الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٤ من سورة الرعد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار : فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك : ( لهم عذاب في الحياة الدنيا ) أي : بأيدي المؤمنين قتلا وأسرا ، ( ولعذاب الآخرة ) أي : المدخر [ لهم ] مع هذا الخزي في الدنيا ، " أشق " أي : من هذا بكثير ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتلاعنين : " إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة " وهو كما قال ، صلوات الله وسلامه عليه ، فإن عذاب الدنيا له انقضاء ، وذاك دائم أبدا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفا ، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته ، كما قال تعالى : ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ) [ الفجر : 25 ، 26 ] وقال تعالى : ( بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا ) [ الفرقان : 11 - 15 ] .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، لهؤلاء الكفار الذين وَصَف صفَتَهم في هذه السورة، عذابٌ في الحياة الدنيا بالقتل والإسار والآفاتِ التي يُصيبهم الله بها(ولعذاب الآخرة أشق) ، يقول: ولتعذيبُ الله إياهم في الدار الآخرة أشدُّ من تعذيبه إيَّاهم في الدنيا.
" وأشقّ" إنما هو " أفعلُ" من المشقَّة .
* * * وقوله: (وما لهم من الله من وَاقٍ) ، يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء الكفار من أحدٍ يقيهم من عذاب الله إذا عذَّبهم, لا حَمِيمٌ ولا وليٌّ ولا نصيرٌ, لأنه جل جلاله لا يعادُّه أحدٌ فيقهره، (74) فيتخَلَّصَه من عذابه بالقهر, (75) ولا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، وليس يأذن لأحد في الشفاعة لمن كفر به فمات على كفره قبل التَّوبة منه .
------------------------ الهوامش: (74) عاده يعاده ، عدادًا ومعادة" ، ناهده وقارنه ، و" العد" ، بكسر العين ، القرن ، بكسر فسكون .
(75) في المطبوعة :" فيخلصه" ، و" تخلصه" ، استنقذه .
قوله تعالى : " لهم عذاب في الحياة الدنيا " أي للمشركين الصادين : بالقتل والسبي والإسار ، وغير ذلك من الأسقام والمصائب .ولعذاب الآخرة أشق أي أشد ; من قولك : شق علي كذا يشق .وما لهم من الله من واق أي مانع يمنعهم من عذابه ولا دافع .
و " من " زائدة .
{ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ } من عذاب الدنيا لشدته ودوامه، { وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } يقيهم من عذاب الله، فعذابه إذا وجهه إليهم لا مانع منه.
( لهم عذاب في الحياة الدنيا ) بالقتل والأسر ( ولعذاب الآخرة أشق ) أشد ( وما لهم من الله من واق ) مانع يمنعهم من العذاب .
«لهم عذاب في الحياة الدنيا» بالقتل والأسر «ولعذاب الآخرة أشق» أشد منه «ومالهم من الله» أي عذابه «من واق» مانع.
لهؤلاء الكفار الصادين عن سبيل الله عذاب شاق في الحياة الدنيا بالقتل والأسر والخزي، ولَعذابهم في الآخرة أثقل وأشد، وليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله.
ثم بين - سبحانه - سوء مصير هؤلاء الكافرين فقال : ( لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا ) أى : لهم عذاب شديد فى الحياة الدنيا ، ينزله الله - تعالى - بهم تارة عن طريق القوارع والمصائب التى يرسلها عليهم ، وتارة عن طريق الهزائم التى يوقعها بهم المؤمنون ، هذا فى الدنيا ( وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ ) من عذاب الدنيا لشدته ودوامه ( وَمَا لَهُم مِّنَ الله ) - تعالى - ومن عذاب الآخرة ( مِن وَاقٍ ) أى : من حائل يحول بينهم وبين عذابه - سبحانه - .
اعلم أن القوم لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء والسخرية وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتأذى من تلك الكلمات فالله تعالى أنزل هذه الآية تسلية له وتصبيراً له على سفاهة قومه فقال له إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كما أن قومك يستهزئون بك: ﴿ فأمليت للذين كفروا ﴾ أي أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم فكيف كان عقابي لهم.
واعلم أني سأنتقم من هؤلاء الكفار كما انتقمت من أولئك المتقدمين والإملاء الإمهال وأن يتركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى، وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج وما يكون توبيخاً لهم وتعجيباً من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ والمعنى: أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات من الجزئيات والكليات وإذا كان كذلك كان عالماً بجميع أحوال النفوس، وقادراً على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع ودفع المضار ومن إيصال الثواب إليها على كل الطاعات، وإيصال العقاب إليها على كل المعاصي.
وهذا هو المراد من قوله: ﴿ قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ وما ذاك إلا الحق سبحانه ونظيره قوله تعالى: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ .
واعلم أنه لابد لهذا الكلام من جواب واختلفوا فيه على وجوه: الوجه الأول: التقدير: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ كمن ليس بهذه الصفة؟
وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وهذا الجواب مضمر في قوله تعالى: ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ وما جاء جوابه لأنه مضمر في قوله: ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ فكذا هاهنا، قال صاحب الكشاف: يجوز أن يقدر ما يقع خبراً للمبتدأ، أو يعطف عليه قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ والتقدير: أفمن هو بهذا الصفة لم يوحدوه ولم يمجدوه وجعلوا له شركاء.
الوجه الثاني: وهو الذي ذكره السيد صاحب حل العقد فقال: نجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ واو الحال ونضمر للمبتدأ خبراً يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإمكان ما يقارنها من الحال، والتقدير: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ موجود.
والحال أنهم جعلوا له شركاء ثم أقيم الظاهر وهو قوله (لله) مقام المضمر تقريراً للإلهية وتصريحاً بها، وهذا كما تقول: جواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي.
واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم، فعند ذلك يقال: سمه إن شئت.
يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل، فكأنه تعالى قال: سموهم بالآلهة على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها، ثم زاد في الحجاج فقال: ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ والمراد: أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن شريك ألبته، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ يعني تموهون بإظهار قول لا حقيقة له، وهو كقوله تعالى: ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه: ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى (بل) هاهنا كأنه يقول: دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم، فكأنه يقول: دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل.
قال القاضي: لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله، بل لابد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن.
واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه: الأول: أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الإنس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن كان هو الله فقد زال السؤال، والثاني: أن يقال: القلوب لا يقدر عليها إلا الله، والثالث: أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل.
أما قوله: ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وفي حم ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم، وعند أهل السنة أن الله صدهم.
وللمعتزلة فيه وجهان: قيل الشيطان، وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال: فلان معجب وإن لم يكن ثمة غيره وهو قول أبي مسلم والباقون، وصدوا بفتح الصاد في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل الله، أي أعرضوا وقيل: صرفوا غيرهم، وهو لازم ومتعد، وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول، وحجة القراءة الثانية قوله: ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ .
ثم قال: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية من وجوه: أولها: قوله: ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ وقد بينا بالدليل أن ذلك المزين هو الله.
وثانيها: قوله: ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ بضم الصاد، وقد بينا أن ذلك الصاد هو الله.
وثالثها: قوله: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وهو صريح في المقصود وتصريح بأن ذلك المزين وذلك الصاد ليس إلا الله.
ورابعها: قوله تعالى: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق ﴾ أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة وإخبار الله ممتنع التغير وإذا امتنع وقوع التغير في هذا الخبر، امتنع صدور الإيمان منه وكل هذه الوجوه قد لخصناها في هذا الكتاب مراراً، قال القاضي: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ أي عن ثواب الجنة لكفره وقوله: ﴿ فما له من هاد ﴾ منبيء بذلك أن الثواب لا ينال إلا بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا، وقيل: المراد بذلك من حكم بأنه ضال وسماه ضالاً، وقيل المراد من يضلله الله عن الإيمان بأن يجده كذلك، ثم قال والوجه الأول أقوى.
واعلم أن الوجه الأول ضعيف جداً لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم وكفرهم في الدنيا ولم يجز ذكر ذهابهم إلى الجنة ألبتة فصرف الكلام على المذكور إلى غير المذكور بعيد.
وأيضاً فهب أنا نساعد على أن الأمر كما ذكروه، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن خلاف معلوم الله ومخبره محال ممتنع الوقوع.
واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق، وأنه لا دافع لهم عنه لا في الدنيا ولا في الآخرة.
أما عذاب الدنيا فبالقتل، والقتال، واللعن، والذم، والإهانة، وهل يدخل المصائب والأمراض في ذلك أم لا؟
اختلفوا فيه، قال بعضهم: إنها تدخل فيه، وقال بعضهم: إنها لا تكون عقاباً، لأن كل أحد نزلت به مصيبة فإنه مأمور بالصبر عليها، ولو كان عقاباً لم يجب ذلك، فالمراد على هذا القول من الآية القتل، والسبيء، واغتنام الأموال، واللعن، وإنما قال: ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة والشدة، وإن شئت بسبب كثرة الأنواع، وإن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شيء من موجبات الراحة، وإن شئت بسبب الدوام وعدم الانقطاع، ثم بين بقوله: ﴿ وما لهم من الله من واق ﴾ أي أن أحداً لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب الله.
قال الواحدي: أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء في قوله (واق) وكذلك في قوله: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وكذلك في قوله: ﴿ وال ﴾ وهو الوجه لأنك تقول في الوصل: هذا هاد ووال وواق، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع والجر، والياء كانت انحذفت فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في غير فاعل فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها فيصير هاد، ووال، وواق.
وكان ابن كثير يقف بالياء في هادي ووالي وواقي ووجهه ما حكى سيبويه أن بعض من يوثق به من العرب يقول: هذا داعي فيقفون بالياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ ﴾ احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعني أفا الله الذي هو قائم رقيب ﴿ على كُلّ نَفْسٍ ﴾ صالحة أو طالحة ﴿ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يعلم خيره وشره، ويعدّ لكل جزاءه، كمن ليس كذلك.
ويجوز أن يقدّر ما يقع خبراً للمبتدأ ويعطف عليه وجعلوا، وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه ﴿ وَجَعَلُواْ ﴾ له وهو الله الذي يستحق العبادة وحده ﴿ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم، ثم قال: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ ﴾ على أم المنقطعة، كقولك للرجل: قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف، ومعناه: بل أتنبؤونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم، والمراد نفي أن يكون له شركاء.
ونحو: ﴿ قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض ﴾ [يونس: 18] ، ﴿ أَم بظاهر مّنَ القول ﴾ بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، ﴿ ذلك قَوْلُهُم بأفواههم ﴾ [التوبة: 30] ، ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ [يوسف: 40] وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقرئ: ﴿ أتنبئونه ﴾ بالتخفيف ﴿ مَكْرِهِمْ ﴾ كيدهم للإسلام بشركهم ﴿ وَصُدُّواْ ﴾ قرئ بالحركات الثلاث.
وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿ وصدّ ﴾ بالتنوين ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ ومن يخذله لعلمه أنه لا يهتدي ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ فما له من أحد يقدر على هدايته ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا ﴾ وهو ما ينالهم من القتل والأسر وسائر المحن، ولا يلحقهم إلا عقوبة لهم على الكفر، ولذلك سماه عذاباً ﴿ وَمَا لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ ﴾ وما لهم من حافظ من عذابه.
أو ما لهم من جهته واق من رحمته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ﴾ رَقِيبٌ عَلَيْها بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَفُوتُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِن جَزائِهِمْ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ.
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿ كَسَبَتْ ﴾ إنْ جُعِلَتْ « ما» مَصْدَرِيَّةً، أوْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا عُطِفَ عَلَيْهِ ويَكُونُ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَنْبِيهٍ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ لا يَسْتَحِقُّونَها، والمَعْنى صِفُوهم فانْظُرُوا هَلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ.
﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ ﴾ بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ.
وقُرِئَ « تُنْبِئُونَهُ» بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ بِشُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ لا يَعْلَمُهم، أوْ بِصِفاتٍ لَهم يَسْتَحِقُّونَها لِأجْلِها لا يَعْلَمُها وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ أمْ تُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ واعْتِبارِ مَعْنًى كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا وهَذا احْتِجاجٌ بَلِيغٌ عَلى أُسْلُوبٍ عَجِيبٍ يُنادِي عَلى نَفْسِهِ بِالإعْجازِ.
﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ﴾ تَمْوِيهُهم فَتَخَيَّلُوا أباطِيلَ ثُمَّ خالُوها حَقًّا، أوْ كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ.
﴿ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ سَبِيلِ الحَقِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (وَصَدُّوا) بِالفَتْحِ أيْ وصَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ « وصِدٌّ» بِالتَّنْوِينِ.
﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ يَخْذُلْهُ.
﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى.
﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وسائِرِ ما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ.
﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ ﴾ لِشِدَّتِهِ ودَوامِهِ.
﴿ وَما لَهم مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن عَذابِهِ أوْ مِن رَحْمَتِهِ.
﴿ مِن واقٍ ﴾ حافِظٍ.
<div class="verse-tafsir"
لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)
{لَّهُمْ عَذَابٌ فِى الحياة الدنيا} بالقتل والأسر وأنواع المحن
الرعد (٣٤ _ ٣٧)
{وَلَعَذَابُ
الأخرة أَشَقُّ} أشد لدوامه {وَمَا لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ} من حافظ من عذابه
﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ شاقٌّ ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وسائِرِ ما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ فَإنَّها إنَّما تُصِيبُهم عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كُفْرِهِمْ وأمّا وُقُوعُ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ فَعَلى طَرِيقِ الثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ ﴿ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ ﴾ مِن ذَلِكَ لِشِدَّتِهِ ودَوامِهِ ﴿ وما لَهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ عَذابِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن واقٍ ﴾ .
(34) .
مِن حافِظٍ يَعْصِمُهم مِن ذَلِكَ فَمِنَ الأُولى صِلَةُ ﴿ واقٍ ﴾ والثّانِيَةِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا يَضُرُّ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَجْرُورِ عَلَيْهِ لِأنَّ الزّائِدَ لا حُكْمَ لَهُ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِنَ ) الأُولى ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وقَعَ حالًا مِن ﴿ واقٍ ﴾ وصِلَتُهُ مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى ما لَهم واقٍ وحافِظٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الواقِي مِن جِهَتِهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ و( مِن ) عَلى هَذا لِلتَّبْيِينِ وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ لَغْوًا مُتَعَلِّقَةً بِما في الظَّرْفِ أعْنِي لَهم مِن مَعْنى الفِعْلِ وهي لِلِابْتِداءِ والمَعْنى ما حَصَلَ لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى واقٍ مِنَ العَذابِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يقول: هو الله القائم على كل نفس برة وفاجرة بالرزق لهم، والدفع عنهم، وجوابه مضمر، يعني: كمن هو ليس بقائم على ذرة، وهذا كقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ [النحل: 17] ثم قال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني: قالوا ووصفوا لله شركاء.
وقال مقاتل: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يقول: يعني: السواء أنا القائم على كل نفس بأرزاقهم، وأطعمتهم، كالذين يصفون أن لي شريكاً.
معناه: لا تكون عبادة الله كعبادة غيره قُلْ سَمُّوهُمْ يعني: قل يا محمد، سموا هؤلاء الشركاء.
يعني: سموا دلائلهم وبراهينهم وحججهم.
ويقال: سموا منفعتهم وقدرتهم.
ثم قال: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لاَ يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ يعني: تخبرونه بما علم أنه لا يكون.
ويقال: معناه أتشركون معه جاهلاً لا يعلم ما فِى الارض.
ويقال: معناه أتخبرون الله بشيء لا يعلم من آلهتكم.
يعني: يعلم الله أنه ليس لها في الأرض قدرة أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ يعني: أتقولون قولاً بلا برهان ولا حجة.
ويقال: بباطل من القول.
يعني: إن قلتم إن لها قدرة لقلتم باطلاً.
وقال قتادة: الظاهر من القول الباطل، وكذلك قال مجاهد.
ثم قال: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ يقول: ولكن زين للذين كفرُوا من أهل مكة كفرهم، وقولهم الشرك وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ بنصب الصاد.
يعني: إن الكافرين صدوا الناس عن دين الله الإسلام.
وقرأ الباقون: وَصُدُّوا بضم الصاد على فعل ما لم يسم فاعله.
مثل قوله: فَزَيَّنَ لَهُمُ [فاطر: 8] .
ثم قال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يعني: من يخذله الله عن دينه الإسلام، ولا يوفقه فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: ما له من مرشد إلى دينه غير الله تعالى.
قوله تعالى: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: لهم في الدنيا الشدائد والأمراض.
ويقال: عند الموت.
ويقال: القتل على أيدي المسلمين، والغلبة عليهم وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ يعني: أشدّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يعني: ملجأ يلجئون إليه يقيهم من عذاب الله.
<div class="verse-tafsir"
يوم القيامة، وإِنَّ حال الكَفَرة هَكَذَا هي إلى يوم القيامة، ووَعْدُ اللَّهِ: قيامُ الساعة، وال قارِعَةٌ: الرزيَّة التي تقرع قلْبَ صاحبها «١» .
وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ ...
الآية: تأنيسٌ وتسليةٌ له عليه السلام، قال البخاري: فَأَمْلَيْتُ: أي: أطلت من المليي والملاوة «٢» ومنه: مَلِيًّا، ويقال للواسِعِ الطويلِ من الأرض: ملى من الأرض.
انتهى.
أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)
وقوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ: أي: أهو أحقُّ بالعبادة أم الجمادات.
وقوله: قُلْ سَمُّوهُمْ: أي: سَمُّوا من له صفات يستحقّ بها الألوهية، ومَكْرُهُمْ: يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانَتْ بسبيل مناقَضَةِ الشرع، ولَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
: أي: بالقتل والأسْر والجدوب وغير ذلك، وأَشَقُ
: من المشقَّة، أي:
أصعب، والواقي الساتِرُ علَى جهة الحمايَةِ من الوقاية.
وقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها: قد تقدم تفسير نظيره، وقوله: أُكُلُها: معناه: ما يؤكَلُ فيها.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ ...
الآية: قال ابن زيد: المراد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وهو القَتْلُ، والأسْرُ، والسَّقَمُ، فَهو لَهم في الدُّنْيا عَذابٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ كَفّارَةٌ، " ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ " أيْ: أشَدُّ ﴿ وَما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ واقٍ ﴾ أيْ: مانِعٌ يَقِيهِمْ عَذابَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنَ هادٍ ﴾ ﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ واقٍ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النارُ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ ، والمَعْنى: أفَمَن هو هَكَذا أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؟
هَذا تَأْوِيلٌ، ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ ، كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ أهْلٌ أنْ يَنْتَقِمَ ويُعاقِبَ أمْ لا؟
و"الأنْفُسُ" مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو قائِمٌ عَلى الكُلِّ أيْ مُحِيطٌ بِهِ لِيُقَرِّبَ المَوْعِظَةَ مِن حِسِّ السامِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ حالَ كَسْبِها لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ عِنْدَ نَظَرِ الآيَةِ في أعْمالِهِ وكَسْبِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أيْ: سَمُّوا مَن لَهُ صِفاتٌ يَسْتَحِقُّ بِها الأُلُوهِيَّةَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ القَوْلِ وقَرَّرَ: هَلْ تُعْلِمُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ، وقَرَأالحَسَنُ: "هَلْ تُنْبِئُونَهُ" بِإسْكانِ النُونِ وتَخْفِيفِ الباءِ.
و"أمْ" هي بِمَعْنى "بَلْ"، و"ألِفُ الِاسْتِفْهامِ"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ".
ثُمَّ قَرَّرَهم بَعْدُ، هَلْ يُرِيدُونَ تَجْوِيزَ ذَلِكَ بِظاهِرٍ مِنَ الأمْرِ؟
لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لَهُ إلْباسٌ ما ومَوْضِعٌ مِنَ الِاحْتِمالِ، وما لَمْ يَكُنْ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ فَقَطْ فَلا شُبْهَةَ لَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "مَكْرُهُمْ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "زَيَّنَ" عَلى بِنايَةٍ لِلْفاعِلِ "مَكْرَهُمْ" بِالنَصْبِ، أيْ: زَيَّنَ اللهُ.
و"مَكْرُهُمْ": لَفْظٌ يَعُمُّ أقْوالَهم وأفْعالَهُمُ الَّتِي كانَتْ بِسَبِيلِ مُناقَضَةِ الشَرْعِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَصُدُّوا" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى تَعَدِّي الفِعْلِ، وقَرَأ الباقُونَ هُنا وفي "حم المُؤْمِنِ" "وَصَدُّوا" بِفَتْحِها، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: صَدُّوا أنْفُسَهم أو صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدُّوا" بِكَسْرِ الصادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ الآيَةٌ وعِيدٌ، أيْ: لَهم عَذابٌ في دُنْياهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والجُدُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا امْتَحَنَهُمُ اللهُ بِهِ، ثُمَّ لَهم عَذابٌ أشَقُّ مِن هَذا كُلِّهِ وهو الِاحْتِراقُ بِالنارِ.
و"أشَقُّ" أصْعَبُ، مِنَ المَشَقَّةِ، و"الواقِي": هو الساتِرُ عَلى جِهَةِ الحِمايَةِ، مِنَ الوِقايَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَوْمٌ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةُ، وهَذا مِن قَوْلِكَ: "مَثَّلْتُ الشَيْءَ" إذا وصَفْتَهُ لِأحَدٍ وقَرَّبْتَ عَلَيْهِ فَهْمَ أمْرِهِ، ولَيْسَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لَها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ أيِ الوَصْفُ الأعْلى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى الَّذِي يَتَحَصَّلُ في النَفْسِ مِثالًا لِلْجَنَّةِ هو جَرْيُ الأنْهارِ وأنَّ أُكُلَها دائِمٌ، ورافِعُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُقَدَّرٌ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم أو يُنَصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ورافِعُهُ عِنْدَ الفَرّاءِ قَوْلُهُ: "تَجْرِي" أيْ: صِفَةُ الجَنَّةِ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَأوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أنَّ "مَثَلُ" مُقْحَمٌ، وأنَّ التَقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْثالَ الجَنَّةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .
وقَوْلُهُ: "أُكُلُها" مَعْناهُ: ما يُؤْكَلُ فِيها، و"العُقْبى" والعاقِبَةُ والعاقِبُ: حالٌ تَتْلُو أُخْرى قَبْلَها.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.،وَقِيلَ: التَقْدِيرُ في صَدْرِ الآيَةِ: "مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي"، قالَهُ الزَجّاجُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- ضَرْبَ مَثَلٍ لِجَنَّةِ النَعِيمِ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني نشأ عن قوله: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ [الرعد: 33] لأن هذا التبديد يومئ إلى وعيد يسال عنه السامع.
وفيه تكملة للوعيد المتقدم في قوله: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } مع زيادة الوعيد بما بعد ذلك في الدار الآخرة.
وتنكير ﴿ عذاب ﴾ للتعظيم، وهو عذاب القتل والخزي والأسر.
وإضافة ﴿ عذاب ﴾ إلى ﴿ الآخرة ﴾ على معنى ﴿ في ﴾ .
و ﴿ من ﴾ الداخلة على اسم الجلالة لتعدية ﴿ واق ﴾ .
و ﴿ من ﴾ الداخلة على ﴿ واق ﴾ لتأكيد النفي للتنصيص على العموم.
والواقي: الحائل دون الضُرّ.
والوقاية من الله على حذف مضاف، أي من عذابه بقرينة ما ذكر قبله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُشَبِّهُ الجَنَّةَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: نَعْتُ الجَنَّةِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مِثْلٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَمَرُها غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ يَحْيى.
الثّانِي: لَذَّتُها في الأفْواهِ باقِيَةٌ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لا تُمِلُّ مَن شَبِعٍ ولا مِرْبادَ لِمَجاعَةٍ.
﴿ وَظِلُّها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: دائِمُ البَقاءِ.
الثّانِي: دائِمُ اللَّذَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كان كما تقول، فأرِنا أشياخنا الذين من الموتى نكلمهم، وافسح لنا هذه الجبال- جبال مكة- التي قد ضمتنا.
فنزلت ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن عطية العوفي رضي الله عنه قال: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم «لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعتْ لنا الأرض كما كان سليمان عليه السلام يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى عليه السلام يحيي الموتى لقومه.
فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال...
﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يتبين الذين آمنوا؟» قالوا: هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال المشركون من قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وسعت لنا أودية مكة وسيرت جبالها فاحترثناها، وأحييت من مات منا واقطع به الأرض، أو كلم به الموتى...
فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً ﴾ .
وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم في الدلائل، وابن مردويه عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [ الشعراء: 214] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس: «يا آل عبد مناف، إني نذير فجاءته قريش، فحذرهم وأنذرهم.
فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان عليه السلام سخرت له الريح والجبال، وإن موسى عليه السلام سخر له البحر، وإن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهاراً فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل وإلا، فادع الله أن يحيي لنا الموتى فنكلمهم ويكلمونا وإلا، فادع الله أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم.
فبينا نحن حوله، إذ نزل عليه الوحي، فلما سرى عنه الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني الله ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة ويؤمن مؤمنكم، وأخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين» فنزلت ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ان كذب بها الأولون ﴾ [ الإِسراء: 59] حتى قرأ ثلاث آيات.
ونزلت ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال...
﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أن هذه الآية ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ﴾ مكية.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ الآية.
قال: قول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: سيّر جبالنا تتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قالوا سير بالقرآن الجبال، قطع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: قال كفار مكة لمحمد صلى الله عليه وسلم: «سيّر لنا الجبال كما سخرت لداود، وقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان عليه السلام فاغدُ بها شهراً، ورح بها شهراً، أو كلم لنا الموتى كما كان عيسى عليه السلام يكلمهم.
يقول: لم أنزل بهذا كتاباً، ولكن كان شيئاً أُعطيته أنبيائي ورسلي» .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً كما تزعم، فباعد عن مكة اخشبيها هذين مسيرة أربعة أيام، أو خمسة أيام، فإنها ضيقة حتى نزرع فيها أو نزعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا إنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى الحيرة، حتى نذهب ونجيء في ليلة كما زعمت إنك فعلته.
فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ الآية.
وأخرج إسحاق وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء، ولم يكن ليفعل.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه كان يقرأ ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قرأ ﴿ أفلم يتبين الذين آمنوا ﴾ فقيل له: إنها في المصحف ﴿ أفلم ييأس ﴾ فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس.
وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ أفلم يتبين الذين آمنوا ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ أفلم ييأس ﴾ يقول: يعلم.
وأخرج الطستي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم، بلغة بني مالك.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت مالك بن عوف يقول: لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه ** وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا وأخرج ابن الأنباري، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: في قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم، بلغة هوازن، وأنشد قول مالك بن عوف النضري: أقول لهم بالشعب إذ ييئسونني ** ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم الذين آمنوا؟.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعرف الذين آمنوا.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.
ومن الناس من يقرؤها ﴿ أفلم يتبين ﴾ وإنما هو كالاستنقاء، أفلم يعقلوا ليعلموا أن الله يفعل ذلك؟
لم ييأسوا من ذلك وهم يعلمون أن الله تعالى لو شاء فعل ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو شاء الله ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: السرايا.
وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه- عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: سرية ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: أنت يا محمد ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال فتح مكة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أو تحل ﴾ يا محمد ﴿ قريباً من دارهم ﴾ .
وأخرج ابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ القارعة ﴾ السرايا ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: الحديبية ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال: فتح مكة.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا...
﴾ الآية.
قال: نزلت بالمدينة في سرايا النبي صلى الله عليه وسلم.
﴿ أو تحل ﴾ أنت يا محمد ﴿ قريباً من دارهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: نكبة.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: عذاب من السماء ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ يعني، نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله إياهم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: أو تحل القارعة قريباً من دارهم ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال: يوم القيامة.
أما قوله تعالى: ﴿ ولقد استهزئ برسل من قبلك ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: «كان رجل خلف النبي صلى الله عليه وسلم يحاكيه ويلمطه، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذلك فكن.
فرجع إلى أهله فلبث به مغشياً شهراً، ثم أفاق حين أفاق وهو كما حاكى رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: يعني بذلك نفسه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: الله تعالى، قائم بالقسط والعدل.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: ذلكم ربكم تبارك وتعالى قائم على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: الله عز وجل، القائم على كل نفس ﴿ بما كسبت ﴾ على رزقها وعلى علمها.
وفي لفظ: قائم على كل بر وفاجر، يرزقهم ويكلؤهم ثم يشرك به منهم من أشرك ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ يقول: آلهة معه ﴿ قل سموهم ﴾ ولو سموا آلهة لكذبوا وقالوا في ذلك غير الحق؛ لأن الله تعالى واحد لا شريك له ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ يقول: لا يعلم الله تعالى في الأرض إلهاً غيره ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ يقول: أم بباطل من القول وكذب.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ يعني بذلك نفسه، يقول ﴿ قائم على كل نفس ﴾ على كل بر وفاجر ﴿ بما كسبت ﴾ وعلى رزقهم، وعلى طعامهم، فأنا على ذلك وهم عبيدي، ثم جعلوا لي شركاء ﴿ قل سموهم ﴾ ولو سموهم كذبوا في ذلك لا يعلم الله تعالى من إله غير الله، فذلك قوله: ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه أنه قام في الناس يوماً، فقال: اتقوا الله في السرائر وما ترخى عليه الستور...
ما بال أحدكم ينزع عن الخطيئة للنبطي يمر به، والأمة من إمائه، والله تعالى يقول ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ويحكم فأجلوا مقام الله سبحانه وتعالى: ما يؤمن أحدكم أن يمسخه قرداً أو خنزيراً بمعصيته إياه، فإذا هو خزي في الدنيا وعقوبة في الآخرة.
فقال رجل من القوم: والله الذي لا إله إلا هو، ليكونن ذاك يا ربيعة، فنظر القوم من الحالف فإذا هو عبد الرحمن بن غنم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ قال: بظن ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ قال: قولهم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ قال: الظاهر من القول، هو الباطل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال ابن عباس (١) ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي: أشد وأغلظ.
قال أهل المعاني: المشقة غلظ الأمر على النفس، بما يكاد يصدع القلب، فهو من الشق بمعنى الصدع.
﴿ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: من عذاب الله، ﴿ مِنْ وَاقٍ ﴾ أي حاجز ومانع يمنعهم ذلك، يقال: وقاه الله السوء يقيه وقيًا، أي دفعه عنه، ومثله الوقاية، ويقال لكل ما يدفع الأذية: وقًا ووقاية، حتى النعل وقاية للرِّجْل، ومعنى قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ أن عذاب الآخرة لا يدفعه عنهم دافع، وأنهم فيه خالدون.
(١) الثعلبي 7/ 139 أ، و"زاد المسير" 4/ 334، القرطبي 9/ 324 من غير نسبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدِ استهزئ ﴾ الآية مقصدها تأنيس وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا حيث وقع ﴿ فَأَمْلَيْتُ ﴾ أي أمهلتهم ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ هو الله تعالى أي حفيظ رقيب على عمل كل أحد، والخبر محذوف تقديره: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أحق أن يعبد أم غيره؟
ويدل على ذلك قوله: وجعلوا لله شركاء ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي اذكروا أسماءهم ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض ﴾ المعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم يعلمهم هو فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم، وتعبدون الباطل، وذلك كقولك: قل لي من زيد؟
أم هو أقل من أن يعرف فهو كالعدم ﴿ أَم بظاهر مِّنَ القول ﴾ المعنى أتسمونهم شركاء بظاهر اللفظ من غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم ﴾ [النجم: 23] ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياوة الدنيا ﴾ يعني بالقتل والأسر والخوف وغير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.
الباقون بفتحها.
﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.
الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.
الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.
الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.
﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.
﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.
﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟
وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.
ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.
ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.
وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟
فقيل للنبي : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.
﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.
وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله لعلي : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.
فأنزل الله الآية.
فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله لا على جحودهم أو إِشراكهم.
روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.
قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.
وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ﴾ الآية.
وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.
ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.
وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.
ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.
وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.
قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.
أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.
ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.
وهذا لغة قوم من النخع.
وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .
وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.
وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.
وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.
ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.
﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.
وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.
والإملاء الإمهال وقد مر هناك.
والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.
ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.
وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.
ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.
وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.
وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.
قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.
أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ وقد مر في أول "يونس".
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.
ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.
والكلام في أن المزين هو الله أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.
وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.
وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.
وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.
والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.
قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله : ﴿ كل من عليها فان ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.
وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ .
ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.
وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.
واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.
ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.
وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.
واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.
وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.
وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.
ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.
ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.
ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.
ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.
ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.
وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.
وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.
روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.
وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.
قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.
ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.
وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.
وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.
والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.
والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.
وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله .
والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.
الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.
واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.
ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.
وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ .
وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.
وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.
أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.
عن النبي : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.
روى أبو الدرداء عن النبي : "إن الله في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .
وقيل: هو علم الله المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.
ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.
والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.
ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.
ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.
قال الواحدي.
الأليق بالمقام هو القول الأول.
وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.
﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.
ثم سلى نبيه بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.
﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .
قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.
وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.
وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.
قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.
وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.
وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.
ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.
وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.
وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.
ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.
ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.
فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.
وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.
والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.
ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.
واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.
وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.
والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.
وقال الزجاج: الأشبه أن الله لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.
وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.
وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.
التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.
ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.
﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: يقول: من الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت الله أم شركاؤكم فالقائم هو المدبر الحافظ بكل ما فيه الخلق ويشبه أن يكون تأويله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ ﴾ أي: حافظ وعالم على كل نفس بما كسبت؛ أو بالرزق لهم والدفع عنهم، كمن هو أعمى عن ذلك، ليسا بسواء كقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ...
﴾ الآية [الرعد: 19].
أو يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ كمن هو غير قائم عليه؟
ليسا بسواء.
وقال مقاتل: أفمن هو قائم على رزقهم وطعامهم.
ثم قال: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .
أي: وصفوا لله شركاء وعبدوها؛ والله أحق أن يعبد من غيره.
يقول الله: أنا القائم على كل نفس؛ أرزقهم وأطعمهم؛ أفأكون أنا وشركائي الذين لا يفعلون ذلك سواء؟
والوجه فيه ما وصفنا: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ أي: يرزق ويبصر و [يعلم ما تعمل وتكسب ويحفظ] عن أنواع البلايا؛ كمن هو أعمى جاهل عاجز عن ذلك كله؟
أي: ليس هذا كذلك.
ويسفههم في إشراكهم الأصنام التي عبدوها في الألوهية والعبادة، وهي بالوصف الذي ذكر؛ كمن هو أعمى عاجز عن ذلك؟
أي: ليسا بسواء.
وقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يحتمل قائم على كل نفس بما كسبت؛ فيما قدر لها وقواها أو في الجزاء يجزي على ما تكسب.
﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ في العبادة؛ أو في تسميتهم آلهة، لا يعلمون ما كسب لها، ولا يملكون جزاء ما كسبوا لها أيضاً.
يبين سفههم في جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء لله في العبادة؛ وتسميتهم آلهة؛ مع علمهم أنهم لا يقدرون ولا يملكون شيئاً من ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ بذلك الاسم؛ ولو سموهم، [سموهم] بكذب وباطل وزور.
وعندنا قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي: لو سميتموها آلهة واتخذتموها معبوداً؛ فسموهم أيضاً بأسماء سميتم الله؛ من نحو: الخالق والرازق والرحمن والرحيم؛ ونحوه.
يقول - والله أعلم - إذ سميتم هذه الأصنام آلهة ومعبوداً، سموهم أيضاً: خالقاً ورازقاً ورحماناً ورحيماً، وهم يعلمون أنها ليست كذلك.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: أم تنبئون الله؛ وهو عالم بما في السماوات وما في الأرض؛ وعالم بكل شيء، وهو لا يعلم في الأرض ما تقولون من الآلهة وما تصفونه بالشركاء؟!
وكذلك يخرج قوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أم تنبئونه بما ليس في الأرض شيء مما تقولون وتصفون شيء؛ أي: يقول: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض، وهم عالم بكل شيء؟
أي: تقرون بأنه عالم بكل شيء؛ وهو لا يعلم ما تقولون وتسمونه من الشركاء وغيره.
والثاني: أم تنبئونه بما لا يعلم؛ أي: ليس في الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: بل بباطل من القول وزور.
ويشبه أن يكون بظاهر من القول؛ أي: بضعيف من القول وخفيف، يسمون الشيء الذي لا حقيقة له ولا ثبات ظاهراً بادياً؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ أي: ضعيف الرأي: وخفيفه؛ لا حقيقة له ولا قرار.
ويحتمل قوله: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ في الخلق والأسلاف؛ أي: لم يظهر ما يقولون؛ ويصفون؛ إشراك هذه الأصنام؛ وتسميتها آلهة ومعبوداً؛ فيكون (أم) في موضع حقيقة ويقين؛ على هذا التأويل والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ : قولهم الذي قالوه من الكذب والزور؛ أنها آلهة وأنها شركاء الله.
لكن يشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ أي: مكرهم برسول الله حيث احتالوا حيلا؛ ليقتلوه لئلا يظهر هذا الدين في الأرض، ويطفئون هذا النور؛ ليدوم عزهم وشرفهم في هذه الدنيا؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ والمكر: هو الاحتيال؛ والأخذ من حيث الأمن.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
صدوا؛ لما علموا من مكرهم واختيارهم ما اختاروا والسبيل، المطلق هو سبيل الله؛ وإلا كان جميع الأديان والمذاهب يسمى سبيلا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ لكن ما ذكرنا أن السبيل المطلق [هو] سبيل الله، والكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .
من أضله الله فلا يملك أحدٌ هدايته، ومن هداه فلا يملك أحد إضلاله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
العذاب لهم في الحياة الدنيا يحتمل: القتل والقتال؛ والخوف والجواع؛ وأنواع البلايا؛ كقوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ...
﴾ الآية [النحل: 112].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي: أشد.
﴿ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ أي: مالهم من عذاب الله من واقٍ يقيهم من عذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ .
يحتمل: وصف الجنة التي وعد المتقون؛ أو صفة الجنة التي وعد المتقون.
ويحتمل: [أي: شبه] الجنة التي وعد المتقون.
كشبه النار التي وعد الكافرون؛ أي: ليسا بشبيهين ولا مثلين، لا تكون هذه مثل هذه ولا تشبهها؛ كقوله: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...
﴾ الآية [محمد: 15]، يقول - والله أعلم - يقول: الذي وصفه كذا من النعم الدائمة - كالذي يكون عذابه ووصفه كذا؛ أي: لا يكون؛ فعلى ذلك الأوّل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ .
أي: ثمار الجنة دائمة لا تزول ولا تنقطع؛ ليس كثمار الدنيا، ونعيمها ليس من ثمرة من ثمار الدنيا إلا وهي تزول وتنقطع في وقت؛ فأخبر أن ثمار الآخرة - وما فيها من النعيم - غير زائلة ولا منقطعة، وكذلك عذابها [دائم] لا يزول.
﴿ وِظِلُّهَا ﴾ أيضاً.
أخبر أن ظل الجنة لا يزول ولا ينقطع، لا يكون فيها شمس يزول ظلها بزوالها.
وصف جميع ما فيها بالدوام والمنفعة: الظل شيء لا أذى فيه؛ وفيه منافع، والشمس فيها أذى ومنافع، وكذلك جميع ما يكون من الأشياء في الدنيا؛ يكون فيها منافع ومضار؛ وأنها تزول وتنقطع؛ فأخبر أن ظل الآخرة وما فيها من النعم دائمة باقية؛ غير زائلة ولا منقطعة، ولا مضرة فيها؛ ليس كنعيم الدنيا وظلها.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ ﴾ .
[أي: جزاء الكافرين النار]، ظاهر هذا أن يكون: الذين اتقوا تقى الشرك؛ لأنه ذكر عقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء وعقبى ما ذكرنا؛ أي: تلك الجنة جزاء الذين اتقوا الشرك، وعقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء [الكافرين] النار.
أو عقبى هذه للذين اتقوا الجنة، وعقبى أولئك النار.
وقال بعضهم: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: عاقبة أعمالهم وحسناتهم الجنة؛ وعاقبة أعمال الذين كفروا بتوحيد الله النار.
<div class="verse-tafsir"
لهم عذاب في الحياة الدنيا بما ينالهم من القتل والأسر على أيدي المؤمنين، ولعذاب الآخرة الذي ينتظرهم أشدّ عليهم وأثقل من عذاب الدنيا؛ لما فيه من الشدة والدوام الذي لا ينقطع، وليس لهم مانع يحميهم من عذاب الله يوم القيامة.
من فوائد الآيات أن الأَصل في كل كتاب منزل أنه جاء للهداية، وليس لاستنزال الآيات، فذاك أمر لله تعالى يقدره متى شاء وكيف شاء.
تسلية الله تعالى للنبي ، وأحاطته علمًا أن ما يسلكه معه المشركون من طرق التكذيب، واجهه أنبياء سابقون.
يصل الشيطان في إضلال بعض العباد إلى أن يزين لهم ما يعملونه من المعاصي والإفساد.
<div class="verse-tafsir" id="91.XymJ4"