يَعْنِي عالِمًا بِما كَسَبَتْ، قالَ الشّاعِرُ: فَلَوْلا رِجالٌ مِن قُرَيْشٍ أعِزَّةٌ سَرَقْتُمْ ثِيابَ البَيْتِ واللَّهُ قائِمُ وَيَحْتَمَلُ ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما كَسَبَتْ مِن رِزْقٍ تَفَضُّلًا عَلَيْها فَيَكُونُ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ.

الثّانِي: ما كَسَبَتْ مِن عَمَلٍ حِفْظًا عَلَيْها، فَيَكُونُ خارِجًا مَخْرَجَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ يَعْنِي أصْنامًا جَعَلُوها آلِهَةً.

﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قُلْ سَمُّوهم آلِهَةً عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ.

الثّانِي: يَعْنِي قُلْ صِفُوهم لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً.

﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ أيْ تُخْبِرُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ أنَّ في الأرْضِ إلَهًا غَيْرُهُ.

﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بِباطِلٍ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها ∗∗∗ وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ أيْ بِالحَلِّ.

الثّانِي: بِظَنٍّ مِنَ القَوْلِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّالِثُ: بِكَذِبٍ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّ الظّاهِرَ مِنَ القَوْلِ هو القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: أنْ يَكُونَ الظّاهِرُ مِنَ القَوْلِ حُجَّةً يُظْهِرُونَها بِقَوْلِهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ مُشاهِدِينَ أمْ تَقُولُونَ مُحْتَجِّينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية- حين صالح قريشاً، كتب في الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم.

فقالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم.

فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم.

قال: لا، ولكن اكتبوا كما يريدون» وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في الآية قال: هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في الحديبية، كتب «بسم الله الرحمن الرحيم.

فقالوا: لا نكتب الرحمن وما ندري ما الرحمن!....

وما نكتب إلا باسمك اللهم فأنزل الله تعالى ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإليه متاب ﴾ قال: توبتي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ الآية، قال ابن عباس (١) (٢) (٣) ﴿ قَائِمًا بِالْقِسْطِ  ﴾ ، أي والباء كذلك (٤) (٥) (٦) فلولا رجالٌ من قُريشٍ أعِزَّة ...

سرقتم ثِيَابَ البَيْتِ والله قائِمُ أراد والله عالم، قال أبو بكر: وهذا القول أثبت، قال الفراء (٧) قال الفراء: قد بينه ما بعده إذ قال: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ كأنه في المعنى: كشركائهم (٨) ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ ﴾ مضمَّن (٩) ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ صار بدلالته على الجواب كأنه ذكر، كقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ  ﴾ ، ولم يجيء له جواب حتى قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ فصار هذا يدل على الجواب؛ لأن تأويله: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قلبه قاس.

وقوله (١٠) ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ وقع هذا موقع جواب (أفمن) على ما ذكره الفراء في المعنى.

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ ليس يريد بهذا أن يذكروا أسماءهم التي جعلوها لهم كاللات والعزى؛ لأنه لا يكون في هذا احتجاج عليهم، ولكن المعنى سموهم بما يستحقون من الأسماء التي هي صفات، ثم انظروا هل تدل صفاتهم على أنه يجوز أن يعبدوا أم لا؟

وهذا تنبيه على أنهم مبطلون، لأن المعنى يؤول إلى أن الصنم لو كان إلهًا لتصور منه أن يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولحسن حينئذٍ أن يسمى بالخالق والرازق، فكأن الله تعالى قال: قل سموهم بإضافة أفعالهم إليهم إن كانوا شركاء (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ﴾ يجوز أن يكون (أم) هاهنا عاطفة على استفهام متقدم في المعنى، وذلك أن قوله ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ معناه: ألهم أسماء الخالقين؟؛ لأن المراد في أمرهم بالتسمية؛ الإنكار عليهم أنه ليس للأصنام أسماء الخالقين ولا صفاتهم، والإنكار صورته سورة الاستفهام.

ويجوز أن يكون (أم) استفهامًا مبتدأ به منقطعًا بما قبله كقوله ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ  ﴾ وليس قبله استفهام، وذكرنا هذا قديمًا، وتأويل الآية هاهنا: فإن سموهم بصفات الخالقين قل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟

ومعنى هذا: أنهم كانوا يزعمون أن لله شركاء، والله تعالى لا يعلم لنفسه شريكًا، فقال: أتنبئون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟

ومعنى ﴿ بِمَا لَا يَعْلَمُ ﴾ أي: بما يعلم أنه ليس.

فالنفي وإن دخل على العلم؛ فالمراد به نفى ذلك المعلوم؛ لأنه لا يجوز أن ينتفي العلم عن الله تعالى، وقال صاحب النظم: وقد قيل: إن (يعلم) هاهنا فصل عطل عن المعنى، (ولا) بمنزلة ليس، على تأويل: أم تنبئونه بما ليس في الأرض، وخص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض، لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض لا في غيرها.

وقوله تعالى: ﴿ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ يعني أم يقولون مجازًا من القول وباطلاً لا حقيقة له والباء في قوله ﴿ بِظَاهِرٍ ﴾ لا يكون من صلة الشبه، بل هي من صلة القول المضمر على معنى: أم يقولون بظاهر من القول، وفسر الظاهر هاهنا تفسيرين أحدهما: أن معناه أنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى رجوع إلى حقيقة، والثاني أن معناه الباطل الزائل (١٤) (١٥) (١٦) وتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُها أي باطل وزائل، وهذا الوجه اختيار صاحب النظم.

وقوله تعالى: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ﴾ معنى (بل) هاهنا كأنه يقول دع ذكر ما كنا فيه؛ زين لهم مكرهم، كقول لبيد (١٧) بل ما تَذْكُر من نَوَار وقَدْ نَأَتْ ...

وتَقَطّعَتْ أسْبَابُها ورِمَامُهَا كأنه كان في ذكر شيء فتركه وعاد إلى ذكر هذه المرأة، كذلك الله تعالى ترك ذكر الاحتجاج عليهم، وبين سبب كفرهم وإقامتهم على ذلك، بقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ﴾ قال ابن عباس (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ قال ابن عباس (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ الوقف على هذا بسكون الدال من غير إثبات ياء قراءة أكثر (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ دَعْوَةَ الدَّاعِ  ﴾ ، والأول أكثر في استعمالهم (٣٠) (٣١) (١) الطبري 13/ 159، وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 119، و"زاد المسير" 4/ 333، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 311 عن الحسن.

(٢) "زاد المسير" 4/ 333.

بنحوه.

(٣) لم يرد دليل على نفي الانتصاب، فالنفي يحتاج إلى دليل، كما أن الإثبات كذلك.

(٤) في (ب): (لذلك).

(٥) انظر: "مقاييس اللغة" 5/ 43، و"تهذيب اللغة" (قوم) 3/ 2864.

(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو غير منسوب في "النكت والعيون" 3/ 114، والقرطبي 9/ 322.

(٧) "معاني القرآن" 2/ 64.

(٨) في (ح): (كثير كأنهم).

(٩) في (ب): (مضمر).

(١٠) في (ب): (وقوله تعالى).

(١١) في (ب): (شركاء الله).

(١٢) في (ب): (كأنصاف).

(١٣) "زاد المسير" 4/ 333.

بنحوه.

(١٤) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 311 وذكر عن الكلبي نحوه.

(١٥) "تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2259.

(١٦) الببت في شرح أشعار الهذليين للسكري 1/ 70، وصدره: وعيرها الواشون أني أحبها وفي "اللسان" (ظهر) 5/ 2769، (شكا) 4/ 2314، و"التنبيه والإيضاح" 2/ 159، و"تاج العروس" 7/ 175 (ظهر)، و"مقاييس اللغة" 3/ 272، و"تهذيب اللغة" 3/ 2259، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2259، و"مجمل اللغة" 2/ 603.

(١٧) "ديوانه" ص 166، و"تهذيب اللغة" 2/ 606 (سبب) 3/ 2994، و"اللسان" (قطع) 6/ 3674، وبلا نسبة في "اللسان" (سبب) 4/ 1910، و"تاج العروس" (سبب) 2/ 66.

(١٨) "زاد المسير" نوار: اسم امرأة.

نأت: ابتعدت، تقطعت أسبابها: حبالها، والرمام: الحبال الضعاف التي خلقت 4/ 333، والقرطبي 9/ 323، و"تفسير كتاب الله العزيز" 20/ 311 عن مجاهد.

(١٩) "تنوير المقباس" (158) بنحوه، و"زاد المسير" 4/ 334، القرطبي 9/ 323.

(٢٠) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (وصَدُّوا) بفتح الصاد، وقرا عاصم وحمزة والكسائي (وصُدُّوا) بالضم.

انظر: "السبعة" ص 359، و"الإتحاف" 13/ 161، والطبري 16/ 467، والقرطبي 9/ 323، و"زاد المسير" 4/ 333، و"البحر المحيط" 5/ 395.

(٢١) في (أ)، (ج): (أبي عبيدة).

بالهاء.

(٢٢) الثعلبي 7/ 139 أ.

(٢٣) النحل: 88، محمد: 1.

(٢٤) "الحجة" 5/ 23، 24.

بنحوه.

وعامة القراء على هذه القراءة، وابن كثير وحده يقف على الهاء.

انظر: "السبعة" ص 360.

(٢٥) ما بين القوسين ساقط من (ب).

(٢٦) انظر: "السبعة" ص360.

(٢٧) في (ب): (أمر).

(٢٨) في "الحجة": فإذا أمن التنوين الذي كانت الياء حذفت في الوصل من أجل التقائها معها في الوصل.

(٢٩) في "الحجة": هادي، والأول أكثر في استعمالهم.

(٣٠) في "الحجة": كذلك تثبت في النداء لذلك.

(٣١) آخر النقل عن "الحجة" 5/ 23، 24.

بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال ﴾ الآية: جواب لو محذوف تقديره: لو أن قرآناً على هذه الصفة من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لم يؤمنوا به، فالمعنى كقوله: لا يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية، وقيل تقديره: ولو أن قرآناً على هذه الصفة لكان هذا القرآن الذي هو غاية في التذكير ونهاية في الإنذار كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدِّعاً ﴾ [الحشر: 21]، وقيل هو متعلق بما قبله والمعنى، وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ معناه أفلم يعلم وهي لغة هوازن ﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني كفار قريش ﴿ قَارِعَةٌ ﴾ يعني مصيبة في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، أو غزوات المسلمين إليهم ﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ الفاعل ضمير القارعة.

والمعنى إما إن تصيبهم، وإما أن تقرب منهم، وقيل التاء للخطاب، والفاعل ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر ﴿ حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله ﴾ هو فتح مكة، وقيل قيام الساعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.

﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.

الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.

﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.

وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.

وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.

ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.

وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.

وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.

فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.

وعن الحسن.

خلق الله ليس بملك.

وعن النبي  : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .

وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.

وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.

وعن علي  : سبحان من سبحت له.

وكان رسول الله  يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .

وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ .

قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.

والمطر بكاؤهم.

أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه  جعل له أعواناً.

قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.

وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.

قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.

ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.

ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله  فقال رجل من أصحابه.

يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.

فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.

فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.

فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.

قال تجعل لي الأمر بعدك.

قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.

قال: لا.

قال: فماذا تجعل لي؟

قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.

قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟

وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.

فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي  ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله  فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.

فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟

ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.

قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .

ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.

وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.

أبو عبيدة: شديد العقوبة.

الحسن: شديد النقمة.

وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه  يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.

وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي  في الكافرين حين دعا عليهما.

وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.

وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.

﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.

﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.

والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.

وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.

ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.

ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.

وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض  ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.

كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.

وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.

وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.

ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".

واعلم أنه  ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة  ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.

وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض  ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.

وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله  أعلم بمراده.

ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟

فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.

والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.

وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.

ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.

قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله  وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.

ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.

وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.

قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.

وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.

ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.

قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.

والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.

ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.

وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.

ثم قال  إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.

أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين  ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.

﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.

ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.

يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.

وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه  أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.

ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.

ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.

وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.

وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.

وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.

وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.

وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.

وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.

﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.

ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.

ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم  ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.

وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.

وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال  : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.

وقيل: هو مؤازة النبي  ومعاونته ونصرته في الجهاد.

وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.

وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.

وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .

﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.

وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.

﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .

﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.

قال  لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.

وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.

يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟

قال: من بلخ.

فقال: وهل تعرف شقيقاً؟

فقال: نعم.

فقال: كيف طريقة أصحابه؟

فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.

وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله  أن تكون مرجع أهلها.

والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.

قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.

وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.

قال الواحدي: والأول أصح لأن الله  جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.

ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.

والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.

وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله  بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.

قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.

وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.

وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.

وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.

ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.

والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.

وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.

وروي عن النبي  أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.

وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.

وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.

قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.

والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.

وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.

وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.

وقيل: المراد أنه  أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.

والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه  واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.

و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".

والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.

عن ابن عباس: فرح وقرة عين.

الضحاك: غبطة لهم.

قتادة: حسنى لهم.

الأصم: خير وكرامة.

الزجاج: عيش طيب.

والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.

وقيل: طوبى شجرة في الجنة.

حكى الأصم أن أصلها في دار النبي  وفي دار كل مؤمن منها غصن.

روي عن رسول الله  أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.

التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.

ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.

معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.

آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.

﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.

﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.

وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل  ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي  ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي  وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال  : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال بعض أهل التأويل: تأويله: لو أن قرآنا [ما] غير قرآنك؛ سيرت به الجبال؛ من أماكنها؛ أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لفعلناه بقرآنك أيضاً، ذلك ولكن لم نفعل بكتاب من الكتب التي أنزلتها على الرسل الذين من قبلك، ولكن شيء أعطيته أنبيائي ورسلي.

﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ .

يقول: بل جميع ذلك الأمر كان من الله؛ وليس من قبل القرآن؛ أي: لو فعل بالقرآن ذلك كان جميع ذلك من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ إن شاء فعل ما سألتم، وإن شاء لم يفعل ويشبه أن يكون غير هذا أقرب؛ أن يكون صلة ما تقدم من سؤالهم الآيات؛ وهو قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ فيقول: لو أن قرآنك الذي تقرؤه عليهم: لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لما آمنوا بك؛ ولما صدقوك على رسالتك على ما لا يؤمنون بالرحمن، وكل الخلائق له آية لوحدانيته وألوهيته، يخبر عن شدة تعنتهم وتمردهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه سلم؛ [ليعلم رسول الله  ] أن سؤالهم الآية سؤال تعنت وتمرد؛ ليس سؤال استرشاد واستهداء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ﴾ .

أي: لو أن قرآنا ما عمل [ما] ذكر لكان هذا القرآن؛ تعظيماً لهذا القرآن.

والتأويل الذي ذكرنا قبل هذا كأنه أقرب.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة ما تقدم؛ من قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية، يقول - والله أعلم -: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمان من كان على ما وصف الله، وتمام هذا كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات، ليؤمنوا؛ لما سألوا هم آيات من رسول الله؛ فيقول: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ عن إيمان هؤلاء؛ وهو كما قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا  ﴾ كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات ليؤمنوا؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ  ﴾ يأيها المؤمنون ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ أي: يؤمنون على طرح (لا) على هذا التأويل.

وقال بعضهم: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : أفلم يتبين للذين آمنوا أنهم لا يؤمنون؛ لكثرة ما رأوا منهم من العناد والمكابرة.

فسروا الإياس بالعلم والأيس؛ لأن الإياس إذا غلب يعمل عمل العلم؛ كالخوف والظن ونحوه جعلوه يقيناً، وعلماً للغلبة؛ لأنه إذا غلب يعمل عمل اليقين والعلم.

وقال بعضهم: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ ﴾ : أي: أفلم يعلم الذين آمنوا أن الله يفعل [ذلك]، لو شاء لهدى الناس جميعاً.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ قالت عائشة -  ا -: قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ خطأ من الكاتب، إنما هو (أفلم يتبين للذين آمنوا أن لو يشاء الله) فمعناه: أي: قد تبين للذين آمنوا.

وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ أي: أفلم يعلم الذين آمنوا، أي: قد علم الذين آمنوا، لو شاء الله إيمان الناس واهتداءهم لآمنوا واهتدوا.

وقال صاحب هذا التأويل: إن [هذا] جائز في اللغة: ييئس: يعلم، وذكر أنها لغة "نخع" وغيرها.

والله أعلم.

وقال بعضهم قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ مقطوع من قوله ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية، وهو موصول بما تقدم من قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ثم قال جواباً لما قالوا؛ كأنه قال: لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، أي: علم منه أنه يختار [الضلال] ويؤثره؛ يشاء ذلك له، ومن علم منه أنه يختار الهدى يشاء ذلك له، ويكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ مقطوع لا جواب له، كأنه قال: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمانهم لكثرة ما رأوا منهم من العناد والتعنت بعد رؤيتهم الآيات والحجج، كأن أهل الإيمان والإسلام سألوا رسول الله  الآيات التي سألوا هم؛ رغبة في إسلامهم؛ وإشفاقاً عليهم؛ فيقول - والله أعلم -: ألم يأن للذين آمنوا الإياس من إيمانهم؛ أي: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من [إيمانهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...

﴾ الآية [الأنعام: 111] فعلى ذلك هذا يقول: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من إيمانهم]، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً؛ وقوله: ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ صلته قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ كقوله: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قال بعضهم: الذين حاربوا رسول الله.

﴿ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ .

القارعة: هي ما يقرع القلوب ويكسرها، ثم قرعهم يكون بعذاب، وقتل، وغيره؛ من الهزيمة ونحوه وبسبي ذراريهم ويغنم المسلمين أموالهم.

﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ أنت ﴿ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: أو تكون القارعة بجيرانهم الذين قرب منكم دارهم.

وقال بعضهم: لا تزال سرية من سرايا رسول الله  تحل ببعضهم؛ أو ينزل هو قريباً منهم؛ حتى يأتي وعد الله، وعد الله يكون بوجهين: أحدهما: أن يظفره بهم جميعاً، وأن يورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم.

والثاني: يكون وعد الله فتح مكة؛ كقوله: ﴿ وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا...

 ﴾ الآية.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ ما وعد رسوله؛ من الفتح والنصر وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ .

يحتمل ما ذكر؛ من إصابة القارعة؛ الجوع والشدائد التي أصابتهم، ويحتمل القتال والحرب؛ التي كانت بينهم وبينهم.

وقوله: ﴿ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ نزول السرايا بقرب من دارهم.

﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل فتح مكة، أي: تحل قريباً من دارهم حتى يأتي ما وعد الله؛ من فتح مكة عليك، أو أن يكون وعد الله هو البعث والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .

يقول: ولقد استهزأ برسل من قبلك قومهم؛ كما استهزأ بك قومك، يُعَزّي نبيهُ  ليصبر على تكذيبهم.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ من تقدم من الرسل سألهم قومهم الآيات والعذاب بالهزء، ثم بين بهذا أن ما سألوه من الآية أرادوا الهزء، وهو صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يقول: أمهلتهم [في كفرهم وهزئهم.

هذا يدل أن تأخر العذاب عنهم لا يؤمنهم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ يقول: أحللت] بهم جزاء ما كانوا يهزءون منه.

وقال بعضهم: فكيف كان عقاب الله؛ أي: شديد عقابه؛ وهو كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا...

﴾ الآية [الحج: 48] وقيل: كيف رأيت عذابي لهم أي: أليس وجدوه شديداً.

والثالث: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ : أي: أليس ما أوعدهم الرسل من العذاب كان حقاً وصدقاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفمن هو قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق رقيب على كل نفس بما كسبت من عمل، فيجازيها على أعمالها، أولى أن يُعْبد، أم هذه الأصنام التي لا حق لها أن تعبد؟

وقد جعلها الكفار شركاء لله ظلمًا وزورًا، قل لهم -أيها الرسول-: سموا لنا الشركاء الذين عبدتموهم مع الله إن كنتم صادقين في دعواكم، أم تخبرون الله بما لا يعلم في الأرض من الشركاء, أم تخبرونه بظاهر من القول حقيقة له؟

بل حسّن الشيطان للذين كفروا تدبيرهم السيئ، فكفروا بالله، وصرفهم عن سبيل الرشاد والهداية، ومن يضلل الله عن سبيل الرشاد فليس له من هاد يهديه.

<div class="verse-tafsir" id="91.zgY4M"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله