الآية ١٦ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ١٦ من سورة إبراهيم

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( من ورائه جهنم ) و " وراء " هاهنا بمعنى " أمام " ، كما قال تعالى : ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) [ الكهف : 79 ] ، وكان ابن عباس يقرؤها " وكان أمامهم ملك " .

أي : من وراء الجبار العنيد جهنم ، أي : هي له بالمرصاد ، يسكنها مخلدا يوم المعاد ، ويعرض عليها غدوا وعشيا إلى يوم التناد .

( ويسقى من ماء صديد ) أي : في النار ليس له شراب إلا من حميم أو غساق ، فهذا في غاية الحرارة ، وهذا في غاية البرد والنتن ، كما قال : ( هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج ) [ ص : 57 ، 58 ] .

وقال مجاهد ، وعكرمة : الصديد : من القيح والدم .

وقال قتادة : هو ما يسيل من لحمه وجلده .

وفي رواية عنه : الصديد : ما يخرج من جوف الكافر ، قد خالط القيح والدم .

ومن حديث شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت : قلت : يا رسول الله ، ما طينة الخبال ؟

قال : " صديد أهل النار " وفي رواية : " عصارة أهل النار " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، أنبأنا عبد الله ، أنا صفوان بن عمرو ، عن عبيد الله بن بر ، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ( ويسقى من ماء صديد يتجرعه ) قال : " يقرب إليه فيتكرهه ، فإذا أدني منه شوى وجهه ، ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره .

يقول الله تعالى ( وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) [ محمد : 15 ] ، ويقول : ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب ) [ الكهف : 29 ] .

وهكذا رواه ابن جرير ، من حديث عبد الله بن المبارك ، به ورواه هو وابن أبي حاتم : من حديث بقية بن الوليد ، عن صفوان بن عمرو ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر : يقول عزّ ذكره: ( من ورائه ) ، من أمام كل جَبار ( جهنم ) ، يَرِدُونها.

* * * و " وراء " في هذا الموضع ، يعني أمام ، كما يقال: " إن الموت مِنْ ورائك " ، أي قُدّامك ، وكما قال الشاعر: (33) أَتُوعِـــدُنِي وَرَاءَ بَنِــي رِيَــاحٍ كَــذَبْتَ لَتَقْصُــرَنَّ يَــدَاكَ دُونِـي (34) يعني: " وراء بني رياح " ، قدَّام بني رياح وأمَامهم.

* * * وكان بعض نحويِّي أهل البَصرة يقول: إنما يعني بقوله: ( من ورائه ) ، أي من أمامه ، لأنه وراءَ ما هو فيه ، كما يقول لك: " وكلّ هذا من ورائك ": أي سيأتي عليك ، وهو من وراء ما أنت فيه ، لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك وهو من ورائه.

وقال: وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [سورة الكهف : 79 ] ، من هذا المعنى ، أي كان وراء ما هم فيه أمامهم.

* * * وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول: أكثر ما يجوزُ هذا في الأوقات ، لأن الوقت يمرُّ عليك ، فيصير خلفك إذا جزته ، وكذلك ( كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ ) ، لأنهم يجوزونه فيصير وراءهم.

* * * وكان بعضهم يقول: هو من حروف الأضداد ، يعني وراء يكون قُدَّامًا وخلفًا.

* * * وقوله: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) ، يقول: ويسقى من ماءٍ ، ثم بيَّن ذلك الماء جل ثناؤه وما هو ، فقال: هو " صديد " ، ولذلك رد " الصَّديد " في إعرابه على " الماء " ، لأنه بيَانٌ عنه .

(35) * * * و " الصديد " ، هو القَيْحُ والدم.

* * * وكذلك تأوَّله أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 20626 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال ، حدثنا الحسن ، قال: حدثنا ورقاء ح وحدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله: (مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) ، قال قيحٌ ودم.

20627 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.

20628 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) ، و " الصديد " ، ما يسيل من لحمه وجلدِه.

(36) 20629 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) ، قال: ما يسيل من بين لحمه وجلده.

20630 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا هشام ، عمن ذكره ، عن الضحاك: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) ، قال: يعني بالصديد: ما يخرج من جوف الكافر ، قد خالط القَيْح والدم.

-------------------------- الهوامش : (33) هو جرير.

(34) البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف : 399 ، تعليق : 3 ، ثم انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 337 .

(35) " البيان " ، هو " عطف البيان " ، ويسميه الكوفيون " الترجمة " كما سلف ، انظر فهارس المصطلحات .

(36) الأثر : 20628 - في المطبوعة : " من دمه ولحمه وجلده " ، بزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة موافقًا لما في الدر المنثور 4 : 74 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : من ورائه جهنم أي من وراء ذلك الكافر جهنم ، أي من بعد هلاكه .

ووراء بمعنى بعد ; قال النابغة :حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهبأي بعد الله جل جلاله ; وكذلك قوله تعالى : ومن ورائه عذاب غليظ أي من بعده ; وقوله تعالى : ويكفرون بما وراءه أي بما سواه ; قاله الفراء .

وقال أبو عبيد : بما بعده : وقيل : " من ورائه " أي من أمامه ، ومنه قول الشاعر :ومن ورائك يوم أنت بالغه لا حاضر معجز عنه ولا باديوقال آخر :أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائياوقال لبيد :أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابعيريد أمامي .

وفي التنزيل : وكان وراءهم ملك أي أمامهم ، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وأبو علي قطرب وغيرهما .

وقال الأخفش : هو كما يقال هذا الأمر من ورائك ، أي سوف يأتيك ، وأنا من وراء فلان أي في طلبه وسأصل إليه .

وقال النحاس في قوله من ورائه جهنم أي من أمامه ، وليس من الأضداد ولكنه من توارى ; أي استتر .

وقال الأزهري : إن وراء تكون بمعنى خلف وأمام فهو من الأضداد ، وقاله أبو عبيدة أيضا ، واشتقاقهما مما توارى واستتر ، فجهنم توارى ولا تظهر ، فصارت من وراء لأنها لا ترى ، حكاه ابن الأنباري وهو حسن .قوله تعالى : ويسقى من ماء صديد أي من ماء مثل الصديد ، كما يقال للرجل الشجاع أسد ، أي مثل الأسد ، وهو تمثيل وتشبيه .

وقيل : هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم .

وقال محمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس : هو غسالة أهل النار ، وذلك ماء [ ص: 307 ] يسيل من فروج الزناة والزواني .

وقيل : هو من ماء كرهته تصد عنه ، فيكون الصديد مأخوذا من الصد .

وذكر ابن المبارك ، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بسر عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ويسقى من ماء صديد يتجرعه قال : يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ويقول الله : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب خرجه الترمذي ، وقال : حديث غريب ، وعبيد الله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبد الله بن بسر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي: جهنم لهذا الجبار العنيد بالمرصاد، فلا بد له من ورودها فيذاق حينئذ العذاب الشديد، { وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ } في لونه وطعمه ورائحته الخبيثة، وهو في غاية الحرارة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( من ورائه جهنم ) أي : أمامه ، كقوله تعالى ( وكان وراءهم ملك ) ( الكهف - 76 ) أي : أمامهم .

قال أبو عبيدة : هو من الأضداد .

وقال الأخفش : هو كما يقال هذا الأمر من ورائك يريد أنه سيأتيك ، وأنا من وراء فلان يعني أصل إليه .

وقال مقاتل : " من ورائه جهنم " أي : بعده .

( ويسقى من ماء صديد ) أي : من ماء هو صديد ، وهو ما يسيل من أبدان الكفار من القيح والدم .

وقال محمد بن كعب : ما يسيل من فروج الزناة ، يسقاه الكافر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من ورائه» أي أمامه «جهنم» يدخلها «ويسقى» فيها «من ماء صديد» هو ما يسل من جوف أهل النار مختلطا بالقيح والدم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومِن أمام هذا الكافر جهنم يَلْقى عذابها؛ ويُسقى فيها من القيح والدم الذي يَخْرج من أجسام أهل النار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ) صفة لجبار عنيد .والمراد بقوله : ( مِّن وَرَآئِهِ ) أى : من أمامه ، أو من بعد هلاكه .أى : من أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم ، تنتظر ليحل بها ، بسبب كفرة وظلمه .قال صاحب أضواء البيان : قوله ( مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ .

.

.

) الوراء هنا بمعنى الأمام كما هو ظاهر ، ومنه قوله - تعالى - ( وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) أى : وكان أمامهم ملك .

.

ومنه قول الشاعر :أترجو بنو مروان سمعى وطاعتى ...

وقومى تميم والفلاة ورائياأى : والفلاة أماميا .وقال بعضهم : قوله ( مِّن وَرَآئِهِ ) أى من بعد هلاكه ، ومنه قول النابغة :حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ...

وليس وراء الله للمرء مذهبأى : وليس بعد الله للمرء مذهب ، والأول هو الظاهر هو الحق .وعلى أية حال فإن الجملة الكريمة تدل على أن جنهم تنتظر هذا الجبار العنيد ، وتترصد له ، وتتبعه حيث كان ، بحيث لا يستطيع الفرار منها ، أو الهرب عنها .وجملة ( ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ) معطوفة على مقدر ، أى : من ورائه جهنم يلقى فيها مذءوماً مدحوراً ، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة ، هو الصديد ، أى ما يسيل من أجساد هذا النار من دم مختلط بقيح ، واشتقاقه من الصد ، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته .

وهو بدل أو عطف بيان من ماء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام، أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا.

والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة.

فإن قيل: هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها.

قلنا: الجواب من وجوه: الوجه الأول: أن أولئك الأنبياء عليهم السلام إنما نشأوا في تلك البلاد وكانوا من تلك القبائل في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ .

الوجه الثاني: أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه.

الوجه الثالث: لعل الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال: إنهم كانوا قبل ذلك لوقت على دين أولئك الكفار.

الوجه الرابع: قال صاحب الكشاف: العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب.

الوجه الخامس: لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل، ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي الأقوام على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر، وعلى هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة.

الوجه السادس: لا يبعد أن يكون المعنى: أو لتعودن في ملتنا، أي إلى ما كنتم عليه قبل إدعاء الرسالة من السكوت عن ذكر معايبة ديننا وعدم التعرض له بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل، والله أعلم.

واعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى: ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ ﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين ﴾ حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه، وقرأ أبو حيوة: ﴿ ليهلكن الظالمين وليسكننكم ﴾ بالياء اعتباراً لأوحى فإن هذا اللفظ لفظ الغيبة ونظيره قولك أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن، والمراد بالأرض ﴿ أَرْضُ الظالمين وديارهم ﴾ ونظيره قوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها  ﴾ ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وديارهم  ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: من آذى جاره أورثه الله داره واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ فقوله ذلك إشارة إلى أن ما قضى الله تعالى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه: الأول: المراد موقفي وهو موقف الحساب، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، ونظيره قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ  ﴾ الثاني: أن المقام مصدر كالقيامة، يقال: قام قياماً ومقاماً، قال الفراء: ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إياه كقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ .

الثالث: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ أي إقامتي على العدل والصواب فإنه تعالى لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل لا يميل عنه ولا ينحرف ألبتة.

الرابع: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ أي مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول.

الخامس: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ أي لم خافني، وذكر المقام هاهنا مثل ما يقال: سلام الله على المجلس الفلاني العالي والمراد: سلام الله على فلان فكذا هاهنا.

ثم قال تعالى: ﴿ وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ قال الواحدي: الوعيد اسم من أوعد إيعاداً وهو التهديد.

قال ابن عباس: خاف ما أوعدت من العذاب.

واعلم أنه تعالى ذكر أولاً قوله: ﴿ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايراً للخوف من وعيد الله، ونظيره: أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق.

ثم قال: ﴿ واستفتحوا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: للاستفتاح هاهنا معنيان: أحدهما: طلب الفتح بالنصرة، فقوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ أي واستنصروا الله على أعدائهم، فهو كقوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح  ﴾ .

والثاني: الفتح الحكم والقضاء، فقول ربنا: ﴿ واستفتحوا ﴾ أي واستحكموا وسألوه القضاء بينهم، وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: كلا القولين ذكره المفسرون.

أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل، وذلك لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم: ﴿ قَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً  ﴾ وقال موسى: ﴿ رَبَّنَا اطمس  ﴾ الآية.

وقال لوط: ﴿ رَبّ انصرنى عَلَى القوم المفسدين  ﴾ وأما على القول الثالث: وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا، ومنه قول كفار قريش: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء  ﴾ .

وكقول آخرين ﴿ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين  ﴾ .

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ ﴾ وقرئ واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ ﴾ أي أوحى إليهم ربهم، وقال لهم: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ ﴾ وقال لهم ﴿ استفتحوا ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إن قلنا: المستفتحون هم الرسل، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ وهم قومهم؛ وإن قلنا: المستفتحون هم الكفرة، فكان المعنى: أن الكفار استفتحوا على الرسل ظناً منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل.

المسألة الثانية: الجبار هاهنا المتكبر على طاعة الله وعبادته.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً  ﴾ قال أبو عبيدة عن الأحمر: يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة، وحكى الزجاج: الجبرية والجبر بكسر الجيم والباء والنجبار والجبرياء.

قال الواحدي: فهي ثمان لغات في مصدر الجبار، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أمراً فأبت عليه فقال: «دعوها فإنها جبارة» أي مستكبرة، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه، قال النضر بن شميل: العنود الخلاف والتباعد والترك، وقال غيره: أصله من العند وهو الناحية يقال: فلان يمشي عنداً، أي ناحية، فمعنى عاند وعند.

أخذ في ناحية معرضاً، وعاند فلان فلاناً إذا جانبه وكان منه على ناحية.

إذا عرفت هذا فنقول: كونه جباراً متكبراً إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيداً إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق، وهو كونه مجانباً عن الحق منحرفاً عنه، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق، كان خائباً عن كل الخيرات خاسراً عن جميع أقسام السعادات.

واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جباراً عنيداً، وصف كيفية عذابه بأمور: الأول: قوله: ﴿ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ وفيه إشكال وهو أن المراد: أمامه جهنم، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام؟

وأجابوا عنه من وجوه: الأول: أن لفظ وراء اسم لما يوارى عنك، وقدام وخلف متوار عنك، فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما.

قال الشاعر: عسى الكرب الذي أمسيت فيه *** يكون وراءه فرج قريب ويقال أيضاً: الموت وراء كل أحد.

الثاني: قال أبو عبيدة وابن السكيت: الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام، والسبب فيه أن كل ما كان خلفاً فإنه يجوز أن ينقلب قداماً وبالعكس، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ  ﴾ أي أمامهم، ويقال: الموت من وراء الإنسان.

الثاني: قال ابن الأنباري وراء بمعنى بعد.

قال الشاعر: وليس وراء الله للمرء مذهب *** أي وليس بعد الله مذهب.

إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم.

النوع الثاني: مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله: ﴿ ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: علام عطف ﴿ ويسقى ﴾ .

الجواب: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد.

السؤال الثاني: عذاب أهل النار من وجوه كثيرة، فلم خص هذه الحالة بالذكر؟

الجواب: يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ ﴾ .

السؤال الثالث: ما وجه قوله: ﴿ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ ﴾ .

الجواب: أنه عطف بيان والتقدير: أنه لما قال: ﴿ ويسقى مِن مَّاءٍ ﴾ فكأنه قيل: وما ذلك الماء فقال: ﴿ صَدِيدٍ ﴾ والصديد ما يسيل جلود أهل النار.

وقيل: التقدير ويسقى من ماء كالصديد.

وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة، وهو أيضاً يكون في نفسه صديداً، لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ  ﴾ .

﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل يَشْوِى الوجوه بِئْسَ الشراب  ﴾ .

السؤال الرابع: ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه.

الجواب: التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار، ويقال: ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً وأساغه إساغة.

واعلم أن (يكاد) فيه قولان: القول الأول: أن نفيه إثبات، وإثباته نفي، فقوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ أي ويسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول: ما كدت أقوم، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ  ﴾ يعني فعلوا بعد إبطاء، والدليل على حصول الإساغة قوله تعالى: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود  ﴾ ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة، وأيضاً فإن قوله: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه ألبتة.

والقول الثاني: أن كاد للمقاربة فقول: ﴿ لاَ يَكَادُ ﴾ لنفي المقاربة يعني: ولم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإساغة كقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا  ﴾ أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها.

فإن قيل: فقد ذكرتم الدليل على حصول الإساغة، فكيف الجمع بينه وبين هذا الوجه.

قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: لا يسيغ جميعه كأنه يجرع البعض وما ساغ الجميع.

الثاني: أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك الشراب إلى جوف الكافر، إلا أن ذلك ليس بإساغة، لأن الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس واستطابة المشروب والكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه، أي لا يستطيبه ولا يشربه شرباً بمرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة، والله أعلم.

النوع الثالث: مما ذكره الله تعالى في وعيد هذا الكافر قوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ ﴾ والمعنى: أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات، ومع ذلك فإنه لا يموت وقيل من كل جزء من أجزاء جسده.

النوع الرابع: قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن المراد من العذاب الغليظ كونه دائماً غير منقطع.

الثاني: أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله.

قال المفضل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ واستفتحوا ﴾ واستنصروا الله على أعدائهم ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ [الأنفال: 19] أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، كقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ﴾ [الأعراف: 89] وهو معطوف على ﴿ أوحي إليهم ﴾ وقرئ: ﴿ واستفتحوا ﴾ بلفظ الأمر.

وعطفه على ﴿ لتهلكنّ ﴾ أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم لنهلكنّ وقال لهم استفتحوا ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ معناه فنصروا وظفروا وأفلحوا، وخاب كل جبار عنيد، وهم قومهم.

وقيل: واستفتح الكفار على الرسل، ظنا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل، وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه ﴿ مِّن وَرَآئِهِ ﴾ من بين يديه.

قال: عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ ** يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ وهذا وصف حاله وهو في الدنيا، لأنه مرصد لجهنم، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف، فإن قلت: علام عطف ﴿ ويسقى ﴾ ؟

قلت: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقي من ماء صديد، كأنه أشد عذابها فخصص بالذكر مع قوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ ﴾ .

فإن قلت: ما وجه قوله تعالى ﴿ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ﴾ ؟

قلت: صديد عطف بيان لماء، قال: ﴿ ويسقى مِن مَّآءٍ ﴾ فأبهمه إبهاماً ثم بينه بقوله ﴿ صَدِيدٍ ﴾ وهو ما يسيل من جلود أهل النار ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ يتكلف جرعه ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ دخل كاد للمبالغة.

يعني: ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة، كقوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ [النور: 40] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها ﴿ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ كأنّ أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به من جميع الجهات، تفظيعاً لما يصيبه من الآلام.

وقيل: ﴿ مِّن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ من جسده حتى من إبهام رجله.

وقيل: من أصل كل شعرة ﴿ وَمِن وَرَآئِهِ ﴾ ومن بين يديه ﴿ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشدّ مما قبله وأغلظ.

وعن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.

ويحتمل أن يكون أهل مكة قد استفتحوا أي استمطروا- والفتح المطر- في سني القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسقوا، فذكر سبحانه ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء آخر، وهو صديد أهل النار.

واستفتحوا- على هذا التفسير-: كلام مستأنف منقطع عن حديث الرسل وأممهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واسْتَفْتَحُوا ﴾ سَألُوا مِنَ اللَّهِ الفَتْحَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوِ القَضاءَ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ مِنَ الفَتاحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ فَأوْحى ﴾ والضَّمِيرُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ لِلْكَفَرَةِ وقِيلَ لِلْفَرِيقَيْنِ.

فَإنَّ كُلَّهم سَألُوهُ أنْ يَنْصُرَ المُحِقَّ ويُهْلِكَ المُبْطِلَ.

وقُرِئَ بِلَفْظِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى « لَيُهْلِكَنَّ» .

﴿ وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ أيْ فَفَتَحَ لَهم فَأفْلَحَ المُؤْمِنُونَ وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ عَلى اللَّهِ مُعانِدٍ لِلْحَقِّ فَلَمْ يُفْلِحْ، ومَعْنى الخَيْبَةِ إذا كانَ الِاسْتِفْتاحُ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنَ القَبِيلَيْنِ كانَ أوْقَعَ.

﴿ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ فَإنَّهُ مُرْصَدٌ بِها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها في الدُّنْيا مَبْعُوثٌ إلَيْها في الآخِرَةِ.

وقِيلَ مِن وراءِ حَيّاتِهِ وحَقِيقَتُهُ ما تَوارى عَنْكَ.

﴿ وَيُسْقى مِن ماءٍ ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ يَلْقى فِيها ما يَلْقى ﴿ وَيُسْقى مِن ماءٍ ﴾ .

﴿ صَدِيدٍ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿ ماءٍ ﴾ وهو ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ.

﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ وهو صِفَةٌ لِماءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ يُسْقى ﴾ ﴿ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ﴾ ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يُسِيغُهُ بَلْ يَغُصُّ بِهِ فَيَطُولُ عَذابُهُ، والسَّوْغُ جَوازُ الشَّرابِ عَلى الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ وقَبُولُ نَفْسٍ.

﴿ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ أيْ أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ فَتُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ.

وقِيلَ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أصُولِ شَعْرِهِ وإبْهامِ رَجْلِهِ.

﴿ وَما هو بِمَيِّتٍ ﴾ فَيَسْتَرِيحَ.

﴿ وَمِن ورائِهِ ﴾ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ.

﴿ عَذابٌ غَلِيظٌ ﴾ أيْ يَسْتَقْبِلُ في كُلِّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ مِمّا هو عَلَيْهِ.

وقِيلَ هو الخُلُودُ في النّارِ.

وقِيلَ حَبْسُ الأنْفاسِ.

وقِيلَ الآيَةُ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ قِصَّةِ الرُّسُلِ نازِلَةٌ في أهْلِ مَكَّةَ طَلَبُوا الفَتْحَ الَّذِي هو المَطَرُ في سِنِيهِمُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِ، فَخَيَّبَ رَجاءَهم فَلَمْ يَسْقِهِمْ ووَعَدَ لَهم أنْ يَسْقِيَهم في جَهَنَّمَ بَدَلَ سُقَياهم صَدِيدَ أهْلِ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مِّن وَرَآئِهِ} من بين يديه {جَهَنَّمُ} وهذا وصف حاله وهو في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حيث يبعث ويوقف {ويسقى} معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى {مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ} ما يسيل من جلود اهل النار وصديد عطف بيان الماء لأنه مبهم فبين بقوله صديد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِ وبَيْنَ يَدَيْهِ كَما قالَ الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ وقُطْرُبٌ وجَماعَةٌ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: .

ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا نَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ومَعْنى كَوْنِها قُدّامَهُ أنَّهُ مُرْصَدٌ لَها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها ومَبْعُوثٌ إلَيْها وقِيلَ: المُرادُ مِن خَلْفِ حَياتِهِ وبَعْدِها ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: .

حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ واسْتِعْمالُ وراءَ في هَذا وذاكَ بِناءً عَلى أنَّها مِنَ الأضْدادِ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيِّ فَهي مِنَ المُشْتَرَكاتِ اللَّفْظِيَّةِ عِنْدَهُما وقالَ جَماعَةٌ: إنَّها مِنَ المُشْتَرَكاتِ المَعْنَوِيَّةِ فَهي مَوْضُوعَةٌ لِأمْرٍ عامٍّ صادِقٍ عَلى القُدّامِ والخَلْفِ وهو ما تَوارى عَنْكَ وقَدْ تُفَسَّرُ بِالزَّمانِ مَجازًا فَيُقالُ: الأمْرُ مِن ورائِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ سَيَأْتِيكَ في المُسْتَقْبَلِ مِن أوْقاتِكَ ﴿ ويُسْقى ﴾ قِيلَ عُطِفَ عَلى مُتَعَلِّقِ ﴿ مِن ورائِهِ ﴾ المُقَدَّرِ والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ جَوابًا عَنْ سُؤالِ سائِلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ إذَنْ فَقِيلَ: يَلْقى فِيها ما يَلْقى ويُسْقى ﴿ مِن ماءٍ ﴾ مَخْصُوصٍ لا كالمِياهِ المَعْهُودَةِ ﴿ صَدِيدٍ ﴾ .

(16) .

قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي وعَنْ عِكْرِمَةَ هو الدَّمُ والقَيْحُ وأعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَ بَيانٍ لِماءٍ وفي إبْهامِهِ أوَّلًا ثُمَّ بَيانِهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى وجَوازُ عَطْفِ البَيانِ في النَّكِراتِ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والفارِسِيُّ والبَصْرِيُّونَ لا يَرَوْنَهُ وعَلى مَذْهَبِهِمْ هو بَدَلٌ مِن ﴿ ماءٍ ﴾ إنِ اعْتُبِرَ جامِدًا أوْ نَعْتٌ إنِ اعْتُبِرَ فِيهِ الِاشْتِقاقُ مِنَ الصَّدِّ أيِ المَنعُ مِنَ الشُّرْبِ كَأنَّهُ ذَلِكَ الماءُ لِمَزِيدِ قُبْحِهِ مانِعٌ عَنْ شُرْبِهِ وفي البَحْرِ قِيلَ: إنَّهُ مَصْدُودٌ عَنْهُ أيْ لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ وإلى كَوْنِهِ نَعْتًا ذَهَبَ الحَوْفِيُّ وكَذا ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: وذَلِكَ كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ حَدِيدٌ وإطْلاقُ الماءِ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بَدَلُهُ وقالَ بَعْضُهم: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ مُفِيدِ التَّشْبِيهِ كَما تَقُولُ مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ والتَّقْدِيرُ مِثْلُ صَدِيدٍ وعَلى هَذا فَإطْلاقُ الماءِ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ وبِالجُمْلَةِ تَخْصِيصُ السَّقْيِ مِن هَذا الماءِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عَذابِها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن أشَدِّ أنْواعِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا يقول: واستنصروا.

قال قتادة: استنصرت الرسل على قومهم، وقال مقاتل: يعني، قومهم دعوا الله فقالوا: اللهم إن كانت رسلنا صادقين فعذبنا.

ويقال: استنصر كلا الفريقين وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يقول: خسر عند الدعاء كُلّ مُتَكَبّرٍ عن الإيمان، معرض عن التوحيد.

وقال الزجاج: الجبار، الذي لا يرى لأحد عليه حقا، والعنيد: الذي يعدل عن القصد.

ويقال: الجبار الذي يضرب عند الغضب، ويقتل عند الغضب.

وقال مجاهد: كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي: المعاند للحق مجانبه.

ويقال: هذه الآية نزلت في أبي جهل.

قوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ يقول: من قدامه جهنم، يعني: بعد الموت.

ويقال: من بعده جهنم.

ويقال: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ يعني: أمامه.

كقوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: 79] يعني: أمامهم.

ثم قال: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يعني: بماء يسيل من جلودهم من القيح والدم.

ويقال: ماء كهيئة الصديد.

قوله تعالى: يَتَجَرَّعُهُ يعني: يردّه في حلقه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ يقول ولا يقدر على ابتلاعه لكراهيته، وقال ابن عباس: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ يعني: يجترّه من كل مكان من جسده.

ويقال: من كل ناحية، ومن كل عرق، ومن كل موضع شعرة يجد طعم الموت وَما هُوَ بِمَيِّتٍ، يعني: لا يموت أبداً وَمِنْ وَرائِهِ يعني: من بعد الصديد عَذابٌ غَلِيظٌ يعني: شديد لا يفتر عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ: اسْتَفْتَحُوا: أي: طلبوا الحُكْم، و «الفَتَّاح» الحاكم، والمعنَى: أنَّ الرسل استفتحوا، أيْ: سألوا اللَّه تبارَكَ وتعالَى إِنفاذَ الحُكْمِ بنصرهم.

وقيل: بلِ استفتح الكفَّارُ على نحو قولِ قريشٍ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ...

[ص: ١٦] وعلى نحو قول أبي جَهْل يوم بَدْرٍ: اللَّهم، أقطعنا للرَّحِمِ، وأتيانا بمَا لاَ نَعْرِفُ، فاحنه الغَدَاةَ، وهذا قولُ ابنِ زيدٍ «١» ، وقرأَتْ فرقةٌ: «واستفتحوا» «٢» - بكسر التاء- على معنى الأمر للرسُلِ، وهي قراءَة ابن عبَّاس ومجاهدٍ وابن مُحَيْصِنٍ: وَخابَ: معناه: خسر ولم ينجح، والجبار: المتعظّم في نفسه، والعنيد: الذي يعاند ولا يناقد.

وقوله: مِنْ وَرائِهِ: قال الطبري «٣» وغيره: مِنْ أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] ، وليس الأمر كما ذكروا، بل الوَرَاءُ هنا وهنَاكَ على بابه، أي: هو/ ما يأتي بَعْدُ في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحَوَادِثِ بالأَمَامِ والوراءِ، إِنما هو بالزَّمَانِ، وما تقدَّم فهو أمام، وهو بَيْن اليد كما نقول في التوراة والإِنجيل: إنهما بيْنَ يدَي القرآن، والقرآنُ وراءهم، وعلَى هذا فما تأخَّر في الزمَانِ فهو وراء المتقدِّم، وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ: «الصديد» : القَيْح والدمُ، وهو ما يسيلُ من أجْسَادِ أهْلِ النَّار قاله مجاهد «٤» والضّحّاك.

يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)

وقوله: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ: عبارةٌ عن صعوبة أمره عليهم، وروي أنَّ الكافر يؤتَى بالشَّرْبة من شراب أهْل النَّار، فيتكَّرهها، فإِذا أدنيَتْ منه، شَوَتْ وجهه، وسقَطَتْ فيها فروة رأسِهِ، فإِذا شربها، قَطَّعت أمعاءه، وهذا الخبر مفرَّق في آيات من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، أي: مِنْ كل شعرة في بَدَنِهِ قاله إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ «١» ، وقيل: مِنْ جميع جهاته السِّتِّ، وَما هُوَ بِمَيِّتٍ: لا يراحُ بالموت، وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ قال الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: العذابُ الغليظ: حَبْسُ الأنفاسِ في الأجسادِ، وفي الحديث: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ تَكَلَّمُ بِلَسَانٍ طَلِقٍ ذَلِقٍ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَهَا لِسَانٌ تَكَلَّمُ بِهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلها آخَرَ، وبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وبِمَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَتَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فتنطوي علَيْهم، فتقذفُهُمْ في جهنَّم» ، خرَّجه البزَّار «٢» ، انتهى من «الكوكب الدري» .

وقوله: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ وصف اليوم بالعُصُوفِ، وهي من صفات الريحِ بالحقيقة لما كانت في اليوم، كقول الشاعر: [الطويل]

...............

..........

...

وَنِمْت وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ «٣»

وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَفْتَحُوا ﴾ يَعْنِي: اسْتَنْصَرُوا.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " واسْتَفْتِحُوا " بِكَسْرِ التّاءِ عَلى الأمْرِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرُّسُلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ، واسْتِفْتاحُهم: سُؤالُهُمُ العَذابَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا  ﴾ وقَوْلِهِمْ: ﴿ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ.

.

.

﴾ الآيَةُ [الأنْفالِ:٣٢]، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: خَسِرَ عِنْدَ الدُّعاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَسِرَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَئِسَ مِنَ الإجابَةِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجَبّارِ والعَنِيدِ في (هُودٍ:٥٩) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى القُدّامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ، أمامَهُ جَهَنَّمُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ مِن ورائِهِ ﴾ أيْ: قُدّامَهُ وأمامَهُ، يُقالُ: المَوْتُ مِن ورائِكَ، وأنْشَدَ: أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: " بَعْدَ " قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿ مِن ورائِهِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ يَأْسِهِ، فَدَلَّ " خابَ " عَلى اليَأْسِ، فَكَنّى عَنْهُ، وحُمِلَتْ " وراءٌ " عَلى مَعْنى: " بَعْدَ " كَما قالَ النّابِغَةُ: حَلَفْتَ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أرادَ: لَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: والوَراءُ يَكُونُ بِمَعْنى الخَلْفِ والقُدّامِ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيْكَ وما قُدّامَكَ إذا تَوارى عَنْكَ فَقَدْ صارَ وراءَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ قالَ: ولَيْسَ الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ كَما يَقُولُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، وسُئِلَ ثَعْلَبٌ: لِمَ قِيلَ: الوَراءُ لِلْأمامِ ؟

فَقالَ: الوَراءُ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْ عَيْنِكَ، سَواءٌ أكانَ أمامَكَ أوْ خَلْفَكَ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما يَجُوزُ هَذا في المَواقِيتِ مِنَ الأيّامِ واللَّيالِي والدَّهْرِ، تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ.

ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلرَّجُلِ وهو بَيْنَ يَدَيْكَ: هو وراءَكَ، ولا لِلرَّجُلِ: وراءَكَ: هو بَيْنَ يَدَيْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، واللُّغَوِيُّونَ: الصَّدِيدُ: القَيْحُ والدَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو ما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ جِلْدِ الكافِرِ ولَحْمِهِ.

وَقالَ القُرَظِيُّ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: يُسْقى الصَّدِيدَ مَكانَ الماءِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ: ما يُسْقى ماءٌ كَأنَّهُ صَدِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ والتَّجَرُّعُ: تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً، لا في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِ لَهُ، وإنَّما يُكْرَهُ عَلى شُرْبِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْدِرُ عَلى ابْتِلاعِهِ، تَقُولُ: ساغَ لِيَ الشَّيْءُ، وأسَغْتُهُ.

ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ ﴾ أيْ: هَمُّ المَوْتِ وكَرْبُهُ وألَمُهُ ﴿ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مِن كُلِّ عِرْقٍ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَتَعَلَّقُ نَفْسُهُ عِنْدَ حَنْجَرَتِهِ، فَلا تَخْرُجُ مِن فِيهِ فَتَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَكانِها فَتَجِدُ راحَةً.

والثّانِي: مِن كُلِّ جِهَةٍ، مِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، وخَلْفَهُ وقُدّامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّها البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في النّارِ، سَمّاها مَوْتًا، قالَهُ الأخْفَشُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هو بِمَيِّتٍ ﴾ أيْ: مَوْتًا تَنْقَطِعُ مَعَهُ الحَياةُ.

﴿ وَمِن ورائِهِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ هَذا العَذابِ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: مِن بَعْدِ الصَّدِيدِ ﴿ عَذابٌ غَلِيظٌ ﴾ .

وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: بَعْدَ الخُلُودِ في النّارِ.

والغَلِيظُ: الشَّدِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ ﴾ ﴿ واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ﴿ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ ﴾ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: "أو" هُنا بِمَعْنى: "إلّا أنْ"، كَما هي في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْناكَ إنَّما ∗∗∗ نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا وتَحْتَمِلُ "أو" في الآيَةِ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها لِوُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، لِأنَّهم حَمَلُوا رُسُلَهم عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ولا يَحْتَمِلُ بَيْتُ امْرِئِ القَيْسِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُحاوِلْ أنْ يَمُوتَ فَيُعْذَرَ، فَتَخَلَّصَتْ بِمَعْنى "إلّا أنْ" ولِذَلِكَ نُصِبَ الفِعْلُ بَعْدَها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى "حَتّى" في الآيَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "لَألْزَمَنَّكَ أو تَقْضِيَنِي حَقِّي"، وفي قَوْلِهِ: "لا يَقُومُ زَيْدٌ أو يَقُومَ عَمْرٌو"، وفي هَذِهِ المُثُلِ كُلِّها يَحْسُنُ تَقْدِيرُ "إلّا أنَّ".

والعَوْدَةُ أبَدًا إنَّما هي إلى حالَةٍ قَدْ كانَتْ، والرُسُلِ ما كانُوا قَطُّ في مِلَّةِ الكُفْرِ، فَإنَّما المَعْنى: أو لَتَعُودُنَّ في سُكُوتِكم عَنّا إغْفالًا، وذَلِكَ عِنْدَ الكُفّارِ كَوْنٌ في مِلَّتِهِمْ، وخَصَّصَ تَعالى الظالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، فَإنَّما تَوَعَّدَ بِالإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ.

وقَوْلُهُ: "وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ" الخُطّابُ لِلْحاضِرِينَ والمُرادُ هم وذَرِّيَّتُهُمْ، ويَتَرَتَّبُ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: "وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى"، أيْ: يُؤَخِّرْكم وأعْقابَكُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لَيُهْلِكَنَّ" و"لَيُسْكِنَنَّكُمْ" بِالياءِ فِيهِما، وقَوْلُهُ: "مَقامِي" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ مِنَ القِيامِ عَلى الشَيْءِ بِالقُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الظَرْفَ لِقِيامِ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الآخِرَةِ، فَإضافَتُهُ إذا كانَ مَصْدَرًا إضافَةُ المَصَدَرِ إلى الفاعِلِ، وإضافَتُهُ إذا كانَ ظَرْفًا إضافَةُ الظَرْفِ إلى حاضِرِهِ، أيْ: مَقامَ حِسابِي، فَجائِزٌ قَوْلُهُ: "مَقامِي"، وجائِزٌ لَوْ قالَ: "مَقامِهِ"، وجائِزٌ لَوْ قالَ: "مَقامَ العَرْضِ والحِسابِ"، وهَذا كَما تَقُولُ: "دارُ الحاكِمِ، ودارُ الحُكْمِ، ودارُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "مَقامِي" مَجازٌ، حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ.

و"الِاسْتِفْتاحُ": طَلَبُ الحُكْمِ، والفَتّاحُ: الحاكِمُ، والمَعْنى: إنَّ الرُسُلَ اسْتَفْتَحُوا، أيْ: سَألُوا اللهَ تَعالى إنْفاذَ الحُكْمِ بِنَصْرِهِمْ وتَعْذِيبِ الكَفَرَةِ، وقِيلَ: بَلِ اسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ قَوْلِ قُرَيْشٍ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا  ﴾ ، وعَلى نَحْوِ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ في بَدْرٍ: "اللهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ، وأتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ" هَذا قَوْلُ أبِي دُرَيْدٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "واسْتَفْتِحُوا" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لِلرُّسُلِ، قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

و"خابَ" مَعْناهُ: خَسِرَ ولَمْ يَنْجَحْ، و"الجَبّارُ": المُتَعَظِّمُ في نَفْسِهِ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُجْبِرُ الناسَ عَلى ما يَكْرَهُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو المَفْهُومُ مِنَ اللَفْظِ.

وعَبَّرَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ عَنِ "الجَبّارِ" بِأنَّهُ الَّذِي يَأْبى أنْ يَقُولَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، و"العَنِيدُ": الَّذِي يُعانِدُ ولا يَنْقادُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِهِ ﴾ ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: "مِن أمامِهِ"، وعَلى ذَلِكَ حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ  ﴾ ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: أتُوعِدُونِي وراءَ بَنِي رِياحٍ...

كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَداكَ دُونِي ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ، و"الوَراءُ" ها هُنا عَلى بابِهِ، أيْ: هو ما يَأْتِي بَعْدُ في الزَمانِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ في هَذِهِ الحَوادِثِ بِالأمامِ والوَراءِ إنَّما هو بِالزَمانِ، وما تَقَدَّمَ فَهو أمامٌ، وهو بَيْنَ اليَدِ، كَما تَقُولُ في التَوْراةِ والإنْجِيلِ: إنَّهُما بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، والقُرْآنُ وراءَهُما عَلى هَذا، وما تَأخَّرَ في الزَمانِ هو وراءَ المُتَقَدِّمِ، ومِنهُ قَوْلُهم لِوَلَدِ الوَلَدِ: الوَراءُ، وهَذا الجَبّارُ العَنِيدُ وُجُودُهُ وكُفْرُهُ وأعْمالُهُ في وقْتٍ ما، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ في الزَمانِ يَأْتِيهِ أمْرُ جَهَنَّمَ، قالَ وتَلْخِيصُ هَذا أنْ يُشَبَّهَ الزَمانُ بِطَرِيقٍ تَأْتِي الحَوادِثُ مِن جِهَتِهِ الواحِدَةِ مُتَتابِعَةً، فَما تَقَدَّمَ فَهو أمامٌ، وما تَأخَّرَ فَهو وراءُ المُتَقَدِّمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ وراءَهُمْ  ﴾ أيْ غَصْبُهُ وتَغَلُّبُهُ يَأْتِي بَعْدَ حَذَرِهِمْ وتَحَفُّظِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسْقى مِن ماءٍ ﴾ ، ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنْ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا.

ثُمَّ نَعَتْهُ بِـ "صَدِيدٍ"، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ.

و"الصَدِيدُ": القَيْحُ والدَمُ، وهو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ﴾ عِبارَةٌ عن صُعُوبَةِ أمْرِهِ عَلَيْهِمْ، ويُرْوى أنَّ الكافِرَ يُؤْتى بِالشَرْبَةِ مِن شَرابِ أهْلِ النارِ فَيَتَكَرَّهُها، فَإذا أُدْنِيَتْ مِنهُ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإذا شَرِبَها قَطَّعَتْ أمْعاءَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ مُفَرَّقٌ في آياتٍ مِن كِتابِ اللهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ أيْ مِن كُلِّ شَعْرَةٍ في بَدَنِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ، وقِيلَ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ السِتِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما هو بِمَيِّتٍ ﴾ ، أيْ: لا يُراحُ بِالمَوْتِ.

وباقِي الآيَةِ كَأوَّلِها، ووَصْفُ العَذابِ بِالغَلِيظِ مُبالَغَةٌ، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: العَذابُ الغَلِيظُ: حَبْسُ الأنْفاسِ في الأجْسادِ، وقِيلَ: إنَّ الضَمِيرَ في "وَرائِهِ" هُنا هو لِلْعَذابِ المُتَقَدِّمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ واستفتحوا ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ فأوحى إليهم ربهم ﴾ ، أو معترضة بين جملة ﴿ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ وبين جملة ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ .

والمعنى: أنهم استعجلوا النصر.

وضمير ﴿ استفتحوا ﴾ عائد إلى الرسل، ويكون جملة ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ عطفاً على جملة ﴿ فأوحى إليهم ربهم ﴾ الخ، أي فوعدهم الله النصر وخاب الذين كفروا، أي لم يتحقق توعدهم الرسل بقولهم: ﴿ لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ﴾ .

ومقتضى الظاهر أن يقال: وخاب الذين كفروا، فعدل عنه إلى ﴿ كل جبار عنيد ﴾ للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة عنداء وأن كل جبار عنيد يخيب.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ استفتحوا ﴾ عطفاً على جملة ﴿ وقال الذين كفروا لرسلهم ﴾ ويكون ضمير ﴿ استفتحوا ﴾ عائداً على الذين ﴿ كفروا ﴾ ، أي وطلبوا النصر على رسلهم فخابوا في ذلك.

ولكون في قوله: ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال: وخابوا، إلى قوله: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ لمثل الوجه الذي ذكر آنفاً.

والاستفتاح: طلب الفتح وهو النصر، قال تعالى: ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ [سورة الأنفال: 19].

والجبار: المتعاظم الشديد التكبر.

والعنيد المعاند للحق.

وتقدماً في قوله: ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ في سورة هود (59).

والمراد بهم المشركون المتعاظمون، فوصف جبار } خلُق نفساني، ووصف ﴿ عنيد ﴾ من أثر وصف ﴿ جبار ﴾ لأن العنيد المكابر المعارض للحجة.

وبين ﴿ خاف وعيد ﴾ و ﴿ خاب كل جبار عنيد ﴾ جناس مصحف.

وقوله: ﴿ من ورائه جهنم ﴾ صفة ل ﴿ جبار عنيد ﴾ ، أي خاب الجبّار العنيد في الدنيا وليس ذلك حظه من العقاب بل وراءه عقاب الآخرة.

والوراء: مستعمل في معنى ما ينتظره ويحل به من بعد، فاستعير لذلك بجامع الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه، كقوله تعالى: ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ [سورة الكهف: 79]، أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لافتك سفينتهم، وقول هدبة بن خشرم: عسى الكرب الذي أمسيت فيه *** يكون وراءَه فَرج قريب وأما إطلاق الوراء على معنى من بَعْد} فاستعمال آخر قريب من هذا وليس عينه.

والمعنى: أن جهنم تنتظره، أي فهو صائر إليها بعد موته.

والصديد: المُهلة، أي مثل الماء يسيل من الدمل ونحوه، وجعل الصديد ماء على التشبيه البليغ في الإسقاء، لأن شأن الماء أن يُسْقى.

والمعنى: ويسقى صديداً عوض الماء إن طلب الإسقاء، ولذلك جعل ﴿ صديد ﴾ عطفَ بيان ل ﴿ ماء ﴾ .

وهذا من وجوه التشبيه البليغ.

وعطف جملة ﴿ يسقى ﴾ على جملة ﴿ من ورائه جهنم ﴾ لأن السقي من الصديد شيء زائد على نار جهنم.

والتجرع: تكلف الجَرْع، والجرع؛ بلع الماء.

ومعنى ﴿ يُسيغه ﴾ يفعل سوغه في حلقه.

والسوغ؛ انحدار الشراب في الحلق بدون غصة، وذلك إذا كان الشراب غير كريه الطعم ولا الريح، يقال ساغ الشراب، وشراب سائغ.

ومعنى ﴿ لا يكاد يسيغه ﴾ لا يقارب أن يسيغه فضلاً عن أن يسيغه بالفعل، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ في سورة البقرة (71).

وإتيان الموت: حلوله، أي حلول آلامه وسكراته، قال قيس بن الخطيم: متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة *** لنفسي إلا قد قضيت قضاءها بقرينة قوله: ﴿ وما هو بميت ﴾ ، أي فيستريح.

والكلام على قوله: ﴿ ومن وراءه عذاب غليظ ﴾ مثل الكلام في قوله: ﴿ من ورائه جهنم ﴾ ، أي ينتظره عذاب آخر بعد العذاب الذي هو فيه.

والغليظ: حقيقته الخشن الجسم، وهو مستعمل هنا في القوة والشدة بجامع الوفرة في كل، أي عذاب ليس بأخف مما هو فيه.

وتقدم عند قوله: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ في سورة هود (58).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي ﴾ أيِ المَقامَ بَيْنَ يَدَيَّ، وأضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ وبَيْنَ المُقامِ بِالضَّمِّ أنَّهُ إذا ضُمَّ فَهو فِعْلُ الإقامَةِ، وإذا فُتِحَ فَهو مَكانُ الإقامَةِ.

﴿ وَخافَ وعِيدِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما في القُرْآنِ مِن زَواجِرَ.

﴿ واسْتَفْتَحُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا بِطَلَبِ النَّصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا بِالبَلاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي الِاسْتِفْتاحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِداءِ.

الثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ في " خابَ " وجْهانِ: أحَدُهُما: خَسِرَ عَمَلُهُ.

الثّانِي: بَطَلَ أمَلُهُ.

وَفي ﴿ جَبّارٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنْتَقِمُ.

الثّانِي: المُتَكَبِّرُ بَطَرًا.

وَفي ﴿ عَنِيدٍ ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُتَباعِدُ عَنِ الحَقِّ، قالَ الشّاعِرُ: ولَسْتُ إذا تَشاجَرَ أمْرُ قَوْمٍ بِأوَّلِ مَن يُخالِفُهم عَنِيدًا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مِن خَلْفِهِ جَهَنَّمُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وراءَ مِنَ الأضْدادِ وتَقَعُ عَلى خَلْفَ وقُدّامَ جَمِيعًا.

الثّانِي: مَعْناهُ أمامَهُ جَهَنَّمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومِن ورائِكَ يَوْمٌ أنْتَ بالِغُهُ ∗∗∗ لا حاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ ولا بادِي الثّالِثُ: أنَّ جَهَنَّمَ تَتَوارى ولا تَظْهَرُ، فَصارَتْ مِن وراءٍ لِأنَّها لا تُرى حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الرّابِعُ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ مَعْناهُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ النّابِغَةُ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أرادَ: ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ.

﴿ وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ماءٍ مِثْلِ الصَّدِيدِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ الشُّجاعِ أسَدٌ، أيْ مِثْلُ الأسَدِ.

الثّانِي: مِن ماءٍ كَرِهْتَهُ تَصُدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ الصَّدِيدُ مَأْخُوذًا مِنَ الصَّدِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، لِلْآلامِ الَّتِي في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن جَسَدِهِ.

الثّانِي: تَأْتِيهِ أسْبابُ المَوْتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، ومِن قُدّامِهِ وخَلْفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: تَأْتِيهِ شَدائِدُ المَوْتِ مِن كُلِّ مَكانٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَما هو بِمَيِّتٍ ﴾ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِ.

﴿ وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ﴾ فِيهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ الماضِيَةُ.

والعَذابُ الغَلِيظُ هو الخُلُودُ في جَهَنَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرونهم ويكذبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز الله لهم وعدهم واستَفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ قال: وعدهم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة.

فبين الله تعالى من يسكنها من عباده، فقال: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [ الرحمن: 46] وإن لله مقاماً هو قائمه، وإن أهل الإِيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا، ودأبوا الليل والنهار.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ [ التحريم: 6] تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات ليلة، فخر فتى مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده، فإذا هو يتحرك، فقال: «يا فتى.

قل لا إله إلا الله.

فقالها.

فبشره بالجنة.

فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟

قال: أما سمعتم قوله تعالى ﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ » .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا، عن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ﴾ [ التحريم: 6] ولفظ الحكيم، لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية، تلاها على أصحابه وفيهم شيخ.

ولفظ الحكيم، فتى.

فقال: يا رسول الله، حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا.

فوقع مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو حي، فناداه فقال: قل لا إله إلا الله.

فقالها، فبشره بالجنة: فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟

فقال: نعم، يقول الله عز وجل ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [ الرحمن: 46] ﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ » .

وأخرج الحاكم من طريق حماد بن أبي حميد، عن مكحول عن عياض بن سليمان رضي الله عنه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى، قوم يضحكون جهراً في سعة رحمة ربهم، ويبكون سراً من خوف عذاب ربهم، يذكرون ربهم بالغداة والعشي في البيوت الطيبة والمساجد، ويدعونه بألسنتهم رغباً ورهباً، ويسألونه بأيديهم خفضاً ورفعاً، ويقبلون بقلوبهم عوداً وبدءاً، فمؤنتهم على الناس خفيفة، وعلى أنفسهم ثقيلة.

يدبّون في الليل حفاة على أقدامهم كدبيب النمل، بلا مرح ولا بذخ، يقرؤون القرآن ويقربون القربان ويلبسون الخلقان، عليهم من الله تعالى شهود حاضرة وعين حافظة، يتوسمون العباد ويتفكرون في البلاد، أرواحهم في الدنيا وقلوبهم في الآخرة، ليس لهم هم إلا أمامهم.

أعدوا الجواز لقبورهم والجواز لسبلهم، والاستعداد لمقامهم، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ » قال الذهبي رضي الله عنه هذا حديث عجب منكر، وأحسبه أدخل علي بن السماك رضي الله عنه يعني شيخ الحاكم الذي حدثه به.

قال: ولا وجه لذكره في هذا الكتاب- يعني المستدرك- قال: وحماد ضعيف.

ولكن، لا يحتمل مثل هذا، ومكحول مدلس وعياض لا يدري من هو.

انتهى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم؛ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ قال للرسل كلها.

يقول: استنصروا.

وفي قوله: ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ قال: معاند للحق، مجانب له.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ قال: استنصرت الرسل على قومها ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ يقول: بعيد عن الحق، معرض عنه، أبى أن يقول لا إله إلا الله.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ عنيد ﴾ قال: هو الناكب عن الحق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه قال: يجمع الله الخلق في صعيد واحد يوم القيامة: الجن والإِنس والدواب والهوام، فيخرج عنق من النار فيقول: وكلت بالعزيز الكريم والجبار العنيد، الذي جعل مع الله إلهاً آخر.

قال: فيلقطهم كما يلقط الطير الحب فيحتوي عليهم، ثم يذهب بهم إلى مدينة من النار، يقال لها: كيت وكيت، فيثوون فيها ثلثمائة عام قبل القضاء.

وأخرج الترمذي وصححه، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، فيقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصوّرين» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج عنق من النار يوم القيامة، فيتكلم بلسان طلق ذلق، له عينان يبصر بهما ولسان يتكلم به، فيقول: إني أمرت بكل جبار عنيد، ومن دعا مع الله إلهاً آخر، ومن قتل نفساً بغير نفس، فتنضم عليهم فتقذفهم في النار قبل الناس بخمسمائة سنة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب، حق على الله أن يسكنه كل جبار» .

وأخرج الطستي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ قال: الجبار، العيار، والعنيد الذي يعند عن حق الله تعالى.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: مصر على الحنث لا تخفى شواكله ** يا ويح كل مصر القلب جبار وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا في صفة النار، وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ويسقى من ماء صديد يتجرعه ﴾ قال: «يقرب إليه فيتكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» يقول الله تعالى ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ﴾ [ محمد: 15] وقال: ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ﴾ [ الكهف: 29] .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ من ماء صديد ﴾ قال: ما يسيل بين جلد الكافر ولحمه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ قال: القيح والدم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور، عن مجاهد في قوله: ﴿ من ماء صديد ﴾ قال: دم وقيح.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ قال: ماء يسيل من بين لحمه وجلده.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: لو أن دلواً من صديد جهنم دلي من السماء فوجد أهل الأرض ريحه، لأفسد عليهم الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ \[قال ابن عباس والمفسرون: يريد أمامه جهنم\] (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) قال أهل المعاني: وإنما جاز ذلك (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ  ﴾ ، أي: أمامهم (١١) (١٢) (١٣) ﴿ وَخَابَ ﴾ كأنه قال: من بعد يأسه (١٤) ولَيْسَ وَرَاء اللهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ (١٥) أي: وليس بعد الله مذهب.

وقال مقاتل: ﴿ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ يعني بَعْده (١٦) أَلَيْسَ وَرَائِي إنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتي ...

لُزُومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأصَابعُ [["شرح ديوان لبيد" ص 170، وورد في: "الأضداد" للسجستاني [ثلاثة كتب في الأضداد] ص 83)]، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 69، و"تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3878، و"الأغاني" 14/ 99، و"اللسان" (وري) 1/ 4823، وفي جميع النسخ: (وراء) بحذف الياء والمثبت هو الصواب، والتصويب من الديوان وجميع المصادر السابقة.]] جعل الشيب وزمانه وراءه، على معنى أنه يأتيه (١٧) ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ  ﴾ ، إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴾ الصديد في اللغة: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح (١٨) قال ابن عباس: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزُناة (١٩) (٢٠) (٢١) وقال قتادة والكلبي: هو ما يخرج من جلد الكافر ولحمه (٢٢) ﴿ مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴾ : من مائع سائل هو صديد، وقال أبو علي: تقديره: من ماء ذي صديد، قال: وهذا خلاف قوله.

﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ (٢٣) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).

(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" 1/ 312 بنصه عن ابن عباس، و"ابن الجوزي" 4/ 351 بنحوه عن ابن عباس، وانظر: "الطبري" 13/ 195، و"الثعلبي" 7/ 148 أ، و"الماوردي" 3/ 127.

(٣) ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 156 بنصه.

(٤) انظر: "ثلاثة كتب في الأضداد" للأصمعي ص20، والسجستاني ص 82، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 68، و"تأويل مشكل القرآن" ص 189، و"جمهرة اللغة" 1/ 236، وقد أنكر الزجاج والنحاس أن تكون وراء من الأضداد، ورجحا أن تكون بمعنى الاستتار، وهو ما ذهب إليه ثعلب؛ فقد سئل لم قيل الوراء للأمام، فقال: الوراء اسم لما توارى عن عينك، سواءً أكان أمامك أم خلفك.

"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 522، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 352، و"تفسير الشوكاني" 3/ 143.

(٥) "مجاز القرآن" 1/ 237 بنحوه.

(٦) "الأضداد" لابن السكيت "ثلاثة كتب في الأضداد" ص 175، وانظر (ورى) في "تهذيب اللغة" 4/ 3879.

(٧) ورد في "تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3879 بنحوه، وأبو الهيثم هو: الرازي، تقدمت ترجمته.

(٨) أي كون (وراء) ميت الأضداد.

(٩) في (أ)، (د): (إنما)، والمثبت من (ش)، (ع).

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 157 بنحوه، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 305 بنحوه، وانظر: "الأضداد" للجسستاني "ثلاث كتب في الأضداد" ص 82، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 68.

(١١) انظر المصادر السابقة.

(١٢) (من) ساقطة من (ش)، (ع).

(١٣) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 352، و"الفخر الرازي" 19/ 103، وورد بلا نسبة في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، و"تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3878، و"تفسير الماوردي" 3/ 128، و"تفسير القرطبي" 9/ 350، وقد انتصر ابن عطية لهذا المعنى في رده على الطبري وغيره ممن فسَّروا (ورائه) بـ (أمامه)، وذكر أن (وراء) هاهنا على بابها؛ أي: ما يأتي بعد في الزمان.

انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 217.

(١٤) في (أ): (بانيه)، وفي (د): (بابنيه)، وفي (ش)، (ع): (ناسه)، والتصويب من "تفسير ابن الجوزي" 4/ 352.

(١٥) صدره: حلفتُ فلم أترك لنفسك رِيبةً "ديوان النابغة" الذبياني ص 27، وورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، "الأضداد" لابن الأنباري ص 70، و"تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3879، و"تفسير الماوردي" 3/ 128، و"تفسير القرطبي" 9/ 350، و"الألوسي" 13/ 301، وهذا البيت من قصيدة قالها يعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ويمدحه.

(١٦) "تفسير مقاتل" 1/ 192 أ، وعبارته: من بعدهم؛ يعني من بعد موته، وانظر: "تفسيرالثعلبي" 7/ 148 أ، بنصه، ونقلها عنه.

(١٧) في (أ)، (د): (ثابتة)، والمثبت من (ش)، (ع).

(١٨) انظر: "مجاز القرآن" ص 338، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 236، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، و"نزهة القلوب" ص 297، (صدّ) في "تهذيب اللغة" 2/ 1985، و"مقاييس اللغة" 3/ 282، و"مجمل اللغة" 2/ 532، و"اللسان" 4/ 2410 (صدد).

(١٩) ورد بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 7/ 148أ، وتفسيره "الوسيط" 1/ 312 بنصه.

(٢٠) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 353، و"الخازن" 3/ 73، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 519، و"تفسير الألوسي" 13/ 202، و"صديق خان" 7/ 98.

(٢١) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 9/ 352، و"الألوسي" 13/ 202.

(٢٢) أخرجه عن قتادة: عبد الرزاق 2/ 341 بنحوه، والطبري 13/ 195 بنحوه من طريقين، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 أبنصه عن قتادة، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 352، عن قتادة، وابن كثير 2/ 578، عن قتادة.

(٢٣) لم أقف على مصدره.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واستفتحوا ﴾ الضمير للرسل أي استنصروا بالله وأصله طلب الفتح وهو الحكم ﴿ جَبَّارٍ ﴾ أي قاهر أو متكبر ﴿ عَنِيدٍ ﴾ مخالف للانقياد ﴿ مِّن وَرَآئِهِ ﴾ في الموضعين والوراء هنا بمعنى ما يستقبل من الزمان، وقيل: معناه هنا أمامه وهو بعيد ﴿ ويسقى ﴾ معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى، وإنما ذكر هذا السقي تجريداً بعد ذكر جهنم، لأنه من أشد عذابها ﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ أي يتكلف جرعه وتصعب عليه إساغته، ونفي كاد يقتضي وقوع الإساغة بعد جهد، ومعنى يسيغه يبتلعه ﴿ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ أي يجد الماء مثل ألم الموت وكربته من جميع الجهات ﴿ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ أي لا يراح بالموت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الله الذي ﴾ بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا وصل.

الباقون بالجر مطلقاً ﴿ وعيدي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ الر ﴾ قف كوفي ﴿ الحميد ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالرفع.

﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ صفة الكافرين ﴿ عوجاً ﴾ ط بناء على ما قلنا أو على أن ﴿ الذين ﴾ منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك في ضلال ﴾ فلا وقف على ﴿ عوجاً ﴾ ولك أن تقف على ﴿ شديد ﴾ للآية ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ ليبين لهم ﴾ ط لأن قوله: ﴿ فيضل ﴾ حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ بأيام الله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ط ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لشديد ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفاً ومن عطف فوقه على ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط فصلاً بين الاستخبار والإخبار ﴿ مسمى ﴾ ط لتقدير همزة الاستفهام في ﴿ تريدون ﴾ .

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ وبإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ آذيتمونا ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ في ملتنا ﴾ ط ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ عنيد ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ صديد ﴾ ه لا لذلك ﴿ يميت ﴾ ط ﴿ غليظ ﴾ ه.

التفسير: كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان.

قوله: ﴿ ألر كتاب ﴾ أي السورة المسماة بـ ﴿ ألر ﴾ كتاب ﴿ أنزلناه إليك ﴾ لغرض كذا وإن كان ﴿ الر ﴾ مذكوراً على جهة التعديد فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن أو هذه السورة كتاب.

والظلمات استعارة لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق.

واللام في ﴿ لتخرج ﴾ للغرض عند المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة.

واللام في ﴿ الناس ﴾ للجنس المتسغرق ظاهراً ففيه دليل على أن دعوته  عامة.

ومعنى إخراج النبي  ﴿ من الظلمات إلى النور ﴾ أنه  جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته  إياهم به إلى الحق واسطة لهدايتهم لا مطلقاً ولكن ﴿ بإذن ربهم ﴾ أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما خلق له.

والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى بداعية الإيمان.

احتج بالآية من قال: إن معرفة الله  لا تمكن إلا بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور: وأجيب بأن معنى الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ بدل من قوله: ﴿ إلى النور ﴾ بتكرير العامل الجار.

وجوز في الكشاف أن يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟

فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.

وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد من العلم والغنى وغير ذلك.

ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج لعباده مفضياً إلى صلاح حالهم ديناً ودنيا، إذ لا حاجة له إلى ارتكاب عبث أو قبيح.

قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه قادراً غالباً وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً والعلم بكونه غنياً عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه تحقيقاً لحقية صراطه وبياناً لتنزهه عن العبث فقال: ﴿ الله الذي ﴾ مبتدأ وخبر والمبتدأ محذوف تقديره هو الله.

ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين بناء على أن لفظ ﴿ الله ﴾ جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا البحث مشبعاً في تفسير البسملة من سورة الفاتحة.

ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ولا يقر بوحدانيته ذلك قوله: ﴿ وويل للكافرين ﴾ وهو دعاء عليهم بالهلاك والثبور وكل سوء.

قال في الكشاف: وجه اتصال قوله: ﴿ من عذاب شديد ﴾ بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ويلاه.

﴿ الذين يستحبون ﴾ أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه يكره كونه محباً له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محباً له وأحب تلك المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى مراتب الضلال.

وقوله: ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ إشارة إلى الضلال.

وقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف ويمكن أن يكون إسناداً مجازياً باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق.

ثم لما مَنَّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم.

احتج أصحاب أبي هاشم بالآية على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال.

قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ أي بلغتهم لزم الدور.

أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه فيندفع الدور.

وتمسك طائفة من اليهود - يقال لهم العيسوية - بهذه الآية في أن محمداً رسول الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم.

والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن قوم النبي أخص من أهل دعوته فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما في حق نبينا  لأن التحديث وقع بالفريقين في قوله: ﴿ قل لئن اجتمع الإنس والجن  ﴾ وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أوّلاً إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطول ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد.

وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: ﴿ لتخرج الناس ﴾ ووسطها وهو قوله: ﴿ ليبين لهم ﴾ فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله ﴿ الحكيم ﴾ فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال.

وقالت الأشاعرة.

قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ وقوله: ﴿ فيضل الله من يشاء ﴾ وقوله: ﴿ العزيز ﴾ فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا.

أقول: نحن قد حققنا مسألة الجبر مراراً فتذكر.

ومما يخص هذا الموضع قول الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لميكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه كقوله: { ﴿ لنبين لكم ونقر  ﴾ بالرفع نظيره في الآية قوله: ﴿ فيضل ﴾ بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها.

ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسبباً لما بين أن المقصود من بعثة نبينا  هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أرد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن إلا ذلك وذكر لذلك مثالاً.

وخص موسى بالذكر لأنه أمته أكثر الأمم سوى أمة محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة.

ومعنى ﴿ أن أخرج ﴾ أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول: ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج.

ومعنى التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم.

ويقال: أيام العرب لحروبها وملاحمها.

وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت تسخير فرعون، أو المراد عظهم بالترغيب والترهيب ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير والتنبيه دلائل ﴿ لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ على السراء.

وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ينتفعون بها.

ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل ههنا "يا قوم" كما ذكر في المائدة اقتصاراً على ما ذكره هناك.

وقوله: ﴿ عليكم ﴾ إن كان صلة للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: ﴿ إذ أنجاكم ﴾ ظرف للإنعام أيضاً، وإن كان مستقراً بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب ﴿ إذ أنجاكم ﴾ بـ ﴿ عليكم ﴾ وفي الوجهين جاز أن يكون "إذ" بدلاً من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة.

ومن جملة النعم قوله: ﴿ وإذ تأذن ﴾ أي واذكروا حين آذن ﴿ ربكم ﴾ إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات.

وقد تقدم في أواخر "الأعراف" أن فيه معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع أقسام ما أنعم الله  به عليه فيما أعطاه لأجله.

ولا شك أن المكلف إذا سلك هذا الطريق كان دائماً في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن رؤية النعم، ويصدر منه الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعاً والتكلف خلقاً، وهذا معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعاً منقاداً لواجب الوجود  تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو - أي لا عجب - أن ينقاد لذلك النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: ﴿ ولئن كفرتم ﴾ يعني كفران النعم ﴿ إن عذابي لشديد ﴾ ثم بين أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله  غني عن ذلك كله فقال: ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ الآية.

وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنياً عن الحاجات متصفاً بكل الكمالات أهلاً للحمد وإن لم يكن حامداً.

وقوله: ﴿ ألم يأتكم ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم.

والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول  تحذيراً لهم عن مخالفته.

وقوله: ﴿ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ إن كان جملة من مبتدأ وخبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله: ﴿ والذين من بعدهم ﴾ معطوفاً على قوم نوح فقوله: ﴿ لا يعلمهم إلا الله ﴾ وحده اعتراض.

ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائداً إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون.

وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد.

ونظير الآية قوله: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً  ﴾ { ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك  ﴾ قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم  إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.

ثم إنه  حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أتوا بأمور أحدها ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ وفيه قولان: أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ .

قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم ﴿ إنا كفرنا بما أرسلتم به ﴾ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق، وهذا قول قويّ لعطف قوله: ﴿ وقالوا ﴾ على قوله: ﴿ فردّوا ﴾ الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام ألبتة.

أو يكون الضميران الأخيران راجعين إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقد عائداً على الرسل والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم وردّاً عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء منعاً لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول.

القول الثاني: أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز.

عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل.

ونقل محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ردّ يده في فيه.

فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به.

والمراد بما زعمتهم أن الله أرسلكم به وكأنهم في أوّل الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي الثالثة قالوا: ﴿ وإنا لفي شك ﴾ وقد مر مثله في سورة هود.

فإن قلت: كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟

قلنا: أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم.

ثم إنه  حكى جواب الرسل وذلك قولهم: ﴿ أفي الله شك فاطر السموات والأرض ﴾ أدخل همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود الله لا يحتمل الشك.

قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين.

إنه كان من عقيدتي أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين.

والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنهبات في هذا المقام لأنها مقررة لقوله  : ﴿ أفي الله شك ﴾ فأقول وبالله التوفيق: المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم جميعاً.

فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب العدم في ذاته معاً، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته.

الخامس واجب الوجود لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته.

ثم نقول: إن العقل كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج كان معدوماً في الخارج.

فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك فثبت كونه موجوداً في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة.

وجه ثانٍ: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ضروريتها لأنها إن كان مستغنياً عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا فممكن فنقول: إن كانت القمسة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط.

أما كونها مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معاً في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه.

وإذا كان الجمع بين الواجب والممكن ممكناً في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجوداً يكون أولى بالضرورة لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجو له وهذه مقدمة جلية مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذا لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه وجود يوجد ألبته من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى وأولى منه في الممكن.

وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب الوجود له، والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ريب أن الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجوداً والثاني واقع بالضرورة فالأولى أولى بكونه ضروري الوقوع.

وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع.

فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فو واجب الوجود.

ومن شك في وجود ماوجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفاً بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلاً لأن يهجر الحكمة.

وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة.

فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفاً بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققاً، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه.

وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجاباً له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير، فالوجود ثابت بالطريقة الأولى.

وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجوداً واجباً لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا.

فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتاً في نفسه لم يتصور منه إفادة مثله، فإذا حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفاً بكونه مفيداً لوجود مثله.

فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح.

وجه ثامن: كون الشيء موجوداً في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجداً لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجداً لغيره، وكل موجد لغيره موجود في نفسه.

وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول واقعاً، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوّته بأقربهما من القبول واقعاً؟

وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة والمعاندين ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ ثم أخبر أنهم يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء منهم, فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري الوجود.

وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيراً في نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفوال طالعاً فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعاً.

وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس.

من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئاً هو به هو، وبذلك يصح أنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة يتصرف فيها كيف يشاء.

ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في سلك الجمادات، فكما أن البدن لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو الواجب الحق  شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ولا أثر.

وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور.

لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره، وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهراً في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهوراً لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلاً.

فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضاً علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا.

وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يتسحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته.

ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزلياً أن يكون الفيض المخصوص أزلياً، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار  شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم.

هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان.

قال بعض العقلاء: من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثه النبي.

أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟!

وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربي ذلك الضارب؟

وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى.

وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه.

وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال؟!

وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو قرأ بهما ثم بانأن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه ألبته، أما إذا أنكر الصانع والتكليف والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذاً بالأحوط.

ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها وذلك ثنتان: الأولى قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان ﴿ ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ استدل بالآية من جوّز زيادة "من" في الإثبات وذلك لقوله  في موضع آخر: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ {الزمر: 53].

وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد  غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون "من" للتبعيض تمييزاً بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت في خطاب الكافرين إلا مقرونة بـ "من" كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة الأحقاف.

وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف ﴿ يغفر لكم ذنوبكم  ﴾ بغير "من".

وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم.

وقيل: "من" للبدل أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب.

وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير.

وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر.

فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة.

وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا كبيراً مغفوراً.

وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: في الآية دلالة على أنه  قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه  لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب.

ولقائل أن يقول: لانسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟.

الغاية الثانية قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال.

وقد مر تحقيق الأجل في أوّل "الأنعام".

ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: ﴿ إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك.

الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قوله: ﴿ تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ﴾ الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق.

وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلاً لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطاناً مبيناً أي برهاناً باهراً وحجة قاهرة.

ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله.

أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعاً منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيها.

وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها ﴿ وما كان لنا ﴾ أي ما صح منا ﴿ أن نأتي بآية ﴾ اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله.

والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته.

وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها.

ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.

وفي قولهم: ﴿ وقد هدانا سبلنا ﴾ إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه  يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد.

وفي قولهم.

﴿ ولنصبرن على ما آذيتمونا ﴾ دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات.

أما قول الكفار للرسل: ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب.

وقال صاحب الكشاف: العود ههنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم ألبتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴾ أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول.

عن النبي  : "من آذى جاره ورّثه الله داره" ﴿ ذلك ﴾ الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق ﴿ لمن خاف مقامي ﴾ يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس  ﴾ أو قيامي بالعدل والصواب مثل ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي: ﴿ وخاف وعيد ﴾ قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد.

قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر.

قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل.

وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود.

﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ معاند.

وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلاً من المتعاندين في جانب آخر.

قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً للحق منحرفاً عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا.

فوضع الأعم موضع الأخص.

والظاهر مقام الضمير تنصيصاً على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم ﴿ من ورائه ﴾ أي من بين يديه.

يقال: الموت وراء كل أحد.

وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوارٍ عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما.

وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر.

وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف.

قال جار الله: قوله: ﴿ ويسقى ﴾ معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ أي من ماء بيانه أو صفته هذا.

والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله.

وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة.

﴿ يتجرعه ﴾ يتكلف جرعه ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ أي لم يقارب الإساغة فضلاً عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم  ﴾ وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي.

قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية - أعني قوله: ﴿ ويصهر ﴾ - لا تدل على الحصول لقوله قبله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم  ﴾ .

﴿ ويأتيه الموت من كل مكان ﴾ من جسده حتى من إبهام رجله.

وقيل: من أصل كل شعرة.

وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا.

ثم أخبر - والعياذ بالله- أن العذاب في كل وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.

قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا.

والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله  فلم يسقوا فذكر  ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار.

وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ كلاماً مستأنفاً منقطعاً عن حديث الرسل وأممهم.

التأويل: بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا.

إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة.

قوله: ﴿ الر ﴾ أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة.

﴿ بإذن ربهم ﴾ الذي يربيهم هو لا أنت.

وفي قوله: ﴿ إلى صراط ﴾ إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف.

وفي الاختتام بقوله: ﴿ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ﴾ إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله.

﴿ وويل للكافرين ﴾ من شدة ألم الانقطاع عن الله.

ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل.

﴿ إلا بلسان قومه ﴾ أي يتكلم معهم بلسان عقولهم.

﴿ ولقد أرسلنا ﴾ بواسطة جبريل الجذبة ﴿ موسى ﴾ القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص.

﴿ أن أخرج قومك ﴾ وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير ﴿ لآيات ﴾ في نفي الوجود ﴿ لكل صبار ﴾ بالله مع الله من غير الله ﴿ شكور ﴾ لنعمة الوجود الحقيق ببذل الوجود المجازي ﴿ ولئن شكرتم ﴾ بالطاعة ﴿ لأزيدنكم ﴾ في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ﴿ ولئن كفرتم ﴾ نعمتي في المعاملات كلها ﴿ إن عذابي ﴾ قطيعتي ﴿ لشديد ﴾ ﴿ وقال موسى ﴾ القلب ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ أيها الروح والسر والخفى بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة.

﴿ يدعوكم ﴾ من المكونات إلى الملكوت ﴿ ليغفر لكم ﴾ بصفة الغفارية ﴿ من ذنوبكم ﴾ التي أصابتكم من حجب عالم الخلق ﴿ ويؤخركم ﴾ في التخلق بأخلاقه ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو وقت الفناء في الذات ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ للتوكل مقامات: فتوكل المبتدىء قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه.

﴿ لمن خاف مقامي ﴾ وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار ﴿ وخاف وعيد ﴾ القطيعة واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى.

﴿ من وراثه ﴾ أي قدام النفس في متابعة الهوى ﴿ جهنم ﴾ الصفات الذميمة ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة ﴿ يتجرعه ﴾ بالتكلف ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ لأنه ليس من شربه ﴿ يأتيه ﴾ أسباب ﴿ الموت من كل مكان ﴾ من كل فعل مذموم ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ...

﴾ الآية.

يشبه أن يكون الخطاب لأهل الإيمان منهم، والرسل خاطبهم - عز وجل - تصبيراً [منه لهم] وتنبيهاً على تكذيب الكفرة إياهم؛ وأذاهم واستهزائهم بهم؛ فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد أتاكم نبأ الذين من قبلكم ما فيه مزجر لكم عن مثل معاملتهم الرسول، وهو ما ذكره: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ  ﴾ إنه نزل بهم بتكذيبهم الرسل والاستهزاء بأتباعهم، يذكر هذا لهم؛ ليهون ذلك عليهم وليخف؛ لأن من علم أن له شركاً فيما بُلي به وامتحن كان ذلك [عليه أهون] وأخف من أن يكون هو المخصوص به.

ويحتمل أن يكون الخطاب لأهل الكفر منهم؛ يقول: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد أتاكم خبر الذين من قبلكم؛ [أنه ماذا أنزل بهم بتكذيبهم الرسل واستهزائهم بأتباعهم؛ فينزل بكم] ما نزل بهم؛ لأن الذي أنزل ذلك عليهم حي قادر على إنزال مثله؛ فيخرج ذلك مخرج [التوقيح و] التوبيخ والتعيير والوعيد؛ ليحذروا عن صنيع أولئك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

فيه دلالة أن تكلف معرفة الأنساب وحفظها إلى آدم شغل وتكلف؛ لأنه أخبر أن فيهم من لا يعلمه إلا الله وروي في الخبر أنه كان ينسب إلى مُضَر، ولا ينسب إلى أكثر من ذلك.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ [يكذب من ادعى معرفة الأنساب المتقدمة؛ لأنه قال: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ] وقد أخبر أيضاً أنه لم يقصّ عليه خبر الكل بقوله: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ  ﴾ فمن البعيد أن يتكلف تعرف ما لم يقصّ على رسوله والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ﴾ .

قيل: البينات: بينات على وحدانية الله وألوهيته، ويحتمل الحجج التي أتوا بها الرسل على إثبات الرسالة والنبوة.

وقال بعضهم: البينات: ما يتّقون، وما يأتون، وما يحل عليهم وما يحرم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا على التمثيل والكناية عن التكذيب وترك الإجابة؛ لأن رد الأيدي في أفواههم يمنعهم عن التصديق؛ كقوله: ﴿ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ...

﴾ الآية [الرعد: 14] إذا ترك إجابته، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ وأمثاله.

ويشبه أن يكون على تحقيق جعل الأيدي في أفواههم، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ : في أفواه الرسل: فيقولون إنكم كذبة.

ويحتمل: ردّ الأيدي في أفواه أنفسهم يصوتون ويستهزئون بهم وبأتباعهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ...

﴾ الآية [الأنفال: 35] وقد ذكرنا معناه في موضعه؛ فعلى ذلك [هذا يحتمل ذلك،] والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ...

﴾ الآية.

[وقد ذكرنا معناه]؛ يحتمل قوله: ﴿ بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ التوحيد؛ لأنهم أرسلوا بالدعاء إلى توحيد الله والعبادة له، يدل على ذلك قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ وقول الرسل ﴿ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ...

﴾ الآية.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ من إثبات الرسالة، وإقامة الحجة عليها، ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ من التصديق بالرسالة والنبوة.

﴿ مُرِيبٍ ﴾ : هذا يدل أنهم كانوا على شكّ مما يعبدون من الأوثان والأصنام؛ لأنهم لو كان لهم بيان في ذلك وحجة ودعاء إليه؛ لكانوا لا يقولون: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ ولكن كانوا يقطعون فيه القول؛ فدل أنهم كانوا [على شك وريب]؛ في عبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها.

ثم الشك والريب؛ قال بعضهم: هما سواء، وقال بعضهم: الشك: هو الشك المعروف، والريب: هو النهاية في الشك.

وقال بعض أهل التأويل في قوله -  -: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ : أي: عضوا على أصابعهم غيظاً على ما دعوا.

وقال بعضهم: ردوا عليهم قولهم أو كذبوهم، وهو ما ذكرنا بدءاً؛ وقال: ردوا عليهم بأفواههم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أفي ألوهية الله شك؛ أو في عبادة الله شك؟

أي: ليس في ألوهيته ولا في عبادته شك [إذ تقرون أنتم أنه إله وأنه معبود، وكذلك أقر آباؤكم أنه إله وأنه معبود، فليس في ألوهيته ولا في عبادته شك]؛ إنما كان الشك في عبادة من تعبدون دونه، من الأوثان والأصنام وألوهيتها؛ لأن آباءكم أقروا بألوهية الله وأنه معبود، حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وأقروا أنه خالق السماوات الأرض، وفاطر جميع ما فيهما بقولهم: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ وإن الأصنام التي عبدوها لم تخلق شيئاً؛ فليس في الله شك عندكم إنما الشك فيما تعبدون دونه؛ أو في وحدانية الله.

أو يقول: أفي الله شك أنه معبود؛ أي: ليس في الله شك أنه لم يزل معبوداً إنما الشك في الأصنام التي قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأما في الله فلا شك أنه لم يزل معبوداً فاطر السماوات والأرض.

يشبه أن يكون على الإضمار؛ أي: أفي الله شك وقد تقرون أنه فاطر السماوات والأرض؛ وتعلمون أنه خالقهما.

ويحتمل أن يكون على الاحتجاج؛ أي: أفي الله شك وهو فاطر السماوات والأرض؟!

أي: تعلمون أنه فاطر السماوات والأرض وتقرون أنه خالقهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ .

هذا يحتمل [وجهين: يحتمل]: ليغفر لكم ذنوبكم التي كانت لكم في حال الفترة إذا أسلمتم.

وفيه دلالة - والله أعلم -: أن المآثم التي كانت لهم في وقت الفترة - مأخوذة عليهم؛ ثم وعد لهم المغفرة إذا أسلموا.

والثاني: وعد المغفرة والتجاوز؛ لما كان منهم من الافتراء على الله؛ والقول فيه بما لا يليق به؛ إذا أسلموا وتابوا عن ذلك؛ أي: إنكم، وإن افتريتم على الله وقلتم فيه ما قلتم؛ وكذبتم رسله، فإذا أسلمتم وتبتم وصدقتم رسله - غفر لكم ذلك كله وفيه ذكر لطفه وحسن معاملته خلقه.

ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى ﴾ جواب ما قالوا: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ  ﴾ .

[ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ] يقول إذا أسلمتم وتبتم لا تتخطفون؛ ولكن تبلغون إلى آجالكم المسماة ويؤخركم إلى أجل مسمّى.

يتعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية أن لكل إنسان أجلين: أجل في حال إذا كان فعل فعل كذا، وأجل في حال إذا فعل كذا؛ لكن جعل الأجلين إنما يكون بجهل في العواقب ممن يجهل العواقب، فأمّا الله  وتعالى فهو عالم بما كان ويكون؛ فلا يحتمل أن يجعل له أجلين؛ وهو عالم بما يكون؛ فإنما جعله أجله بالذي علم أنه يكون منه؛ في الوقت الذي جعله، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا ﴾ .

في قولهم تناقض من وجهين: أحدهما: أنهم تركوا طاعة رسلهم واتباعهم؛ لأنهم بشر مثلهم؛ [ثم أطاعوا آباءهم واتبعوهم في عبادة الأصنام، وهم بشر مثلهم] حيث قالوا: ﴿ تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا ﴾ فذلك تناقض في القول.

والثاني: أنهم لم يروا الرسل متبوعين؛ [لأنهم] بشر ثم لا يخلو هم بأنفسهم من أن يكونوا متبوعين استتبعوا غيرهم دونهم، أو كانوا أتباعاً لغيرهم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ فذلك تناقض في القول.

﴿ فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ .

سألوا الحجة على ما دعوا إليه من ألوهية الله  وربوبيته، أو على ما ادعوا من الرسالة من الله، وفي كل شيء وقع عليه بصرهم دلالة وحدانية الله وألوهيته، لكنهم سألوا ذلك سؤال تعنت وعناد، وكذلك قد أقاموا الحجج على ما ادعوا من الرسالة؛ لكنهم تعاندوا وكابروا في ردّ ذلك فسألوا سؤال آية وحجة؛ تضطرهم وتقهرهم على ذلك، أو يكون عند إتيانها هلاكهم؛ فأجابهم الرسل فقالوا: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما كان لنا أن نأتيكم بآية تكون بهم هلاككم؛ إنما ذلك إلى الله: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل.

وقوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ .

أي: ما نحن إلا بشر مثلكم؛ [ولكن الله يمن على من يشاء، في دلالة] رد قول الباطنية؛ لأنهم ينكرون كون الرسالة في جوهر البشرية؛ ويقولون: إنما تكون الرسالة في جوهر الروحانية؛ فهم - صلوات الله عليهم وسلامه - إنما أجابوا قومهم؛ حيث قالوا لهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ وقولهم: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ لم يذكروا شيئاً سوى البشرية؛ فدل أن قول الباطنية باطل؛ حيث قالوا: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ .

﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يختص أحداً بالرسالة؛ إلا من كان منه ما يستحق به الرسالة؛ وهم صلوات الله عليهم؛ لم يذكروا سوى منة الله عليهم، دل أنه يمن عليهم ويختصهم؛ لا بشيء [من الاستحقاق و] يكون منهم من الأعمال؛ ولكن بالمنة والفضل منه عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

هو ما ذكرنا: الإذن موضوعه الإباحة، هو مقابل الحجر؛ لكن الإذن المذكور في القرآن ليس كله على وجه واحد؛ ولكن يتجه في كل موضع ويحتمل على ما يليق به، قال الله  : ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: بنصر الله؛ لأن الهزيمة هي موضع النصر؛ تحمل عليه، وقال: ﴿ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: بإنشاء الله؛ [فعلى ذلك الإذن هاهنا؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بإنشاء الله] السلطان وإجرائه على أيدينا.

ويحمل الإذن المذكور في القرآن على ما يصلح ويليق بما تقدم ذكره.

ويحتمل الإذن هاهنا الأمر؛ أي: بأمر الله نأتي أي: إن أمرنا الله بذلك نأتي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون ذكر هذا على إثر وعيد وأذى كان منهم إليهم؛ فقالوا: على الله يتكل ويعتمد المؤمنون في دفع وعيدكم وأذاكم.

وقوله: ﴿ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر؛ أي: على الله توكلوا أيّها المؤمنون؛ في جميع ما يتوعدكم أهل الكفر؛ وفي جميع أموركم.

ويحتمل على الإخبار عن صنيع المؤمنين أنهم إنما يتوكلون على الله، [وبه يعتمدون] في جميع أمورهم؛ ومنه يرون كل خير وبرّ، لا بالأسباب التي لهم ولا يرون منها.

وأما أهل الكفر فإنما يتوكلون ويعتمدون بالأسباب؛ ومنها يرون كل سعة وخير.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

كأن هذا يخرج على إثر جواب منهم؛ لما قال الرسل: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ فأجابوهم بحرف؛ فعند ذلك قال الرسل: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ لكنه لم يذكر ما كان منهم؛ ولكن ذكر جواب الرسل لهم: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ﴾ قال بعضهم: وقد بين لنا سلوك سبلنا.

وعندنا قوله: ﴿ وَقَدْ هَدَانَا ﴾ أي: وفق لنا السلوك في السبل التي علينا أن نسلكها؛ وأكرم لنا ذلك؛ أي: ما لنا ألا نتوكل عليه في النصر والظفر عليكم؛ وقد وفقنا وأكرمنا السلوك في السبل التي علينا سلوكها، وذلك أعسر من القيام للأعداء والنصر بهم؛ وقد أكرمنا ما هو أعسر وأعظم؛ فإن ينصرنا أولى.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا قبل أن يأمروا بالقيام لهم والاستنصار منهم؛ أمروا بالصبر على أذاهم؛ فقالوا: ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أنهم قالوا ذلك؛ لما كان أهل الكفر في كثرة؛ وكان أهل الإسلام وأتباع الرسل في قلة؛ يستقلون أهل الإسلام ويعاتبون على ذلك؛ فقالوا عند ذلك: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ بالنصر على أعدائنا؛ والغلبة عليهم، وقد أكرمنا بما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ كأنه يخرج على الأمر؛ أي: على الله فتوكلوا؛ لا تتوكلوا [على] غيره.

ويشبه أن يكون على الخبر؛ أي: لا يتوكل المؤمن إلا على الله؛ لا يتوكل على غيره؛ كقول الرسول حيث قال: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ...

﴾ الآية [هود: 56] وهو قول هود، وقول المؤمنين: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 89] ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ ﴾ .

الإخراج يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: على حقيقة الإخراج من البلد إلى غيره من البلدان والأرضين.

ويحتمل الإخراج: الحبس ﴿ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ ﴾ ؛ أي: لنحبسنكم عن [الانتفاع بالبلد] وبأهله وبما فيه، ويحتمل الإخراج: القتل؛ أي: نقتلنكم؛ وقد كان أهل الكفر يوعدون ويخوفون الرسل وأتباعهم بهذه الثلاثة؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30] ونحوه.

ثم في وعيدهم الذي أوعدوا الرسل وجوهاً ثلاثة حيث تجاسروا إقبال الرسل بمثل هذا الوعيد ومع الرسل آيات وحجج: أحدها: أنهم رأوا أنفسهم مسلّطين على أولئك؛ قاهرين عليهم؛ وكانوا أهل كبر وتجبر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ  ﴾ دل هذا أنهم كانوا رأوا أنفسهم - كما ذكرنا - أهل تسليط وتجبر.

والثاني: قالوا ذلك لهم؛ لما لم يكن عندهم ما يدفعون حجج الرسل وبراهينهم؛ فهمُّوا قتلهم وإخراجهم؛ لعجزهم عن دفع ما ألزمهم الرسل، وهكذا الأمر المتعارف بين الخلق: أن الخصم لا يقصد إهلاك خصمه؛ ما دام له الوصول إلى الحجاج؛ فإذا عجز عن ذلك فعند ذلك يهمّ بقتله ويقصد إهلاكه.

والثالث: جواب الرسل إياهم عند القول إليه بالقول الذي ليس فوقه أحسن منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ .

الملة: الدين؛ كقوله [  ]: "لا يتوارث أهل الملتين" وقوله [تعالى]: ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً  ﴾ أي: دين إبراهيم.

وقوله: ﴿ لَتَعُودُنَّ ﴾ ليس أنهم كانوا فيها وتركوها؛ ولكن على ابتداء الدخول فيها على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وعد لهم النصر؛ والظفر عليهم؛ والتمكين في أرضهم مع قلة [عدد] أتباع الرسل وضعف أبدانهم؛ ومع كثرة الأعداء وقوة أبدانهم؛ ليعلموا أنهم قالوا ذلك بوحي من الله؛ ووعده إياهم؛ لا من حيث أنفسهم، والله أعلم.

فكان على ما أخبروا؛ فكان ذلك من آيات رسالتهم، وما ينبغي لهم أن يطلبوا [لهم] من الرسل الآيات والحجج على ما ادعوا؛ لأنهم لم يدعوهم إلى طاعة أنفسهم أو عبادتها؛ إنما دعوهم إلى وحدانية الله  وألوهيته، وجعل الطاعة والعبادة له دون ما عبدوها من الأصنام، وذلك في شهادة خلقتهم؛ وشهادة كل خلقة؛ وإن لطف وصغر؛ فلم يحتاجوا إلى أن يقيموا البراهين والحجج على ما ادعوا ودعوهم إليه؛ لكنهم كانوا قوماً معاندين مكابرين لا يقبلون قولهم ولا يصدقونهم؛ تعنتاً منهم وتكبُّراً، لم ينظروا في خلق الله ليدركوا آثار وحدانيته وألوهيته؛ فكلفوا إقامة الحجج والآيات؛ لئلا يكون لهم مقال واحتجاج، وإن لم يكن لهم الاحتجاج.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي...

﴾ الآية.

قوله -  - ذلك يحتمل وجوهاً؛ لأنه قد سبق خصال ثلاث؛ ما يحتمل رجوع هذا الحرف إلى كل واحد من ذلك.

أحدها: قوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ فيحتمل قوله ذلك: المن والفضل لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

وسبق أيضاً قوله: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك الهدى والسبل التي هدانا إليها؛ أي: ذلك الهدى والهداية لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

وسبق أيضاً: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ...

﴾ الآية أي: ذلك النصر والظفر بهم والتمكين في الأرض لمن خاف [مقامي وخاف] وعيد.

ثم قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ قال بعضهم: خاف مقامي في الدنيا والآخرة، وتأويله - والله أعلم - أي: خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا لما نزل بمكذبي رسله وأنبيائه، وخاف وعيده وعذابه في الآخرة حيث وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة.

وقال بعضهم: خاف مقامي في الآخرة؛ وهو كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ يخاف ذلك المقام، وخاف ما وعد من العذاب في النار.

ثم قوله: ﴿ مَقَامِي ﴾ حيث أضاف إليه، ليس في الاشتباه بأقل من قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ؛ وأقل من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ  ﴾ وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [البقرة: 210] وأمثاله؛ فكيف اشتبه هذا على [أهل] التشبيه؛ ولم يشتبه قوله: ﴿ مَقَامِي ﴾ ؛ حيث سألوا في ذلك؛ ولم يسألوا في هذا؛ وهذا إن لم يكن أكثر في الاشتباه؛ فليس بأقل، والأصل في هذا وأمثاله؛ من قوله: ﴿ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ  ﴾ ﴿ وَإِلَيْهِ مَآبِ  ﴾ و ﴿ مَتَابِ  ﴾ ذكر هذا؛ وإن كان الخلائق جميعاً في الدارين جميعاً - يكون مصيرهم ومرجعهم إليه؛ لأنه - جل وعلا - لم يخلقهم للمقام في الدنيا والدوام فيها؛ إنما خلقهم للزوال عنها والفناء، والمقام في الآخرة والدوام فيها؛ لكن خلقهم في هذه الدنيا - ليمتحنهم ويبتلون فيها؛ ثم يصيرون إلى دار المقام، فالآخرة هي المقصودة في خلقهم في الدنيا؛ لا الدنيا؛ فإذا كان كذلك أضاف المصير إلى نفسه، لما هو المقصود في خلقهم؛ وإن كانوا في الدنيا والآخرة صائرين إليه، غير غائبين عنه طرفة عين؛ ولا فائتين، وبالله النجاة.

ذكر الله - عز وجل - أنباء الرسل الماضية وأتباعهم؛ وأنباء أعدائهم؛ وما عامل بعضهم بعضاً، وما نزل بالأعداء - بما عاملوا رسلهم - من العذاب والاستئصال وأنواع البلايا، وما أكرم رسله وأتباعهم وأولياءهم من النصر على أعدائهم؛ والظفر بهم، والتمكين في الأرض، وجعل ذلك كله كتاباً بالحكمة؛ يتلى ليعلم؛ [أن كيف] يعامل الأعداء والأولياء؛ وليرغب فيما استوجب الأولياء من الكرامات وليحذروا عن مثل صنيع الأعداء؛ وليعلموا أن كيف عامل الله رسله وأولياءه، وكيف عامل الرسل ربَّهم، أضاف الرسل جميع ما نالوا من الخيرات والكرامات إلى الله؛ كأن لا صنع لهم في ذلك؛ حيث قالوا: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، ذكر قوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ليعلم أن الخير ليس يكون بالجوهر؛ ولكن بفضل من الله  وبرحمته، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ﴾ وأمثاله، أضافوا ذلك إليه؛ كأنهم لا صنع لهم في ذلك.

وذكر الله - عز وجل - ما أكرم أولياءه ورسله؛ من النصر والتمكين والإنزال في الديار، كأنهم استوجبوا ذلك بفعلٍ كان منهم؛ وهو قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ أي: ذلك النصر والتمكين، وما ذكرنا من الوجوه ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ ذكر أنهم استوجبوا ذلك، لا أن كان، ﴿ ذٰلِكَ ﴾ من الله بحق إفضاله وامتنانه؛ ليعلموا معاملة الله رسله وأولياءه، ومعاملة الرسل والأولياء لسيدهم ومولاهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: الاستنصار؛ استنصروا الله على أعدائهم؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ أي: يستنصرون.

والثاني: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ ﴾ أي: تحاكموا إلى الله في النصر للأحق منهم؛ والأقرب إلى الحق؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 89] وهو التحاكم إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .

هو ما ذكرنا: تحاكموا إلى الله؛ فنصر أولياءه، وأهلك أعداءه، على ما ذكر أن أبا جهل قال: اللهم دينك القويم وأياديك الحسنة، أيّنا كان أحبّ إليك وأقرب إلى الحق - فانصره؛ فنصر المؤمنين وأهلك الأعداء.

وقوله: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ أي: تجبر على رسله وأوليائه، والعنيد: قيل: المعرض المجانب عن الحق والطاعة.

وقال بعضهم: الجبار: القاتل على الغضب والضارب على الغضب؛ وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أي: من وراء عذاب الدنيا لهم عذاب جهنم.

[و] قوله: ﴿ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ﴾ : الوراء: قد يستعمل في أمام وخلف؛ أي: من أمام ما حلّ بهم جهنم، ويحتمل: وراء ما أصابهم؛ ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ﴾ .

أى: يسقى في جهنم صديداً مكان ما يسقون في الدنيا؛ وهو الذي يسيل من القروح [والجروح]، جعل الله للكافرين في الآخرة مكاناً بما كان لهم في الدنيا؛ لباساً وشراباً وطعاماً؛ ما كانت تكرهه أنفسهم، جعل مكان ما يسقون في الدنيا من الماء - في النار: الصديد والغسلين والحميم، ومكان الطعام في الدنيا - في النار: الزقوم والضريع، ومكان اللباس: القطران ونحوه، ومكان القرين والصديق في الدنيا: يجعل قرينه الشيطان، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ إذ ذلك كله يمنعهم عن دين الله؛ ويصدهم عن ذكره، ليكون جزاؤهم من نوع ما كان يمنعهم في الدنيا عن طاعته.

ثم قال بعضهم: إن الصديد الذي يسقون: هو أن النار تجرحهم وتقرحهم؛ فيسيل - من ذلك - الصديدُ؛ فيسقون من ذلك.

وقال بعضهم: لا؛ ولكن يجعل شرابهم فيها صديداً؛ كشراب أهل الجنة وطعامهم من غير أصل.

وقوله: ﴿ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ﴾ ويحتمل: يسقى من ماء في ظنهم ماء؛ وهو في الحقيقة صديد.

ويحتمل أن يكون في الحقيقة والظاهر صديداً؛ لكن يشربون؛ رجاء أن يدفع عطشهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ .

قال أبو عوسجة: التجرع: ما يشربه مكرهاً عليه.

﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ .

يقال: أسغته: أي: أدخلته في الحلْق؛ يقال: أسغته [فساغ، أي: دخل سهلاً من غير أن يؤذيه، وكذلك قيل في قوله: ﴿ سَآئِغٌ شَرَابُهُ  ﴾ أي: سهل في الحلق] وساغ في حلقه؛ إذا دخل دخولا سهلا لا يؤذيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ .

قال قائلون: يأتيهم الغمّ والهم من كل مكان، وكذلك المتعارف في الخلق: إذا اشتد بهم الغم والهم والشدة، يقال: كأنك ميت؛ أو تموت غمّاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ ﴾ أي: أسباب الموت؛ ما لو كان من قضائه الموت فيها - لماتوا؛ لشدة ما يحل بهم، ولكنْ قضاؤه؛ ألا يموتون فيها.

﴿ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ موت حقيقة يستريح من العذاب.

وقوله: ﴿ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ قال بعضهم: من كل ناحية من فوق؛ ومن تحت؛ [ومن خلف] ومن قدام؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ وقال: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ أخبر أن النار تأتيهم وتأخذهم من كل جانب ومن كل جهة.

ويحتمل ﴿ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ : أي: ومن كل سبب من تلك الأسباب التي تأتيهم؛ ما لو كان قضاؤه الموت - لماتوا بكل سبب من تلك الأسباب.

وقال بعضهم: أي: ليس من موضع من جسده ومن سائر جوارحه - إلا الموت يأتيه منها؛ من شدة ما يحل بهم؛ حتى يجدوا طعم الموت وكربه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِ ﴾ أي: ومن وراء ذلك العذاب - عذاب غليظ لا ينقطع ولا يفتر، وصفه بالغلظ والشدة؛ لدوامه والإياس عن انقطاعه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من أمام هذا المتكبر يوم القيامة جهنم، فهي له بالمرصاد.

ويُسْقَى فيها من قيح أصحاب النار الذي يسيل منهم، فلا يروي عطشه، فلا يزال يُعَذب بالعطش وغيره من صنوف العذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.y5DQm"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله