الآية ٣٣ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٣ من سورة الرعد

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) أي : حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة ، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر ، ولا يخفى عليه خافية ، ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) [ يونس : 61 ] وقال تعالى : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) [ الأنعام : 59 ] وقال ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] وقال ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] وقال ( يعلم السر وأخفى ) [ طه : 7 ] وقال ( وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) [ الحديد : 4 ] أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ، ولا تملك نفعا لأنفسها ولا لعابديها ، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها ؟

وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه ، وهو قوله : ( وجعلوا لله شركاء ) أي : عبدوها معه ، من أصنام وأنداد وأوثان .

( قل سموهم ) أي : أعلمونا بهم ، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا ، فإنهم لا حقيقة لهم; ولهذا قال : ( أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ) أي : لا وجود له; لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمها; لأنه لا تخفى عليه خافية .

( أم بظاهر من القول ) قال مجاهد : بظن من القول .

وقال الضحاك وقتادة : بباطل من القول .

أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر ، وسميتموها آلهة ، ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) [ النجم : 23 ] .

( بل زين للذين كفروا مكرهم ) قال مجاهد : قولهم ، أي : ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار ، كما قال تعالى : ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ) [ فصلت : 25 ] .

" وصدوا عن السبيل " : من قرأها بفتح الصاد ، معناه : أنهم لما زين لهم ما فيه وأنه حق ، دعوا إليه وصدوا الناس عن اتباع طريق الرسل .

ومن قرأها ) وصدوا ) أي : بما زين لهم من صحة ما هم عليه ، صدوا به عن سبيل الله; ولهذا قال : ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) كما قال ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ) [ المائدة : 41 ] وقال ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ) [ النحل : 37 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفَالرَّبُ الذي هو دائمٌ لا يَبيدُ ولا يَهْلِك ، قائم بحفظ أرزاق جميع الخَلْق, (58) متضمنٌ لها, عالمٌ بهم وبما يكسبُونه من الأعمال, رقيبٌ عليهم, لا يَعْزُب عنه شيء أينما كانوا، كَمن هو هالك بائِدٌ لا يَسمَع ولا يُبصر ولا يفهم شيئًا, ولا يدفع عن نفسه ولا عَمَّن يعبده ضُرًّا, ولا يَجْلب إليهما نفعًا؟

كلاهما سَواءٌ؟

* * * وحذف الجواب في ذلك فلم يَقُل، وقد قيل (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) : ككذا وكذا, اكتفاءً بعلم السامع بما ذَكَر عما ترك ذِكْره .

وذلك أنه لما قال جل ثناؤه: (وَجعلُوا لله شُرَكاء) ، عُلِمَ أن معنى الكلام: كشركائهم التي اتخذوها آلهةً.

كما قال الشاعر: (59) تَخَـــيَّرِي خُـــيِّرْتِ أُمَّ عَـــالِ بَيْـــنَ قَصِــيرٍ شِــبْرُهُ تِنْبَــالِ أَذَاكَ أَمْ مُنْخَــــرِقُ السِّــــرْبَالِ وَلا يَـــزَالُ آخِــــرَ اللَّيـــالِي مُتْلِــفَ مَـالٍ وَمُفِيدَ مَــالِ (60) ولم يقل وقد قال: " شَبْرُهُ تِنْبَال ", (61) وبين كذا وكذا, اكتفاء منه بقوله: " أذاكَ أم منخرق السربال ", ودلالة الخبر عن المنخرق السربال على مراده في ذلك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20440- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، ذلكم ربكم تبارك وتعالى, قائمٌ على بني آدمَ بأرزاقهم وآجالهم, وحَفظ عليهم والله أعمالهم .

(62) 20441- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أفمَن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، قال: الله قائم على كل نفس.

(63) 20442- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، يعني بذلك نفسه, يقول: هو معكم أينما كنتم, فلا يعمل عامل إلا والله حاضِرُه .

ويقال: هم الملائكة الذين وُكِلوا ببني آدم .

(64) 20443- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، وعلى رزقهم وعلى طعامهم, فأنا على ذلك قائم، وهم عبيدي، (65) ثم جعلوا لي شُركاء .

20444- حدثت عن الحُسَين بن فرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، فهو الله قائم على كل نفس بَرّ وفاجر, يرزقهم ويَكلؤُهم, ثم يشرك به منهم من أشرك .

(66) * * * وقوله: (وجَعَلوا لله شركاءَ قُلْ سَموهم أم تنَبِّئونه بما لا يعلم في الأرض أمْ بظاهر من القول) ، يقول تعالى ذكره: أنا القائم بأرزاق هؤلاء المشركين, والمدبِّرُ أمورهم, والحافظُ عليهم أعمالَهُمْ, وجعلوا لي شركاء من خلقي يعبدُونها دوني, قل لهم يا محمد: سمّوا هؤلاء الذين أشركتموهم في عبادة الله, فإنهم إن قالوا: آلهة فقد كذبوا, لأنه لا إله إلا الواحد القهار لا شريك له(أم تُنَبِّؤونُه بما لا يعلم في الأرضُ) ، يقول: أتخبرونه بأن في الأرض إلهًا, ولا إله غيرُه في الأرض ولا في السماء؟

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20445- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وجعلوا لله شركاء قل سمُّوهم) ، ولو سمَّوْهم آلهةً لكذبَوا وقالوا في ذلك غير الحق، لأن الله واحدٌ ليس له شريك.

قال الله: (أم تُنَبؤونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول) يقول: لا يعلم الله في الأرض إلها غيره .

(67) 20446- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (وجَعلوا لله شركاء قل سموهم) ، والله خلقهم .

20447- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (وجعلوا لله شركاء قل سموهم) ، ولو سَمَّوهم كذبوا وقالوا في ذلك مَا لا يعلم الله، مَا من إله غير الله، (68) فذلك قوله: (أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض).

* * * وقوله: (أم بظاهر من القول) ، مسموع, (69) وهو في الحقيقة باطلٌ لا صحة له .

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم قالوا: (أم بظاهر), معناه: أم بباطل, فأتوا بالمعنى الذي تدل عليه الكلمة دون البيان عن حَقيقة تأويلها .

*ذكر من قال ذلك: 20448- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء, عن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (بظاهر من القول) ، بظنٍّ .

20449- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله .

20450- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن قتادة قوله: (أم بظاهر من القول) ، والظاهر من القول: هو الباطل .

20451- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أم بظاهر من القول) ، يقول: أم بباطل من القول وكذب, ولو قالوا قالُوا الباطلَ والكذبَ .

* * * وقوله: (بل زُيِّن للذين كفروا مكرهم) ، يقول تعالى ذكره: ما لله من شريك في السموات ولا في الأرض, ولكن زُيِّن للمشركين الذي يدعون من دونه إلهًا، (70) مَكْرُهم, وذلك افتراؤهُم وكذبهم على الله .

(71) * * * وكان مجاهد يقول: معنى " المكر " ، ههنا: القول, كأنه قال: يعني قَوْلُهم بالشرك بالله .

(72) 20452- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (بل زين للذين كفروا مكرهم) ، قال: قولهم .

20453- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله .

* * * وأما قوله: (وصدوا عن السبيل) ، فإن القَرَأة اختلفت في قراءته.

فقرأته عامة قَرَأة الكوفيين: (وَصُدُّوا عن السَّبِيلِ) ، بضم " الصاد ", بمعنى: وصدَّهم الله عن سبيله لكفرهم به, ثم جُعلت " الصاد " مضمومة إذ لم يُسَمَّ فاعله .

* * * وأما عامة قرأة الحجاز والبصرة, فقرأوه بفتح " الصاد "، على معنى أن المشركين هم الذين صَدُّوا الناس عن سبيل الله .

(73) قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمةٌ من القرأة, متقاربتا المعنى، وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به, وهم مع ذلك كانوا يعبدون غيرهم, كما وصفهم الله به بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ .

[الأنفال: 36] * * * وقوله (ومن يُضْلل الله فمَا لهُ من هادٍ) ، يقول تعالى ذكره: ومن أضلَّه الله عن إصابة الحق والهدى بخذلانه إياه, فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما، لأن ذلك لا يُنَال إلا بتوفيق الله ومعونته, وذلك بيد الله وإليه دُون كل أحد سواه .

----------------------- الهوامش : (58) انظر تفسير" القيام" فيما سلف 6 : 519 - 521 / 7 : 120 - 124 .

وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 333 .

(59) هو القتال الكلابي .

(60) من رجز رواه صاحب الأغاني 20 : 164 في حديث طويل ، أخرجه إحسان عباس فيما جمعه من شعر القتال الكلابي : 83 ، والتخريج في : 113 ، ويزاد عليه اللسان ( رمل ) ، مع اختلاف في روايته ." أم عال" ، هي" عالية" ، امرأة من بني نصر بن معاوية ، كانت زوجة لرجل من أشراف الحي ، فكان القتال ينسب بها في أشعاره ، ورواية الأغاني : * تَخَـيَّرِي خُـيِّرْتِ فـي الرِّجَـالِ * لأن قبله : * لَعَلَّنَـــا نَطْــرُقُ أُمَّ عَــالِ * وفي المطبوع :" قصير شده" ، وهو خطأ .

ويقال :" فلان قصير الشبر" ، إذا كان متقارب الخطو ، وقال الزمخشري : متقارب الخلق .

ورواية الأغاني :" قصير باعه" .

و" التنبال" ، القصير .

وبعد هذا البيت : وَأُمُّــــهُ رَاعِيَـــةُ الجِمَـــالِ تَبِيــتُ بَيْــنَ القَــتِّ والجِعَــالِ " منخرق السربال" ، ممزق السربال ، وهو القميص ، قال البكري في شرح قول ليلى الأخيلة : وَمُخَــرَّقٍ عَنْــهُ القَمِيـصُ تَخَالُـهُ وَسْـطَ البُيُـوتِ مِـنَ الحَيَـاء سَـقِيمَا فيه قولان ، أحدهما : أن ذلك إشارة إلى جذب العفاة له ، والثاني : أنه يؤثر بجيد ثيابه فيكسوها .

والأجود عندي أنهم يمدحون الرجل بأنه ملازم للأسفار والغزو ، يعاقب بينهما ، فلا يزال في ثياب تبلى ، لأنه غير مقيم ملازم للحي ، فلا يبالى أن يستجد ثيابًا ، وذلك من خلائق الكرم والبأس .

وبعد هذا البيت ، وهو يؤيد ما قلت : كَـــرِيمُ عَــمٍّ وَكَــرِيمُ خَــالِ متْلِـــفُ مَــالٍ ومُفِيــدُ مَــالِ وَلا تَـــزَالُ آخِـــرَ اللَّيَـــالِي قَلُوصُــهُ تَعْــثُرُ فــي النِّقَــالِ و" مفيد مال" ، مستفيد مال .

ورواية اللسان :" ناقته ترمل في النقال" .

و" ترمل" ، أي تسرع .

و" النقال" ، المناقلة ، وهي أن تضع رجليها مواضع يديها وذلك من سرعتها .

(61) في المطبوعة هنا أيضًا :" شره" .

(62) الأثر : 20440 - الدر المنثور 4 : 64 ، وأسقط آخر الخبر .

(63) من أول قوله :" قال ..." ، ساقط من المطبوعة .

(64) الأثر : 20442 - في الدر المنثور 4 : 64 ، واقتصر علي" يعني بذلك نفسه" .

وفي المطبوعة" إلا وهو حاضر" ، غير ما في المخطوطة .

وقوله :" ويقال هم الملائكة ..." ، ليس من قول ابن عباس بلا ريب ، وكأنه من قول :" محمد بن سعد" ، راوي الخبر .

(65) في المخطوطة :" فأنا على ذلك وهم عبيدي" ، أسقط" قائم" .

(66) الأثر : 20444 - في المطبوعة أسقط من الإسناد :" بن الفرج" ، وزاد في نص الخبر فجعله" على كل نفس بر وفاجر" ، والذي أثبته مطابق لما في الدر المنثور : 4 : 64 .

(67) الأثر : 20445 - هو تتمة الخبر السالف في الدر المنثور 4 : 64 .

(68) في المطبوعة ، أسقط" ما" من قوله :" ما من إله" فأفسد الكلام .

(69) أسقط في المطبوعة :" وقوله" ، فجعل الكلام سياقًا واحدًا .

(70) انظر تفسير" التزيين" فيما سلف 15 : 55 ، تعليق رقم : 3 ، والمراجع هناك .

(71) انظر تفسير" المكر" فيما سلف : 68 تعليق رقم : 2 والمراجع هناك .

(72) في المطبوعة أسقط" يعني" .

(73) انظر تفسير :" الصد" فيما سلف 15 : 285 ، تعليق رقم : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ليس هذا القيام القيام الذي هو ضد القعود ، بل هو بمعنى التولي لأمور الخلق ; كما يقال : قام فلان بشغل كذا ; فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب ، ويخلقها ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها ; فالمعنى : أنه حافظ لا يغفل ، والجواب محذوف ; والمعنى : أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل .

وقيل : أفمن هو قائم أي عالم ; قاله الأعمش .

قال الشاعر :فلولا رجال من قريش أعزة سرقتم ثياب البيت والله قائمأي عالم ; فالله عالم بكسب كل نفس .

وقيل : المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم ، عن الضحاك .وجعلوا حال ; أي أوقد جعلوا ، أو عطف على استهزئ أي استهزءوا وجعلوا ; أي سموا لله شركاء يعني أصناما جعلوها آلهة .

قل سموهم أي قل لهم يا محمد : سموهم أي بينوا أسماءهم ، على جهة التهديد ; أي إنما يسمون : اللات والعزى ومناة وهبل .أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " أم " استفهام توبيخ ، أي أتنبئونه ; وهو على التحقيق عطف على استفهام متقدم في المعنى ; لأن قوله : سموهم معناه : ألهم أسماء الخالقين .

أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ؟

.

وقيل : المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه .أم بظاهر من القول يعلمه ؟

فإن قالوا : بباطن لا يعلمه أحالوا ، وإن قالوا : بظاهر يعلمه فقل لهم : سموهم ; فإذا سموهم اللات والعزى فقل لهم : إن الله لا يعلم لنفسه شريكا .

وقيل : أم تنبئونه عطف على قوله : أفمن هو قائم أي أفمن هو قائم ، أم تنبئون الله بما لا يعلم ; أي أنتم تدعون لله شريكا ، والله لا يعلم لنفسه شريكا ; أفتنبئونه بشريك له في [ ص: 282 ] الأرض وهو لا يعلمه !

وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك في غير الأرض لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض .

ومعنى أم بظاهر من القول : الذي أنزل الله على أنبيائه .

وقال قتادة : معناه بباطل من القول ; ومنه قول الشاعر :أعيرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا ابن ريطة ظاهرأي باطل .

وقال الضحاك : بكذب من القول .

ويحتمل خامسا - أن يكون الظاهر من القول حجة يظهرونها بقولهم ; ويكون معنى الكلام : أتخبرونه بذلك مشاهدين ، أم تقولون محتجين .بل زين للذين كفروا مكرهم أي دع هذا !

بل زين للذين كفروا مكرهم قيل : استدراك .

على هذا الوجه ، أي ليس لله شريك ، لكن زين للذين كفروا مكرهم .

وقرأ ابن عباس ومجاهد " بل زين للذين كفروا مكرهم " مسمى الفاعل ، وعلى قراءة الجماعة فالذي زين للكافرين مكرهم الله تعالى ، وقيل : الشيطان .

ويجوز أن يسمى الكفر مكرا ; لأن مكرهم بالرسول كان كفرا .وصدوا عن السبيل أي صدهم الله ; وهي قراءة حمزة والكسائي .

الباقون بالفتح ; أي صدوا غيرهم ; واختاره أبو حاتم ، اعتبارا بقوله : ويصدون عن سبيل الله وقوله : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام .

وقراءة الضم أيضا حسنة في " زين " و " صدوا " لأنه معلوم أن الله فاعل ، ذلك في مذهب أهل السنة ; ففيه إثبات القدر ، وهو اختيار أبي عبيد .

وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة - " وصدوا " بكسر الصاد ; وكذلك .

" هذه بضاعتنا ردت إلينا " بكسر الراء أيضا على ما لم يسم فاعله ; وأصلها صددوا ورددت ، فلما أدغمت الدال الأولى في الثانية نقلت حركتها على ما قبلها فانكسر ." ومن يضلل الله " بخذلانه .فما له من هاد أي موفق ; وفي هذا إثبات قراءة الكوفيين ومن تابعهم ; لقوله : ، ومن يضلل الله فكذلك قوله : " وصدوا " .

ومعظم القراء يقفون على الدال من غير الياء ; وكذلك " وال " و " واق " ; لأنك تقول في الرجل : هذا قاض ووال وهاد ، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين .

وقرئ " فما له من هادي " و " والي " و " واقي " بالياء ; وهو على لغة من يقول : هذا داعي وواقي بالياء ; لأن حذف الياء في حالة الوصل لالتقائها مع التنوين ، وقد أمنا هذا في الوقف ; فردت الياء فصار هادي ووالي وواقي .

وقال الخليل في نداء قاض : يا قاضي بإثبات الياء ; إذ لا تنوين مع النداء ، كما لا تنوين في نحو الداعي والمتعالي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } بالجزاء العاجل والآجل، بالعدل والقسط، وهو الله تبارك وتعالى كمن ليس كذلك؟

ولهذا قال: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ } وهو الله الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له ولا ند ولا نظير، { قُلْ } لهم إن كانوا صادقين: { سَمُّوهُمْ } لتعلم حالهم { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ } فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة وهو لا يعلم له شريكا، علم بذلك بطلان دعوى الشريك له، وأنكم بمنزلة الذي يُعَلِّمُ الله أن له شريكا وهو لا يعلمه، وهذا أبطل ما يكون؛ ولهذا قال: { أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ } أي: غاية ما يمكن من دعوى الشريك له تعالى أنه بظاهر أقوالكم.

وأما في الحقيقة، فلا إله إلا الله، وليس أحد من الخلق يستحق شيئا من العبادة، ولكن { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ } الذي مكروه وهو كفرهم وشركهم، وتكذيبهم لآيات الله { وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ } أي: عن الطريق المستقيمة الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } لأنه ليس لأحد من الأمر شيء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) أي : حافظها ، ورازقها ، وعالم بها ، ومجازيها بما عملت .

وجوابه محذوف ، تقديره : كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه .

( وجعلوا لله شركاء قل سموهم ) بينوا أسماءهم .

وقيل : صفوهم ثم انظروا : هل هي أهل لأن تعبد ؟

( أم تنبئونه ) أي : تخبرون الله تعالى : ( بما لا يعلم في الأرض ) فإنه لا يعلم لنفسه شريكا ولا في الأرض إلها غيره ( أم بظاهر ) يعني : أم تتعلقون بظاهر ( من القول ) مسموع ، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له .

وقيل : بباطل من القول : قال الشاعر : وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي : زائل .

( بل زين للذين كفروا مكرهم ) كيدهم .

وقال مجاهد : شركهم وكذبهم على الله .

( وصدوا عن السبيل ) أي : صرفوا عن الدين .

قرأ أهل الكوفة ، ويعقوب ( وصدوا ) وفي حم المؤمن ( وصد ) بضم الصاد فيهما ، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ) ( الحج - 25 ) ، وقوله ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) ( النحل - 88 وغيرها ) .

( ومن يضلل الله ) بخذلانه إياه ( فما له من هاد ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفمن هو قائم» رقيب «على كل نفس بما كسبت» عملت من خير وشر وهو الله كمن ليس كذلك من الأصنام لا، دل على هذا «وجعلوا الله شركاء قل سمّوهم» له من هم؟

«أم» بل أ «تنبئونه» تخبرون الله «بما» أي بشريك «لا يعلمـ» ـه «في الأرض» استفهام إنكار أي لا شريك له إذ لو كان لعلمه تعالى عن ذلك «أم» بل تسمونهم شركاء «بظاهر من القول» بظن باطل لا حقيقة له في الباطن «بل زُيّن للذين كفروا مكرهم» كفرهم «وصدوا عن السبيل» طريق الهدى «ومن يضلل الله فما له من هاد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفمن هو قائم على كل نفس يُحصي عليها ما تعمل، أحق أن يعبد، أم هذه المخلوقات العاجزة؟

وهم -من جهلهم- جعلوا لله شركاء مِن خَلْقه يعبدونهم، قل لهم -أيها الرسول-: اذكروا أسماءهم وصفاتهم، ولن يجدوا من صفاتهم ما يجعلهم أهلا للعبادة، أم تخبرون الله بشركاء في أرضه لا يعلمهم، أم تسمونهم شركاء بظاهر من اللفظ من غير أن يكون لهم حقيقة.

بل حسَّن الشيطان للكفار قولهم الباطل وصدَّهم عن سبيل الله.

ومَن لم يوفِّقه الله لهدايته فليس له أحد يهديه، ويوفقه إلى الحق والرشاد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أقام - سبحانه - الأدلة الساطعة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له - تعالى - فقال : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ .

.

.

) .والمراد بالقيام هنا : الحفظ والهيمنة على جميع شئون الخلق والاستفهام للإِنكار ، والخبر محذوف والتقدير : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ ) أى : رقيب ومهيمن ( على كُلِّ نَفْسٍ ) كائنة ما كانت ، عالم بما تعمله من خير أو شر فمجازيها به كن ليس كذلك؟وحذف الخبر هنا وهو قولنا - كمن ليس كذلك - لدلالة السياق عليه ، كما فى قوله - تعالى - : ( أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ) أى : كمن قسا قلبه .وحسن حذف الخبر هنا لأنه مقابل للمبتدأ هو ( من ) ولأن قوله - تعالى - : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ) حالية ، والتقدير :أفمن هذه صفاته ، وهو الله - تعالى - كمن ليس كذلك ، والحال أن هؤلاء الأغبياء قد جعلوا له شركاء فى العبادة وغيرها .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، زيادة توبيخهم ، وتسفيه أفكارهم وعقولهم .وقوله - سبحانه - ( قُلْ سَمُّوهُمْ ) تبكيت لهم إثر تبكيت .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - سموهم شركاء إن شئتم ، فإن هذه التسمية لا وجود لها فى الحقيقة والواقع ، ولا تخرجهم عن كونهم لا يملكون لأنفسهم - فضلا عن غيرهم - نفعا ولا ضرا ، لأن الله - تعالى - واحد لا شريك له .وهذه التسمية إنما هى من عند أنفسكم ما أنزل الله بها من سلطن ، كما قال تعالى : ( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) فالأمر فى قوله ( سموهم ) مستعمل فى الإِباحة المصحوبة بالتهديد ، للإِشارة إلى عدم الاكتراث بهم وبآلهتهم التى سموها شركاء وسموهم بهذا الاسم : قل لهم على سبيل الإِنكار والتوبيخ : أتخبرون الله بشركاء لا وجود لهم فى الأرض ، لأنهم لو كان لهم وجود لعلمهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء .أم أنكم سميتموهم شركاء بظاهر من القول أى : بظن من القول لا حقيقة له فى الواقع ونفس الأمر .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ ) أى : بل أتخبرون الله - تعالى - ( بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض ) أى بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم - سبحانه - والمراد : نفيها بنفى لازمها على طريق الكناية ، لأنه - سبحانه - إذا كان لا يعلمها - وهو الذى لا يعرزب عن علمه شئ - فهى لا حقيقة لها أصلا .وتخصيص الأرض بالذكر ، لأن المشركين زعموا أنه - سبحانه - له شركاء فيها .وقوله ( أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول ) أى : بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير معنى متحقق فى نفس الأمر ، كتسمية الزنجى كافوراً .وروى عن الضحاك وقتادة ، أن الظاهر من القول : الباطل منه ، كما فى قول القائل :أعيرتنا ألبانها ولحومها ...

وذلك عار يابن ربطة ظاهرأى : باطل زائد .

.

.

.وقوله - سبحانه - : ( بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السبيل وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) إضراب عن حجاجهم ، وإهمال لشأنهم و " زين " من التزيين وهو تصيير الشئ زينا أى : حسنا .والمكر : صرف الغير عما يريده بحيلة ، والمراد به هنا : كفرهم ومسالكهم الخبيثة ضد الإِسلام والمسلمين .والمعنى : دع عنك أيها الرسول الكريم - مجادلتهم ، لأنه لا فائدة من ورائها ، فإن هؤلاء الكافرين قد زين لهم الشيطان ورؤساؤهم فى الفكر مكرهم وكيدهم للإِسلام وأتباعه ، وصدوهم عن السبيل الحق ، وعن الصراط المستقيم ، ومن يضلله الله - تعالى - بأن يخلق فيه الضلال لسوء استعداده ، فما له من هاد يهديه ويرشده إلى ما فيه نجاته .هذا ، وقد اشتملت هذه الآية على ألوان من الحجج الساطعة التى تثبت وجوب إخلاص العبادة لله ، وتبطل الشركة والشركاء أشار إليها بعض المفسرين فقال :قال الطيبى : فى هذه الآية الكريمة احتجاج بليغ مبنى على فنون من علم البيان :أولها : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) كمن ليس كذلك ، احتجاج عليهم وتوبيخ لهم على القياس الفاسد لفقد الجهة الجامعة لهما .ثانيها : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ) من وضع المظهر موضع المضمر ، للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد فى أسمائه .ثالثها : ( قُلْ سَمُّوهُمْ ) أى عينوا أسماءهم فقولوا فلان وفلان ، فهو إنكار لوجودها على وجه برهانى .

.رابعها : ( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ ) احتجاج من باب نفى الشئ أعنى العلم بنفى لازمه وهو المعلوم وهو كناية .خامسها : ( أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول ) احتجاج من باب الاستدراج لبعثهم على الفكر .أى : أتقولون بأفواهكم من غير روية ، وأنتم ألباء ، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه .سادسها : التدرج فى كل من الإضرابات على ألطف وجه ، وحيث كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها ، كان الاحتجاج المذكور مناديا على نفسه بالإِعجاز وأنه ليس كلام البشر " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القوم لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء والسخرية وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتأذى من تلك الكلمات فالله تعالى أنزل هذه الآية تسلية له وتصبيراً له على سفاهة قومه فقال له إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كما أن قومك يستهزئون بك: ﴿ فأمليت للذين كفروا ﴾ أي أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم فكيف كان عقابي لهم.

واعلم أني سأنتقم من هؤلاء الكفار كما انتقمت من أولئك المتقدمين والإملاء الإمهال وأن يتركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى، وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج وما يكون توبيخاً لهم وتعجيباً من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ والمعنى: أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات من الجزئيات والكليات وإذا كان كذلك كان عالماً بجميع أحوال النفوس، وقادراً على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع ودفع المضار ومن إيصال الثواب إليها على كل الطاعات، وإيصال العقاب إليها على كل المعاصي.

وهذا هو المراد من قوله: ﴿ قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ وما ذاك إلا الحق سبحانه ونظيره قوله تعالى: ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ .

واعلم أنه لابد لهذا الكلام من جواب واختلفوا فيه على وجوه: الوجه الأول: التقدير: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ كمن ليس بهذه الصفة؟

وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وهذا الجواب مضمر في قوله تعالى: ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ وما جاء جوابه لأنه مضمر في قوله: ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله  ﴾ فكذا هاهنا، قال صاحب الكشاف: يجوز أن يقدر ما يقع خبراً للمبتدأ، أو يعطف عليه قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ والتقدير: أفمن هو بهذا الصفة لم يوحدوه ولم يمجدوه وجعلوا له شركاء.

الوجه الثاني: وهو الذي ذكره السيد صاحب حل العقد فقال: نجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ واو الحال ونضمر للمبتدأ خبراً يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإمكان ما يقارنها من الحال، والتقدير: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ موجود.

والحال أنهم جعلوا له شركاء ثم أقيم الظاهر وهو قوله (لله) مقام المضمر تقريراً للإلهية وتصريحاً بها، وهذا كما تقول: جواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي.

واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم، فعند ذلك يقال: سمه إن شئت.

يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل، فكأنه تعالى قال: سموهم بالآلهة على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها، ثم زاد في الحجاج فقال: ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ والمراد: أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن شريك ألبته، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ يعني تموهون بإظهار قول لا حقيقة له، وهو كقوله تعالى: ﴿ ذلك قولهم بأفواههم  ﴾ ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه: ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى (بل) هاهنا كأنه يقول: دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم، فكأنه يقول: دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل.

قال القاضي: لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله، بل لابد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن.

واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه: الأول: أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الإنس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن كان هو الله فقد زال السؤال، والثاني: أن يقال: القلوب لا يقدر عليها إلا الله، والثالث: أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل.

أما قوله: ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وفي حم ﴿ وصدوا عن السبيل  ﴾ على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم، وعند أهل السنة أن الله صدهم.

وللمعتزلة فيه وجهان: قيل الشيطان، وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال: فلان معجب وإن لم يكن ثمة غيره وهو قول أبي مسلم والباقون، وصدوا بفتح الصاد في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل الله، أي أعرضوا وقيل: صرفوا غيرهم، وهو لازم ومتعد، وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول، وحجة القراءة الثانية قوله: ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله  ﴾ .

ثم قال: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية من وجوه: أولها: قوله: ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ وقد بينا بالدليل أن ذلك المزين هو الله.

وثانيها: قوله: ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ بضم الصاد، وقد بينا أن ذلك الصاد هو الله.

وثالثها: قوله: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وهو صريح في المقصود وتصريح بأن ذلك المزين وذلك الصاد ليس إلا الله.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق ﴾ أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة وإخبار الله ممتنع التغير وإذا امتنع وقوع التغير في هذا الخبر، امتنع صدور الإيمان منه وكل هذه الوجوه قد لخصناها في هذا الكتاب مراراً، قال القاضي: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ أي عن ثواب الجنة لكفره وقوله: ﴿ فما له من هاد ﴾ منبيء بذلك أن الثواب لا ينال إلا بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا، وقيل: المراد بذلك من حكم بأنه ضال وسماه ضالاً، وقيل المراد من يضلله الله عن الإيمان بأن يجده كذلك، ثم قال والوجه الأول أقوى.

واعلم أن الوجه الأول ضعيف جداً لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم وكفرهم في الدنيا ولم يجز ذكر ذهابهم إلى الجنة ألبتة فصرف الكلام على المذكور إلى غير المذكور بعيد.

وأيضاً فهب أنا نساعد على أن الأمر كما ذكروه، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن خلاف معلوم الله ومخبره محال ممتنع الوقوع.

واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق، وأنه لا دافع لهم عنه لا في الدنيا ولا في الآخرة.

أما عذاب الدنيا فبالقتل، والقتال، واللعن، والذم، والإهانة، وهل يدخل المصائب والأمراض في ذلك أم لا؟

اختلفوا فيه، قال بعضهم: إنها تدخل فيه، وقال بعضهم: إنها لا تكون عقاباً، لأن كل أحد نزلت به مصيبة فإنه مأمور بالصبر عليها، ولو كان عقاباً لم يجب ذلك، فالمراد على هذا القول من الآية القتل، والسبيء، واغتنام الأموال، واللعن، وإنما قال: ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة والشدة، وإن شئت بسبب كثرة الأنواع، وإن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شيء من موجبات الراحة، وإن شئت بسبب الدوام وعدم الانقطاع، ثم بين بقوله: ﴿ وما لهم من الله من واق ﴾ أي أن أحداً لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب الله.

قال الواحدي: أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء في قوله (واق) وكذلك في قوله: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وكذلك في قوله: ﴿ وال ﴾ وهو الوجه لأنك تقول في الوصل: هذا هاد ووال وواق، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع والجر، والياء كانت انحذفت فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في غير فاعل فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها فيصير هاد، ووال، وواق.

وكان ابن كثير يقف بالياء في هادي ووالي وواقي ووجهه ما حكى سيبويه أن بعض من يوثق به من العرب يقول: هذا داعي فيقفون بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ ﴾ احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعني أفا الله الذي هو قائم رقيب ﴿ على كُلّ نَفْسٍ ﴾ صالحة أو طالحة ﴿ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يعلم خيره وشره، ويعدّ لكل جزاءه، كمن ليس كذلك.

ويجوز أن يقدّر ما يقع خبراً للمبتدأ ويعطف عليه وجعلوا، وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه ﴿ وَجَعَلُواْ ﴾ له وهو الله الذي يستحق العبادة وحده ﴿ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم، ثم قال: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ ﴾ على أم المنقطعة، كقولك للرجل: قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف، ومعناه: بل أتنبؤونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم، والمراد نفي أن يكون له شركاء.

ونحو: ﴿ قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض ﴾ [يونس: 18] ، ﴿ أَم بظاهر مّنَ القول ﴾ بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، ﴿ ذلك قَوْلُهُم بأفواههم ﴾ [التوبة: 30] ، ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ [يوسف: 40] وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين.

وقرئ: ﴿ أتنبئونه ﴾ بالتخفيف ﴿ مَكْرِهِمْ ﴾ كيدهم للإسلام بشركهم ﴿ وَصُدُّواْ ﴾ قرئ بالحركات الثلاث.

وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿ وصدّ ﴾ بالتنوين ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ ومن يخذله لعلمه أنه لا يهتدي ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ فما له من أحد يقدر على هدايته ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا ﴾ وهو ما ينالهم من القتل والأسر وسائر المحن، ولا يلحقهم إلا عقوبة لهم على الكفر، ولذلك سماه عذاباً ﴿ وَمَا لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ ﴾ وما لهم من حافظ من عذابه.

أو ما لهم من جهته واق من رحمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ﴾ رَقِيبٌ عَلَيْها بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَفُوتُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِن جَزائِهِمْ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ.

﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿ كَسَبَتْ ﴾ إنْ جُعِلَتْ « ما» مَصْدَرِيَّةً، أوْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا عُطِفَ عَلَيْهِ ويَكُونُ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَنْبِيهٍ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ لا يَسْتَحِقُّونَها، والمَعْنى صِفُوهم فانْظُرُوا هَلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ.

﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ ﴾ بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ.

وقُرِئَ « تُنْبِئُونَهُ» بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ بِشُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ لا يَعْلَمُهم، أوْ بِصِفاتٍ لَهم يَسْتَحِقُّونَها لِأجْلِها لا يَعْلَمُها وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ.

﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ أمْ تُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ واعْتِبارِ مَعْنًى كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا وهَذا احْتِجاجٌ بَلِيغٌ عَلى أُسْلُوبٍ عَجِيبٍ يُنادِي عَلى نَفْسِهِ بِالإعْجازِ.

﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ﴾ تَمْوِيهُهم فَتَخَيَّلُوا أباطِيلَ ثُمَّ خالُوها حَقًّا، أوْ كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ.

﴿ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ سَبِيلِ الحَقِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (وَصَدُّوا) بِالفَتْحِ أيْ وصَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ « وصِدٌّ» بِالتَّنْوِينِ.

﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ يَخْذُلْهُ.

﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى.

﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وسائِرِ ما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ.

﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ ﴾ لِشِدَّتِهِ ودَوامِهِ.

﴿ وَما لَهم مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن عَذابِهِ أوْ مِن رَحْمَتِهِ.

﴿ مِن واقٍ ﴾ حافِظٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} احتجاج عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو رقيب {على كُلّ نَفْسٍ} صالحة أو طالحة {بِمَا كَسَبَتْ} يعلم خيره وشره ويعد لكل جزاءه كمن ليس كذلك ثم استأنف فقال {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء} أي الأصنام {قُلْ سَمُّوهُمْ} أي سموهم له من هم ونبؤه بأسمائهم ثم قال {أَمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى الأرض} على أم المنقطعة أي بل اتنبؤنه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض فاذا لم يعلمهم على أنهم ليسوا بشيء والمراد نفي أن يكون له شركاء {أَم بظاهر مّنَ القول} بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله ذلك قَوْلُهُم بأفواههم ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتوها {بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} كيدهم للإسلام بشركهم {وَصُدُّواْ عَنِ السبيل} عن سبيل الله بضم الصاد كوفي وبفتحها غيرهم ومعناه وصدوا المسلمين عن سبيل الله {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} من أحد يقدر على هدايته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ أيْ رَقِيبٌ ومُهَيْمِنٌ ﴿ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ﴾ كائِنَةٍ ما كانَتْ ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ فَعَلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَفُوتُهُ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَ الجَزاءِ وهو اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ وما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ مِن أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ فَمِمّا لا يَكادُ يُعَرَّجُ عَلَيْهِ هُنا و( مَن ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ وحَسَّنَ حَذْفَهُ المُقابَلَةُ وقَدْ جاءَ مُثْبَتًا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وإدْخالُ الفاءِ قِيلَ: لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى تَوَهُّمِ المُماثَلَةِ في ما عُلِمَ مِمّا فَعَلَ سُبْحانَهُ بِالمُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الإمْلاءِ والأخْذِ ومِن كَوْنِ الأمْرِ كُلِّهِ لَهُ سُبْحانَهُ وكَوْنِ هِدايَةِ النّاسِ جَمِيعًا مَنُوطَةً بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا ومِن تَواتُرِ القَوارِعِ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَما لَيْسَ في عِدادِ الأشْياءِ حَتّى يُشْرِكُوهُ بِهِ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ أعْنِي تَوَهُّمَ المُماثَلَةِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُقَدَّرِ أعْنِي كَوْنَ الأمْرِ كَما ذُكِرَ لا إلى المَعْطُوفِينَ جَمِيعًا وفي الكَشْفِ أنَّهُ ضِمْنَ هَذا التَّعْقِيبِ التَّرَقِّي في الإنْكارِ يَعْنِي لا عَجَبَ مِن إنْكارِهِمْ لِآياتِكَ الباهِرَةِ مَعَ ظُهُورِها إنَّما العَجَبُ كُلَّ العَجَبِ جَعْلُهُمُ القادِرَ عَلى إنْزالِها المُجازِيَ لَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ مَعانِيها وأمْثالِها بِقَوارِعَ تَتْرى واحِدَةٌ غِبَّ أُخْرى يُشاهِدُونَها رَأْيَ عَيْنٍ تَتَرامى بِهِمْ إلى دارِ البَوارِ وأهْوالِها كَمَن لا يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا فَضْلًا عَمَّنِ اتَّخَذَهُ رَبًّا يَرْجُو مِنهُ دَفْعًا أوْ جَلْبًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ أيْ بَعْدَ ما ذُكِرَ أقُولُ هَذا الأمْرُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وفِيها دَلالَةٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ كَسَبَتْ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً لا مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ ولا يَلْزَمُ اجْتِماعُ الأمْرَيْنِ حَتّى يَخُصَّ كُلَّ نَفْسٍ بِالمُشْرِكِينَ وأبْعَدَ مَن قالَ: إنَّها عَطْفٌ عَلى ﴿ اسْتُهْزِئَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً عَلى مَعْنى أفَمَن هَذِهِ صِفاتُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ وقَدْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ لا شَرِيكًا واحِدًا وقالَ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ: المَعْنى عَلى الحالِيَّةِ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مَوْجُودٌ والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وهَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: أجَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويُحْرَمُ مِثْلِي ومِنهم مَن أجازَ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ بِمَعْنى النَّفْيِ فَهي خَبَرِيَّةٌ مَعْنًى وقَدَّرَ آخَرُونَ الخَبَرَ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجُعِلَ العَطْفُ عَلَيْهِ أيْ أفَمَن هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وظاهِرُ كَلامِهِمُ اخْتِصاصُ العَطْفِ عَلى الخَبَرِ بِهَذا التَّقْدِيرِ دُونَ تَقْدِيرِ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ قالَ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ: ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ الِاخْتِصاصِ ووَجَّهَ ذَلِكَ الفاضِلُ الشَّمْنِيُّ بِأنَّ حُصُولَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّتِي هي شَرْطُ قَبُولِ العَطْفِ بِالواوِ إنَّما هو عَلى التَّقْدِيرِ الأخِيرِ دُونَ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ.

ويَدُلُّ عَلى الِاشْتِراطِ قَوْلُ أهْلِ المَعانِي: زَيْدٌ يَكْتُبُ ويُشْعِرُ مَقْبُولٌ دُونَ يُعْطِي ويُشْعِرُ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ فَإنَّ مُرادَهم أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا بِمَعْنى لَمْ يَكُنْ نَفْيًا لِلتَّشابُهِ عَلى طَرِيقِ الإنْكارِ فَلَوْ عُطِفَ جَعَلَهم شُرَكاءَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ وعَلى التَّقْدِيرِ الأخِيرِ الِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ والإنْكارُ فِيهِ بِمَعْنى لِمَ كانَ وعَدَمُ التَّوْحِيدِ وجَعْلُ الشُّرَكاءِ واقِعٌ مُوَبَّخٌ عَلَيْهِ مُنْكَرٌ فَيَظْهَرُ العَطْفُ عَلى الخَبَرِ وأمّا ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ التَّناسُبِ فَغَفْلَةٌ لِأنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَ تَشْبِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِغَيْرِهِ والشِّرْكِ تامَّةٌ وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ عَدَمُ التَّوْحِيدِ عَيْنُ الإشْراكِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْعَطْفِ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي عَلى ما ذَكَرَهُ فَهو مُحْتاجٌ إلى تَوْجِيهٍ آخَرَ.

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ وفي ذَلِكَ الحَذْفِ تَعْظِيمٌ لِلْقالَةِ وتَحْقِيرٌ لِمَن زَنَّ بِتِلْكَ الحالَةِ وفي العُدُولِ عَنْ صَرِيحِ الِاسْمِ في ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ تَفْخِيمٌ فَخِيمٌ بِواسِطَةِ الإبْهامِ المُضْمَرِ في إيرادِهِ مَوْصُولًا مَعَ تَحْقِيقِ أنَّ القِيامَ كائِنٌ وهم مُحَقِّقُونَ وفي وضْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى ( مَن ) تَنْصِيصٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى ذاتًا واسْمًا وتَنْبِيهٌ عَلى اخْتِصاصِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ ولَعَلَّ تَوْجِيهَ الوَضْعِ المَذْكُورِ مِمّا لا يُخْتَصُّ بِهِ تَقْدِيرٌ دُونَ تَقْدِيرٍ وخَصَّهُ بَعْضُهم فِيما يَحْتاجُ عَلَيْهِ إلى ضَمِيرِ ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ تَبْكِيتٌ إثْرَ تَبْكِيتٍ أيْ سَمُّوهم مَن هم وماذا أسْماؤُهم وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ ويُسَمّى إنَّما يُذْكَرُ ويُسَمّى مَن يَنْفَعُ ويَضُرُّ وهَذا مِثْلُ أنْ يُذْكَرَ لَكَ أنَّ شَخْصًا يُوَقَّرُ ويُعَظَّمُ وهو عِنْدَكَ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَذاكِرِهِ: سَمِّهِ حَتّى أُبَيِّنَ لَكَ زَيْفَهُ وأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يُقالُ في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي يَبْلُغُ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ فَيُقالُ سَمِّهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرَ ويُسَمّى ولَكِنَّ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ عَلى التَّهْدِيدِ والمَعْنى سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِذَلِكَ أمْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ فَإنَّهم في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِمْ عاقِلٌ وقِيلَ: إنَّ التَّهْدِيدَ هَنا نَظِيرُ التَّهْدِيدِ لِمَن نُهِيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ ثُمَّ قِيلَ لَهُ: سَمِّ الخَمْرَ بَعْدَ هَذا وهو خِلافُ الظّاهِرِ وقِيلَ: المَعْنى اذْكُرُوا صِفاتِهِمْ وانْظُرُوا هَلْ فِيها ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ ﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ ﴾ أيْ بَلْ أتُخْبِرُونَ اللَّهَ تَعالى ﴿ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ أيْ بِشُرَكاءَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِبادَةِ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ وتَعالى والمُرادُ نَفْيُها بِنَفْيِ لازِمِها عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا كانَ لا يَعْلَمُها وهو الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَهي لا حَقِيقَةَ لَها أصْلًا وتَخْصِيصُ الأرْضِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما زَعَمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ شُرَكاءُ فِيها والضَّمِيرُ المُسْتَقِرُّ في ﴿ يَعْلَمُ ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ لِلَّهِ تَعالى والعائِدُ عَلى ( ما ) مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلى ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العائِدُ ضَمِيرَ ﴿ يَعْلَمُ ﴾ والمَعْنى أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ تَعالى بِشَرِكَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَتَّصِفُ بِعِلْمٍ البَتَّةَ وذُكِرَ نَفْيُ العِلْمِ في الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ مَقَرُّ الأصْنامِ فَإذا انْتَفى عِلْمُها في المَقَرِّ الَّتِي هي فِيهِ فانْتِفاؤُهُ في السَّماواتِ العُلى أحْرى وقَرَأ الحَسَنُ ( أتُنْبِئُونَهُ ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْباءِ ﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ مَعْنًى مُتَحَقِّقٍ في نَفْسِ الأمْرِ كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ أنَّ الظّاهِرَ مِنَ القَوْلِ الباطِلِ مِنهُ وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ: .

أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ ويُطْلَقُ الظّاهِرُ عَلى الزّائِلِ كَما في قَوْلِهِ: .

وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها ومَن أرادَ ذَلِكَ هُنا فَقَدْ تَكَلَّفَ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ مِن ظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرُ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى وسَمّى بِهِ الأصْنامَ آلِهَةً حَقَّةً وحاصِلُ الآيَةِ نَفْيُ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلى حَقِّيَّةِ عِبادَتِها واتِّخاذِها آلِهَةً وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( أمْ ) مُتَّصِلَةً والِانْقِطاعُ هو الظّاهِرُ ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الِاحْتِجاجِ والأسالِيبِ العَجِيبَةِ ما يُنادِي بِلِسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَيَّنَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ كافِيًا في هَدْمِ قاعِدَةِ الإشْراكِ لِلتَّفَرُّعِ السّابِقِ والتَّحَقُّقِ بِالوَصْفِ اللّاحِقِ مَعَ ما ضُمِّنَ مِن زِياداتِ النُّكَتِ وكانَ إبْطالًا مِن طَرَفِ الحَقِّ وذُيِّلَ بِإبْطالِهِ مِن طَرَفِ النَّقِيضِ عَلى مَعْنى ولَيْتَهم إذْ أشْرَكُوا بِمَن لا يَجُوزُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ أشْرَكُوا مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ أدْنى تَوَهُّمٍ ورُوعِيَ فِيهِ أنَّهُ لا أسْماءَ لِلشُّرَكاءِ فَضْلًا عَنِ المُسَمّى عَلى الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ ثُمَّ بُولِغَ فِيهِ بِأنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ السُّؤالَ عَنْ حالِها بِظُهُورِ فَسادِها وسَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ مِن نَفْيِ العِلْمِ بِنَفْيِ المَعْلُومِ ثُمَّ مِنهُ بِعَدَمِ الِاسْتِئْهالِ والهَمْزَةُ المُضَمَّنَةُ فِيها تَدُلُّ عَلى التَّوْبِيخِ وتَقْرِيرِ أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُنَبِّئُوا عالِمَ السِّرِّ والخَفِيّاتِ بِما لا يَعْلَمُهُ وهَذا مُحالٌ عَلى مُحالٍ وفي جَعْلِهِ اتِّخاذَهم شُرَكاءَ ومُجادَلَتَهم رَسُولَ اللَّهِ  نُكْتَةً سَرِيَّةً بَلْ نُكَتٌ سَرِيَّةٌ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وقِيلَ: قَدْ بَيَّنَ الشَّمْسَ لِذِي عَيْنَيْنِ وما تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ طائِلٌ وما هو إلّا مُجَرَّدُ صَوْتٍ فارِغٍ حُقَّ لِمَن تَأمَّلَ فِيهِ حَقَّ التَّأمُّلِ أنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّهُ كَلامٌ مَصُونٌ عَنِ التَّعَمُّلِ صادِرٌ عَنْ خالِقِ القُوى والقَدْرِ تَتَضاءَلُ عَنْ بُلُوغِ طَرَفٍ مِن أسْرارِهِ أفْهامُ البَشَرِ.

وقَدْ ذَيَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ وهي كَما في الِانْتِصافِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ يُدَنْدِنُ بِها مَن هو عَنْ حِلْيَةِ الإنْصافِ عاطِلٌ هَذا ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إضْرابٌ عَنِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ هَذا فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّهم زُيِّنَ لَهم ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ كَيْدُهم لِلِاسْتِلامِ بِشِرْكِهِمْ أوْ تَمْوِيهِهِمُ الأباطِيلَ فَتَكَلَّفُوا إيقاعَها في الخَيالِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوها شَيْئًا لِتَمادِيَهم في الضَّلالِ وعَلى هَذا المُرادِ مَكْرُهم بِأنْفُسِهِمْ وعَلى الأوَّلِ مَكْرُهم بِغَيْرِهِمْ وإضافَةُ مَكْرٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ وجُوِّزَ عَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ وفِيهِ بُعْدٌ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ ( بَلْ زَيَّنَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و( مَكْرَهم ) بِالنَّصْبِ ( وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ) أيْ سَبِيلِ الحَقِّ فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ أوْ ما عَداهُ كَأنَّهُ غَيْرُ سَبِيلِ وفاعِلُ الصَّدِّ إمّا مَكْرُهم ونَحْوُهُ أوِ اللَّهُ تَعالى بِخَتْمِهِ عَلى قُلُوبِهِمْ أوِ الشَّيْطانُ بِإغْوائِهِ لَهم والِاحْتِمالانِ الأخِيرانِ جارِيانِ في فاعِلِ التَّزْيِينِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( وصَدُّوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو كالأوَّلِ مِن صَدَّهُ صَدًّا فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ صَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَدَّ صُدُودًا فَلا مَفْعُولَ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( وصِدُّوا ) بِكَسْرِ الصّادِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ في المُؤْمِنِ والكَسْرُ هُنا لِابْنِ يَعْمُرَ والفِعْلُ عَلى ذَلِكَ مَجْهُولٌ نُقِلَتْ فِيهِ حَرَكَةُ العَيْنِ إلى الفاءِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الأجْوَفِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ( وصَدٌّ ) بِالتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى مَكْرِهِمْ ﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ .

(33) .

يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى ويُوصِلُهُ إلى ما فِيهِ نَجاتُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يقول: هو الله القائم على كل نفس برة وفاجرة بالرزق لهم، والدفع عنهم، وجوابه مضمر، يعني: كمن هو ليس بقائم على ذرة، وهذا كقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ [النحل: 17] ثم قال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني: قالوا ووصفوا لله شركاء.

وقال مقاتل: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يقول: يعني: السواء أنا القائم على كل نفس بأرزاقهم، وأطعمتهم، كالذين يصفون أن لي شريكاً.

معناه: لا تكون عبادة الله كعبادة غيره قُلْ سَمُّوهُمْ يعني: قل يا محمد، سموا هؤلاء الشركاء.

يعني: سموا دلائلهم وبراهينهم وحججهم.

ويقال: سموا منفعتهم وقدرتهم.

ثم قال: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لاَ يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ يعني: تخبرونه بما علم أنه لا يكون.

ويقال: معناه أتشركون معه جاهلاً لا يعلم ما فِى الارض.

ويقال: معناه أتخبرون الله بشيء لا يعلم من آلهتكم.

يعني: يعلم الله أنه ليس لها في الأرض قدرة أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ يعني: أتقولون قولاً بلا برهان ولا حجة.

ويقال: بباطل من القول.

يعني: إن قلتم إن لها قدرة لقلتم باطلاً.

وقال قتادة: الظاهر من القول الباطل، وكذلك قال مجاهد.

ثم قال: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ يقول: ولكن زين للذين كفرُوا من أهل مكة كفرهم، وقولهم الشرك وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ بنصب الصاد.

يعني: إن الكافرين صدوا الناس عن دين الله الإسلام.

وقرأ الباقون: وَصُدُّوا بضم الصاد على فعل ما لم يسم فاعله.

مثل قوله: فَزَيَّنَ لَهُمُ [فاطر: 8] .

ثم قال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يعني: من يخذله الله عن دينه الإسلام، ولا يوفقه فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: ما له من مرشد إلى دينه غير الله تعالى.

قوله تعالى: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: لهم في الدنيا الشدائد والأمراض.

ويقال: عند الموت.

ويقال: القتل على أيدي المسلمين، والغلبة عليهم وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ يعني: أشدّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يعني: ملجأ يلجئون إليه يقيهم من عذاب الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يوم القيامة، وإِنَّ حال الكَفَرة هَكَذَا هي إلى يوم القيامة، ووَعْدُ اللَّهِ: قيامُ الساعة، وال قارِعَةٌ: الرزيَّة التي تقرع قلْبَ صاحبها «١» .

وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ ...

الآية: تأنيسٌ وتسليةٌ له عليه السلام، قال البخاري: فَأَمْلَيْتُ: أي: أطلت من المليي والملاوة «٢» ومنه: مَلِيًّا، ويقال للواسِعِ الطويلِ من الأرض: ملى من الأرض.

انتهى.

أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)

وقوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ: أي: أهو أحقُّ بالعبادة أم الجمادات.

وقوله: قُلْ سَمُّوهُمْ: أي: سَمُّوا من له صفات يستحقّ بها الألوهية، ومَكْرُهُمْ: يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانَتْ بسبيل مناقَضَةِ الشرع، ولَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا

: أي: بالقتل والأسْر والجدوب وغير ذلك، وأَشَقُ

: من المشقَّة، أي:

أصعب، والواقي الساتِرُ علَى جهة الحمايَةِ من الوقاية.

وقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها: قد تقدم تفسير نظيره، وقوله: أُكُلُها: معناه: ما يؤكَلُ فيها.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ ...

الآية: قال ابن زيد: المراد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ يَعْنِي: نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ.

ومَعْنى القِيامِ هاهُنا: التَّوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ، والتَّدْبِيرُ لِأرْزاقِهِمْ وآجالِهِمْ، وإحْصاءُ أعْمالِهِمْ لِلْجَزاءِ، والمَعْنى: أفَمَن هو مُجازِي كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، يُثِيبُها إذا أحْسَنَتْ، ويَأْخُذُها بِما جَنَتْ، كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الأصْنامِ ؟

قالَ الفَرّاءُ: فَتُرِكَ جَوابُهُ، لِأنَّ المَعْنى مَعْلُومٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَشُرَكائِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أيْ: بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الصِّفاتِ وإضافَةِ الأفْعالِ إلَيْهِمْ إنْ كانُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما يُسَمّى اللَّهُ بِالخالِقِ، والرّازِقِ، والمُحْيِي، والمُمِيتِ، ولَوْ سَمَّوْهم بِشَيْءٍ مِن هَذا لَكَذَبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مُنْقَطِعٌ مِمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَإنْ سَمَّوْهم بِصِفاتِ اللَّهِ، فَقُلْ لَهم: أتُنَبِّئُونَهُ، أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِشَرِيكٍ لَهُ في الأرْضِ وهو لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولَوْ كانَ لَعَلِمَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أمْ بِظَنٍّ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: بِباطِلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: بِكَلامٍ لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ الكُفْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " وصَدُّوا " بِفَتْحِ الصّادِ، ومِثْلُهُ في (حم المُؤْمِنِ) [غافِرٍ:٣٧] .

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " وصُدُّوا " بِالضَّمِّ فِيهِما.

فَمَن فَتَحَ، أرادَ صَدُّوا المُسْلِمِينَ، إمّا عَنِ الإيمانِ، أوْ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ.

ومَن ضَمَّ، أرادَ: صَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْ سَبِيلِ الهُدى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنَ هادٍ ﴾ ﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ واقٍ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النارُ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ  ﴾ ، والمَعْنى: أفَمَن هو هَكَذا أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؟

هَذا تَأْوِيلٌ، ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ ، كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ أهْلٌ أنْ يَنْتَقِمَ ويُعاقِبَ أمْ لا؟

و"الأنْفُسُ" مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو قائِمٌ عَلى الكُلِّ أيْ مُحِيطٌ بِهِ لِيُقَرِّبَ المَوْعِظَةَ مِن حِسِّ السامِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ حالَ كَسْبِها لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ عِنْدَ نَظَرِ الآيَةِ في أعْمالِهِ وكَسْبِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أيْ: سَمُّوا مَن لَهُ صِفاتٌ يَسْتَحِقُّ بِها الأُلُوهِيَّةَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ القَوْلِ وقَرَّرَ: هَلْ تُعْلِمُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ، وقَرَأالحَسَنُ: "هَلْ تُنْبِئُونَهُ" بِإسْكانِ النُونِ وتَخْفِيفِ الباءِ.

و"أمْ" هي بِمَعْنى "بَلْ"، و"ألِفُ الِاسْتِفْهامِ"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ".

ثُمَّ قَرَّرَهم بَعْدُ، هَلْ يُرِيدُونَ تَجْوِيزَ ذَلِكَ بِظاهِرٍ مِنَ الأمْرِ؟

لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لَهُ إلْباسٌ ما ومَوْضِعٌ مِنَ الِاحْتِمالِ، وما لَمْ يَكُنْ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ فَقَطْ فَلا شُبْهَةَ لَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "مَكْرُهُمْ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "زَيَّنَ" عَلى بِنايَةٍ لِلْفاعِلِ "مَكْرَهُمْ" بِالنَصْبِ، أيْ: زَيَّنَ اللهُ.

و"مَكْرُهُمْ": لَفْظٌ يَعُمُّ أقْوالَهم وأفْعالَهُمُ الَّتِي كانَتْ بِسَبِيلِ مُناقَضَةِ الشَرْعِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَصُدُّوا" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى تَعَدِّي الفِعْلِ، وقَرَأ الباقُونَ هُنا وفي "حم المُؤْمِنِ" "وَصَدُّوا" بِفَتْحِها، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: صَدُّوا أنْفُسَهم أو صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدُّوا" بِكَسْرِ الصادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ الآيَةٌ وعِيدٌ، أيْ: لَهم عَذابٌ في دُنْياهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والجُدُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا امْتَحَنَهُمُ اللهُ بِهِ، ثُمَّ لَهم عَذابٌ أشَقُّ مِن هَذا كُلِّهِ وهو الِاحْتِراقُ بِالنارِ.

و"أشَقُّ" أصْعَبُ، مِنَ المَشَقَّةِ، و"الواقِي": هو الساتِرُ عَلى جِهَةِ الحِمايَةِ، مِنَ الوِقايَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَوْمٌ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةُ، وهَذا مِن قَوْلِكَ: "مَثَّلْتُ الشَيْءَ" إذا وصَفْتَهُ لِأحَدٍ وقَرَّبْتَ عَلَيْهِ فَهْمَ أمْرِهِ، ولَيْسَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لَها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى  ﴾ أيِ الوَصْفُ الأعْلى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى الَّذِي يَتَحَصَّلُ في النَفْسِ مِثالًا لِلْجَنَّةِ هو جَرْيُ الأنْهارِ وأنَّ أُكُلَها دائِمٌ، ورافِعُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُقَدَّرٌ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم أو يُنَصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ورافِعُهُ عِنْدَ الفَرّاءِ قَوْلُهُ: "تَجْرِي" أيْ: صِفَةُ الجَنَّةِ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَأوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أنَّ "مَثَلُ" مُقْحَمٌ، وأنَّ التَقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْثالَ الجَنَّةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .

وقَوْلُهُ: "أُكُلُها" مَعْناهُ: ما يُؤْكَلُ فِيها، و"العُقْبى" والعاقِبَةُ والعاقِبُ: حالٌ تَتْلُو أُخْرى قَبْلَها.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.،وَقِيلَ: التَقْدِيرُ في صَدْرِ الآيَةِ: "مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي"، قالَهُ الزَجّاجُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- ضَرْبَ مَثَلٍ لِجَنَّةِ النَعِيمِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء الواقعة بعد همزة الاستفهام مؤخرة من تقديم لأن همزة الاستفهام لها الصدارة.

فتقدير أصل النظم: فأمن هو قائم.

فالفاء لتفريع الاستفهام وليس الاستفهام استفهاماً على التفريع، وذلك هو الوجه في وقوع حروف العطف الثلاثة الواو والفاء وثم بعد الاستفهام وهو رأي المحقيقين، خلافاً لمن يجعلون الاستفهام وارداً على حرف العطف وما عَطفه.

فالفاء تفريع على جملة ﴿ قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ﴾ [الرعد: 30] المجاببِ به حكاية كفرهم المضمن في جملة ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ [الرعد: 30]، فالتفريع في المعنى على مجموع الأمرين: كفرهم بالله، وإيمان النبي بالله.

ويجوز أن تكون تفريعاً على جملة ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ [الرعد: 31]، فيكون ترقياً في إنكار سؤالهم إتيان معجزة غير القرآن، أي إن تعجب من إنكارهم آيات القرآن فإن أعجب منه جعلهم القائم على كل نفس بما كسبت مماثلاً لمن جعلوهم لله شركاء.

واعتُرض أثرَ ذلك بردّ سُؤالهم أن تُسيّر الجبال أو تُقَطّع الأرض أو تُكلّم الموتى، وتذكيرهم بما حل بالمكذبين من قبلهم مع إدماج تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم فرع على ذلك الاستفهام الإنكاري.

وللمفسرين في تصوير نظم الآية محامل مختلفة وكثير منها متقاربة، ومرجع المتجه منها إلى أن في النظم حذفاً يدل عليه ما هو مذكور فيه، أو يدل عليه السياق.

والوجه في بيان النظم أن التفريع على مجموع قوله: وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو} أي أن كفرهم بالرحمان وإيمانك بأنه ربّك المقصورة عليه الربوبية يُتفرع على مجموع ذلك استفهامُهم استفهامَ إنكار عليهم تسويتهم من هو قائم على كلّ نفس بمن ليس مثله من جعلوهم له شركاء، أي كيف يشركونهم وهم ليسوا سواء مع الله.

وما صدق ﴿ من هو قائم على كلّ نفس ﴾ هو الله الإله الحق الخالق المدبّر.

وخبر ﴿ من هو قائم ﴾ محذوف دلت عليه جملة ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ .

والتقدير: أمن هو قائم على كل نفس ومن جعلوهم به شركاء سواء في استحقاق العبادة.

دل على تقديره ما تقتضيه الشركة في العبادة من التسوية في الإلهية واستحقاق العبادة.

والاستفهام إنكار لتلك التسوية المفاد من لفظ ﴿ شركاء ﴾ .

وبهذا المحذوف استغني عن تقدير معادل للهمزة كما نبّه عليه صاحب «مغني اللّبيب»، لأن هذا المقدّر المدلول عليه بدليل خاص أقوى فائدة من تقدير المعادل الّذي حاصله أن يقدر: أم من ليس كذلك.

وسيأتي قريباً بيان موقع ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ .

والعدول عن اسم الجلالة إلى الموصول في قوله: ﴿ أفمن هو قائم ﴾ لأن في الصلة دليلاً على انتفاء المساواة، وتخطئة لأهل الشرك في تشريك آلهتهم لله تعالى في الإلهية، ونداء على غباوتهم إذ هم معترفون بأن الله هو الخالق.

والمقدر باعتقادهم ذلك هو أصل إقامة الدليل عليهم بإقرارهم ولما في هذه الصلة من التعريض لما سيأتي قريباً.

والقائم على الشيء: الرقيب، فيشمل الحفظ والإبقاء والإمداد، ولتضمنه معنى الرقيب عدي بحرف ﴿ على ﴾ المفيد للاستعلاء المجازي.

وأصله من القيام وهو الملازمة كقوله: ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ [سورة آل عمران: 75].

ويجيء من معنى القائم أنه العليم بحال كل شيء لأن تمام القيومية يتوقف على إحاطة العلم.

فمعنى قائم على كل نفس } مُتولّيها ومدبّرها في جميع شؤونها في الخلق والأجل والرزق، والعالم بأحوالها وأعمالها، فكان إطلاق وصف ﴿ قائم ﴾ هنا من إطلاق المشترك على معنييه.

والمشكرون لا ينازعون في انفراد الله بهذا القيام ولكنهم لا يراعون ذلك في عبادتهم غيره، فمن أجل ذلك لزمتهم الحجة ولمراعاة هذا المعنى تعلق قائم بقوله: ﴿ على كل نفس ﴾ ليعم القيام سائر شؤونها.

والباء في قوله: ﴿ بما كسبت ﴾ للملابسة.

وهي في موقع الحال من ﴿ نفس ﴾ أو من ﴿ قائم ﴾ باعتبار ما يقتضيه القيام من العلم، أي قياماً ملابساً لما عملته كل نفس، أي قياماً وفاقاً لأعمالها من عمل خير يقتضي القيامَ عليها باللطف والرضى فتظهر آثار ذلك في الدنيا والآخرة لقوله: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيّبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [سورة النحل: 97]، وقال: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ﴾ [سورة النور: 55]؛ أو من عَمَل شر يقتضي قيامَه على النفس بالغضب والبلايا.

ففي هذه الصلة بعمومها تبشير وتهديد لمن تأمل من الفريقين.

فهذا تعريض بالأمرين للفريقين أفادته صلة الموصول.

وجملة وجعلوا لله شركاء} في موضع الحال، والواو للحال، أي والحال جعلوا له شركاء.

وإظهار اسم الجلالة إظهار في مقام الإتيان بضمير ﴿ من هو قائم ﴾ .

وفائدة هذا الإظهار التعبير عن المسمى باسمه العَلَم الذي هو الأصل إذ كان قد وقع الإيفاء بحق العدول عنه إلى الموصول في الجملة السابقة فتهيأ المقام للاسم العَلَم، وليكون تصريحاً بأنه المراد من الموصول السابق زيادة في التصريح بالحجة.

وجملة ﴿ قل سموهم ﴾ استئناف أعيد معها الأمر بالقول لاسترعاء الأفهام لوَعي ما سيذكر.

وهذه كلمة جامعة، أعني جملة ﴿ سموهم ﴾ ، وقد تضمنت رداً عليهم.

فالمعنى: سموهم شركاء فليس لهم حظ إلا التسمية، أي دون مسمى الشريك، فالأمر مستعمل في معنى الإباحة كناية عن قلة المبالاة بادعائهم أنهم شركاء مثل ﴿ قل كونوا حجارة ﴾ [سورة الإسراء: 50]، وكما تقول للذي يخطئ في كلامه: قُل ما شئتَ.

والمعنى: إن هي إلا أسماء سميتموها لا مسمياتتٍ لها بوصف الإلهيّة لأنها حجارة لا صفات لها من صفات التصرف.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ [سورة يوسف: 40] وقوله: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها ﴾ [سورة النجم: 23].

وهذا إفحام لهم وتسفيه لأحلامهم بأنهم ألّهوا ما لا حقائق لها فلا شبهة لهم في ذلك، كقوله تعالى: ﴿ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ﴾ [سورة الرعد: 16].

وقد تمحل المفسرون في تأويل قل سموهم } بما لا مُحَصّل له من المعنى.

ثم أضرب عن ذلك بجملة ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ وهي ﴿ أم ﴾ المنقطعة.

ودَلت ﴿ أم ﴾ على أن ما بعدها في معنى الاستفهام، وهو إنكاري توبيخي، أي ما كان لكم أن تفتروا على الله فتضعوا له شركاء لم ينبئكم لوجودهم، فقوله: ﴿ بما لا يعلم في الأرض ﴾ كناية عن غير الموجود لأن ما لا يعلمه الله لا وجود له إذ لو كان موجوداً لم يَخْفَ على علم العلام بكل شيء.

وتقييد ذلك ب ﴿ الأرض ﴾ لزيادة تجهيلهم لأنه لو كان يخفى عن علمه شيء لخفي عنه ما لا يرى ولما خفيت عنه موجودات عظيمة بزعمكم.

وفي سورة يونس (18) ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ﴾ زيادة في التعميم.

وأم } الثانية متصلة هي معادلة همزة الاستفهام المقدرة في ﴿ أم تنبئونه ﴾ .

وإعادة الباء للتأكيد بعد ﴿ أم ﴾ العاطفة.

والتقدير: بل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض بل أتنبئونه بظاهر من القول.

وليس الظاهر هنا مشتقاً من الظهور بمعنى الوضوح بل هو مشتق من الظُور بمعنى الزوال كناية عن البطلان، أي بمجرد قبول لا ثبات له وليس بحق، كقول أبي ذؤيب: وتلككِ شكاة ظاهر عنككِ عارُها *** وقول سبرة بن عمرو الفقعسي: أعيّرْتَنا ألبانها ولحومها *** وذلك عارياً يا ابنَ رَيْطة ظاهر وقوله: ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ إضراب عن الاحتجاج عليهم بإبطال إلهية أصنامهم إلى كشف السبب، وهو أن أيمة المشركين زيّنوا للذين كفروا مكرهم بهم إذ وضعوا لهم عبادتَها.

والمكر: إخفاء وسائل الضر.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ في أوائل سورة آل عمران (54)، وعند قوله: ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ في سورة الأعراف (99)، وعند قوله: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ في سورة الأنفال (30).

والمراد هنا أن أيمة الكفر مثل عَمْرو بن لُحَيّ وضعوا للعرب عبادة الأصنام وحسّنوها إليهم مظهرين لهم أنها حق ونفع وما أرادوا بذلك إلا أن يكونوا قادة لهم ليسودُوهم ويُعبّدوهم.

فلما كان الفعل المبني للمجهول يقتضي فاعلاً منويّاً كان قوله: زين للذين كفروا} في قوة قولك: زيّن لهم مزين.

والشيء المزيّن (بالفتح) هو الذي الكلام فيه وهو عبادة الأصنام فهي المفعول في المعنى لفعل التزيين المبني للمجهول، فتعين أن المرفوع بعد ذلك الفعل هو المفعول في المعنى، فلا جرم أن مكرهم هو المفعول في المعنى، فتعيّن أن المكر مراد به عبادة الأصنام.

وبهذا يتجه أن يكون إضافة (مكر) إلى ضمير الكفار من إضافة المصدر إلى ما هو في قوة المفعول وهو المجرور بباء التعدية، أي المكر بهم ممن زينوا لهم.

وقد تضمن هذا الاحتجاح أساليب وخصوصيات: أحدها: توبيخهم على قياسهم أصنامهم على الله في إثبات الإلهية لها قياساً فاسداً لانتفاء الجهة الجامعة فكيف يسوي من هو قائم على كل نفس بمن ليسوا في شيء من ذلك.

ثانيها: تبهيلهم في جعلهم أسماءَ لا مسمياتتٍ لها آلهةً.

ثالثها: إبطال كون أصنامهم آلهة بأن الله لا يعلمها آلهة، وهو كناية عن انتفاء إلهيتها.

رابعها: أن ادعاءهم آلِهة مجرد كلام لا انطباق له مع الواقع، وهو قوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ .

خامسها: أن ذلك تمويه باطل روجه فيهم دعاة الكفر، وهو معنى تسميته مكراً في قوله: ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ .

سادسها: أنهم يصدون الناس عن سبيل الهدى.

وعُطف ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ على جملة ﴿ زين للذين كفروا مكرهم ﴾ .

وقرأه الجمهور بفتح الصاد فهو باعتبار كون مضمون كلتا الجملتين من أحوال المشركين: فالأولى باعتبار كونهم مفعولين، والثانية باعتبار كونهم فاعلين للصدّ بعد أن انفعلوا بالكفر.

وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائيّ، وخلف ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد فهو كجملة ﴿ زين للذين كفروا ﴾ في كون مضمون كلتيهما جعْل الذين كفروا مفعولاً للتزيين والصدّ.

وجملة ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ تذييل لما فيه من العموم.

وتقدم الخلاف بين الجمهور وابن كثير في إثبات ياء ﴿ هاد ﴾ في حالة الوصل عند قوله تعالى: ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ في هذه السورة (7).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِبَنِي آدَمَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: هو اللَّهُ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها نَفْسُهُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قائِمٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي والِيًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ قائِمًا بِالقِسْطِ ﴾ أيْ والِيًا بِالعَدْلِ.

الثّانِي: يَعْنِي عالِمًا بِما كَسَبَتْ، قالَ الشّاعِرُ: فَلَوْلا رِجالٌ مِن قُرَيْشٍ أعِزَّةٌ سَرَقْتُمْ ثِيابَ البَيْتِ واللَّهُ قائِمُ وَيَحْتَمَلُ ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما كَسَبَتْ مِن رِزْقٍ تَفَضُّلًا عَلَيْها فَيَكُونُ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ.

الثّانِي: ما كَسَبَتْ مِن عَمَلٍ حِفْظًا عَلَيْها، فَيَكُونُ خارِجًا مَخْرَجَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ يَعْنِي أصْنامًا جَعَلُوها آلِهَةً.

﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قُلْ سَمُّوهم آلِهَةً عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ.

الثّانِي: يَعْنِي قُلْ صِفُوهم لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً.

﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ أيْ تُخْبِرُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ أنَّ في الأرْضِ إلَهًا غَيْرُهُ.

﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بِباطِلٍ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها ∗∗∗ وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ أيْ بِالحَلِّ.

الثّانِي: بِظَنٍّ مِنَ القَوْلِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّالِثُ: بِكَذِبٍ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّ الظّاهِرَ مِنَ القَوْلِ هو القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: أنْ يَكُونَ الظّاهِرُ مِنَ القَوْلِ حُجَّةً يُظْهِرُونَها بِقَوْلِهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ مُشاهِدِينَ أمْ تَقُولُونَ مُحْتَجِّينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كان كما تقول، فأرِنا أشياخنا الذين من الموتى نكلمهم، وافسح لنا هذه الجبال- جبال مكة- التي قد ضمتنا.

فنزلت ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن عطية العوفي رضي الله عنه قال: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم «لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعتْ لنا الأرض كما كان سليمان عليه السلام يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى عليه السلام يحيي الموتى لقومه.

فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال...

﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يتبين الذين آمنوا؟» قالوا: هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال المشركون من قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وسعت لنا أودية مكة وسيرت جبالها فاحترثناها، وأحييت من مات منا واقطع به الأرض، أو كلم به الموتى...

فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً ﴾ .

وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم في الدلائل، وابن مردويه عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [ الشعراء: 214] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس: «يا آل عبد مناف، إني نذير فجاءته قريش، فحذرهم وأنذرهم.

فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان عليه السلام سخرت له الريح والجبال، وإن موسى عليه السلام سخر له البحر، وإن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهاراً فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل وإلا، فادع الله أن يحيي لنا الموتى فنكلمهم ويكلمونا وإلا، فادع الله أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم.

فبينا نحن حوله، إذ نزل عليه الوحي، فلما سرى عنه الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني الله ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة ويؤمن مؤمنكم، وأخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين» فنزلت ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ان كذب بها الأولون ﴾ [ الإِسراء: 59] حتى قرأ ثلاث آيات.

ونزلت ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال...

﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أن هذه الآية ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ﴾ مكية.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ الآية.

قال: قول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: سيّر جبالنا تتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قالوا سير بالقرآن الجبال، قطع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: قال كفار مكة لمحمد صلى الله عليه وسلم: «سيّر لنا الجبال كما سخرت لداود، وقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان عليه السلام فاغدُ بها شهراً، ورح بها شهراً، أو كلم لنا الموتى كما كان عيسى عليه السلام يكلمهم.

يقول: لم أنزل بهذا كتاباً، ولكن كان شيئاً أُعطيته أنبيائي ورسلي» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً كما تزعم، فباعد عن مكة اخشبيها هذين مسيرة أربعة أيام، أو خمسة أيام، فإنها ضيقة حتى نزرع فيها أو نزعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا إنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى الحيرة، حتى نذهب ونجيء في ليلة كما زعمت إنك فعلته.

فأنزل الله تعالى ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ الآية.

وأخرج إسحاق وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء، ولم يكن ليفعل.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه كان يقرأ ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قرأ ﴿ أفلم يتبين الذين آمنوا ﴾ فقيل له: إنها في المصحف ﴿ أفلم ييأس ﴾ فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس.

وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ أفلم يتبين الذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ أفلم ييأس ﴾ يقول: يعلم.

وأخرج الطستي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم، بلغة بني مالك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت مالك بن عوف يقول: لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه ** وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا وأخرج ابن الأنباري، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: في قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم، بلغة هوازن، وأنشد قول مالك بن عوف النضري: أقول لهم بالشعب إذ ييئسونني ** ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعلم الذين آمنوا؟.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: أفلم يعرف الذين آمنوا.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

ومن الناس من يقرؤها ﴿ أفلم يتبين ﴾ وإنما هو كالاستنقاء، أفلم يعقلوا ليعلموا أن الله يفعل ذلك؟

لم ييأسوا من ذلك وهم يعلمون أن الله تعالى لو شاء فعل ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ قال: يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو شاء الله ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: السرايا.

وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه- عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: سرية ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: أنت يا محمد ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال فتح مكة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أو تحل ﴾ يا محمد ﴿ قريباً من دارهم ﴾ .

وأخرج ابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ القارعة ﴾ السرايا ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: الحديبية ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال: فتح مكة.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا...

﴾ الآية.

قال: نزلت بالمدينة في سرايا النبي صلى الله عليه وسلم.

﴿ أو تحل ﴾ أنت يا محمد ﴿ قريباً من دارهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: نكبة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ قال: عذاب من السماء ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ يعني، نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله إياهم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو تحل قريباً من دارهم ﴾ قال: أو تحل القارعة قريباً من دارهم ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ قال: يوم القيامة.

أما قوله تعالى: ﴿ ولقد استهزئ برسل من قبلك ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: «كان رجل خلف النبي صلى الله عليه وسلم يحاكيه ويلمطه، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذلك فكن.

فرجع إلى أهله فلبث به مغشياً شهراً، ثم أفاق حين أفاق وهو كما حاكى رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: يعني بذلك نفسه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: الله تعالى، قائم بالقسط والعدل.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: ذلكم ربكم تبارك وتعالى قائم على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ قال: الله عز وجل، القائم على كل نفس ﴿ بما كسبت ﴾ على رزقها وعلى علمها.

وفي لفظ: قائم على كل بر وفاجر، يرزقهم ويكلؤهم ثم يشرك به منهم من أشرك ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ يقول: آلهة معه ﴿ قل سموهم ﴾ ولو سموا آلهة لكذبوا وقالوا في ذلك غير الحق؛ لأن الله تعالى واحد لا شريك له ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ يقول: لا يعلم الله تعالى في الأرض إلهاً غيره ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ يقول: أم بباطل من القول وكذب.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ يعني بذلك نفسه، يقول ﴿ قائم على كل نفس ﴾ على كل بر وفاجر ﴿ بما كسبت ﴾ وعلى رزقهم، وعلى طعامهم، فأنا على ذلك وهم عبيدي، ثم جعلوا لي شركاء ﴿ قل سموهم ﴾ ولو سموهم كذبوا في ذلك لا يعلم الله تعالى من إله غير الله، فذلك قوله: ﴿ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه أنه قام في الناس يوماً، فقال: اتقوا الله في السرائر وما ترخى عليه الستور...

ما بال أحدكم ينزع عن الخطيئة للنبطي يمر به، والأمة من إمائه، والله تعالى يقول ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ويحكم فأجلوا مقام الله سبحانه وتعالى: ما يؤمن أحدكم أن يمسخه قرداً أو خنزيراً بمعصيته إياه، فإذا هو خزي في الدنيا وعقوبة في الآخرة.

فقال رجل من القوم: والله الذي لا إله إلا هو، ليكونن ذاك يا ربيعة، فنظر القوم من الحالف فإذا هو عبد الرحمن بن غنم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ قال: بظن ﴿ بل زين للذين كفروا مكرهم ﴾ قال: قولهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ قال: الظاهر من القول، هو الباطل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ الآية، قال ابن عباس (١) (٢) (٣) ﴿ قَائِمًا بِالْقِسْطِ  ﴾ ، أي والباء كذلك (٤) (٥) (٦) فلولا رجالٌ من قُريشٍ أعِزَّة ...

سرقتم ثِيَابَ البَيْتِ والله قائِمُ أراد والله عالم، قال أبو بكر: وهذا القول أثبت، قال الفراء (٧) قال الفراء: قد بينه ما بعده إذ قال: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ كأنه في المعنى: كشركائهم (٨) ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ ﴾ مضمَّن (٩) ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ صار بدلالته على الجواب كأنه ذكر، كقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ  ﴾ ، ولم يجيء له جواب حتى قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ فصار هذا يدل على الجواب؛ لأن تأويله: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قلبه قاس.

وقوله (١٠) ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ وقع هذا موقع جواب (أفمن) على ما ذكره الفراء في المعنى.

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ ليس يريد بهذا أن يذكروا أسماءهم التي جعلوها لهم كاللات والعزى؛ لأنه لا يكون في هذا احتجاج عليهم، ولكن المعنى سموهم بما يستحقون من الأسماء التي هي صفات، ثم انظروا هل تدل صفاتهم على أنه يجوز أن يعبدوا أم لا؟

وهذا تنبيه على أنهم مبطلون، لأن المعنى يؤول إلى أن الصنم لو كان إلهًا لتصور منه أن يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولحسن حينئذٍ أن يسمى بالخالق والرازق، فكأن الله تعالى قال: قل سموهم بإضافة أفعالهم إليهم إن كانوا شركاء (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ﴾ يجوز أن يكون (أم) هاهنا عاطفة على استفهام متقدم في المعنى، وذلك أن قوله ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ معناه: ألهم أسماء الخالقين؟؛ لأن المراد في أمرهم بالتسمية؛ الإنكار عليهم أنه ليس للأصنام أسماء الخالقين ولا صفاتهم، والإنكار صورته سورة الاستفهام.

ويجوز أن يكون (أم) استفهامًا مبتدأ به منقطعًا بما قبله كقوله ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ  ﴾ وليس قبله استفهام، وذكرنا هذا قديمًا، وتأويل الآية هاهنا: فإن سموهم بصفات الخالقين قل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟

ومعنى هذا: أنهم كانوا يزعمون أن لله شركاء، والله تعالى لا يعلم لنفسه شريكًا، فقال: أتنبئون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟

ومعنى ﴿ بِمَا لَا يَعْلَمُ ﴾ أي: بما يعلم أنه ليس.

فالنفي وإن دخل على العلم؛ فالمراد به نفى ذلك المعلوم؛ لأنه لا يجوز أن ينتفي العلم عن الله تعالى، وقال صاحب النظم: وقد قيل: إن (يعلم) هاهنا فصل عطل عن المعنى، (ولا) بمنزلة ليس، على تأويل: أم تنبئونه بما ليس في الأرض، وخص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض، لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض لا في غيرها.

وقوله تعالى: ﴿ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ يعني أم يقولون مجازًا من القول وباطلاً لا حقيقة له والباء في قوله ﴿ بِظَاهِرٍ ﴾ لا يكون من صلة الشبه، بل هي من صلة القول المضمر على معنى: أم يقولون بظاهر من القول، وفسر الظاهر هاهنا تفسيرين أحدهما: أن معناه أنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى رجوع إلى حقيقة، والثاني أن معناه الباطل الزائل (١٤) (١٥) (١٦) وتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُها أي باطل وزائل، وهذا الوجه اختيار صاحب النظم.

وقوله تعالى: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ﴾ معنى (بل) هاهنا كأنه يقول دع ذكر ما كنا فيه؛ زين لهم مكرهم، كقول لبيد (١٧) بل ما تَذْكُر من نَوَار وقَدْ نَأَتْ ...

وتَقَطّعَتْ أسْبَابُها ورِمَامُهَا كأنه كان في ذكر شيء فتركه وعاد إلى ذكر هذه المرأة، كذلك الله تعالى ترك ذكر الاحتجاج عليهم، وبين سبب كفرهم وإقامتهم على ذلك، بقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ﴾ قال ابن عباس (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ قال ابن عباس (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ الوقف على هذا بسكون الدال من غير إثبات ياء قراءة أكثر (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ دَعْوَةَ الدَّاعِ  ﴾ ، والأول أكثر في استعمالهم (٣٠) (٣١) (١) الطبري 13/ 159، وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 119، و"زاد المسير" 4/ 333، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 311 عن الحسن.

(٢) "زاد المسير" 4/ 333.

بنحوه.

(٣) لم يرد دليل على نفي الانتصاب، فالنفي يحتاج إلى دليل، كما أن الإثبات كذلك.

(٤) في (ب): (لذلك).

(٥) انظر: "مقاييس اللغة" 5/ 43، و"تهذيب اللغة" (قوم) 3/ 2864.

(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو غير منسوب في "النكت والعيون" 3/ 114، والقرطبي 9/ 322.

(٧) "معاني القرآن" 2/ 64.

(٨) في (ح): (كثير كأنهم).

(٩) في (ب): (مضمر).

(١٠) في (ب): (وقوله تعالى).

(١١) في (ب): (شركاء الله).

(١٢) في (ب): (كأنصاف).

(١٣) "زاد المسير" 4/ 333.

بنحوه.

(١٤) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 311 وذكر عن الكلبي نحوه.

(١٥) "تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2259.

(١٦) الببت في شرح أشعار الهذليين للسكري 1/ 70، وصدره: وعيرها الواشون أني أحبها وفي "اللسان" (ظهر) 5/ 2769، (شكا) 4/ 2314، و"التنبيه والإيضاح" 2/ 159، و"تاج العروس" 7/ 175 (ظهر)، و"مقاييس اللغة" 3/ 272، و"تهذيب اللغة" 3/ 2259، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2259، و"مجمل اللغة" 2/ 603.

(١٧) "ديوانه" ص 166، و"تهذيب اللغة" 2/ 606 (سبب) 3/ 2994، و"اللسان" (قطع) 6/ 3674، وبلا نسبة في "اللسان" (سبب) 4/ 1910، و"تاج العروس" (سبب) 2/ 66.

(١٨) "زاد المسير" نوار: اسم امرأة.

نأت: ابتعدت، تقطعت أسبابها: حبالها، والرمام: الحبال الضعاف التي خلقت 4/ 333، والقرطبي 9/ 323، و"تفسير كتاب الله العزيز" 20/ 311 عن مجاهد.

(١٩) "تنوير المقباس" (158) بنحوه، و"زاد المسير" 4/ 334، القرطبي 9/ 323.

(٢٠) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (وصَدُّوا) بفتح الصاد، وقرا عاصم وحمزة والكسائي (وصُدُّوا) بالضم.

انظر: "السبعة" ص 359، و"الإتحاف" 13/ 161، والطبري 16/ 467، والقرطبي 9/ 323، و"زاد المسير" 4/ 333، و"البحر المحيط" 5/ 395.

(٢١) في (أ)، (ج): (أبي عبيدة).

بالهاء.

(٢٢) الثعلبي 7/ 139 أ.

(٢٣) النحل: 88، محمد: 1.

(٢٤) "الحجة" 5/ 23، 24.

بنحوه.

وعامة القراء على هذه القراءة، وابن كثير وحده يقف على الهاء.

انظر: "السبعة" ص 360.

(٢٥) ما بين القوسين ساقط من (ب).

(٢٦) انظر: "السبعة" ص360.

(٢٧) في (ب): (أمر).

(٢٨) في "الحجة": فإذا أمن التنوين الذي كانت الياء حذفت في الوصل من أجل التقائها معها في الوصل.

(٢٩) في "الحجة": هادي، والأول أكثر في استعمالهم.

(٣٠) في "الحجة": كذلك تثبت في النداء لذلك.

(٣١) آخر النقل عن "الحجة" 5/ 23، 24.

بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدِ استهزئ ﴾ الآية مقصدها تأنيس وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا حيث وقع ﴿ فَأَمْلَيْتُ ﴾ أي أمهلتهم ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ هو الله تعالى أي حفيظ رقيب على عمل كل أحد، والخبر محذوف تقديره: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أحق أن يعبد أم غيره؟

ويدل على ذلك قوله: وجعلوا لله شركاء ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي اذكروا أسماءهم ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض ﴾ المعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم يعلمهم هو فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم، وتعبدون الباطل، وذلك كقولك: قل لي من زيد؟

أم هو أقل من أن يعرف فهو كالعدم ﴿ أَم بظاهر مِّنَ القول ﴾ المعنى أتسمونهم شركاء بظاهر اللفظ من غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم ﴾ [النجم: 23] ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياوة الدنيا ﴾ يعني بالقتل والأسر والخوف وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الباقون بفتحها.

﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.

الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.

﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.

﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.

﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟

وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.

ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟

فقيل للنبي  : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.

﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.

وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله  لعلي  : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.

فأنزل الله الآية.

فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله  لا على جحودهم أو إِشراكهم.

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله  وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.

قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.

وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  ﴾ الآية.

وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.

ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً  ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.

وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.

ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.

أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.

ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

وهذا لغة قوم من النخع.

وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي  وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .

وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.

وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.

وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.

﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.

وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله  لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.

والإملاء الإمهال وقد مر هناك.

والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.

ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.

وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.

ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.

وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.

وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.

قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.

أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم  ﴾ وقد مر في أول "يونس".

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها  ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.

ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.

والكلام في أن المزين هو الله  أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.

وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.

وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة  ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.

والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً  ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله  : ﴿ كل من عليها فان  ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين  ﴾ .

ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.

وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.

واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.

ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.

وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.

واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.

وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.

وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.

ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.

ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.

ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.

ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.

وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.

وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.

روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله  إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.

وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.

قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله  وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.

ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله  : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته  ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله  يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.

وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.

والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.

وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه  يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله  .

والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.

الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية  ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.

واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله  { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.

ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.

وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ .

وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.

وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.

عن النبي  : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.

روى أبو الدرداء عن النبي  : "إن الله  في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .

وقيل: هو علم الله  المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.

ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.

والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.

ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.

قال الواحدي.

الأليق بالمقام هو القول الأول.

وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.

﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.

﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.

وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.

وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.

قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله  وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.

وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.

وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.

ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.

وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.

وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.

ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.

فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.

وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.

ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.

واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.

وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.

والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.

وقال الزجاج: الأشبه أن الله  لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.

وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً  ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.

ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله  في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام  ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.

﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: يقول: من الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت الله أم شركاؤكم فالقائم هو المدبر الحافظ بكل ما فيه الخلق ويشبه أن يكون تأويله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ ﴾ أي: حافظ وعالم على كل نفس بما كسبت؛ أو بالرزق لهم والدفع عنهم، كمن هو أعمى عن ذلك، ليسا بسواء كقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ...

﴾ الآية [الرعد: 19].

أو يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ كمن هو غير قائم عليه؟

ليسا بسواء.

وقال مقاتل: أفمن هو قائم على رزقهم وطعامهم.

ثم قال: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: وصفوا لله شركاء وعبدوها؛ والله أحق أن يعبد من غيره.

يقول الله: أنا القائم على كل نفس؛ أرزقهم وأطعمهم؛ أفأكون أنا وشركائي الذين لا يفعلون ذلك سواء؟

والوجه فيه ما وصفنا: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ أي: يرزق ويبصر و [يعلم ما تعمل وتكسب ويحفظ] عن أنواع البلايا؛ كمن هو أعمى جاهل عاجز عن ذلك كله؟

أي: ليس هذا كذلك.

ويسفههم في إشراكهم الأصنام التي عبدوها في الألوهية والعبادة، وهي بالوصف الذي ذكر؛ كمن هو أعمى عاجز عن ذلك؟

أي: ليسا بسواء.

وقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يحتمل قائم على كل نفس بما كسبت؛ فيما قدر لها وقواها أو في الجزاء يجزي على ما تكسب.

﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ في العبادة؛ أو في تسميتهم آلهة، لا يعلمون ما كسب لها، ولا يملكون جزاء ما كسبوا لها أيضاً.

يبين سفههم في جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء لله في العبادة؛ وتسميتهم آلهة؛ مع علمهم أنهم لا يقدرون ولا يملكون شيئاً من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ بذلك الاسم؛ ولو سموهم، [سموهم] بكذب وباطل وزور.

وعندنا قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي: لو سميتموها آلهة واتخذتموها معبوداً؛ فسموهم أيضاً بأسماء سميتم الله؛ من نحو: الخالق والرازق والرحمن والرحيم؛ ونحوه.

يقول - والله أعلم - إذ سميتم هذه الأصنام آلهة ومعبوداً، سموهم أيضاً: خالقاً ورازقاً ورحماناً ورحيماً، وهم يعلمون أنها ليست كذلك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: أم تنبئون الله؛ وهو عالم بما في السماوات وما في الأرض؛ وعالم بكل شيء، وهو لا يعلم في الأرض ما تقولون من الآلهة وما تصفونه بالشركاء؟!

وكذلك يخرج قوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أم تنبئونه بما ليس في الأرض شيء مما تقولون وتصفون شيء؛ أي: يقول: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض، وهم عالم بكل شيء؟

أي: تقرون بأنه عالم بكل شيء؛ وهو لا يعلم ما تقولون وتسمونه من الشركاء وغيره.

والثاني: أم تنبئونه بما لا يعلم؛ أي: ليس في الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: بل بباطل من القول وزور.

ويشبه أن يكون بظاهر من القول؛ أي: بضعيف من القول وخفيف، يسمون الشيء الذي لا حقيقة له ولا ثبات ظاهراً بادياً؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ  ﴾ أي: ضعيف الرأي: وخفيفه؛ لا حقيقة له ولا قرار.

ويحتمل قوله: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ في الخلق والأسلاف؛ أي: لم يظهر ما يقولون؛ ويصفون؛ إشراك هذه الأصنام؛ وتسميتها آلهة ومعبوداً؛ فيكون (أم) في موضع حقيقة ويقين؛ على هذا التأويل والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ : قولهم الذي قالوه من الكذب والزور؛ أنها آلهة وأنها شركاء الله.

لكن يشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ أي: مكرهم برسول الله  حيث احتالوا حيلا؛ ليقتلوه لئلا يظهر هذا الدين في الأرض، ويطفئون هذا النور؛ ليدوم عزهم وشرفهم في هذه الدنيا؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ والمكر: هو الاحتيال؛ والأخذ من حيث الأمن.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

صدوا؛ لما علموا من مكرهم واختيارهم ما اختاروا والسبيل، المطلق هو سبيل الله؛ وإلا كان جميع الأديان والمذاهب يسمى سبيلا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ لكن ما ذكرنا أن السبيل المطلق [هو] سبيل الله، والكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .

من أضله الله فلا يملك أحدٌ هدايته، ومن هداه فلا يملك أحد إضلاله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

العذاب لهم في الحياة الدنيا يحتمل: القتل والقتال؛ والخوف والجواع؛ وأنواع البلايا؛ كقوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ...

﴾ الآية [النحل: 112].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي: أشد.

﴿ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ أي: مالهم من عذاب الله من واقٍ يقيهم من عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ .

يحتمل: وصف الجنة التي وعد المتقون؛ أو صفة الجنة التي وعد المتقون.

ويحتمل: [أي: شبه] الجنة التي وعد المتقون.

كشبه النار التي وعد الكافرون؛ أي: ليسا بشبيهين ولا مثلين، لا تكون هذه مثل هذه ولا تشبهها؛ كقوله: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...

﴾ الآية [محمد: 15]، يقول - والله أعلم - يقول: الذي وصفه كذا من النعم الدائمة - كالذي يكون عذابه ووصفه كذا؛ أي: لا يكون؛ فعلى ذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ .

أي: ثمار الجنة دائمة لا تزول ولا تنقطع؛ ليس كثمار الدنيا، ونعيمها ليس من ثمرة من ثمار الدنيا إلا وهي تزول وتنقطع في وقت؛ فأخبر أن ثمار الآخرة - وما فيها من النعيم - غير زائلة ولا منقطعة، وكذلك عذابها [دائم] لا يزول.

﴿ وِظِلُّهَا ﴾ أيضاً.

أخبر أن ظل الجنة لا يزول ولا ينقطع، لا يكون فيها شمس يزول ظلها بزوالها.

وصف جميع ما فيها بالدوام والمنفعة: الظل شيء لا أذى فيه؛ وفيه منافع، والشمس فيها أذى ومنافع، وكذلك جميع ما يكون من الأشياء في الدنيا؛ يكون فيها منافع ومضار؛ وأنها تزول وتنقطع؛ فأخبر أن ظل الآخرة وما فيها من النعم دائمة باقية؛ غير زائلة ولا منقطعة، ولا مضرة فيها؛ ليس كنعيم الدنيا وظلها.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ ﴾ .

[أي: جزاء الكافرين النار]، ظاهر هذا أن يكون: الذين اتقوا تقى الشرك؛ لأنه ذكر عقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء وعقبى ما ذكرنا؛ أي: تلك الجنة جزاء الذين اتقوا الشرك، وعقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء [الكافرين] النار.

أو عقبى هذه للذين اتقوا الجنة، وعقبى أولئك النار.

وقال بعضهم: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: عاقبة أعمالهم وحسناتهم الجنة؛ وعاقبة أعمال الذين كفروا بتوحيد الله النار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفمن هو قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق رقيب على كل نفس بما كسبت من عمل، فيجازيها على أعمالها، أولى أن يُعْبد، أم هذه الأصنام التي لا حق لها أن تعبد؟

وقد جعلها الكفار شركاء لله ظلمًا وزورًا، قل لهم -أيها الرسول-: سموا لنا الشركاء الذين عبدتموهم مع الله إن كنتم صادقين في دعواكم، أم تخبرون الله بما لا يعلم في الأرض من الشركاء, أم تخبرونه بظاهر من القول حقيقة له؟

بل حسّن الشيطان للذين كفروا تدبيرهم السيئ، فكفروا بالله، وصرفهم عن سبيل الرشاد والهداية، ومن يضلل الله عن سبيل الرشاد فليس له من هاد يهديه.

<div class="verse-tafsir" id="91.zgY4M"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله وبحمده