تفسير الآية ٩ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٩ من سورة الرعد

عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 47 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( عالم الغيب والشهادة ) أي : يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم ، ولا يخفى عليه منه شيء .

) الكبير ) الذي هو أكبر من كل شيء ، ( المتعال ) أي : على كل شيء ، قد أحاط بكل شيء علما ، وقهر كل شيء ، فخضعت له الرقاب ودان له العباد ، طوعا وكرها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله عالم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلم تروه، وما شاهدتموه, فعاينتم بأبصاركم, لا يخفى عليه شيء, لأنهم خلقه (20) وتدبيره" الكبير الذي كل شيء دونه "، (21) " المتعال " المستعلي على كل شيء بقدرته.

وهو " المتفاعل " من " العلو " مثل " المتقارب " من القرب و " المتداني" من الدنوّ .

(22) -------------------------- الهوامش : (20) انظر تفسير" الغيب والشهادة" فيما سلف 11 : 464 ، 465 .

(21) انظر تفسير" الكبير" فيما سلف 8 : 318 .

(22) وانظر تفسير" التعالي" فيما سلف 15 : 47 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي هو عالم بما غاب عن الخلق ، وبما شهدوه .

فالغيب مصدر بمعنى الغائب .

والشهادة مصدر بمعنى الشاهد ; فنبه سبحانه على انفراده بعلم الغيب ، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق ، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد ; فأما أهل الطب الذين يستدلون بالأمارات والعلامات فإن قطعوا بذلك فهو كفر ، وإن قالوا إنها تجربة تركوا وما هم عليه ، ولم يقدح ذلك في الممدوح ; فإن العادة يجوز انكسارها ، والعلم لا يجوز تبدله .

و " الكبير " الذي كل شيء دونه .

" المتعال " عما يقول المشركون ، المستعلي على كل شيء بقدرته وقهره ; وقد ذكرناهما في شرح الأسماء مستوفى ، والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فإنه { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ } في ذاته وأسمائه وصفاته { الْمُتَعَالِ } على جميع خلقه بذاته وقدرته وقهره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( عالم الغيب والشهادة الكبير ) الذي كل شيء دونه ( المتعال ) المستعلي على كل شيء بقدرته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«عالم الغيب والشهادة» ما غاب وما شوهد «الكبير» العظيم «المتعالي» على خلقه بالقهر، بياء ودونها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله عالم بما خفي عن الأبصار، وبما هو مشاهَد، الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته، المتعال على جميع خلقه بذاته وقدرته وقهره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( عَالِمُ الغيب والشهادة الكبير المتعال ) تأكيد لعموم عليه - سبحانه - ودقته .والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، وهو : ما لا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل .والشهادة : مصدر شهد يشهد ، وهى هنا بمعنى الأشياء المشهودة .والمتعال : المستعلى على كل شئ فى ذاته وفى صفاته وفى أفعاله - سبحانه - .أى : أنه - سبحانه - هو وحده الذى يعلم أحوال الأشياء الغائبة عن الحواس كما يعلم أحوال المشاهدة منها ، وهو العظيم الشأن ، المستعلى على كل شئ .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر أولاً، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانياً، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة ثالثاً، وهو المذكور في هذه الآية.

واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزة ألبتة، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة والسلام سوى القرآن.

قالوا: إن هذا الكلام، إنما يصح إذا طعنوا في كون القرآن معجزاً، مع أنه ما ظهر عليه نوع آخر من المعجزات، لأن بتقدير أن يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات لامتنع أن يقولوا: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له معجز سوى القرآن.

واعلم أن الجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوا منه صلى الله عليه وسلم كحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه الأمور: مثل فلق البحر بالعصا، وقلب العصا ثعباناً.

فإن قيل: فما السبب في أن الله تعالى منعهم وما أعطاهم؟

قلنا إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكماً وظهور القرآن معجزة، فما كان مع ذلك حاجة إلى سائر المعجزات، وأيضاً فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات الملتمسة، وكانوا يصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب الاستئصال، فلهذا السبب ما أعطاهم الله تعالى مطلوبهم، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ  ﴾ بين أنه لم يعطهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به، وأيضاً ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له.

وهو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر، فطلب منه معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام، وأنه باطل.

الوجه الثاني: وفي الجواب لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات.

ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اتفق القراء على التنوين في قوله: ﴿ هَادٍ ﴾ وحذف الياء في الوصل، واختلفوا في الوقف، فقرأ ابن كثير: بالوقف على الياء، والباقون: بغير الياء، وهو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف.

المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية وجوه: الأول: المراد أن الرسول عليه السلام منذر لقومه مبين لهم، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع، وأنه تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ولما كان الغالب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان وهو فصاحة القرآن فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى فهذا هو الذي قرره القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظماً.

والوجه الثاني: وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزاً فلا يضيق قلبك بسببه إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في صدورهم ولست بقادر عليهم ولكل قوم هاد، قادر على هدايتهم بالتخليق وهو الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار، وأما الهداية فمن الله تعالى.

واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا هاهنا أقوالاً: الأول: المنذر والهادي شيء واحد والتقدير: إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة كل واحد منهم غير معجزة الآخر.

الثاني: المنذر محمد صلى الله عليه وسلم والهادي هو الله تعالى روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك.

والثالث: المنذر النبي.

والهادي علي.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: أنا المنذر ثم أومأ إلى منكب علي رضي الله عنه وقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله يَعْلَمُ ﴾ يحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً، وأن يكون المعنى: هو الله، تفسيراً لهاد على الوجه الأخير، ثم ابتدئ فقيل: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ (وما) في ﴿ مَا تَحْمِلُ ﴾ ، ﴿ وَمَا تَغِيضُ ﴾ ، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ إما موصولة، وإما مصدرية.

فإن كانت موصولة، فالمعنى: أنه يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو.

من ذكورة وأنوثة، وتمام وخداج، وحسن وقبح، وطول وقصر، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة، ويعلم ما تغيضه الأرحام: أي تنقصه.

يقال: غاض الماء وغضته أنا.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَغِيضَ الماء ﴾ [هود: 44] وما تزداده: أي تأخذه زائداً، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا ومنه قوله تعالى: ﴿ وازدادوا تِسْعًا ﴾ [الكهف: 25] ويقال: زدته فزاد بنفسه وازداد، ومما تنقصه الرحم وتزداده عدد الولد، فإنها تشتمل على واحد، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة.

ويروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه.

ومنه جسد الولد، فإنه يكون تاما ومخدجاً.

ومنه مدة ولادته، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، وقيل: إنّ الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين، ولذلك سمي هرماً.

ومنه الدم، فإنه يقل ويكثر.

وإن كانت مصدرية، فالمعنى أنه يعلم حمل كل أنثى، ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ومن أوقاته وأحواله.

ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها، على أنّ الفعلين غير متعدّيين، ويعضده قول الحسن: الغيضوضة أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد أن تزيد على تسعة أشهر.

وعنه الغيض الذي يكون سقطاً لغير تمام، والازدياد ما ولد لتمام ﴿ بِمِقْدَارٍ ﴾ بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْء خلقناه بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49] ﴿ الكبير ﴾ العظيم الشأن الذي كل شيء دونه ﴿ المتعال ﴾ المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ أيْ حَمْلَها أوْ ما تَحْمِلُهُ عَلى أيِّ حالٍ هو مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ.

﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ وما تُنْقِصُهُ وما تَزْدادُهُ في الجِنَّةِ والمُدَّةِ والعَدَدِ، وأقْصى مُدَّةُ الحَمْلِ أرْبَعُ سِنِينَ عِنْدَنا وخَمْسٌ عِنْدَ مالِكٍ وسَنَتانِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ.

رُوِيَ أنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ وهَرَمَ بْنَ حَيّانَ لِأرْبَعِ سِنِينَ وأعْلى عَدَدِهِ لا حَدَّ لَهُ.

وَقِيلَ نِهايَةُ ما عُرِفَ بِهِ أرْبَعَةٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أخْبَرَنِي شَيْخٌ بِاليَمَنِ أنَّ امْرَأتَهُ ولَدَتْ بُطُونًا في كُلِّ بَطْنٍ خَمْسَةٌ.

وقِيلَ المُرادُ نُقْصانُ دَمِ الحَيْضِ وازْدِيادُهُ، وغاضَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا وكَذا ازْدادَ قالَ تَعالى: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ فَإنْ جَعَلْتَهُما لازِمَيْنِ تَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.

وإسْنادُهُما إلى الأرْحامِ عَلى المَجازِ فَإنَّهُما لِلَّهِ تَعالى أوْ لِما فِيها.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ بِقَدْرٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَإنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ حادِثٍ بِوَقْتٍ وحالٍ مُعَيَّنَيْنِ، وهَيَّأ لَهُ أسْبابًا مَسُوقَةً إلَيْهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ هادٍ ﴾ و ﴿ والٍ ﴾ و و ﴿ واقٍ ﴾ ﴿ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ﴾ بِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ فَإذا وقَفَ وقَفَ بِالياءِ في هَذِهِ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ حَيْثُ وقَعَتْ لا غَيْرَ، والباقُونَ يَصِلُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِغَيْرِ ياءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{عالم الغيب} ما غاب عن الخلق {والشهادة} ما شاهدوه {الكبير} العظيم الشأن الذي كل شيء دونه {المتعال} المستعلي على كل شيء بقدرته أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها وبالياء في الحالين مكي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ أيِ الغائِبِ عَنِ الحِسِّ ﴿ والشَّهادَةِ ﴾ أيِ الحاضِرِ لَهُ عَبَّرَ عَنْهُما بِهِما مُبالَغَةً.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الغَيْبَ السِّرُّ والشَّهادَةَ العَلانِيَةُ وقِيلَ: الأوَّلُ المَعْدُومُ والثّانِي المَوْجُودُ ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ عَلى مَعْنى أنْ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ والمَعْدُوماتُ مَشْهُودَةٌ لَهُ تَعالى بِناءً عَلى القَوْلِ بِرُؤْيَةِ المَعْدُومِ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ الكُورانِيُّ في رِسالَةٍ ألَّفَها لِذَلِكَ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ الجَسارَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى والمُصادَمَةِ لِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ ولا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أنْ يَتَفَوَّهَ بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الَّتِي تَقْشَعِرُّ مِن سَماعِها أبْدانُ المُؤْمِنِينَ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِلْوُقُوفِ عِنْدَ حَدِّنا ويَمُنَّ عَلَيْنا بِحُسْنِ الأدَبِ مَعَهُ سُبْحانَهُ ورُفِعَ ﴿ عالِمُ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( عالِمَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ وهَذا الكَلامُ كالدَّلِيلِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ..

إلَخِ ﴿ الكَبِيرُ ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ﴿ المُتَعالِ ﴾ .

(9) .

المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ في ذاتِهِ وعِلْمِهِ وسائِرِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى الكَبِيرُ الَّذِي يَجِلُّ عَمّا نَعَتَهُ بِهِ الخَلْقُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ويَتَعالى عَنْهُ فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ تَنْزِيهُهُ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنْ مُداناةِ شَيْءٍ مِنهُ وعَلى هَذا المُرادُ تَنْزِيهُهُ تَعالى عَمّا وصَفَهُ الكَفَرَةُ بِهِ فَهو رَدٌّ لَهم كَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ مَعْنى ﴿ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى مَرْدُوفِهِ وهو ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ هو العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي يَكْبُرُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ لِيَضُمَّ مَعَ العِلْمِ العَظَمَةَ والقُدْرَةَ بِالنَّظَرِ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ) إلى آخِرِ ما يُفِيدُ التَّنْزِيهَ عَمّا يَزْعُمُهُ النَّصارى والمُشْرِكُونَ ورَفْعُ ﴿ الكَبِيرُ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ عالِمُ ﴾ مُبْتَدَأً وهو خَبَرُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل على محمد  علامة من ربه لنبوته.

قال الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يعني: مخوفا ومبلغا لهذه الأمة الرسالة وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال الكلبي: داعٍ يدعوهم إلى الضلالة، أو إلى الحق.

وقال الضحاك: يعني: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وأنا الهادي.

وقال سعيد بن جبير الهادي هو الله.

وقال عكرمة: محمد  هو النذير، وهو الهادي.

يعني: يدعوهم إلى الهدى.

وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وقال مجاهد: يعني: لكل قوم نبي.

قرأ ابن كثير: هَادِيَ بالياء عند الوقف، وكذلك قوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد: 37] وقرأ الباقون: بغير ياء.

قوله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ذكراً أو أُنثى، وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام سوياً أو غير سوي.

ثم قال: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل وَما تَزْدادُ يعني: على التسعة أشهر في ذلك الحمل وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ قال قتادة: «رزقهم وأجلهم» ، وقال ابن عباس: «من الزيادة، والنقصان، والمكث في البطن، والخروج، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى، فلا يزيد ولا ينقص على ذلك» .

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: «الحامل إن ترى الدم نقص من الولد، وإن لم تر الدم يزيد في الولد» .

وروى أسباط عن السدي قال: «إن المرأة إذا حملت واحتبس حيضها، كان ذلك الدم رزقاً للولد.

فإذا حاضت على ولدها خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه» وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وهي الحيضة التي على الولد، وَما تَزْدادُ.

فحين يستمسك الدم، فلا تحيض وهي حبلى.

قال الفقيه: هذا الذي قال السدي، إن الحامل تحيض، إنما هو على سبيل المجاز، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً.

ولكن معناه: إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن خزيمة.

قال: حدثنا عليّ.

قال: حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر  يقول: قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحد إلا الله، ولا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ الساعة إلا الله تعالى» (١) (١) حديث ابن عمر: أخرجه البخاري (4697) (4778) و (3739) وأحمد: 2/ 24، 52 والبغوي (1170) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، المعنى: وإِن تعجبْ، يا محمَّد، مِنْ جهالتهم وإِعراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فهم أهْلٌ لذلك، وَعَجَبٌ غريبٌ قولُهم: أنعود بعد كوننا تراباً، خلقاً جديداً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ لتصميمهم على الجُحُود وإِنكارهم للبَعْث، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ: أي: في الآخرة، ويحتملُ أنْ يكون خبراً عن كونهم مغلَّلين عن الإِيمان كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس: ٨] .

وقوله سبحانه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ...

الآية: تبيينٌ لِخَطَئِهِمْ كطلبهم سقوطَ كِسَفٍ من السماء، وقولِهِمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال:

٣٢] ونحو هذا مع نزول ذلك بأناسٍ كثيرٍ، وقرأ الجمهور «١» : الْمَثُلاتُ- بفتح الميم وضم الثاء-، وقرأ مجاهد «٢» «المثلات» - بفتح الميم والثاء- أي: الأخذة الفَذَّة بالعقوبة، ثم رجَّى سبحانه بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، ثم خوَّف بقوله:

وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ: قال ابن المسيِّب: لما نَزِلَتْ هذه الآية، قال رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم:

«لَوْلاَ عَفْوُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ مَا تَهَنَّأَ أَحَدٌ عَيْشاً، وَلَوْلاَ عِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلَّ أَحَدٍ» «٣» ، وقال ابن عبَّاس: ليس في القرآن أَرجَى من هذه الآية «٤» : والْمَثُلاتُ: هي العقوباتُ المنكِّلات التي تجعل الإِنسان مثلاً يُتَمَثَّلُ به ومنه التمثيلُ بالقَتْلى ومنه: المُثْلَةُ بالعبيد.

ويقولون: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ: هذه من اقتراحاتهم، / والآية هنا يرادُ بها الأشياءُ التي سمَّتها قريشٌ كالمُلْكِ، والكَنْزِ، وغيرِ ذلك، ثم أخبر تعالى بأنه منذر وهاد، قال عكرمةُ، وأبو الضُّحَى: المرادُ ب «الهادي» محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٥» ف «هاد» عطف على «منذر»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في كَفّارِ مَكَّةَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالعَذابِ قَبْلَ العافِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

فَأمّا " المَثُلاتُ " فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ.

وقَرَأ عُثْمانُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ المِيمِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العُقُوباتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ ما هو مِثْلُهُ وما فِيهِ نَكالٌ، لَوْ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُثْلَةُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تُبْقِي في المُعاقَبِ شِينًا بِتَغْيِيرِ بَعْضِ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ، إذا شانَ خَلْقَهُ بِقَطْعِ أنْفِهِ أوْ أُذُنِهِ، أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ المَثُلاتِ: الأمْثالُ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آمَنُوا، وشَدِيدُ العِقابِ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنْ شِرْكِهِمْ في تَأْخِيرِ العَذابِ، وإنَّهُ لَشَدِيدُ العِقابِ إذا عَذَّبَ.

* فَصْلٌ وَذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ " لَوْلا " بِمَعْنى هَلّا، والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها، مِثْلُ عَصا مُوسى وناقَةِ صالِحٍ.

ولَمْ يَقْنَعُوا بِما رَأوْا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ عَذابَ اللَّهِ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الآياتِ شَيْءٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالهادِي: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما إلَيْكَ الإنْذارُ، واللَّهُ الهادِي.

والثّانِي: أنَّ الهادِيَ: الدّاعِي، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الهادِيَ النَّبِيُّ  ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، فالمَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يُنْذِرُهم.

والرّابِعُ: أنَّ الهادِيَ رَسُولُ اللَّهِ  أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُّحى، والمَعْنى: أنْتَ مُنْذِرٌ، وأنْتَ هادٍ.

والخامِسُ: أنَّ الهادِيَ: العَمَلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والسّادِسُ: أنَّ الهادِيَ: القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَقَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ مِن طُرُقٍ لَيْسَ فِيها ما يَثْبُتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: " أنا المُنْذِرُ "، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبٍ عَلِيٍّ، فَقالَ: " أنْتَ الهادِي يا عَلِيٌّ بِكَ يُهْتَدى مِن بَعْدِي» " .

قالَ المُصَنَّفُ: " وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ الرّافِضَةِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهم عَنْ قُدْرَتِهِ، رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ أيْ: مِن عَلَقَةٍ أوْ مُضْغَةٍ، أوْ زائِدٍ أوْ ناقِصٍ، أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، أوْ واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ أيْ: وما تَنْقُصُ، ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما تَغِيضُ: بِالوَضْعِ لِأقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وما تَزْدادُ: بِالوَضْعِ لِأكْثَرَ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: وما تَغِيضُ: بِالسَّقْطِ النّاقِصِ، وما تَزْدادُ: بِالوَلَدِ التّامِّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: وما تَغِيضُ: بِإراقَةِ الدَّمِ في الحَمْلِ حَتّى يَتَضاءَلَ الوَلَدُ، وما تَزْدادُ: إذا أمْسَكَتِ الدَّمَ فَيَعْظُمُ الوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: ما تَغِيضُ الأرْحامُ: مَن ولَدَتْهُ مِن قَبْلُ، وما تَزْدادُ: مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، رَوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ أيْ: بِقَدَرٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِفْعالٌ مِنَ القَدَرِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٦) .

و ﴿ الكَبِيرُ ﴾ بِمَعْنى: العَظِيمُ، ومَعْناهُ: يَعُودُ إلى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، فَهو أكْبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، لِأنَّ كُلَّ كَبِيرٍ يَصْغُرُ بِالإضافَةِ إلى عَظَمَتِهِ.

ويُقالُ: " الكَبِيرُ " الَّذِي كَبُرَ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ.

فَأمّا ﴿ المُتَعالِ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " المُتَعالِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وكَذَلِكَ رَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ ابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.

والمُتَعالِي هو المُتَنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، قالَ الخَطّابِيُّ: وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المُتَعالِي عَمّا يَقُولُ المُشْرِكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ آيَةُ تَوْبِيخٍ لِلْكَفَرَةِ، أيْ: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ فَهم أهْلٌ لِذَلِكَ، وعَجَبٌ وغَرِيبٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْلُهُمْ: "أنَعُودُ بَعْدَ كَوْنِنا تُرابًا خَلْقًا جَدِيدًا"؟

ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ مَنزَعًا آخَرَ، أيْ: وإنْ كُنْتَ تَزِيدُ عَجَبًا فَهَلُمَّ فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ قَوْلُهم.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ -فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أئِذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ" جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو مَدَّ الهَمْزَةَ ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ.

وقَرَأ نافِعٌ: "أيْذا كُنّا تُرابًا" مِثْلَ أبِي عَمْرٍو واخْتَلَفَ عنهُ في المَدِّ، وقَرَأ: "إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ" مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في اكْتِفائِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ عَنِ الثانِي، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ هَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: "أئِذا كُنّا تُرابًا أإنّا" بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إذا كُنّا تُرابًا" مَكْسُورَةَ الألْفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ "آئِنًا" بِهَمْزٍ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ.

فَمَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامَيْنِ فَذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ والتَحَفِّي والِاهْتِبالِ بِهَذا التَقْدِيرِ، ومَنِ اسْتَفْهَمَ في الأوَّلِ فَقَطْ فَإنَّما القَصْدُ بِالِاسْتِفْهامِ المَوْضِعُ الثانِي، و"إذا" ظَرْفٌ لَهُ، و"إذا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ إذا؟

ومَنِ اسْتَفْهَمَ في الثانِي فَقَطْ فَهو بَيِّنٌ، والإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ" إلى القَوْمِ القائِلِينَ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ ، وتِلْكَ المَقالَةُ إنَّما هي تَقْرِيرُ مُصَمِّمٍ عَلى الجَحْدِ والإنْكارِ لِلْبَعْثِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الحَقِيقَةُ وأنَّهُ أخْبَرَ عن كَوْنِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ في الآخِرَةِ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ  ﴾ ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا وأنَّهُ أخْبَرَ عن كَوْنِهِمْ مُغَلَّلِينَ عَنِ الإيمانِ، فَهي إذًا تَجْرِي مَجْرى الطَبْعِ والخَتْمِ عَلى القُلُوبِ، وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ، فَهم مُقْمَحُونَ  ﴾ ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: الأغْلالُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الأعْمالِ، أيْ: أعْمالُهُمُ الفاسِدَةُ في أعْناقِهِمْ كالأغْلالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْرِيرُ هَذا هو في التَأْوِيلِ الثانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ الآيَةَ، هَذِهِ آيَةُ تَبْيِّينٍ لِخَطَئِهِمْ في أنْ يَتَمَنَّوُا المَصائِبَ ويَطْلُبُوا سُقُوطَ كِسَفٍ مِنَ السَماءِ أو حِجارَةٍ تُمْطَرُ عَلَيْهِمْ ونَحْوَ هَذا مَعَ خُلُوِّ ذَلِكَ في الأُمَمِ ونُزُولِهِ بِأُناسٍ كَثِيرٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ لَكانَ لَهُمُ العُذْرُ.

و"المَثُلاتُ" جَمْعُ مَثُلَةٍ كَسَمُرَةٍ وسَمُراتٍ وصَدَقَةٍ وصَدَقاتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَثُلاتُ" بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الثاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ، وذَلِكَ جَمْعُ مَثَلَةٍ فِي الآخِرَةِ بِمَعْنى العِدَةِ بِالعُقُوبَةِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "المُثُلاتُ" بِضَمِّ المِيمِ والثاءِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابَ: "المُثْلاتُ" بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثاءِ، وهاتانِ جَمْعُ مُثْلَةٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "المَثْلاتُ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثاءِ.

ثُمَّ رَجّى تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ .

قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: إذا تابُوا، و"شَدِيدُ العِقابِ" إذا كَفَرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن مَعْنى المَغْفِرَةِ هُنا إنَّما هُوَ: سِتْرُهُ في الدُنْيا وإمْهالُهُ لِلْكَفَرَةِ، ألا تَرى التَيْسِيرَ في لَفْظِ "مَغْفِرَةٍ"، وأنَّها مُنَكَرَّةٌ مُقَلَّلَةٌ، ولَيْسَ فِيها مُبالَغَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ  ﴾ ، ونَمَطُ الآيَةِ يُعْطِي هَذا، ألا تَرى حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ بِالنارِ؟

ثُمَّ قالَ: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ"، فَلَمّا ظَهَرَ سُوءُ فِعْلِهِمْ وجَبَ في نَفْسِ السامِعِ تَعْذِيبُهم فَأخْبَرَ بِسِيرَتِهِ في الأُمَمِ وأنَّهُ يُمْهِلُ مَعَ ظُلْمِ الكُفْرِ؟

ولَمْ يَرِدْ في الشَرْعِ أنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ ظُلْمَ العِبادِ.

ثُمَّ خَوَّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لَوْلا عَفْوُ اللهِ ومَغْفِرَتُهُ لَما تَمَنّى أحَدٌ عَيْشًا، ولَوْلا عِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لَيْسَ في القُرْآنِ أرْجى مِن هَذِهِ الآيَةِ"، و"المَثُلاتُ" هي العُقُوباتُ المُنَكِّلاتُ الَّتِي تَجْعَلُ الإنْسانَ مَثَلًا يُتَمَثَّلُ بِهِ، ومِنهُ التَمْثِيلُ بِالقَتْلى، ومِنهُ المُثْلَةُ بِالعَبِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ آيَةُ غَضٍّ مِنِ اقْتِراحاتِهِمُ المُتَشَطِّطَةِ الَّتِي لَمْ يُجْرِ اللهُ بِهِ عادَةً إلّا لِلْأُمَّةِ الَّتِي حَتَّمَ بِعَذابِها واسْتِئْصالِها، والآيَةُ هُنا- يُرادُ بِها الأشْياءُ الَّتِي سَمَّتْها قُرَيْشٌ كالمَلَكِ والكَنْزِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنْذِرٌ، وهَذا الخَبَرُ قُصِدَ هو بِلَفْظِهِ والناسُ أجْمَعُونَ بِمَعْناهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُحى: المُرادُ بِالهادِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

و"هادٍ" عَطْفٌ عَلى "مُنْذِرٌ" كَأنَّهُ قالَ: "إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ"، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى يَجْرِي مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ"،» "وَهادٍ" -عَلى هَذا في هَذِهِ الآيَةِ- داعٍ إلى طَرِيقِ الهُدى.

وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: "إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، ولِكُلِّ أُمَّةٍ سَلَفَتْ هادٍ، أيْ نَبِيٌّ يَدْعُوهُمْ، والمَقْصِدُ: فَلَيْسَ أمْرُكَ يا مُحَمَّدُ بِبِدْعٍ ولا مُنْكَرٍ"، وهَذا يُشْبِهُ غَرَضَ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الهادِي -فِي هَذِهِ الآيَةِ- اللهُ عَزَّ وجَلَّ"، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.

و"هادٍ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: مُخْتَرِعٌ لِلرَّشادِ، تُطْلَقُ بِهَذا المَعْنى، ويُعْرَفُ أنَّ اللهَ تَعالى هو الهادِي مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الهادِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "، ورَدَتْ «عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وعَلِيٌّ حاضِرٌ فَأومَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ وقالَ: ("أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ، بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُشْبِهُهُ -إنَّ صَحَّ هَذا- أنَّ النَبِيَّ  إنَّما جَعَلَ عَلِيًّا مِثالًا مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ وَهُداتِها إلى الدِينِ، كَأنَّهُ قالَ: يا عَلِيُّ أنْتَ وصِنْفُكَ، فَيَدْخُلُ في هَذا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وسائِرُ عُلَماءِ الصَحابَةِ عَلَيْهِمْ رِضْوانُ اللهِ أجْمَعِينَ -ثُمَّ كَذَلِكَ مِن كُلِّ عَصْرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى -عَلى هَذا-: إنَّما أنْتَ يا مُحَمَّدُ مُنْذِرٌ، ولِكُلِّ قَوْمٍ في القَدِيمِ والحَدِيثِ رُعاةٌ وهُداةٌ إلى الخَيْرِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ ما تُؤُوِّلُ في الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية، فهو متصل بجملة ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ [الرعد: 2] الخ.

وهذه الجملة استئناف ابتدائي.

فلما قامت البراهين العديدة بالآيات السابقة على وحدانية الله تعالى بالخلق والتدبير وعلى عظيم قدرته التي أودع بها في المخلوقات دقائق الخلقة انتقل الكلام إلى إثبات العلم له تعالى علماً عاماً بدقائق الأشياء وعظائمها، ولذلك جاء افتتاحه على الأسلوب الذي افتتح به الغرض السابق بأن ابتدئ باسم الجلالة كما ابتدئ به هنالك في قوله: ﴿ اللّهُ الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ [الرعد: 2].

وجعلت هذه الجملة في هذا الموقع لأن لها مناسبة بقولهم: لولا أنزل عليه آية من ربه}، فإن ما ذكر فيها من علم الله وعظيم صنعه صالح لأن يكون دليلاً على أنه لا يعجزه الإتيان بما اقترحوا من الآيات؛ ولكن بعثة الرسول ليس المقصد منها المنازعات بل هي دعوة للنظر في الأدلة.

وإذ قد كان خلق الله العوالم وغيرها معلوماً لدى المشركين ولكنّ الإقبال على عبادة الأصنام يذهلهم عن تذكره كانوا غير محتاجين لأكثر من التذكير بذلك وبالتنبيه إلى ما قد يخفى من دقائق التكوين كقوله آنفاً ﴿ بغير عَمد ﴾ [الرعد: 2] وقوله: ﴿ وفي الأرض قِطع متجاورات ﴾ [الرعد: 4] الخ؛ صيغ الإخبار عن الخلق في آية: ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ [الرعد: 2] الخ بطريقة الموصول للعلم بثبوت مضمون الصلة للمخبر عنه.

وجيء في تلك الصلة بفعل المضي فقال: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ [الرعد: 2].

وذُكر من معلومات الله ما لا نزاع في أنه لا يعلمه أحد من الخلق يومئذٍ ولا تستشار فيه آلهتهم على وجه المثال بإثبات الجُزئي لإثبات الكلّي، فما تحمل كل أنثى هي أجنة الإنسان والحيوان.

ولذلك جيء بفعل الحمل دون الحَبْل لاختصاص الحبل بحمل المرأة.

وما} موصولة، وعمومها يقتضي علم الله بحال الحل الموجود من ذكورة وأنوثة، وتمام ونقص، وحسن وقبح، وطول وقصر، ولون.

وتغيض: تنقص، والظاهر أنه كناية عن العلوق لأن غيض الرحم انحباس دم الحيض عنها، وازديادها: فيضان الحيض منها.

ويجوز أن يكون الغيض مستعاراً لعدم التعدد.

والازدياد: التعدد أي ما يكون في الأرحام من جنين واحد أو عدة أجنة وذلك في الإنسان والحيوان.

وجملة ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ معطوفة على جملة ﴿ يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ .

فالمراد بالشيء الشيء من المعلومات.

و ﴿ عنده ﴾ يجوز أن يكون خبراً عن ﴿ وكل شيء ﴾ و ﴿ بمقدار ﴾ في موضع الحال من ﴿ وكل شيء ﴾ .

ويجوز أن يكون ﴿ بمقدار ﴾ في موضع الحال من مقدار ويكون ﴿ بمقدار ﴾ خبراً عن ﴿ كل شيء ﴾ .

والمقدار: مصدر ميمي بقرينة الباء، أي بتقدير، ومعناه: التحديد والضبط.

والمعنى أنه يعلم كلّ شيء علماً مفصّلاً لا شيوع فيه ولا إبهام.

وفي هذا ردّ على الفلاسفة غير المسلمين القائلين أنّ واجب الوجود يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات فراراً من تعلّق العلم بالحوادث.

وقد أبطل مذهبهم علماءُ الكلام بما ليس فوقه مرام.

وهذه قضية كلية أثبتت عموم علمه تعالى بعد أن وقع إثبات العموم بطريقة التمثيل بعلمه بالجزئيات الخفية في قوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ .

وجملة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ تذييل وفذلكة لتعميم العلم بالخفيات والظواهر وهما قسما الموجودات.

وقد تقدم ذكر ﴿ الغيب ﴾ في صدر سورة البقرة (4).

وأما الشهادة } فهي هنا مصدر بمعنى المفعول، أي الأشياء المشهودة، وهي الظاهرة المحسوسة، المرئيات وغيرها من المحسوسات، فالمقصود من ﴿ الغيب والشهادة ﴾ تعميم الموجودات كقوله: ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ [الحاقة: 38 39].

والكبير: مجاز في العظمة، إذ قد شاع استعمال أسماء الكثرة وألفاظ الكبر في العظمة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس وشاع ذلك حتى صار كالحقيقة.

والمتعالي: المترفع.

وصيغت الصفة بصيغة التفاعل للدلالة على أن العلو صفة ذاتية له لا من غيره، أي الرفيع رفعة واجبة له عقلاً.

والمراد بالرفعة هنا المجاز عن العزة التامة بحيث لا يستطيع موجود أن يغلبه أو يكرهه، أو المنزه عن النقائص كقوله عزّ وجلّ تعالى ﴿ عما يشركون ﴾ [النحل: 3].

وحذف الياء من المتعال } لمرعاة الفواصل الساكنة لأن الأفصح في المنقوص غير المُنوّن إثبات الياء في الوقف إلاّ إذا وقعت في القافية أو في الفواصل كما في هذه الآية لمراعاة ﴿ من وال ﴾ [الرعد: 11]، و ﴿ الآصال ﴾ [الرعد: 15].

وقد ذكر سيبويه أن ما يختار إثباته من الياءات والواوات يحذف في الفواصل والقوافي، والإثبات أقيس والحذف عربي كثير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ يَعْلَمُ أذَكَرٌ هو أمْ أُنْثى.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: يَعْلَمُ أصالِحٌ هو أمْ طالِحٌ.

﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِالسَّقْطِ النّاقِصِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِالوَلَدِ التّامِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِالوَضْعِ لِأقَلِّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِالوَضْعِ لِأكْثَرِ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: وضَعَتْنِي أُمِّي وقَدْ حَمَلَتْنِي في بَطْنِها سَنَتَيْنِ ووَلَدَتْنِي وقَدْ خَرَجَتْ سِنِّي.

الثّالِثُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِانْقِطاعِ الحَيْضِ في الحَمْلِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِدَمِ النِّفاسِ بَعْدَ الوَضْعِ.

قالَ مَكْحُولٌ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى دَمَ الحَيْضِ غِذاءً لِلْحَمْلِ.

الرّابِعُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِظُهُورِ الحَيْضِ مِن أيّامٍ عَلى الحَمْلِ، وفي ذَلِكَ نَقْصٌ في الوَلَدِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ في مُقابَلَةِ أيّامِ الحَيْضِ مِن أيّامِ الحَمْلِ، لِأنَّها كُلَّما حاضَتْ عَلى حَمْلِها يَوْمًا ازْدادَتْ في طُهْرِها يَوْمًا حَتّى يَسْتَكْمِلَ حَمْلُها تِسْعَةَ أشْهُرٍ طُهْرًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.

الخامِسُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ مَن ولَدَتْهُ قَبْلُ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الرِّزْقِ والأجَلِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فِيما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ بِمِقْدارِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ قال: يعلم ذكر هو أو أنثى ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: هي المرأة ترى الدم في حملها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال خروج الدم ﴿ وما تزداد ﴾ قال: استمساكه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: أن ترى الدم في حملها ﴿ وما تزداد ﴾ قال: في التسعة أشهر.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ قال: ما تزداد على التسعة، وما تنقص من التسعة.

قال الضحاك- رضي الله عنه-: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني قد خرجت ثنيتي.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: ما دون تسعة أشهر، وما تزداد فوق التسعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ﴾ يعني السقط ﴿ وما تزداد ﴾ يقول: ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص.

فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه قال: ما دون التسعة أشهر فهو غيض، وما فوقها فهو زيادة.

وأخرج ابن جرير عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين، قدرٌ ما يتحول فلكة مغْزَل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: ما غاضت الرحم بالدم يوماً، إلا زاد في الحمل يوماً حتى تستكمل تسعة أشهر طاهراً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: السقط.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: إذا رأت الدم، هش الولد.

وإذا لم تر الدم، عظم الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول رضي الله عنه قال: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهل.

واستهلاله استنكار لمكانه، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثدي أمه، حتى لا يطلب ولا يغتم ولا يحزن، ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا بلغ قال: أنى لي بالرزق، يا ويحك، غَذَّاكَ وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: أنى لي بالرزق؟!

ثم قرأ مكحول رضي الله عنه ﴿ يعلم ما تحمل كل أنثى....

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ أي بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلاً معلوماً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ قال ابن عباس (١) وقوله تعالى: ﴿ الْكَبِيرُ ﴾ هو بمعنى العظيم والجليل، ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، وهو أكبر من كل كبير؛ لأن كل كبير يصغر بالإضافة إليه.

وقوله تعالى: ﴿ الْمُتَعَالِ ﴾ قال الحسن (٢) قال الأزهري (٣) (٤) (٥) (٦) فأما من حذف في الوصل والوقف، فإن سيبويه زعم أن من العرب من يحذف هذا في الوقف، يشبهه بما ليس فيه ألف ولام، إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين، لو لم يكن فيه ألف ولام، وهذا في الوقف، وأما في الوصل فكان القياس أن لا تحذف؛ لأنه يوجب (٧) (١) القرطبي 9/ 289.

(٢) "زاد المسير" 4/ 309 والقرطبي 9/ 289، و"تفسير الحسن" 2/ 51.

(٣) "تهذيب اللغة" (على) 5/ 3091.

(٤) من هنا نقل عن "الحجة" 5/ 13، 14 بتصرف إلى نهاية النص.

(٥) "الكتاب" 2/ 288، باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف وهي الياءات.

(٦) كذا في جميع النسخ، ولعلها الياء كما في "الحجة" 5/ 13، وإن قصد لام الكلمة صح المعنى.

(٧) كذا في النسخ ولا يستقيم المعنى إلا أن تقدر (لم) فيكون السياق؛ لأنه لم يوجب حذفه شيء.

كما هو معنى ما في "الحجة" 5/ 14.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ كقوله: يعلم ما في الأرحام، وهي من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، ويعني يعلم هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو خداج، أو حسن أو قبيح، أو غير ذلك ﴿ وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ﴾ معنى تغيض تنقص، ومعنى تزداد من الزيادة، وقيل: إن الإشارة بدم الحيض فإنه يقل ويكبر وقيل: للولد فالغيض السقط، أو الولادة لأقل من تسعة أشهر، والزيادة إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر، ويحتمل أن تكون ما في قوله: ما تحمل وما تغيض وما تزداد: موصولة أو مصدرية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

الاستفعال يكون على وجهين: يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ قيل: أجيب لكم، وقوله  : ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي  ﴾ أي: ليجيبوا لي، وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ فإن كان على طلب الفعل؛ فهو ما سألوا [رسول الله العذاب] كقوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ  ﴾ وقولهم: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...

﴾ الآية [الأنفال: 32] فبدءوا بسؤالهم [الهلاك قبل سؤالهم] تأخير العذاب وإمهاله، [وتأخير العذاب عندهم وإمهاله] من الحسنة؛ فاستعجلوا بهذا قبل هذا.

وإن كان الفعل نفسه.

فقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ أي: عجلوك - يا محمد - بالسيئة إليك، قبل أن تكون منهم إليك حسنة؛ حيث كذبوك في الرسالة، وآذوك في نفسك، ولم يكن منهم إليك إحسان من قبل والله أعلم بذلك.

وقيل: ﴿ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : العذاب؛ على ما ذكرنا.

﴿ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

أي: قبل العفو، وسؤالهم السيئة والعذاب بجهل منهم أنه رسول وأنه صادق؛ [لأنهم لو علموا أنه رسول، وأنه صادق] فيما يخبر ويوعد من العذاب، كانوا لا يسألون؛ لأنهم يعلمون أن الله يقدر على أن ينزل عليهم العذاب، لكن سألوا ذلك؛ بجهلهم بأنه رسول سؤال استهزاء وسخرية.

فإن كان على هذا سؤالهم - كان فيه دلالة أن العقوبة والعذاب؛ قد يلزم من جهل الأمر؛ إذا كان بسبيل العلم به والنظر والتفكر فيه، وهؤلاء جهلوا أنه رسول الله؛ لتركهم النظر والتفكر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ ﴾ .

قال بعضهم: العقوبات؛ أي: قد كان في الأمم الخالية العقوبات؛ بسؤالهم العذاب والمعاندة في الآيات إذا جاءت؛ كأنه - والله أعلم - يصبر رسوله على سفه قومه؛ لسؤالهم العذاب والآيات ثم المعاندة فيها، يقول: كان في الأمم الماضية من سؤال العذاب والآيات ثم المعاندة من بعد نزولها؛ فنزلت لهم العقوبات؛ فعلى ذلك هؤلاء.

وقال بعضهم: المثلات: الأمثال والأشباه.

وكذلك ذكر في حرف حفصة (وقد خلت من قبلهم الأمثال) وتأويله - والله أعلم - أي: فقد خلت من [قبلهم الأمثال]؛ ما لو اعتبروا بها كان مثلا لهم، ولكن لا يعتبرون؛ فيمنعهم عن أمثال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ أي: لذو ستر على ظلمهم؛ وتأخير العذاب إلى وقت؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: لذو مغفرة [للناس على ظلمهم إذا تابوا، وماتوا عليها، أو يكون قوله ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمؤمنين على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب] لمن لم يتب، ومات على الظلم والشرك.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ للكفار؛ وعلى التأويل الأول: وإن ربك لشديد العقاب؛ إذا عاقب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فيحتمل سؤالهم الآية ﴿ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ عين تلك الآيات التي أتت بها الرسل الأولون، وليس عليه أن يأتي بعين تلك الآية؛ إنما عليه أن يأتي بآية تخرج عن عرفهم وطباعهم، والرسل جميعاً لم يأتوا بآية واحدة؛ إنما جاءوا بآيات مختلفات، كلٌّ جاء بآية سوى ما جاء بها الآخر؛ فقال له: ليس عليك ذلك إنما أنت منذر.

أو سألوا آيات سؤال الاعتناد لدى هلاكهم، [على ما فعل الأولون؛ فقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ قد عفا هذه الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم] وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات معاندين؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات؛ على إثبات رسالته وإظهارها؛ ما كفتهم، لكنهم يعاندون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : لا تملك إتيان الآيات، ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وقال: ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ الآية [الأنعام: 58].

أو يقول: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها؛ ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ .

أي: داع يدعو إلى توحيد الله ودينه؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ يحتمل: لكل وقت هادٍ.

ثم اختلفوا أنه: مَنْ ذلك الداعي؟

قال بعضهم: الله، وقال بعضهم: نبي من الأنبياء، وقال بعضهم: داع؛ دليل سوى النبي.

وقالت الباطنية: هو إمام يكون معصوماً مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق؛ ولكن عندنا معصوماً [أو لم يكن معصوماً] فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ؛ ويعرف ذلك منه إذا زاغ؛ وضل عن الحق.

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ أي: داع وهو كما قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لأنه سبحانه عالم كل ما غاب عن حواس خلقه، وعالم كل ما تدركه حواسهم، العظيم في صفاته وأسمائه وأفعاله، المستعلي على كل مخلوق من مخلوقاته بذاته وصفاته.

<div class="verse-tafsir" id="91.OwjEX"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله