الآية ٨ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٨ من سورة الرعد

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 112 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء ، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات ، كما قال تعالى : ( ويعلم ما في الأرحام ) [ لقمان : 34 ] أي : ما حملت من ذكر أو أنثى ، أو حسن أو قبيح ، أو شقي أو سعيد ، أو طويل العمر أو قصيره ، كما قال تعالى : ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) [ النجم : 32 ] .

وقال تعالى : ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ) [ الزمر : 6 ] أي : خلقكم طورا من بعد طور ، كما قال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) [ المؤمنون : 12 - 14 ] وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه ، وعمره ، وعمله ، وشقي أو سعيد " .

وفي الحديث الآخر : " فيقول الملك : أي رب ، أذكر أم أنثى ؟

أي رب ، أشقي أم سعيد ؟

فما الرزق ؟

فما الأجل ؟

فيقول الله ويكتب الملك " .

وقوله : ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثنا معن ، حدثنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وما تغيض الأرحام ) يعني : السقط ( وما تزداد ) يقول : ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما .

وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهن من تزيد في الحمل ، ومنهن من تنقص ، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى ، وكل ذلك بعلمه تعالى .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) قال : ما نقصت من تسعة وما زاد عليها .

وقال الضحاك : وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين ، وولدتني وقد نبتت ثنيتي .

وقال ابن جريج ، عن جميلة بنت سعد ، عن عائشة قالت : لا يكون الحمل أكثر من سنتين ، قدر ما يتحرك ظل مغزل .

وقال مجاهد : ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) قال : ما ترى من الدم في حملها ، وما تزداد على تسعة أشهر .

وبه قال عطية العوفي وقتادة ، والحسن البصري ، والضحاك .

وقال مجاهد أيضا : إذا رأت المرأة الدم دون التسعة زاد على التسعة ، مثل أيام الحيض .

وقاله عكرمة ، وسعيد بن جبير ، وابن زيد .

وقال مجاهد أيضا : ( وما تغيض الأرحام ) إراقة المرأة حتى يخس الولد ( وما تزداد ) إن لم تهرق المرأة تم الولد وعظم .

وقال مكحول : الجنين في بطن أمه لا يطلب ، ولا يحزن ولا يغتم ، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها فمن ثم لا تحيض الحامل .

فإذا وقع إلى الأرض استهل ، واستهلاله استنكار لمكانه ، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم ، ثم يصير طفلا يتناول الشيء بكفه فيأكله ، فإذا هو بلغ قال : هو الموت أو القتل ، أنى لي بالرزق ؟

فيقول مكحول : يا ويلك !

غذاك وأنت في بطن أمك ، وأنت طفل صغير ، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت : هو الموت أو القتل ، أنى لي بالرزق ؟

ثم قرأ مكحول : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار ) وقال قتادة : ( وكل شيء عنده بمقدار ) أي : بأجل ، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم ، وجعل لذلك أجلا معلوما .

وفي الحديث الصحيح : أن إحدى بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثت إليه : أن ابنا لها في الموت ، وأنها تحب أن يحضره .

فبعث إليها يقول : " إن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى ، فمروها فلتصبر ولتحتسب " الحديث بتمامه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ منكرين قدرة الله على إعادتهم خلقًا جديدًا بعد فنائهم وبلائهم, ولا ينكرون قدرته على ابتدائهم وتصويرهم في الأرحام، وتدبيرهم وتصريفهم فيها حالا بعد حال فابتدأ الخبر عن ذلك ابتداءً, والمعنى فيه ما وصفت, (13) فقال جل ثناؤه: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد) ، يقول: وما تنقص الأرحام من حملها في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض (14) (وما تزداد) في حملها على الأشهر التسعة لتمام ما نقص من الحمل في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض( وكل شيء عنده بمقدار) لا يجاوز شيء من قَدَره عن تقديره, ولا يقصر أمر أراده فَدَبَره عن تدبيره, كما لا يزداد حمل أنثى على ما قُدِّرَ له من الحمل, ولا يُقصِّر عما حُدّ له من القدر.

* * * و " المقدار ", مِفْعال من " القدر " .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك: 20163- حدثني يعقوب بن ماهان قال: حدثنا القاسم بن مالك, عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: (يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ، قال: ما رأت المرأة من يوم دمًا على حملها زاد في الحمل يومًا .

(15) 20164- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ، يعني السِّقْط(وما تزداد) ، يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا.

وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر, ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص.

فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله, وكل ذلك بعلمه .

20165- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا عبد السلام قال: حدثنا خصيف, عن مجاهد أو سعيد بن جبير في قول الله: (وما تغيض الأرحام) قال: غَيْضُها، دون التسعة والزيادة فوق التسعة .

20166- حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر, عن مجاهد, أنه قال: " الغيض "، ما رأت الحامل من الدم في حملها فهو نقصان من الولد, و " الزيادة " ما زاد على التسعة أشهر, فهو تمام للنقصان وهو زيادة .

20167- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن مجاهد, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: ما ترى من الدم, وما تزداد على تسعة أشهر .

20168- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن مجاهد, أنه قال: (يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد) ، قال: ما زاد على التسعة الأشهر(وما تغيض الأرحام) ، قال: الدم تراه المرأة في حملها .

20169- حدثني المثنى حدثنا عمرو بن عون، والحجاج بن المنهال قالا حدثنا هشيم, عن أبي بشر, عن مجاهد, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: الغيض: الحامل ترى الدم في حملها فهو " الغيض ", وهو نقصانٌ من الولد.

وما زاد على تسعة أشهر فهو تمام لذلك النقصان, وهي الزيادة .

20170- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عبد السلام, عن خصيف, عن مجاهد: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: إذا رأت دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض .

20171- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وما تغيض الأرحام) قال: خروج الدم(وما تزداد) قال: استمساك الدم .

20172- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وما تغيض الأرحام) إراقة المرأة حتى يخِسّ الولد(وما تزداد) قال: إن لم تُهْرِق المرأةُ تَمَّ الولد وعَظُم .

20173- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة, عن جعفر, عن مجاهد, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: المرأة ترى الدم، وتحمل أكثر من تسعة أشهر .

20174- حدثنا الحسن قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير, في قوله: (وما تغيض الأرحام) ، قال: هي المرأة ترى الدم في حملها .

20175- ......

قال: حدثنا شبابة, قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) إهراقُ الدم حتى يخسّ الولد و " تزداد " إن لم تهرق المرأة تَمَّ الولد وعَظُم .

20176- ......

قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا هقل, عن عثمان بن الأسود قال: قلت لمجاهد: امرأتي رأت دمًا, وأرجو أن تكون حاملا!

قال أبو جعفر: هكذا هو في الكتاب (16) فقال مجاهد: ذاك غيضُ الأرحام: (يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار)، الولد لا يزال يقع في النقصان ما رأت الدَّم, فإذا انقطعَ الدم وقع في الزيادة, فلا يزال حتى يتمّ, فذلك قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار) .

(17) 20177- ......

قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر, عن مجاهد, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) ، قال: " الغيض ": الحامل ترى الدم في حملها, وهو " الغيض " وهو نقصان من الولد.

فما زادت على التسعة الأشهر فهي الزيادة, وهو تمامٌ للولادة .

20178- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا داود, عن عكرمة في هذه الآية: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ، قال: كلما غاضت بالدم، زاد ذلك في الحمل .

20179- ......

قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود, عن عكرمة نحوه.

20180- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عباد بن العوّام, عن عاصم, عن عكرمة: (وما تغيض الأرحام) قال: غيض الرحم: الدم على الحمل كلما غاض الرحم من الدم يومًا زاد في الحمل يومًا حتى تستكمل وهي طاهرةٌ .

20181- ......

قال: حدثنا عباد, عن سعيد, عن يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير, مثله .

20182- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا الوليد بن صالح قال: حدثنا أبو يزيد, عن عاصم, عن عكرمة في هذه الآية: (وما تغيض الأرحام) ، قال: هو الحيض على الحمل(وما تزداد) قال: فلها بكل يوم حاضت على حملها يوم تزداده في طهرها حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرًا .

20183- ......

قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمران بن حدير, عن عكرمة في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: ما رأت الدم في حملها زاد في حملها .

20184- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال: أخبرنا إسحاق, عن جويبر, عن الضحاك, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) ما " تغيض ": أقل من تسعة وما تزداد: أكثر من تسعة .

20185- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى قال: سمعت الضحاك يقول: قد يولد المولود لسنتين.

قد كان الضحاك وُلد لسنتين, و " الغيض ": ما دون التسعة(وما تزداد) فوق تسعة أشهر .

20186- ......

قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن جويبر, عن الضحاك: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: دون التسعة, وما تزداد: قال: فوق التسعة .

20187- ......

قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن جويبر, عن الضَّحاك قال: ولدت لسنتين .

20188- حدثني المثنى قال: حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى قال: حدثنا الضحاك: أن أمه حملته سنتين.

قال: (وما تغيض الأرحام) قال: ما تنقص من التسعة(وما تزداد) قال: ما فوق التسعة .

(18) 20189- ...

قال: حدثنا عمرو بن عون ; قال: أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ، قال: كل أنثى من خلق الله .

20190- ...

قال: حدثنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك ومنصور، عن الحسن قالا " الغيض " ما دون التسعة الأشهر .

20191- ...

قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن داود بن عبد الرحمن, عن ابن جريج, عن جميلة بنت سعد, عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين, قدر ما يتحوَّل ظِلُّ مِغْزَل .

20192- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية العوفي: (وما تغيض الأرحام) قال: هو الحمل لتسعة أشهر وما دون التسعة(وما تزداد) قال: على التسعة .

20193-...

قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه, عن سعيد بن جبير: (وما تغيض الأرحام) قال: حيضُ المرأة على ولدها .

20194- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) .

قال: " الغيض "، السَّقْط(وما تزداد)، فوق التسعة الأشهر .

20195- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن سعيد بن جبير: إذا رأت المرأة الدمَ على الحمل, فهو " الغيض " للولد .

يقول: نقصانٌ في غذاء الولد, وهو زيادة في الحمل .

20196- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: كان الحسن يقول: " الغيضوضة "، (19) أن تضع المرأة لستة أشهر أو لسبعة أشهر, أو لما دون الحدّ قال قتادة: وأما الزيادة, فما زاد على تسعة أشهر .

20197- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا قيس, عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جبير قال: غيض الرحم: أن ترى الدم على حملها.

فكل شيء رأت فيه الدم على حملها، ازدادت على حملها مثل ذلك .

20198- ....قال حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن قيس بن سعد, عن مجاهد قال: إذا رأت الحاملُ الدمَ كان أعظمَ للولد .

20199- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) ،" الغيض ": النقصان من الأجل," والزيادة ": ما زاد على الأجل.

وذلك أن النساء لا يلدن لعدّةٍ واحدة, يولد المولود لستة أشهر فيعيش, ويولد لسنتين فيعيش, وفيما بين ذلك .

قال: وسمعت الضحاك يقول: ولدت لسنتين, وقد نبتت ثناياي .

20200- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وما تغيض الأرحام) قال: غيض الأرحام: الإهراقة التي تأخذ النساء على الحمل, وإذا جاءت تلك الإهراقة لم يعتدَّ بها من الحمل، ونقص ذلك حملها حتى يرتفع ذلك.

وإذا ارتفع استقبلت عِدّةً مستقبلةً تسعة أشهر.

وأما ما دامت ترى الدم، فإن الأرحام تغيض وتنقص، والولد يرقّ.

فإذا ارتفع ذلك الدم رَبَا الولد واعتدّت حين يرتفع عنها ذلك الدم عدّة الحمل تسعة أشهر, وما كان قبله فلا تعتدُّ به، هو هِرَاقةٌ، يبطل ذلك أجمع أكتع .

* * * وقوله: (وكل شيء عنده بمقدار) .

20201- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وكل شيء عنده بمقدار) إي والله, لقد حفظ عليهم رزقهم وآجالهم, وجعل لهم أجلا معلومًا .

-------------------------- الهوامش : (13) في المطبوعة والمخطوطة :" ما وصف" ، والصواب ما أثبت .

(14) انظر تفسير" الغيض" فيما سلف 15 : 334 ، وما بعدها .

(15) الأثر : 20163 -" يعقوب بن ماهان البغدادي" ، ثقة ، مضى برقم : 4901 ، 10339 ، 19908 .

و" القاسم بن مالك المزني" ، ثقة من شيوخ أحمد ، مضى برقم : 10339 .

(16) موضع الإشكال الذي شكك فيه أبو جعفر أن عثمان بن الأسود قال :" امرأتي رأت الدم" ، وذلك يعني الطمث ، وهي إذا رأت الدم لم تكن حاملا .

ثم قال :" وأرجو أن تكون حاملا" ، يوهم أنه من جل رؤية الدم ، رجا أن تكون حاملا .

ولكني أخالف أبا جعفر ، وأجعل" أرجو" بمعنى التحقيق لا بمعنى الرجاء ، كأنه قال :" امرأتي رأت الدم وهي حامل" ، وهم يضعون" أرجو" بهذا المكان من التحقيق في كثير من كلامهم .

هذا ، وبعض النساء ترى الدم وهي حامل في ميقات طمثها ، هكذا أخبرني النساء .

(17) الأثر : 20176 -" الحكم بن موسى بن أبي زهير البغدادي" ، ثقة ، روى عنه البخاري تعليقًا ومسلم .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 342 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 128 و" هقل" هو :" الهقل بن زياد بن عبد الله الدمشقي" ، كاتب الأوزاعي ، و" هقل" لقب ، قيل اسمه :" محمد" ، وقيل :" عبد الله" ، ثقة الثقات ، من أعلى أصحاب الأوزاعي .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 248 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 122 .

و" عثمان بن الأسود بن موسى المكي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .

(18) الآثار : 20185 ، 20187 ، 20188 -" الضحاك بن مزاحم" ، صاحب التفسير ، مضى مرارًا لا تحصى ، ولكن يزاد هنا هذا الخبر في ترجمته أنه قال عن نفسه أنه ولد لسنتين .

ثم انظر رقم : 20199 ، أنه ولد وقد نبتت ثناياه .

(19) " الغيضوضة" ، مصدر" غاض" ، لم تذكره كتب اللغة ، وهو حقيق أن يثبت فيها ، لأنه من كلام الحسن البصري ، وناهيك به فصيحًا وحجة في العربية .

(20) انظر تفسير" الغيب والشهادة" فيما سلف 11 : 464 ، 465 .

(21) انظر تفسير" الكبير" فيما سلف 8 : 318 .

(22) وانظر تفسير" التعالي" فيما سلف 15 : 47 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدارفيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى أي من ذكر وأنثى ، صبيح وقبيح ، صالح وطالح ; وقد تقدم في سورة " الأنعام " أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب وحده لا شريك [ ص: 250 ] له ; وذكرنا هناك حديث البخاري عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : مفاتيح الغيب خمس الحديث .

وفيه لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله .واختلف العلماء في تأويل قوله : وما تغيض الأرحام وما تزداد فقال قتادة : المعنى ما تسقط قبل التسعة الأشهر ، وما تزداد فوق التسعة ; وكذلك قال ابن عباس .

وقال مجاهد : إذا حاضت المرأة في حملها كان ذلك نقصانا في ولدها ; فإن زادت على التسعة كان تماما لما نقص ; وعنه : الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم ، والزيادة ما تزداد منه .

وقيل : الغيض والزيادة .

يرجعان إلى الولد ، كنقصان إصبع أو غيرها ، وزيادة إصبع أو غيرها .

وقيل : الغيض انقطاع دم الحيض .

" وما تزداد " بدم النفاس بعد الوضع .الثانية : في هذه الآية دليل على أن الحامل تحيض ; وهو مذهب مالك والشافعي في أحد قوليه .

وقال عطاء والشعبي وغيرهما : لا تحيض ; وبه قال أبو حنيفة ; ودليله الآية .

قال ابن عباس في تأويلها : إنه حيض الحبالى ، وكذلك روي عن عكرمة ومجاهد ; وهو قول عائشة ، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة ; والصحابة إذ ذاك متوافرون ، ولم ينكر منهم أحد عليها ، فصار كالإجماع ; قاله ابن القصار .

وذكر أن رجلين ، تنازعا ولدا ، فترافعا إلى عمر - رضي الله عنه - فعرضه على القافة ، فألحقه القافة بهما ، فعلاه عمر بالدرة ، وسأل نسوة من قريش فقال : انظرن ما شأن هذا الولد ؟

فقلن : إن الأول خلا بها وخلاها ، فحاضت على الحمل ، فظنت أن عدتها انقضت ; فدخل بها الثاني ، فانتعش الولد بماء الثاني ; فقال عمر : الله أكبر !

وألحقه بالأول ، ولم يقل إن الحامل لا تحيض ، ولا قال ذلك أحد من الصحابة ; فدل أنه إجماع ، والله أعلم .

واحتج المخالف بأن قال لو كانت الحامل تحيض ، وكان ما تراه المرأة من الدم حيضا لما صح استبراء الأمة بحيض ; وهو إجماع وروي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض .الثالثة : في هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر ، وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر ، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر .الرابعة : وهذه الستة الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة ; ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك ، وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها ; حكاه ابن عطية .[ ص: 251 ] الخامسة : واختلف العلماء في أكثر الحمل ; فروى ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت : يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحول ظل المغزل ; ذكره الدارقطني .

وقالت جميلة بنت سعد - أخت عبيد بن سعد ، وعن الليث بن سعد - إن أكثره ثلاث سنين .

وعن الشافعي أربع سنين ; وروي عن مالك في إحدى روايتيه ، والمشهور عنه خمس سنين ; وروي عنه لا حد له ، ولو زاد على العشرة الأعوام ; وهي الرواية الثالثة عنه .

وعن الزهري ست وسبع .

قال أبو عمر : ومن الصحابة من يجعله إلى سبع ; والشافعي : مدة الغاية منها أربع سنين .

والكوفيون يقولون : سنتان لا غير .

ومحمد بن عبد الحكم يقول : سنة لا أكثر .

وداود يقول : تسعة أشهر ، لا يكون عنده حمل أكثر منها .

قال أبو عمر : وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد ، والرد إلى ما عرف من أمر النساء وبالله التوفيق .

روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال : قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة أنها قالت : لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل ، فقال : سبحان الله !

من يقول هذا ؟

!

هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان ، تحمل وتضع في أربع سنين ، امرأة صدق ، وزوجها رجل صدق ; حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة ، تحمل كل بطن أربع سنين .

وذكره عن المبارك بن مجاهد قال : مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين ، وكانت تسمى حاملة الفيل .

وروى أيضا قال : بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال : يا أبا يحيى !

ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد ; فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال : ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء !

ثم قرأ ، ثم دعا ، ثم قال : اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة ، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب ، ورفع مالك يده ، ورفع الناس أيديهم ، وجاء الرسول إلى الرجل فقال : أدرك امرأتك ، فذهب الرجل ، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ، ابن أربع سنين ، قد استوت أسنانه ، ما قطعت سراره ; وروي أيضا أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين !

إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى ; فشاور عمر الناس في رجمها ، فقال معاذ بن جبل : يا أمير المؤمنين !

إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل ; فاتركها حتى تضع ، فتركها ، فوضعت غلاما قد خرجت ثنيتاه ; فعرف الرجل الشبه فقال : ابني ورب الكعبة !

; فقال [ ص: 252 ] عمر : عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ ; لولا معاذ لهلك عمر .

وقال الضحاك : وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين ، فولدتني وقد خرجت سني .

ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتين ، وقيل : ثلاث سنين .

ويقال : إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين ، فماتت به وهو يضطرب اضطرابا شديدا ، فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه .

وقال حماد بن سلمة : إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين .

وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين ، وقد طلعت سنه فسمي ضحاكا .

وقال عباد بن العوام : ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاما شعره إلى منكبيه ، فمر به طير فقال : كش .السادسة : قال ابن خويز منداد : أقل الحيض والنفاس وأكثره وأقل الحمل وأكثره مأخوذ من طريق الاجتهاد ; لأن علم ذلك استأثر الله به ، فلا يجوز أن يحكم في شيء منه إلا بقدر ما أظهره لنا ، ووجد ظاهرا في النساء نادرا أو معتادا ; ولما وجدنا امرأة قد حملت أربع سنين وخمس سنين حكمنا بذلك ، والنفاس والحيض لما لم نجد فيه أمرا مستقرأ رجعنا فيه إلى ما يوجد في النادر منهن .السابعة : قال ابن العربي : نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر الحمل تسعة أشهر ; وهذا ما لم ينطق به قط إلا مالكي ، وهم الطبائعيون الذين يزعمون أن مدبر الحمل في الرحم الكواكب السبعة ; تأخذه شهرا شهرا ، ويكون الشهر الرابع منها للشمس ; ولذلك يتحرك ويضطرب ، وإذا تكامل التداول في السبعة الأشهر بين الكواكب السبعة عاد في الشهر الثامن إلى زحل ، فيبقله ببرده ; فيا ليتني تمكنت من مناظرتهم أو مقاتلتهم !

ما بال المرجع بعد تمام الدور يكون إلى زحل دون غيره ؟

الله أخبركم بهذا أم على الله تفترون ؟

!

وإذا جاز أن يعود إلى اثنين منها لم لا يجوز أن يعود التدبير إلى ثلاث أو أربع ، أو يعود إلى جميعها مرتين أو ثلاثا ؟

!

ما هذا التحكم بالظنون الباطلة على الأمور الباطنة !

.الثامنة : قوله تعالى : وكل شيء عنده بمقدار يعني من النقصان والزيادة .

ويقال : بمقدار قدر خروج الولد من بطن أمه ، وقدر مكثه في بطنها إلى خروجه .

وقال قتادة : في الرزق والأجل .

والمقدار القدر ; وعموم الآية يتناول كل ذلك ، والله سبحانه أعلم .

[ ص: 253 ] قلت : هذه الآية تمدح الله سبحانه وتعالى بها بأنه عالم الغيب والشهادة

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى بعموم علمه وسعة اطلاعه وإحاطته بكل شيء فقال: { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى } من بني آدم وغيرهم، { وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ } أي: تنقص مما فيها إما أن يهلك الحمل أو يتضاءل أو يضمحل { وَمَا تَزْدَادُ } الأرحام وتكبر الأجنة التي فيها، { وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } لا يتقدم عليه ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى ) من ذكر أو أنثى ، سوي الخلق أو ناقص الخلق ، واحدا أو اثنين أو أكثر ( وما تغيض الأرحام ) أي ما تنقص ( وما تزداد ) .

قال أهل التفسير غيض الأرحام : الحيض على الحمل; فإذا حاضت الحامل كان نقصانا في الولد ، لأن دم الحيض غذاء الولد في الرحم ، فإذا أهرقت الدم ينقص الغذاء فينتقص الولد ، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتم ، فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم ، والزيادة تمام خلقته باستمساك الدم .

وقيل : إذا حاضت ينتقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر ظاهرا ، فإن رأت خمسة أيام دما وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام ، فالنقصان في الغذاء ، والزيادة في المدة .

وقال الحسن : غيضها : نقصانها من تسعة أشهر ، والزيادة زيادتها على تسعة أشهر .

وقيل النقصان : السقط ، والزيادة : تمام الخلق .

وأقل مدة الحمل : ستة أشهر ، فقد يولد المولود لهذه المدة ويعيش .

واختلفوا في أكثرها : فقال قوم : أكثرها سنتان ، وهو قول عائشة رضي الله عنها ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله .

وذهب جماعة إلى أن أكثرها أربع سنين ، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله ، قال حماد بن سلمة .

إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين .

( وكل شيء عنده بمقدار ) أي : بتقدير وحد لا يجاوزه ولا يقصر عنه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله يعلم ما تحمل كل أنثى» من ذكر وأنثى وواحد ومتعدد وغير ذلك «وما تغيض» تنقص «الأرحام» من مدة الحمل «وما تزداد» منه «وكل شيء عنده بمقدار» بقدر وحدٍّ لا يتجاوزه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله تعالى يعلم ما تحمل كلُّ أنثى في بطنها، أذكر هو أم أنثى؟

وشقي هو أم سعيد؟

ويعلم ما تنقصه الأرحام، فيسقط أو يولد قبل تسعة أشهر، وما يزيد حمله عليها.

وكل شيء مقدَّر عند الله بمقدار من النقصان أو الزيادة لا يتجاوزه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صور - سبحانه - سبعة علمه تصويراً عميقاً ، تقشعر منه الجلود ، وترتجف له المشاعر ، وساق سنة من سننه التى لا تتغيير ولا تتبدل ، فقال - تعالى - :( لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ .

.

.

) .قوله - سبحانه - ( الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ) كلام مستأنف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه - .( وتغيض ) من الغيض النقص .

يقال : غاض الماء إذا نقص .و ( ما ) موصولة والعائد محذوف .

أى : الله وحده هو الذى يعلم ما تحمله كل أنثى فى بطنها من علقة أو مضغة ومن ذكر أو أنثى .

.

.

وهو وحده - سبحانه - الذى يعلم ما يكون فى داخل الأرحام من نقص فى الخلقة أو زيادة فيها ، ومن نقص فى مدة الحمل أو زيادة فيها ، ومن نقص فى العدد أو زيادة فيه .

.

.قال ابن كثير : " قوله ( وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ) قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن المنذر .

حدثنا معن ، حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتيح الغيب خمس لا يعملها إلا الله : لا يعلم ما فى غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله ، ولا تدري نفس بأى أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " .وقال العوفى عن ابن عباس ( وَمَا تَغِيضُ الأرحام ) يعنى السقط ( وَمَا تَزْدَادُ ) .يقول : ما زادت الرحم فى الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما .

وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهم من تزيد فى الحمل ومنهن من تنقص .

فذلك الغيض والزيادة التى ذكر الله - تعالى - وكل ذلك بعلمه - سبحانه- .وقوله : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) أى : وكل شئ عنده - سبحانه - بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كما قال - تعالى - ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) وكما قال - تعالى - ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) فهو - سبحانه - يعلم كمية كل شئ وكيفيته وزمانه ومكانه وسائر أحواله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في وجه النظم وجوه، الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم أنهم هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد وطلب البيان أو لأجل التعنت والعناد، وهل ينتفعون بظهور تلك الآيات، أو يزداد إصرارهم واستكبارهم، فلو علم تعالى أنهم طلبوا ذلك لأجل الاسترشاد وطلب البيان ومزيد الفائدة، لأظهره الله تعالى وما منعهم عنه، لكنه تعالى لما علم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لأجل محض العناد لا جرم أنه تعالى منعهم عن ذلك وهو كقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ فانتظروا  ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله  ﴾ والثاني: أن وجه النظم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ  ﴾ في إنكار البعث وذلك لأنهم أنكروا البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات عند تفرقها وتفتتها يختلط بعضها ببعض ولا يبقى الامتياز فبين تعالى أنه إنما لا يبقى الامتياز في حق من لا يكون عالماً بجميع المعلومات، أما في حق من كان عالماً بجميع المعلومات، فإنه يبقى تلك الأجزاء بحيث يمتاز بعضها عن البعض، ثم احتج على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات بأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام.

الثالث: أن هذا متصل بقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة  ﴾ والمعنى: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فهو تعالى إنما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه فيه مصلحة، والله أعلم.

المسألة الثانية: لفظ ما في قوله: ﴿ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ﴾ إما أن تكون موصولة وإما أن تكون مصدرية، فإن كانت موصولة، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم أنثى وتام أو ناقص وحسن أو قبيح وطويل أو قصير وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة فيه.

ثم قال: ﴿ وَمَا تَغِيضُ الأرحام ﴾ والغيض هو النقصان سواء كان لازماً أو متعدياً يقال: غاض الماء وغضته أنا ومنه قوله تعالى: ﴿ وَغِيضَ الماء  ﴾ والمراد من الآية وما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الضمير الراجع وقوله: ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ أي تأخذه زيادة تقول: أخذت منه حقي وازددت منه كذا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وازدادوا تِسْعًا  ﴾ ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم وتزداده على وجوه: الأول: عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروي أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه.

الثاني: الولد قد يكون مخدجاً، وقد يكون تاماً.

الثالث: مدة ولادته قد تكون تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإلى أربعة عند الشافعي وإلى خمس عند مالك، وقيل: إن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرماً.

الرابع: الدم فإنه تارة يقل وتارة يكثر.

الخامس: ما ينقص بالسقط من غير أن يتم وما يزداد بالتمام.

السادس: ما ينقص بظهور دم الحيض، وذلك لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص.

وبمقدار حصول ذلك النقصان يزداد أيام الحمل لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النقصان قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما سال الحيض في وقت الحمل يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل به الجبر ويعتدل الأمر.

السابع: أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات فاضت وخرجت، وسالت من دواخل تلك العروق، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت تلك العروق مرة أخرى هذا كله إذا قلنا إن كلمة ما موصولة.

أما إذا قلنا: إنها مصدرية فالمعنى: أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ فمعناه: بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ  ﴾ وقوله في أول الفرقان: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً  ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ كُلّ شَيء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ومعناه: أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة.

ثم قال تعالى: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد علم ما غاب عن خلقه وما شهدوه.

قال الواحدي: فعلى هذا (الغيب) مصدر يريد به الغائب، (والشهادة) أراد بها الشاهد.

واختلفوا في المراد بالغائب والشاهد.

قال بعضهم: الغائب هو المعلوم، والشاهد هو الموجود، وقال آخرون: الغائب ما غاب عن الحس، والشاهد ما حضر، وقال آخرون: الغائب ما لا يعرفه الخلق، والشاهد ما يعرفه الخلق.

ونقول: المعلومات قسمان: المعلومات والموجودات، والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها ومنها معدومات لا يمتنع وجودها، والموجودات أيضاً قسمان: موجودات يمتنع عدمها، وموجودات لا يمتنع عدمها، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام وخواص، والكل معلوم لله تعالى، وحكى الشيخ الإمام الوالد عن أبي القاسم الأنصاري عن إمام الحرمين- رحمهم الله تعالى- أنه كان يقول لله تعالى معلومات لا نهاية لها، وله في كل واحد من تلك المعلومات، معلومات أخرى لا نهاية لها، لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل وموصوفاً بصفات لا نهاية لها على البدل، وهو تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل، وكل هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ .

ثم إنه تعالى ذكر عقيبه قوله: ﴿ الكبير ﴾ وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيراً بحسب الجثة والحجم والمقدار، فوجب أن يكون كبيراً بحسب القدرة والمقادير الإلهية ثم وصف تعالى نفسه بأنه المتعال وهو المتنزه عن كل ما لا يجوز عليه وذلك يدل على كونه منزهاً في ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الآية دالة على كونه تعالى موصوفاً بالعلم الكامل والقدرة التامة، ومنزهاً عن كل ما لا ينبغي، وذلك يدل على كونه تعالى قادراً على البعث الذي أنكروه وعلى الآيات التي اقترحوها وعلى العذاب الذي استعجلوه، وأنه إنما يؤخر ذلك بحسب المشيئة الإلهية عند قوم وبحسب المصلحة عند آخرين، وقرأ ابن كثير (المتعالي) بإثبات الياء في الوقف والوصل على الأصل.

والباقون بحذف الياء في الحالتين للتخفيف ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال: ﴿ سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باليل وَسَارِبٌ بالنهار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ (سواء) يطلب اثنين تقول سواء زيد وعمرو ثم فيه وجهان.

الأول: أن سواء مصدر والمعنى: ذو سواء كما تقول: عدل زيد وعمرو أي ذوا عدل.

الثاني: أن يكون سواء بمعنى مستو وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى الإضمار إلا أن سيبويه يستقبح أن يقول مستو زيد وعمرو لأن أسماء الفاعلين إذا كانت نكرات لا يبدأ بها.

ولقائل أن يقول: بل هذا الوجه أولى لأن حمل الكلام عليه يغني عن التزام الإضمار الذي هو خلاف الأصل.

المسألة الثانية: في المستخفي والسارب قولان: القول الأول: يقال: أخفيت الشيء أخفيه إخفاء فخفي واستخفى فلان من فلان أي توارى واستتر.

وقوله: ﴿ وَسَارِبٌ بالنهار ﴾ قال الفراء والزجاج: ظاهر بالنهار في سربه أي طريقه.

يقال: خلا له سربه، أي طريقه.

وقال الأزهري: تقول العرب سربت الإبل تسرب سرباً، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت، فإذا عرفت ذلك فمعنى الآية سواء كان الإنسان مستخفياً في الظلمات أو كان ظاهراً في الطرقات، فعلم الله تعالى محيط بالكل.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة.

وقال مجاهد: سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي، ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

والقول الثاني: نقله الواحدي عن الأخفش وقطرب أنه قال: المستخفي الظاهر والسارب المتواري ومنه يقال: خفيت الشيء وأخفيته أي أظهرته.

واختفيت الشيء استخرجته ويسمى النباش المستخفي والسارب المتواري ومنه يقال: للداخل سرباً، والسرب الوحش إذا دخل في السرب أي في كناسة.

قال الواحدي: وهذا الوجه صحيح في اللغة، إلا أن الاختيار هو الوجه الأول لاطباق أكثر المفسرين عليه، وأيضاً فالليل يدل على الاستتار، والنهار على الظهور والانتشار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله يَعْلَمُ ﴾ يحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً، وأن يكون المعنى: هو الله، تفسيراً لهاد على الوجه الأخير، ثم ابتدئ فقيل: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ (وما) في ﴿ مَا تَحْمِلُ ﴾ ، ﴿ وَمَا تَغِيضُ ﴾ ، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ إما موصولة، وإما مصدرية.

فإن كانت موصولة، فالمعنى: أنه يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو.

من ذكورة وأنوثة، وتمام وخداج، وحسن وقبح، وطول وقصر، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة، ويعلم ما تغيضه الأرحام: أي تنقصه.

يقال: غاض الماء وغضته أنا.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَغِيضَ الماء ﴾ [هود: 44] وما تزداده: أي تأخذه زائداً، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا ومنه قوله تعالى: ﴿ وازدادوا تِسْعًا ﴾ [الكهف: 25] ويقال: زدته فزاد بنفسه وازداد، ومما تنقصه الرحم وتزداده عدد الولد، فإنها تشتمل على واحد، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة.

ويروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه.

ومنه جسد الولد، فإنه يكون تاما ومخدجاً.

ومنه مدة ولادته، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، وقيل: إنّ الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين، ولذلك سمي هرماً.

ومنه الدم، فإنه يقل ويكثر.

وإن كانت مصدرية، فالمعنى أنه يعلم حمل كل أنثى، ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ومن أوقاته وأحواله.

ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها، على أنّ الفعلين غير متعدّيين، ويعضده قول الحسن: الغيضوضة أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد أن تزيد على تسعة أشهر.

وعنه الغيض الذي يكون سقطاً لغير تمام، والازدياد ما ولد لتمام ﴿ بِمِقْدَارٍ ﴾ بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْء خلقناه بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49] ﴿ الكبير ﴾ العظيم الشأن الذي كل شيء دونه ﴿ المتعال ﴾ المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ أيْ حَمْلَها أوْ ما تَحْمِلُهُ عَلى أيِّ حالٍ هو مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ.

﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ وما تُنْقِصُهُ وما تَزْدادُهُ في الجِنَّةِ والمُدَّةِ والعَدَدِ، وأقْصى مُدَّةُ الحَمْلِ أرْبَعُ سِنِينَ عِنْدَنا وخَمْسٌ عِنْدَ مالِكٍ وسَنَتانِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ.

رُوِيَ أنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ وهَرَمَ بْنَ حَيّانَ لِأرْبَعِ سِنِينَ وأعْلى عَدَدِهِ لا حَدَّ لَهُ.

وَقِيلَ نِهايَةُ ما عُرِفَ بِهِ أرْبَعَةٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أخْبَرَنِي شَيْخٌ بِاليَمَنِ أنَّ امْرَأتَهُ ولَدَتْ بُطُونًا في كُلِّ بَطْنٍ خَمْسَةٌ.

وقِيلَ المُرادُ نُقْصانُ دَمِ الحَيْضِ وازْدِيادُهُ، وغاضَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا وكَذا ازْدادَ قالَ تَعالى: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ فَإنْ جَعَلْتَهُما لازِمَيْنِ تَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.

وإسْنادُهُما إلى الأرْحامِ عَلى المَجازِ فَإنَّهُما لِلَّهِ تَعالى أوْ لِما فِيها.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ بِقَدْرٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَإنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ حادِثٍ بِوَقْتٍ وحالٍ مُعَيَّنَيْنِ، وهَيَّأ لَهُ أسْبابًا مَسُوقَةً إلَيْهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ هادٍ ﴾ و ﴿ والٍ ﴾ و و ﴿ واقٍ ﴾ ﴿ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ﴾ بِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ فَإذا وقَفَ وقَفَ بِالياءِ في هَذِهِ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ حَيْثُ وقَعَتْ لا غَيْرَ، والباقُونَ يَصِلُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِغَيْرِ ياءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ} ما في هذه المواضع الثلاثة موصولة أي يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وتمام وخداج وحسن وقبح وطول وقصر وغير ذلك وما تغيضه الأرحام أي ويعلم ما تنقصه يقال غاض الماء وغضته أنا وما تزداده والمراد عدد الولد فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثا وأربعة أو جسد الولد فإنه يكون تاماً ومخدجاً أو مدة الولادة فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عندنا وإلى أربع عند الشافعي وإلى خمس عند مالك أو مصدرية اي يعلم حمل كل أثنى ويعلم غيض الأرحام وازديادها {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بمقدار} بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه لقوله إِنَّا كُلَّ شَيْء خلقناه بقدر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن يَقُولُ: لِماذا لَمْ يُجابُوا إلى المُقْتَرَحِ فَتَنْقَطِعُ حُجَّتُهم ولَعَلَّهم يَهْتَدُونَ بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُدَبَّرٍ بِبالِغِ العِلْمِ ونافِذِ القُدْرَةِ لا عَنِ الجُزافِ واتِّباعِ آرائِهِمُ السِّخافِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالهادِي هو اللَّهُ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ فالتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الآياتِ عِنادًا لِكُفْرِهِمُ النّاشِئِ عَنِ التَّقْلِيدِ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا الآياتِ قِيلَ: إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ هادٍ مُثْبِتٌ لِلْأيْمانِ في صُدُورِهِمْ صادٌّ لَهم عَنْ جُحُودِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وهو سُبْحانَهُ القادِرُ عَلَيْهِ وعَلى هَذا قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو اللَّهُ ويَكُونُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِهادٍ و ﴿ يَعْلَمُ ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِاسْتِقْلالِهِ تَعالى بِالهِدايَةِ كالعِلَّةِ لِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ مُقَرِّرَةً ويَكُونُ مِن بابِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ كَأنَّهُ هو تَعالى يَعْلَمُ أيْ ذَلِكَ الهادِيَ والأوَّلُ بَعِيدٌ جِدًّا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وأبِي الضُّحى أنَّ المُنْذِرَ والهادِيَ هو رَسُولُ اللَّهِ  ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ﴿ هادٍ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ مُنْذِرٌ ﴾ و( لِكُلِّ قَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ  وشُمُولِ دَعَوْتِهِ وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ والنَّحْوِيُّونَ في جَوازِهِ مُخْتَلِفُونَ وقَدْ يُجْعَلُ ﴿ هادٍ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ وهو هادٍ أوْ وأنْتَ هادٍ وعَلى الأوَّلِ فِيهِ التِفاتٌ وقالَ أبُو العالِيَةِ: الهادِي العَمَلُ وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو السّابِقُ إلى الهُدى ﴿ ولِكُلِّ قَوْمٍ ﴾ سابِقٌ سَبَقَهم إلى الهُدى قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا يَرْجِعُ إلى أنَّ الهادِيَ هو النَّبِيُّ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْبِقُ إلى ذَلِكَ وعَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ والكُلُّ كَما تَرى وقالَتِ الشِّيعَةُ: إنَّهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ورَوَوْا في ذَلِكَ أخْبارًا وذَكَرَ ذَلِكَ القُشَيْرِيُّ مِنّا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ الآيَةَ وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: أنا المُنْذِرُ وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي» وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ عَساكِرَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُنْذِرُ وأنا الهادِي وفي لَفْظٍ والهادِي رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ يَعْنِي نَفْسَهُ.

واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الشِّيعَةُ عَلى خِلافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  بِلا فَصْلٍ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الخَبَرِ وتَصْحِيحُ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ عَلى أنَّ قُصارى ما فِيهِ كَوْنُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِهِ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي إلّا إثْباتَ مَرْتَبَةِ الإرْشادِ وهو أمْرٌ والخِلافَةُ الَّتِي نَقُولُ بِها أمْرٌ لا تَلازُمَ بَيْنَهُما عِنْدَنا.

وقالَ بَعْضُهم: إنْ صَحَّ الخَبَرُ يَلْزَمُ القَوْلُ بِصِحَّةِ خِلافَةِ الثَّلاثَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَيْثُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى الحَقِّ فِيما يَأْتِي ويَذَرُ وأنَّهُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ وهو قَدْ بايَعَ أُولَئِكَ الخُلَفاءَ طَوْعًا ومَدَحَهم وأثْنى عَلَيْهِمْ خَيْرًا ولَمْ يَطْعَنْ في خِلافَتِهِمْ فَيَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِهِ والجَرْيُ عَلى سَنَنِهِ في ذَلِكَ ودُونَ إثْباتِ خِلافِ ما أظْهَرَ خَرْطُ القَتادِ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ  عَلى فَرْضٍ مِن صِحَّةِ الرِّوايَةِ إنَّما جَعَلَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِثالًا مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ وهُداتِها إلى الدِّينِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: يا عَلِيُّ هَذا وصْفُكَ فَيَدْخُلُ الخُلَفاءُ الثَّلاثُ وسائِرُ عُلَماءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَلْ وسائِرُ عُلَماءِ الأُمَّةِ وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ في القَدِيمِ والحَدِيثِ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى هُداةٌ دُعاةٌ إلى الخَيْرِ.

اهَـ.

وظاهِرُهُ أنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى الحَصْرِ الحَقِيقِيِّ وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِكَثْرَةِ مَن يُهْتَدى بِهِ ويُؤَيِّدُ عَدَمَ الحَصْرِ ما جاءَ عِنْدَنا مِن قَوْلِهِ  : «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ» وأخْبارٌ أُخَرُ مُتَضَمِّنَةٌ لِإثْباتِ مَن يُهْتَدى بِهِ غَيْرَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأنا أظُنُّكَ لا تَلْتَفِتُ إلى التَّأْوِيلِ ولا تَعْبَأُ بِما قِيلَ وتَكْتَفِي بِمَنعِ صِحَّةِ الخَبَرِ وتَقُولُ لَيْسَ في الآيَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَيْنُ ولا أثَرُ هَذا و( ما ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى مِن أيِّ الإناثِ كانَتْ والحَمْلُ عَلى هَذا بِمَعْنى المَحْمُولِ وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي تَحْمِلُهُ في بَطْنِها مِن حِينِ العُلُوقِ إلى زَمَنِ الوِلادَةِ بَعْدَ تَكامُلِ الخَلْقِ فَقَطْ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً و ﴿ يَعْلَمُ ﴾ قِيلَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ فَهي عِرْفانِيَّةٌ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ المَعْرِفَةَ لا يَصِحُّ اسْتِعْمالُها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهو ناشِئٌ مِن عَدَمِ المَعْرِفَةِ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُعَلَّقَةً لِيَعْلَمَ وهي مُبْتَدَأٌ أوْ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ أيْ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ تَحْمِلُ وعَلى أيِّ حالٍ هو مَنِ الأحْوال المُتَوارِدَةِ عَلَيْهِ طَوْرًا فَطَوْرًا ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافَ الظّاهِرِ المُتَبادَرِ وكَما جُوِّزَ في ( ما ) هَذِهِ هَذِهِ الأوْجُهُ جُوِّزَتْ في بَعْدِها أيْضًا ووَجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها قَدْ عَلِمَ مِمّا سَبَقَ وقِيلَ: وجْهُها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وكانَ مِن شُبَهِهِمْ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ واخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ بِحَيْثُ لا يَتَهَيَّأُ الِامْتِيازُ بَيْنَها نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ إزاحَةً لَشُبْهَتِهِمْ وقِيلَ: وجْهُها أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا بِالسَّيِّئَةِ نَبَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى لِيُفِيدَ أنَّهُ جَلَّتْ حِكْمَتُهُ إنَّما يُنَزِّلُ العَذابَ حَسْبَما يَعْلَمُ مِنَ المَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ وفي مُصْحَفِأُبَيٍّ ومَرَّ ما قِيلَ في نَظِيرِهِ ( ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَضَعُ ) .

﴿ وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ أيْ ما تَنْقُصُهُ وما تَزْدادُهُ في الجُثَّةِ كالخَدِيجِ والتّامِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي المُدَّةِ كالمَوْلُودِ في أقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ والمَوْلُودِ في أكْثَرِها وفِيما بَيْنَهُما وهو رِوايَةٌ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ قِيلَ: إنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ وإنَّ هَرَمَ بْنَ حَيّانَ لِأرْبَعٍ ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ هَرَمًا وإلى كَوْنِ أقْصى مُدَّةِ الحَمْلِ أرْبَعَ سِنِينَ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ وعِنْدَ مالِكٍ أقْصاها خَمْسٌ وعِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أقْصاها سَنَتانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْها لا يَكُونُ الحَمْلُ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ قَدْرَ ما تَتَحَرَّكُ فَلَكَةُ مِغْزَلٍ وفي العَدَدِ كالواحِدِ فَما فَوْقَ قِيلَ: ونِهايَةُ ما عُرِفَ أرْبَعَةٌ فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي نُمَيْرٍ القُرَشِيِّ كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ وهو الَّذِي وقَفَ عَلَيْهِ إمامُنا الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: أخْبَرَنِي شَيْخٌ بِاليَمَنِ أنَّ امْرَأتَهُ ولَدَتْ بُطُونًا في كُلِّ بَطْنٍ خَمْسَةٌ وهَذا مِنَ النَّوادِرِ وقَدِ اتَّفَقَ مِثْلُهُ لَكِنَّ ما زادَ عَلى اثْنَيْنِ لِضَعْفِهِ لا يَعِيشُ إلّا نادِرًا.

وما يُحْكى أنَّهُ وُلِدَ لِبَعْضِهِمْ أرْبَعُونَ في بَطْنٍ واحِدَةٍ كُلٌّ مِنهم مِثْلُ الإصْبَعِ وأنَّهم عاشُوا كُلُّهم فالظّاهِرُ أنَّهُ كَذِبٌ وقِيلَ: المُرادُ نُقْصانُ دَمِ الحَيْضِ وازْدِيادُهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ وفِيهِ جَعْلُ الدَّمِ في الرَّحِمِ كالماءِ في الأرْضِ يَغِيضُ تارَةً ويَظْهَرُ أُخْرى وغاضَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا كَنَقَصَ وكَذا ازْدادَ وهو مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ فَإنْ جَعَلْتَهُما لازِمَيْنِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً لِعَدَمِ العائِدِ وإسْنادُ الفِعْلَيْنِ كَيْفَما كانا إلى الأرْحامِ فَإنَّهُما عَلى اللُّزُومِ لِما فِيها وعَلى التَّعَدِّي لِلَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿ عِنْدَهُ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ .

(8) .

بِقَدْرٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَإنَّ كُلَّ حادِثٍ مِنَ الأعْراضِ والجَواهِرِ لَهُ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبَ التَّكْوِينِ ومَبادِيها وقْتٌ مُعَيَّنٌ وحالٌ مَخْصُوصٌ لا يَكادُ يُجاوِزُهُ ولَعَلَّ حالَ المَعْدُومِ مَعْلُومٌ بِالدَّلالَةِ إذا قُلْنا: إنَّ الشَّيْءَ هو المَوْجُودُ و( عِنْدَ ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ أوْ لِكُلٍّ و ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ خَبَرُ ( كُلُّ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مِقْدارٍ وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ لَكِنَّهُ لَمّا قُدِّمَ أُعْرِبَ حالًا وفاءً بِالقاعِدَةِ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ الحُضُورُ العِلْمِيُّ بَلِ العِلْمُ الحُضُورِيُّ عَلى ما قِيلَ فَإنَّ تَحَقُّقَ الأشْياءِ في أنْفُسِها في أيِّ مَرْتَبَةٍ كانَتْ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ والِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى وقِيلَ: مَعْنى ( عِنْدَهُ ) في <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل على محمد  علامة من ربه لنبوته.

قال الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يعني: مخوفا ومبلغا لهذه الأمة الرسالة وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال الكلبي: داعٍ يدعوهم إلى الضلالة، أو إلى الحق.

وقال الضحاك: يعني: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وأنا الهادي.

وقال سعيد بن جبير الهادي هو الله.

وقال عكرمة: محمد  هو النذير، وهو الهادي.

يعني: يدعوهم إلى الهدى.

وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وقال مجاهد: يعني: لكل قوم نبي.

قرأ ابن كثير: هَادِيَ بالياء عند الوقف، وكذلك قوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد: 37] وقرأ الباقون: بغير ياء.

قوله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ذكراً أو أُنثى، وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام سوياً أو غير سوي.

ثم قال: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل وَما تَزْدادُ يعني: على التسعة أشهر في ذلك الحمل وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ قال قتادة: «رزقهم وأجلهم» ، وقال ابن عباس: «من الزيادة، والنقصان، والمكث في البطن، والخروج، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى، فلا يزيد ولا ينقص على ذلك» .

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: «الحامل إن ترى الدم نقص من الولد، وإن لم تر الدم يزيد في الولد» .

وروى أسباط عن السدي قال: «إن المرأة إذا حملت واحتبس حيضها، كان ذلك الدم رزقاً للولد.

فإذا حاضت على ولدها خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه» وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وهي الحيضة التي على الولد، وَما تَزْدادُ.

فحين يستمسك الدم، فلا تحيض وهي حبلى.

قال الفقيه: هذا الذي قال السدي، إن الحامل تحيض، إنما هو على سبيل المجاز، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً.

ولكن معناه: إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن خزيمة.

قال: حدثنا عليّ.

قال: حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر  يقول: قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحد إلا الله، ولا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ الساعة إلا الله تعالى» (١) (١) حديث ابن عمر: أخرجه البخاري (4697) (4778) و (3739) وأحمد: 2/ 24، 52 والبغوي (1170) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كأنه قال: إِنما أَنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لكلِّ قومٍ، و «هاد» على هذا التأويل: بمعنى داعٍ إِلى طريق الهُدَى، وقال مجاهدٌ وابنُ زَيْد: المعنى: إِنما أَنْتَ منذِرٌ، ولكلِّ أُمَّة سَلَفَتْ هادٍ، أي: نبيٌّ يَدْعُوهم «١» ، أي: فليس أمرُكَ يا محمَّد ببدْعٍ، ولا مُنْكَر، وهذا يشبه غرَضَ الآية، وقالَتْ فرقة: «الهَادِي» في هذه الآية: اللَّه عزَّ وجلَّ، والألفاظ تَقْلَقُ بهذا المعنَى، ويعرف أنَّ اللَّه تعالَى هو الهادِي من غير هذا المَوْضِعِ، والقولانِ الأولان أرجح ما تؤوّل في الآية.

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)

وقوله سبحانه: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ: هذه الآيات أمثالٌ منبِّهات على قدرة اللَّه تعالَى القاضِيَةِ بتجويزِ البَعْثِ، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ:

معناه: ما تنقُصُ، ثم اختلف المتأوِّلون في صُورَةِ الزِّيادة والنُّقْصَان، وجمهورُ المتأوِّلين على أنَّ غَيْضَ الرحم هو نقْصُ الدمِ على الحَمْل، وقال الضَّحَّاك: غَيْضُ الرَّحِمِ: أنْ تسقط المرأة الوَلَدَ، والزيادة أنْ تضعه لمدَّةٍ كاملةٍ، ونحوُه لقتادة «٢» .

وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ: عامٌّ في كل ما يدخله التقدير، والْغَيْبِ: ما غاب عن الإدراكات، والشَّهادَةِ: ما شُوهِدَ من الأمور.

وقوله: الْكَبِيرُ: صفةُ تعظيم، والْمُتَعالِ: من العلو.

وقوله سبحانه: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ...

الآية: أيْ: لا يخفى على اللَّه شيءٌ، وال سارِبٌ في اللغة: المتصرِّف كيف شاء.

وقوله سبحانه: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ:

المعنى: جعل اللَّه للعبد معقِّباتٍ يحفظونه في كلِّ حالٍ من كلِّ ما جرى القدر باندفاعه،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في كَفّارِ مَكَّةَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالعَذابِ قَبْلَ العافِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

فَأمّا " المَثُلاتُ " فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ.

وقَرَأ عُثْمانُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ المِيمِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العُقُوباتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ ما هو مِثْلُهُ وما فِيهِ نَكالٌ، لَوْ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُثْلَةُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تُبْقِي في المُعاقَبِ شِينًا بِتَغْيِيرِ بَعْضِ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ، إذا شانَ خَلْقَهُ بِقَطْعِ أنْفِهِ أوْ أُذُنِهِ، أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ المَثُلاتِ: الأمْثالُ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آمَنُوا، وشَدِيدُ العِقابِ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنْ شِرْكِهِمْ في تَأْخِيرِ العَذابِ، وإنَّهُ لَشَدِيدُ العِقابِ إذا عَذَّبَ.

* فَصْلٌ وَذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ " لَوْلا " بِمَعْنى هَلّا، والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها، مِثْلُ عَصا مُوسى وناقَةِ صالِحٍ.

ولَمْ يَقْنَعُوا بِما رَأوْا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ عَذابَ اللَّهِ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الآياتِ شَيْءٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالهادِي: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما إلَيْكَ الإنْذارُ، واللَّهُ الهادِي.

والثّانِي: أنَّ الهادِيَ: الدّاعِي، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الهادِيَ النَّبِيُّ  ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، فالمَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يُنْذِرُهم.

والرّابِعُ: أنَّ الهادِيَ رَسُولُ اللَّهِ  أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُّحى، والمَعْنى: أنْتَ مُنْذِرٌ، وأنْتَ هادٍ.

والخامِسُ: أنَّ الهادِيَ: العَمَلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والسّادِسُ: أنَّ الهادِيَ: القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَقَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ مِن طُرُقٍ لَيْسَ فِيها ما يَثْبُتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: " أنا المُنْذِرُ "، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبٍ عَلِيٍّ، فَقالَ: " أنْتَ الهادِي يا عَلِيٌّ بِكَ يُهْتَدى مِن بَعْدِي» " .

قالَ المُصَنَّفُ: " وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ الرّافِضَةِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهم عَنْ قُدْرَتِهِ، رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ أيْ: مِن عَلَقَةٍ أوْ مُضْغَةٍ، أوْ زائِدٍ أوْ ناقِصٍ، أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، أوْ واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ أيْ: وما تَنْقُصُ، ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما تَغِيضُ: بِالوَضْعِ لِأقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وما تَزْدادُ: بِالوَضْعِ لِأكْثَرَ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: وما تَغِيضُ: بِالسَّقْطِ النّاقِصِ، وما تَزْدادُ: بِالوَلَدِ التّامِّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: وما تَغِيضُ: بِإراقَةِ الدَّمِ في الحَمْلِ حَتّى يَتَضاءَلَ الوَلَدُ، وما تَزْدادُ: إذا أمْسَكَتِ الدَّمَ فَيَعْظُمُ الوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: ما تَغِيضُ الأرْحامُ: مَن ولَدَتْهُ مِن قَبْلُ، وما تَزْدادُ: مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، رَوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ أيْ: بِقَدَرٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِفْعالٌ مِنَ القَدَرِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٦) .

و ﴿ الكَبِيرُ ﴾ بِمَعْنى: العَظِيمُ، ومَعْناهُ: يَعُودُ إلى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، فَهو أكْبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، لِأنَّ كُلَّ كَبِيرٍ يَصْغُرُ بِالإضافَةِ إلى عَظَمَتِهِ.

ويُقالُ: " الكَبِيرُ " الَّذِي كَبُرَ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ.

فَأمّا ﴿ المُتَعالِ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " المُتَعالِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وكَذَلِكَ رَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ ابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.

والمُتَعالِي هو المُتَنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، قالَ الخَطّابِيُّ: وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المُتَعالِي عَمّا يَقُولُ المُشْرِكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ وسارِبٌ بِالنَهارِ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ تَعَجُّبُ الكُفّارِ واسْتِبْعادُهُمُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ نَصَّ اللهُ في هَذِهِ الآياتِ الأمْثالَ المُنَبِّهَةَ عَلى قَدْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى القاضِيَةَ بِتَجْوِيزِ البَعْثِ، فَمِن ذَلِكَ هَذِهِ الواحِدَةُ مِنَ الخَمْسِ الَّتِي هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ ما تَحْمِلُ كُلُّ الإناثِ مِنَ الأجِنَّةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، وهَذِهِ البَدْأةُ تُبَيِّنُ أنَّهُ لا تَتَعَذَّرُ عَلى القادِرِ عَلَيْها الإعادَةُ.

و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَحْمِلُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولَةً بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، مَفْعُولَةً أيْضًا بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "تَحْمِلُ"، وفي هَذا الوَجْهِ ضَعْفٌ.

وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَضَعُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ مَعْناهُ: ما تَنْقُصُ، وذَلِكَ مِن مَعْنى ﴿ وَغِيضَ الماءُ  ﴾ وهو مِن مَعْنى النُضُوبِ، فَهي هاهُنا بِمَعْنى زَوالِ شَيْءٍ عَنِ الرَحِمِ وذَهابِهِ، فَلَمّا قابَلَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ فُسِّرَ بِمَعْنى النُقْصانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صُورَةِ الزِيادَةِ والنُقْصانِ -فَقالَ مُجاهِدٌ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُهَرِيقَ دَمًا عَلى الحَمْلِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ ضَعُفَ الوَلَدُ في البَطْنِ وشَحُبَ، فَإذا أكْمَلَتِ الحامِلُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ لَمْ تَضَعْ، وبَقِيَ الوَلَدُ في بَطْنِها زِيادَةً مِنَ الزَمَنِ يُكْمِلُ فِيها مِن جِسْمِهِ وصِحَّتِهِ ما نَقَصَ بِهِراقَةِ الدَمِ، فَهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ .

وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ غَيْضَ الرَحِمِ إرْسالُ الدَمِ عَلى الحَمْلِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ غَيْضَهُ هو نُضُوبُ الدَمِ فِيهِ وإمْساكُهُ بَعْدَ عادَةِ إرْسالِهِ بِالحَيْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى "تَغِيضُ" عَلى غَيْرِ مُقابَلَةٍ، بَلْ غَيْضُ الرَحِمِ هو بِمَعْنى الزِيادَةِ فِيهِ.

وقالَ الضَحّاكُ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُسْقِطَ المَرْأةُ الوَلَدَ، والزِيادَةُ أنْ تَضَعَهُ لِمُدَّةٍ كامِلَةٍ تامًّا في خَلْقِهِ.

وقالَ قَتادَةُ: الغَيْضُ: السِقْطُ، والزِيادَةُ البَقاءُ فَوْقَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَدْخُلُهُ التَقْدِيرُ.

و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ الإدْراكاتِ، و"الشَهادَةِ": ما شُوهِدَ مِنَ الأُمُورِ، ووَضَعَ المَصادِرَ مَوْضِعَ الأشْياءِ الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها لا بُدَّ أنْ يَتَّصِفَ بِإحْدى الحالَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "الكَبِيرُ" صِفَةُ تَعْظِيمٍ عَلى الإطْلاقِ، و"المُتَعالِ" مِنَ العُلُوِّ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الوَقْفِ عَلى "المُتَعالِ" -فَأثْبَتَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ، ولَمْ يُثْبِتْها الباقُونَ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، وإثْباتُها هو الوَجْهُ والبابُ.

واسْتَسْهَلَ سِيبَوَيْهِ حَذْفَها في الفَواصِلِ كَهَذِهِ الآيَةِ قِياسًا عَلى القَوافِي في الشِعْرِ، ويَقْبُحُ حَذْفُها في غَيْرِ فاصِلَةٍ ولا شِعْرٍ، ولَكِنَّ وجْهَهُ أنَّهُ لَمّا كانَ التَنْوِينُ يُعاقِبُ الألِفَ واللامَ أبَدًا، وكانَتْ هَذِهِ الياءُ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ حَسُنَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ مُعاقِبِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّصِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ فِقْهٌ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ.

فَمِن ذَلِكَ اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في الدَمِ الَّذِي تَراهُ الحامِلُ -فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ والشافِعِيُّ وأصْحابُهُ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ حَيْضٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: لَيْسَ بِحَيْضٍ، ولَوْ كانَ حَيْضًا لَما صَحَّ اسْتِبْراءُ الأمَةِ بِحَيْضٍ وهو إجْماعٌ.

ورُوِيَ عن مالِكٍ في كِتابِ مُحَمَّدٍ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، ومِن ذَلِكَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهَرٍ، وذَلِكَ مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا  ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ  ﴾ وهَذِهِ السِتَّةُ أشْهُرٍ هي بِالأهِلَّةِ كَسائِرِ أشْهُرِ الشَرِيعَةِ، ولِذَلِكَ قَدْ رُوِيَ في المَذْهَبِ عن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ -وَأظُنُّهُ في كِتابِ ابْنِ حارِثٍ- أنَّهُ إنْ نَقَصَ مِنَ الأشْهُرِ السِتَّةِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، فَإنَّ الوَلَدَ يُلْحَقُ لِعِلَّةِ نَقْصِ الشُهُورِ وزِيادَتِها.

واخْتُلَفَ في أكْثَرِ الحَمْلِ فَقِيلَ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها- وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: أكْثَرُهُ حَوْلانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثَةُ أعْوامٍ، وفي المُدَوَّنَةِ: أرْبَعَةُ أعْوامٍ وخَمْسَةُ أعْوامٍ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ وغَيْرُهُ: سَبْعَةُ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عَجْلانَ ولَدَتِ امْرَأتُهُ لِسَبْعَةِ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ الضِحّاكَ بْنَ مُزاحِمٍ بَقِيَ حَوْلَيْنِ، قالَ: فَوُلِدْتُ وقَدْ نَبَتَتْ ثَنايايَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ الآيَةَ.

سَواءٌ مَصْدَرٌ، وهو يَطْلُبُ بَعْدَهُ شَيْئَيْنِ يَتَماثَلانِ، ورَفْعُهُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ الَّذِي هو "مَن"، والمَصْدَرُ لا يَكُونُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ كَما قالَتِ الخَنْساءُ: .....................

فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ أيْ: ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُنا المَعْنى: "ذُو سَواءٍ"، قالَ الزُجاجُ: كَثُرَ اسْتِعْمالُ (سَواءٍ) في كَلامِ العَرَبِ حَتّى جَرى مَجْرى اسْمِ الفاعِلِ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي كَعَدْلٍ وزُورٍ وضَيْفٍ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: "مُسْتَوٍ مِنكُمْ"، فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، وضَعَّفَ هَذا سِيبَوَيْهِ بِأنَّهُ ابْتِداءٌ بِنَكِرَةٍ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: مُعْتَدِلٌ مِنكم في إحاطَةِ اللهِ تَعالى وعَلِمِهِ مَن أسَرَّ قَوْلَهُ فَهَمَسَ بِهِ في نَفْسِهِ ومَن جَهَرَ بِهِ فَأسْمَعَ، لا يَخْفى عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ ﴾ مَعْناهُ: مَن هو بِاللَيْلِ في غايَةِ الِاخْتِفاءِ ومَن هو مُتَصَرِّفٌ بِالنَهارِ ذاهِبٌ لِوَجْهِهِ سَواءٌ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإحاطَتِهِ بِهِما.

وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ إلى مَعْنًى مُقْتَضاهُ: أنَّ المُسْتَخْفِيَ بِاللَيْلِ والسارِبَ بِالنَهارِ هو رَجُلٌ واحِدٌ مُرِيبٌ بِاللَيْلِ ويُظْهِرُ بِالنَهارِ البَراءَةَ في التَصَرُّفِ مَعَ الناسِ، فَهَذا قِسْمٌ واحِدٌ جَعَلَ اللَيْلَ نَهارَ راحَةٍ، والمَعْنى: هَذا والَّذِي أمْرُهُ كُلُّهُ واحِدٌ بَرِيءٌ مِنَ الرَيْبِ سَواءٌ في اطِّلاعِ اللهِ تَعالى عَلى الكُلِّ.

ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ عَطْفُ السارِبِ دُونَ تَكْرارِ "مَن"، ولا يَأْتِي حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ.

والسارِبُ في اللُغَةِ المُتَصَرِّفُ كَيْفَ شاءَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: أرى كُلَّ قَوْمٍ كارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ ونَحْنُ حَلَلْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سارِبُ أيْ مُنْصَرِفٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عن جِهَةٍ، وهَذا رَجُلٌ يَفْخَرُ بِعِزَّةِ قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: أنّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ∗∗∗ ∗∗∗ وتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَتَضَمَّنَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، فالَّذِي يُسِرُّ طَرَفٌ، والَّذِي يَجْهَرُ طَرَفٌ مُضادٌّ لِلْأوَّلِ، والثالِثُ مُتَوَسِّطٌ مُتَلَوِّنٌ يَعْصِي بِاللَيْلِ مُسْتَخْفِيًا ويُظْهِرُ البَراءَةَ بِالنَهارِ، والقَوْلُ في الآيَةِ يَطَّرِدُ مَعْناهُ في الأعْمالِ، وقالَ قُطْرُبٌ - فِيما حَكى الزَجّاجُ -: "مُسْتَخْفٍ" مَعْناهُ: ظاهِرٌ، مِن قَوْلِهِمْ: "خَفَيْتُ الشَيْءَ" إذا أظْهَرْتُهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ خَفّاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلِّبِ قالَ: و"سارِبٌ" مَعْناهُ: مُتَوارٍ في سِرْبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِاللُغَةِ بَيِّنًا فَضَعِيفٌ، لِأنَّ اقْتِرانَ اللَيْلِ بِالمُسْتَخْفِي والنَهارِ بِالسارِبِ يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية، فهو متصل بجملة ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ [الرعد: 2] الخ.

وهذه الجملة استئناف ابتدائي.

فلما قامت البراهين العديدة بالآيات السابقة على وحدانية الله تعالى بالخلق والتدبير وعلى عظيم قدرته التي أودع بها في المخلوقات دقائق الخلقة انتقل الكلام إلى إثبات العلم له تعالى علماً عاماً بدقائق الأشياء وعظائمها، ولذلك جاء افتتاحه على الأسلوب الذي افتتح به الغرض السابق بأن ابتدئ باسم الجلالة كما ابتدئ به هنالك في قوله: ﴿ اللّهُ الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ [الرعد: 2].

وجعلت هذه الجملة في هذا الموقع لأن لها مناسبة بقولهم: لولا أنزل عليه آية من ربه}، فإن ما ذكر فيها من علم الله وعظيم صنعه صالح لأن يكون دليلاً على أنه لا يعجزه الإتيان بما اقترحوا من الآيات؛ ولكن بعثة الرسول ليس المقصد منها المنازعات بل هي دعوة للنظر في الأدلة.

وإذ قد كان خلق الله العوالم وغيرها معلوماً لدى المشركين ولكنّ الإقبال على عبادة الأصنام يذهلهم عن تذكره كانوا غير محتاجين لأكثر من التذكير بذلك وبالتنبيه إلى ما قد يخفى من دقائق التكوين كقوله آنفاً ﴿ بغير عَمد ﴾ [الرعد: 2] وقوله: ﴿ وفي الأرض قِطع متجاورات ﴾ [الرعد: 4] الخ؛ صيغ الإخبار عن الخلق في آية: ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ [الرعد: 2] الخ بطريقة الموصول للعلم بثبوت مضمون الصلة للمخبر عنه.

وجيء في تلك الصلة بفعل المضي فقال: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ [الرعد: 2].

وذُكر من معلومات الله ما لا نزاع في أنه لا يعلمه أحد من الخلق يومئذٍ ولا تستشار فيه آلهتهم على وجه المثال بإثبات الجُزئي لإثبات الكلّي، فما تحمل كل أنثى هي أجنة الإنسان والحيوان.

ولذلك جيء بفعل الحمل دون الحَبْل لاختصاص الحبل بحمل المرأة.

وما} موصولة، وعمومها يقتضي علم الله بحال الحل الموجود من ذكورة وأنوثة، وتمام ونقص، وحسن وقبح، وطول وقصر، ولون.

وتغيض: تنقص، والظاهر أنه كناية عن العلوق لأن غيض الرحم انحباس دم الحيض عنها، وازديادها: فيضان الحيض منها.

ويجوز أن يكون الغيض مستعاراً لعدم التعدد.

والازدياد: التعدد أي ما يكون في الأرحام من جنين واحد أو عدة أجنة وذلك في الإنسان والحيوان.

وجملة ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ معطوفة على جملة ﴿ يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ .

فالمراد بالشيء الشيء من المعلومات.

و ﴿ عنده ﴾ يجوز أن يكون خبراً عن ﴿ وكل شيء ﴾ و ﴿ بمقدار ﴾ في موضع الحال من ﴿ وكل شيء ﴾ .

ويجوز أن يكون ﴿ بمقدار ﴾ في موضع الحال من مقدار ويكون ﴿ بمقدار ﴾ خبراً عن ﴿ كل شيء ﴾ .

والمقدار: مصدر ميمي بقرينة الباء، أي بتقدير، ومعناه: التحديد والضبط.

والمعنى أنه يعلم كلّ شيء علماً مفصّلاً لا شيوع فيه ولا إبهام.

وفي هذا ردّ على الفلاسفة غير المسلمين القائلين أنّ واجب الوجود يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات فراراً من تعلّق العلم بالحوادث.

وقد أبطل مذهبهم علماءُ الكلام بما ليس فوقه مرام.

وهذه قضية كلية أثبتت عموم علمه تعالى بعد أن وقع إثبات العموم بطريقة التمثيل بعلمه بالجزئيات الخفية في قوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ .

وجملة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ تذييل وفذلكة لتعميم العلم بالخفيات والظواهر وهما قسما الموجودات.

وقد تقدم ذكر ﴿ الغيب ﴾ في صدر سورة البقرة (4).

وأما الشهادة } فهي هنا مصدر بمعنى المفعول، أي الأشياء المشهودة، وهي الظاهرة المحسوسة، المرئيات وغيرها من المحسوسات، فالمقصود من ﴿ الغيب والشهادة ﴾ تعميم الموجودات كقوله: ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ [الحاقة: 38 39].

والكبير: مجاز في العظمة، إذ قد شاع استعمال أسماء الكثرة وألفاظ الكبر في العظمة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس وشاع ذلك حتى صار كالحقيقة.

والمتعالي: المترفع.

وصيغت الصفة بصيغة التفاعل للدلالة على أن العلو صفة ذاتية له لا من غيره، أي الرفيع رفعة واجبة له عقلاً.

والمراد بالرفعة هنا المجاز عن العزة التامة بحيث لا يستطيع موجود أن يغلبه أو يكرهه، أو المنزه عن النقائص كقوله عزّ وجلّ تعالى ﴿ عما يشركون ﴾ [النحل: 3].

وحذف الياء من المتعال } لمرعاة الفواصل الساكنة لأن الأفصح في المنقوص غير المُنوّن إثبات الياء في الوقف إلاّ إذا وقعت في القافية أو في الفواصل كما في هذه الآية لمراعاة ﴿ من وال ﴾ [الرعد: 11]، و ﴿ الآصال ﴾ [الرعد: 15].

وقد ذكر سيبويه أن ما يختار إثباته من الياءات والواوات يحذف في الفواصل والقوافي، والإثبات أقيس والحذف عربي كثير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ يَعْلَمُ أذَكَرٌ هو أمْ أُنْثى.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: يَعْلَمُ أصالِحٌ هو أمْ طالِحٌ.

﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِالسَّقْطِ النّاقِصِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِالوَلَدِ التّامِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِالوَضْعِ لِأقَلِّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِالوَضْعِ لِأكْثَرِ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: وضَعَتْنِي أُمِّي وقَدْ حَمَلَتْنِي في بَطْنِها سَنَتَيْنِ ووَلَدَتْنِي وقَدْ خَرَجَتْ سِنِّي.

الثّالِثُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِانْقِطاعِ الحَيْضِ في الحَمْلِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِدَمِ النِّفاسِ بَعْدَ الوَضْعِ.

قالَ مَكْحُولٌ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى دَمَ الحَيْضِ غِذاءً لِلْحَمْلِ.

الرّابِعُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِظُهُورِ الحَيْضِ مِن أيّامٍ عَلى الحَمْلِ، وفي ذَلِكَ نَقْصٌ في الوَلَدِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ في مُقابَلَةِ أيّامِ الحَيْضِ مِن أيّامِ الحَمْلِ، لِأنَّها كُلَّما حاضَتْ عَلى حَمْلِها يَوْمًا ازْدادَتْ في طُهْرِها يَوْمًا حَتّى يَسْتَكْمِلَ حَمْلُها تِسْعَةَ أشْهُرٍ طُهْرًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.

الخامِسُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ مَن ولَدَتْهُ قَبْلُ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الرِّزْقِ والأجَلِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فِيما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ بِمِقْدارِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ قال: يعلم ذكر هو أو أنثى ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: هي المرأة ترى الدم في حملها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال خروج الدم ﴿ وما تزداد ﴾ قال: استمساكه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: أن ترى الدم في حملها ﴿ وما تزداد ﴾ قال: في التسعة أشهر.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ قال: ما تزداد على التسعة، وما تنقص من التسعة.

قال الضحاك- رضي الله عنه-: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني قد خرجت ثنيتي.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: ما دون تسعة أشهر، وما تزداد فوق التسعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ﴾ يعني السقط ﴿ وما تزداد ﴾ يقول: ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص.

فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه قال: ما دون التسعة أشهر فهو غيض، وما فوقها فهو زيادة.

وأخرج ابن جرير عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين، قدرٌ ما يتحول فلكة مغْزَل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: ما غاضت الرحم بالدم يوماً، إلا زاد في الحمل يوماً حتى تستكمل تسعة أشهر طاهراً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: السقط.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: إذا رأت الدم، هش الولد.

وإذا لم تر الدم، عظم الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول رضي الله عنه قال: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهل.

واستهلاله استنكار لمكانه، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثدي أمه، حتى لا يطلب ولا يغتم ولا يحزن، ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا بلغ قال: أنى لي بالرزق، يا ويحك، غَذَّاكَ وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: أنى لي بالرزق؟!

ثم قرأ مكحول رضي الله عنه ﴿ يعلم ما تحمل كل أنثى....

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ أي بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلاً معلوماً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ ﴾ الغيض النقصان لازمًا وواقعًا، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ  ﴾ ، وضده الازدياد، وهو أيضًا لازم وواقع، وهما واقعان في الآية، ومفعولهما محذوف؛ لأنهما من صلة (ما) والراجع إلى الموصول يحذف كثيراً.

واختلفوا في الذي تغيضه الأرحام وتزداده؛ فقال مجاهد (٤) (٥) (٦) (٧) قال المفسرون (٨) قال ابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ ق ال ابن عباس (١٤) وأما معنى المقدار في اللغة (١٥) (١٦) لو كانَ خَلْفَكَ أو أمَامَكَ هَائِبًا ...

بَشَرًا سِوَاكَ لَهَابَكَ المِقْدَارُ يعني الموت، وقال: المقدار أيضًا الهنداز (١٧) (١) "زاد المسير" 4/ 308، والقرطبي 9/ 285، والبغوي 3/ 297، والرازي 19/ 13.

(٢) كذا في النسخ والوسيط والمطبوع 3/ 7، وفي "الوسيط" النسخة المحققة 265: يريد ذكراً أم أنثى واحداً أم اثنين أم أكثر، وهو الصواب، والله أعلم.

(٣) "زاد المسير" 4/ 308.

(٤) الطبري 13/ 109 - 111، وابن أبي حاتم 7/ 2246.

(٥) في (أ)، (ج): (الجامع مل).

(٦) الطبري 13/ 111.

(٧) الطبري 13/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 2226.

(٨) الثعلبي 7/ 123 أ.

(٩) "زاد المسير" 4/ 358، والقرطبي 9/ 286، وابن أبي حاتم 7/ 2226، 2227، عن الضحاك.

(١٠) الطبري 13/ 112.

(١١) الطبري 13/ 111، و"زاد المسير" 4/ 308، و"تفسير القرآن العزيز" 2/ 295.

(١٢) الطبري 13/ 111 - 112، و"زاد المسير" 4/ 308.

(١٣) "تنوير المقباس" ص 156، وانظر: الطبري 13/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 2226 (١٤) "زاد المسير" 4/ 308.

(١٥) "تهذيب اللغة" (قدر) 3/ 2897، و"اللسان" (قدر) 6/ 3548.

(١٦) البيت بلا نسبة في "اللسان" (قدر) 6/ 3548، و"تاج العروس" (قدر) 7/ 375.

(١٧) الهنداز: معرب، وأصله بالفارسية أنْدازاه، يقال: أعطاه بلا حساب ولا هنْداز، ومنه: المُهَندزِ: الذي يقدر مجاري القُني والأبنية، إلا أنهم صيروا الزاي سينًا؛ لأنه ليس في كلام العرب زاي قبلها دال.

"اللسان" (هندز) 8/ 4710.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ كقوله: يعلم ما في الأرحام، وهي من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، ويعني يعلم هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو خداج، أو حسن أو قبيح، أو غير ذلك ﴿ وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ﴾ معنى تغيض تنقص، ومعنى تزداد من الزيادة، وقيل: إن الإشارة بدم الحيض فإنه يقل ويكبر وقيل: للولد فالغيض السقط، أو الولادة لأقل من تسعة أشهر، والزيادة إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر، ويحتمل أن تكون ما في قوله: ما تحمل وما تغيض وما تزداد: موصولة أو مصدرية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ﴾ .

قيل: يعلم أنها حملت ذكراً أو أنثى مستوياً أو غير مستوٍ مؤفّاً؛ يخبر - عز وجل - عن علمه وقدرته أنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، فإن قيل: هذا دعوى: ما الذي يعلمنا أنه يعلم ذلك؟

قيل: اتساق تدبيره ولطفه يدل على علم ذلك فيه؛ حيث رباه فيه وأنشأه مستوياً غير مؤفٍّ سليماً عن الآفات، ونماء الجوارح كلها على الاستواء؛ لا يكون بعضها [أكبر وأعظم وبعضها] أنقص وبعضها أتم؛ نحو العينين؛ تراهما مستويتين؛ لا زيادة في إحداهما دون الأخرى؛ بل تنموان على الاستواء، وكذلك اليدان والرجلان والأذنان؛ وأمثاله؛ فدلّ ذلك على العلم له به والتدبير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ .

أي: يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد.

قال عامة أهل التأويل: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ : ما تنقص عن التسعة الأشهر، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ : على التسعة الأشهر، فكان الحسن يقول: غيضوضة الرحم: أن تضع لستة أشهر أو لسبعة أشهر أو ثمانية، وأما الزيادة: فما زاد على تسعة أشهر.

وفي حرف أُبي: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَضَعُ) ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ أي: ما لا تحمل شيئاً؛ وهي التي تكون عقيماً لا تلد، والغيضوضة تكون ذهاب الشيء، قال الله -  -: ﴿ وَغِيضَ ٱلْمَآءُ  ﴾ أي: ذهب.

﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ أي: ما تحمل وما تغيض الأرحام، فتلد بدون الوقت الذي تلد النساء، وما تزداد على الوقت الذي تلد النساء.

أو ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ في زيادة عدد الأولاد ونقصانهم؛ ما تحمل واحداً أو أكثر من واحد، أو يكون في زيادة قدر نفس الولد ونقصانه؛ لأن من الولد ما يصيبه في البطن آفة؛ فلا يزال يزداد له نقصان في البطن، ومنه ما ينمو ويزداد؛ وأمثاله.

والله أعلم.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ مقدّر بالتقدير؛ ليس على الجزاف؛ على ما يكون عند الخلق، ولكنه بتقدير وتدبير.

﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ قال بعضهم: لا يغيب عنه شيء، ولكن هو عالم بالذي يغيب عن الخلق ويشهده الخلق؛ أي: ما يغيب عنهم وما يشهدونه عنده بمحل واحد في العلم به.

وقال بعضهم: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ : ما غاب بنفسه، وما شهد بنفسه؛ فالغائب بنفسه: هو ما لم يوجد بعد؛ ولم يكن، والشهادة: ما قد وجد وكان، يعلم ما لم يوجد بعد أنه يوجد أو لا يوجد، وإذا وجد، كيف يوجد؛ ومتى يوجد؛ وفي أي: وقت يوجد؛ وما جد وشهد؛ يعلمه شاهداً موجوداً.

على هذين الوجهين يجوز أن تخرج الآية؛ والله أعلم؛ ويعلم ما غاب عنهم مما شهدوا من نحو قوة الطعام في الطعام، والقوة التي في الماء، وماهية البصر والسمع، والعقل والروح، وكيفيتها، وهذا كله مما غاب عن الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ﴾ .

[المتعال] عن جميع ما يحتمله الخلق؛ يقال: هذا عظيم القوم؛ وكبيرهم، وهذا واحد زمانه؛ لا يعنون عظيم النفس وكبيره أو توحده من حيث العدد؛ ولكن من حيث نفاذ الأمر له والمشيئة فيهم؛ والعزة والسلطان، وذلة الخلق له والخضوع؛ فعلى ذلك لا [يفهم مما] وصف هو به؛ ما يفهم من الخلق من عظم الجسم وكبر النفس، وعلى ذلك ما وصف هو بأسماء - لا يحتمل ذلك في الخلق، يقال: أوّل وآخر، وظاهر وباطن، وعظيم ولطيف؛ ليعلم أنه ليس يفهم مما أضيف إليه؛ ووصف هو به؛ ما يفهم مما يضاف إلى الخلق؛ إذ من قيل في الشاهد: إنه عظيم - لم يقل إنه لطيف، ومن قيل: إنه أوّل - لم يقل له: آخر، وكذلك الظاهر والباطن؛ إذا وصف بأحدهما انتفى عنه الآخر، وذلك مما وصف به الغائب وأضيف إليه، ليعلم أنه لا يفهم بما يوصف هو به؛ ويضاف إليه ما يفهم؛ مما وصف به الخلق وأضيف إليهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ ﴾ في نفسه في حال انفراده ﴿ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ﴾ لغيره ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيلِ ﴾ في ظلمة الليل ﴿ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ ﴾ .

قيل: ظاهر بالنهار، وقال بعضهم: ﴿ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ ﴾ : من يكون في السرب وهو الغار بالنهار، وقال بعضهم: من هو مستخف بالليل: أي: ساكن بالليل في مقره، وسارب بالنهار: أي: متصرف متقلب بالنهار في حوائجه.

ذكر هذا صلة ما تقدم؛ وهو قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ ويعلم - أيضاً - ما تزداد، وما ذكر أن عالم الغيب والشهادة، يقول - أيضاً -: يعلم من أسرّ القول، ومن جهر به، ومن كان مستخفياً بالليل أو سارباً بالنهار، أي: يعلم كل شيء؛ لا يخفى عليه شيء: من عمل سرّاً؛ من الخلق؛ أو عمل بظاهر منهم.

يذكر هذا - والله أعلم - ليكونوا على حذر من المعاصي؛ لأن من علم أن عليه رقيباً حفيظاً يكون أحذر وأخوف؛ ممن يعلم أن ليس عليه ذلك.

وقال مقاتل: سواء منكم؛ عند الله؛ من أسر القول ومن جهر به، وسواء منكم من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار؛ أي: من هو مستخف بالمعصية في ظلمة الليل، أو هو منتشر بتلك المعصية بالنهار؛ معلن بها؛ فعلم ذلك كله عند الله؛ سواء.

في ذلك تذكير أمرين: أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من أول حالهم إلى آخر ما ينتهون إليه يستأدي بذلك شكره؛ ليستديموا بذلك تلك النعم أبداً ما كانوا.

والثاني: يذكرهم علمه بجميع أحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر من معاصيه، والخلاف له.

أما علمه هو ما ذكر الله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ...

﴾ إلى قوله: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ...

﴾ الآية.

وأما نعمه [فهو] ما ذكر.

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقوله: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ قال بعضهم: هم الأمراء، والشرط الذي يحفظونه في ظواهر من أمره؛ يخبر أنه محفوظ عليه الخفيات من أمره؛ حيث قال: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ...

﴾ الآية: حيث أخبر أنه يعلم ذلك ومحفوظ عليه الظواهر من أمره.

وقال بعضهم: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ : الملائكة الذين يحفظونه، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي  قال: "يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه" ، مثل قوله: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ قال: الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه؛ الذي عن يمينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَهُ ﴾ ، أي: لله معقبات يحفظونه، ويحتمل: ﴿ لَهُ ﴾ من كل ذكر وأنثى؛ يكون مثله قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ﴾ .

وقوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يحفظون نفسه من البلايا والنكبات التي تنزل على بني آدم؛ فإن كان في حفظ نفسه فقوله من أمر الله؛ أي: من عذاب الله وبلاياه؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا  ﴾ ، وهو عذابنا.

ويحتمل قوله: يحفظون أعماله؛ بأمر الله، ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ \[وجوهاً: يحتمل: من بين يديه: الخيرات التي يعملها، ومن خلفه\]: الشرور والسيئات، ويحتمل قوله: ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ : ما قدّم من الأعمال، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ : ما بقي وأخّر؛ كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  ﴾ ويحتمل ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ : ما مضى من الوقت، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ : ما بقي.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

يشبه أن يكون هذه النعمة؛ نعمة الدين من رسول الله  ، أو القرآن، أو ما كان في أمر الدين؛ لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير يكون منهم؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون ذلك في النعمة الدنياوية؛ من الصحة والسلامة والمال، لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير ذلك من أنفسهم.

فإن قيل: إن الأنبياء قد كانوا بلوا بشدائد وبلايا؛ ولا يحتمل أن يكون ذلك منهم البداية في التغيير.

قيل: أبدلت لهم مكان تلك النعمة خيراً منها فليس ذلك بتغيير؛ ولكن لما ذكرنا أنه أبدلت لهم مكان النعمة نعمة هي خير منها.

ثم ما كان من النعم؛ والأفضال من الطاعات لها حق التجدد والحدوث؛ يكون التغيير عليهم حالة اختيارهم؛ وتغييرهم على أنفسهم، وأما الأفعال التي لها حق البقاء؛ يكون التغيير من الله من بعد؛ وهو من نحو السلامة والصحة والسعة، والذي له حق التجدد والحدوث الطاعات والمعايى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ﴾ .

الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إنه لا يريد إلا ما هو أصلح لهم في الدين، وقد أخبر أنه إذا أراد بهم سوءاً؛ ﴿ فَلاَ مَرَدَّ لَهُ...

﴾ \[الآية\].

دل هذا أنه قد يريد بهم السوء إذا غيروا هم ما أنعم الله عليهم، أراد أن يغير عليهم والمعتزلة يقولون يملك الخلق دفع سوء إرادة الله بهم، وإذا أراد الخير يملكون رد ذلك، والله يقول: ﴿ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ  ﴾ ولا مردّ لسوئه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ .

أي: ليس لهم في دفع العذاب الذي أراد بهم ولي يدفع عنهم أو نصير ينصرهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله يعلم ما تحمل كل أنثى في بطنها، يعلم كلَّ شيء عنه، ويعلم ما يحصل في الأرحام من نقص وزيادة وصحة واعتلال، وكل شيء عنده سبحانه مُقَدَّر بمقدار لا يزيد عليه ولا ينقص عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.z0Ko1"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله