الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ١٣ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 120 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم ، من الإخراج من أرضهم ، والنفي من بين أظهرهم ، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به : ( لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) [ الأعراف : 88 ] ، وقال قوم لوط : ( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) [ النمل : 56 ] ، وقال تعالى إخبارا عن مشركي قريش : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ) [ الإسراء : 76 ] ، وقال تعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) [ الأنفال : 30 ] .
وكان من صنعه تعالى : أنه أظهر رسوله ونصره ، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارا وأعوانا وجندا ، يقاتلون في سبيل الله ، ولم يزل يرقيه [ الله ] تعالى من شيء إلى شيء ، حتى فتح له مكة التي أخرجته ، ومكن له فيها ، وأرغم آناف أعدائه منهم ، و [ من ] سائر [ أهل ] الأرض ، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا ، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان ، في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان; ولهذا قال تعالى : ( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين)
قال أبو جعفر : يقول عزّ ذكره: وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم ، حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له ، وفراق عبادة الآلهة والأوثان ( لنخرجنَّكم من أرضنا ) ، يعنون: من بلادنا فنطردكم عنها ( أو لتعودن في مِلّتنا ) ، يعنون: إلا أن تَعُودوا في دِيننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام.
(9) * * * وأدخلت في قوله: ( لتعودُنَّ ) " لام " ، وهو في معنى شرطٍ ، كأنه جواب لليَمين ، وإنما معنى الكلام: لنخرجَنكم من أرضنا ، أو تعودون في ملتنا .
(10) * * * ومعنى " أو " ههنا معنى " إلا " أو معنى " حتى " كما يقال في الكلام: " لأضربنك أوْ تُقِرَّ لي" ، فمن العرب من يجعل ما بعد " أو " في مثل هذا الموضع عطفًا على ما قبله ، إن كان ما قبله جزمًا جزموه ، وإن كان نصبًا نصبوه ، وإن كان فيه " لام " جعلوا فيه " لاما " ، (11) إذ كانت " أو " حرف نَسق.
ومنهم من ينصب " ما " بعد " أو " بكل حالٍ ، ليُعْلَم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله ، كما قال امرؤ القيس: بَكَـى صَـاحِبِي لَمَّـا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ وَأَيْقَــنَ أَنَّـــا لاحِقَــانِ بِقَيْصَـرَا فَقُلْــتُ لَـهُ: لا تَبْــكِ عَيْنُـكَ إِنَّمَـا نُحَــاوِلُ مُلْكًــا أَوْ نَمُـوتَ فَنُعْـذَرَا (12) فنصب " نموت فنعذرا " وقد رفع " نحاول " ، لأنه أراد معنى: إلا أن نموتَ ،أو حتى نموتَ ، ومنه قول الآخر: (13) لا أَسْــتَطِيعُ نزوعًـا عَـنْ مَوَدَّتِهَـا أَوْ يَصْنَـعَ الْحُـبُّ بِي غَيْرَ الَّذِي صَنَعَا (14) وقوله: ( فأوحَى إليهم ربُّهم لنُهلكنَّ الظالمين ) ، الذين ظلموا أنفسهم ، (15) فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم.
وقد يجوز أن يكون قيل لهم: " الظالمون " لعبادتهم من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة ، (16) فيكون بوضعهم العبادةَ في غير موضعها ، إذ كان ظلمًا ، سُمُّوا بذلك.
(17) ------------------------ الهوامش : (9) انظر تفسير " الملة " فيما سلف : 101 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك ، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 336 .
(10) في المطبوعة : " أو تعودن " ، والصواب من المخطوطة .
(11) في المطبوعة : " إن كان فيه لامًا " ، ، خطأ ، صوابه في المخطوطة .
(12) ديوانه : 65 من قصيدته الغالية التي قالها في مسيرة إلى قيصر مستنصرًا به بعد قتل أبيه .
وصاحبه الذي ذكره ، هو عمرو بن قميئة اليشكري الذي استصحبه إلى قيصر ، و " الدرب " .
ما بين طرسوس وبلاد الروم .
(13) هو الأحوص بن محمد الأنصاري ، وينسب أحيانًا للمجنون .
(14) الأغاني 4 : 299 ، وديوان المجنون : 200 ، وخرج أبيات الأحوص ، ولدنا الأستاذ عادل سليمان ، فيما جمعه من شعر لأحوص ، ولم يطبع بعد .
(15) انظر تفسير : " أوحى " فيما سلف 6 : 405/9 : 399 / 11 : 217 ، 290 ، 371 ، 533 .
(16) انظر تفسير " الظلم " فيما سلف 1 : 523 ، 524 / 2 : 369 ، 519 / 4 : 584 / 5 : 384 ، وغيرها في فهارس اللغة .
(17) في المطبوعة كتب : " سموا بذلك ظالمين " ، زاد ما لا محصل له ، إذ لم يألف عبارة أبي جعفر ، فأظلمت عليه .
قوله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا اللام لام قسم ; أي والله لنخرجنكم .أو لتعودن أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا ; قاله الطبري وغيره .
قال ابن العربي : وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير ; فإن " أو " على بابها من التخيير ; خير الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم ; وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده ; ألا ترى إلى قوله : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا وقد تقدم هذا المعنى في " الأعراف " وغيرها .
في ملتنا أي إلى ديننا ، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين
لما ذكر دعوة الرسل لقومهم ودوامهم على ذلك وعدم مللهم، ذكر منتهى ما وصلت بهم الحال مع قومهم فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ } متوعدين لهم { لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } وهذا أبلغ ما يكون من الرد، وليس بعد هذا فيهم مطمع، لأنه ما كفاهم أن أعرضوا عن الهدى بل توعدوهم بالإخراج من ديارهم ونسبوها إلى أنفسهم وزعموا أن الرسل لا حق لهم فيها، وهذا من أعظم الظلم، فإن الله أخرج عباده إلى الأرض، وأمرهم بعبادته، وسخر لهم الأرض وما عليها يستعينون بها على عبادته.
فمن استعان بذلك على عبادة الله حل له ذلك وخرج من التبعة، ومن استعان بذلك على الكفر وأنواع المعاصي، لم يكن ذلك خالصا له، ولم يحل له، فعلم أن أعداء الرسل في الحقيقة ليس لهم شيء من الأرض التي توعدوا الرسل بإخراجهم منها.
وإن رجعنا إلى مجرد العادة فإن الرسل من جملة أهل بلادهم، وأفراد منهم، فلأي شيء يمنعونهم حقا لهم صريحا واضحا؟!
هل هذا إلا من عدم الدين والمروءة بالكلية؟
ولهذا لما انتهى مكرهم بالرسل إلى هذه الحال ما بقي حينئذ إلا أن يمضي الله أمره، وينصر أولياءه، { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } بأنواع العقوبات.
( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) يعنون : إلا أن ترجعوا ، أو حتى ترجعوا إلى ديننا .
( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ) .
«وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنَّ» لتصيرن «في ملتنا» ديننا «فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين» الكافرين.
وضاقت صدور الكفار مما قاله الرسل فقالوا لهم: لنطردنكم من بلادنا حتى تعودوا إلى ديننا، فأوحى الله إلى رسله أنه سيهلك الجاحدين الذين كفروا به وبرسله.
ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا آخر من تلك المحاورات التى دارت بين الرسل وبين أعدائهم ، وجانبا مما وعد الله به رسله - عليهم السلام - وجانبا من العذاب الذى أعده للظالمين فقال - تعالى - :( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ .
.
.
)قوله - سبحانه - : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا .
.
.
) حكاية لما هدد به رءوس الكفر رسلهم ، بعد أن أفحمهم الرسل بالحجة البالغة ، وبالمنطق الحكيم .واللام فى ( لنخرجكم ) هى الموطئة للقسم .
و " أو " للتخيير بين الأمرين .أى : وقال الذين عتوا فى الكفر - على سبيل التهديد - لرسلهم ، الذين جاءوا لهدايتهم ، والله لنخرجنكم - أيها الرسل - من أرضنا ، أو لتعودن فى ديننا وملتنا .قال الإِمام الرازى : " اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الأنبياء - عليهم السلام - أنهم قد اكتفوا فى دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه ، والاعتماد على حفظه وحياطته ، حكى عن الكفار أنهم بالغوا فى السفاهة وقالوا للأنبياء ولنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا " .والمعنى : ليكونن أحد الأمرين لا محالة ، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا .والسبب فيه أن أهل الحق فى كل زمان يكونون قليلين .
وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعارضدين ، فلهذا الأسباب قدروا على هذه السفاهة .والتعبير بقوله - سبحانه - ( أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ) يفيد بظاهرة أن الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها ، فإن العود معناه : الرجوع إلى الشئ بعد مفارقته .
وهذا محال ، فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب الكبائر ، فضلاً عن الشرك .وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها :أن الخطاب وإن كان فى الظاهر مع الرسل ، إلا أن المقصود به أتباعهم المؤمنون ، الذين كانوا قبل الإِيمن بالرسل على دين أقوامهم ، فكأنهم يقولون لهؤلاء الاتباع : لقد كنتم على ملتنا ثم تركتموها ، فإما أن تعودوا إليها وإما أن تخرجوا من ديارنا ، إلا أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى الرسل من باب التغليب .ومنها : أن العود هنا بمعنى الصيرورة ، إذ كثيراً ما يرد " عاد " بمعنى صار ، فيعمل عمل كان ، ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة ، لنخرجنكم من أرضنا أو لتصيرن كفاراً مثلنا .ومنها : أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم وظنهم ، أن الرسل كانت قبل دعوى النبوة على ملتهم ، لسكوتهم قبل البعثة عن الإِنكار عليهم ، فلهذا التوهم قالوا ما قالوا ، وهم كاذبون فيما قالوه .وشبيه بهذه الآية قول قوم شعيب - عليه السلام - له ( لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا .
.
.
) وقول قوم لوط له ( أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) وقوله - سبحانه - ( لَنُهْلِكَنَّ الظالمين ) الذين هددوكم بالإِخراج من الديار ، أو بالعودة إلى ملتهم ، ( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ) - أيها الرسل ( الأرض ) أى أرضهم ( مِن بَعْدِهِمْ ) أى من بعد إهلاكهم واستئصال شأفتهم .قال الآلوسى ما ملخصه : " وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإِيحاء فلا مفعول له " .وقوله ( لنهكن ) على إضمار القول ، أى : قائلاً لنلهكن ، ويحتمل أن يكون جارياً مجرى القول لكونه ضرباً منه ، وقوله ( لنهلكن ) مفعوله .
.
.وخص - سبحانه - الظالمين من الذين كفروا ، لأنه من الجائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة أناس معينون ، فالتوعد لإِهلاك من خلص للظلم " .وأكد - سبحانه - إهلاك الظالمين وإسكان الرسل أرضهم ، بلا القسم ونون التوكيد .
.
زيادة فى إدخال السرور على نفوس الرسل ، وفى تثبيت قلوبهم على الحق ، ورداً على أولئك الظالمين الذين أقسموا بأن يخرجوا الرسل من ديارهم ، أو يعودوا إلى ملتهم .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام، أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا.
والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة.
فإن قيل: هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها.
قلنا: الجواب من وجوه: الوجه الأول: أن أولئك الأنبياء عليهم السلام إنما نشأوا في تلك البلاد وكانوا من تلك القبائل في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ .
الوجه الثاني: أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه.
الوجه الثالث: لعل الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال: إنهم كانوا قبل ذلك لوقت على دين أولئك الكفار.
الوجه الرابع: قال صاحب الكشاف: العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب.
الوجه الخامس: لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل، ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي الأقوام على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر، وعلى هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة.
الوجه السادس: لا يبعد أن يكون المعنى: أو لتعودن في ملتنا، أي إلى ما كنتم عليه قبل إدعاء الرسالة من السكوت عن ذكر معايبة ديننا وعدم التعرض له بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل، والله أعلم.
واعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى: ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ ﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين ﴾ حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه، وقرأ أبو حيوة: ﴿ ليهلكن الظالمين وليسكننكم ﴾ بالياء اعتباراً لأوحى فإن هذا اللفظ لفظ الغيبة ونظيره قولك أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن، والمراد بالأرض ﴿ أَرْضُ الظالمين وديارهم ﴾ ونظيره قوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وديارهم ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: من آذى جاره أورثه الله داره واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ فقوله ذلك إشارة إلى أن ما قضى الله تعالى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه: الأول: المراد موقفي وهو موقف الحساب، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، ونظيره قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ﴾ الثاني: أن المقام مصدر كالقيامة، يقال: قام قياماً ومقاماً، قال الفراء: ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إياه كقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
الثالث: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ أي إقامتي على العدل والصواب فإنه تعالى لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل لا يميل عنه ولا ينحرف ألبتة.
الرابع: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ أي مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول.
الخامس: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ أي لم خافني، وذكر المقام هاهنا مثل ما يقال: سلام الله على المجلس الفلاني العالي والمراد: سلام الله على فلان فكذا هاهنا.
ثم قال تعالى: ﴿ وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ قال الواحدي: الوعيد اسم من أوعد إيعاداً وهو التهديد.
قال ابن عباس: خاف ما أوعدت من العذاب.
واعلم أنه تعالى ذكر أولاً قوله: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايراً للخوف من وعيد الله، ونظيره: أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق.
ثم قال: ﴿ واستفتحوا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: للاستفتاح هاهنا معنيان: أحدهما: طلب الفتح بالنصرة، فقوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ أي واستنصروا الله على أعدائهم، فهو كقوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ .
والثاني: الفتح الحكم والقضاء، فقول ربنا: ﴿ واستفتحوا ﴾ أي واستحكموا وسألوه القضاء بينهم، وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: كلا القولين ذكره المفسرون.
أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل، وذلك لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم: ﴿ قَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ﴾ وقال موسى: ﴿ رَبَّنَا اطمس ﴾ الآية.
وقال لوط: ﴿ رَبّ انصرنى عَلَى القوم المفسدين ﴾ وأما على القول الثالث: وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا، ومنه قول كفار قريش: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ .
وكقول آخرين ﴿ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ .
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ ﴾ وقرئ واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ ﴾ أي أوحى إليهم ربهم، وقال لهم: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ ﴾ وقال لهم ﴿ استفتحوا ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إن قلنا: المستفتحون هم الرسل، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ وهم قومهم؛ وإن قلنا: المستفتحون هم الكفرة، فكان المعنى: أن الكفار استفتحوا على الرسل ظناً منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل.
المسألة الثانية: الجبار هاهنا المتكبر على طاعة الله وعبادته.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ قال أبو عبيدة عن الأحمر: يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة، وحكى الزجاج: الجبرية والجبر بكسر الجيم والباء والنجبار والجبرياء.
قال الواحدي: فهي ثمان لغات في مصدر الجبار، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أمراً فأبت عليه فقال: «دعوها فإنها جبارة» أي مستكبرة، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه، قال النضر بن شميل: العنود الخلاف والتباعد والترك، وقال غيره: أصله من العند وهو الناحية يقال: فلان يمشي عنداً، أي ناحية، فمعنى عاند وعند.
أخذ في ناحية معرضاً، وعاند فلان فلاناً إذا جانبه وكان منه على ناحية.
إذا عرفت هذا فنقول: كونه جباراً متكبراً إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيداً إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق، وهو كونه مجانباً عن الحق منحرفاً عنه، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق، كان خائباً عن كل الخيرات خاسراً عن جميع أقسام السعادات.
واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جباراً عنيداً، وصف كيفية عذابه بأمور: الأول: قوله: ﴿ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ وفيه إشكال وهو أن المراد: أمامه جهنم، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام؟
وأجابوا عنه من وجوه: الأول: أن لفظ وراء اسم لما يوارى عنك، وقدام وخلف متوار عنك، فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما.
قال الشاعر: عسى الكرب الذي أمسيت فيه *** يكون وراءه فرج قريب ويقال أيضاً: الموت وراء كل أحد.
الثاني: قال أبو عبيدة وابن السكيت: الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام، والسبب فيه أن كل ما كان خلفاً فإنه يجوز أن ينقلب قداماً وبالعكس، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ ﴾ أي أمامهم، ويقال: الموت من وراء الإنسان.
الثاني: قال ابن الأنباري وراء بمعنى بعد.
قال الشاعر: وليس وراء الله للمرء مذهب *** أي وليس بعد الله مذهب.
إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .
ثم قال: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم.
النوع الثاني: مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله: ﴿ ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: علام عطف ﴿ ويسقى ﴾ .
الجواب: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد.
السؤال الثاني: عذاب أهل النار من وجوه كثيرة، فلم خص هذه الحالة بالذكر؟
الجواب: يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ ﴾ .
السؤال الثالث: ما وجه قوله: ﴿ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ ﴾ .
الجواب: أنه عطف بيان والتقدير: أنه لما قال: ﴿ ويسقى مِن مَّاءٍ ﴾ فكأنه قيل: وما ذلك الماء فقال: ﴿ صَدِيدٍ ﴾ والصديد ما يسيل جلود أهل النار.
وقيل: التقدير ويسقى من ماء كالصديد.
وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة، وهو أيضاً يكون في نفسه صديداً، لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ ﴾ .
﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل يَشْوِى الوجوه بِئْسَ الشراب ﴾ .
السؤال الرابع: ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه.
الجواب: التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار، ويقال: ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً وأساغه إساغة.
واعلم أن (يكاد) فيه قولان: القول الأول: أن نفيه إثبات، وإثباته نفي، فقوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ أي ويسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول: ما كدت أقوم، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ يعني فعلوا بعد إبطاء، والدليل على حصول الإساغة قوله تعالى: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود ﴾ ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة، وأيضاً فإن قوله: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه ألبتة.
والقول الثاني: أن كاد للمقاربة فقول: ﴿ لاَ يَكَادُ ﴾ لنفي المقاربة يعني: ولم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإساغة كقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها.
فإن قيل: فقد ذكرتم الدليل على حصول الإساغة، فكيف الجمع بينه وبين هذا الوجه.
قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: لا يسيغ جميعه كأنه يجرع البعض وما ساغ الجميع.
الثاني: أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك الشراب إلى جوف الكافر، إلا أن ذلك ليس بإساغة، لأن الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس واستطابة المشروب والكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه، أي لا يستطيبه ولا يشربه شرباً بمرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة، والله أعلم.
النوع الثالث: مما ذكره الله تعالى في وعيد هذا الكافر قوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ ﴾ والمعنى: أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات، ومع ذلك فإنه لا يموت وقيل من كل جزء من أجزاء جسده.
النوع الرابع: قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن المراد من العذاب الغليظ كونه دائماً غير منقطع.
الثاني: أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله.
قال المفضل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَنُخْرِجَنَّكُمْ ﴾ ، ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ ﴾ ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم إما عودكم حالفين على ذلك.
فإن قلت: كأنهم كانوا على ملتهم حتى يعودوا فيها.
قلت: معاذ الله، ولكن العود بمعنى الصيرورة، وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية لا تكاد تسمعهم يستعملون صار، ولكن عاد، ما عدت أراه، عاد لا يكلمني، ما عاد لفلان مال.
أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن به، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد ﴿ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين ﴾ حكاية تقتضي إضمار القول، أو إجراء الإيجاء مجرى القول، لأنه ضرب منه.
وقرأ أبو حيوة: ﴿ ليهلكنّ ﴾ ، ﴿ وليسكننكم ﴾ بالياء اعتباراً لأوحى، وأن لفظه لفظ الغيبة، ونحوه قولك: أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن.
والمراد بالأرض.
أرض الظالمين وديارهم، ونحوه ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ﴾ [الأعراف: 127] ، ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وديارهم ﴾ [الأحزاب: 27] .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من آذى جاره ورثه الله داره» ولقد عاينت هذا في مدة قريبة: كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا منها ويؤذيني فيه، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته، فنظرت يوماً إلى أبناء خالي يتردّدون فيها ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدّثتهم به، وسجدنا شكراً لله ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما قضى به الله من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم، أي ذلك الأمر حق ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ موقفي وهو موقف الحساب، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، أو على إقحام المقام.
وقيل: خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله.
والمعنى أنّ ذلك حق للمتقين، كقوله: ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ حَلَفُوا عَلى أنْ يَكُونَ أحَدُ الأمْرَيْنِ، إمّا إخْراجُهم لِلرُّسُلِ أوْ عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، وهو بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى مِلَّتِهِمْ قَطُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِكُلِّ رَسُولٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ فَغَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ.
﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ﴾ أيْ إلى رُسُلِهِمْ.
﴿ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ الإيحاءِ مَجْراهُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ.
﴿ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ أرْضَهم ودِيارَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ .
وقُرِئَ « لَيُهْلِكَنَّ» « ولَيُسْكِنَنَّكم» بِالياءِ اعْتِبارًا لَأوْحى كَقَوْلِكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ وإسْكانُ المُؤْمِنِينَ.
﴿ لِمَن خافَ مَقامِي ﴾ مَوْقِفِي وهو المَوْقِفُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ العِبادُ لِلْحُكُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ قِيامِي عَلَيْهِ وحِفْظِي لِأعْمالِهِ وقِيلَ المَقامُ مُقْحَمٌ.
﴿ وَخافَ وعِيدِ ﴾ أيْ وعِيدِي بِالعَذابِ أوْ عَذابِي المَوْعُودُ لِلْكَفّارِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ} سبْلنا لرسْلهم أبو عمرو {لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا} من ديارنا {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم وحلفوا على ذلك والعود بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن معه فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد {فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين} القول مضمر أو أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه
﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قِيلَ: لَعَلَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بَعْضُ المُتَمَرِّدِينَ في الكُفْرِ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي نُقِلَتْ مَقالاتُهُمُ الشَّنِيعَةُ دُونَ جَمِيعِهِمْ كَقَوْمِ شُعَيْبٍ وأضْرابِهِمْ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وقالُوا، ﴿ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ أهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ الَّذِينَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى الإخْراجِ والإدْخالِ ويَكُونُ ذَلِكَ عِلَّةً لِلْعُدُولِ عَنْ قالُوا أيْضًا و( أوْ ) لِأحَدِ الأمْرَيْنِ ومُرادُهم لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ إخْراجُكم أوْ عَوْدُكم فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ في وُسْعِ المُقْسِمِ والقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى حَتّى أوْ إلّا أنَّ قَوْلَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ كَما في البَحْرِ فِيما بَعْدَها إذْ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ ذَلِكَ مَعَ ما ذُكِرَ كَما يَصِحُّ في لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِّي حَقِّيَ والمُرادُ مِنَ العَوْدِ الصَّيْرُورَةُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى أُخْرى وهو كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ بِهَذا المَعْنى فَيَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ العَوْدَ يَقْتَضِي أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا وحاشاهم في مِلَّةِ الكُفْرِ قَبْلَ ذَلِكَ.
واعْتُرِضَ في الفَرائِدِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ العَوْدُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ لَقِيلَ إلى مِلَّتِنا فَتَعْدِيَتُهُ بِفي يَقْتَضِي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الدُّخُولِ أيْ لَتَدْخُلُنَّ في مِلَّتِنا ورَدَّهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لَوْ كانَ ﴿ فِي مِلَّتِنا ﴾ صِلَةَ الفِعْلِ إمّا إذا جُعِلَ خَبَرًا لَهُ لَأنْ صارَ مِن أخَواتِ كانَ فَلا يَرِدُ كَما في نَحْوِ صارَ زَيْدٌ في الدّارِ نَعَمْ يُفْهَمُ مِمّا ذَكَرَهُ وجْهٌ آخَرُ وهو جَعْلُهُ مَجازًا بِمَعْنى تَدْخُلُنَّ لا تَضْمِينًا لِأنَّهُ عَلى ما قَرَّرُوهُ يُقْصَدُ فِيهِ المَعْنَيانِ فَلا يُدْفَعُ المَحْذُورُ وفي الكَشْفِ أنَّ ( في ) أبْلَغُ مَن إلى لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ كَأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِأنْ يَتَظاهَرُوا أنَّهم مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ العَوْدِ في مِلَّتِهِمْ سُكُوتُهم عَنْهم وتَرْكُ مُطالَبَتِهِمْ بِالإيمانِ وهو كَما تَرى وقِيلَ: هو عَلى مَعْناهُ المُتَبادَرِ والخِطابُ لِكُلِّ رَسُولٍ ولِمَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ فَغَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ: فَإنْ كانَ الجَماعَةُ حاضِرِينَ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإلّا فَهُناكَ تَغْلِيبٌ آخَرُ في الخِطابِ وقِيلَ: لا تَغْلِيبَ أصْلًا والخِطابُ لِلرُّسُلِ وحْدَهم بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ قَبْلَ أظْهارِ الدَّعْوَةِ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في مِثْلِ ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ ﴾ أيْ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَما قِيلَ لَهم ما قِيلَ ﴿ رَبُّهُمْ ﴾ مالِكُ أمْرِهِمْ سُبْحانَهُ ﴿ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ﴾ .
(13) .
أيِ المُشْرِكِينَ المُتَناهِينَ في الظُّلْمِ وهم أُولَئِكَ القائِلُونَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ سُبْحانَهُ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ ناسٌ فالتَّوَعُّدُ بِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ و( أوْحى ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فَعَلَ الإيحاءَ فَلا مَفْعُولَ لَهُ و ﴿ لَنُهْلِكَنَّ ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ قائِلًا لَنُهْلِكَنَّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جارِيًا مَجْرى القَوْلِ لِكَوْنِهِ ضَرْبًا مِنهُ و ﴿ لَنُهْلِكَنَّ ﴾ مَفْعُولَهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يقول: لتدخلن في ديننا، فهذا كله تعزية للنبي ليصبر على أذى المشركين كما صبر من قبله من الرسل فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ يقول: أوحى الله تعالى إلى الرسل لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ فهذا لام القسم، ويراد به: التأكيد للكلام، أن يهلك الكافرين من قومهم وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ يقول: لننزلنكم في الأرض من بعد هلاكهم.
فأهلك الله تعالى قومهم، فسكن الرسل ومن معهم من المؤمنين ديارهم ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي يقول: ذلك الثواب لِمَنْ خافَ مَقامِي يعني: مقامه يوم القيامة بين يدي رب العالمين.
وروي عن أبيّ بن كعب أنه قال: «يقومون ثلاثمائة عام لا يؤذن لهم فيقعدون، أما المؤمنون فيهون عليهم، كما تهون عليهم الصلاة المكتوبة» .
وروي عن منصور عن خيثمة أنه قال: كنا عند عبد الله بن عمر فقلنا: أن عبد الله بن مسعود كان يقول: «إن الرجل ليعرق حتى يسبح في عرقه، ثم يرفعه العرق حتى يلجمه.
فقال ابن عمر: هذا للكفار، فما للمؤمنين؟
فقلنا: الله أعلم.
فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، حدثكم أول الحديث، ولم يحدثكم آخره، إن للمؤمنين كراسي يجلسون عليها، ويظلل عليهم بالغمام، ويكون يوم القيامة عليهم كساعة من نهار» .
ثم قال تعالى: وَخافَ وَعِيدِ أي: وخشي عذابي عليه.
قرأ نافع في رواية ورش: وخاف وعيدي بالياء يعني: خاف عذاب الله.
وقرأ الباقون: بغير ياء، لأن الكسرة تقوم مقامه، وأصله الياء.
<div class="verse-tafsir"
وفي الآية ترجيةٌ وتخويفٌ، وحكى الطبريُّ «١» عن سفيان وعن الحسن أنهما قَالاَ: معنى الآية: لَئِنْ شكرتم لأَزيدنكم مِنْ طاعتي.
قال ع «٢» : وضعَّفه الطبريُّ، وليس كما قال، بل هو قويٌّ حَسَنٌ، فتأمَّلَهُ.
ت: وتضعيفُ الطبريِّ بيِّن من حيثُ التخصيصُ، والأصلُ التعميمُ «٣» .
وقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ: هذا أيضاً من التذْكير بأيام اللَّه، وقوله سبحانه: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ: قيل: معناه: رَدُّوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم إِشارةً على الأنبياء بالسُّكوت، وقال الحسن: رَدُّوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسُل تسكيتاً لهم، وهذا أشنع في الرّدّ «٤» .
قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)
وقوله عز وجل: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ: التقدير: أفي إِلاهية اللَّه شَكٌّ أو:
أفي وحدانيَّة اللَّهِ شكّ، و «ما» في قوله ما آذَيْتُمُونا مصدريَّة، ويحتملُ أنْ تَكُونَ موصولةً بمعنى «الذي» ، قال الداودي: عن أبي عُبَيْدةً لِمَنْ خافَ مَقامِي: مجازه حيثُ أَقيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ للحسابِ انتهى «٥» .
قال عبد الحقِّ في «العاقبة» قال الربيع بن خَيْثَمٍ: مَنْ خافَ الوعيدَ، قَرُبَ عليه البعيد، ومَنْ طال أمله، ساء عمله.
انتهى، وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ.
والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ.
والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ.
رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ.
وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] .
﴿ قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في تَوْحِيدِهِ ﴿ يَدْعُوكُمْ ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ﴾ ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ.
﴿ قالُوا ﴾ لِلرُّسُلِ ﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿ وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا.
والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ.
وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الإسْكانُ ﴿ لِمَن خافَ مَقامِي ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ أيْ: رِزْقِي إيّاكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخافَ وعِيدِ ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ ﴾ ﴿ واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ﴿ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ ﴾ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: "أو" هُنا بِمَعْنى: "إلّا أنْ"، كَما هي في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْناكَ إنَّما ∗∗∗ نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا وتَحْتَمِلُ "أو" في الآيَةِ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها لِوُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، لِأنَّهم حَمَلُوا رُسُلَهم عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ولا يَحْتَمِلُ بَيْتُ امْرِئِ القَيْسِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُحاوِلْ أنْ يَمُوتَ فَيُعْذَرَ، فَتَخَلَّصَتْ بِمَعْنى "إلّا أنْ" ولِذَلِكَ نُصِبَ الفِعْلُ بَعْدَها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى "حَتّى" في الآيَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "لَألْزَمَنَّكَ أو تَقْضِيَنِي حَقِّي"، وفي قَوْلِهِ: "لا يَقُومُ زَيْدٌ أو يَقُومَ عَمْرٌو"، وفي هَذِهِ المُثُلِ كُلِّها يَحْسُنُ تَقْدِيرُ "إلّا أنَّ".
والعَوْدَةُ أبَدًا إنَّما هي إلى حالَةٍ قَدْ كانَتْ، والرُسُلِ ما كانُوا قَطُّ في مِلَّةِ الكُفْرِ، فَإنَّما المَعْنى: أو لَتَعُودُنَّ في سُكُوتِكم عَنّا إغْفالًا، وذَلِكَ عِنْدَ الكُفّارِ كَوْنٌ في مِلَّتِهِمْ، وخَصَّصَ تَعالى الظالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، فَإنَّما تَوَعَّدَ بِالإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ.
وقَوْلُهُ: "وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ" الخُطّابُ لِلْحاضِرِينَ والمُرادُ هم وذَرِّيَّتُهُمْ، ويَتَرَتَّبُ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: "وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى"، أيْ: يُؤَخِّرْكم وأعْقابَكُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لَيُهْلِكَنَّ" و"لَيُسْكِنَنَّكُمْ" بِالياءِ فِيهِما، وقَوْلُهُ: "مَقامِي" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ مِنَ القِيامِ عَلى الشَيْءِ بِالقُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الظَرْفَ لِقِيامِ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الآخِرَةِ، فَإضافَتُهُ إذا كانَ مَصْدَرًا إضافَةُ المَصَدَرِ إلى الفاعِلِ، وإضافَتُهُ إذا كانَ ظَرْفًا إضافَةُ الظَرْفِ إلى حاضِرِهِ، أيْ: مَقامَ حِسابِي، فَجائِزٌ قَوْلُهُ: "مَقامِي"، وجائِزٌ لَوْ قالَ: "مَقامِهِ"، وجائِزٌ لَوْ قالَ: "مَقامَ العَرْضِ والحِسابِ"، وهَذا كَما تَقُولُ: "دارُ الحاكِمِ، ودارُ الحُكْمِ، ودارُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "مَقامِي" مَجازٌ، حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ.
و"الِاسْتِفْتاحُ": طَلَبُ الحُكْمِ، والفَتّاحُ: الحاكِمُ، والمَعْنى: إنَّ الرُسُلَ اسْتَفْتَحُوا، أيْ: سَألُوا اللهَ تَعالى إنْفاذَ الحُكْمِ بِنَصْرِهِمْ وتَعْذِيبِ الكَفَرَةِ، وقِيلَ: بَلِ اسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ قَوْلِ قُرَيْشٍ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ ، وعَلى نَحْوِ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ في بَدْرٍ: "اللهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ، وأتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ" هَذا قَوْلُ أبِي دُرَيْدٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "واسْتَفْتِحُوا" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لِلرُّسُلِ، قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ.
و"خابَ" مَعْناهُ: خَسِرَ ولَمْ يَنْجَحْ، و"الجَبّارُ": المُتَعَظِّمُ في نَفْسِهِ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُجْبِرُ الناسَ عَلى ما يَكْرَهُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو المَفْهُومُ مِنَ اللَفْظِ.
وعَبَّرَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ عَنِ "الجَبّارِ" بِأنَّهُ الَّذِي يَأْبى أنْ يَقُولَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، و"العَنِيدُ": الَّذِي يُعانِدُ ولا يَنْقادُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِهِ ﴾ ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: "مِن أمامِهِ"، وعَلى ذَلِكَ حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ ﴾ ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: أتُوعِدُونِي وراءَ بَنِي رِياحٍ...
كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَداكَ دُونِي ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ، و"الوَراءُ" ها هُنا عَلى بابِهِ، أيْ: هو ما يَأْتِي بَعْدُ في الزَمانِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ في هَذِهِ الحَوادِثِ بِالأمامِ والوَراءِ إنَّما هو بِالزَمانِ، وما تَقَدَّمَ فَهو أمامٌ، وهو بَيْنَ اليَدِ، كَما تَقُولُ في التَوْراةِ والإنْجِيلِ: إنَّهُما بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، والقُرْآنُ وراءَهُما عَلى هَذا، وما تَأخَّرَ في الزَمانِ هو وراءَ المُتَقَدِّمِ، ومِنهُ قَوْلُهم لِوَلَدِ الوَلَدِ: الوَراءُ، وهَذا الجَبّارُ العَنِيدُ وُجُودُهُ وكُفْرُهُ وأعْمالُهُ في وقْتٍ ما، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ في الزَمانِ يَأْتِيهِ أمْرُ جَهَنَّمَ، قالَ وتَلْخِيصُ هَذا أنْ يُشَبَّهَ الزَمانُ بِطَرِيقٍ تَأْتِي الحَوادِثُ مِن جِهَتِهِ الواحِدَةِ مُتَتابِعَةً، فَما تَقَدَّمَ فَهو أمامٌ، وما تَأخَّرَ فَهو وراءُ المُتَقَدِّمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ وراءَهُمْ ﴾ أيْ غَصْبُهُ وتَغَلُّبُهُ يَأْتِي بَعْدَ حَذَرِهِمْ وتَحَفُّظِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسْقى مِن ماءٍ ﴾ ، ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنْ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا.
ثُمَّ نَعَتْهُ بِـ "صَدِيدٍ"، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ.
و"الصَدِيدُ": القَيْحُ والدَمُ، وهو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ﴾ عِبارَةٌ عن صُعُوبَةِ أمْرِهِ عَلَيْهِمْ، ويُرْوى أنَّ الكافِرَ يُؤْتى بِالشَرْبَةِ مِن شَرابِ أهْلِ النارِ فَيَتَكَرَّهُها، فَإذا أُدْنِيَتْ مِنهُ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإذا شَرِبَها قَطَّعَتْ أمْعاءَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ مُفَرَّقٌ في آياتٍ مِن كِتابِ اللهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ أيْ مِن كُلِّ شَعْرَةٍ في بَدَنِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ، وقِيلَ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ السِتِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما هو بِمَيِّتٍ ﴾ ، أيْ: لا يُراحُ بِالمَوْتِ.
وباقِي الآيَةِ كَأوَّلِها، ووَصْفُ العَذابِ بِالغَلِيظِ مُبالَغَةٌ، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: العَذابُ الغَلِيظُ: حَبْسُ الأنْفاسِ في الأجْسادِ، وقِيلَ: إنَّ الضَمِيرَ في "وَرائِهِ" هُنا هو لِلْعَذابِ المُتَقَدِّمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين ﴾ ﴿ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الارض مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .
تغيير أسلوب الحكاية بطريق الإظهار دون الإضمار يؤذن بأن المراد ب ﴿ الذين كفروا ﴾ هنا غير الكافرين الذين تقدمت الحكاية عنهم فإن الحكاية عنهم كانت بطريق الإضمار.
فالظاهر عندي أن المراد ب ﴿ الذين كفروا ﴾ هنا كفار قريش على طريقة التوجيه.
وأن المراد ب ﴿ رُسُلِهم ﴾ الرسولُ محمّد صلى الله عليه وسلم أجريت على وصفه صيغة الجمع على طريق قوله: ﴿ الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ﴾ في سورة غافر (70).
فإن المراد المشركون من أهل مكة كما هو مقتضى قوله: فسوف يعلمون وقوله: ﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ﴾ [سورة الحديد: 25]، فإن المراد بالرسل في الموضعين الأخيرين الرسول محمد عليه الصلاة والسلام لأنه الرسول الذي أنزل معه الحديد، أي القتال بالسيف لأهل الدعوة المكذبين، وقوله: ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ في سورة سبأ (45) على أحد تفسيرين في المراد بهم وهو أظهرهما.
وإطلاق صيغة الجمع على الواحد مجاز: إما استعارة إن كان فيه مراعاة تشبيه الواحد بالجمع تعظيماً له كما في قوله تعالى: ﴿ قال رب ارجعون ﴾ [سورة المؤمنون: 99].
وإما مجاز مرسل إذا روعي فيه قصد التعمية، فعلاقته الإطلاق والتقييد.
والعدول عن الحقيقة إليه لقصد التعمية.
فلا جرم أن يكون المراد بالذين كفروا } هنا كفار مكة ويؤيده قوله بعد ذلك ﴿ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ فإنه لا يعرف أن رسولاً من رسل الأمم السالفة دخل أرض مكذّبيه بعد هلاكهم وامتلكها إلا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع «منزلُنا إن شاء الله غداً بالخَيْف خَيْفَ بني كنانة حيثُ تقاسموا على الكفر».
وعلى تقدير أن يكون المراد ب ﴿ الذين كفروا ﴾ في هذه الآية نفس المراد من الأقوام السالفين فالإظهار في مقام الإضمار لزيادة تسجيل اتصافهم بالكفر حتى صار الخصلة التي يعرفون بها.
وعلى هذا التقدير يكون المراد من الرسل ظاهرَ الجمع فيكون هذا التوعد سنة الأمم ويكون الإيماء إليهم به سنة الله مع رسله.
وتأكيد توعدهم بالإخراج بلام القسم ونون التوكيد ضراوة في الشر.
و (أو) لأحد الشيئين، أقسموا على حصول أحد الأمرين لا محالة، أحدهما من فعل المقسمين، والآخر من فعل مَن خوطب بالقسم، وليست هي ﴿ أو ﴾ التي بمعنى ﴿ إلى ﴾ أو بمعنى والعود: الرجوع إلى شيء بعد مفارقته.
ولم يكن أحد من الرسل متبعاً ملّة الكفر بل كانوا منعزلين عن المشركين دون تغيير عليهم، فكان المشركون يحسبونهم موافقين لهم، وكان الرسُل يتجنبون مجتمعاتهم بدون أن يشعروا بمجانبتهم، فلما جاءُوهم بالحق ظنّوهم قد انتقلوا من موافقتهم إلى مخالفتهم فطلبوا منهم أن يعودوا إلى ما كانوا يحسبونهم عليه.
والظرفية في قوله: في ملتنا} مجازية مستعملة في التمكن من التلبس بالشيء المتروك فكأنه عاد إليه.
والملّة: الدين.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ في آخر سورة الأنعام (161)، وانظر قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ في أوائل سورة آل عمران (95).
وتفريع جملة فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } على قول الذين كفروا لرسلهم ﴿ لنخرجنكم من أرضنا ﴾ [سورة إبراهيم: 13] الخ تفريع على ما يَقتضيه قول الذين كفروا من العزم على إخراج الرسل من الأرض، أي أوحى الله إلى الرسل ما يثبت به قلوبهم، وهو الوعد بإهلاك الظالمين.
وجملة لنهلكن الظالمين} بيان لجملة (أوحى..).
وإسكان الأرض: التمكين منها وتخويلها إياهم، كقوله: ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم ﴾ [سورة الأحزاب: 27].
والخطاب في لنسكننكم} للرسل والذين آمنوا بهم، فلا يقتضي أن يسكن الرسول بأرض عدوه بل يكفي أن يكون له السلطان عليها وأن يسكنها المؤمنون، كما مكن الله لرسوله مكة وأرض الحجاز وأسكنها الذين آمنوا بعد فتحها.
﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ .
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المذكور من الإهلاك والإسكان المأخوذين من ﴿ لنهلكن ﴾ ، و ﴿ لنسكننكم ﴾ .
عاد إليهما اسم الإشارة بالإفراد بتأويل المذكور، كقوله: ﴿ ومن يفعل ذلك يلق آثاماً ﴾ [سورة الفرقان: 68].
واللام للملك، أي ذلك عطاء وتمليك لمن خاف مقامي، كقوله تعالى: ذلك لمن خشي ربه [سورة البينة: 8].
والمعنى: ذلك الوعد لمن خاف مقامي، أي ذلك لكم لأنكم خفتم مقامي، فعدل عن ضمير الخطاب إلى من خاف مقامي} لدلالة الموصول على الإيماء إلى أن الصلة علة في حصول تلك العطية.
ومعنى ﴿ خاف مقامي ﴾ خافني، فلفظ ﴿ مقام ﴾ مقحم للمبالغة في تعلق الفعل بمفعوله، كقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [الرحمن: 46]، لأن المقام أصله مكان القيام، وأريد فيه بالقيام مطلق الوجود لأن الأشياء تعتبر قائمة، فإذا قيل خاف مقامي } كان فيه من المبالغة ما ليس في (خافني) بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه.
كما يقال: قصّر في جانبي.
ومنه قوله تعالى: ﴿ على ما فرطت في جنب الله ﴾ [سورة الزمر: 56].
وكل ذلك كناية عن المضاف إليه كقول زياد الأعجم: إن السماحة والمروءة والندى *** في قُبة ضُربت على ابن الحشرج أي في ابن الحشرج من غير نظر إلى وجود قبة.
ومنه ما في الحديث إن الله لما خلق الرحم أخذت بساق العرش وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، أي هذا العائذ بك القطيعة.
وخوف الله: هو خوف غضبه لأن غضب الله أمر مكروه لدى عبيده.
وعطف جملة وخاف وعيد } على ﴿ خاف مقامي ﴾ مع إعادة فعل ﴿ خاف ﴾ دون اكتفاء بعطف ﴿ وعيدي ﴾ على ﴿ مقامي ﴾ لأن هذه الصلة وإن كان صريحها ثناءً على المخاطبين فالمراد منها التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد الله، ولولا ذلك لكانت جملة ﴿ خاف مقامي ﴾ تغني عن هذه الجملة، فإن المشركين لم يعبأوا بوعيد الله وحسبوه عبثاً، قال تعالى: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾ [سورة الحج: 47]، ولذلك لم يجمع بينهما في سورة البينة (8) ﴿ ذلك لمن خشي ربه ﴾ لأنه في سياق ذكر نعيم المؤمنين خاصة.
وهذه الآية في ذكر إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم فكان المقام للفريقين، فجمع في جزاء المؤمنين بإدماج التعريض بوعي الكافرين، وفي الجمع بينهما دلالة على أن من حق المؤمن أن يخاف غضب ربه وأن يخاف وعيده، والذين يخافون غضب الله ووعيده هم المتقون الصالحون، فآل معنى الآية إلى معنى الآية الأخرى ﴿ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ [سورة الأنبياء: 105].
وقرأ الجمهور وعيد} بدون ياء وصلاً ووقفاً.
وقرأه ورش عن نافع بدون ياء في الوقف وبإثباتها في الوصل.
وقرأه يعقوب بإثبات الياء في حالي الوصل والوقف.
وكل ذلك جائز في ياء المتكلم الواقعة مضافاً إليها في غير النداء.
وفيها في النداء لغتان أخريان.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي ﴾ أيِ المَقامَ بَيْنَ يَدَيَّ، وأضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ وبَيْنَ المُقامِ بِالضَّمِّ أنَّهُ إذا ضُمَّ فَهو فِعْلُ الإقامَةِ، وإذا فُتِحَ فَهو مَكانُ الإقامَةِ.
﴿ وَخافَ وعِيدِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.
والثّانِي: أنَّهُ ما في القُرْآنِ مِن زَواجِرَ.
﴿ واسْتَفْتَحُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا بِطَلَبِ النَّصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا بِالبَلاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي الِاسْتِفْتاحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِداءِ.
الثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ في " خابَ " وجْهانِ: أحَدُهُما: خَسِرَ عَمَلُهُ.
الثّانِي: بَطَلَ أمَلُهُ.
وَفي ﴿ جَبّارٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنْتَقِمُ.
الثّانِي: المُتَكَبِّرُ بَطَرًا.
وَفي ﴿ عَنِيدٍ ﴾ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ.
الثّانِي: أنَّهُ المُتَباعِدُ عَنِ الحَقِّ، قالَ الشّاعِرُ: ولَسْتُ إذا تَشاجَرَ أمْرُ قَوْمٍ بِأوَّلِ مَن يُخالِفُهم عَنِيدًا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مِن خَلْفِهِ جَهَنَّمُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وراءَ مِنَ الأضْدادِ وتَقَعُ عَلى خَلْفَ وقُدّامَ جَمِيعًا.
الثّانِي: مَعْناهُ أمامَهُ جَهَنَّمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومِن ورائِكَ يَوْمٌ أنْتَ بالِغُهُ ∗∗∗ لا حاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ ولا بادِي الثّالِثُ: أنَّ جَهَنَّمَ تَتَوارى ولا تَظْهَرُ، فَصارَتْ مِن وراءٍ لِأنَّها لا تُرى حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
الرّابِعُ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ مَعْناهُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ النّابِغَةُ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أرادَ: ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ.
﴿ وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ماءٍ مِثْلِ الصَّدِيدِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ الشُّجاعِ أسَدٌ، أيْ مِثْلُ الأسَدِ.
الثّانِي: مِن ماءٍ كَرِهْتَهُ تَصُدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ الصَّدِيدُ مَأْخُوذًا مِنَ الصَّدِّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، لِلْآلامِ الَّتِي في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن جَسَدِهِ.
الثّانِي: تَأْتِيهِ أسْبابُ المَوْتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، ومِن قُدّامِهِ وخَلْفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: تَأْتِيهِ شَدائِدُ المَوْتِ مِن كُلِّ مَكانٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَما هو بِمَيِّتٍ ﴾ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِ.
﴿ وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ﴾ فِيهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ الماضِيَةُ.
والعَذابُ الغَلِيظُ هو الخُلُودُ في جَهَنَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرونهم ويكذبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز الله لهم وعدهم واستَفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ قال: وعدهم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة.
فبين الله تعالى من يسكنها من عباده، فقال: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [ الرحمن: 46] وإن لله مقاماً هو قائمه، وإن أهل الإِيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا، ودأبوا الليل والنهار.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ [ التحريم: 6] تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات ليلة، فخر فتى مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده، فإذا هو يتحرك، فقال: «يا فتى.
قل لا إله إلا الله.
فقالها.
فبشره بالجنة.
فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟
قال: أما سمعتم قوله تعالى ﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا، عن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ﴾ [ التحريم: 6] ولفظ الحكيم، لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية، تلاها على أصحابه وفيهم شيخ.
ولفظ الحكيم، فتى.
فقال: يا رسول الله، حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا.
فوقع مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو حي، فناداه فقال: قل لا إله إلا الله.
فقالها، فبشره بالجنة: فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟
فقال: نعم، يقول الله عز وجل ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [ الرحمن: 46] ﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ » .
وأخرج الحاكم من طريق حماد بن أبي حميد، عن مكحول عن عياض بن سليمان رضي الله عنه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى، قوم يضحكون جهراً في سعة رحمة ربهم، ويبكون سراً من خوف عذاب ربهم، يذكرون ربهم بالغداة والعشي في البيوت الطيبة والمساجد، ويدعونه بألسنتهم رغباً ورهباً، ويسألونه بأيديهم خفضاً ورفعاً، ويقبلون بقلوبهم عوداً وبدءاً، فمؤنتهم على الناس خفيفة، وعلى أنفسهم ثقيلة.
يدبّون في الليل حفاة على أقدامهم كدبيب النمل، بلا مرح ولا بذخ، يقرؤون القرآن ويقربون القربان ويلبسون الخلقان، عليهم من الله تعالى شهود حاضرة وعين حافظة، يتوسمون العباد ويتفكرون في البلاد، أرواحهم في الدنيا وقلوبهم في الآخرة، ليس لهم هم إلا أمامهم.
أعدوا الجواز لقبورهم والجواز لسبلهم، والاستعداد لمقامهم، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ » قال الذهبي رضي الله عنه هذا حديث عجب منكر، وأحسبه أدخل علي بن السماك رضي الله عنه يعني شيخ الحاكم الذي حدثه به.
قال: ولا وجه لذكره في هذا الكتاب- يعني المستدرك- قال: وحماد ضعيف.
ولكن، لا يحتمل مثل هذا، ومكحول مدلس وعياض لا يدري من هو.
انتهى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم؛ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ قال للرسل كلها.
يقول: استنصروا.
وفي قوله: ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ قال: معاند للحق، مجانب له.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ قال: استنصرت الرسل على قومها ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ يقول: بعيد عن الحق، معرض عنه، أبى أن يقول لا إله إلا الله.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ عنيد ﴾ قال: هو الناكب عن الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه قال: يجمع الله الخلق في صعيد واحد يوم القيامة: الجن والإِنس والدواب والهوام، فيخرج عنق من النار فيقول: وكلت بالعزيز الكريم والجبار العنيد، الذي جعل مع الله إلهاً آخر.
قال: فيلقطهم كما يلقط الطير الحب فيحتوي عليهم، ثم يذهب بهم إلى مدينة من النار، يقال لها: كيت وكيت، فيثوون فيها ثلثمائة عام قبل القضاء.
وأخرج الترمذي وصححه، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، فيقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصوّرين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج عنق من النار يوم القيامة، فيتكلم بلسان طلق ذلق، له عينان يبصر بهما ولسان يتكلم به، فيقول: إني أمرت بكل جبار عنيد، ومن دعا مع الله إلهاً آخر، ومن قتل نفساً بغير نفس، فتنضم عليهم فتقذفهم في النار قبل الناس بخمسمائة سنة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب، حق على الله أن يسكنه كل جبار» .
وأخرج الطستي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ قال: الجبار، العيار، والعنيد الذي يعند عن حق الله تعالى.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: مصر على الحنث لا تخفى شواكله ** يا ويح كل مصر القلب جبار وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا في صفة النار، وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ويسقى من ماء صديد يتجرعه ﴾ قال: «يقرب إليه فيتكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» يقول الله تعالى ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ﴾ [ محمد: 15] وقال: ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ﴾ [ الكهف: 29] .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ من ماء صديد ﴾ قال: ما يسيل بين جلد الكافر ولحمه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ قال: القيح والدم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور، عن مجاهد في قوله: ﴿ من ماء صديد ﴾ قال: دم وقيح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ قال: ماء يسيل من بين لحمه وجلده.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: لو أن دلواً من صديد جهنم دلي من السماء فوجد أهل الأرض ريحه، لأفسد عليهم الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
وباقي الآية وما بعدها إلى قوله: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ ظاهر، ومعنى ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ ذكرناه في قصة شعيب في سورة الأعراف [آية: 88].
ابن الأنباري هاهنا، أن قوله: ﴿ لَتَعُودُنَّ ﴾ في الظاهر عطف على جواب اليمين، ثم أجاب عن هذا وقال معنى الكلام: لنخرجنَّكم من أرضنا حتى تعودوا في ملتنا، ولكي تعودوا، وإلا تعودوا [[هذان المعنيان لـ (أو) بمعنى (حتى) أو (إلا أن) ذكرهما بعض المفسرين كالطبري 13/ 191 - 192 "الثعلبي" 7/ 147 أ، و"البغوي" 4/ 339، وأنكر آخرون أن يُراد بها أيُّ من القولين هنا، وأنها على بابها أي التخيير يقول ابن العربي في رده عليهم: وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير، فإن (أو) على بابها من التخيير، خيَّر الكفارُ الرسل بين أن يعودوا في ملَّتهم أو يخرجوا من أرضهم، وهذه سيرة الله في رسله وعباده.
"تفسير ابن العربي" 3/ 1116، ويقول أبو حيان رحمه الله: وتقدير (أو) هنا بمعنى (حتى) أو بمعنى (إلا أن) قول من لم ينعم [أي: يبالغ] النظر في ما بعدها؛ لأنه لا يصح تركيب (حتى) ولا تركيب (إلا أن) مع قوله ﴿ لَتَعُودُنَّ ﴾ بخلاف لألزمنّك أو تقضيني حقي.
"تفسير أبي حيان" 5/ 411 وكذلك السمين رحمه الله ذهب مذهب شيخه ونقل كلامه دون نسبته إليه.
"الدر المصون" 7/ 76، ويقول ابن عاشور رحمه الله: و (أو) لأحد الشيئين ..
وليست هي (أو) التي بمعنى (إلى) أو بمعنى (إلا) "تفسير ابن عاشور" 13/ 206، وحَمْلُ (أو) على بابها هو قول جمهور المفسرين، وهو أولى بالترجح ما دام أن المعنى يستقيم؛ ولأن هذا == هو الأصل، ولا يُصار إلى المعاني الأخرى إلا عند تعذُّر حملها على المعنى الأصلي، أو وجود قرينة صارفه وداعية.]]، لقول امرئ القيس (١) إنما نُحَاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فنُعْذَرَا المعنى: إلا أن نموت وحتى نموت، فكان يجب على هذا أن تكون (أو تعودوا) (٢) ﴿ لَتَعُودُنَّ ﴾ عن لفظ الشرط إلى لفظ اليمين، وأُشرك بينه وبين الذي قبله في اللفظ وإن كان مخالفه في المعنى؛ كما قالوا: لو تُرك عبد الله والأسدَ لأكله، فنصبوا الأسد لأنه مخالف الأول، ورفعه بعضُهم بالنَّسق (٣) ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، فعطف يُسْلِمون على تقاتلون تغليبًا للَّفظ (٤) (٥) (٦) (١) وصدره بتمامه: فقلتُ لهُ لا تبْك عينُك إنما "ديوانه" ص 64، وورد في "الكتاب" 3/ 47، و"الصاحبي في فقه اللغة" ص 171، و"شرح المفصّل" 7/ 22، و"الدرالمصون" 9/ 713، وورد بلا نسبة في "الخصائص" 1/ 263، و"رصف المباني" ص 212، و"شرح الأشموني" 3/ 527، والبيت من قصيدة قالها لعمرو بن قميئة اليشكري حين استصحبه في مسيره إلى قيْصر، والشاهد: قوله (أو نموت) حيث نصب الفعل المضارع لإضمار (أنْ)، و (أو) بمعنى: (إلا).
(٢) أي اللفظة القرآنية لو كان في غير القرآن (أو تعودوا) بدلاً من ﴿ لَتَعُودُنَّ ﴾ .
(٣) أي بالعطف.
(٤) لأن المعنى مشترك بين الأمرين؛ أي يكون هذا، أو يكون هذا، كانه قيل: يكنْ قتال أو إسلام.
انظر: "الكتاب" 3/ 47، و"المقتضب" 2/ 27، و"الدر المصون" 9/ 713.
(٥) أي الوجه الآخر للرفع، رفعه على الاستئناف، كأنه قال: تقاتلونهم أو هم == يسلمون.
انظر: "الكتاب" 3/ 47، و"شرح المفصل" 7/ 23، و "الدر المصون" 9/ 713.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 70 - 71.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله ﴾ والمعنى أي شيء يمنعنا من التوكل على الله ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون ﴾ إن قيل لم كرر الأمر؟
فالجواب عندي أن قوله: وعلى الله فليتوكل المؤمنون راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار بسلطان مبين أي حجة ظاهره، فتوكل الرسل في ورودها على الله، وأما قوله فليتوكل المتوكلون؛ فهو راجع إلى قولهم: ولنصبرن على ما آذيتمونا أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم.
وقال الزمخشري: إن هذا الثاني في معنى الثبوت على التوكل ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ أو هنا بمعنى إلا أن، أو على أصلها، لوقوع أحد الشيئين، والعود هنا بمعنى الصيرورة، وهي كثير في كلام العرب ولا يقتضي أن الرسل، كانوا في ملة الكفار قبل ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الله الذي ﴾ بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا وصل.
الباقون بالجر مطلقاً ﴿ وعيدي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
الوقوف: ﴿ الر ﴾ قف كوفي ﴿ الحميد ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالرفع.
﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ صفة الكافرين ﴿ عوجاً ﴾ ط بناء على ما قلنا أو على أن ﴿ الذين ﴾ منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك في ضلال ﴾ فلا وقف على ﴿ عوجاً ﴾ ولك أن تقف على ﴿ شديد ﴾ للآية ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ ليبين لهم ﴾ ط لأن قوله: ﴿ فيضل ﴾ حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ بأيام الله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ط ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لشديد ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفاً ومن عطف فوقه على ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط فصلاً بين الاستخبار والإخبار ﴿ مسمى ﴾ ط لتقدير همزة الاستفهام في ﴿ تريدون ﴾ .
﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ وبإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ آذيتمونا ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ في ملتنا ﴾ ط ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ عنيد ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ صديد ﴾ ه لا لذلك ﴿ يميت ﴾ ط ﴿ غليظ ﴾ ه.
التفسير: كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان.
قوله: ﴿ ألر كتاب ﴾ أي السورة المسماة بـ ﴿ ألر ﴾ كتاب ﴿ أنزلناه إليك ﴾ لغرض كذا وإن كان ﴿ الر ﴾ مذكوراً على جهة التعديد فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن أو هذه السورة كتاب.
والظلمات استعارة لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق.
واللام في ﴿ لتخرج ﴾ للغرض عند المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة.
واللام في ﴿ الناس ﴾ للجنس المتسغرق ظاهراً ففيه دليل على أن دعوته عامة.
ومعنى إخراج النبي ﴿ من الظلمات إلى النور ﴾ أنه جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته إياهم به إلى الحق واسطة لهدايتهم لا مطلقاً ولكن ﴿ بإذن ربهم ﴾ أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما خلق له.
والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى بداعية الإيمان.
احتج بالآية من قال: إن معرفة الله لا تمكن إلا بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور: وأجيب بأن معنى الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ بدل من قوله: ﴿ إلى النور ﴾ بتكرير العامل الجار.
وجوز في الكشاف أن يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟
فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.
وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد من العلم والغنى وغير ذلك.
ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج لعباده مفضياً إلى صلاح حالهم ديناً ودنيا، إذ لا حاجة له إلى ارتكاب عبث أو قبيح.
قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه قادراً غالباً وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً والعلم بكونه غنياً عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه تحقيقاً لحقية صراطه وبياناً لتنزهه عن العبث فقال: ﴿ الله الذي ﴾ مبتدأ وخبر والمبتدأ محذوف تقديره هو الله.
ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين بناء على أن لفظ ﴿ الله ﴾ جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا البحث مشبعاً في تفسير البسملة من سورة الفاتحة.
ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ولا يقر بوحدانيته ذلك قوله: ﴿ وويل للكافرين ﴾ وهو دعاء عليهم بالهلاك والثبور وكل سوء.
قال في الكشاف: وجه اتصال قوله: ﴿ من عذاب شديد ﴾ بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ويلاه.
﴿ الذين يستحبون ﴾ أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه يكره كونه محباً له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محباً له وأحب تلك المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى مراتب الضلال.
وقوله: ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ إشارة إلى الضلال.
وقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف ويمكن أن يكون إسناداً مجازياً باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق.
ثم لما مَنَّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم.
احتج أصحاب أبي هاشم بالآية على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال.
قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ أي بلغتهم لزم الدور.
أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه فيندفع الدور.
وتمسك طائفة من اليهود - يقال لهم العيسوية - بهذه الآية في أن محمداً رسول الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم.
والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن قوم النبي أخص من أهل دعوته فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما في حق نبينا لأن التحديث وقع بالفريقين في قوله: ﴿ قل لئن اجتمع الإنس والجن ﴾ وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أوّلاً إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطول ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد.
وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: ﴿ لتخرج الناس ﴾ ووسطها وهو قوله: ﴿ ليبين لهم ﴾ فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله ﴿ الحكيم ﴾ فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال.
وقالت الأشاعرة.
قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ وقوله: ﴿ فيضل الله من يشاء ﴾ وقوله: ﴿ العزيز ﴾ فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا.
أقول: نحن قد حققنا مسألة الجبر مراراً فتذكر.
ومما يخص هذا الموضع قول الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لميكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه كقوله: { ﴿ لنبين لكم ونقر ﴾ بالرفع نظيره في الآية قوله: ﴿ فيضل ﴾ بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها.
ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسبباً لما بين أن المقصود من بعثة نبينا هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أرد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن إلا ذلك وذكر لذلك مثالاً.
وخص موسى بالذكر لأنه أمته أكثر الأمم سوى أمة محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة.
ومعنى ﴿ أن أخرج ﴾ أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول: ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج.
ومعنى التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم.
ويقال: أيام العرب لحروبها وملاحمها.
وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت تسخير فرعون، أو المراد عظهم بالترغيب والترهيب ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير والتنبيه دلائل ﴿ لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ على السراء.
وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ينتفعون بها.
ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل ههنا "يا قوم" كما ذكر في المائدة اقتصاراً على ما ذكره هناك.
وقوله: ﴿ عليكم ﴾ إن كان صلة للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: ﴿ إذ أنجاكم ﴾ ظرف للإنعام أيضاً، وإن كان مستقراً بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب ﴿ إذ أنجاكم ﴾ بـ ﴿ عليكم ﴾ وفي الوجهين جاز أن يكون "إذ" بدلاً من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة.
ومن جملة النعم قوله: ﴿ وإذ تأذن ﴾ أي واذكروا حين آذن ﴿ ربكم ﴾ إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات.
وقد تقدم في أواخر "الأعراف" أن فيه معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع أقسام ما أنعم الله به عليه فيما أعطاه لأجله.
ولا شك أن المكلف إذا سلك هذا الطريق كان دائماً في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن رؤية النعم، ويصدر منه الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعاً والتكلف خلقاً، وهذا معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعاً منقاداً لواجب الوجود تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو - أي لا عجب - أن ينقاد لذلك النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: ﴿ ولئن كفرتم ﴾ يعني كفران النعم ﴿ إن عذابي لشديد ﴾ ثم بين أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله غني عن ذلك كله فقال: ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ الآية.
وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنياً عن الحاجات متصفاً بكل الكمالات أهلاً للحمد وإن لم يكن حامداً.
وقوله: ﴿ ألم يأتكم ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم.
والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول تحذيراً لهم عن مخالفته.
وقوله: ﴿ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ إن كان جملة من مبتدأ وخبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله: ﴿ والذين من بعدهم ﴾ معطوفاً على قوم نوح فقوله: ﴿ لا يعلمهم إلا الله ﴾ وحده اعتراض.
ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائداً إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد.
ونظير الآية قوله: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ { ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.
ثم إنه حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أتوا بأمور أحدها ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ وفيه قولان: أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ .
قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم ﴿ إنا كفرنا بما أرسلتم به ﴾ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق، وهذا قول قويّ لعطف قوله: ﴿ وقالوا ﴾ على قوله: ﴿ فردّوا ﴾ الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام ألبتة.
أو يكون الضميران الأخيران راجعين إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقد عائداً على الرسل والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم وردّاً عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء منعاً لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول.
القول الثاني: أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز.
عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل.
ونقل محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ردّ يده في فيه.
فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به.
والمراد بما زعمتهم أن الله أرسلكم به وكأنهم في أوّل الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي الثالثة قالوا: ﴿ وإنا لفي شك ﴾ وقد مر مثله في سورة هود.
فإن قلت: كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟
قلنا: أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم.
ثم إنه حكى جواب الرسل وذلك قولهم: ﴿ أفي الله شك فاطر السموات والأرض ﴾ أدخل همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود الله لا يحتمل الشك.
قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين.
إنه كان من عقيدتي أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين.
والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنهبات في هذا المقام لأنها مقررة لقوله : ﴿ أفي الله شك ﴾ فأقول وبالله التوفيق: المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم جميعاً.
فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب العدم في ذاته معاً، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته.
الخامس واجب الوجود لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته.
ثم نقول: إن العقل كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج كان معدوماً في الخارج.
فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك فثبت كونه موجوداً في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة.
وجه ثانٍ: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ضروريتها لأنها إن كان مستغنياً عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا فممكن فنقول: إن كانت القمسة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط.
أما كونها مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معاً في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه.
وإذا كان الجمع بين الواجب والممكن ممكناً في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجوداً يكون أولى بالضرورة لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجو له وهذه مقدمة جلية مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذا لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه وجود يوجد ألبته من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى وأولى منه في الممكن.
وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب الوجود له، والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ريب أن الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجوداً والثاني واقع بالضرورة فالأولى أولى بكونه ضروري الوقوع.
وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع.
فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فو واجب الوجود.
ومن شك في وجود ماوجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفاً بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلاً لأن يهجر الحكمة.
وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة.
فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفاً بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققاً، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه.
وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجاباً له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير، فالوجود ثابت بالطريقة الأولى.
وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجوداً واجباً لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا.
فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتاً في نفسه لم يتصور منه إفادة مثله، فإذا حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفاً بكونه مفيداً لوجود مثله.
فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح.
وجه ثامن: كون الشيء موجوداً في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجداً لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجداً لغيره، وكل موجد لغيره موجود في نفسه.
وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول واقعاً، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوّته بأقربهما من القبول واقعاً؟
وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة والمعاندين ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ ثم أخبر أنهم يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء منهم, فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري الوجود.
وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيراً في نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفوال طالعاً فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعاً.
وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس.
من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئاً هو به هو، وبذلك يصح أنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة يتصرف فيها كيف يشاء.
ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في سلك الجمادات، فكما أن البدن لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو الواجب الحق شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ولا أثر.
وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور.
لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره، وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهراً في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهوراً لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلاً.
فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضاً علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا.
وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يتسحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته.
ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزلياً أن يكون الفيض المخصوص أزلياً، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم.
هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان.
قال بعض العقلاء: من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثه النبي.
أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟!
وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربي ذلك الضارب؟
وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى.
وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه.
وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال؟!
وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو قرأ بهما ثم بانأن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه ألبته، أما إذا أنكر الصانع والتكليف والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذاً بالأحوط.
ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها وذلك ثنتان: الأولى قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان ﴿ ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ استدل بالآية من جوّز زيادة "من" في الإثبات وذلك لقوله في موضع آخر: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ {الزمر: 53].
وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون "من" للتبعيض تمييزاً بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت في خطاب الكافرين إلا مقرونة بـ "من" كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة الأحقاف.
وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف ﴿ يغفر لكم ذنوبكم ﴾ بغير "من".
وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم.
وقيل: "من" للبدل أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب.
وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير.
وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر.
فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة.
وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا كبيراً مغفوراً.
وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: في الآية دلالة على أنه قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب.
ولقائل أن يقول: لانسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟.
الغاية الثانية قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال.
وقد مر تحقيق الأجل في أوّل "الأنعام".
ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: ﴿ إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك.
الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قوله: ﴿ تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ﴾ الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق.
وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلاً لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطاناً مبيناً أي برهاناً باهراً وحجة قاهرة.
ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله.
أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعاً منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيها.
وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها ﴿ وما كان لنا ﴾ أي ما صح منا ﴿ أن نأتي بآية ﴾ اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله.
والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته.
وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها.
ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.
وفي قولهم: ﴿ وقد هدانا سبلنا ﴾ إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد.
وفي قولهم.
﴿ ولنصبرن على ما آذيتمونا ﴾ دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات.
أما قول الكفار للرسل: ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب.
وقال صاحب الكشاف: العود ههنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم ألبتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴾ أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول.
عن النبي : "من آذى جاره ورّثه الله داره" ﴿ ذلك ﴾ الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق ﴿ لمن خاف مقامي ﴾ يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس ﴾ أو قيامي بالعدل والصواب مثل ﴿ قائماً بالقسط ﴾ أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي: ﴿ وخاف وعيد ﴾ قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد.
قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر.
قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل.
وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود.
﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ معاند.
وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلاً من المتعاندين في جانب آخر.
قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً للحق منحرفاً عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا.
فوضع الأعم موضع الأخص.
والظاهر مقام الضمير تنصيصاً على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم ﴿ من ورائه ﴾ أي من بين يديه.
يقال: الموت وراء كل أحد.
وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوارٍ عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما.
وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر.
وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف.
قال جار الله: قوله: ﴿ ويسقى ﴾ معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ أي من ماء بيانه أو صفته هذا.
والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله.
وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة.
﴿ يتجرعه ﴾ يتكلف جرعه ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ أي لم يقارب الإساغة فضلاً عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي.
قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية - أعني قوله: ﴿ ويصهر ﴾ - لا تدل على الحصول لقوله قبله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم ﴾ .
﴿ ويأتيه الموت من كل مكان ﴾ من جسده حتى من إبهام رجله.
وقيل: من أصل كل شعرة.
وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا.
ثم أخبر - والعياذ بالله- أن العذاب في كل وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.
قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا.
والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله فلم يسقوا فذكر ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار.
وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ كلاماً مستأنفاً منقطعاً عن حديث الرسل وأممهم.
التأويل: بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا.
إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة.
قوله: ﴿ الر ﴾ أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة.
﴿ بإذن ربهم ﴾ الذي يربيهم هو لا أنت.
وفي قوله: ﴿ إلى صراط ﴾ إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف.
وفي الاختتام بقوله: ﴿ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ﴾ إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله.
﴿ وويل للكافرين ﴾ من شدة ألم الانقطاع عن الله.
ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل.
﴿ إلا بلسان قومه ﴾ أي يتكلم معهم بلسان عقولهم.
﴿ ولقد أرسلنا ﴾ بواسطة جبريل الجذبة ﴿ موسى ﴾ القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص.
﴿ أن أخرج قومك ﴾ وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير ﴿ لآيات ﴾ في نفي الوجود ﴿ لكل صبار ﴾ بالله مع الله من غير الله ﴿ شكور ﴾ لنعمة الوجود الحقيق ببذل الوجود المجازي ﴿ ولئن شكرتم ﴾ بالطاعة ﴿ لأزيدنكم ﴾ في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ﴿ ولئن كفرتم ﴾ نعمتي في المعاملات كلها ﴿ إن عذابي ﴾ قطيعتي ﴿ لشديد ﴾ ﴿ وقال موسى ﴾ القلب ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ أيها الروح والسر والخفى بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة.
﴿ يدعوكم ﴾ من المكونات إلى الملكوت ﴿ ليغفر لكم ﴾ بصفة الغفارية ﴿ من ذنوبكم ﴾ التي أصابتكم من حجب عالم الخلق ﴿ ويؤخركم ﴾ في التخلق بأخلاقه ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو وقت الفناء في الذات ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ للتوكل مقامات: فتوكل المبتدىء قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه.
﴿ لمن خاف مقامي ﴾ وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار ﴿ وخاف وعيد ﴾ القطيعة واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى.
﴿ من وراثه ﴾ أي قدام النفس في متابعة الهوى ﴿ جهنم ﴾ الصفات الذميمة ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة ﴿ يتجرعه ﴾ بالتكلف ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ لأنه ليس من شربه ﴿ يأتيه ﴾ أسباب ﴿ الموت من كل مكان ﴾ من كل فعل مذموم ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ...
﴾ الآية.
يشبه أن يكون الخطاب لأهل الإيمان منهم، والرسل خاطبهم - عز وجل - تصبيراً [منه لهم] وتنبيهاً على تكذيب الكفرة إياهم؛ وأذاهم واستهزائهم بهم؛ فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد أتاكم نبأ الذين من قبلكم ما فيه مزجر لكم عن مثل معاملتهم الرسول، وهو ما ذكره: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ إنه نزل بهم بتكذيبهم الرسل والاستهزاء بأتباعهم، يذكر هذا لهم؛ ليهون ذلك عليهم وليخف؛ لأن من علم أن له شركاً فيما بُلي به وامتحن كان ذلك [عليه أهون] وأخف من أن يكون هو المخصوص به.
ويحتمل أن يكون الخطاب لأهل الكفر منهم؛ يقول: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد أتاكم خبر الذين من قبلكم؛ [أنه ماذا أنزل بهم بتكذيبهم الرسل واستهزائهم بأتباعهم؛ فينزل بكم] ما نزل بهم؛ لأن الذي أنزل ذلك عليهم حي قادر على إنزال مثله؛ فيخرج ذلك مخرج [التوقيح و] التوبيخ والتعيير والوعيد؛ ليحذروا عن صنيع أولئك.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .
فيه دلالة أن تكلف معرفة الأنساب وحفظها إلى آدم شغل وتكلف؛ لأنه أخبر أن فيهم من لا يعلمه إلا الله وروي في الخبر أنه كان ينسب إلى مُضَر، ولا ينسب إلى أكثر من ذلك.
قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ [يكذب من ادعى معرفة الأنساب المتقدمة؛ لأنه قال: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ] وقد أخبر أيضاً أنه لم يقصّ عليه خبر الكل بقوله: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾ فمن البعيد أن يتكلف تعرف ما لم يقصّ على رسوله والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ﴾ .
قيل: البينات: بينات على وحدانية الله وألوهيته، ويحتمل الحجج التي أتوا بها الرسل على إثبات الرسالة والنبوة.
وقال بعضهم: البينات: ما يتّقون، وما يأتون، وما يحل عليهم وما يحرم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا على التمثيل والكناية عن التكذيب وترك الإجابة؛ لأن رد الأيدي في أفواههم يمنعهم عن التصديق؛ كقوله: ﴿ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ...
﴾ الآية [الرعد: 14] إذا ترك إجابته، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ وأمثاله.
ويشبه أن يكون على تحقيق جعل الأيدي في أفواههم، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ : في أفواه الرسل: فيقولون إنكم كذبة.
ويحتمل: ردّ الأيدي في أفواه أنفسهم يصوتون ويستهزئون بهم وبأتباعهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ...
﴾ الآية [الأنفال: 35] وقد ذكرنا معناه في موضعه؛ فعلى ذلك [هذا يحتمل ذلك،] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ...
﴾ الآية.
[وقد ذكرنا معناه]؛ يحتمل قوله: ﴿ بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ التوحيد؛ لأنهم أرسلوا بالدعاء إلى توحيد الله والعبادة له، يدل على ذلك قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ وقول الرسل ﴿ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ...
﴾ الآية.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ من إثبات الرسالة، وإقامة الحجة عليها، ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ من التصديق بالرسالة والنبوة.
﴿ مُرِيبٍ ﴾ : هذا يدل أنهم كانوا على شكّ مما يعبدون من الأوثان والأصنام؛ لأنهم لو كان لهم بيان في ذلك وحجة ودعاء إليه؛ لكانوا لا يقولون: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ ولكن كانوا يقطعون فيه القول؛ فدل أنهم كانوا [على شك وريب]؛ في عبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها.
ثم الشك والريب؛ قال بعضهم: هما سواء، وقال بعضهم: الشك: هو الشك المعروف، والريب: هو النهاية في الشك.
وقال بعض أهل التأويل في قوله - -: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ : أي: عضوا على أصابعهم غيظاً على ما دعوا.
وقال بعضهم: ردوا عليهم قولهم أو كذبوهم، وهو ما ذكرنا بدءاً؛ وقال: ردوا عليهم بأفواههم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ ﴾ .
أي: أفي ألوهية الله شك؛ أو في عبادة الله شك؟
أي: ليس في ألوهيته ولا في عبادته شك [إذ تقرون أنتم أنه إله وأنه معبود، وكذلك أقر آباؤكم أنه إله وأنه معبود، فليس في ألوهيته ولا في عبادته شك]؛ إنما كان الشك في عبادة من تعبدون دونه، من الأوثان والأصنام وألوهيتها؛ لأن آباءكم أقروا بألوهية الله وأنه معبود، حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ وأقروا أنه خالق السماوات الأرض، وفاطر جميع ما فيهما بقولهم: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ وإن الأصنام التي عبدوها لم تخلق شيئاً؛ فليس في الله شك عندكم إنما الشك فيما تعبدون دونه؛ أو في وحدانية الله.
أو يقول: أفي الله شك أنه معبود؛ أي: ليس في الله شك أنه لم يزل معبوداً إنما الشك في الأصنام التي قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأما في الله فلا شك أنه لم يزل معبوداً فاطر السماوات والأرض.
يشبه أن يكون على الإضمار؛ أي: أفي الله شك وقد تقرون أنه فاطر السماوات والأرض؛ وتعلمون أنه خالقهما.
ويحتمل أن يكون على الاحتجاج؛ أي: أفي الله شك وهو فاطر السماوات والأرض؟!
أي: تعلمون أنه فاطر السماوات والأرض وتقرون أنه خالقهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ .
هذا يحتمل [وجهين: يحتمل]: ليغفر لكم ذنوبكم التي كانت لكم في حال الفترة إذا أسلمتم.
وفيه دلالة - والله أعلم -: أن المآثم التي كانت لهم في وقت الفترة - مأخوذة عليهم؛ ثم وعد لهم المغفرة إذا أسلموا.
والثاني: وعد المغفرة والتجاوز؛ لما كان منهم من الافتراء على الله؛ والقول فيه بما لا يليق به؛ إذا أسلموا وتابوا عن ذلك؛ أي: إنكم، وإن افتريتم على الله وقلتم فيه ما قلتم؛ وكذبتم رسله، فإذا أسلمتم وتبتم وصدقتم رسله - غفر لكم ذلك كله وفيه ذكر لطفه وحسن معاملته خلقه.
ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى ﴾ جواب ما قالوا: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ﴾ .
[ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ] يقول إذا أسلمتم وتبتم لا تتخطفون؛ ولكن تبلغون إلى آجالكم المسماة ويؤخركم إلى أجل مسمّى.
يتعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية أن لكل إنسان أجلين: أجل في حال إذا كان فعل فعل كذا، وأجل في حال إذا فعل كذا؛ لكن جعل الأجلين إنما يكون بجهل في العواقب ممن يجهل العواقب، فأمّا الله وتعالى فهو عالم بما كان ويكون؛ فلا يحتمل أن يجعل له أجلين؛ وهو عالم بما يكون؛ فإنما جعله أجله بالذي علم أنه يكون منه؛ في الوقت الذي جعله، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا ﴾ .
في قولهم تناقض من وجهين: أحدهما: أنهم تركوا طاعة رسلهم واتباعهم؛ لأنهم بشر مثلهم؛ [ثم أطاعوا آباءهم واتبعوهم في عبادة الأصنام، وهم بشر مثلهم] حيث قالوا: ﴿ تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا ﴾ فذلك تناقض في القول.
والثاني: أنهم لم يروا الرسل متبوعين؛ [لأنهم] بشر ثم لا يخلو هم بأنفسهم من أن يكونوا متبوعين استتبعوا غيرهم دونهم، أو كانوا أتباعاً لغيرهم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ فذلك تناقض في القول.
﴿ فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ .
سألوا الحجة على ما دعوا إليه من ألوهية الله وربوبيته، أو على ما ادعوا من الرسالة من الله، وفي كل شيء وقع عليه بصرهم دلالة وحدانية الله وألوهيته، لكنهم سألوا ذلك سؤال تعنت وعناد، وكذلك قد أقاموا الحجج على ما ادعوا من الرسالة؛ لكنهم تعاندوا وكابروا في ردّ ذلك فسألوا سؤال آية وحجة؛ تضطرهم وتقهرهم على ذلك، أو يكون عند إتيانها هلاكهم؛ فأجابهم الرسل فقالوا: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما كان لنا أن نأتيكم بآية تكون بهم هلاككم؛ إنما ذلك إلى الله: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل.
وقوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ .
أي: ما نحن إلا بشر مثلكم؛ [ولكن الله يمن على من يشاء، في دلالة] رد قول الباطنية؛ لأنهم ينكرون كون الرسالة في جوهر البشرية؛ ويقولون: إنما تكون الرسالة في جوهر الروحانية؛ فهم - صلوات الله عليهم وسلامه - إنما أجابوا قومهم؛ حيث قالوا لهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ وقولهم: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ لم يذكروا شيئاً سوى البشرية؛ فدل أن قول الباطنية باطل؛ حيث قالوا: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ .
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يختص أحداً بالرسالة؛ إلا من كان منه ما يستحق به الرسالة؛ وهم صلوات الله عليهم؛ لم يذكروا سوى منة الله عليهم، دل أنه يمن عليهم ويختصهم؛ لا بشيء [من الاستحقاق و] يكون منهم من الأعمال؛ ولكن بالمنة والفضل منه عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
هو ما ذكرنا: الإذن موضوعه الإباحة، هو مقابل الحجر؛ لكن الإذن المذكور في القرآن ليس كله على وجه واحد؛ ولكن يتجه في كل موضع ويحتمل على ما يليق به، قال الله : ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بنصر الله؛ لأن الهزيمة هي موضع النصر؛ تحمل عليه، وقال: ﴿ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بإنشاء الله؛ [فعلى ذلك الإذن هاهنا؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بإنشاء الله] السلطان وإجرائه على أيدينا.
ويحمل الإذن المذكور في القرآن على ما يصلح ويليق بما تقدم ذكره.
ويحتمل الإذن هاهنا الأمر؛ أي: بأمر الله نأتي أي: إن أمرنا الله بذلك نأتي به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
يشبه أن يكون ذكر هذا على إثر وعيد وأذى كان منهم إليهم؛ فقالوا: على الله يتكل ويعتمد المؤمنون في دفع وعيدكم وأذاكم.
وقوله: ﴿ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر؛ أي: على الله توكلوا أيّها المؤمنون؛ في جميع ما يتوعدكم أهل الكفر؛ وفي جميع أموركم.
ويحتمل على الإخبار عن صنيع المؤمنين أنهم إنما يتوكلون على الله، [وبه يعتمدون] في جميع أمورهم؛ ومنه يرون كل خير وبرّ، لا بالأسباب التي لهم ولا يرون منها.
وأما أهل الكفر فإنما يتوكلون ويعتمدون بالأسباب؛ ومنها يرون كل سعة وخير.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .
كأن هذا يخرج على إثر جواب منهم؛ لما قال الرسل: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ فأجابوهم بحرف؛ فعند ذلك قال الرسل: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ لكنه لم يذكر ما كان منهم؛ ولكن ذكر جواب الرسل لهم: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ﴾ قال بعضهم: وقد بين لنا سلوك سبلنا.
وعندنا قوله: ﴿ وَقَدْ هَدَانَا ﴾ أي: وفق لنا السلوك في السبل التي علينا أن نسلكها؛ وأكرم لنا ذلك؛ أي: ما لنا ألا نتوكل عليه في النصر والظفر عليكم؛ وقد وفقنا وأكرمنا السلوك في السبل التي علينا سلوكها، وذلك أعسر من القيام للأعداء والنصر بهم؛ وقد أكرمنا ما هو أعسر وأعظم؛ فإن ينصرنا أولى.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا قبل أن يأمروا بالقيام لهم والاستنصار منهم؛ أمروا بالصبر على أذاهم؛ فقالوا: ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا ﴾ .
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أنهم قالوا ذلك؛ لما كان أهل الكفر في كثرة؛ وكان أهل الإسلام وأتباع الرسل في قلة؛ يستقلون أهل الإسلام ويعاتبون على ذلك؛ فقالوا عند ذلك: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ بالنصر على أعدائنا؛ والغلبة عليهم، وقد أكرمنا بما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ كأنه يخرج على الأمر؛ أي: على الله فتوكلوا؛ لا تتوكلوا [على] غيره.
ويشبه أن يكون على الخبر؛ أي: لا يتوكل المؤمن إلا على الله؛ لا يتوكل على غيره؛ كقول الرسول حيث قال: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ...
﴾ الآية [هود: 56] وهو قول هود، وقول المؤمنين: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا...
﴾ الآية [الأعراف: 89] ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ ﴾ .
الإخراج يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: على حقيقة الإخراج من البلد إلى غيره من البلدان والأرضين.
ويحتمل الإخراج: الحبس ﴿ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ ﴾ ؛ أي: لنحبسنكم عن [الانتفاع بالبلد] وبأهله وبما فيه، ويحتمل الإخراج: القتل؛ أي: نقتلنكم؛ وقد كان أهل الكفر يوعدون ويخوفون الرسل وأتباعهم بهذه الثلاثة؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 30] ونحوه.
ثم في وعيدهم الذي أوعدوا الرسل وجوهاً ثلاثة حيث تجاسروا إقبال الرسل بمثل هذا الوعيد ومع الرسل آيات وحجج: أحدها: أنهم رأوا أنفسهم مسلّطين على أولئك؛ قاهرين عليهم؛ وكانوا أهل كبر وتجبر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ دل هذا أنهم كانوا رأوا أنفسهم - كما ذكرنا - أهل تسليط وتجبر.
والثاني: قالوا ذلك لهم؛ لما لم يكن عندهم ما يدفعون حجج الرسل وبراهينهم؛ فهمُّوا قتلهم وإخراجهم؛ لعجزهم عن دفع ما ألزمهم الرسل، وهكذا الأمر المتعارف بين الخلق: أن الخصم لا يقصد إهلاك خصمه؛ ما دام له الوصول إلى الحجاج؛ فإذا عجز عن ذلك فعند ذلك يهمّ بقتله ويقصد إهلاكه.
والثالث: جواب الرسل إياهم عند القول إليه بالقول الذي ليس فوقه أحسن منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ .
الملة: الدين؛ كقوله [ ]: "لا يتوارث أهل الملتين" وقوله [تعالى]: ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ أي: دين إبراهيم.
وقوله: ﴿ لَتَعُودُنَّ ﴾ ليس أنهم كانوا فيها وتركوها؛ ولكن على ابتداء الدخول فيها على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
وعد لهم النصر؛ والظفر عليهم؛ والتمكين في أرضهم مع قلة [عدد] أتباع الرسل وضعف أبدانهم؛ ومع كثرة الأعداء وقوة أبدانهم؛ ليعلموا أنهم قالوا ذلك بوحي من الله؛ ووعده إياهم؛ لا من حيث أنفسهم، والله أعلم.
فكان على ما أخبروا؛ فكان ذلك من آيات رسالتهم، وما ينبغي لهم أن يطلبوا [لهم] من الرسل الآيات والحجج على ما ادعوا؛ لأنهم لم يدعوهم إلى طاعة أنفسهم أو عبادتها؛ إنما دعوهم إلى وحدانية الله وألوهيته، وجعل الطاعة والعبادة له دون ما عبدوها من الأصنام، وذلك في شهادة خلقتهم؛ وشهادة كل خلقة؛ وإن لطف وصغر؛ فلم يحتاجوا إلى أن يقيموا البراهين والحجج على ما ادعوا ودعوهم إليه؛ لكنهم كانوا قوماً معاندين مكابرين لا يقبلون قولهم ولا يصدقونهم؛ تعنتاً منهم وتكبُّراً، لم ينظروا في خلق الله ليدركوا آثار وحدانيته وألوهيته؛ فكلفوا إقامة الحجج والآيات؛ لئلا يكون لهم مقال واحتجاج، وإن لم يكن لهم الاحتجاج.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي...
﴾ الآية.
قوله - - ذلك يحتمل وجوهاً؛ لأنه قد سبق خصال ثلاث؛ ما يحتمل رجوع هذا الحرف إلى كل واحد من ذلك.
أحدها: قوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ فيحتمل قوله ذلك: المن والفضل لمن خاف مقامي وخاف وعيد.
وسبق أيضاً قوله: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك الهدى والسبل التي هدانا إليها؛ أي: ذلك الهدى والهداية لمن خاف مقامي وخاف وعيد.
وسبق أيضاً: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ...
﴾ الآية أي: ذلك النصر والظفر بهم والتمكين في الأرض لمن خاف [مقامي وخاف] وعيد.
ثم قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ قال بعضهم: خاف مقامي في الدنيا والآخرة، وتأويله - والله أعلم - أي: خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا لما نزل بمكذبي رسله وأنبيائه، وخاف وعيده وعذابه في الآخرة حيث وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة.
وقال بعضهم: خاف مقامي في الآخرة؛ وهو كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ يخاف ذلك المقام، وخاف ما وعد من العذاب في النار.
ثم قوله: ﴿ مَقَامِي ﴾ حيث أضاف إليه، ليس في الاشتباه بأقل من قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ؛ وأقل من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ ﴾ وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [البقرة: 210] وأمثاله؛ فكيف اشتبه هذا على [أهل] التشبيه؛ ولم يشتبه قوله: ﴿ مَقَامِي ﴾ ؛ حيث سألوا في ذلك؛ ولم يسألوا في هذا؛ وهذا إن لم يكن أكثر في الاشتباه؛ فليس بأقل، والأصل في هذا وأمثاله؛ من قوله: ﴿ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ﴿ وَإِلَيْهِ مَآبِ ﴾ و ﴿ مَتَابِ ﴾ ذكر هذا؛ وإن كان الخلائق جميعاً في الدارين جميعاً - يكون مصيرهم ومرجعهم إليه؛ لأنه - جل وعلا - لم يخلقهم للمقام في الدنيا والدوام فيها؛ إنما خلقهم للزوال عنها والفناء، والمقام في الآخرة والدوام فيها؛ لكن خلقهم في هذه الدنيا - ليمتحنهم ويبتلون فيها؛ ثم يصيرون إلى دار المقام، فالآخرة هي المقصودة في خلقهم في الدنيا؛ لا الدنيا؛ فإذا كان كذلك أضاف المصير إلى نفسه، لما هو المقصود في خلقهم؛ وإن كانوا في الدنيا والآخرة صائرين إليه، غير غائبين عنه طرفة عين؛ ولا فائتين، وبالله النجاة.
ذكر الله - عز وجل - أنباء الرسل الماضية وأتباعهم؛ وأنباء أعدائهم؛ وما عامل بعضهم بعضاً، وما نزل بالأعداء - بما عاملوا رسلهم - من العذاب والاستئصال وأنواع البلايا، وما أكرم رسله وأتباعهم وأولياءهم من النصر على أعدائهم؛ والظفر بهم، والتمكين في الأرض، وجعل ذلك كله كتاباً بالحكمة؛ يتلى ليعلم؛ [أن كيف] يعامل الأعداء والأولياء؛ وليرغب فيما استوجب الأولياء من الكرامات وليحذروا عن مثل صنيع الأعداء؛ وليعلموا أن كيف عامل الله رسله وأولياءه، وكيف عامل الرسل ربَّهم، أضاف الرسل جميع ما نالوا من الخيرات والكرامات إلى الله؛ كأن لا صنع لهم في ذلك؛ حيث قالوا: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، ذكر قوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ليعلم أن الخير ليس يكون بالجوهر؛ ولكن بفضل من الله وبرحمته، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ﴾ وأمثاله، أضافوا ذلك إليه؛ كأنهم لا صنع لهم في ذلك.
وذكر الله - عز وجل - ما أكرم أولياءه ورسله؛ من النصر والتمكين والإنزال في الديار، كأنهم استوجبوا ذلك بفعلٍ كان منهم؛ وهو قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ أي: ذلك النصر والتمكين، وما ذكرنا من الوجوه ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ ذكر أنهم استوجبوا ذلك، لا أن كان، ﴿ ذٰلِكَ ﴾ من الله بحق إفضاله وامتنانه؛ ليعلموا معاملة الله رسله وأولياءه، ومعاملة الرسل والأولياء لسيدهم ومولاهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: الاستنصار؛ استنصروا الله على أعدائهم؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: يستنصرون.
والثاني: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ ﴾ أي: تحاكموا إلى الله في النصر للأحق منهم؛ والأقرب إلى الحق؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا...
﴾ الآية [الأعراف: 89] وهو التحاكم إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .
هو ما ذكرنا: تحاكموا إلى الله؛ فنصر أولياءه، وأهلك أعداءه، على ما ذكر أن أبا جهل قال: اللهم دينك القويم وأياديك الحسنة، أيّنا كان أحبّ إليك وأقرب إلى الحق - فانصره؛ فنصر المؤمنين وأهلك الأعداء.
وقوله: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ أي: تجبر على رسله وأوليائه، والعنيد: قيل: المعرض المجانب عن الحق والطاعة.
وقال بعضهم: الجبار: القاتل على الغضب والضارب على الغضب؛ وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أي: من وراء عذاب الدنيا لهم عذاب جهنم.
[و] قوله: ﴿ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ﴾ : الوراء: قد يستعمل في أمام وخلف؛ أي: من أمام ما حلّ بهم جهنم، ويحتمل: وراء ما أصابهم؛ ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ﴾ .
أى: يسقى في جهنم صديداً مكان ما يسقون في الدنيا؛ وهو الذي يسيل من القروح [والجروح]، جعل الله للكافرين في الآخرة مكاناً بما كان لهم في الدنيا؛ لباساً وشراباً وطعاماً؛ ما كانت تكرهه أنفسهم، جعل مكان ما يسقون في الدنيا من الماء - في النار: الصديد والغسلين والحميم، ومكان الطعام في الدنيا - في النار: الزقوم والضريع، ومكان اللباس: القطران ونحوه، ومكان القرين والصديق في الدنيا: يجعل قرينه الشيطان، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ إذ ذلك كله يمنعهم عن دين الله؛ ويصدهم عن ذكره، ليكون جزاؤهم من نوع ما كان يمنعهم في الدنيا عن طاعته.
ثم قال بعضهم: إن الصديد الذي يسقون: هو أن النار تجرحهم وتقرحهم؛ فيسيل - من ذلك - الصديدُ؛ فيسقون من ذلك.
وقال بعضهم: لا؛ ولكن يجعل شرابهم فيها صديداً؛ كشراب أهل الجنة وطعامهم من غير أصل.
وقوله: ﴿ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ﴾ ويحتمل: يسقى من ماء في ظنهم ماء؛ وهو في الحقيقة صديد.
ويحتمل أن يكون في الحقيقة والظاهر صديداً؛ لكن يشربون؛ رجاء أن يدفع عطشهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ .
قال أبو عوسجة: التجرع: ما يشربه مكرهاً عليه.
﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ .
يقال: أسغته: أي: أدخلته في الحلْق؛ يقال: أسغته [فساغ، أي: دخل سهلاً من غير أن يؤذيه، وكذلك قيل في قوله: ﴿ سَآئِغٌ شَرَابُهُ ﴾ أي: سهل في الحلق] وساغ في حلقه؛ إذا دخل دخولا سهلا لا يؤذيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ .
قال قائلون: يأتيهم الغمّ والهم من كل مكان، وكذلك المتعارف في الخلق: إذا اشتد بهم الغم والهم والشدة، يقال: كأنك ميت؛ أو تموت غمّاً.
وقال بعضهم: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ ﴾ أي: أسباب الموت؛ ما لو كان من قضائه الموت فيها - لماتوا؛ لشدة ما يحل بهم، ولكنْ قضاؤه؛ ألا يموتون فيها.
﴿ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ موت حقيقة يستريح من العذاب.
وقوله: ﴿ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ قال بعضهم: من كل ناحية من فوق؛ ومن تحت؛ [ومن خلف] ومن قدام؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ وقال: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ أخبر أن النار تأتيهم وتأخذهم من كل جانب ومن كل جهة.
ويحتمل ﴿ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ : أي: ومن كل سبب من تلك الأسباب التي تأتيهم؛ ما لو كان قضاؤه الموت - لماتوا بكل سبب من تلك الأسباب.
وقال بعضهم: أي: ليس من موضع من جسده ومن سائر جوارحه - إلا الموت يأتيه منها؛ من شدة ما يحل بهم؛ حتى يجدوا طعم الموت وكربه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِ ﴾ أي: ومن وراء ذلك العذاب - عذاب غليظ لا ينقطع ولا يفتر، وصفه بالغلظ والشدة؛ لدوامه والإياس عن انقطاعه.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقال الذين كفروا من أقوام الرسل لمَّا عجزوا عن مُحَاجّة رسلهم: لنخرجنكم من قريتنا، أو لترجعن عن دينكم إلى ديننا، فأوحى الله إلى الرسل تثبيتًا لهم: لنهلكنّ الظالمين الذين كفروا بالله وبرسله.
<div class="verse-tafsir" id="91.d1Bjq"