الآية ١ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ١ من سورة إبراهيم

الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة إبراهيم عليه السلام وهي مكية .

قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.

ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.

قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.

فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.

وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.

هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذاني قال: قال عبدالله فذكر نحوه.

وحُكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.

وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس: الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.

قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.

قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب: فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.

هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.

هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.

ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.

وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لايـ ينقد عنه جلده إذا يـ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وان شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تـ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.

قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.

قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.

وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.

قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.

وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شئ حكمته.

وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.

المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري فى كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.

قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حمعسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.

وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟

فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.

فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.

هل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

فهل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.

ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟

فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.

( كتاب أنزلناه إليك ) أي : هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد ، وهو القرآن العظيم ، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء ، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض ، إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم .

( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) أي : إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب; لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد ، كما قال : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) الآية [ البقرة : 257 ] ، وقال تعالى : ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) [ الحديد : 9 ] .

وقوله : ( بإذن ربهم ) أي : هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم ( إلى صراط العزيز ) أي : العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب ، بل هو القاهر لكل ما سواه ، " الحميد " أي : المحمود في جميع أفعاله وأقواله ، وشرعه وأمره ونهيه ، الصادق في خبره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ذكره الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) قال أبو جعفر الطَبَريّ : قد تقدم منا البيان عن معنى قوله : " الر " ، فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(19) * * * وأما قوله: (كتاب أنـزلناه إليك ) فإن معناه: هذا كتاب أنـزلناه إليك ، يا محمد ، يعني القرآن( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) يقول: لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفرِ ، إلى نور الإيمان وضيائه ، وتُبصِّر به أهلَ الجهل والعمَى سُبُل الرَّشاد والهُدَى.

(20) وقوله: ( بإذن ربهم) يعني: بتوفيق ربهم لهم بذلك ولطفه بهم (21) ( إلى صراط العزيز الحميد) يعني: إلى طريق الله المستقيم ، وهو دينه الذي ارتضاه ، وشَرَعُه لخلقه.

(22) * * * و (الحميد) ، " فعيل " ، صُرِف من " مفعول " إلى " فَعيل " ، ومعناه: المحمود بآلائه .

(23) * * * وأضاف تعالى ذكره إخراجَ الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم لهم بذلك ، إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو الهادي خَلْقَه ، والموفقُ من أحبَّ منهم للإيمان ، إذ كان منه دعاؤهم إليه ، وتعريفهُم ما لهم فيه وعليهم .

فبيّنٌ بذلك صِحة قولِ أهل الإثبات الذين أضافوا أفعال العباد إليهم كَسبًا ، وإلى الله جل ثناؤه إنشاءً وتدبيرًا ، وفسادُ قول أهل القَدر الذين أنكرُوا أن يكون لله في ذلك صُنْعٌ.

(24) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 20559- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله: ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) ، أي من الضلالة إلى الهدى.

------------------------- الهوامش : (20) انظر مراجع ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

(21) انظر تفسير " الإذن " فيما سلف قريبًا : 476 ، تعليق : 3 والمراجع هناك .

(22) انظر تفسير " الصراط " فيما سلف 12 : 556 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

وقد أغفل تفسير " العزيز " ، فانظر ما سلف 15 : 373 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك (23) انظر تفسير " الحميد " فيما سلف 5 : 570/ 9: 296/ 15 : 400 .

(24) " أهل الإثبات " ، هم أهل السنة مثبتو الصفات .

و " أهل القدر " هم المعتزلة ، ومن أنكر القدر .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تفسير سورة إبراهيمصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمامكية كلها في قول الحسن وعكرمة وجابر .

وقال ابن عباس وقتادة : إلا آيتين منها مدنيتين وقيل : ثلاث ، نزلت في الذين حاربوا الله ورسوله وهي قوله تعالى : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا إلى قوله : فإن مصيركم إلى النار .بسم الله الرحمن الرحيمالر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميدقوله تعالى : الر كتاب أنزلناه إليك تقدم معناه .

لتخرج الناس أي بالكتاب ، وهو القرآن ، أي بدعائك إليه .

من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والعلم ; وهذا على التمثيل ; لأن الكفر بمنزلة الظلمة ; والإسلام بمنزلة النور .

وقيل : من البدعة إلى السنة ، ومن الشك إلى اليقين ، والمعنى .

متقارب .بإذن ربهم أي بتوفيقه إياهم ولطفه بهم ، والباء في " بإذن ربهم " متعلقة ب " تخرج " وأضيف الفعل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه الداعي والمنذر الهادي .إلى صراط العزيز الحميد هو كقولك : خرجت إلى زيد العاقل الفاضل من غير واو ، لأنهما شيء واحد ; والله هو العزيز الذي لا مثل له ولا شبيه .

وقيل : العزيز الذي لا يغلبه غالب .

وقيل : العزيز المنيع في ملكه وسلطانه .

الحميد أي المحمود بكل لسان ، والممجد في كل مكان على كل حال .

وروى مقسم عن ابن عباس قال : كان قوم آمنوا بعيسى ابن مريم ، وقوم كفروا به ، فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - آمن به الذين كفروا بعيسى ، وكفر الذين آمنوا بعيسى ; فنزلت هذه الآية ، ذكره الماوردي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه أنزل كتابه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لنفع الخلق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة، وقوله: { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } أي: لا يحصل منهم المراد المحبوب لله، إلا بإرادة من الله ومعونة، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم.

ثم فسر النور الذي يهديهم إليه هذا الكتاب فقال: { إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } أي: الموصل إليه وإلى دار كرامته، المشتمل على العلم بالحق والعمل به، وفي ذكر { العزيز الحميد } بعد ذكر الصراط الموصل إليه إشارة إلى أن من سلكه فهو عزيز بعز الله قوي ولو لم يكن له أنصار إلا الله، محمود في أموره، حسن العاقبة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية [ وهي إحدى وخمسون ] آية إلا آيتين من قوله تعالى : " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا " إلى قوله : " فإن مصيركم إلى النار " ( الر كتاب ) أي : هذا كتاب ( أنزلناه إليك ) يا محمد يعني : القرآن ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) أي : لتدعوهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان .

( بإذن ربهم ) [ بأمر ربهم ] .

وقيل : بعلم ربهم .

( إلى صراط العزيز الحميد ) أي : إلى دينه ، و " العزيز " ، هو الغالب ، و " الحميد " : هو المستحق للحمد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الر» الله أعلم بمراده بذلك، هذا القرآن «كتاب أنزلناه إليك» يا محمد «لتخرج الناس من الظلمات» الكفر «إلى النور» الإيمان «بإذن» بأمر «ربهم» ويبدل من: إلى النور «إلى صراط» طريق «العزيز» الغالب «الحميد» المحمود.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(الر) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

سورة إبراهيم - عليه السلام - من السور القرآنية التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى - : ( الار ) .وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف عند تفسيرنا لسور : آل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد .وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله .

هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونهه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، فإن لم تستطيعوا فهاتوا عشر سور من مثله ، فإن عجزتم فهاتوا سورة واحدة من مثله .قال - تعالى - : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) وقوله ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ) تنويه بشأن القرآن الكريم ، وبيان للغرض السامى الذى أنزله الله - تعالى - من أجله .والظلمات : جمع ظلمة ، والمراد بها : الكفر والضلال ، والمراد بالنور : الإِيمان والهداية .والباء فى ( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) للسببية ، والجار والمجرور متعلق بقوله ( لِتُخْرِجَ ) .والصراط : الجادة والطريق ، من سرط الشئ إذا ابتلعه ، وسمى الطريق بذلك ، لأنه يبتلع المارين فيه ، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش .والمعنى : هذا كتاب جليل الشأن ، عظيم القدر ، أنزلناه إليك يا محمد ، لكى تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال ، إلى نور الإِيمان والعلم والهداية وهذا الإِخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره .وقوله ( إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ) بدل من قوله ( إِلَى النور ) .أى لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله ( العزيز ) أى : الذى يَغلب ولا يُغلب ( الحميد ) أى : المحمود بكل لسان .وأسند - سبحانه - الإِخراج إلى النبى صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التى تنقل الناس من الكفر إلى الإِيمان ، ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات - كما يقول الإِمام الرازى - ، لأنه ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية ، وشبه الإِيمان بالنور ، لأنه ناية ما ينجلى به طريق هدايته " .وفى جمع " الظلمات " وإفراد " النور " إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة ، وأما الإِيمان فطريق واحد .وقوله - سبحانه - : ( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة الله - تعالى - ومشيئته ، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط ، أما الهداية فمن الله وحده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد.

ومتى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء، وإنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ ومنسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة وقوله: ﴿ الر كِتَابٌ ﴾ معناه أن السورة المسماة بالر كتاب أنزلناه إليك لغرض كذا وكذا فقوله: ﴿ الر ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ خبره وقوله: ﴿ أنزلناه إِلَيْكَ ﴾ صفة لذلك الخبر وفيه مسائل: المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلاً من عند الله تعالى.

قالت المعتزلة: النازل والمنزل لا يكون قديماً.

وجوابنا: أن الموصوف بالنازل والمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة بلا نزاع.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: اللام في قوله: ﴿ لِتُخْرِجَ الناس ﴾ لام الغرض والحكمة، وهذا يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض، وذلك يدل على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية المصالح.

أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلاً لأجل شيء آخر فهذا إنما يفعله لو كان عاجزاً عن تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حق الله تعالى محال، وإذا ثبت بالدليل أنه يمتنع تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ثبت أن كل ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر.

المسألة الثالثة: إنما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية وشبه الإيمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته.

المسألة الرابعة: قال القاضي: هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات: أحدها: أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح إخراجه منه بالكتاب.

وثانيها: أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن كان خالق ذلك الكفر هو الله تعالى فكيف يصح من الرسول عليه الصلاة والسلام إخراجهم منه وكان للكافر أن يقول: إنك تقول: إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن تخرجنا منه فإن قال لهم: أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع، فلهم أن يقولوا: إن كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج وإن لم يخلقه فنحن خارجون منه بلا إخراج.

وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم إنما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليهم ليتدبروه وينظروا فيه فيعلموا بالنظر والاستدلال كونه تعالى عالماً قادراً حكيماً ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع، وذلك لا يصح إلا إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم، ويصح منهم أن يقدموا عليه ويتصرفوا فيه.

والجواب عن الكل أن نقول: الفعل الصادر من العبد إما أن يصدر عنه حال استواء الداعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر، والأول: باطل، لأن صدور الفعل رجحان لجانب الوجود على جانب العدم، وحصول الرجحان حال حصول الاستواء محال.

والثاني: عين قولنا لأنه يمتنع صدور الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان، فإن كان ذلك الرجحان منه عاد السؤال، وإن لم يكن منه بل من الله تعالى، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو الله تعالى وذلك هو المطلوب والله أعلم.

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا على صحة قولهم في أن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ فإن معنى الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن ربهم، والمراد بهذا الإذن إما الأمر، وإما العلم، وإما المشيئة والخلق.

وحمل الإذن على الأمر محال، لأن الإخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على الأمر، فإنه سواء حصل الأمر أو لم يحصل، فإن الجهل متميز عن العلم والباطل متميز عن الحق، وأيضاً حمل الإذن على العلم محال، لأن العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه فالعلم بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج ويمتنع أن يقال إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج ولما بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن يكون المراد من الإذن المشيئة والتخليق، وذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بمشيئة الله وتخليقه.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف.

قلنا: لفظ اللطف لفظ مجمل ونحن نفصل القول فيه فنقول: المراد بالإذن إما أن يكون أمراً يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم أو لا يقتضي ذلك، فإن كان الثاني لم يكن فيه أمر ألبتة، فامتنع أن يقال: إنه مما حصل بسببه ولأجله فبقي الأول وهو أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم.

وقد دللنا في الكتب العقلية على أنه متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو عين قولنا، والله أعلم.

المسألة السادسة: القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام، احتجوا عليه بهذه الآية وقالوا: إنه تعالى صرح في هذه الآية بأن الرسول هو الذي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وذلك يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم.

وجوابنا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون كالمنبه، وأما المعرفة فهي إنما تحصل بالدليل، والله أعلم.

المسألة السابعة: الآية دالة على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة وأن طريق الخير ليس إلا الواحد، لأنه تعالى قال: ﴿ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان والهداية بالنور وهو لفظ مفرد، وذلك يدل على أن طرق الجهل كثيرة، وأما طريق العلم والإيمان فليس إلا الواحد.

المسألة الثامنة: في قوله تعالى: ﴿ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ﴾ وجهان الأول: أنه بدل من قوله إلى النور بتكرير العامل كقوله: ﴿ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ  ﴾ الثاني: يجوز أن يكون على وجه الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور فقيل: ﴿ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ﴾ .

المسألة التاسعة: قالت المعتزلة: الفاعل إنما يكون آتياً بالصواب والصلاح، تاركاً للقبيح والعبث إذا كان قادراً على كل المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات، فإنه إن لم يكن قادراً على الكل فربما فعل القبيح بسبب العجز، وإن لم يكن عالماً بكل المعلومات فربما فعل القبيح بسبب الجهل، وإن لم يكن غنياً عن كل الحاجات فربما فعل القبيح بسبب الحاجة، أما إذا كان قادراً على الكل عالماً الكل غنياً عن الكل امتنع منه الإقدام على فعل القبيح، فقوله: ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى كمال القدرة، وقوله: ﴿ الحميد ﴾ إشارة إلى كونه مستحقاً للحمد في كل أفعاله، وذلك إنما يحصل إذا كان عالماً بالكل غنياً عن الكل فثبت بما ذكرنا أن صراط الله إنما كان موصوفاً بكونه شريفاً رفيعاً عالياً لكونه صراطاً مستقيماً للإله الموصوف بكونه عزيزاً حميداً، فلهذا المعنى: وصف الله نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام.

المسألة العاشرة: إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد، لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه تعالى قادراً، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً، ثم بعد ذلك العلم بكونه غنياً عن الحاجات، والعزيز هو القادر والحميد هو العالم الغني، فلما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً بالكل غنياً عن الكل لا جرم قدم الله ذكر العزيز على ذكر الحميد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كتاب ﴾ هو كتاب، يعني السورة.

وقرئ: ﴿ ليخرج الناس ﴾ .

والظلمات والنور: استعارتان للضلال والهدى ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ بتسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق ﴿ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ﴾ بدل من قوله إلى النور بتكرير العامل، كقوله: ﴿ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ ﴾ [الأعراف: 75] ويجوز أن يكون على وجه الاستئناف، كأنه قيل: إلى أي نور؟

فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.

وقوله: ﴿ الله ﴾ عطف بيان للعزيز الحميد؛ لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة كما غلب النجم في الثريا.

وقرئ بالرفع على: ﴿ هو الله ﴾ .

الويل: نقيض الوأل، وهو النجاة اسم معنى، كالهلاك؛ إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال: ويلاً له، فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات، فيقال: ويل له، كقوله سلام عليك.

ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل.

فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: ﴿ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ بالويل؟

قلت: لأنّ المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد، ويضجون منه، ويقولون: يا ويلاه، كقوله: ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ [الفرقان: 13] ﴿ الذين يَسْتَحِبُّونَ ﴾ مبتدأ خبره: أولئك في ضلال بعيد ويجوز أن يكون مجروراً صفة للكافرين، ومنصوباً على الذمّ.

أو مرفوعاً على أعني الذين يستحبون أو هم الذين يستحبون، والاستحباب: الإيثار والاختيار، وهو استفعال من المحبة؛ لأنّ المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إِليه وأفضل عندها من الآخر.

وقرأ الحسن ﴿ ويصِدّون ﴾ ، بضم الياء وكسر الصاد.

يقال: صدّه عن كذا، وأصدّه، قال: أُنَاسٌ اصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ والهمزة فيه داخلة على صدّ صدوداً، لتنقله من غير التعدّي إلى التعدّي.

وأما صدّه، فموضوع على التعدية كمنعه، وليست بفصيحة كأوقفه؛ لأنّ الفصحاء استغنوا بصدّه ووقفه عن تكلف التعدية بالهمزة ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ ويطلبون لسبيل الله زيغاً واعوجاجاً، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل: ويبغون لها، فحذف الجار وأوصل الفعل ﴿ فِى ضلال بَعِيدٍ ﴾ أي ضلوا عن طريق الحق، ووقفوا دونه بمراحل.

فإن قلت: فما معنى وصف الضلال بالبعد.

قلت: هو من الإسناد المجازي، والبعد في الحقيقة للضالّ؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جدّ جدّه، ويجوز أن يراد: في ضلال ذي بعد.

أو فيه بعد: لأنّ الضالّ قد يضلّ عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ إبْراهِيمَ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر كِتابٌ ﴾ أيْ هو كِتابٌ.

﴿ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ ﴾ بِدُعائِكَ إيّاهم إلى ما تَضَمَّنَهُ.

﴿ مِنَ الظُّلُماتِ ﴾ مِن أنْواعِ الضَّلالِ.

﴿ إلى النُّورِ ﴾ إلى الهُدى.

﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ بِتَوْفِيقِهِ وتَسْهِيلِهِ مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ، وهو صِلَةٌ ﴿ لِتُخْرِجَ ﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ.

﴿ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ إلى النُّورِ ﴾ بِتَكْرِيرِ العامِلِ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَسْألُ عَنْهُ، وإضافَةُ الصِّراطِ إلى اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّهُ مَقْصِدُهُ أوِ المَظْهِرُ لَهُ وتَخْصِيصُ الوَصْفَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَذِلُّ سالِكُهُ ولا يَخِيبُ سابِلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{آلر كِتَابٌ} هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب يعني السورة والجملة التي هي {أنزلناه إِلَيْكَ} في موضع الرفع صفة للنكرة {لِتُخْرِجَ الناس} بدعائك إياهم {مِنَ الظلمات إِلَى النور} من الضلالة إلى الهدى {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} بتيسيره وتسهيله مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب

إبراهيم (١ _ ٥)

وذلك ما يمنحهم من التوفيق {إلى صراط} بدل من النور بتكرير العامل {العزيز} الغالب بالانتقام {الحميد} المحمود على الإنعام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

( سُورَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ 14 ) أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ والظّاهِرُ أنَّهُما أرادا أنَّها كُلَّها كَذَلِكَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ مِنها فَإنَّهُما نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في قَتْلى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ وقالَ الإمامُ: إذا لَمْ يَكُنْ في السُّورَةِ ما يَتَّصِلُ بِالأحْكامِ فَنُزُولُها بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ سَواءٌ إذْ لا يَخْتَلِفُ الغَرَضُ فِيهِ إلّا أنْ يَكُونَ فِيها ناسِخٌ أوْ مَنسُوخٌ فَتَظْهَرُ فائِدَتُهُ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ الحالُ وتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ إلّا بِما ذُكِرَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إلّا ضَبْطُ زَمانِ النُّزُولِ وكَفى بِهِ فائِدَةٌ هَلْ في هَذِهِ السُّورَةِ مَنسُوخٌ أوْ لا قَوْلانِ والجُمْهُورُ عَلى الثّانِي وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ فِيها آيَةً مَنسُوخَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ فَإنَّهُ قَدْ نُسِخَتْ بِاعْتِبارِ الآخَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وفِيهِ نَظَرٌ وهي إحْدى وخَمْسُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ وقِيلَ: خَمْسُونَ فِيهِ واثْنانِ وخَمْسُونَ في الكُوفِيِّ وأرْبَعٌ في المَدَنِيِّ وخَمْسٌ في الشّامِيِّ وارْتِباطُها بِالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها واضِحٌ جِدًّا لِأنَّهُ قَدْ ذُكِرَ في تِلْكَ السُّورَةِ مِن مَدْحِ الكِتابِ وبَيانِ أنَّهُ مُغْنٍ عَمّا اقْتَرَحُوهُ ما ذُكِرَ وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِوَصْفِ الكِتابِ والإيماءِ إلى أنَّهُ مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا وإذا أُرِيدَ بِـ ( مَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ) اللَّهُ تَعالى ناسَبَ مَطْلَعُ هَذِهِ خِتامَ تِلْكَ أشَدَّ مُناسَبَةٍ وأيْضًا قَدْ ذُكِرَ في تِلْكَ إنْزالُ القُرْآنِ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَمْ يُصَرِّحْ فِيها بِحِكْمَةِ ذَلِكَ وصَرَّحَ بِها هُنا وأيْضًا تَضَمَّنَتْ تِلْكَ الإخْبارَ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِأنَّهُ ما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الإخْبارَ بِهِ مِن جِهَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأنَّهم قالُوا: ما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَ بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وأيْضًا ذُكِرَ هُناكَ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ وحُكِيَ هُنا عَنِ إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَوَكُّلُهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وأمْرُهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ واشْتَمَلَتْ تِلْكَ عَلى تَمْثِيلٍ لِلْحَقِّ والباطِلِ واشْتَمَلَتْ هَذِهِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى بَعْضِ ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ إلى آخِرِهِ وأيْضًا ذُكِرَ في الأُولى مِن رَفْعِ السَّماءِ ومَدِّ الأرْضِ وتَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ما ذُكِرَ وذُكِرَ هُنا نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ اعْتَبَرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا آياتٍ وما ذُكِرَ ثانِيًا نِعَمًا وصَرَّحَ في كُلٍّ بِأشْياءَ لَمْ يُصَرِّحْ بِها في الآخَرِ وأيْضًا قَدْ ذُكِرَ هُناكَ مَكْرُ الكَفَرَةِ وذُكِرَ هُنا أيْضًا وذُكِرَ مِن وصْفِهِ ما لَمْ يُذْكَرْ هُناكَ وأيْضًا قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّهُ ذُكِرَ في الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهُمْ ﴾ وذَلِكَ مُجْمَلٌ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ الرُّسُلِ والمُسْتَهْزِئِينَ وصِفَةِ الِاسْتِهْزاءِ والأخْذِ وقَدْ فُصِّلَتِ الأرْبَعَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ الآياتِ وقَدِ اشْتَرَكَتِ السُّورَتانِ مِمّا عَدا افْتِتاحَ كُلٍّ مِنهُما بِالمُتَشابَهِ بِأنَّ كُلًّا قَدِ افْتُتِحَ بِالألِفِ واخْتُتِمَ بِالباءِ وجَمَعا أيْضًا في آخِرِ ما خُتِما بِهِ وبَقِيَ مُناسَباتٌ بَيْنَهُما غَيْرَ ما ذَكَرْنا لَوْ ذَكَرْناها لَطالَ الكَلامُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما في كِتابِهِ.

( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر ﴾ ) مَرَّ الكَلامُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿ كِتابٌ ﴾ جُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لالر عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً أوْ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَسْرُودًا عَلى نَمَطٍ التَّعْدِيدِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي أُخْبِرَ عَنْهُ بِالر وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وسُوِّغَ الِابْتِداءُ بِهِ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا في التَّقْدِيرِ أيْ كِتابٌ عَظِيمٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ﴾ إمّا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أوِ الخَبَرِ وهو مَعَ مُبْتَدَآتِهِ قِيلَ في مَوْضِعِ التَّفْسِيرِ وفي إسْنادِ الإنْزالِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ ومُخاطَبَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ إسْنادِ الإخْراجِ إلَيْهِ  في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ والمُرادُ مِنَ النّاسِ جَمِيعُهم أيْ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَهم كافَّةً بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ البَيِّناتِ الواضِحَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى الكاشِفَةِ عَنِ العَقائِدِ الحَقَّةِ مِن عَقائِدِ الكُفْرِ والضَّلالِ وعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الآلِهَةِ المُخْتَلِفَةِ كالمَلائِكَةِ وخَواصِّ البَشَرِ والكَواكِبِ والأصْنامِ الَّتِي كُلُّها ظُلُماتٌ مَحْضَةٌ وجَهالاتٌ صِرْفَةٌ إلى الحَقِّ المُؤَسَّسِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو نُورٌ بَحْتٌ وقُرِئَ ( لِيُخْرَجَ النّاسُ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ في ( يُخْرَجُ ) ورَفْعُ ( النّاسُ ) بِهِ ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ تَعالى وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي يُوجِبُ تَسْهِيلَ الحِجابِ لِمَن يَقْصِدُ الوُرُودَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلامَةِ اللُّزُومِ وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: إذْنُهُ تَعالى أمْرُهُ وقِيلَ: عِلْمُهُ سُبْحانَهُ وقِيلَ: إرادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ وهي عَلى ما قِيلَ مُتَقارِبَةٌ ومَنَعَ الإمامُ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الأمْرُ أوِ العِلْمُ وعَلَّلَهُ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ وفي الكَلامِ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا ثَلاثُ اسْتِعاراتٍ إحْداها ما سَمِعْتَ في الإذْنِ والأُخْرَيانِ في ﴿ الظُّلُماتِ ﴾ و ﴿ النُّورِ ﴾ وقَدْ أُشِيرَ إلى المُرادِ مِنهُما وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِعارَةً مُرَكَّبَةً تَمْثِيلِيَّةً بِتَصْوِيرِ الهُدى بِالنُّورِ والضَّلالِ بِالظُّلْمَةِ والمُكَلَّفِ المُنْغَمِسِ في ظُلْمَةِ الكُفْرِ بِحَيْثُ لا يَتَسَهَّلُ لَهُ الخُرُوجُ إلى نُورِ الإيمانِ إلّا بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعالى بِإرْسالِ رَسُولٍ بِكِتابٍ يُسَهِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَن وقَعَ في تِيهٍ مُظْلِمٍ لَيْسَ مِنهُ خَلاصٌ فَبُعِثَ مَلَكٌ تَوْقِيعًا لِبَعْضِ خَواصِّهِ في اسْتِخْلاصِهِ وضَمِنَ تَسْهِيلَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ هُنا ما كانَ مُسْتَعْمَلًا هُناكَ فَقِيلَ: ﴿ كِتابٌ أنْزَلْناهُ ﴾ إلى آخِرِهِ وكانَ الظّاهِرُ بِإذْنِنا إلّا أنَّهُ وُضِعَ ذَلِكَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وقِيلَ: ﴿ رَبِّهِمْ ﴾ لِلْإشْعارِ بِالتَّرْبِيَةِ واللُّطْفِ والفَضْلِ وبِأنَّ الهِدايَةَ لُطْفٌ مَحْضٌ وفِيهِ أنَّ الكِتابَ والرَّسُولَ والدَّعْوَةَ لا تُجْدِي دُونَ إذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ .

اهَـ.

وما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مَعَ بَلاغَتِهِ وحُسْنِهِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ وكَأنَّهُ لِلْإنْباءِ عَنْ كَوْنِ التَّيْسِيرِ والتَّوْفِيقِ مَنُوطَيْنِ بِالإقْبالِ إلى الحَقِّ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ ﴾ اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ الإذْنُ الَّذِي هو ما عَلِمْتَ وأُضِيفَ إلى ضَمِيرِ النّاسِ اسْمُ الرَّبِّ المُفْصِحِ عَنِ التَّرْبِيَةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَبْلِيغِ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ وشُمُولُ الإذْنِ بِذَلِكَ المَعْنى لِلْكُلِّ واضِحٌ وعَلَيْهِ يَدُورُ كَوْنُ الإنْزالِ لِإخْراجِهِمْ جَمِيعًا وعَدَمُ تَحَقُّقِ الإذْنِ بِالفِعْلِ في بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ المُسْتَنِدِ إلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ ورَداءَةُ اسْتِعْدادِهِمْ غَيْرُ مُخِلٍّ بِذَلِكَ ومِن هُنا فَسادُ قَوْلِ الطَّبَرْسِيِّ: إنَّ اللّامَ لامُ الغَرَضِ لا لامُ العاقِبَةِ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ النّاسِ مُؤْمِنِينَ والواقِعُ بِخِلافِهِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ المُعْتَزِلَةَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى تُعَلَّلُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ ثُمَّ ساقَ دَلِيلَ أصْحابِهِ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ وذَكَرَ أنَّهُ إذا ثَبَتَ الِامْتِناعُ يَلْزَمُ تَأْوِيلُ كَلِّ ما أشْعَرَ بِخِلافِهِ وتَأْوِيلُهُ بِحَمْلِ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ ونَحْوِها ونُقِلَ عَنِ ابْنِ القَيِّمِ وغَيْرِهِ القَوْلُ بِالتَّعْلِيلِ وأنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ وأنَّ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ما يَزِيدُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ مَوْضِعٍ ظاهِرُهُ في ذَلِكَ وتَأْوِيلُ الجَمِيعِ خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ ولَيْسَ الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ مِنَ المَتانَةِ عَلى وجْهٍ يُضْطَرُّ مَعَهُ إلى التَّأْوِيلِ ولِلشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ كَلامٌ نَفِيسٌ في هَذا الغَرَضِ سالِمٌ فِيما أرى عَنِ العِلَّةِ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( تُخْرِجَ ) عَلى ما هو الظّاهِرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ومِنهم مَن جَوَّزَ كَوْنَهُ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ مُلْتَبِسًا بِإذْنِ رَبِّهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِ  ورُدَّ بِما رُدَّ فَتَأمَّلْ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ إلّا مِن طَرِيقِ التَّعْلِيمِ مِنَ الرَّسُولِ  حَيْثُ ذُكِرَ فِيها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الَّذِي يُخْرِجُ النّاسَ مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ إلى نُورِ الهُدى وأُجِيبَ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالمُنَبِّهِ وأمّا المَعْرِفَةُ فَإنَّما تَحْصُلُ مِنَ الدَّلِيلِ واسْتَدَلَّ بِها أيْضًا كُلٌّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وأهْلِ السُّنَّةِ عَلى مَذْهَبِهِ في أفْعالِ العِبادِ وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ الإمامِ.

﴿ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ .

(1) .

الجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ فِيما تَقَدَّمَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إلى النُّورِ ﴾ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ ﴿ صِراطِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿ النُّورِ ﴾ وأُعِيدَ عامِلُهُ وكُرِّرَ لَفْظًا لِيَدُلَّ عَلى البَدَلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ ﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ إذْ هو مِن مَعْمُولاتِ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ واسْتُشْكِلَ هَذا مَعَ الِاسْتِعارَةِ السّابِقَةِ بِأنَّ التَّعْقِيبَ بِالبَدَلِ لا يَتَقاعَدُ عَنِ التَّعْقِيبِ بِالبَيانِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الصِّراطَ اسْتِعارَةٌ أُخْرى لِلْهُدى جُعِلَ نُورًا أوَّلًا لِظُهُورِهِ في نَفْسِهِ واسْتِضاءَةِ الضَّلالِ في مُهْواةِ الهَوى بِهِ ثُمَّ جُعِلَ ثانِيًا جادَّةً مَسْلُوكَةً مَأْمُونَةً كَبِنْياتِ الطُّرُقِ دَلالَةً عَلى تَمامِ الإرْشادِ.

وفِي الإرْشادِ أنَّ إخْلالَ البَيانِ والبَدَلِ بِالِاسْتِعارَةِ إنَّما هو في الحَقِيقَةِ لا في المَجازِ وهو ظاهِرٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ سائِلٍ يَسْألُ إلى أيِّ نُورٍ فَقِيلَ: ﴿ إلى صِراطِ ﴾ إلى آخِرِهِ وإضافَةُ الصِّراطِ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مَقْصِدُهُ أوِ المُبَيِّنُ لَهُ وتَخْصِيصُ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ بِالذِّكْرِ لِلتَّرْغِيبِ في سُلُوكِهِ إذْ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَعِزُّ سالِكُهُ ويُحْمَدُ سابِلُهُ وقالَ أبُو حَيّانَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ قَبْلَ إنْزالِهِ تَعالى لِهَذا الكِتابِ وإخْراجِ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ناسَبَ ذِكْرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ صِفَةُ العِزَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْقُدْرَةِ والغَلَبَةِ لِإنْزالِهِ مِثْلَ هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ وصِفَةُ الحَمْدِ لِإنْعامِهِ بِأعْظَمِ النِّعَمِ لِإخْراجِ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ووَجْهُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى هَذا ظاهِرٌ.

وقالَ الإمامُ: إنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الحَمِيدِ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ والعَزِيزُ هو القادِرُ والحَمِيدُ هو العالِمُ الغَنِيُّ فَلَمّا كانَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُتَقَدِّمًا عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِالكُلِّ غَنِيًّا عَنْهُ لا جَرَمَ قُدِّمَ ذِكْرُ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الحَمِيدِ.

اهَـ.

ولَمْ نَرَ تَفْسِيرَ ﴿ الحَمِيدِ ﴾ بِما ذَكَرَ لِغَيْرِهِ وفي المَواقِفِ وشَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ وغَيْرِهِما أنَّ الحَمِيدَ هو المَحْمُودُ المُثْنى عَلَيْهِ وهو سُبْحانَهُ مَحْمُودٌ بِحَمْدِهِ لِنَفْسِهِ أزَلًا وبِحَمْدِ عِبادِهِ لَهُ تَعالى أبَدًا وبَيْنَ هَذا وما ذَكَرَهُ الإمامُ بُعْدٌ بِعِيدٌ وأمّا ما ذَكَرَهُ في العَزِيزِ فَهو قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ وقِيلَ: هو الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ.

ورُبَّما يُقالُ عَلى هَذا: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاعْتِناءِ بِالصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُمُ: التَّخْلِيَةُ أوْلى مِنَ التَّحْلِيَةِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ولَعَلَّ كَلامَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية وهي: اثنتان وخمسون آية إلا آيتين مدنيّتين قال الله عزّ وجلّ: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يعني: هذا كتاب أنزلنا جبريل ليقرأ عليك، وهو القرآن لِتُخْرِجَ النَّاسَ أي: لتدعو الناس مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: من الكفر إلى الإيمان.

وسمى الكفر ظلمات، لأن الكفر طريق الضلالة، فمن وقع فيه ضلّ الطريق.

وسمى الإيمان نوراً، لأنه طريق واضح مبين بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يقول: بأمر ربهم إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني: دين الإسلام العزيز، المنيع بالنقمة لمن لم يجب الرسول، الْحَمِيدِ لمن وحده.

ويقال: الْحَمِيدِ في فعاله.

ويقال: الْحَمِيدِ لأفعال الخلق.

يشكر لهم اليسير من أعمالهم، ويعطي الجزيل.

ثم قال الله تعالى: اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق.

قرأ ابن عامر ونافع: اللَّهِ بالضم على معنى الابتداء، وقرأ الباقون: اللَّهِ بالكسر على معنى البناء.

ثم قال: وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ يعني: الكافرين بوحدانية الله تعالى مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي: غليظ دائم.

والويل: الشدة من العذاب.

ويقال: الويل وادٍ في جهنم.

ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: يستأثرون ويختارون الدنيا الفانية عَلَى الْآخِرَةِ الباقية، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: يصرفون الناس عن ملة الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجاً يعني: يريدون بملة الإسلام غيراً وزيغاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ عن الحق.

يعني: في خطأ طويل بعيد عن الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة إبراهيم]

هذه السورة مكّيّة إلا آيتين، وهما قوله عزّ وجلّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً ...

[إبراهيم: ٢٨] إلى آخر الآيتين، ذكره مكّيّ والنّقّاش.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)

قوله عزَّ وجلَّ: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ قال القاضِي ابنُ الطَّيب، وأبو المعالى وغيرهما: إِن الإِنزال لم يتعلَّق بالكلامِ القَدِيمِ الذي هو صفةُ الذاتِ، لكَنْ بالمعاني التي أفْهَمَهَا اللَّهُ تعالَى جِبْرِيلِ عليه السلام من الكَلاَم.

وقوله: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ: في هذه اللفظة تشريف للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعَمَّ الناس إِذ هو مبعوثٌ إِلى جميعِ الخَلْق، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ «١» : «اللَّهُ الَّذِي له ما في السموات وما في الأرض» برفع اسم اللَّه على القطْعِ والابتداءِ، وقرأ الباقون بخَفْضِ الهَاء، وَوَيْلٌ: معناه: وشدَّةٌ وبَلاَءٌ، وباقي الآية بيّن.

وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ إبْراهِيمَ [ عَلَيْهِ السَّلامُ ] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ بَيْنَهم، إلّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: سِوى آيَتَيْنِ مِنها، وهُما قَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ والَّتِي بَعْدَها [إبْراهِيمَ: ٢٨،٢٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: " آلر " قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يُونُسَ:١] .

وقَوْلُهُ: ﴿ كِتابٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا كِتابٌ، والكِتابُ: القُرْآنُ.

وَفِي المُرادِ بِالظُّلُماتِ والنُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الظُّلُماتِ: الكُفْرُ، والنُّورَ: الإيمانُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: الضَّلالَةُ، والنُّورَ: الهُدى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الشَّكُّ، والنُّورَ: اليَقِينُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِأمْرِ رَبِّهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإذْنُ نَفْسُهُ، فالمَعْنى: بِما أذِنَ لَكَ مِن تَعْلِيمِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ثُمَّ بَيَّنَ ما النُّورُ ؟، فَقالَ: ﴿ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: جَلَسْتُ إلى زَيْدٍ، إلى العاقِلِ الفاضِلِ، وإنَّما تُعادُ " إلى " بِمَعْنى التَّعْظِيمِ لِلْأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: إذا خَدِرَتْ رِجْلِي تَذَكَّرْتُ مَن لَها فَنادَيْتُ لُبْنى بِاسْمِها ودَعَوْتُ دَعَوْتُ الَّتِي لَوْ أنَّ نَفْسِي تُطِيعُنِي ∗∗∗ لَألْقَيْتُها مِن حُبِّها وقَضَيْتُ فَأعادَ " دَعَوْتُ " لِتَفْخِيمِ الأمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " الحَمِيدِ اللَّهِ " عَلى البَدَلِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ: " الحَمِيدِ اللَّهُ " رَفْعًا عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ألْفاظِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا  ﴾ إلى آخَرَ الآيَتَيْنِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، والنَقّاشٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ اللهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"كِتابٌ" رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هَذا كِتابٌ، وهَذا عَلى أكْثَرِ الأقْوالِ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وأمّا مَن قالَ فِيها: "إنَّها كِنايَةٌ عن حُرُوفِ المُعْجَمِ"، فَـ "كِتابٌ" مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ: "الر"، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ.

وقَوْلُهُ: "أنْزَلْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "الكِتابِ"، قالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ، وأبُو المَعالِي، وغَيْرُهُما: إنَّ الإنْزالَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالكَلامِ القَدِيمِ الَّذِي هو صِفَةُ الذاتِ، لَكِنْ بِالمَعانِي الَّتِي أفْهَمَها اللهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الكَلامِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "لِتُخْرِجَ" أسْنَدَ الإخْراجَ إلى النَبِيِّ  مِن حَيْثُ لَهُ فِيهِ المُشارِكَةُ بِالدُعاءِ والإنْذارِ، وحَقِيقَتُهُ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ والهِدايَةِ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ  ، وعَمَّ "الناسَ" إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِآياتِ القُرْآنِ الَّتِي اقْتَرَنَ بِها ما نُقِلَ تَواتُرًا مِن دَعَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ العالَمَ كُلَّهُ، ومِن بَعْثَتِهِ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، عَلِمَ ذَلِكَ الصَحابَةُ مُشاهَدَةً، ونُقِلَ عنهم تَواتَرًا، فَعُلِمَ قَطْعًا والحَمْدُ لِلَّهِ.

واسْتُعِيرَ الظُلُماتُ لِلْكَفْرِ والنُورُ لِلْإيمانِ تَشْبِيهًا، وقَوْلُهُ: ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ بِهِ وتَمْكِينِهِ لَهم.

و"إلى" في قَوْلِهِ: ﴿ إلى صِراطِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى النُورِ ﴾ ، أيْ إلى المَحَجَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى طاعَةِ اللهِ والإيمانِ بِهِ ورَحْمَتِهِ، فَأضافَها إلى اللهِ بِهَذِهِ المُتَعَلِّقاتِ، و ﴿ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِهَذا المَوْضِعِ، فالعِزَّةُ مِن حَيْثُ الإنْزالِ لِلْكُتُبِ، وما في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ القُدْرَةِ، واسْتِيجابِ الحَمْدِ مِن جِهَةِ بَثِّ هَذِهِ النِعَمِ عَلى العالَمِ في نَصْبِ هِدايَتِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "اللهُ الَّذِي" بِرَفْعِ اسْمِ اللهِ عَلى القَطْعِ والِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "الَّذِي"، ويَصِحُّ رَفْعُهُ عَلى تَقْدِيرِ: "هُوَ اللهُ الَّذِي"، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهاءِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ ، ورَوى الأصْمَعِيُّ وحْدَهُ هَذِهِ القِراءَةَ عن نافِعٍ، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عن هَذا بِأنْ قالَ: التَقْدِيرُ: "إلى صِراطِ اللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، ثُمَّ قَدَّمَ الصِفاتِ وأبْدَلَ مِنها المَوْصُوفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا كانَتْ هَكَذا فَلَيْسَتْ بَعْدُ بِصِفاتٍ عَلى طَرِيقَةِ صِناعَةِ النَحْوِ، وإنْ كانَتْ بِالمَعْنى صِفاتَهُ ذُكِرَ مَعَها أو لَمْ يُذْكَرْ.

وَقَوْلُهُ: "وَوَيْلٌ" مَعْناهُ: وشِدَّةٌ وبَلاءٌ ونَحْوُهُ، أيْ يَلْقُونَهُ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ يَنالُهُمُ اللهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الدُنْيا، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: "وَوَيْلٌ"، وقالَ بَعْضٌ: "وَيْلٌ" اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَبَرٌ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ، ثُمَّ لَوْ كانَ هَذا لَقَلِقَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ مِن عَذابٍ ﴾ ، وإنَّما يَحْسُنُ تَأوَّلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ وما أشْبَهَهُ، وأمّا هُنا فَإنَّما يَحْسُنُ في "وَيْلٌ" أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، ورَفْعُهُ عَلى نَحْوِ رَفْعِهِمْ "سَلامٌ عَلَيْكَ" وشَبَهَهُ.

و"الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الكافِرِينَ"، وقَوْلُهُ: "يَسْتَحِبُّونَ" مِن صِفَةِ الكافِرِينَ الَّذِينَ تَوَعَّدَهم قَبْلُ، والمَعْنى: يُؤْثِرُونَ دُنْياهم وكَفْرَهم وتَرْكَ الإذْعانِ لِلشَّرْعِ عَلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وسُكْنى جَنَّتِهِ.

وقَوْلُهُ: "يَصُدُّونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَدّى وأنْ يَقِفَ، والمَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مُسْتَقِلُّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ" و"صَدَّ غَيْرَهُ"، ومِن تَعْدِيَتِهِ قَوْلُ الشاعِرِ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا و ﴿ سَبِيلِ اللهِ ﴾ طَرِيقَةُ هُداهُ وشَرْعُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُهُ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ مِنَ التَأْوِيلِ: أظْهَرُها أنْ يُرِيدَ: ويَطْلُبُونَها في حالَةِ عِوَجٍ مِنهم.

ولا يُراعى إنْ كانُوا بِزَعْمِهِمْ عَلى طَرِيقِ نَظَرٍ وبِسَبِيلِ اجْتِهادٍ واتِّباعِ الأحْسَنِ، فَقَدْ وصَفَ اللهُ تَعالى حالَهم تِلْكَ بِالعِوَجِ، وكَأنَّهُ قالَ: ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ الَّتِي هي بِالحَقِيقَةِ نَبِيلَةٌ، ويَطْلُبُونَها عَلى عِوَجٍ في النَظَرِ.

والتَأْوِيلُ الثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَطْلُبُنَّ لَها عِوَجًا يَظْهَرُ فِيها، أيْ: يَسْعَوْنَ عَلى الشَرِيعَةِ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَـ "عِوَجًا" مَفْعُولٌ.

والتَأْوِيلُ الثالِثُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِنَ البَغْيِ عَلى مَعْنى: ويَبْغُونَ عَلَيْها أو فِيها عِوَجًا، ثُمَّ حُذِفَ الجارُ، وفي هَذا بَعْضُ القَلَقِ.

وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُغَةِ: العِوَجُ -بِكَسْرِ العَيْنِ- في الدِينِ والأُمُورِ، وبِالجُمْلَةِ في المَعانِي، والعَوَجُ -بِفَتْحِ العَيْنِ في الأجْرامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْتَرَضُ هَذا القانُونُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا  ﴾ ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا  ﴾ ، وقَدْ تَتَداخَلُ اللَفْظَةُ مَعَ الأُخْرى، ووَصْفُ الضَلالِ بِالبُعْدِ عِبارَةٌ عن تَعَمُّقِهِمْ فِيهِ وصُعُوبَةِ خُرُوجِهِمْ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الر ﴾ .

تقدم الكلام عى الحروف المقطعة في فاتحة سورة البقرة وعلى نظير هذه الحروف في سورة يونس.

﴿ كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ﴾ الكلام على تركيب ﴿ الر كتاب أنزلته إليك ﴾ كالكلام على قوله تعالى: ﴿ ألمص كتاب أنزل إليك ﴾ [سورة الأعراف: 1 2] عدا أن هذه الآية ذكر فيها فاعل الإنزال وهو معلوم من مادة الإنزال المشعرة بأنه وارد من قبل العالم العلوي، فللعلم بمنزله حذف الفاعل في آية سورة الأعراف، وهو مقتضى الظاهر والإيجاز؛ ولكنه ذكر هنا لأن المقام مقام الامتنان على الناس المستفاد من التعليل بقوله: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ، ومن ذكر صفة الربوبية بقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ ، بخلاف آية سورة الأعراف فإنها في مقام الطمأنة والتصبير للنبيء عليه الصلاة والسلام المنزل إليه الكتاب، فكان التعرض لذكر المنزل إليه والاقتصار عليه أهم في ذلك المقام مع ما فيه من قضاء حق الإيجاز.

أما التعرض للمنزل إليه هنا فللتنويه بشأنه، وليجعل له حظ في هذه المنة وهو حظ الوساطة، كما دل عليه قوله: ﴿ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴾ ، ولما فيه من غم المعاندين والمبغضين للنبيء صلى الله عليه وسلم ولأجل هذا المقصد وقع إظهار صفات فاعل الإنزال ثلاث مرات في قوله: ﴿ بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ﴾ بعد أن كان المقام للإضمار تبعاً لقوله: ﴿ أنزلناه ﴾ .

وإسناد الإخراج إلى النبي عليه الصلاة والسلام لأنه يبلغ هذا الكتاب المشتمل على تبيين طرق الهداية إلى الإيمان وإظهار فساد الشرك والكفر، وهو مع التبليغ يبين للناس ويقرب إليهم معاني الكتاب بتفسيره وتبيينه، ثم بما يبنيه عليه من المواعظ والنذر والبشارة.

وإذ قد أسند الإخراج إليه في سياق تعليل إنزال الكتاب إليه عُلِم أن إخراجه إياهم من الظلمات بسبب هذا الكتاب المنزل، أي بما يشتمل عليه من معاني الهداية.

وتعليل الإنزال بالإخراج من الظلمات دل على أن الهداية هي مراد الله تعالى من الناس، وأنه لم يتركهم في ضلالهم، فمن اهتدى فبإرشاد الله ومن ضلّ فبإيثار الضال هوى نفسه على دلائل الإرشاد، وأمرُ الله لا يكون إلا لحِكم ومصالح بعضها أكبر من بعض.

والإخراج: مستعار للنقل من حال إلى حال.

شبه الانتقال بالخروج فشبه النقل بالإخراج.

و ﴿ الظلماتُ والنور ﴾ استعارة للكفر والإيمان، لأن الكفر يجعل صاحبه في حيرة فهو كالظلمة في ذلك، والإيمان يرشد إلى الحق فهو كالنور في إيضاح السبيل.

وقد يستخلص السامع من ذلك تمثيل حال المنغمس في الكفر بالمتحير في ظلمة، وحال انتقاله إلى الإيمان بحال الخارج من ظلمة إلى مكاننٍ نيّر.

وجمع ﴿ الظلمات ﴾ وإفراد ﴿ النور ﴾ تقدم في أول سورة الأنعام (1).

والباء في ﴿ بإذن ربهم ﴾ للسببية، والإذنُ: الأمر بفعل يتوقف على رضَى الآمر به، وهو أمر الله إياه بإرساله إليهم لأنه هو الإذن الذي يتعلق بجميع الناس، كقوله: وقوله: ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ [سورة إبراهيم: 1] بدل من النور } بإعادة الجار للمبدل منه لزيادة بيان المبدل منه اهتماماً به، وتأكيد للعامل كقوله تعالى: ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ﴾ في سورة الأعراف (88).

ومناسبة الصراط المستعار للدين الحق، لاستعارة الإخراج والظلمات والنور ولما يتضمنه من التمثيل، ظاهرة.

واختيار وصف العزيز الحميد} من بين الصفات العُلى لمزيد مناسبتها للمقام، لأن العزيز الذي لا يُغلب.

وإنزال الكتاب برهان على أحقية ما أراده الله من الناس فهو به غالب للمخالفين مقيمٌ الحجة عليهم.

والحميد: بمعنى المحمود، لأن في إنزال هذا الكتاب نعمة عظيمة ترشد إلى حمده عليه، وبذلك استوعبَ الوصفان الإشارة إلى الفريقين من كل منساق إلى الاهتداء من أول وهلة ومن مجادل صائر إلى الاهتداء بعد قيام الحجة ونفاد الحيلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ إبْراهِيمَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها مَدَنِيَّةً وهي ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ والَّتِي بَعْدَها.

﴿ الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ.

الثّانِي: مِنَ البِدْعَةِ إلى السُّنَّةِ.

الثّالِثُ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى.

الرّابِعُ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأمْرِ رَبِّهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بِعِلْمِ رَبِّهِمْ.

﴿ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ فَرَوى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ آمَنُوا بِعِيسى، وقَوْمٌ كَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ  آمَنَ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسى، وكَفَرَ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَخْتارُونَها عَلى الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّانِي: يَسْتَبْدِلُونَها مِنَ الآخِرَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى، والِاسْتِحْبابُ هو التَّعَرُّضُ لِلْمَحَبَّةِ.

وَيَحْتَمِلُ ما يَسْتَحِبُّونَهُ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَسْتَحِبُّونَ البَقاءَ في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى البَقاءِ في الآخِرَةِ.

الثّانِي: يَسْتَحِبُّونَ النَّعِيمَ فِيها عَلى النَّعِيمِ في الآخِرَةِ.

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ دِينِ اللَّهِ.

وَيُحْتَمَلُ: عَنْ مُحَمَّدٍ  .

﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَرْجُونَ بِمَكَّةَ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَقْصِدُونَ بِمُحَمَّدٍ  هَلاكًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنَّ مَعْناهُ يَلْتَمِسُونَ الدُّنْيا مِن غَيْرِ وجْهِها لِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُسْتَمَدُّ إلّا بِطاعَتِهِ دُونَ مَعْصِيَتِهِ.

والعِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: في الدِّينِ والأمْرِ والأرْضِ وكُلِّ ما لَمْ يَكُنْ قائِمًا.

والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ: في كُلِّ ما كانَ قائِمًا كالحائِطِ والرُّمْحِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴾ قال: من الضلالة إلى الهدى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يستحبون ﴾ قال: يختارون.

وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: إن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قيل: ما فضله على أهل السماء؟

قال: إن الله قال لأهل السماء ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ [ الأنبياء: 29] وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ [ الفتح: 2] فكتب له براءة من النار، قيل له: فما فضله على الأنبياء؟

قال: إن الله تعالى يقول ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ [ سبأ: 28] فأرسله إلى الانس والجن.

وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يبعث الله نبياً إلا بلغة قومه» .

وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان جبريل عليه السلام يوحى إليه بالعربية، وينزل هو إلى كل نبي بلسان قومه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ قال: بلغة قومه، إن كان عربياً فعربياً، وإن كان عجمياً فعجمياً، وإن كان سريانياً فسريانياً، ليبين لهم الذي أرسل الله إليهم، ليتخذ بذلك الحجة عليهم.

وأخرج الخطيب في تالي التلخيص، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ قال: أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بلسان قومه عربي.

وأخرج ابن مردويه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ﴿ إلا بلسان قومه ﴾ قال: نزل القرآن بلسان قريش.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: نزل القرآن بلسان قريش.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم يترجم كل نبي لقومه بلسانهم.

قال: ولسان يوم القيامة السريانية، ومن دخل الجنة تكلم بالعربية.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر رضي الله عنه قال: لا تأكلوا ذبيحة المجوس ولا ذبيحة نصارى العرب، أترونهم أهل الكتاب؟

فإنهم ليسوا بأهل كتاب.

قال الله تعالى ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ﴾ وإنما أرسل عيسى عليه السلام بلسان قومه، وأرسل محمد صلى الله عليه وسلم بلسان قومه عربي، فلا لسان عيسى عليه السلام أخذوا، ولا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم اتبعوا، فلا تأكلوا ذبائحهم، فإنهم ليسوا بأهل كتاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ الر ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى (١) (٢) ﴿ كِتَابٌ ﴾ مرفوع على خبر الابتداء، المعنى: هذا كتاب أنزلناه (٣) (٤) ﴿ الر ﴾ اسم موضوع لجماعة الحروف المعجمة (٥) ﴿ كِتَابٌ ﴾ موضوع في موضع رفع على (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ﴾ من صفة الكتاب، ومِثلُ هذا من الكلام: زيد رجل أنفذته إليك، وقوله تعالى: ﴿ لِتُخْرِجَ النَّاسَ ﴾ سبب لقوله ﴿ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ﴾ ، فاللام في ﴿ لِتُخْرِجَ ﴾ معلق بالإنزال، أي: أنزلنا لهذا.

وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور ﴾ قال ابن عباس: يريد من الشرك إلى الإيمان (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ الباء متصلة بتخرج، المعنى: لتخرج الناس بإذن ربهم، أي: بما أذِن الله لك في تعليمهم، ويجوز أن يكون ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ : لا (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ قال ابن الأنباري: إنما لم يدخل حرف العطف في ﴿ إِلَى صِرَاطِ ﴾ (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ (١٩) (١) ورد في "تفسير الطبري" 11/ 79، 13/ 91 في رواية أبي الضحى عن ابن عباس بنصه، والسمرقندي 2/ 87 بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 119.

(٢) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 4، وورد بلا نسبة في "تفسير أبي حيان" 5/ 121.

خلاصة القول في الحروف المقطعة في أوائل السور: تباينت أقوال العلماء في هذه الحروف، ولهم فيها اتِّجاهان: الاتجاه الأول: أنها سر الله في القرآن، وبالتالي هي مما استأثر الله بعلمه، فهي من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وبالتالي لا ينبغي التكلم فيها، وقد نُسب هذا القول إلى الخلفاء الراشدين وبعض الصحابة  م بروايات ضعيفة - كما قال ابن عاشور في تفسيره (1/ 207) وممن أيّد هذا القول أبو حاتم، وقال: لم نجد الحروف في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله -عز وجل-، وإلى هذا مال الشوكاني.

انظر: "تفسير الشوكاني" 1/ 50 - 51.

الاتجاه الثاني: أنها معلومة ولها معاني، ولم ينزلها الله عبثاً، ومن أنصار هذا الرأي الذين أطالوا النقاش حولها الفخر الرازي رحمه الله؛ ذكر إحدى وعشرين قولاً، وناقش معظمها وأيّد وعارض، ثم ترجح له أنها أسماءٌ للسور، وأورد ستة إشكالات على هذا القول، ثم ناقشها وردها جميعاً.

انظر: "تفسير الفخر الرازي" 2/ 2 - 12، وكذلك الطاهر بن عاشور أطال الحديث عنها في تفسيره "التنوير والتحرير" 1/ 206 - 218، وقد سلك سبل السبر والاستقصاء، فحذف المتداخلات، ووحد المتشابهات، ثم خلص إلى واحد وعشرين قولاً، قسمها إلى ثلاث مجموعات، ثم ناقشها وأورد عليها الإشكالات ليخلص إلى ثلاثة أقوال، هي: أنها حروف جاءت لتبكيت المعاندين وتسجيل عجزهم عن المعارضة.

أنها أسماءٌ للسور الواردة فيها؛ ألم السجدة، حم السجدة.

أنها == أقسام أقسم الله بها لتشريف قدر كتابه، وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخرجهم من حالة الأمِّية.

ثم قال وأرجحها أولها، وهذا القول هو الذي اختاره جماعة من المحققين؛ كالفراء والمبرد وابن تيمية والمزي، وابن كثير؛ الذي ذكر مسوغات ترجيح هذا القول؛ وهو أن ذكر القرآن وتنزله عن رب العالمين يرد كثيراً بعد هذه الحروف المقطعة.

كقوله: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ ، ﴿حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ..

انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 40.

(٣) وقد ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، كالزجاج، ومكي بن أبي طالب، وابن عطية، والعكبري وغيرهم.

انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 153، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 445، و"تفسير ابن عطية" 8/ 193، و"إملاء ما منّ به الرحمن" 1/ 65.

(٤) هو أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني.

(٥) ذكره ابن عطية في تفسيره 8/ 193 بلا نسبة.

(٦) في (ع): (لأنه).

(٧) انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 193.

(٨) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 303 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 343، وذكره الكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 573 بلا نسبة.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 153 بنصه تقريباً.

(١٠) في (ش)، (ع): (لأنه لا يهتدي)، والمثبت أصح لموافقته للمصدر المنقول عنه.

(١١) في (أ)، (د): (ومسببه).

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 153 بنصه.

(١٣) ورد بلا نسبة في تفسيره "الوجيز" 1/ 577، وابن عطية 8/ 194.

(١٤) أي لم يقل: و ﴿ إِلَى صِرَاطِ ﴾ .

(١٥) على أنه بدل منه، وقد ذهب إلى هذا الزمخشري في أحد قوليه في تفسيره 2/ 292، وابن عطية 8/ 194، والعكبري في "الإملاء" 2/ 65.

(١٦) في قوله: ﴿ إِلَى صِرَاطِ ﴾ .

(١٧) في قوله: ﴿ إِلَى النُّورِ ﴾ .

(١٨) في (ش)، (ع): (بمعنى).

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 153، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والظلمات الكفر والجهل، والنور الإيمان والعلم ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أي بأمره وهو إرساله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ بدل من إلى النور.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الله الذي ﴾ بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا وصل.

الباقون بالجر مطلقاً ﴿ وعيدي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ الر ﴾ قف كوفي ﴿ الحميد ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالرفع.

﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ صفة الكافرين ﴿ عوجاً ﴾ ط بناء على ما قلنا أو على أن ﴿ الذين ﴾ منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك في ضلال ﴾ فلا وقف على ﴿ عوجاً ﴾ ولك أن تقف على ﴿ شديد ﴾ للآية ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ ليبين لهم ﴾ ط لأن قوله: ﴿ فيضل ﴾ حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ بأيام الله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ط ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لشديد ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفاً ومن عطف فوقه على ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط فصلاً بين الاستخبار والإخبار ﴿ مسمى ﴾ ط لتقدير همزة الاستفهام في ﴿ تريدون ﴾ .

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ وبإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ آذيتمونا ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ في ملتنا ﴾ ط ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ عنيد ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ صديد ﴾ ه لا لذلك ﴿ يميت ﴾ ط ﴿ غليظ ﴾ ه.

التفسير: كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان.

قوله: ﴿ ألر كتاب ﴾ أي السورة المسماة بـ ﴿ ألر ﴾ كتاب ﴿ أنزلناه إليك ﴾ لغرض كذا وإن كان ﴿ الر ﴾ مذكوراً على جهة التعديد فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن أو هذه السورة كتاب.

والظلمات استعارة لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق.

واللام في ﴿ لتخرج ﴾ للغرض عند المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة.

واللام في ﴿ الناس ﴾ للجنس المتسغرق ظاهراً ففيه دليل على أن دعوته  عامة.

ومعنى إخراج النبي  ﴿ من الظلمات إلى النور ﴾ أنه  جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته  إياهم به إلى الحق واسطة لهدايتهم لا مطلقاً ولكن ﴿ بإذن ربهم ﴾ أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما خلق له.

والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى بداعية الإيمان.

احتج بالآية من قال: إن معرفة الله  لا تمكن إلا بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور: وأجيب بأن معنى الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ بدل من قوله: ﴿ إلى النور ﴾ بتكرير العامل الجار.

وجوز في الكشاف أن يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟

فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.

وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد من العلم والغنى وغير ذلك.

ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج لعباده مفضياً إلى صلاح حالهم ديناً ودنيا، إذ لا حاجة له إلى ارتكاب عبث أو قبيح.

قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه قادراً غالباً وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً والعلم بكونه غنياً عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه تحقيقاً لحقية صراطه وبياناً لتنزهه عن العبث فقال: ﴿ الله الذي ﴾ مبتدأ وخبر والمبتدأ محذوف تقديره هو الله.

ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين بناء على أن لفظ ﴿ الله ﴾ جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا البحث مشبعاً في تفسير البسملة من سورة الفاتحة.

ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ولا يقر بوحدانيته ذلك قوله: ﴿ وويل للكافرين ﴾ وهو دعاء عليهم بالهلاك والثبور وكل سوء.

قال في الكشاف: وجه اتصال قوله: ﴿ من عذاب شديد ﴾ بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ويلاه.

﴿ الذين يستحبون ﴾ أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه يكره كونه محباً له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محباً له وأحب تلك المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى مراتب الضلال.

وقوله: ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ إشارة إلى الضلال.

وقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف ويمكن أن يكون إسناداً مجازياً باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق.

ثم لما مَنَّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم.

احتج أصحاب أبي هاشم بالآية على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال.

قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ أي بلغتهم لزم الدور.

أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه فيندفع الدور.

وتمسك طائفة من اليهود - يقال لهم العيسوية - بهذه الآية في أن محمداً رسول الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم.

والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن قوم النبي أخص من أهل دعوته فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما في حق نبينا  لأن التحديث وقع بالفريقين في قوله: ﴿ قل لئن اجتمع الإنس والجن  ﴾ وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أوّلاً إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطول ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد.

وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: ﴿ لتخرج الناس ﴾ ووسطها وهو قوله: ﴿ ليبين لهم ﴾ فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله ﴿ الحكيم ﴾ فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال.

وقالت الأشاعرة.

قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ وقوله: ﴿ فيضل الله من يشاء ﴾ وقوله: ﴿ العزيز ﴾ فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا.

أقول: نحن قد حققنا مسألة الجبر مراراً فتذكر.

ومما يخص هذا الموضع قول الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لميكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه كقوله: { ﴿ لنبين لكم ونقر  ﴾ بالرفع نظيره في الآية قوله: ﴿ فيضل ﴾ بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها.

ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسبباً لما بين أن المقصود من بعثة نبينا  هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أرد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن إلا ذلك وذكر لذلك مثالاً.

وخص موسى بالذكر لأنه أمته أكثر الأمم سوى أمة محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة.

ومعنى ﴿ أن أخرج ﴾ أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول: ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج.

ومعنى التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم.

ويقال: أيام العرب لحروبها وملاحمها.

وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت تسخير فرعون، أو المراد عظهم بالترغيب والترهيب ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير والتنبيه دلائل ﴿ لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ على السراء.

وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ينتفعون بها.

ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل ههنا "يا قوم" كما ذكر في المائدة اقتصاراً على ما ذكره هناك.

وقوله: ﴿ عليكم ﴾ إن كان صلة للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: ﴿ إذ أنجاكم ﴾ ظرف للإنعام أيضاً، وإن كان مستقراً بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب ﴿ إذ أنجاكم ﴾ بـ ﴿ عليكم ﴾ وفي الوجهين جاز أن يكون "إذ" بدلاً من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة.

ومن جملة النعم قوله: ﴿ وإذ تأذن ﴾ أي واذكروا حين آذن ﴿ ربكم ﴾ إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات.

وقد تقدم في أواخر "الأعراف" أن فيه معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع أقسام ما أنعم الله  به عليه فيما أعطاه لأجله.

ولا شك أن المكلف إذا سلك هذا الطريق كان دائماً في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن رؤية النعم، ويصدر منه الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعاً والتكلف خلقاً، وهذا معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعاً منقاداً لواجب الوجود  تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو - أي لا عجب - أن ينقاد لذلك النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: ﴿ ولئن كفرتم ﴾ يعني كفران النعم ﴿ إن عذابي لشديد ﴾ ثم بين أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله  غني عن ذلك كله فقال: ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ الآية.

وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنياً عن الحاجات متصفاً بكل الكمالات أهلاً للحمد وإن لم يكن حامداً.

وقوله: ﴿ ألم يأتكم ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم.

والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول  تحذيراً لهم عن مخالفته.

وقوله: ﴿ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ إن كان جملة من مبتدأ وخبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله: ﴿ والذين من بعدهم ﴾ معطوفاً على قوم نوح فقوله: ﴿ لا يعلمهم إلا الله ﴾ وحده اعتراض.

ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائداً إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون.

وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد.

ونظير الآية قوله: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً  ﴾ { ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك  ﴾ قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم  إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.

ثم إنه  حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أتوا بأمور أحدها ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ وفيه قولان: أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ .

قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم ﴿ إنا كفرنا بما أرسلتم به ﴾ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق، وهذا قول قويّ لعطف قوله: ﴿ وقالوا ﴾ على قوله: ﴿ فردّوا ﴾ الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام ألبتة.

أو يكون الضميران الأخيران راجعين إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقد عائداً على الرسل والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم وردّاً عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء منعاً لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول.

القول الثاني: أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز.

عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل.

ونقل محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ردّ يده في فيه.

فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به.

والمراد بما زعمتهم أن الله أرسلكم به وكأنهم في أوّل الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي الثالثة قالوا: ﴿ وإنا لفي شك ﴾ وقد مر مثله في سورة هود.

فإن قلت: كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟

قلنا: أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم.

ثم إنه  حكى جواب الرسل وذلك قولهم: ﴿ أفي الله شك فاطر السموات والأرض ﴾ أدخل همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود الله لا يحتمل الشك.

قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين.

إنه كان من عقيدتي أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين.

والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنهبات في هذا المقام لأنها مقررة لقوله  : ﴿ أفي الله شك ﴾ فأقول وبالله التوفيق: المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم جميعاً.

فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب العدم في ذاته معاً، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته.

الخامس واجب الوجود لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته.

ثم نقول: إن العقل كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج كان معدوماً في الخارج.

فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك فثبت كونه موجوداً في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة.

وجه ثانٍ: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ضروريتها لأنها إن كان مستغنياً عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا فممكن فنقول: إن كانت القمسة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط.

أما كونها مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معاً في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه.

وإذا كان الجمع بين الواجب والممكن ممكناً في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجوداً يكون أولى بالضرورة لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجو له وهذه مقدمة جلية مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذا لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه وجود يوجد ألبته من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى وأولى منه في الممكن.

وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب الوجود له، والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ريب أن الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجوداً والثاني واقع بالضرورة فالأولى أولى بكونه ضروري الوقوع.

وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع.

فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فو واجب الوجود.

ومن شك في وجود ماوجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفاً بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلاً لأن يهجر الحكمة.

وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة.

فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفاً بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققاً، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه.

وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجاباً له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير، فالوجود ثابت بالطريقة الأولى.

وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجوداً واجباً لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا.

فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتاً في نفسه لم يتصور منه إفادة مثله، فإذا حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفاً بكونه مفيداً لوجود مثله.

فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح.

وجه ثامن: كون الشيء موجوداً في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجداً لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجداً لغيره، وكل موجد لغيره موجود في نفسه.

وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول واقعاً، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوّته بأقربهما من القبول واقعاً؟

وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة والمعاندين ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ ثم أخبر أنهم يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء منهم, فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري الوجود.

وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيراً في نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفوال طالعاً فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعاً.

وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس.

من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئاً هو به هو، وبذلك يصح أنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة يتصرف فيها كيف يشاء.

ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في سلك الجمادات، فكما أن البدن لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو الواجب الحق  شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ولا أثر.

وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور.

لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره، وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهراً في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهوراً لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلاً.

فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضاً علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا.

وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يتسحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته.

ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزلياً أن يكون الفيض المخصوص أزلياً، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار  شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم.

هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان.

قال بعض العقلاء: من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثه النبي.

أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟!

وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربي ذلك الضارب؟

وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى.

وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه.

وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال؟!

وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو قرأ بهما ثم بانأن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه ألبته، أما إذا أنكر الصانع والتكليف والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذاً بالأحوط.

ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها وذلك ثنتان: الأولى قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان ﴿ ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ استدل بالآية من جوّز زيادة "من" في الإثبات وذلك لقوله  في موضع آخر: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ {الزمر: 53].

وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد  غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون "من" للتبعيض تمييزاً بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت في خطاب الكافرين إلا مقرونة بـ "من" كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة الأحقاف.

وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف ﴿ يغفر لكم ذنوبكم  ﴾ بغير "من".

وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم.

وقيل: "من" للبدل أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب.

وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير.

وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر.

فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة.

وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا كبيراً مغفوراً.

وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: في الآية دلالة على أنه  قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه  لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب.

ولقائل أن يقول: لانسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟.

الغاية الثانية قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال.

وقد مر تحقيق الأجل في أوّل "الأنعام".

ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: ﴿ إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك.

الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قوله: ﴿ تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ﴾ الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق.

وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلاً لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطاناً مبيناً أي برهاناً باهراً وحجة قاهرة.

ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله.

أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعاً منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيها.

وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها ﴿ وما كان لنا ﴾ أي ما صح منا ﴿ أن نأتي بآية ﴾ اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله.

والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته.

وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها.

ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.

وفي قولهم: ﴿ وقد هدانا سبلنا ﴾ إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه  يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد.

وفي قولهم.

﴿ ولنصبرن على ما آذيتمونا ﴾ دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات.

أما قول الكفار للرسل: ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب.

وقال صاحب الكشاف: العود ههنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم ألبتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴾ أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول.

عن النبي  : "من آذى جاره ورّثه الله داره" ﴿ ذلك ﴾ الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق ﴿ لمن خاف مقامي ﴾ يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس  ﴾ أو قيامي بالعدل والصواب مثل ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي: ﴿ وخاف وعيد ﴾ قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد.

قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر.

قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل.

وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود.

﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ معاند.

وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلاً من المتعاندين في جانب آخر.

قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً للحق منحرفاً عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا.

فوضع الأعم موضع الأخص.

والظاهر مقام الضمير تنصيصاً على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم ﴿ من ورائه ﴾ أي من بين يديه.

يقال: الموت وراء كل أحد.

وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوارٍ عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما.

وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر.

وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف.

قال جار الله: قوله: ﴿ ويسقى ﴾ معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ أي من ماء بيانه أو صفته هذا.

والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله.

وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة.

﴿ يتجرعه ﴾ يتكلف جرعه ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ أي لم يقارب الإساغة فضلاً عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم  ﴾ وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي.

قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية - أعني قوله: ﴿ ويصهر ﴾ - لا تدل على الحصول لقوله قبله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم  ﴾ .

﴿ ويأتيه الموت من كل مكان ﴾ من جسده حتى من إبهام رجله.

وقيل: من أصل كل شعرة.

وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا.

ثم أخبر - والعياذ بالله- أن العذاب في كل وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.

قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا.

والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله  فلم يسقوا فذكر  ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار.

وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ كلاماً مستأنفاً منقطعاً عن حديث الرسل وأممهم.

التأويل: بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا.

إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة.

قوله: ﴿ الر ﴾ أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة.

﴿ بإذن ربهم ﴾ الذي يربيهم هو لا أنت.

وفي قوله: ﴿ إلى صراط ﴾ إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف.

وفي الاختتام بقوله: ﴿ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ﴾ إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله.

﴿ وويل للكافرين ﴾ من شدة ألم الانقطاع عن الله.

ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل.

﴿ إلا بلسان قومه ﴾ أي يتكلم معهم بلسان عقولهم.

﴿ ولقد أرسلنا ﴾ بواسطة جبريل الجذبة ﴿ موسى ﴾ القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص.

﴿ أن أخرج قومك ﴾ وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير ﴿ لآيات ﴾ في نفي الوجود ﴿ لكل صبار ﴾ بالله مع الله من غير الله ﴿ شكور ﴾ لنعمة الوجود الحقيق ببذل الوجود المجازي ﴿ ولئن شكرتم ﴾ بالطاعة ﴿ لأزيدنكم ﴾ في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ﴿ ولئن كفرتم ﴾ نعمتي في المعاملات كلها ﴿ إن عذابي ﴾ قطيعتي ﴿ لشديد ﴾ ﴿ وقال موسى ﴾ القلب ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ أيها الروح والسر والخفى بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة.

﴿ يدعوكم ﴾ من المكونات إلى الملكوت ﴿ ليغفر لكم ﴾ بصفة الغفارية ﴿ من ذنوبكم ﴾ التي أصابتكم من حجب عالم الخلق ﴿ ويؤخركم ﴾ في التخلق بأخلاقه ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو وقت الفناء في الذات ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ للتوكل مقامات: فتوكل المبتدىء قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه.

﴿ لمن خاف مقامي ﴾ وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار ﴿ وخاف وعيد ﴾ القطيعة واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى.

﴿ من وراثه ﴾ أي قدام النفس في متابعة الهوى ﴿ جهنم ﴾ الصفات الذميمة ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة ﴿ يتجرعه ﴾ بالتكلف ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ لأنه ليس من شربه ﴿ يأتيه ﴾ أسباب ﴿ الموت من كل مكان ﴾ من كل فعل مذموم ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر كِتَابٌ ﴾ : الر: كناية عن حروف مقطعة جعلها - بالحكمة - كتاباً.

﴿ أَنزَلْنَاهُ ﴾ : أي: جمعناها [وأنزلناها] وجعلناها كتاباً؛ أعني تلك الحروف المقطعة كتاباً؛ وأنزلناه إليك بعدما لم تكن تدري ما الكتاب؛ وهو كما قال: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ  ﴾ ؛ وقوله: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ .

﴿ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ ﴾ .

وما يضاف الإخراج إلى الله فإنه يكون بإعطاء الأسباب، وحقيقة ما يكون به الأفعال، وهي القدرة، وما يضاف الإخراج إلى الرسل؛ فإنه لا يكون إلا بإعطاء الأسباب؛ لأنه لا يملك أحد سواه إعطاء ما به يكون الفعل، ثم الأسباب تكون بوجهين: أحدهما: الدعاء إلى ذلك.

والثاني: ما أتي بهم من البيان والحجة على ذلك؛ فهو الأسباب التي يملك الرسل إتيانها، و أما ما به حقيقة الفعل؛ فإنه لا يملكه إلا الله.

وقوله: ﴿ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ قيل: من الكفر إلى الإيمان، سمى الكفر: ظلمات؛ وهو واحد؛ لأنه يستر جميع منافذ الجوارح؛ من البصر والسمع واللسان؛ يبصر ما لا يصلح؛ ويسمع ما لا يصلح، وكذلك القول: يقول ما لا يصلح، وكذلك جميع الجوارح والإيمان يرفع ويكشف جميع الحجب والستور؛ ويضيء له كل مستور.

والثاني: قوله: ﴿ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ أي: من الشبهات إلى النور؛ أي: إلى الإيمان والهدى.

وقوله: ﴿ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ الإخراج المضاف إلى الله والهداية تخرج على وجوه أربعة: أحدها: يأمر ويدعوهم إلى ما ذكر.

والثاني: يكشف ويبين.

والثالث: يرغب ويرهب، حتى يرغبوا في المرغوب ويحذروا المرهوب.

والرابع: تحقيق ما يكون به الهداية؛ وذلك لا يكون إلا بالله؛ وهو التوفيق والعصمة، وأما الوجوه الثلاثة الأُول فإنها تكون برسول الله  ؛ يأمر ويدعو؛ ويرغب ويرهِّب؛ ويبين ويكشف.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ ﴾ كأنه قال: كتاب أنزلناه إليك؛ لتأمر الناس بالخروج مما ذكر إلى ما ذكر.

الثاني: أنزلناه لتخرج به الناس مما ذكر.

﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ .

قيل: بأمر ربهم؛ أي: تدعوهم بأمر ربهم.

وقال قائلون: بعلم ربهم؛ أي: أنزل هذه الحروف المقطعة بعلمه.

والثالث: يحتمل بتوفيق ربهم الإذن من الله، يحتمل [أحد] هذه الوجوه التي ذكرنا: الأمر والعلم والتوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

[العزيز الحميد] هو الله؛ أي: يدعوهم إلى طريق الله الذي من سلكه نجا.

﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ سمي عزيزاً؛ لأن كل عزيز به يعز، أو يقال: عزيز؛ لأنه عزيز بذاته ليس بغيره كالخلائق، أو العزيز: هو الذي لا يغلب، والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله؛ كالحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره.

وقال أهل التأويل: العزيز: المنيع، والحميد: الذي [هو] يقبل اليسير من العبادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

من قرأ بالخفض صيّره موصولا بالأول، وجعله كلاماً واحداً؛ وأتبع الخفض بالخفض.

ومن قرأ بالرفع: ﴿ ٱللَّهِ ٱلَّذِي ﴾ جعله مقطوعاً عن الأول [على] حق الابتداء؛ فقال: ﴿ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

ذكر قوله: ﴿ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ؛ ليعلم أنه بما يأمر الخلق؛ ويدعوهم إلى دينه؛ ويمتحنهم بأنواع المحن لا يفعل ذلك لمنافع نفسه أو لحاجته في ذلك؛ بل لحاجة الممتحنين ولمنافعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ .

قال قائلون: الويل: [هو] الشدة، وقيل: الويل: هو اسم وادٍ في جهنم.

وقال الأصم: الويل: هو نداء كل مكروب وملهوف من شدة البلاء، وقول الحسن كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ ﴾ .

وصف أولئك الذين ذكر أن فيهم الويل من هم؛ فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: آثروا واختاروا الحياة الدنيا على الآخرة؛ أي: رضوا بها واطمأنوا فيها؛ كقوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ اختاروا الحياة الدنيا للدنيا؛ لم يختاروا للآخرة؛ فالدنيا أنشئت لا للدنيا ولكن إنما أنشئت للآخرة؛ فمن اختارها لها؛ لا ليسلك بها إلى الآخرة - ضلّ وزاغ عن الحق.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ ﴾ \[وهو ما ذكرنا\]: يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة؛ حتى يلهوا عن الآخرة؛ ويسهوا فيها ويغفلوا، وإلا أهل الإسلام ربما يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وهو ما ذكرنا: أنهم يختارون ذلك للآخرة، وأولئك للدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل ﴿ وَيَصُدُّونَ ﴾ : وجهين: أحدهما: أعرضوا هم بأنفسهم.

والثاني: صرفوا الناس عن سبيل الله؛ الذي من سلكه نجا، [لكن] إنما يتبين ويظهر ذلك بالمصدر صدَّ يصدُّ صدّاً: صرف غيره، وصدَّ يصدّ صدوداً: أعرض هو بنفسه.

﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .

أي: طعناً وعيباً فيه، دلَّ هذا على أن الآية في الرؤساء منهم والقادة الذين كانوا يصدون الناس عن سبيل الله ويبغون في دين الله الطعن والعيب؛ فما وجدوا إلى ذلك سبيلا قط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ .

الضلال: يحتمل وجوهاً: يحتمل: (الضلال): أي: هلكوا هلاكاً لا نجاة فيه قط.

ويحتمل الحيرة والتيه؛ أي: تحيروا فيه وتاهوا حتى لا يهتدوا أبداً.

ويحتمل (الضلال) البطلان؛ أي: في بطلان بعيد؛ حتى لا يصلحوا أبداً، وهو في قوم علم الله أنهم لا يهتدون أبداً؛ ويختمون على الضلال، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ الر ﴾ تقدّم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.

هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك -أيها الرسول- لتخرج الناس من الكفر والجهل والضلالة إلى الإيمان والعلم والهداية إلى دين الإسلام الذي هو طريق الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، المحمود في كل شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.KDP3e"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد