الآية ٣٥ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٥ من سورة الرعد

۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قرن هذا بهذا; فقال : ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) أي : صفتها ونعتها ، ( تجري من تحتها الأنهار ) أي : سارحة في أرجائها وجوانبها ، وحيث شاء أهلها ، يفجرونها تفجيرا ، أي : يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا ، كما قال تعالى : ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) [ محمد : 15 ] .

وقوله : ( أكلها دائم وظلها ) أي : فيها المطاعم والفواكه والمشارب ، لا انقطاع [ لها ] ولا فناء .

وفي الصحيحين ، من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف ، وفيه قالوا : يا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ، ثم رأيناك تكعكعت فقال : " إني رأيت الجنة - أو أريت الجنة - فتناولت منها عنقودا ، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا عبيد الله ، حدثنا أبو عقيل ، عن جابر قال : بينما نحن في صلاة الظهر ، إذ تقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقدمنا ، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر .

فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب : يا رسول الله ، صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما رأيناك كنت تصنعه .

فقال : " إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة ، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به ، فحيل بيني وبينه ، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه " .

وروى مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، شاهدا لبعضه .

وعن عتبة بن عبد السلمي : أن أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الجنة ، فقال : فيها عنب ؟

قال : " نعم " .

قال : فما عظم العنقود ؟

قال : " مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر " .

رواه أحمد .

وقال الطبراني : حدثنا معاذ بن المثنى ، حدثنا علي بن المديني ، حدثنا ريحان بن سعيد ، عن عبادة بن منصور ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى " .

وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " يأكل أهل الجنة ويشربون ، ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون ، طعامهم جشاء كريح المسك ، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس " .

رواه مسلم .

وروى الإمام أحمد والنسائي ، من حديث الأعمش ، عن ثمامة بن عقبة سمعت زيد بن أرقم قال : جاء رجل من أهل الكتاب فقال : يا أبا القاسم ، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ؟

قال : نعم ، والذي نفس محمد بيده ، [ إن الرجل من أهل الجنة ] ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة " .

قال : فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة ، وليس في الجنة أذى ؟

قال : " حاجة أحدهم رشح يفيض من جلودهم ، كريح المسك ، فيضمر بطنه " .

وقال الحسن بن عرفة : حدثنا خلف بن خليفة ، عن حميد الأعرج ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : قال لي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إنك لتنظر إلى الطير في الجنة ، فيخر بين يديك مشويا .

وجاء في بعض الأحاديث : أنه إذا فرغ منه عاد طائرا كما كان بإذن الله تعالى .

وقد قال تعالى : ( وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ) [ الواقعة : 32 ، 33 ] وقال ( ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ) [ الإنسان : 14 ] .

وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص ، كما قال تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ) [ النساء : 57 ] .

وقد تقدم في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجنة شجرة ، يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها " ، ثم قرأ : ( وظل ممدود ) [ الواقعة : 30 ] .

وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ، ليرغب في الجنة ويحذر من النار; ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر ، قال بعده : ( تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ) كما قال تعالى : ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) [ الحشر : 20 ] .

وقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه : عباد الله هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من عبادتكم تقبلت منكم ، أو أن شيئا من خطاياكم غفرت لكم ؟

( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) [ المؤمنون : 115 ] والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم ، أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم ، ولا تنافسون في جنة ( أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ) رواه ابن أبي حاتم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: اختلف أهلُ العلم بكلام العرب في مُرَافع " المثل ", (1) فقال بعض نحويي الكوفيين: الرافع للمثل قوله: (تجري من تحتها الأنهار) ، في المعنى, وقال: هو كما تقول: " حِلْيَةُ فلان، أسمرُ كذا وكذا " فليس " الأسمر " بمرفوع بالحلية, إنما هو ابتداءٌ، أي هو أسمر هو كذا .

قال: ولو دخل " أنّ" في مثل هذا كان صوابًا .

قال: ومِثْلُه في الكلام: " مَثَلُك أنَّك كذا وأنك كذا "، وقوله: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا [سورة عبس: 24 ، 25] مَنْ وجَّه، مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا ، ومن قال: أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ ، أظهر الاسم لأنه مردودٌ على " الطعام " بالخفض, ومستأنف, أي: طَعامُهُ أنَّا صببنا ثم فعلنا .

وقال: معنى قوله: (مثل الجنة) ، صفات الجنّة .

* * * وقال بعض نحويي البصريين: معنى ذلك: صفةُ الجنة قال: ومنه قول الله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى [سورة الروم:27]، معناه: ولله الصِفة العُليَا .

قال: فمعنى الكلام في قوله: (مثلُ الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتِها الأنهار) ، أو فيها أنهار, (2) كأنه قال: وَصْف الجنة صفة تجري من تحتها الأنهار, أو صفة فيها أنهار ، والله أعلم .

قال: ووجه آخر كأنه إذا قيل: (مَثَلُ الجنة), قيل: الجنَّة التي وُعِدَ المتقون .

قال .

وكذلك قوله: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [سورة النمل:30]، كأنه قال: بالله الرحمن الرحيم, والله أعلم .

قال: وقوله: عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [سورة الزمر:56] ، في ذات الله, كأنه عندَنا قيل: في الله .

قال: وكذلك قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [سورة الشورى:11]، إنما المعنى: ليس كشيء, وليس مثله شيء, لأنه لا مثْلَ له .

قال: وليس هذا كقولك للرجل: " ليس كمثلك أحدٌ", لأنه يجوز أن يكون له مثلٌ, والله لا يجوز ذلك عليه .

قال: ومثلُه قول لَبيد: إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُمَا (3) قال: وفُسِّر لنا أنه أراد: السلام عليكما: قال أوس بن حجر: وَقَتْــلَى كِــرَامٍ كَمِثْــلِ الجُـذُوعِ تَغَشَّــــاهُمُ سَـــبَلُ مُنْهِمـــرْ (4) قال: والمعنى عندنا: كالجذوع, لأنه لم يرد أن يجعل للجذوع مَثَلا ثمّ يشبه القتلى به .

قال: ومثله قول أمية: زُحَـلٌ وَثَـوْرٌ تَحْـتَ رِجْـلِ يَمِينِـهِ وَالنَّسْــرُ لِلأخْـرَى وَلَيْـثٌ مُرْصِـدُ (5) قال فقال: " تحت رجل يمينه " كأنه قال: تَحْتَ رِجله، أو تحت رِجله اليُمْنَى.

قال: وقول لَبيد: أَضَـــلَّ صِـــوَارَهُ وَتَضَيَّفَتْــهُ نَطُــوفٌ أَمْرُهَــا بِيَــدِ الشَّـمَالِ (6) كأنه قال: أمرها بالشمال، وإلى الشمال ; وقول لَبيد أيضًا: حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِر (7) فكأنه قال: حتى وَقَعت في كافر .

* * * وقال آخر منهم: هو من المكفوف عن خبَره.

(8) قال: والعرب تفعل ذلك .

قال: وله معنى آخر: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى ، مَثَلُ الجنة، موصولٌ، صفةٌ لها على الكلام الأوَل .

(9) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال ذَكر المَثَل, فقال (مثل الجنة), والمراد الجنة, ثم وُصِفت الجنة بصفتها, وذلك أن مَثَلَها إنما هو صِفتَهُا وليست صفتها شيئًا غيرها .

وإذْ كان ذلك كذلك, ثم ذكر " المثل ", فقيل: (مثل الجنة), ومثلها صفَتُها وصفة الجنّة, فكان وصفها كوصف " المَثَل ", وكان كأنَّ الكلام جرى بذكر الجنة, فقيل: الجنةُ تجري من تحتها الأنهار, كما قال الشاعر: (10) أَرَى مَــرَّ السِّــنِينَ أَخَــذْنَ مِنِّـي كَمَــا أَخَـذَ السِّـرَارُ مِـنَ الْهِـلالِ (11) فذكر " المرّ" ، ورَجَع في الخبر إلى " السنين " .

وقوله: (أكلها دائمٌ وظلها) ، يعني: ما يؤكل فيها، (12) يقول: هو دائم لأهلها, لا ينقطع عنهم, ولا يزول ولا يبيد, ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية(وظلها)، يقول: وظلها أيضًا دائم, لأنه لا شمس فيها.

(13) * * * (تلك عقبى الذين اتقَوْا) ، يقول: هذه الجنة التي وصف جل ثناؤه، عاقبة الذين اتَّقَوا الله, فاجتنبوا مَعَاصيه وأدَّوْا فرائضه .

(14) وقوله: (وعُقْبَى الكافرين النار) ، يقول: وعاقبةُ الكافرين بالله النارُ .

------------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة :" رافع" والذي في المخطوطة خالص الصواب .

وانظر ما سيأتي ص : 552 .

(2) العبارة مبهمة ، ويبدو لي أن صوابها بعد الآية :" صفة الجنة التي وعد المتقون ، صفة جنة تجري من تحتها الأنهار ، أو فيها أنهار" .

(3) سلف البيت وتخريجه وشرحه 1 : 119 ، تعليق 1 / 14 : 417 ، تعليق : 1 ، وعجزه : * وَمَـنْ يَبْـكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ * (4) سيأتي البيت بعد 25 : 9 ( بولاق ) ، وروايته هناك :" مُسْبِلٌ" ، وكان في المطبوعة :" سيل" ، تصحيف ، و" السبل" ، بالتحريك ، المطر .

(5) سلف البيت : 1 : 345 ، وهناك" رجل وثور" ، ورجحت أنها" رجل" ، لما جاء في الخبر قبله رقم : 448 .

(6) ديوانه : 77 ، وتخريجه : 373 ، يزاد عليه ما هنا واللسان ( يدي ) .

والبيت في سياق أبيات من القصيدة ، يصف فيها ثور الوحش ، والضمير في" أضل ، إليه .

و" الصوار" ، قطيع بقر الوحش ، أضل الثور قطيعة وبقي فردًا وحيدًا ، كئيبًا متحيرًا ." تضيفته" ، نزلت به وطرقته ، والضمير في" تضيفته" لإحدى الليالي التي ذكرها في البيت قبله : كَــأَخْنَسَ نَاشِــطٍ جَــادَتْ عَلَيْـهِ ببُرْقَــةِ وَاحِــفٍ إحْــدَى اللَّيـالي و" ليلة نطوف" ، قاطرة تمطر حتى الصباح .

وقال أبو عمرو :" تطوف" : سحابة تسيل قليلا قليلا" ، والأول عندي أجود هنا ، وفي اللسان ( يدي ) :" نِطَافٌ" (7) ديوانه : 216 ، تخريجه : 396 ، ويزاد عليه ما هنا ، وتمام البيت : * وأجَـنَّ عَـوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلامُهَا * " ألقت" ، يعني الشمس ، ولم يجر لها ذكر قبل .

و" الكافر" ، الليل المظلم ، يستر ما يشتمل عليه .

(8) هذه مقالة أبي عبيدة مجاز القرآن 1 : 333 ، 334 .

(9) هو أيضًا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 334 .

وقوله :" للذين استجابوا" ، هي الآية 18 من سورة الرعد ، وهذه الآية : 35 منها ، فلذلك قال :" على الكلام الأول" .

(10) هو جرير .

(11) سلف البيت 7 : 86 ، تعليق : 1 / 15 : 567 وسيأتي 19 : 39 ( بولاق ) ، ويزاد في المراجع : اللسان ( خضع ) .

(12) انظر تفسير" الأكل" فيما سلف من هذا الجزء : 343 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(13) سلف" الظل" غير مبين 8 : 489 .

(14) انظر تفسير" العاقبة" و" العقبى" فيما سلف 15 : 356 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النارقوله تعالى : مثل الجنة التي وعد المتقون اختلف النحاة في رفع " مثل " فقال سيبويه : ارتفع بالابتداء والخبر محذوف ; والتقدير : وفيما يتلى عليكم مثل الجنة .

وقال الخليل : ارتفع بالابتداء وخبره تجري من تحتها الأنهار أي صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ; كقولك : قولي يقوم زيد ; فقولي مبتدأ ، ويقوم زيد خبره ; والمثل بمعنى الصفة موجود ; قال الله تعالى : ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل وقال : ولله المثل الأعلى أي الصفة العليا ; وأنكره أبو علي وقال : لم يسمع مثل بمعنى الصفة ; إنما معناه الشبه ; ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرفاته ، كقولهم : مررت برجل مثلك ; كما تقول : مررت برجل شبهك ; قال : ويفسد أيضا من جهة المعنى ; لأن مثلا إذا كان معناه صفة كان تقدير الكلام : صفة الجنة التي فيها أنهار ، وذلك غير مستقيم ; لأن الأنهار في الجنة نفسها لا صفتها وقال الزجاج : مثل الله - عز وجل - لنا ما غاب عنا بما نراه ; والمعنى : مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار ; وأنكرهأبو علي فقال : لا يخلو المثل على قوله أن يكون الصفة أو الشبه ، وفي كلا الوجهين لا يصح ما قاله ; لأنه إذا كان بمعنى الصفة لم يصح ، لأنك إذا قلت : صفة الجنة جنة ، فجعلت الجنة خبرا لم يستقم ذلك ; لأن الجنة لا تكون الصفة ، وكذلك أيضا شبه الجنة جنة ; ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين ، وهو حدث ; والجنة غير حدث ; فلا يكون الأول الثاني .

وقال الفراء : المثل مقحم للتأكيد ; والمعنى : الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ; والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل ; كقوله : ليس كمثله شيء : أي ليس هو كشيء .

وقيل التقدير : صفة الجنة التي وعد [ ص: 284 ] المتقون صفة جنة تجري من تحتها الأنهار وقيل معناه : شبه الجنة التي وعد المتقون في الحسن والنعمة والخلود كشبه النار في العذاب والشدة والخلود ; قاله مقاتل .أكلها دائم لا ينقطع ; وفي الخبر : إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى وقد بيناه في " التذكرة " .

وظلها أي وظلها كذلك ; فحذف ; أي ثمرها لا ينقطع ، وظلها لا يزول ; وهذا رد على الجهمية في زعمهم أن نعيم الجنة يزول ويفنى .تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار أي عاقبة أمر المكذبين وآخرتهم النار يدخلونها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } الذين تركوا ما نهاهم الله عنه، ولم يقصروا فيما أمرهم به، أي: صفتها وحقيقتها { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } أنهار العسل، وأنهار الخمر، وأنهار اللبن، وأنهار الماء التي تجري في غير أخدود، فتسقى تلك البساتين والأشجار فتحمل من جميع أنواع الثمار.

{ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا } دائم أيضا، { تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا } أي: عاقبتهم ومآلهم التي إليها يصيرون، { وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ } فكم بين الفريقين من الفرق المبين؟"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) أي : صفة الجنة ، كقوله تعالى : ( ولله المثل الأعلى ) ( النحل - 60 ) أي : الصفة العليا ( تجري من تحتها الأنهار ) أي : صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها .

وقيل : " مثل " صلة مجازها " الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار " .

( أكلها دائم ) أي : لا ينقطع ثمرها ونعيمها ( وظلها ) أي : ظلها ظليل ، لا يزول ، وهو رد على الجهمية حيث قالوا إن نعيم الجنة يفنى .

( تلك عقبى ) أي : عاقبة ( الذين اتقوا ) يعني : الجنة ( وعقبى الكافرين النار ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثل» صفة «الجنة التي وعد المتقون» مبتدأ خبره محذوف، أي فيما نقص عليكم «تجري من تحتها الأنهار أُكُلُها» ما يؤكل فيها «دائم» لا يفنى «وظلها» دائم لا تنسخه شمس لعدمها فيها «تلك» أي الجنة «عقبى» عاقبة «الذين اتقوْا» الشرك «وعقبى الكافرين النارُ».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

صفة الجنة التي وعد الله بها الذين يخشونه أنها تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، ثمرها لا ينقطع، وظلها لا يزول ولا ينقص، تلك المثوبة بالجنة عاقبة الذين خافوا الله، فاجتنبوا معاصيه وأدَّوا فرائضه، وعاقبة الكافرين بالله النار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أعقب ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا .

.

.

) .والمراد بالمثل هنا : الصفة العجيبة ، أى : صفة الجنة التى وعد الله إياها من اتقاه وصان نفسه عن كل مالا يرضيه ، أنها تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار ، وأنها أكلها دائم ، أى : ما يؤكل فيها لا انقطاع لأنواعه " وظلها " كذلك دائم .قال بعضهم : وجملة ( تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ) خبر عن " مثل " باعتبار أنها من أحوال المضاف إليه ، فهى من أحوال المضاف لشدة الملابسة بين المتضايفين ، كما يقال : صفة زيد أسمر .

وجملة " أكلها دائم " خبر ثان .واسم الإِشارة فى قوله : ( تِلْكَ عقبى الذين اتقوا ) يعود على الجنة التى أعدها الله - تعالى - للمتقين .أى : تلك الجنة المنعوتة بما ذكر هى مآل المتقين الذين استقاموا على الطريق الحق ، وهى منتهى أمرهم .أما مآل الكافرين ومنتهى أمرهم فهى النار ، وبئس القرار .هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث فى صفة الجنة فقال : وفى الصحيحين من حديث ابن عباس فى صلاة الكسوف ، وفيه : " قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا من مقامك هذا ، ثم رأيناك تكعكعت - أى توقفت وأحجمت؟

فقال : " إنى رأيت الجنة - أو أريت الجنة - فتناولت منها عنقودا ، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " " .وروى الطبرانى عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى " .وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت من التوجيهات ما فيه التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، وما فيه أوضح الدلائل والبراهين وأبلغها عن وحدانية الله - تعالى - ووجوب إفراده بالعبادة ، وما فيه البشارة للمؤمنين ، والتهديد للكافرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

[35] ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون تَجْرِى مِن تَحْتهَا الأنهار أُكُلُهَا دآئِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الذين اتقوا وَّعُقْبَى الكافرين النار ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة، أتبعه بذكر ثواب المتقين وفي قوله: ﴿ مثل الجنة ﴾ أقوال: الأول: قال سيبويه: ﴿ مثل الجنة ﴾ مبتدأ وخبره محذوف والتقدير: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة.

والثاني: قال الزجاج: مثل الجنة جنة من صفتها كذا وكذا.

والثالث: مثل الجنة مبتدأ وخبره تجري من تحتها الأنهار، كما تقول صفة زيد اسم.

والرابع: الخبر هو قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ لأنه الخارج عن العادة كأنه قال: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث: أولها: تجري من تحتها الأنهار.

وثانيها: أن أكلها دائم.

والمعنى: أن جنات الدنيا لا يدوم ورقها وثمرها ومنافعها.

أما جنات الآخرة فثمارها دائمة غير منقطعة.

وثالثها: أن ظلها دائم أيضاً، والمراد أنه ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة ونظيره قوله تعالى: ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً  ﴾ ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بين أن ذلك عقبى الذين اتقوا يعني عاقبة أهل التقوى هي الجنة، وعاقبة الكافرين النار.

وحاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب موصوفة بصفة الدوام.

واعلم أن قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ فيه مسائل ثلاث: المسألة الأولى: أنه يدل على أن أكل الجنة لا تفنى كما يحكى عن جهم وأتباعه.

المسألة الثانية: أنه يدل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم، كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية تدل على أن الجنة لم تخلق بعد، لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وأن ينقطع أكلها لقوله تعالى: ﴿ كل من عليها فان  ﴾ .

و ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ لكن لا ينقطع أكلها لقوله تعالى: ﴿ أكلها دائم ﴾ فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة.

ثم قال: فلا ننكر أن يحصل الآن في السموات جنات كثيرة يتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي في ذلك، إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

والجواب: أن دليلهم مركب من آيتين: أحدهما: قوله: ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ والأخرى قوله: ﴿ أكلها دائم وظلها ﴾ فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط دليلهم فنحن نخصص أحد هذين العمومين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة، وهو قوله تعالى: ﴿ وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ صفتها التي هي في غرابة المثل، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف على مذهب سيبويه، أي فيما قصصناه عليكم مثل الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ كما تقول: صفة زيد أسمر، وقال الزجاج: معناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار، على حذف الموصوف تمثيلاً لما غاب عنا بما نشاهد.

وقرأ علي رضي الله عنه ﴿ أمثال الجنة ﴾ على الجمع أي صفاتها ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾ كقوله ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ [الواقعة: 33] ﴿ وِظِلُّهَا ﴾ دائم لا ينسخ، كما ينسخ في الدنيا بالشمس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ صِفَتُها الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَرابَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ أيْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ وقِيلَ خَبَرُهُ.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ، أوْ عَلى حَذْفِ مَوْصُوفٍ أيْ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، أوْ عَلى زِيادَةِ المَثَلِ وهو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ حالٌ مِنَ العائِدِ أوِ المَحْذُوفِ أوْ مِنَ الصِّلَةِ.

﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ لا يَنْقَطِعُ ثَمَرُها.

﴿ وَظِلُّها ﴾ أيْ وظِلُّها وكَذَلِكَ لا يُنْسَخُ في الدُّنْيا بِالشَّمْسِ تِلْكَ أيِ الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ.

﴿ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ مَآلُهم ومُنْتَهى أمْرِهِمْ.

﴿ وَعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ ﴾ لا غَيْرَ، وفي تَرْتِيبِ النَّظْمَيْنِ إطْماعٌ لِلْمُتَّقِينَ وإقْناطٌ لِلْكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون} صفتها التي هي في غرابة المثل وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم مثل الجنة أو الخبر {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} كما تقول صفة زيد أسمر {أُكُلُهَا دَائِمٌ} ثمرها دائم الوجود لا ينقطع {وِظِلُّهَا} دائم لا ينسخ في الدنيا بالشمس {تِلْكَ عقبى الذين اتقوا} أي الجنة الموصوفة عقبى تقواهم يعني منتهى أمرهم {وعقبى الكافرين النار}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ أيْ نَعْتُها وصِفَتُها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ فَهو عَلى ما في البَحْرِ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ إذا وصَفْتُهُ وقَرَّبْتُهُ لِلْفَهْمِ ومِنهُ ﴿ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ أيِ الصِّفَةُ العُلْيا وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ تَفْسِيرَ المَثَلِ بِالصِّفَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لُغَةً ولَمْ يُوجَدْ فِيها وإنَّما مَعْناهُ الشَّبِيهُ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في ثَلاثَةِ مَعانٍ: فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّشْبِيهِ في أصْلِ اللُّغَةِ وبِمَعْنى القَوْلِ السّائِرِ المَعْرُوفِ في عُرْفِ اللُّغَةِ وبِمَعْنى الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ وهو مَعْنى مَجازِيٌّ لَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى العُرْفِيِّ بِعَلاقَةِ الغَرابَةِ لِأنَّ المَثَلَ إنَّما يَسِيرُ بَيْنَ النّاسِ لِغَرابَتِهِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَفْسِيرِهِ هُنا بِالصِّفَةِ الغَرِيبَةِ وهو حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُقَصُّ ويُتْلى عَلَيْكم صِفَةُ الجَنَّةِ ﴿ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي وقُدِّرَ مُقَدَّمًا لِطُولِ ذَيْلِ المُبْتَدَأِ ولِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعْنًى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ كَخَلْقِهِ مِن تُرابٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أوْ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مِنَ الصِّلَةِ أيِ الَّتِي وعَدَها وقِيلَ: هي الخَبَرُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: شَأْنُ زَيْدٍ يَأْتِيهِ النّاسُ ويُعَظِّمُونَهُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ مَعْنًى لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الأنْهارَ في صِفَةِ الجَنَّةِ وهي فِيها لا في صِفَتِها وفِيهِ أيْضًا تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى ﴿ مَثَلُ ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَبِيحٌ وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ عَلى تَأْوِيلِ أنَّها تَجْرِي فالمَعْنى مَثَلُ الجَنَّةِ جَرَيانُ الأنْهارِ أوْ أنَّ الجُمْلَةَ في تَأْوِيلِ المُفْرَدِ فَلا يَعُودُ مِنها ضَمِيرٌ لِلْمُبْتَدَأِ أوِ المُرادُ بِالصِّفَةِ ما يُقالُ فِيهِ هَذا إذا وُصِفَ فَلا حاجَةَ إلى الضَّمِيرِ كَما في خَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.

وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ راجِعًا إلى الجَنَّةِ لا إلى المَثَلِ وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ المُضافِ عَيْنُ المُضافِ إلَيْهِ وذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لَهُ ولَيْسَ نَحْوَ غُلامُ زَيْدٍ وتَعَقَّبَ كُلَّ ذَلِكَ الشِّهابُ بِأنَّهُ كَلامٌ ساقِطٌ مُتَعَسَّفٌ لِأنَّ تَأْوِيلَ الجُمْلَةِ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ سابِكٍ شاذٌّ وكَذا التَّأْوِيلُ بِأنَّهُ أُرِيدَ بِالصِّفَةِ لَفْظُها المَوْصُوفُ بِهِ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو تَجَوُّزٌ عَلى تَجَوُّزٍ ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ وقِياسُهُ عَلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ وأمّا عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ دُونَ المُبْتَدَأِ في مِثْلِ ذَلِكَ فَأضْعَفُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ فالحَزْمُ الإعْراضُ عَنْ هَذا الوَجْهِ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ صِفَةٌ لَهُ والمُرادُ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ قَدْ عَرَّفَنا الجَنَّةَ الَّتِي لَمْ نَرَها بِما شاهَدْناهُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا وعايَنّاهُ وتَعَقَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ عَلى ما في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ عَلى مَعْنى الصِّفَةِ ولا عَلى مَعْنى الشَّبَهِ لِأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي قَدَّرَها جُثَّةٌ ولا تَكُونُ صِفَةً ولِأنَّ الشَّبَهَ عِبارَةٌ عَنِ المُماثَلَةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وهو حَدَثٌ فَلا يَجُوزُ الإخْبارُ عَنْهُ بِالجَنَّةِ الجُثَّةِ ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ المَثِيلُ أوِ الشَّبِيهُ فَلا غُبارَ في الإخْبارِ وقِيلَ: إنَّ التَّشْبِيهَ هُنا تَمْثِيلِيٌّ مُنْتَزَعٌ وجْهُهُ مِن عِدَّةِ أُمُورٍ مِن أحْوالِ الجِنانِ المُشاهَدَةِ مِن جَرَيانِ أنْهارِها وغَضارَةِ أغْصانِها والتِفافِ أفْنانِها ونَحْوِهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها ﴾ بَيانًا لِفَضْلٍ تِلْكَ الجِنانِ وتَمْيِيزِها عَنْ هَذِهِ الجِنانِ المُشاهَدَةِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ بَيانٌ لِحالِ جِنانِ الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ وأنَّ فِيما ذُكِرَ انْتِشارًا واكْتِفاءً في النَّظِيرِ بِمُجَرَّدِ جَرَيانِ الأنْهارِ وهو لا يُناسِبُ البَلاغَةَ القُرْآنِيَّةَ وهو كَما تَرى.

ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ أيْضًا إلّا أنَّ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّبَهِ مُقْحَمٌ والتَّقْدِيرُ الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إلى آخِرِهِ وقَدْ عُهِدَ إقْحامُهُ بِهَذا المَعْنى ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ إقْحامَ الأسْماءِ لا يَجُوزُ ورُدَّ بِأنَّهُ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ كَثَمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ولا صَدَقَةَ إلّا عَنْ ظَهْرِ غِنى إلى غَيْرِ ذَلِكَ والأوْلى بَعْدَ القِيلِ والقالِ الوَجْهُ الأوَّلُ فَإنَّهُ سالِمٌ مِنَ التَّكَلُّفِ مَعَ ما فِيهِ مَنِ الإيجازِ والإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الأكْلِ ما يُؤْكَلُ فِيها ومَعْنى دَوامِهِ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: إنَّ لَذَّتَهُ دائِمَةٌ لا تُزادُ بِجُوعٍ ولا تُمَلُّ بِشِبَعٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأكْلَ بِالثَّمَرَةِ فَقِيلَ: وجْهُهُ أنَّهُ لَيْسَ في جَنَّةِ الدُّنْيا غَيْرُهُ وإنْ كانَ في المَوْعُودَةِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأطْعِمَةِ واسْتُظْهِرَ أنَّ ذَلِكَ لِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الجَنَّةِ والأطْعِمَةُ لا يُقالُ فِيها أُكُلُ الجَنَّةِ وفِيهِ تَرَدُّدٌ والظِّلُّ في الأصْلِ ضِدَّ الضِّحِّ وهو عِنْدَ الرّاغِبِ أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ فَإنَّهُ يُقالُ: ظِلُّ اللَّيْلِ ولا يُقالُ فَيْؤُهُ ويُقالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الشَّمْسُ ظِلٌّ ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا لِما زالَتْ عَنْهُ وفي القامُوسِ هو الضِّحُّ والفَيْءُ أوْ هو بِالغَداةِ والفَيْءُ بِالعَشِيِّ جَمْعُهُ ظِلالٌ وظُلُولٌ وأظْلالٌ ويُعَبَّرُ بِهِ عَنِ العِزَّةِ والمَنَعَةِ وعَنِ الرَّفاهَةِ والمَشْهُورُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالمَعْنى الأوَّلِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ وأُكُلُها كَذَلِكَ أيْ دائِمٌ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ومَعْنى دَوامِهِ أنَّهُ لا يُنْسَخُ كَما يُنْسَخُ في الدُّنْيا بِالشَّمْسِ إذْ لا شَمْسَ هُناكَ عَلى الشّائِعِ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ أوْ لِأنَّها لا تَأْثِيرَ لَها عَلى ما قِيلَ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِالظِّلِّ العِزَّةُ أوِ الرَّفاهَةُ وأنْ يُرادُ المَعْنى الأوَّلُ ويُجْعَلَ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ دَوامِ الرّاحَةِ وأكْفَرَ خارِجَةُ بْنُ مُعَصَّبٍ كَما رَوى عَنْهُ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ القائِلَ بِعَدَمِ دَوامِ الجَنَّةِ كَما يُحْكى عَنْ جَهَنَّمَ وأتْباعِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ وبِها اسْتَدَلَّ القاضِي عَلى أنَّها لَمْ تُخْلَقْ بَعْدَ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لَوَجَبَ أنْ يَفْنى ويَنْقَطِعَ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ لَكِنَّ أُكُلَها لا يَنْقَطِعُ ولا يَفْنى لِلْآيَةِ المَذْكُورَةِ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً بَعْدُ ثُمَّ قالَ: ولا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الآنَ جِنانٌ كَثِيرَةٌ في السَّماءِ يَتَمَتَّعُ بِها مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأنْبِياءِ والشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ إنَّما تُخْلَقُ بَعْدَ الإعادَةِ وأجابَ الإمامُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ دَلِيلَهُ مُرَكَّبٌ مِن شَيْئَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فَإذا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في أحَدِ هَذَيْنِ العَمُودَيْنِ سَقَطَ الدَّلِيلُ فَنَحْنُ نُخَصِّصُ أحَدَهُما بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

اهَـ.

ويُرَدُّ عَلى الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ إذِ الشَّيْءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ المَوْجُودُ مُطْلَقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ) والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ يَصِيرُ هالِكًا بَعْدَ وُجُودِهِ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: لَوْ وُجِدَتِ الجَنَّةُ في وقْتٍ لَوَجَبَ هَلاكُ أُكُلِها تَحْقِيقًا لِلْعُمُومِ لَكِنَّ هَلاكَهُ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فَوُجُودُها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ باطِلٌ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ المُرادَ مِنَ الشَّيْءِ المَوْجُودِ في الدُّنْيا فَإنَّها دارُ الفَناءِ دُونَ المَوْجُودِ في الآخِرَةِ فَإنَّها دارُ البَقاءِ وهَذا كافٍ في عَدَمِ اشْتِراكِ الإلْزامِ وفِيهِ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ مَعْنى الشَّيْءِ هو المَوْجُودُ في الدُّنْيا فَهو ظاهِرُ البُطْلانِ وإنَّ أُرِيدَ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالهَلاكِ وهو إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا لِأنَّها دارُ الفَناءِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَنَحْنُ نُخَصِّصُهُ بِغَيْرِ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ و ﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ.

وأجابَ غَيْرُ الإمامِ بِأنَّ المُرادَ هو الدَّوامُ العُرْفِيُّ وهو عَدَمُ طَرَيانِ العَدَمِ زَمانًا يُقَيَّدُ بِهِ وهَذا لا يُنافِي طَرَيانَ العَدَمِ عَلَيْهِ وانْقِطاعَهُ لَحْظَةً عَلى أنَّ الهَلاكَ لا يَسْتَلْزِمُ الفَناءَ بَلْ يَكْفِي فِيهِ الخُرُوجُ عَنِ الِانْتِفاعِ المَقْصُودِ ولَوْ سُلِّمَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ فَهو هالِكٌ في حَدِّ ذاتِهِ بِمَعْنى أنَّ الوُجُودَ الإمْكانِيَّ بِالنَّظَرِ إلى الوُجُودِ الواجِبِيِّ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ وقِيلَ: في الجَوابِ أيْضًا: إنَّ المُرادَ بِالدَّوامِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ أعْنِي عَدَمَ طَرَيانِ العَدَمِ مُطْلَقًا والمُرادُ بِدَوامِ الأكْلِ دَوامُ النَّوْعِ وبِالهَلاكِ هَلاكُ الأشْخاصِ ويَجُوزُ أنْ لا يَنْقَطِعَ النَّوْعُ أصْلًا مَعَ هَلاكِ الأشْخاصِ بِأنْ يَكُونَ هَلاكُ كُلِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الأكْلِ بَعْدَ وُجُودِ مِثْلِهِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَطْرَأُ عَلَيْها العَدَمُ ولَوْ لَحْظَةً وأمّا عَلى ما قِيلَ: مِن جَرَيانِهِ عَلَيْها لَحْظَةً فَلا يَتِمُّ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ انْقِطاعُ النَّوْعِ قَطْعًا كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( مِثالُ الجَنَّةِ ) وفي اللَّوامِحِ عَنِ السُّلَمِيِّ ( أمْثالُ الجَنَّةِ ) أيْ صِفاتُها ﴿ تِلْكَ ﴾ الجَنَّةُ المَنعُوتَةُ بِما ذُكِرَ ﴿ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ أيْ مَآلُهم ومُنْتَهى أمْرِهِمْ ﴿ وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ ﴾ .

(35) .

لا غَيْرَ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَعْرِيفُ الخَبَرِ وحَمْلُ الِاتِّقاءِ عَلى اتِّقاءِ الكُفْرِ والمَعاصِي لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَرْغِيبٍ وعَلَيْهِ يَكُونُ العُصاةُ مَسْكُوتًا عَنْهم وقَدْ يُحْمَلُ عَلى اتِّقاءِ الكُفْرِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ فَيَدْخُلُ العُصاةُ في الَّذِينَ اتَّقَوْا لِأنَّ عاقِبَتَهُمُ الجَنَّةُ وإنْ عُذِّبُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قال بعضهم: المثل هنا أراد به الصفة، ولم يرد به التشبيه، لأنه قد ذكر من قبل حديث الجنة، وهو قوله تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى [الرعد: 18] وقال بعد ذلك: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [الرعد: 23] ثم بيّن هاهنا صفة الجنة.

يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، الذين يتقون الشرك، والفواحش.

روي عن علي بن أبي طالب  أنه كان يقرأ أمثال الجنة التى وُعِدَ المتقون يعني: صفاتها وأحاديثها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ يعني: حملها ونعيمها لا ينقطع عنهم أبداً وَظِلُّها يقول: وهكذا ظلها دائم أبداً، ليس فيها شمس.

وقال بعضهم: أراد به التشبيه، لأن الله عرفنا نعيم الجنة وأمورها، التي لم نرها، ولم نشاهدها بما شهدنا من أمور الدنيا، ومعناه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ جنة تجرى من تحتها الانهار.

ثم قال: تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني: تلك الجنة، جزاء الذين اتقوا الشرك والفواحش وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ يعني: مصيرهم وجزاؤهم النار.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي: التوراة يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهم مؤمنو أهل الكتاب، يعجبون بذكر الرحمن وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني: أهل مكة ينكرون ذكر الرحمن، ويقولون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب.

ويقال: وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني: مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ينكر ما كان فيه نسخ شرائعهم قُلْ يا محمد إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ يعني: أمرت أن أقيم على التوحيد وَلا أُشْرِكَ بِهِ شيئاً.

ثم قال: إِلَيْهِ أَدْعُوا يقول: أدعو الخلق إلى توحيده وَإِلَيْهِ مَآبِ يعني: المرجع في الآخرة.

ثم قال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ يعني: القرآن أنزلنا جبريل ليقرأ عليك القرآن حُكْماً يعني: القرآن حكماً على الكتب كلها.

ويقال: محكماً عَرَبِيًّا يعني: القرآن بلغة العرب وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ قال الكلبي: يعني: لئن صليت إلى قبلتهم، نحو بيت المقدس بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعني: من بعد ما أتاك العلم بأن قبلتك نحو الكعبة.

ويقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ يعني: أهل مكة فيما يدعونك إلى دين آبائك بعد ما ظهر لك أن الإسلام هو الحق مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ يعني: من عذابه مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا واقٍ يقيك من عذاب الله، والخطاب للنبي  والمراد به أصحابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يوم القيامة، وإِنَّ حال الكَفَرة هَكَذَا هي إلى يوم القيامة، ووَعْدُ اللَّهِ: قيامُ الساعة، وال قارِعَةٌ: الرزيَّة التي تقرع قلْبَ صاحبها «١» .

وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ ...

الآية: تأنيسٌ وتسليةٌ له عليه السلام، قال البخاري: فَأَمْلَيْتُ: أي: أطلت من المليي والملاوة «٢» ومنه: مَلِيًّا، ويقال للواسِعِ الطويلِ من الأرض: ملى من الأرض.

انتهى.

أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)

وقوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ: أي: أهو أحقُّ بالعبادة أم الجمادات.

وقوله: قُلْ سَمُّوهُمْ: أي: سَمُّوا من له صفات يستحقّ بها الألوهية، ومَكْرُهُمْ: يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانَتْ بسبيل مناقَضَةِ الشرع، ولَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا

: أي: بالقتل والأسْر والجدوب وغير ذلك، وأَشَقُ

: من المشقَّة، أي:

أصعب، والواقي الساتِرُ علَى جهة الحمايَةِ من الوقاية.

وقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها: قد تقدم تفسير نظيره، وقوله: أُكُلُها: معناه: ما يؤكَلُ فيها.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ ...

الآية: قال ابن زيد: المراد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ أيْ: صِفَتُها أنَّ الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: خَبَرُ المَثَلِ مُضْمَرٌ قَبْلَهُ، والمَعْنى: فِيما نَصِفُ لَكم مَثَلُ الجَنَّةِ، وفِيما نَقُصُّهُ عَلَيْكم خَبَرُ الجَنَّةِ ﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ: يُرِيدُ أنَّ ثِمارَها لا تَنْقَطِعُ كَثِمارِ الدُّنْيا " وظِلُّها " لِأنَّهُ لا يَزُولُ ولا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أيْ: عاقِبَةُ أمْرِهِمُ المَصِيرُ إلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنَ هادٍ ﴾ ﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ واقٍ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النارُ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ  ﴾ ، والمَعْنى: أفَمَن هو هَكَذا أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؟

هَذا تَأْوِيلٌ، ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ ، كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ أهْلٌ أنْ يَنْتَقِمَ ويُعاقِبَ أمْ لا؟

و"الأنْفُسُ" مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو قائِمٌ عَلى الكُلِّ أيْ مُحِيطٌ بِهِ لِيُقَرِّبَ المَوْعِظَةَ مِن حِسِّ السامِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ حالَ كَسْبِها لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ عِنْدَ نَظَرِ الآيَةِ في أعْمالِهِ وكَسْبِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أيْ: سَمُّوا مَن لَهُ صِفاتٌ يَسْتَحِقُّ بِها الأُلُوهِيَّةَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ القَوْلِ وقَرَّرَ: هَلْ تُعْلِمُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ، وقَرَأالحَسَنُ: "هَلْ تُنْبِئُونَهُ" بِإسْكانِ النُونِ وتَخْفِيفِ الباءِ.

و"أمْ" هي بِمَعْنى "بَلْ"، و"ألِفُ الِاسْتِفْهامِ"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ".

ثُمَّ قَرَّرَهم بَعْدُ، هَلْ يُرِيدُونَ تَجْوِيزَ ذَلِكَ بِظاهِرٍ مِنَ الأمْرِ؟

لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لَهُ إلْباسٌ ما ومَوْضِعٌ مِنَ الِاحْتِمالِ، وما لَمْ يَكُنْ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ فَقَطْ فَلا شُبْهَةَ لَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "مَكْرُهُمْ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "زَيَّنَ" عَلى بِنايَةٍ لِلْفاعِلِ "مَكْرَهُمْ" بِالنَصْبِ، أيْ: زَيَّنَ اللهُ.

و"مَكْرُهُمْ": لَفْظٌ يَعُمُّ أقْوالَهم وأفْعالَهُمُ الَّتِي كانَتْ بِسَبِيلِ مُناقَضَةِ الشَرْعِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَصُدُّوا" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى تَعَدِّي الفِعْلِ، وقَرَأ الباقُونَ هُنا وفي "حم المُؤْمِنِ" "وَصَدُّوا" بِفَتْحِها، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: صَدُّوا أنْفُسَهم أو صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدُّوا" بِكَسْرِ الصادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ الآيَةٌ وعِيدٌ، أيْ: لَهم عَذابٌ في دُنْياهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والجُدُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا امْتَحَنَهُمُ اللهُ بِهِ، ثُمَّ لَهم عَذابٌ أشَقُّ مِن هَذا كُلِّهِ وهو الِاحْتِراقُ بِالنارِ.

و"أشَقُّ" أصْعَبُ، مِنَ المَشَقَّةِ، و"الواقِي": هو الساتِرُ عَلى جِهَةِ الحِمايَةِ، مِنَ الوِقايَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَوْمٌ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةُ، وهَذا مِن قَوْلِكَ: "مَثَّلْتُ الشَيْءَ" إذا وصَفْتَهُ لِأحَدٍ وقَرَّبْتَ عَلَيْهِ فَهْمَ أمْرِهِ، ولَيْسَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لَها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى  ﴾ أيِ الوَصْفُ الأعْلى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى الَّذِي يَتَحَصَّلُ في النَفْسِ مِثالًا لِلْجَنَّةِ هو جَرْيُ الأنْهارِ وأنَّ أُكُلَها دائِمٌ، ورافِعُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُقَدَّرٌ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم أو يُنَصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ورافِعُهُ عِنْدَ الفَرّاءِ قَوْلُهُ: "تَجْرِي" أيْ: صِفَةُ الجَنَّةِ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَأوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أنَّ "مَثَلُ" مُقْحَمٌ، وأنَّ التَقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْثالَ الجَنَّةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .

وقَوْلُهُ: "أُكُلُها" مَعْناهُ: ما يُؤْكَلُ فِيها، و"العُقْبى" والعاقِبَةُ والعاقِبُ: حالٌ تَتْلُو أُخْرى قَبْلَها.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.،وَقِيلَ: التَقْدِيرُ في صَدْرِ الآيَةِ: "مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي"، قالَهُ الزَجّاجُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- ضَرْبَ مَثَلٍ لِجَنَّةِ النَعِيمِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي يرتبط بقوله: ﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم ﴾ [سورة الرعد: 29].

ذُكر هنا بمناسبة ذكر ضدّه في قوله: ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ [الرعد: 34].

والمثَل: هنا الصفة العجيبة، قيل: هو حقيقة من معاني المثل، كقوله تعالى: ﴿ ولله المثَل الأعلى ﴾ [النحل: 60]، وقيل: هو مستعار من المثَل الذي هو الشبيه في حالة عجيبة أطلق على الحالة العجيبة غير الشبيهة لأنها جديرة بالتشبيه بها.

وجملة تجري من تحتها الأنهار } خبر عن ﴿ مَثَل ﴾ باعتبار أنها من أحوال المضاف إليه، فهي من أحوال المضاف لشدة الملابسة بين المتضايفين، كما يقال: صفة زيد أسمر.

وجملة ﴿ أكلها دائم ﴾ خبر ثان، والأكل بالضم: المأكول، وتقدم.

ودوام الظل كناية عن التفاف الأشجار بحيث لا فراغ بينها تنفذ منه الشمس، كما قال تعالى: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ [سورة النبأ: 16]، وذلك من محامد الجنات وملاذّها.

وجملة تلك عقبى الذين اتقوا} مستأنفة.

والإشارة إلى الجنة بصفاتها بحيث صارت كالمشاهدة، والمعنى: تلك هي التي سمعتم أنها عقبى الدار للذين يوفون بعهد الله إلى قوله: ﴿ ويدرأون بالحسنة السيّئة إلى قوله فنعم عقبى الدار ﴾ [سورة الرعد: 24] هي الجنة التي وعد المتّقون.

وقد علم أن الذين اتقوا هم المؤمنون الصالحون كما تقدم.

وأول مراتب التقوى الإيمان.

وجملة وعقبى الكافرين النار } مستأنفة للمناسبة بالمضادة.

وهي كالبيان لِجملة <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُشَبِّهُ الجَنَّةَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الثّانِي: نَعْتُ الجَنَّةِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مِثْلٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَمَرُها غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ يَحْيى.

الثّانِي: لَذَّتُها في الأفْواهِ باقِيَةٌ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لا تُمِلُّ مَن شَبِعٍ ولا مِرْبادَ لِمَجاعَةٍ.

﴿ وَظِلُّها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: دائِمُ البَقاءِ.

الثّانِي: دائِمُ اللَّذَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ مثل الجنة ﴾ قال: نعت الجنة، ليس للجنة مثل.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ قال: لذتها دائمة في أفواههم.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن خارجة بن مصعب رضي الله عنه قال: كفرت الجهمية بآيات من القرآن، قالوا: إن الجنة تنفد، ومن قال تنفد فقد كفر بالقرآن.

قال الله تعالى ﴿ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ﴾ [ ص: 54] وقال: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ [ الواقعة: 33] فمن قال إنها تنقطع فقد كفر.

وقال عطاء غير مجذوذ، فمن قال إنها تنقطع فقد كفر.

وقال: ﴿ أكلها دائم وظلها ﴾ فمن قال إنها لا تدوم، فقد كفر.

وأخرج ابن المنذر وابو الشيخ، عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: ما من شيء من ثنار الدنيا أشبه بثمار الجنة من الموز، لأنك لا تطلبه في صيف ولا شتاء إلا وجدته.

قال الله تعالى ﴿ أكلها دائم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ الآية، اختلفوا في معنى قوله: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ ﴾ وفي وجه ارتفاعه، فقال سيبويه (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقال المبرد (٦) ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ بما قبله علي وجه التفسير له (٧) ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ بعد قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  ﴾ تفسير للمثل، وكما أن قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ  ﴾ الجملة الثانية تفسير للوعد، ومن ذلك قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ  ﴾ الجملة الثانية تفسير للوصية، وكذلك ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ  ﴾ و ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ  ﴾ تفسير للمثل، ومثله قوله: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ  ﴾ فقوله: ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ﴾ تفسير للمثل.

وقال قوم: المثل هاهنا بمعنى الصفة، قالوا: ومعناها صفة الجنة التي وعد المتقون، قال محمد بن سلام (٨) (٩) ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ ما مثلها؟

قال: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ قال: ما مثلها؟

فسكت أبو عمر، وقال: فسألت يونس عنها، فقال: مثلها صفتها، قال محمد بن سلام: ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ  ﴾ أي صفتهم، قال الأزهري (١٠) قال ابن الأنباري: وعلى هذا القول المثل ابتداء وخبره ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ .وهو الرافع له، لأن المثل معناه الصفة، وصفة الجنة في المعنى قول مقول، وكلام معقول مفهوم، فجرى مجرى القول في صفة الجنة تجري من تحتها الأنهار، كما تقول: قولي بقول عبيد الله، وقولي ينصفك الأمير، (فيكون: ينصفك الأمير) (١١) (١٢) (١٣) ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ  ﴾ أي: ذلك وصفهم؛ لأنه لم يضرب لهم مثلًا في أول الكلام، ويؤيد هذا المعنى ما حكاه الفراء (١٤)  قرأ: (أمثال الجنة)، قال الفراء: يقول: صفات الجنة، فجمع الأمثال لما أتت بعدها أوصاف، ومثل هذا من الكلام قول العرب: حلية فلان أسمر.

أي القول في وصفه هذا، فأسمر يرتفع بإضمار هو.

وأنكر المبرد (١٥) قال أبو علي (١٦) (١٧) ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ ﴾ صفة الجنة، لم يرووه عن (١٨) (١٩) (٢٠)  ، و ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ في هذه السورة، فقد حمل الاسم على المعنى فأنّث، وهذا قبيح ضعيف يجيء في ضرورة الشعر.

نحو: "ثلاث شخوص" (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ من أحد الخبرين، فلم يكن خبر المبتدأ ما ذكروه، ولكن ما ذهب إليه سيبويه (٢٥) ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ خبر عن المضاف إليه، وهو الجنة، يرى الخبر عن المضاف الذي هو مثل، ومثل ذلك جائز في الكلام، كقوله (٢٦) لو أن عُصْمَ عَمَايَتَيْن ويَذْبُل ...

سَمِعَا حديثَكِ أنْزَلا الأوْعَالا (٢٧) فأخبر عن العمايتين بقوله: سمعا، ولم يخبر عن العُصْمِ.

قال أبو علي: لا يجوز أن يُذْكر اسمٌ ولا يخبر عنه، ويترك متعلقًا (٢٨) (٢٩) (٣٠) ﴿ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا  ﴾ وكقوله (٣١) إن المَنِيّةَ والحُتُوفَ كلاهُما ...

توفي المَخَارِمَ يرقُبَانِ سَوادِيَا وأبو بكر بن الأنباري يقوي هذه الطريقة، ويقول: يجوز أن يذكر اسمان ثم يخبر عن الثاني، ويسد الخبر عن الثاني مسد الخبر عن الأول، كما قالوا: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل، فجعلوا الخبر عن الدنيا خبرًا عن الكاف، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ صرف خبر الذين إلى الأزواج، وذهب قوم إلى أن المثل دخل توكيدًا للكلام، والمعنى: الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، فأكد الكلام بالمثل، كقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ أي كهو، وعلى هذا المثل يكون لغوًا وزيادة كما تقول في الفصل في قوله: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا  ﴾ .

قال أبو علي: كون المثل لغوًا والحكم عليه بهذا فاسد غير سائغ (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وأما قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ فليس مثل لغوًا، إنما الكاف الملغى عندنا، والحكم بزيادة الكاف أولى؛ لأنه حرف، والحرف يكون زيادة كثيرة، وليس الأسماء بمنزلها، وقد وجدت الكاف زائدة في مواضع كقول رؤبة (٣٦) لَوَاحِقُ الأقْرابِ فيها كالمَقَق ...

و ...

كَكَما يُؤثَفِين (٣٧) (٣٨) .......

في مِرْفَقَيْهما كالفَتل وإذا كان كذلك كان الحكم بزيادة الكاف أولى، بل لا يجوز غيره، فيكون المعنى: ليس مثله شيء، وقال أبو إسحاق (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾ قال الحسن (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَظِلُّهَا ﴾ أي: أنه (٤٥) (٤٦) (١) القرطبي 9/ 324.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 149.

(٣) "زاد المسير" 4/ 334.

(٤) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.

(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (ج).

(٦) "المقتضب" 3/ 225، ونقله عنه الأزهري في "التهذيب" (مثل) 4/ 3341.

(٧) (له): ساقط من (ج).

(٨) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.

(٩) في (ب): (عن).

(١٠) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.

(١١) ما بين القوسين ساقط من (ب)، (ج).

(١٢) "مشكل القرآن وغريبه" ص 235.

(١٣) إحدى الواوين ساقطة من (ب).

(١٤) "معاني القرآن" 2/ 65، والقراءة في "الكشاف" 2/ 362.

(١٥) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.

(١٦) النقل من "الإغفال" للفارسي 2/ 910.

(١٧) في "الإغفال" 2/ 912: (محكية).

(١٨) (عن) ساقط من: (ب).

(١٩) في "الإغفال" 2/ 914: (متأولين).

(٢٠) في "الإغفال" 2/ 914: (أن مثلاً).

(٢١) (شخوص) ساقط من (ج).

(٢٢) هذه قطعة من بيت لعمر بن أبي ربيعة، والبيت بتمامه: فكان مجني دون من كنت أتقي ...

ثلاث شخوص كاعبان ومعصر انظر: سيبويه 2/ 204، و"الخصائص" 2/ 417، والأشموني: 3/ 630، و"ديوانه" 1/ 3 ط.

أوربا، و"المذكر والمؤنث" للمبرد ص 108 - 113، و"الإنصاف" ص 619، و"أوضح المسالك" ص 248، 250، و"المقتضب" 2/ 148، و"المخصص" 17/ 117، 9/ 4، و"الخزانة" 3/ 213.

(٢٣) هذه قطعة من بيت لرجل يقال له النواح من بني كلاب، والبيت بتمامه: فإن كلابًا هذه عشر أبطن ...

وأنت بريء من قبائلها العشر "المخصص" 12/ 154، وسيبويه 2/ 203، و"المذكر والمؤنث" للمبرد ص 108، و"العين" 4/ 484.

(٢٤) في (ج): (يسمع).

(٢٥) انظر: "الكتاب" 1/ 90.

(٢٦) البيت لجرير بن عطية الخطفي.

انظر: "ديوانه" ص 360، طبعة نعمان وفيه: (سمعت حديثك أنزل الأوعالا)، شرح ابن يعيش: 1/ 46، و"المخصص" 8/ 168 غير منسوب، و"الأشباه والنظائر" 5/ 65، و"أمالي ابن الحاجب" 2/ 660، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 462، و"همع الهوامع" 1/ 42.

(٢٧) في (ج): (الأومالا).

(٢٨) في "الإغفال" 2/ 918: (معلقًا).

(٢٩) في "الإغفال" 2/ 918 (فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لم يجر في ذكره، والدلالة عليه به، وبالأخبار الذي يجيء عنه بعده ..).

(٣٠) في "الإغفال" 918/ 2 (واحد إذا كانا جمعين).

(٣١) القائل هو الأسود بن يعفر.

"ديوانه" ص 26، و"خزانة الأدب" 7/ 575، و"شرح شواهد المغني" 2/ 553، و"مغني اللبيب" 1/ 204 (يوفي المنية) بدل (توفي المخارم)، و"خزانة الأدب" 3/ 385 (يوفي)، "المفضليات" ص 216 (يوفي)، و"منتهى الطلب" 1/ 81 (كليهما)، و"السمط" 1/ 174، 268 (يوفي).

(٣٢) في (ب): (غير شائع).

(٣٣) في "الإغفال" 2/ 920: (لا يرتفع) بزيادة (لا).

(٣٤) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(٣٥) في "الإغفال" 2/ 920: (خبرًا لأنه).

(٣٦) "ديوانه" ص 106، و"العين" 3/ 290، و"الخزانة" 4/ 266، و"سر صناعة الإعراب" ص 292، وبغير نسبة في "المقتضب" 4/ 418، و"المسائل البغداديات" ص 400.

قاله يصف خيلاً، لواحق: ضوامر، والأقراب: جمع قرب.

والقرب الخاصرة.

(٣٧) البيت لخطام المجاشعي، ولعل قبله سقطًا وأوله: وصاليات ككما يؤثفين= انظر: "الكتاب" 1/ 13، 203، 2/ 331، و"المغني" 4/ 592، و"الخزانة" 1/ 367، وغير منسوب في "معاني الأخفش" 303، و"المقتضب" 2/ 95، و"مجالس ثعلب" ص 39، و"سر صناعة الإعراب" ص 282، و"المحتسب" 1/ 186، والصاليات: الأثافي، وهي من صليت بالنار: أي أحرقت حتى اسودت، يؤثفين: يجعلن أثافي للقدر.

(٣٨) "ديوانه" ص 139، والبيت بتمامه: قد تجاوزت وتحتي جسرة ...

حرج في مرفقيها كالفتل تجاوزت: قطعت المسافة، الجسرة: الناقة الضخمة الطويلة التي لا تركب، حرج: لا تركب ولا يضربها الفحل، الفتل: الاندماج في المرفقين مع تباعد عن الجنب.

وانظر: "اللسان" (حرج) 2/ 821، (فتل) 6/ 3343، و"تهذيب اللغة" 1/ 775، و"كتاب العين" 3/ 77، و"تاج العروس" (حرج) 3/ 321، وبلا نسبة في "مقاييس اللغة" 1/ 260.

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 150.

(٤٠) "الإغفال" 2/ 924.

(٤١) في (ب): (والشبه) وهو الصحيح كما في "الإغفال" 2/ 924، وفي (ح): (والتشبيه).

(٤٢) إلى هنا انتهى النقل عن "الإغفال" 2/ 911 - 924 بتصرف وزيادة وحذف.

(٤٣) "تفسير مقاتل" 192 أ.

(٤٤) "زاد المسير" 4/ 334.

(٤٥) (أنه) ساقط من (ج).

(٤٦) "زاد المسير" 4/ 334.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ هنا وفي القتال [محمد: 15] صفتها، وليس بضرب مثل لها، والخبر عند سيبويه محذوف مقدم تقديره: فيما يتلى عليكم صفة الجنة، وقال الفراء: الخبر مؤخر، وهو تجري من تحتها الأنهار ﴿ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ يعني ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها والأكل.

بضم الهمزة المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل بفتح الهمزة المصدر ﴿ والذين آتيناهم ﴾ يعني من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه وقيل: يعني المؤمنين والكتاب على هذا القرآن ﴿ وَمِنَ الأحزاب ﴾ قيل: هم بنو أمية، وبنو المغيرة من قريش والأظهر أنها في سائر كفار العرب، وقيل: هم اليهود والنصارى؛ لأنهم لا ينكرون القصاص والأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو حرفوه ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه جواب المنكرين، ورد عليهم كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف تنكرون هذا ﴿ مَآبِ ﴾ مفعل من الأوب وهو الرجوع، أي مرجعي في الآخرة أو مرجعي بالتوبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الباقون بفتحها.

﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.

الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.

﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.

﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.

﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟

وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.

ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟

فقيل للنبي  : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.

﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.

وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله  لعلي  : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.

فأنزل الله الآية.

فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله  لا على جحودهم أو إِشراكهم.

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله  وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.

قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.

وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  ﴾ الآية.

وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.

ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً  ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.

وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.

ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.

أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.

ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

وهذا لغة قوم من النخع.

وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي  وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .

وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.

وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.

وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.

﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.

وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله  لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.

والإملاء الإمهال وقد مر هناك.

والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.

ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.

وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.

ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.

وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.

وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.

قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.

أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم  ﴾ وقد مر في أول "يونس".

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها  ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.

ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.

والكلام في أن المزين هو الله  أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.

وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.

وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة  ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.

والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً  ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله  : ﴿ كل من عليها فان  ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين  ﴾ .

ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.

وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.

واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.

ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.

وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.

واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.

وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.

وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.

ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.

ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.

ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.

ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.

وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.

وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.

روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله  إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.

وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.

قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله  وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.

ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله  : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته  ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله  يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.

وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.

والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.

وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه  يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله  .

والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.

الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية  ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.

واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله  { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.

ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.

وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ .

وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.

وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.

عن النبي  : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.

روى أبو الدرداء عن النبي  : "إن الله  في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .

وقيل: هو علم الله  المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.

ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.

والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.

ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.

قال الواحدي.

الأليق بالمقام هو القول الأول.

وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.

﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.

﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.

وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.

وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.

قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله  وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.

وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.

وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.

ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.

وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.

وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.

ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.

فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.

وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.

ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.

واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.

وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.

والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.

وقال الزجاج: الأشبه أن الله  لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.

وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً  ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.

ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله  في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام  ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.

﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: يقول: من الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت الله أم شركاؤكم فالقائم هو المدبر الحافظ بكل ما فيه الخلق ويشبه أن يكون تأويله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ ﴾ أي: حافظ وعالم على كل نفس بما كسبت؛ أو بالرزق لهم والدفع عنهم، كمن هو أعمى عن ذلك، ليسا بسواء كقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ...

﴾ الآية [الرعد: 19].

أو يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ كمن هو غير قائم عليه؟

ليسا بسواء.

وقال مقاتل: أفمن هو قائم على رزقهم وطعامهم.

ثم قال: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: وصفوا لله شركاء وعبدوها؛ والله أحق أن يعبد من غيره.

يقول الله: أنا القائم على كل نفس؛ أرزقهم وأطعمهم؛ أفأكون أنا وشركائي الذين لا يفعلون ذلك سواء؟

والوجه فيه ما وصفنا: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ أي: يرزق ويبصر و [يعلم ما تعمل وتكسب ويحفظ] عن أنواع البلايا؛ كمن هو أعمى جاهل عاجز عن ذلك كله؟

أي: ليس هذا كذلك.

ويسفههم في إشراكهم الأصنام التي عبدوها في الألوهية والعبادة، وهي بالوصف الذي ذكر؛ كمن هو أعمى عاجز عن ذلك؟

أي: ليسا بسواء.

وقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يحتمل قائم على كل نفس بما كسبت؛ فيما قدر لها وقواها أو في الجزاء يجزي على ما تكسب.

﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ في العبادة؛ أو في تسميتهم آلهة، لا يعلمون ما كسب لها، ولا يملكون جزاء ما كسبوا لها أيضاً.

يبين سفههم في جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء لله في العبادة؛ وتسميتهم آلهة؛ مع علمهم أنهم لا يقدرون ولا يملكون شيئاً من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ بذلك الاسم؛ ولو سموهم، [سموهم] بكذب وباطل وزور.

وعندنا قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي: لو سميتموها آلهة واتخذتموها معبوداً؛ فسموهم أيضاً بأسماء سميتم الله؛ من نحو: الخالق والرازق والرحمن والرحيم؛ ونحوه.

يقول - والله أعلم - إذ سميتم هذه الأصنام آلهة ومعبوداً، سموهم أيضاً: خالقاً ورازقاً ورحماناً ورحيماً، وهم يعلمون أنها ليست كذلك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: أم تنبئون الله؛ وهو عالم بما في السماوات وما في الأرض؛ وعالم بكل شيء، وهو لا يعلم في الأرض ما تقولون من الآلهة وما تصفونه بالشركاء؟!

وكذلك يخرج قوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أم تنبئونه بما ليس في الأرض شيء مما تقولون وتصفون شيء؛ أي: يقول: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض، وهم عالم بكل شيء؟

أي: تقرون بأنه عالم بكل شيء؛ وهو لا يعلم ما تقولون وتسمونه من الشركاء وغيره.

والثاني: أم تنبئونه بما لا يعلم؛ أي: ليس في الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: بل بباطل من القول وزور.

ويشبه أن يكون بظاهر من القول؛ أي: بضعيف من القول وخفيف، يسمون الشيء الذي لا حقيقة له ولا ثبات ظاهراً بادياً؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ  ﴾ أي: ضعيف الرأي: وخفيفه؛ لا حقيقة له ولا قرار.

ويحتمل قوله: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ في الخلق والأسلاف؛ أي: لم يظهر ما يقولون؛ ويصفون؛ إشراك هذه الأصنام؛ وتسميتها آلهة ومعبوداً؛ فيكون (أم) في موضع حقيقة ويقين؛ على هذا التأويل والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ : قولهم الذي قالوه من الكذب والزور؛ أنها آلهة وأنها شركاء الله.

لكن يشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ أي: مكرهم برسول الله  حيث احتالوا حيلا؛ ليقتلوه لئلا يظهر هذا الدين في الأرض، ويطفئون هذا النور؛ ليدوم عزهم وشرفهم في هذه الدنيا؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ والمكر: هو الاحتيال؛ والأخذ من حيث الأمن.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

صدوا؛ لما علموا من مكرهم واختيارهم ما اختاروا والسبيل، المطلق هو سبيل الله؛ وإلا كان جميع الأديان والمذاهب يسمى سبيلا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ لكن ما ذكرنا أن السبيل المطلق [هو] سبيل الله، والكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .

من أضله الله فلا يملك أحدٌ هدايته، ومن هداه فلا يملك أحد إضلاله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

العذاب لهم في الحياة الدنيا يحتمل: القتل والقتال؛ والخوف والجواع؛ وأنواع البلايا؛ كقوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ...

﴾ الآية [النحل: 112].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي: أشد.

﴿ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ أي: مالهم من عذاب الله من واقٍ يقيهم من عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ .

يحتمل: وصف الجنة التي وعد المتقون؛ أو صفة الجنة التي وعد المتقون.

ويحتمل: [أي: شبه] الجنة التي وعد المتقون.

كشبه النار التي وعد الكافرون؛ أي: ليسا بشبيهين ولا مثلين، لا تكون هذه مثل هذه ولا تشبهها؛ كقوله: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...

﴾ الآية [محمد: 15]، يقول - والله أعلم - يقول: الذي وصفه كذا من النعم الدائمة - كالذي يكون عذابه ووصفه كذا؛ أي: لا يكون؛ فعلى ذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ .

أي: ثمار الجنة دائمة لا تزول ولا تنقطع؛ ليس كثمار الدنيا، ونعيمها ليس من ثمرة من ثمار الدنيا إلا وهي تزول وتنقطع في وقت؛ فأخبر أن ثمار الآخرة - وما فيها من النعيم - غير زائلة ولا منقطعة، وكذلك عذابها [دائم] لا يزول.

﴿ وِظِلُّهَا ﴾ أيضاً.

أخبر أن ظل الجنة لا يزول ولا ينقطع، لا يكون فيها شمس يزول ظلها بزوالها.

وصف جميع ما فيها بالدوام والمنفعة: الظل شيء لا أذى فيه؛ وفيه منافع، والشمس فيها أذى ومنافع، وكذلك جميع ما يكون من الأشياء في الدنيا؛ يكون فيها منافع ومضار؛ وأنها تزول وتنقطع؛ فأخبر أن ظل الآخرة وما فيها من النعم دائمة باقية؛ غير زائلة ولا منقطعة، ولا مضرة فيها؛ ليس كنعيم الدنيا وظلها.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ ﴾ .

[أي: جزاء الكافرين النار]، ظاهر هذا أن يكون: الذين اتقوا تقى الشرك؛ لأنه ذكر عقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء وعقبى ما ذكرنا؛ أي: تلك الجنة جزاء الذين اتقوا الشرك، وعقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء [الكافرين] النار.

أو عقبى هذه للذين اتقوا الجنة، وعقبى أولئك النار.

وقال بعضهم: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: عاقبة أعمالهم وحسناتهم الجنة؛ وعاقبة أعمال الذين كفروا بتوحيد الله النار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

صف الجنة التى وعد الله بها المتقين له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه أنها تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ثمارها دائمة عكس ثمار الدنيا، وظلها دائم لا يزول، ولا يتقلص، تلك هي عاقبة الذين اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعاقبة الكافرين النار يدخلونها ماكثين فيها أبدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.51YBm"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله