الآية ٢٦ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٢٦ من سورة إبراهيم

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍۢ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍۢ ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 138 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ) هذا مثل كفر الكافر ، لا أصل له ولا ثبات ، وشبه بشجرة الحنظل ، ويقال لها : " الشريان " .

[ رواه شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس بن مالك : أنها شجرة الحنظل ] .

وقال أبو بكر البزار الحافظ : حدثنا يحيى بن محمد بن السكن ، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس - أحسبه رفعه - قال : " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة " ، قال : هي النخلة ، ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ) قال : هي الشريان .

ثم رواه عن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة ، عن معاوية ، عن أنس موقوفا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد - هو ابن سلمة - عن شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة " هي الحنظلة " .

فأخبرت بذلك أبا العالية فقال : هكذا كنا نسمع .

ورواه ابن جرير ، من حديث حماد بن سلمة ، به ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال : حدثنا غسان ، عن حماد ، عن شعيب ، عن أنس ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بقناع عليه بسر ، فقال : ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء .

تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فقال : " هي النخلة " ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ) قال : " هي الحنظل " قال شعيب : فأخبرت بذلك أبا العالية فقال : كذلك كنا نسمع .

وقوله : ( اجتثت ) أي : استؤصلت ( من فوق الأرض ما لها من قرار ) أي : لا أصل لها ولا ثبات ، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع ، ولا يصعد للكافر عمل ، ولا يتقبل منه شيء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: ( يثبت الله الذين آمنوا ) ، يحقق الله أعمالَهم وإيمانهم (22) ( بالقول الثابت ) ، يقول: بالقول الحق ، وهو فيما قيل: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمدًا رسول الله.

* * * وأما قوله: ( في الحياة الدنيا ) ، فإن أهل التأويل اختلفُوا فيه ، فقال بعضهم: عنى بذلك أن اللهَ يثَبتهم في قبورهم قبلَ قيام الساعة.

* ذكر من قال ذلك: 20758 - حدثني أبو السائب سَلْم بنُ جُنَادة قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن سَعْد بن عُبَيْدَة ، عن البَراء بن عازب ، في قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، قال: التثبيت في الحياة الدنيا إذا أتاه المَلكان في القبر فقالا له: مَن ربك؟

فقال: ربّي الله .

فقالا له: ما دينك؟

قال: دينيَ الإسلام .

فقالا له: مَن نبيك؟

قال: نبيِّي محمدٌ صلى الله عليه وسلم.

فذلك التثبيت في الحياة الدنيا.

(23) 20759 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن الأعمش ، عن سعد بن عُبَيْدة ، عن البراء بن عازب ، بنحو منه في المعنى.

(24) 20760 - حدثني عبد الله بن إسحاق الناقد الواسطي قال ، حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا شعبة ، عن علقمة بن مَرْثَد ، عن سعد بن عبيدة ، عن البراء قال ، ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم المؤمنَ والكافرَ ، فقال: إن المؤمن إذا سئل في قبره قال: رَبّي الله ، فذلك قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة).

(25) 20761 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا هشام بن عبد الملك قال ، حدثنا شعبة قال ، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عُبيدة ، عن البراء بن عازب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم إذا سئل في القبر فيشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله .

قال: فذلك قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة).

(26) 20762 - حدثني الحسين بن سَلَمة بن أبي كَبْشة ، ومحمد بن معمر البَحْراني واللفظ لحديث ابن أبي كبشة قالا حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال ، حدثنا عبَّاد بن راشد ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: يا أيها الناس ، إن هذه الأمة تبتلى في قُبورها ، فإذا الإنسان دُفِن وتفرَّق عنه أصحابه ، جاءه ملك بيده مِطْراقٌ فأقعده فقال: ما تقولُ في هذا الرجل؟

فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدًا عبدُه ورسوله .

فيقول له: صدقْتَ .

فيفتح له بابٌ إلى النار فيقال: هذا منـزلك لو كفرتَ بربّك ، فأما إذْ آمنت به ، فإن الله أبدَلك به هذا.

ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة ، فيريد أن ينْهَضَ له ، فيقال له: اسكُنْ.

ثم يُفْسَح له في قبره.

وأما الكافِر أو المنافق فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟

فيقول: ما أدري !

فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَدَرّيتَ ولا اهتديتَ!

ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة فيقال له: هذا كان منـزلك لو آمنت بربك ، فأما إذْ كفرت ، فإن الله أبدَلك هذا.

ثم يفتح له بابٌ إلى النار ، ثم يَقْمَعُه المَلَكُ بالمطراق قَمْعَةً يسمعه خَلْقُ الله كُلهم إلا الثقلين.

قال ، بعضُ أصحابه ، يا رسولَ الله ، ما مِنَّا أحدٌ يقوم على رأسه مَلَكٌ بيده مِطْراق إلا هِيلَ عند ذلك!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثَّابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويُضِلُّ الله الظالمين ويفعلُ الله ما يشاء ) .

(27) 20763 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وذكر قَبْضَ روح المؤمن: فتُعاد روحُه في جسده ، ويأتيه مَلَكان فيجلسانه ، يعني في قبره ، فيقولان: مَنْ ربُّك؟

فيقول: ربيَ الله .

فيقولان: ما دينُك؟

فيقول ديني الإسلام .

فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِث فيكم؟

فيقول: هو رسولُ الله .

فيقولان: ما يدرِيك؟

فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنت به وصدَّقْتُ.

فينادِي مُنادٍ من السماء أنْ صَدَق عبدي.

قال: فذلك قول الله عز وجل ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) .

(28) 20764 - حدثني أبو السائب قال ، حدثنا أبو معاوية قال ، حدثنا الأعمش ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، بنحوه.

(29) 20765 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، بنحوه.

(30) 20766 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير قال ، حدثنا الأعمش قال ، حدثنا المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، بنحوه.

(31) 20767 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا الحكم بن بشير قال ، حدثنا عمرو بن قيس ، عن يونس بن خبّاب ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه.

(32) 20768 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر وحدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا سعيد بن منصور قال ، حدثنا مهدي بن ميمون جميعًا ، عن يونس بن خباب ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر قبضَ رُوح المؤمن!

قال : فيأتيه آتٍ في قبره فيقول: من ربك؟

وما دينك؟

ومن نبيك؟

فيقول: ربيَ الله ، وديني الإسلام ، ونبيّي محمد صلى الله عليه وسلم.

فينتهره فيقول: مَنْ ربُّك ؟

وما دينك؟

فهي آخر فتنة تُعْرَض على المؤمن ، فذلك حين يقول الله عز وجل: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، ، فيقول: ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.

فيقال له: صدقت- واللفظ لحديث ابن عبد الأعلى.

(33) 20769 - حدثنا محمد بن خَلف العسقلاني قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال ، تلا رسُول الله صلى الله عليه وسلم : ( يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: ذاك إذا قيل في القبر: مَنْ ربك؟

وما دينك؟

فيقول: ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيّي محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، جاء بالبينات من عِنْد الله فآمنتُ به وصدَّقت .

فيقال له: صَدَقْتَ ، على هذا عشت ، وعليه مِتَّ ، وعليه تُبْعَث.

(34) 20770 - حدثنا مجاهد بن موسى ، والحسن بن محمد قالا حدثنا يزيد قال ، أخبرنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال ، إن الميت ليسمعَ خَفْقَ نِعالهم حين يُوَلُّون عنه مدبرين.

فإذا كان مؤمنًا ، كانت الصلاة عند رأسه ، والزكاةُ عن يمينه ، وكان الصيام عن يساره ، وكان فِعْلُ الخيرات من الصّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه ، فيؤتَى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قِبَلي مَدخلٌ .

فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قِبَلي مَدخلٌ .

فيؤتي عن يساره فيقول الصيام: ما قِبَلي مَدخلٌ .

فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات من الصَّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبَلي مدخلٌ .

فيقال له: اجلسْ .

فيجلسُ ، قد تمثّلتْ له الشمس قد دنت للغروب ، فيقال له: أخبرنَا عمَّا نسألك .

فيقول: دعُوني حتى أصلِّي .

فيقال: إنك ستفعل ، فأخبرنا عما نسألك عنه!

فيقول: وعمَّ تسألون؟

فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فِيكم ، ماذا تقول فيه ، وماذا تشهد به عليه؟

فيقول: أمحمد؟

فيقال له: نعم.

فيقول أشهد أنَّه رسول الله ، وأنه جَاء بالبينات من عند الله ، فصدّقناه .

فيقال له: على ذلك حَييتَ ، وعلى ذلك ، مِتَّ ، وعلى ذلك تُبْعث إن شاء الله.

ثم يُفْسح له في قبره سبعون ذراعًا ويُنوَّر له فيه ، ثم يُفْتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى ما أعدّ الله لك فيها ، فيزداد غِبْطَةً وسرورًا ، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له: انظر ما صَرَف الله عنك لو عصيتَه !

فيزداد غبْطةً وسرورًا.

ثمّ يجعل نَسَمُه في النَّسَم الطَّيب ، وهي طيْرٌ خُضْرٌ تُعَلَّق بشجر الجنة ، ويعاد جسده إلى ما بُدئ منه من التراب ، وذلك قول الله تعالى: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) .

(35) 20771 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا أبو قطن قال ، حدثنا المسعودي ، عن عبد الله بن مخارق ، عن أبيه ، عن عبد الله قال ، إنّ المؤمن إذا مات أُجْلِس في قبره ، فيقال له: من ربك ؟

وما دينك ؟

ومن نبيك؟

فيثبّته الله فيقول: ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيّي محمد.

قال: فقرأ عبد الله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة ) .

(36) 20772 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا أبو خالد القرشي ، عن سفيان ، عن أبيه وحدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن خيثمة ، عن البراء ، في قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، قال: عذاب القبر.

(37) 20773 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا عفان قال ، حدثنا شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة ، عن البراء ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، في قول الله تعالى: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال شعبةُ شيئًا لم أحفظه ، قال : في القبر.

(38) 20774 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) ، إلى قوله: ( ويضل الله الظالمين ) ، قال: إن المؤمن إذا حضَره الموت شهدته الملائكة ، فسلموا عليه وبشروه بالجنة ، فإذا ماتَ مشَوْا في جنازته ثم صلوا عليه مع الناس ، فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟

فيقول: ربّيَ الله .

ويقال له: منْ رسولك؟

فيقول: محمد .

فيقال له: ما شهادَتُك؟

فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله.

فيوسَّع له في قبره مَدّ بَصَره (39) .

20775 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج ، سمعت ابن طاوس يخبر عن أبيه قال ، لا أعلمه إلا قال: هي في فِتنَةِ القبر ، في قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) .

20776 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه أنه كان يقول في هذه الآية: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، هي في صاحب القبر.

20777 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن العوّام ، عن المسيب بن رافع: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: نـزلت في صاحب القبر.

20778 - حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا عباد بن العوّام ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه المسيَّب بن رافع ، نحوه.

20779 - حدثني المثنى قال ، أخبرنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، أخبرنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، في قول الله تعالى: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: بلغنا أن هذه الأمة تُسْأل في قبورها ، فيثبّت الله المؤمن في قبره حين يُسْأل.

20780 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو ربيعة فَهْدٌ قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر قبضَ روح المؤمن ، قال : فترجع روحُه في جسده ، ويبعث الله إلَيه مَلكين شديدي الانتهار ، فيجلسانه وينتهرانه ، يقولان: من رَبك؟

قال: فيقول: الله .

وما دينك؟

قال: الإسلام.

قال : فيقولان له: ما هذا الرجل ، أو النبيّ ، الذي بُعث فيكم؟

فيقول: محمد رسول الله.

قال ، فيقولان له: وما يُدْريك؟

قال: فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنتُ به وصدّقت !

فذلك قول الله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) (40) .

20781 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: نـزلت في الميت الذي يُسْأل في قبره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

20782 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: في قول الله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: بلغنا أن هذه الأمة تُسأل في قبورها ، فيثبت الله المؤمنَ حيث يُسْأَل.

20783 - حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، قال: هذا في القبر مُخَاطبته ، وفي الآخرة مثل ذلك.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: يثبت الله الذين آمنوا بالإيمان في الحياة الدنيا ، وهو " القول الثابت " " وفي الآخرة " ، المسألةُ في القبر.

* ذكر من قال ذلك: 20784 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، قال: لا إله إلا الله( وفي الآخرة ) ، المسألة في القبر.

20785 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، أما " الحياة الدنيا " فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ، وقوله ( وفي الآخرة ) ، أي في القبر.

* * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ما ثبتَ به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وهو أنّ معناه: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) ، وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (وفي الآخرة) بمثل الذي ثبَّتهم به في الحياة الدنيا ، وذلك في قبورهم حين يُسْألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم.

* * * وأما قوله: ( ويضلُّ الله الظالمين ) ، فإنه يعني ، أن الله لا يوفِّق المنافق والكافر في الحياة الدنيا وفي الآخرة عند المُسَاءَلة في القبر ، (41) لما هدي له من الإيمان المؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم (42) .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 20786 - حدثنا محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : أما الكافرُ فتنـزل الملائكة إذا حضره الموت ، فيبسُطون أيديهم " والبَسْط" ، هو الضرب يضربون وجوههم وأدبارَهم عند الموت.

فإذا أدْخِل قبره أقعد فقيل له: من ربك؟

فلم يرجِع إليهم شيئًا ، وأنساه الله ذكر ذلك .

وإذا قيل له: من الرسول الذي بُعِث إليك؟

لم يهتد له ، ولم يرجع إليه شيئًا ، يقول الله: ( ويضل الله الظالمين ) (43) .

20787 - حدثني المثنى قال ، حدثنا فهْد بن عوف ، أبو ربيعة قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذَكَر الكافر حين تُقْبض روحه ، قال : فتعاد روحُه في جسده.

قال ، فيأتيه ملكَان شديدَا الانتهار ، فيجلسانه فينتهرانه فيقولان له: من ربك؟

فيقول: لا أدري؟

قال فيقولان له: ما دينك؟

فيقول: لا أدري ، قال : فيقال له: ما هذا النبيّ الذي بُعِث فيكم؟

قال: فيقول: سمعت الناس يقولون ذلك ، لا أدري.

قال ، فيقولان: لا دريتَ .

قال: وذلك قول الله: ( ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) .

(44) * * * وقوله: ( ويفعل الله ما يشاء ) ، يعني تعالى ذكره بذلك: وبيدِ الله الهداية والإضلال ، فلا تنكروا ، أيها الناس ، قدرتَه ، ولا اهتداءَ من كان منكم ضالا ولا ضلالَ من كان منكم مهتديًا ، فإنّ بيده تصريفَ خلقه وتقليبَ قلوبهم ، يفعل فيهم ما يشاء.

------------------------ الهوامش : (22) انظر تفسير " التثبيت " فيما سلف 15 : 539 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(23) الأثر : 20758- حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ، رواه أبو جعفر بأربعة عشر إسنادًا في هذا الموضع ، فأحببت أن أجمعها ، وأفصلها ، لتسهل مراجعتها ، ولا يتبعثر القول فيها ، ويسهل تخريجها ويستبين .

فالحديث عن البراء مروي من ثلاث طرق : 1 - طريق سعد بن عبيدة ، عن البراء .

2 - طريق زاذان ، عن البراء .

3 - طريق خيثمة ، عن البراء .

فعند بدء كل طريق ، أذكر طرق إسناده مفصلة إن شاء الله ، وهذه أوان بيان الطريق الأولى : (1) طريق سعد بن عبيدة عن البراء .

رواه أبو جعفر من طريقين : 1 - من طريق الأعمش ، عن سعد بن عبيدة .

2 - من طريق علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة .

(1) طريق الأعمش ، عن سعد بن عبيدة .

1 - من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش برقم : 20758 .

2 - من طريق جابر نوح ، عن الأعمش برقم : 20759 .

(1) وطريق أبي معاوية ، هو هذا الإسناد الأول ، وهذا بيانه : " أبو السائب " ، " سلم بن جنادة بن خالد السوائي " ، شيخ أبو جعفر ، روى عنه البخاري خارج الصحيح ، شيخ صدوق ، قال البرقاني : " ثقة حجة لا شك فيه ، يصلح للصحيح " ، مضى مرارًا آخرها رقم : 8395 .

و " أبو معاوية " ، هو " محمد بن خازم التميمي السعدي " ، روى له الجماعة ، ثقة في حديث الأعمش ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17722 .

و " سعد بن عبيدة " ، كان في المخطوطة في جميع مواضعه " سعيد " ، وهو خطأ .

فهذا حديث صحيح الإسناد ، لم أجده عند غير أبي جعفر ، من هذه الطريق .

(24) الأثر : 20759 - الإسناد التالي انظر التعليق السالف .

(2) طريق جابر بن نوح ، عن الأعمش و " جابر بن نوح الحماني " ، ضعيف الحديث ، قال ابن معين ليس حديثه بشيء .

فالخبر من هذه الطريق ضعيف الإسناد ، ولم أجده عند غير أبي جعفر ، والصحيح هو الإسناد السالف .

(25) الأثر : 20760 - هذه هي الطريق الثانية ، عن سعد بن عبيدة ، عن البراء .

(2) طريق علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة .

1 - طريق شعبة ، عن علقمة بن مرثد .

رواه أبو جعفر ، من ثلاث طرق ، هذا أولها ، (1) عن وهب بن جرير، عن شعبة ، 20760 ،(2) وعن هشام بن عبد الملك ، عن شعبة : 20761 .

(3) وعن عفان ، عن شعبة : 20773 .

وهاك بيان الطريق الأولى في هذا الخبر .

" عبد الله بن إسحاق الناقد الواسطي " ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة ، وقد روى عنه في تاريخ الصحابة ( انظر ذيل المذيل تاريخ الطبري 13 : 61 ) .

و " وهب بن جرير بن حازم الأزدي " ، الحافظ ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 2858 ، 4346 ، 5418 ، 14157 .

ولم أجد الخبر فيما بين يدي من طريق وهب بن جرير ، عن شعبة .

ولكن حديث شعبة ، عن علقمة ، رواه الأئمة : فرواه أحمد في مسنده 4 : 282 عن طريق عفان، عن شعبة ، وهو الذي رواه أبو جعفر برقم : 20773 .

ثم رواه في مسنده 4 : 91 ، من طريق محمد بن جعفر غندر ، عن شعبة .

وسيأتي في رواية أصحاب الكتب .

رواه البخاري في صحيحة ( الفتح 3 : 184 ) من طريق حفص بن عمر ، عن شعبة ، من طريق محمد بن جعفر ، غندر ، عن شعبة .

ثم رواه ( الفتح 8 :/ 286 ) ، من طريق أبي الوليد الطيالسي ، هشام بن عبد الملك الباهلي ، وهو الذي رواه أبو جعفر برقم : 20761 ، كما سيأتي .

ورواه مسلم في صحيحة ( 17 : 204 ) من طريق محمد بن جعفر ، غندر ، عن شعبة .

ورواه أبو داود في سننه 4 : 329 .

من طريق أبي الوليد الطيالسي ، عن شعبة .

ورواه النسائي في سننه 4 : 101 ، من طريق محمد بن جعفر غندر ، عن شعبة .

ورواه الترمذي في سننه في التفسير ، من طريق أبي داود الطيالسي ، عن شعبة .

ورواه ابن ماجه في سننه : 1427 من طريق محمد بن جعفر غندر ، عن شعبة .

وهو حديث صحيح .

(26) الأثر : 20761 - هو مكرر الأثر السالف .

" هشام بن عبد الملك الباهلي " ، " أبو الوليد الطيالسي " ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة.

ومن طريق أبو الوليد ، عن شعبة رواه البخاري ، وأبو داود ، كما سلف في تخريج الذي قبله .

وكان في المطبوعة : " إذا سئل في القبر يشهد " ، كما في رواية البخاري ، ورواية أبي داود : " فشهد " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكل صواب .

وكان في المخطوطة هنا " سعيد " ، مكان " شعبة " ، وهو تصحيف فاحش .

(27) الأثر : 20762 - " الحسين بن سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن أبي كبشة الأزدي ، الطحان " شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 17608 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : " الحسن بن سلمة " ، وهو خطأ .

و " محمد بن معمر البحراني " ، شيخ الطبري ، ثقة ، روى له الجماعة .

مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم : 16885 .

و " عبد الملك بن عمرو القيسي " ، و " أبو عامر العقدي " ، ثقة من شيوخ أحمد ، مضى مرارًا ، آخرها : 17608 .

و " عباد بن راشد التميمي " ، ثقة ، وليس بالقوي ، روى له البخاري مقرونًا بغيره ، مضى مرارًا ، آخرها : 17608 و " داود بن أبي هند " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة .

و " أبو نضرة " ، " المنذر بن مالك بن قطعة العبدي " ، تابعي ، ثقة ، كثير الحديث ، مضى مرارًا آخرها رقم : 15797 - 15801 .

فهذا حديث صحيح الإسناد ، رواه أحمد في مسنده 3 : 3 ، عن أبي عامر العقدي ، بإسناده.

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 47 ، وقال : " رواه أحمد والبزار ، ورجاله رجال الصحيح " ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 80 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت ، وابن أبي عاصم في السنة ، وابن مردويه ، والبيهقي في عذاب القبر ، وقال: " بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري " .

وفي لفظ الخبر بعض الخلاف .

" المطراق " ، مما لم تذكره كتب اللغة ، وهو ثابت ، في جميع روايات الخبر، في المواضع التي ذكرتها ، وهو صحيح في العربية ، ومثله " المطرق " بكسر فسكون ، ومضى في الخبر رقم : 2389 ، و " المطرقة " ، ، وهي مضربة الحداد التي يطرق بها الحديد .

وقوله : " لا دريت ، ولا تدريت " ، هكذا هو في المخطوطة ، فأثبته على ذلك، وكان في المطبوعة : " لا دريت ولا تليت " ، كما جاء في جميع المراجع الآنفة .

والذي في المخطوطة مكتوب بوضوح ، لا أجده سائغا أن يكون الناسخ صحف " تليت " إلى " تدريت " .

مع شهرة الخبر .

فإن صحت هذه رواية في الخبر رواها أبو جعفر ، فإنه تكون " تَفَعَّلَ " من " دَرَى " أي طلبت الدراية ، كما تقول " علم " ، وهما سواء في المعنى .

وهي جيدة المعنى جدًا .

وأما " لا دريت ولا تليت " ، فقد اختلف في معناها .

قالوا : هي من " تلوت " أي لا قرأت ولا درست من " تلا يتلو " فقالها بالياء ليعاقب بها " الياء " في " دريت " .

وكان يونس يقول : " إنما هو : " ولا أَتليت " في كلام العرب ، معناه : أن لا تتلى إبله ، أي لا يكون لها أولاد " تتلوها ".

وقال غيره : " إنما هو : لا دريت ولا اتَّليت ، على افتعلت ، من " ألوت " أي أطقت واستطعت ، فكأنه قال : لا دريت ولا استطعت " .

وقال ابن الأثير : " المحدثون يرون هذا الحديث : ولا تليت ، وصوابه : " ولا ائتَليْت " .

وقال الزمخشري في الفائق ( تلا ) ، وذكر الخبر : " أي ، ولا اتبعت الناس بأن تقول شيئا يقولونه .

ويجوز أن يكون من قولهم : " تلا فلان تِلْوَ غير عاقِل " ، إذا عمل عمل الجهال ، أي لا علمت ولا جهلت يعني : هلكت فخرجت من القبيلتين .

وأحسب أن الذي في التفسير ، إن صحت روايته ، أبين دلالة على المعنى مما ذهبوا إليه .

هذا ، وفي رواية الخبر عند جمعهم زيادة في هذا الموضع : " فيقول : لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئًا " .

وهذه رواية أحمد .

(28) الأثر : 20763 - هذه هي الطريق الثانية ، كما ذكرت في التعليق على رقم : 20758 .

(2) طريق زاذان ، عن البراء .

رواه أبو جعفر من طريقين مختصرًا .

1 - طريق الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان .

2 - طريق يونس بن خباب ، عن المنهال ، عن زاذان .

ثم رواه عن الأعمش من خمس طرق : عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش : 20763 ، وعن أبي معاوية ، عن الأعمش : 20764 ، وعن جرير ، عن الأعمش : 20765 ، وعن ابن نمير ، عن الأعمش : 20766 ، وعن أبي عوانة ، عن الأعمش : 20780 ، 20787 .

و" المنهال بن عمرو الأسدي " .

تكلموا فيه ، ووثقه جماعة ، ورجح أخي السيد أحمد رحمه الله توثيقه في المسند 714 ، وفي الطبري : 337 .

وقال أبو الحسن بن القطان : " كان أبو محمد بن حزم يضعف المنهال ، ورد من روايته حديث البراء " ، يعني هذا الحديث ، ولم يخرج له البخاري ولا مسلم في الصحيح شيئًا .

وروى ابن أبي خيثمة : أن المغيرة ، صاحب إبراهيم ، ( وهو المغيرة بن مقسم الضبي ) ، وقف على يزيد بن أبي زياد فقال : ألا تعجب من هذا الأعمش الأحمق ، إني نهيته أن يروي عن المنهال بن عمرو ، وعن عباية ، ففارقني على أن لا يفعل ، ثم هو يروي عنهما ، نشدتك بالله تعالى ، هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين ؟

قال : اللهم لا " ، فهذا من أشد ما يقال فيه ، ولكنه محمول إن شاء الله على مقالة المتعاصرين ، يقول بعضهم في بعض .

و " زاذان " ، " أبو عبد الله أو أبو عمر الكندي " الضرير البزار ، تابعي ثقة ، مضى مرارًا .

وقد أفاض أبو عبد الله الحاكم في المستدرك 1 : 37 - 40 في جمع طرق هذا الحديث ، وجاء بالشواهد من الأخبار على شرط الشيخين ، يستدل بها على صحة خبر المنهال ، عن زاذان .

وزاد الحاكم رواية سفيان ، عن الأعمش 1 : 38 ، وهي في المسند 4 : 297 ، ، ورواية شعبة ، عن الأعمش 1 : 38 ، وفي مسند أحمد رواية زائدة عن الأعمش 4 : 288 .

وزاد أبو جعفر الطبري رواية أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش في هذا الإسناد ، وفيما سلف مختصرًا رقم : 14614 .

وانظر الكلام على الآثار التالية من هذه الطريق ، وما سلف في التعليق على رقم : 14614 .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 49 - 51 ، وقال : " هو في الصحيح وغيره ، باختصار ، رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح " (29) الأثر : 20764 - من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش ، رواه أحمد في المسند 4 : 287 ، والحاكم في المستدرك 1 : 37 ، وأبو داود في سننه 4 : 330 .

(30) 20765 - من طريق جرير ، عن الأعمش ، رواه أبو داود مختصرًا في سننه 3 : 289 .

(31) الأثر : 20766 - من طريق عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، رواه أحمد في المسند 4 : 288 ، وأبو داود في سننه 4 : 331 ، والحاكم في المستدرك 1 : 37 .

(32) الأثر : 20768 - هذه طريق يونس بن خباب ، عن المنهال ، كما ذكرت في التعليق على رقم : 20763 ، رواها أبو جعفر من طريق عمرو بن قيس ، عن يونس : 20768 .

ومن طريق معمر ، عن يونس : 20769 ، ومهدي بن ميمون ، عن يونس : 20769 أيضًا .

و " يونس بن خباب الأسيدي " ، ضعيف جدًا ، قال يحيى القطان : " ما تعجبنا الرواية عنه " ، وقال ابن معين : " رجل سوء ، وكان يشتم عثمان " .

وقال البخاري : " منكر الحديث " ، وقال : ابن حبان : " لا تحل الرواية عنه " .

وقال أبو حاتم : " مضطرب الحديث ، ليس بالقوي " ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/404 ، وابن أبي حاتم 4/2/238 ، وميزان الاعتدال 3 : 337 .

وهذا حسبك في ضعفه من هذه الطريق .

وقد زاد أحمد في مسنده 4 : 296 ، روايته من طريق حماد بن زيد ، عن يونس .

وزاد الحاكم في المستدرك روايته من طريق شعيب بن صفوان عن يونس .

وعباد بن عباد ، عن يونس 1 : 39 .

(33) الأثر : 20768 - مكرر الأثر السالف .

وحديث معمر ، عن يونس بن خباب ، رواه أحمد في المسند 4 : 295 ، والحاكم في المستدرك 1 : 39 .

وحديث مهدي بن ميمون ، عن يونس ، رواه الحاكم في المستدرك 1 : 39.

(34) الأثر : 20769 - " محمد بن خلف بن عمار العسقلاني " ، شيخ الطبري ، ثقة مضى مرارًا .

آخرها رقم : 20633 .

و " آدم " ، هو " آدم بن أبي إياس العسقلاني " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 16944 .

و " حماد بن سلمة " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة .

و " محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة.

و " أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري " ، تابعي ثقة ، كثير الحديث ، مضى مرارًا .

فهذا خبر صحيح الإسناد ، ولم أجده عند غير أبي جعفر ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 81 ، وزاد نسبته إلى ابن مردويه ، وكأنه مختصر الخبر التالي .

(35) الأثر : 20770 - لعله مطول الخبر السالف .

" مجاهد بن موسى بن فروخ الخوارزمي " ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 510 ، 3396 .

و " الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني " ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى مرارًا آخرها : 20411 .

و " يزيد " هو " يزيد بن هارون السلمي الواسطي " ، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير ، مضى مرارًا كثيرة آخرها : 15348 .

فهذا خبر صحيح الإسناد ، أخرجه الحاكم في المستدرك 1 : 379 من طريق سعيد بن عامر ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، ثم من طريق حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو 1 : 380 ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " ، وتابعه الذهبي .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 51 ، 52 ، مطولا وقال : " رواه الطبراني في الأوسط ، وإسناده حسن " ، ثم قال : " روى البزار طرفًا منه " ، ثم انظر حديثًا آخر عنده عن أبي هريرة 3 : 53 ، 54 .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 80 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبه ، وهناد بن السري في الزهد ، وابن المنذر ، وابن حبان ، وابن مردويه ، والبيهقي .

وكان في المطبوعة : " فيجلس قد مثلت له الشمس " ، كما في مجمع الزوائد ، والدر المنثور .

وفي المستدرك : " فيقعد ، وتمثل له الشمس " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(36) الأثر : 20771 - " أبو قطن " " عمرو بن الهيثم الزبيدي القطعي " ، ثقة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 20599 .

و " المسعودي " ، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي " ، كان ثقة ، واختلط بأخرة ، رواية المتقدمين عنه صحيحة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17982 .

و " عبد الله بن مخارق " ، مشكل أمره جدًا .

فقد ترجم له البخاري في الكبير 3/1/208 ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/2/179 ، وقالا جميعًا واللفظ هنا لابن أبي حاتم : " عبد الله بن مخارق بن سليم السلمي كوفي ، روى عن أبيه مخارق ، روى عنه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي ، وأبو العميس عتبة بن عبد الله ، وعبد الملك بن أبي غنية " ، ثم ذكر ابن أبي حاتم عن يحيى بن معين أنه سئل عن " عبد الله بن مخارق بن سليم فقال : مشهور " .

وقال البخاري في ترجمته : " روى سماك ، عن قابوس بن مخارق الشيباني ، وروى أيضًا سليمان الشيباني ، عن مخارق بن سليم الشيباني ، فلا أدري ما بينهما " .

فشك البخاري في نسبة أبيه أهو " سلمي " أو " شيباني " ، كما ترى .

فلما ترجم في فصل " مخارق " ، الكبير 4/1/430 ترجم " مخارق " أبو قابوس ، عن علي ، روى عنه ابنه قابوس ، وهو ابن سليم ، قاله ابن طهمان " .

ثم ترجم بعده " مخارق بن سليم الشيباني " وقال : " يعد في الكوفيين " ، وأغفل " مخارق بن سليم السلمي " ، الذي ذكر في ترجمة ابنه " عبد الله بن مخارق بن سليم السلمي " ، أنه روى عن أبيه ، وهو صحابي ، كما هو ظاهر .

وكذلك فعل ابن أبي حاتم 4/1/352 ، اقتصر أيضًا على " مخارق بن سليم الشيباني " ، وأغفل " السلمي " الذي ذكره في باب " عبد الله " .

وأما الحافظ ابن حجر في التهذيب ، وفي الإصابة ، فإنه قال : " مخارق بن سليم الشيباني " ، أبو قابوس ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن مسعود ، وعمار بن ياسر ، وعلي بن أبي طالب .

روى عنه ابناه قابوس ، وعبد الله .

ذكره ابن حبان في الثقات " .

فهذا لفظ جامع ، يدل على أن " عبد الله بن مخارق " هذا إنما هو " الشيباني " ، وأن " السلمي " ، نسبة لا يكاد يعرف صاحبها ، وتزيد أباه في الصحابة جهالة ، وهذا مستبعد .

و " عبد الله بن مخارق بن سليم الشيباني " ، هو نابغة بني شيبان ، الشاعر المشهور ، وهو أخو " قابوس بن مخارق بن سليم الشيباني " ، المترجم في التهذيب ، وفي الكبير 4/1/193 ، غير منسوب إلى " شيبان " أو " سليم " وفي ابن أبي حاتم 3/2/145 ، فيما أرجح .

وقد كنت قرأت قديمًا في كتاب غاب عني مكانه اليوم : أن قابوسًا كان شاعرًا ، وأن أخاه عبد الله ، نابغة بني شيبان ، كان محدثًا ، ثم رأى أحدهما رؤيا ، أو كلاهما ، فترك " قابوس " الشعر وطلب الحديث ، وترك " عبد الله " الحديث وأخذ في الشعر ، فصار نابغة بني شيبان .

وقد كان عبد الله بن مخارق نابغة بني شيبان ، ينشد الشعر فيكثر ، حتى إذا فرغ قبض على لسانه فقال : والله لأسلطن عليك ما يسوءك : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر " ( جاء هذا في كتاب المنتقى من أخبار الأصمعي : 6 ) ، فهذا كأنه مؤيد للرواية التي غاب عني مكانها ، وأسأل من وجدها أن يدلني على مكانها .

فهذا الخبر مضطرب جدًا ، ولكن خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 54 وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وإسناده حسن " ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن جرير ، والطبراني ، والبيهقي في عذاب القبر .

(37) الأثر : 20772 - هذه هي الطريق الثالثة ، لحديث البراء مختصرًا .

(3) طريق خيثمة ، عن البراء .

من طريق واحدة ، بإسنادين .

1 - سفيان ، عن أبيه ، عن خيثمة .

أما الأول ، فعن " أبي خالد القرشي " ، وهو " عمرو بن خالد القرشي " ، وهو منكر الحديث .

كذاب ، غير ثقة ولا مأمون ، مترجم في التهذيب ، والكبير 3/2/328 ، وابن أبي حاتم 3/1/230 وميزان الاعتدال 2 : 286 ، فهو بإسناد أبي خالد متروك لا يشتغل به .

وأما " أبو أحمد " ، فهو الزبيري " محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي " ، ثقة روى له الجماعة مضى مرارًا ، آخرها : 20470 .

و " سفيان " هو الثوري الإمام .

وأبوه " سعيد بن مسروق الثوري " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 13766 .

و " خيثمة " ، هو " خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي " ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة مضى مرارًا آخرها : 11145 .

ومن طريق سفيان عن أبيه ، رواه مسلم في صحيحه ( 17 : 204 ) ، والنسائي في سننه 4 : 101 ، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان .

(38) الأثر : 20773 - هو مكرر الأثر السالف : 20760 ، مع زيادة .

و " عفان " ، هو " عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار " ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها : 20331 .

ومن طريق عفان رواه أحمد في المسند 4 : 282 ، كما سلف في تخريج الخبر رقم 20760 .

(39) الأثر : 20774 - هذا إسناد ضعيف جدًا ، وإن كثر دورانه في التفسير ، وسلف بيانه وشرحه في أول التفسير رقم : 305 .

(40) الأثر : 20780 - حديث البراء بن عازب ، من طريق زاذان عن البراء ، كما سلف في التعليق علي : 20758 ، ثم من طريق الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، كما سلف في التعليق على: 20763 .

" أبو ربيعة " ، " فهد " ، متكلم فيه ، كما سلف بيانه رقم : 5623 ، وقد مضى مرارًا آخرها : 15905 .

و " أبو عوانة " ، هو " الوضاح بن عبد الله اليشكري " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها : 17010 .

ومن طريق أبي عوانة ، عن الأعمش رواه أبو داود الطيالسي في مسنده مطولا : 102 ، وقد سلف ما قلناه في هذا الإسناد في شرح الأثر رقم : 20763 ، وانظر ما سيأتي رقم : 20787 ، بهذا الإسناد نفسه .

(41) في المطبوعة : " المسألة " ، وكتب في رسم المخطوطة : " المسايلة " ، وهي صحيحة.

(42) في المطبوعة قدم وأخر : ، " لما هدي له من الإيمان المؤمن بالله " ، وليست بشيء .

(43) في المطبوعة : " يقول : ويضل الله الظالمين ، والصواب ما في المخطوطة .

(44) الأثر : 20787 - هذا آخر حديث البراء بن عازب .

وانظر التعليق السالف على الأثر : 20780 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار قوله تعالى : ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة الكلمة الخبيثة كلمة الكفر .

وقيل : الكافر نفسه .

والشجرة الخبيثة شجرة الحنظل كما في حديث أنس ، وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما ، وعن ابن عباس أيضا : أنها شجرة لم تخلق على الأرض .

وقيل : هي شجرة الثوم ; عن ابن عباس أيضا .

وقيل : الكمأة أو الطحلبة .

وقيل : الكشوث ، وهي شجرة لا ورق لها ولا عروق في الأرض ; قال الشاعر :وهم كشوث فلا أصل ولا ورق" اجتثت من فوق الأرض " اقتلعت من أصلها ; قال ابن عباس ; ومنه قول لقيط :هو الجلاء الذي يجتث أصلكم فمن رأى مثل ذا يوما ومن سمعا[ ص: 317 ] وقال المؤرج : أخذت جثتها وهي نفسها ، والجثة شخص الإنسان قاعدا أو قائما .

وجثه قلعه ، واجتثه اقتلعه من فوق الأرض ; أي ليس لها أصل راسخ يشرب بعروقه من الأرض .

ما لها من قرار أي من أصل في الأرض .

وقيل : من ثبات ; فكذلك الكافر لا حجة له ولا ثبات ولا خير فيه ، وما يصعد له قول طيب ولا عمل صالح .

وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة في قوله تعالى : ضرب الله مثلا كلمة طيبة قال : لا إله إلا الله ، " كشجرة طيبة " قال : المؤمن ، " أصلها ثابت " لا إله إلا الله ثابتة في قلب المؤمن ، " ومثل كلمة خبيثة " قال : الشرك ، " كشجرة خبيثة " قال : المشرك ، " اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار " أي ليس للمشرك أصل يعمل عليه .

وقيل : يرجع المثل إلى الدعاء إلى الإيمان ، والدعاء إلى الشرك ; لأن الكلمة يفهم منها القول والدعاء إلى الشيء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر ضدها وهي كلمة الكفر وفروعها فقال: { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } المأكل والمطعم وهي: شجرة الحنظل ونحوها، { اجْتُثَّتْ } هذه الشجرة { مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ } أي: من ثبوت فلا عروق تمسكها، ولا ثمرة صالحة، تنتجها، بل إن وجد فيها ثمرة، فهي ثمرة خبيثة، كذلك كلمة الكفر والمعاصي، ليس لها ثبوت نافع في القلب، ولا تثمر إلا كل قول خبيث وعمل خبيث يستضر به صاحبه، ولا ينتفع، فلا يصعد إلى الله منه عمل صالح ولا ينفع نفسه، ولا ينتفع به غيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومثل كلمة خبيثة ) وهي الشرك ( كشجرة خبيثة ) وهي الحنظل .

وقيل : هي الثوم .

وقيل : هي الكشوث وهي العشقة ( اجتثت ) يعني انقلعت ( من فوق الأرض ما لها من قرار ) ثبات .

معناه : وليس لها أصل ثابت في الأرض ، ولا فرع صاعد إلى السماء ، كذلك الكافر لا خير فيه ، ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومثل كلمة خبيثة» هي كلمة الكفر «كشجرة خبيثة» هي الحنظل «اجتثت» استؤصلت «من فوق الأرض ما لها من قرار» مستقر وثبات كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومثل كلمة خبيثة -وهي كلمة الكفر- كشجرة خبيثة المأكل والمطعم، وهي شجرة الحنظل، اقتلعت من أعلى الأرض؛ لأن عروقها قريبة من سطح الأرض ما لها أصل ثابت، ولا فرع صاعد، وكذلك الكافر لا ثبات له ولا خير فيه، ولا يُرْفَع له عمل صالح إلى الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - مثال كلمة الإِيمان ، أتبعه بمثال كلمة الكفر فقال : ( وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ) وهى كلمة الكفر .( كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) أى قبيحة لا نفع فيها ، ولا خبر يرجى منها .( اجتثت مِن فَوْقِ الأرض ) أى : اقتلعت جثتها وهيئتها من فوق الأرض ، لقرب عروقها وجذورها من سطحها .يقال : اجتثثت الشئ اجتثاثا ، إذا اقتلعته واستأصلته ، وهو افتعال من لفظ الجثة وهى ذات الشئ .وقوله : ( مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ) تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن اجتثاث الشئ بسهولة ، سببه عدم وجود أصل له .أى : ليس لها استقرار وثبات على الأرض ، وكذلك الكفر لا أصل له ولا فرع ، ولا يصعد للكافر عمل ، ولا يتقبل منه شئ .والمراد بهذه الشجرة الخبيثة : شجرة الحنظل فعن أنس بن مالك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هى الحنظلة .

.

.

" .وقيل : شجرة الثوم ، وقيل : شجرة الشوك .

.

.

وقيل كل شجر لا يطيب له ثمر ، وفى رواية عن ابن عباس أنها شجرة لم تخلق على الأرض .

.وقال : ابن عطية : الظاهر أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة جامعة لتلك الأوصاف التى وصفها الله بها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء، ذكر مثالاً يبين الحال في حكم هذين القسمين، وهو هذا المثل.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه الكلمة الطيبة بها.

فالصفة الأولى: لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أموراً.

أحدها: كونها طيبة المنظر والصورة والشكل.

وثانيها: كونها طيبة الرائحة.

وثالثها: كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة.

ورابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة يعني أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها، ويجب حمل قوله: شجرة طيبة، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾ أي راسخ باق آمن الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الانقراض والانقضاء، فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به.

والصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَفَرْعُهَا فِي السمآء ﴾ وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين: الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق.

والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب.

والصفة الرابعة: قوله: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ والمراد: أن الشجرة المذكورة كانت موصوفة بهذه الصفة، وهي أن ثمرتها لابد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات، ولا تكون مثل الأشجار التي يكون ثمارها حاضراً في بعض الأوقات دون بعض، فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها الله تعالى في هذا الكتاب الكريم ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها وتملكها فإنه لايجوز له أن يتغافل عنها وأن يتساهل في الفوز بها.

إذا عرفت هذا فنقول: معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وفي خدمته وطاعته، تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع.

أما الصفة الأولى: وهي كونها طيبة فهي حاصلة، بل نقول: لا طيب ولا لذيذ في الحقيقة إلا هذه المعرفة وذلك لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة المعينة إنما حصلت، لأن إدراك تلك الفاكهة أمر ملائم لمزاج البدن، فلأجل حصول تلك الملاءمة والمناسبة حصلت تلك اللذة العظيمة وهاهنا الملائم لجوهر النفس النطقية والروح القدسية، ليس إلا معرفة الله تعالى ومحبته والاستغراق في الابتهاج به فوجب أن تكون هذه المعرفة لذيذة جداً، بل نقول: اللذة الحاصلة من إدراك الفاكهة يجب أن تكون أقل حالاً من اللذة الحاصلة بسبب إشراق جوهر النفس بمعرفة الله وبيان هذا التفاوت من وجوه: الوجه الأول: أن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة بسبب أن سطح الحاس يلاقي سطح المحسوس فقط، فأما أن يقال إن جوهر المحسوس نفذ في جوهر الحاس فليس الأمر كذلك، لأن الأجسام يمتنع تداخلها أما هاهنا فمعرفة الله تعالى وذلك النور وذلك الإشراق صار سارياً في جوهر النفس متحداً به وكأن النفس عند حصول ذلك الإشراق تصير غير النفس التي كانت قبل حصول ذلك الإشراق فهذا فرق عظيم بين البابين.

والوجه الثاني: في الفرق أن في الالتذاذ بالفاكهة المدرك هو القوة الذائقة، والمحسوس هو الطعم المخصوص وهاهنا المدرك هو جوهر النفس القدسية، والمعلوم والمشعور به هو ذات الحق جل جلاله، وصفات جلاله وإكرامه، فوجب أن تكون نسبة إحدى اللذتين إلى الأخرى كنسبة أحد المدركين إلى الآخر.

الوجه الثالث: في الفرق أن اللذات الحاصلة بتناول الفاكهة الطيبة كلما حصلت زالت في الحال، لأنها كيفية سريعة الاستحالة شديدة التغير، أما كمال الحق وجلاله فإنه ممتنع التغير والتبدل واستعداد جوهر النفس لقبول تلك السعادة أيضاً ممتنع التغير، فظهر الفرق العظيم من هذا الوجه.

واعلم أن الفرق بين النوعين يقرب أن يكون من وجوه غير متناهية فليكتف بهذه الوجوه الثلاثة تنبيهاً للعقل السليم على سائرها.

وأما الصفة الثانية وهي كون هذه الشجرة ثابتة الأصل، فهذه الصفة في شجرة معرفة الله تعالى أقوى وأكمل، وذلك لأن عروق هذه الشجرة راسخة في جوهر النفس القدسية، وهذا الجوهر جوهر مجرد عن الكون والفساد بعيد عن التغير والفناء، وأيضاً مدد هذا الرسوخ إنما هو من تجلي جلال الله تعالى، وهذا التجلي من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور النور ومبدأ الظهور، وذلك مما يمتنع عقلاً زواله لأنه سبحانه واجب الوجود لذاته، وواجب الوجود في جميع صفاته والتغير والفناء والتبدل والزوال والبخل والمنع محال في حقه، فثبت أن الشجرة الموصوفة بكونها ثابتة الأصل ليست إلا هذه الشجرة.

الصفة الثالثة: لهذه الشجرة كونها بحيث يكون فرعها في السماء.

واعلم أن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي وأغصان صاعدة في هواء العالم الجسماني.

وأما النوع الأول: فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام: «التعظيم لأمر الله» ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في عالم الأرواح، وفي عالم الأجسام، وفي أحوال عالم الأفلاك والكواكب، وفي أحوال العالم السفلي، ويدخل فيه محبة الله تعالى والشوق إلى الله تعالى والمواظبة على ذكر الله تعالى والاعتماد بالكلية على الله تعالى، والانقطاع بالكلية عما سوى الله تعالى والاستقصاء في ذكر هذه الأقسام غير مطموع فيه لأنها أحوال غير متناهية.

وأما النوع الثاني: فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام: «والشفقة على خلق الله» ويدخل فيه الرحمة والرأفة والصفح والتجاوز عن الذنوب، والسعي في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، ومقابلة الإساءة بالإحسان.

وهذه الأقسام أيضاً غير متناهية وهي فروع ثابتة من شجرة معرفة الله تعالى فإن الإنسان كلما كان أكثر توغلاً في معرفة الله تعالى كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى وأفضل.

وأما الصفة الرابعة: فهي قوله تعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ فهذه الشجرة أولى بهذه الصفة من الأشجار الجسمانية، لأن شجرة المعرفة موجبة لهذه الأحوال ومؤثرة في حصولها والسبب لا ينفك عن المسبب فأثر رسوخ شجرة المعرفة في أرض القلب أن يكون نظره بالعبرة كما قال: ﴿ فاعتبروا ياأولي الأبصار  ﴾ وأن يكون سماعه بالحكمة كما قال: ﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب كما قال: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ  ﴾ وقال عليه السلام: «قولوا الحق ولو على أنفسكم» وهذا الإنسان كلما كان رسوخ شجرة المعرفة في أرض قلبه أقوى وأكمل، كان ظهور هذه الآثار عنده أكثر، وربما توغل في هذا الباب فيصير بحيث كلما لاحظ شيئاً لاحظ الحق فيه، وربما عظم ترقيه فيه فيصير لا يرى شيئاً إلا وقد كان قد رأى الله تعالى قبله.

فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ وأيضاً فما ذكرناه إشارة إلى الإلهامات النفسانية والملكات الروحانية التي تحصل في جواهر الأرواح، ثم لا يزال يصعد منها في كل حين ولحظة ولمحة كلام طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل، كثمرة هذه الشجرة.

وأما قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ ففيه دقيقة عجيبة، وذلك لأن عند حصول هذه الأحوال السنية، والدرجات العالية، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي، وقد يترقى فلا يفرح بها من حيث هي هي، وإنما يفرح بها من حيث إنها من المولى، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال، ولذلك قال بعض المحققين: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالفاني، ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول، فقد ظهر بهذا التقرير الذي شرحناه والبيان الذي فصلناه أن هذا المثال الذي ذكره الله تعالى في هذا الكتاب مثال هادٍ إلى عالم القدس، وحضرة الجلال، وسرادقات الكبرياء، فنسأل الله تعالى مزيد الاهتداء والرحمة إنه سميع مجيب، وذكر بعضهم في تقرير هذا المثال كلاماً لا بأس به، فقال: إنما مثل الله سبحانه وتعالى الإيمان بالشجرة، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة، إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وأغصان عالية.

كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: معرفة في القلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: في نصب قوله: ﴿ كَلِمَةً طَيّبَةً ﴾ وجهان: الأول: أنه منصوب بمضمر والتقدير: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وهو تفسير لقوله: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً ﴾ .

الثاني: قال ويجوز أن ينتصب مثلاً.

وكلمة بضرب، أي ضرب كلمة طيبة مثلاً بمعنى جعلها مثلاً، وقوله: ﴿ كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هي كشجرة طيبة.

الثالث: قال صاحب حل العقد أظن أن الأوجه أن يجعل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ﴾ عطف بيان، والكاف في قوله: ﴿ كَشَجَرَةٍ ﴾ في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين.

وقال صاحب الكشاف: إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان، وأراد بشجرة طيبة الثمرة، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت، وفرعها أي أعلاها في السماء، والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء ﴿ تُؤْتِى ﴾ أي هذه الشجرة ﴿ أُكُلُهَا ﴾ أي ثمرها وما يؤكل منها كل حين، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر، جاء رجل إلى ابن عباس فقال: نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين، فقال: الحين ستة أشهر، وتلا قوله تعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ وقال مجاهد وابن زيد: سنة، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة.

وقال سعيد بن المسيب: شهران، لأن مدة إطعام النخلة شهران.

وقال الزجاج: جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت، والمراد من قوله: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلاً أو نهاراً أو شتاء أو صيفاً.

قالوا: والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة.

وأقول: هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة بالصفات المذكورة، ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل، واختلافهم في تفسير الحين أيضاً من هذا الباب، والله أعلم بالأمور.

ثم قال: ﴿ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ والمعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .

فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله، فإنه أول الآفات وعنوان المخافات ورأس الشقاوات ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاثة: الصفة الأولى: أنها تكون خبيثة فمنهم من قال إنها الثوم، لأنه صلى الله عليه وسلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة، وقيل: إنها الكراث.

وقيل: إنها شجرة الحنظل لكثرة ما فيها من المضار وقيل: إنها شجرة الشوك.

واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بحسب الرائحة وقد تكون بحسب الطعم، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر وقد تكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم تكن موجودة، إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعاً في المطلوب.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض ﴾ وهذه الصفة في مقابلة قوله: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾ ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الإجتثاث أخذ الجثة كلها، وقوله: ﴿ مِن فَوْقِ الأرض ﴾ معناه: ليس لها أصل ولا عرق، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة.

والصفة الثالثة: قوله ما لها من قرار، وهذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية، والمعنى أنه ليس لها استقرار.

يقال: قر الشيء قراراً كقولك: ثبت ثباتاً، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت.

واعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال، وذلك لأنه تعالى بين كونها موصوفة بالمضار الكثيرة، وخالية عن كل المنافع أما كونها موصوفة بالمضار فإليه الإشارة بقوله: ﴿ خَبِيثَةٍ ﴾ وأما كونها خالية عن كل المنافع فإليه الإشارة بقوله: ﴿ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مالَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ كمثل شجرة خبيثة، أي: صفتها كصفتها.

وقرئ: ﴿ ومثل كلمة ﴾ بالنصب، عطفاً على كلمة طيبة، والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك.

وقيل: كل كلمة قبيحة.

وأمّا الشجرة الخبيثة فكل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾ [إبراهيم: 24] ومعنى ﴿ اجتثت ﴾ استؤصلت، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ أي استقرار.

يقال: قرّ الشيء قراراً، كقولك: ثبت ثباتاً شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة، فهو داحض غير ثابت والذي لا يبقى إنما يضمحل عن قريب لبطلانه، من قولهم: الباطل لجلج.

وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء: ما تقول في كلمة خبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً، ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴿ اجْتُثَّتْ ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ وأُخِذَتْ جُثَّتُها بِالكُلِّيَّةِ.

﴿ مِن فَوْقِ الأرْضِ ﴾ لِأنَّ عُرُوقَها قَرِيبَةٌ مِنهُ.

﴿ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ اسْتِقْرارٍ.

واخْتُلِفَ في الكَلِمَةِ والشَّجَرَةِ فَفُسِّرَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ والقُرْآنِ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعالى والدُّعاءِ إلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الحَقِّ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِما ما يَعُمُّ ذَلِكَ فالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ما أعْرَبَ عَنْ حَقٍّ أوْ دَعا إلى صَلاحٍ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ ما كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وفُسِّرَتِ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ بِالنَّخْلَةِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا وبِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ، والخَبِيثَةُ بِالحَنْظَلَةِ والكَشُوثِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِما أيْضًا ما يَعُمُّ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} هي كلمة الكفر {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هي كل شجرة لا يطيب ثمرها وفي الحديث أنها شجرة الحنظل {اجتثت مِن فوق الأرض} استؤصلت جثتها وحقيقة الاجتثات أخذ الجثة كلها وهو في مقابلة أصلها ثابت {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي استقرار يقال قر الشيء قرارا كقولك ثبت ثباتا شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ وهي كَلِمَةُ الكُفْرِ أوِ الدُّعاءِ إلَيْهِ أوِ الكَذِبِ أوْ كُلُّ كَلِمَةٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ ( ومَثَلَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ وقَرَأ أُبَيٌّ ( وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) ولَعَلَّ تَغْيِيرَ الأُسْلُوبِ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالضَّرْبِ والبَيانِ وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ ظاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ والمَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ ﴿ اجْتُثَّتْ ﴾ أيِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها وحَقِيقَةُ الِاجْتِثاثِ أخْذُ الجُثَّةِ وهي شَخْصُ الشَّيْءِ كُلِّها ﴿ مِن فَوْقِ الأرْضِ ﴾ لِكَوْنِ عُرُوقِها قَرِيبَةً مِنَ الفَوْقِ فَكَأنَّها فَوْقَ ﴿ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ .

(26) .

أيِ اسْتِقْرارٍ عَلى الأرْضِ والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ المَنعُوتَةِ الحَنْظَلَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّها الكَشُوثُ ويُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي لا حَسَبَ لَهُ ولا نَسَبَ كَما قالَ الشّاعِرُ: .

فَهُوَ الكَشُوثُ فَلا أصْلَ ولا ورَقَ ولا نَسِيمَ ولا ظِلَّ ولا ثَمَرَ وقالَ الزَّجّاجُ وفِرْقَةٌ شَجَرَةُ الثَّوْمِ وقِيلَ: شَجَرَةُ الشَّوْكِ وقِيلَ: الطُّحْلُبُ وقِيلَ: الكَمْأةُ وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَطِيبُ لَهُ ثَمَرٌ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها شَجَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ عَلى الأرْضِ والمَقْصُودُ التَّشْبِيهُ بِما اعْتُبِرَ فِيهِ تِلْكَ النُّعُوتُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ جامِعَةٍ لِتِلْكَ الأوْصافِ وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بِالكافِرِ ورَوى الإمامِيَّةُ وأنْتَ تَعْرِفُ حالَهم عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَها بِبَنِي أُمَيَّةَ وتَفْسِيرُ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ  وعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وما تَوَلَّدَ مِنهُما وفي بَعْضِ رِواياتِ أهْلِ السُّنَّةِ ما يُعَكِّرُ عَلى تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ بِبَنِي أُمَيَّةَ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عُدَيِّ بْنِ أبِي حاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَّبَ العِبادَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرُ عِبادِهِ العَرَبَ وقَلَّبَ العَرَبَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرُ العَرَبِ قُرَيْشًا وهي الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ( مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ )» لِأنَّ بَنِي أُمَيَّةَ مِن قُرَيْشٍ وأخْبارُ الطّائِفَتَيْنِ في هَذا البابِ رَكِيكَةٌ وأحْوالُ بَنِي أُمَيَّةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ بِها ما يَسْتَحِقُّونَ غَيْرُ خَفِيَّةٍ عِنْدَ المُوافِقِ والمُخالِفِ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ أنَّها الحَنْظَلُ وإطْلاقُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ لِلْمُشاكَلَةِ وإلّا فَهو نَجْمٌ لا شَجَرٌ وكَذا يُقالُ في إطْلاقِهِ عَلى الكَشُوثِ ونَحْوِهِ.

ولِلْإمامِ الرّازِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ كَلامٌ في هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لا بَأْسَ بِذِكْرِهِ مُلَخَّصًا وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في المَثَلِ الأوَّلِ شَجَرَةً مَوْصُوفَةً بِأرْبَعِ صِفاتٍ ثُمَّ شَبَّهَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِها.

الصِّفَةُ الأُولى كَوْنُها ﴿ طَيِّبَةً ﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ كَوْنَها طَيِّبَةَ المَنظَرِ وكَوْنَها طَيِّبَةَ الرّائِحَةِ وكَوْنَها طَيِّبَةَ الثَّمَرَةِ بِمَعْنى كَوْنِها لَذِيذَةً مُسْتَطابَةً وكَوْنِها طَيِّبَةَ الثَّمَرَةِ بِمَعْنى كَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها ويُحِبُّ إرادَةُ الجَمِيعِ إذْ بِهِ يَحْصُلُ كَمالُ الطَّيِّبِ.

والثّانِيَةُ كَوْنُ ﴿ أصْلُها ثابِتٌ ﴾ وهو صِفَةُ كَمالٍ لَها لِأنَّ الشَّيْءَ الطَّيِّبَ إذا كانَ في مَعْرِضِ الزَّوالِ فَهو وإنْ كانَ يَحْصُلُ الفَرَحُ بِوُجْدانِهِ إلّا أنَّهُ يَعْظُمُ الحُزْنُ بِالخَوْفِ مِن زَوالِهِ وأمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَعْظُمُ السُّرُورُ بِهِ مِن غَيْرِ ما يُنَغَّصُ ذَلِكَ.

والثّالِثَةُ كَوْنُ ( فَرْعُها في السَّماءِ ) وهو أيْضًا صِفَةُ كَمالٍ لَها لِأنَّها مَتى كانَتْ مُرْتَفِعَةً كانَتْ بَعِيدَةً عَنْ عُفُونَةِ الأرْضِ وقاذُوراتِ الأبْنِيَةِ فَكانَتْ ثَمَرَتُها نَقِيَّةً خالِصَةً عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ.

والرّابِعَةُ كَوْنُها دائِمَةَ الثَّمَرِ لا أنَّ ثَمَرَها حاضِرٌ في بَعْضِ الأوْقاتِ دُونَ بَعْضٍ وهو صِفَةُ كَمالٍ أيْضًا إذِ الِانْتِفاعُ بِها غَيْرُ مُنْقَطِعٍ حِينَئِذٍ.

ثُمَّ إنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَظِيمَةً وأنَّ العاقِلَ مَتى أمْكَنَهُ تَحْصِيلُها يَنْبَغِي أنْ يَقُومَ لَهُ عَلى ساقٍ ولا يَتَساهَلَ عَنْهُ والمُرادُ مِنَ الكَلِمَةِ المُشَبَّهَةِ بِذَلِكَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقُ في مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ وطاعَتِهِ وشِبْهُ ذَلِكَ لِلشَّجَرَةِ في صِفاتِها الأرْبَعَةِ أمّا في الأُولى فَظاهِرٌ بَلْ لا لَذَّةَ ولا طِيبَ في الحَقِيقَةِ إلّا لِهَذِهِ المَعْرِفَةِ لِأنَّها مُلائِمَةٌ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ والرُّوحِ القُدُسِيَّةِ ولا كَذَلِكَ لَذَّةُ الفَواكِهِ إذْ هي أمْرٌ مُلائِمٌ لِمِزاجِ البَدَنِ ومَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ ظَهَرَ لَهُ فُرُوقٌ لا تُحْصى بَيْنَ اللَّذَّتَيْنِ وأمّا في الصِّفَةِ الثّانِيَةِ فَثُبُوتُ الأصْلِ في شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أقْوى وأكْمَلُ لِأنَّ عُرُوقَها راسِخَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ وهو جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ آمِنٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ بَعِيدٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ وأيْضًا مَدَدُ هَذا الرُّسُوخِ إنَّما هو مِن تَجَلِّي جَلالِ اللَّهِ وهو مِن لَوازِمَ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ نُورَ النُّورِ ومَبْدَأ الظُّهُورِ وذَلِكَ مِمّا يَمْتَنِعُ عَقْلًا زَوالُهُ وأمّا في الصِّفَةِ الثّالِثَةِ فَلِأنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ لَها أغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الإلَهِيِّ وأغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والنَّوْعُ الأوَّلُ أقْسامُهُ كَثِيرَةٌ يَجْمَعُها قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ويَدْخُلُ فِيهِ التَّأمُّلُ في دَلائِلِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ كَأحْوالِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وكَذا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى والتَّشَوُّقُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والمُواظَبَةُ عَلى ذِكْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ وقِطَعُ النَّظَرِ عَمّا سِواهُ جَلَّ وعَلا إلى غَيْرِ ذَلِكَ والنَّوْعُ الثّانِي أقْسامُهُ كَذَلِكَ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى ويَدْخُلُ فِيهِ الرَّأْفَةُ والرَّحْمَةُ والصَّفْحُ والتَّجاوُزُ عَنِ الإساءَةِ والسَّعْيُ في إيصالِ الخَيْرِ إلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهم ومُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ إلى ما لا يُحْصى وهي فُرُوعٌ مِن شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ فَإنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ مُتَوَغِّلًا فِيها كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ عِنْدَهُ أكْمَلَ وأقْوى وأمّا في الصِّفَةِ الرّابِعَةِ فَلِأنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ مُوجِبَةٌ لِما عَلِمْتَ مِنَ الأحْوالِ ومُؤَثِّرَةٌ في حُصُولِها والمُسَبِّبُ لا يَنْفَكُّ عَنِ السَّبَبِ فَدَوامُ أُكُلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أتَمُّ مِن دَوامٍ أُكُلِ الشَّجَرَةِ المَنعُوتَةِ فَهي أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ رُبَّما تَوَغَّلَ العَبْدُ في المَعْرِفَةِ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ كَلَّما لاحَظَ شَيْئًا لاحَظَ الحَقَّ فِيهِ ورُبَّما عَظُمَ تَرَقِّيهِ فَيَصِيرُ لا يَرى شَيْئًا إلّا يَرى اللَّهَ تَعالى قَبْلَهُ وأيْضًا قَدْ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ إلْهاماتٌ نَفْسانِيَّةٌ ومَلَكاتٌ رُوحانِيَّةٌ ثُمَّ لا يَزالُ يَصْعَدُ مِنها في كُلِّ حِينٍ ولَحْظَةٍ كَلامٌ طَيِّبٌ وعَمَلٌ صالِحٌ وخُضُوعٌ وخُشُوعٌ وبُكاءٌ وتَذَلُّلٌ كَثَمَرَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِإذْنِ رَبِّها ﴾ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ السَّنِيَّةِ والدَّرَجاتِ العَلِيَّةِ قَدْ يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ هي هي وقَدْ يَتَرَقّى فَلا يَفْرَحُ بِها كَذَلِكَ وإنَّما يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ أنَّها مِنَ المَوْلى جَلَّ جَلالُهُ وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فَرَحُهُ في الحَقِيقَةِ بِالمَوْلى تَبارَكَ وتَعالى ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ وقَفَ بِالسّاحِلِ ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم في هَذا المِثالِ كَلامًا لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وهو أنَّهُ إنَّما مَثَّلَ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِالشَّجَرَةِ لِأنَّ الشَّجَرَةَ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى شَجَرَةً إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: عِرْقٌ راسِخٌ وأصْلٌ قائِمٌ وأغْصانٌ عالِيَةٌ فَكَذَلِكَ الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَةٌ في القَلْبِ وقَوْلٌ بِاللِّسانِ وعَمَلٌ بِالأرْكانِ ولَمْ يَرْتَضِ قُدِّسَ سِرُّهُ تَفْسِيرَ الشَّجَرَةِ بِالنَّخْلَةِ ولا الحِينِ بِما شاعَ فَقالَ: بَعْدَ نَقْلِ كَلامِ جَماعَةٍ إنَّ هَؤُلاءِ وإنْ أصابُوا في البَحْثِ عَنْ مُفْرَداتِ ألْفاظِ الآيَةِ إلّا أنَّهم بَعُدُوا عَنِ إدْراكِ المَقْصُودِ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ شَجَرَةً بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ ولا حاجَةَ بِنا إلى أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هي النَّخْلَةُ أمْ غَيْرُها فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الشَّجَرَةَ الكَذائِيَّةَ يَسْعى في تَحْصِيلِها وادِّخارِها لِنَفْسِهِ كُلُّ عاقِلٍ سَواءٌ كانَ لَها وُجُودٌ في الدُّنْيا أوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ أمْرٌ مَطْلُوبُ التَّحْصِيلِ واخْتِلافُهم في تَفْسِيرِ الحِينِ أيْضًا مِن هَذا البابِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى في المَثَلِ الثّانِي شَجَرَةً أيْضًا إلّا أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِثَلاثِ صِفاتٍ.

الصِّفَةُ الأُولى كَوْنُها ﴿ خَبِيثَةٍ ﴾ وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الرّائِحَةِ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الطَّعْمِ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الصُّورَةِ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اشْتِمالِها عَلى المَضارِّ الكَثِيرَةِ ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّها شَجَرَةُ كَذا أوْ كَذا فَإنَّ الشَّجَرَةَ الجامِعَةَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً إلّا أنَّها إذا كانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ كانَ التَّشْبِيهُ بِها نافِعًا في المَطْلُوبِ.

والثّانِيَةُ ( اجْتِثاثُها مِن فَوْقِ الأرْضِ ) وهَذِهِ في مُقابَلَةِ ﴿ أصْلُها ثابِتٌ ﴾ في الأوَّلِ.

والثّالِثَةُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَها قَرارٌ وهَذِهِ كالمُتَمِّمَةِ لِلصِّفَةِ الثّانِيَةِ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ المُشَبَّهَةِ بِذَلِكَ الجَهْلُ بِاللَّهِ تَعالى والإشْراكُ بِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ أوَّلُ الآفاتِ وعُنْوانُ المُخافاتِ ورَأْسُ الشَّقاواتِ فَخُبْثُهُ أظَهَرُ مِن أنْ يَخْفى ولَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ ولا ثَباتٌ ولا قُوَّةٌ بَلْ هو داحِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ.

اهَـ.

وهو كَلامٌ حَسَنٌ لَكِنْ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِظَواهِرِ كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ يعني: كلمة الشرك كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ وهي الحنظلة ليس لها حلاوة ولا رائحة طيبة، فكذلك الشرك بالله خبيث.

ثم وصف الشجرة فقال: اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أي: اقتلعت من فوق الأرض مَا لَها مِنْ قَرارٍ يعني: ليس لها أصل، تجيء بها الريح، وتذهب.

فكذلك الكفر ليس له أصل، ولا حجة في الأرض، ولا في السماء.

ثم قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ بلا إله إلا الله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: يثّبتهم على ذلك القول عند النزع وَفِي الْآخِرَةِ يعني: في القبر.

وقال البراء بن عازب: «نزلت الآية في عذاب القبر: يسأل من ربك؟

ومن نبيك؟

وما دينك؟

يعني: إذا أجاب فقد ثبّته الله تعالى» .

وقال الضحاك: إذا وضع المؤمن في قبره وانصرف عنه الناس، دخل عليه ملكان، فيجلسانه ويسألانه: من ربك؟

ومن نبيك؟

وما دينك؟

وما كتابك؟

وما قبلتك؟

فيثبّته الله في القبر، كما يثبته في الحياة الدنيا بالإقرار بالله تعالى وكتبه ورسله.

وروى ابن طاوس عن أبيه أنه قال: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: قول لا إله إلا الله، يثّبتهم عليها في الدنيا، وَفِي الْآخِرَةِ عند المسألة في القبر.

وهكذا قال قتادة.

وقال الربيع بن أنس فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: في القبر وَفِي الْآخِرَةِ يعني: يوم الحساب.

ويقال: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ يعني: يموت مع الإيمان، ويبعث على الإيمان يوم القيامة.

ثم قال: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ يعني: يضلهم عن الحجة، فلا يقولونها في القبر.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «إذا دخل الكافر والمنافق قبره.

قالا له: من ربك؟

وما دينك؟

ومن نبيك؟

فيقول: لا أدري، فيقولان له: لا دريت ويضربانه بمرزبة، فيصيح صيحة يسمعها ما بين الخافقين، إلا الجن والإنس» (١) (١) حديث أنس: أخرجه البخاري (1338) (1374) ومسلم (2870) (71) والنسائي: 4/ 98 وأحمد: 3/ 126.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَلا تَلُومُونِي: يريد: بزعمه إِذ لا ذَنْبَ لي، وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ، أي:

في سوء نَظَركم في اتباعي، وقلَّةِ تثبُّتكم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ: «المُصْرِخُ» : المغيث، والصَّارِخُ: المستغيث، وأما الصَّريخ، فهو مصدَرٌ بمنزلة البَريح، وقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ: «ما» مصدريةٌ، وكأنه يقول: إِني الآن كافرٌ بإِشراككم إِيَّايَ مع اللَّه قَبْلَ هذا الوَقْتِ، فهذا تَبَرٍّ منه، وقد قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤] .

وقوله عزَّ وجلَّ: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ: «الإِذن» هنا: عبارةٌ عن القضاء والإمضاء.

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً: أَلَمْ تَرَ: بمعنى: ألم تعلَمْ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمة الطَّيِّبة: هي لا إله إِلا اللَّه «١» ، مَثَّلها اللَّه سبحانه بالشَّجَرة الطَّيِّبة، وهي النَّخْلة في قول أكثر المتأوِّلين، فكأنَّ هذه الكلمة أصلها ثابتٌ في قلوبِ المؤمنين، وفَضْلُها وما يَصْدُرُ عنها من الأفعال الزكيَّة وأنواعِ الحسناتِ هو فَرْعُها يَصْعُد إِلى السماء مِنْ قِبَلِ العبدِ، والحِين: القطعةُ من الزمان غيرُ مَحْدُودةٍ كقوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص: ٨٨] ، وقد تقتضي لفظة «الحِينِ» بقرينتها تحديداً كهذه الآية، و «الكلمةُ الخبيثةُ» : هي كلمة الكفر، وما قاربها مِنْ كلامِ السوءِ في الظلمِ ونحوه، و «الشجرة الخبيثة» : قال أكثر المفسِّرين: هي شجرة الحنظل ورواه أنس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» وهذا عندي عَلَى جهة المَثَلِ، «اجتثت» : أي: اقتلعت جثتها بنزع الأصولِ، وبقيَتْ في غاية الوهَنِ والضَّعْفِ، فتقلبها أقلُّ ريحٍ، فالكافر يَرَى أنَّ بيده شيئاً، وهو لا يستقرُّ ولا يُغْنِي عنه كهذه الشجرة الذي يُظَنُّ بها عَلَى بُعْدِ أو للجَهْلِ بها أنها شيءٌ نافع، وهي خبيثة الجني غير باقية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الشِّرْكُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الحَنْظَلَةُ، رَواهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  ، وبِهِ قالَ أنَسٌ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها الكافِرُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى العَوْفِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكافِرُ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ، ولا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الأرْضِ ثابِتٌ، ولا فَرْعٌ في السَّماءِ.

والثّالِثُ: أنَّها الكَشُوثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ولَيْسَتْ بِشَجَرَةٍ مَخْلُوقَةٍ، رَواهُ أبُو ظِبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّها الثُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْتُثَّتْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اسْتُؤْصِلَتْ وقُطِعَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى اجْتَثَثْتُ الشَّيْءَ في اللُّغَةِ: أخَذْتُ جُثَّتَهُ بِكَمالِها.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما لَها مِن أصْلٍ، لَمْ تَضْرِبْ في الأرْضِ عِرْقًا.

والثّانِي: ما لَها مِن ثَباتٍ.

وَمَعْنى تَشْبِيهِ الكافِرِ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ أنَّهُ لا يَصْعَدُ لِلْكافِرِ عَمَلٌ صالِحٌ، ولا قَوْلٌ طَيِّبٌ، ولا لِقَوْلِهِ أصْلٌ ثابِتٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةً أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَماءِ ﴾ ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ بِمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمْ، و"مَثَلًا" مَفْعُولٌ لِـ "ضَرَبَ"، و"كَلِمَةً" مَفْعُولٌ أوَّلٌ بِها، و"ضَرَبَ" هَذِهِ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها بِمَنزِلَةِ "جَعَلَ" ونَحْوِهِ، إذْ مَعْناها، جَعَلَ ضَرْبَها، وقالَ المَهْدَوِيُّ: "مَثَلًا" مَفْعُولٌ، و"كَلِمَةً" بَدَلٌ مِنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإنَّما أوهَمَ في هَذا قِلَّةُ التَحْرِيرِ في "ضَرَبَ" هَذِهِ.

والكافُ في قَوْلِهِ: "كَشَجَرَةٍ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُشَبَّهَةٌ بِشَجَرَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: الكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ هي "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، مَثَّلَها اللهُ بِالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ وهي النَخْلَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أصْلُها ثابِتٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وفَضْلُها وما يَصْدُرُ عنها مِنَ الأفْعالِ الزَكِيَّةِ والخَبِيثَةِ وما يَتَحَصَّلُ عَلَيْها مِن عَفْوِ اللهِ ورَحْمَتِهِ هو فَرْعُها يَصْعَدُ إلى السَماءِ مِن قِبَلِ العَبْدِ، ويَتَنَزَّلُ مِنها قِبَلَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "ثابِتٌ أصْلُها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَثَّلَ اللهُ بِالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ المُؤْمِنَ نَفْسَهُ، إذِ الكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ لا تَقَعُ إلّا مِنهُ، فَكَأنَّ الكَلامَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ وقائِلُها، وكَأنَّ المُؤْمِنَ ثابِتٌ في الأرْضِ، وأفْعالُهُ وأقْوالُهُ صاعِدَةٌ، فَهو كَشَجَرَةٍ فَرْعُها في السَماءِ، وما يَكُونُ أبَدًا مِنَ المُؤْمِنِ مِنَ الطاعَةِ أو عَلى الكَلِمَةِ مِنَ الفَضْلِ والأجْرِ والغُفْرانِ هو بِمَثابَةِ الأكْلِ الَّذِي تَأْتِي بِهِ كُلَّ حِينٍ، وقَوْلُهُ عَنِ الشَجَرَةِ: ﴿ وَفَرْعُها في السَماءِ ﴾ أيْ: في الهَواءِ نَحْوَ السَماءِ، وهَذا كَما تَقُولُ عَنِ المُسْتَطِيلِ: نَحْوَ الهَواءِ، وفي الحَدِيثِ: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ طُولُهُ في السَماءِ سِتُّونَ ذِراعًا"، والقَيْدُودَةُ: الطَوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ انْقادَ وامْتَدَّ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: الشَجَرَةُ الطَيِّبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: النَخْلَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ فِي أحادِيثَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَجَرَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ إلّا أنَّها كُلُّ ما اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ فَيَدْخُلُ فِيهِ النَخْلَةُ وغَيْرُها، وقَدْ شَبَّهَ الرَسُولَ عَلَيْهِ السَلامُ المُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ بِالأُتْرُجَّةِ، فَلا يَتَعَذَّرُ أيْضًا أنْ يُشَبِّهَ بِشَجَرَتِها، و"الأُكُلُ": الثَمَرُ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ "أُكُلَها" بِضَمِّ الكافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ ، الحِينُ في اللُغَةِ: القَطِيعُ مِنَ الزَمانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ  ﴾ ، وَقَدْ تَقْتَضِي لَفْظَةُ "الحِينِ" بِقَرِينَتِها تَحْدِيدًا كَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ، قالُوا: مَن حَلَفَ ألّا يَفْعَلَ شَيْئًا حِينًا فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ سَنَةً، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ﴾ أيْ: كُلَّ سَنَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: أيْ كُلَّ سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: الحِينُ: شَهْرانِ، لِأنَّ النَخْلَةَ تَدُومُ مُثْمِرَةً شَهْرَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ أيْ: كُلَّ غَدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ ومَتى أُرِيدَ جَناها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَكَذا يُشْبِهُها المُؤْمِنُ الَّذِي هو في جَمِيعِ أيّامِهِ في عَمَلٍ، والكَلِمَةُ الَّتِي أخْرَجَها والصادِرُ عنها مِنَ الأعْمالِ مُسْتَمِرٌّ، فَيُشْبِهُ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما شَبَّهَ المُؤْمِنَ أوِ الكَلِمَةَ بِالشَجَرَةِ في حالِ إثْمارِها، إذْ تِلْكَ أفْضَلُ أحْوالِها، وتَأوَّلَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ أنَّ أُكُلَ الطَلْعِ في الشِتاءِ، وأنَّ أُكُلَ الثَمَرِ في كُلِّ وقْتٍ مِن أوقاتِ العامِ وهو إتْيانُ أُكُلٍ وإنَّ فارَقَ النَخْلَ، وإنْ فَرَضْنا التَشْبِيهَ بِها عَلى الإطْلاقِ وهي إنَّما تُؤْتِي في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ فالمَعْنى: كَشَجَرَةٍ لا تَخْلُ بِما جُعِلَتْ لَهُ مِنَ الإتْيانِ بِالأُكُلِ في الأوقاتِ المَعْلُومَةِ، فَكَذَلِكَ هو المُؤْمِنُ لا يَخْلُ بِما يُسِرُّ لَهُ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، أوِ الكَلِمَةِ الَّتِي لا تَغِيبُ بَرَكَتُها والأعْمالُ الصادِرَةُ عنها، بَلْ هي في حِفْظِ النِظامِ كالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ في حِفْظِ وقْتِها المَعْلُومِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ومِن قالَ: "الحِينُ سَنَةٌ" راعى أنَّ ثَمَرَ النَخْلَةِ وجَناها إنَّما يَأْتِي كُلَّ سَنَةٍ، ومَن قالَ: "سِتَّةُ أشْهُرٍ" راعى مِن وقْتِ جَدادِ النَخْلَةِ إلى حَمْلِها مِنَ الوَقْتِ المُقْبِلِ، وقِيلَ: إنَّ التَشْبِيهَ وقَعَ بِالنَخْلِ الَّذِي يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ في العامِ، ومَن قالَ: "شَهْرَيْنِ" قالَ: هي مُدَّةُ الجَنْيِ في النَخْلِ، وكُلُّهم أفْتى بِقَوْلِهِ في الإتْيانِ عَلى الحِينِ.

وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً"، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ هي كَلِمَةُ الكُفْرِ وما قارَبَها مِن كَلامِ السُوءِ في الظُلْمِ وَنَحْوِهِ، و"كالشَجَرَةِ خَبِيثَة "، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هي شَجَرَةُ الحَنْظَلِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَواهُ عَنِ النَبِيِّ  ، وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ المِثالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي الثَوْمُ، وقالَ الزَجّاجُ: هي الكَشُوثا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِنَ النَجْمِ، ولَيْسَتْ مِنَ الشَجَرِ، واللهُ تَعالى إنَّما مَثَّلَ بِالشَجَرَةِ، فَلا تُسَمّى هَذِهِ شَجَرَةً إلّا بِتَجَوُّزٍ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الثَوْمِ والبَصَلِ: « "مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَجَرَةِ"،» وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ كُلَّها ضَعِيفَةٌ وإنْ لَمْ تَخْبُثِ، اللهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: اجْتُثَّتْ بِالخِلْقَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ولَمْ يَخْلُقْ هَذِهِ الشَجَرَةَ عَلى وجْهِ الأرْضِ".

والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ إذا وُجِدَتْ فِيها هَذِهِ الأوصافِ، فالخُبْثُ هو أنْ تَكُونَ كالعِضاةِ، أو كَشَجَرَةِ السَمُومِ ونَحْوِها إذا اجْتُثَّتْ، أيِ اقْتُلِعَتْ جُثَّتُها بِنَزْعِ الأُصُولِ، وبَقِيَتْ في غايَةِ الوَهْنِ والضَعْفِ فَتَقْلِبُها أقَلُّ رِيحٍ.، فالكافِرُ يَرى أنَّ بِيَدِهِ شَيْئًا، وهو لا يَسْتَقِرُّ ولا يُغْنِي عنهُ، كَهَذِهِ الشَجَرَةِ الَّتِي يَظُنُّ بِها عَلى بُعْدٍ -أو لِلْجَهْلِ بِها- أنَّها شَيْءٌ نافِعٌ، وهي خَبِيثَةُ الجَنى غَيْرُ باقِيَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي اقتضته مناسبة ما حكي عن أحوال أهل الضلالة وأحوال أهل الهداية ابتداء من قوله تعالى: ﴿ وبرزوا لله جميعاً إلى قوله تحيتهم فيها سلام ﴾ ، فضرب الله مثلاً لكلمة الإيمان وكلمة الشرك.

فقوله: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً إيقاظ للذهن ليترقب ما يرد بعد هذا الكلام، وذلك مثل قولهم: ألم تعلم.

ولم يكن هذا المثَل مما سبق ضربه قبل نزول الآية بل الآية هي التي جاءت به، فالكلام تشويق إلى علم هذا المثل.

وصوغ التشويق إليه في صيغة الزمن الماضي الدال عليها حرف لَمْ ﴾ التي هي لنفي الفعل في الزمن الماضي والدالّ عليها فعل ﴿ ضرب ﴾ بصيغة الماضي لقصد الزيادة في التشويق لمعرفة هذا المثل وما مثل به.

والاستفهام في ﴿ ألم تر ﴾ إنكاري، نُزل المخاطب منزلة من لم يعلم فأنكر عليه عدم العلم، أو هو مستعمل في التعجيب من عدم العلم بذلك مع أنه مما تتوفر الدواعي على علمه، أو هو للتقرير، ومثله في التقرير كثير، وهو كناية عن التحريض على العلم بذلك.

والخطاب لكل من يصلح للخطاب.

والرؤية علمية معلّق فعلها عن العمل بما وليها من الاستفهام ب ﴿ كيف ﴾ .

وإيثار ﴿ كيف ﴾ هنا للدلالة على أن حالة ضرب هذا المثل ذات كيفية عجيبة من بلاغته وانطباقه.

وتقدم المثَل في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ في سورة البقرة (17).

وضَرْب المثل: نَظْم تركيبه الدال على تشبيه الحالة.

وتقدم عند قوله: ﴿ أن يضرب مثلاً ما ﴾ في سورة البقرة (26).

وإسناد ضرب} إلى اسم الجلالة لأن الله أوحى به إلى رسوله عليه الصلاة والسلام.

والمثَل لما كان معنى متضمناً عدة أشياء صح الاقتصار في تعليق فعل ﴿ ضرب ﴾ به على وجه إجمال يفسره قوله: ﴿ كلمة طيبة كشجرة ﴾ إلى آخره، فانتصب ﴿ كلمة ﴾ على البدلية من ﴿ مثلاً ﴾ بدلَ مفصّل من مجمل، لأن المثل يتعلق بها لما تدل عليه الإضافة في نظيره في قوله: ﴿ ومثل كلمة خبيثة ﴾ .

والكلمة الطيبة قيل: هي كلمة الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك.

والطيبة: النافعة.

استعير الطيب للنفع لحُسن وقعه في النفوس كوقع الروائح الذكية.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وجرين بهم بريح طيبة ﴾ في سورة يونس (22).

والفَرع: ما امتد من الشيء وعَلا، مشتق من الافتراع وهو الاعتلاء.

وفرع الشجرة غصنها، وأصل الشجرة: جذرها.

والسماء مستعمل في الارتفاع، وذلك مما يزيد الشجرة بهجة وحسن منظر.

والأُكْل بضم الهمزة المأكول، وإضافته إلى ضمير الشجرة على معنى اللام.

وتقدم عند قوله: ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ في سورة الرعد (4).

فالمشبّه هو الهيئة الحاصلة من البهجة في الحس والفرح في النفس، وازدياد أصول النفع باكتساب المنافع المتتالية بهيئة رُسوخ الأصل، وجمال المنظر، ونماء أغصان الأشجار.

ووفرة الثِمار، ومتعة أكلها.

وكل جزء من أجزاء إحدى الهيئتين يقابله الجزء الآخر من الهيئة الأخرى، وذلك أكمل أحوال التمثيل أن يكون قابلاً لجمع التشبيه وتفريقه.

وكذلك القول في تمثيل حال الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة على الضد بجميع الصفات الماضية من اضطراب الاعتقاد، وضيق الصدر، وكدر التفكير، والضر المتعاقب.

وقد اختصر فيها التمثيل اختصاراً اكتفاءً بالمضاد، فانتفت عنها سائر المنافع للكلمة الطيبة.

وفي جامع الترمذي } عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» قال: هي النخلة، ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ قال: هي الحَنْظَل.

وجملة ﴿ اجتثت من فوق الأرض ﴾ صفة ل ﴿ شجرة خبيثة ﴾ لأن الناس لا يتركونها تلتف على الأشجار فتقتلها.

والاجتثاث: قطع الشيء كلّه، مشتق من الجُثة وهي الذات.

و ﴿ من فوق الأرض ﴾ تصوير ل ﴿ اجتثت ﴾ .

وهذا مقابل قوله في صفة الشجرة الطيبة وجملة ما لها من قرار} تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن الاجتثاث من انعدام القرار.

والأظهر أن المراد بالكلمة الطيّبة القرآن وإرشاده، وبالكلمة الخبيثة تعاليم أهل الشرك وعقائدهم، ف (الكلمة) في الموضعين مطلقة على القول والكلام، كما دل عليه قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ .

والمقصود مَعَ التمثيل إظهارُ المقابلة بين الحالين إلا أن الغرض في هذا المقام بتمثيل كل حالة على حدة بخلاف ما يأتي عند قوله تعالى في سورة النحل وجملة ويضرب الله الأمثال للناس} معترضة بين الجملتين المتعاطفتين.

والواو واو الاعتراض.

ومعنى (لعل) رجاء تذكرهم، أي تهيئة التذكر لهم، وقد مضت نظائرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ في الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإيمانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِها المُؤْمِنَ نَفْسَهُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَفي الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّخْلَةُ، ورَوى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ  عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ.

الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَحَكى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ: الإيمانُ، والشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ: المُؤْمِنُ.

﴿ أصْلُها ثابِتٌ ﴾ يَعْنِي في الأرْضِ.

﴿ وَفَرْعُها في السَّماءِ ﴾ أيْ نَحْوَ السَّماءِ.

﴿ تُؤْتِي أُكُلَها ﴾ يَعْنِي ثَمَرَها.

﴿ كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ﴾ والحِينُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الوَقْتُ.

قالَ النّابِغَةُ: تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها تُطَلِّقُهُ حِينًا وحِينًا تُراجِعُ وَفِي الحِينِ ها هُنا سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كُلَّ سَنَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ لِأنَّها تَحْمِلُ كُلَّ سَنَةٍ.

الثّانِي: كُلَّ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّها مُدَّةُ الحَمْلِ ظاهِرًا وباطِنًا.

الثّالِثُ: كُلَّ سِتَّةِ أشْهُرٍ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ لِأنَّها مُدَّةُ الحَمْلِ ظاهِرًا.

الرّابِعُ: كُلَّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ لِأنَّها مُدَّةٌ يَرَوْنَها مِن طَلْعِها إلى جُذاذِها.

الخامِسُ: كُلَّ شَهْرَيْنِ؛ لِأنَّها مُدَّةُ صَلاحِها إلى جَفافِها.

السّادِسُ: كُلَّ غَدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِنائِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الدُّنْيا زَمانُ حَياتِهِ فِيها، وبِالآخِرَةِ المُساءَلَةُ في القَبْرِ، قالَهُ طاوُسٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الدُّنْيا المُساءَلَةُ في القَبْرِ أنْ يَأْتِيَهُ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ وما دِينُكَ ومَن نَبِيُّكَ؟

فَيَقُولُ -إنِ اهْتَدى: رَبِّيَ اللَّهُ ودِينِيَ الإسْلامُ ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ  .

﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ حُجَّتِهِمْ في قُبُورِهِمْ، كَما ضَلُّوا في الحَياةِ الدُّنْيا بِكُفْرِهِمْ.

الثّانِي: يُمْهِلُهم حَتّى يَزْدادُوا ضَلالًا في الدُّنْيا.

﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن إمْهالٍ وانْتِقامٍ.

الثّانِي: مِن ضَغْطَةِ القَبْرِ ومُساءَلَةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ.

وَرَوى ابْنُ إسْحاقَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (لَوْ نَجا أحَدٌ مِن ضَمَّةِ القَبْرِ لَنَجا مِنهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، ولَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً)» .

وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عَذابَ القَبْرِ مِن ثَلاثَةٍ: ثُلُثٌ مِنَ البَوْلِ.

وَثُلُثٌ مِنَ الغِيبَةِ، وثُلُثٌ مِنَ النَّمِيمَةِ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «لَمّا وصَفَ مُساءَلَةَ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ وما يَكُونُ مِن جَوابِ المَيِّتِ قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيَكُونُ مَعِي عَقْلِي؟

قالَ: (نَعَمْ) قالَ.

كُفِيتُ إذَنْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الكُفْرُ.

الثّانِي: أنَّها الكافِرُ نَفْسُهُ.

﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ لَمْ تُخَلِّفْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّها الكُشُوتُ.

﴿ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ﴾ أيِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: هو الجَلاءُ الَّذِي يَجْتَثُّ أصْلَكُمُ ∗∗∗ فَمَن رَأى مِثْلَ ذا يَوْمًا ومَن سَمِعا ﴿ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما لَها مِن أصْلٍ.

الثّانِي: ما لَها مِن ثَباتٍ.

وَتَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي لَيْسَ لَها أصْلٌ يَبْقى ولا ثَمَرَ يُجْتَنى أنَّ الكافِرَ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ في الأرْضِ يَبْقى ولا ذِكْرٌ في السَّماءِ يَرْقى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة ﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو المؤمن ﴿ أصلها ثابت ﴾ يقول: لا إله إلا الله ﴿ ثابت ﴾ في قول المؤمن ﴿ وفرعها في السماء ﴾ يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء ﴿ ومثل كلمة خبيثة ﴾ وهي الشرك ﴿ كشجرة خبيثة ﴾ وهي الكافر ﴿ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر، ولا برهان له ولا يقبل الله مع الشرك عملاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً...

﴾ الآية.

قال: يعني بالشجرة الطيبة، المؤمن.

ويعني بالأصل الثابت في الأرض وبالفرع في السماء، يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم، فيبلغ عمله وقوله السماء وهو في الأرض ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ يقول: يذكر الله كل ساعة من الليل والنهار.

وفي قوله: ﴿ ومثل كلمة خبيثة ﴾ قال: ضرب الله مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر، يقول: إن الشجرة الخبيثة ﴿ اجتثت ﴾ من فوق الأرض ﴿ ما لها من قرار ﴾ يعني أن الكافر لا يقبل عمله ولا يصعد إلى الله تعالى، فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء، يقول: ليس له عمل صالح في الدنيا ولا في الآخرة.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ﴾ في الأرض، وكذلك كان يقرؤها.

قال: ذلك المؤمن ضرب مثله.

قال: الاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ﴿ أصلها ثابت ﴾ قال: أصل عمله ثابت في الأرض ﴿ وفرعها في السماء ﴾ قال: ذكره في السماء ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: يصعد عمله أوّل النهار وآخره ﴿ ومثل كلمة خبيثة ﴾ قال: هذا الكافر، ليس له عمل في الأرض ولا ذكر في السماء ﴿ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ قال: أعمالهم يحملون أوزارهم على ظهورهم.

وأخرج ابن جرير، عن عطية العوفي في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة ﴾ قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إليه ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ﴾ قال: ذلك مثل الكافر، لا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ كشجرة طيبة...

﴾ إلى قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: تجتمع ثمرتها كل حين.

وهذا مثل المؤمن، يعمل كل حين وكل ساعة من النهار وكل ساعة من الليل، وفي الشتاء وفي الصيف بطاعة الله.

قال: وضرب الله مثل الكافر ﴿ كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليست لها ثمرة وليست فيها منفعة.

كذلك الكافر، ليس يعمل خيراً ولا يقوله، ولم يجعل الله تعالى فيه بركة ولا منفعة له.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: إن الله جعل طاعته نوراً، ومعصيته ظلمة.

إن الإِيمان في الدنيا هو النور يوم القيامة، ثم إنه لا خير في قول ولا عمل ليس له أصل ولا فرع، وإنه قد ضرب مثل الإِيمان فقال: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة...

﴾ إلى قوله: ﴿ وفرعها في السماء ﴾ وإنما هي الأمثال في الإِيمان والكفر.

فذكر أن العبد المؤمن المخلص، هو الشجرة.

إنما ثبت أصله في الأرض وبلغ فرعه في السماء.

إن الأصل الثابت، الاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، ثم إن الفرع، هي الحسنة.

ثم يصعد عمله أول النهار وآخره، فهي ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ ثم هي أربعة أعمال إذا جمعها العبد: الاخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وخشيته وحبه وذكره.

إذا جمع ذلك فلا تضره الفتن.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه أن رجلاً قال: «يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور.

فقال: أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركب بعضها إلى بعض، أكان يبلغ السماء؟...

أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟

تقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله عشر مرات في دبر كل صلاة.

فذلك أصله في الأرض وفرعه في السماء» .

وأخرج الترمذي النسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من بسر، فقال: « ﴿ مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة...

﴾ حتى بلغ ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ قال: هي النخلة ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة...

﴾ حتى بلغ ﴿ ما لها من قرار ﴾ قال: هي الحنظلة» .

وأخرج عبد الرزاق والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والرامهرمزي في الأمثال، عن شعيب بن الحجاب رضي الله عنه قال: كنا عند أنس فأتينا بطبق عليه رطب، فقال أنس رضي الله عنه لأبي العالية رضي الله عنه كل يا أبا العالية، فإن هذا من الشجرة التي ذكر الله في كتابه ﴿ ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة ثابت أصلها ﴾ قال: هكذا قرأها يومئذ أنس.

قال الترمذي- رضي الله عنه-: هذا الموقوف أصح.

وأخرج أحمد وابن مردويه بسند جيد، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: «هي التي لا ينقص ورقها.

هي النخلة» .

وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبروني بشجرة مثل الرجل المسلم، لا يتحات ورقها ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» قال عبد الله- رضي الله عنه-: فوقع في نفسي أنها النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم.

وثم أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- فلما لم يتكلما بشيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون أي شجرة هذه؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هي النخلة.

قال عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- فقلت: والذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد وقع في نفسي أنها النخلة، ولكني كنت أصغر القوم، لم أحب أن أتكلم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل تدرون ما الشجرة الطيبة؟

قال ابن عمر- رضي الله عنهما-: فأردت أن أقول هي النخلة، فمنعني مكان عمر.

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي النخلة.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي النخلة ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: بكرة وعشية.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي النخلة.

وقوله: ﴿ كشجرة خبيثة ﴾ قال: هي الحنظلة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والرامهرمزي، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي النخلة، لا يزال فيها شيء ينتفع به، إما ثمرة وإما حطب.

قال: وكذلك الكلمة الطيبة، تنفع صاحبها في الدنيا والآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: كل ساعة، بالليل والنهار، والشتاء والصيف.

وذلك مثل المؤمن، يطيع ربه بالليل والنهار والشتاء والصيف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ تؤتي أكلها ﴾ قال: يكون أخضر، ثم يكون أصفر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال جذاذ النخل.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: تطعم في كل ستة أشهر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه أنه سئل عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين، فقال: إن من الحين حيناً يدرك، ومن الحين حيناً لا يدرك.

فالحين الذي لا يدرك، قوله: ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ [ ص: 88] والحين، الذي يدرك ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ وذلك من حين تصرم النخلة إلى حين تطلع، وذلك ستة أشهر.

وأخرج ابو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني حلفت أن لا أكلم أخي حيناً.

فقال ابن عباس- رضي الله عنهما-: أوقتَّ شيئاً.

قال: لا.

قال: فإن الله تعالى يقول ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ فالحين، سنة.

وأخرج البيهقي في سننه، عن علي رضي الله عنه قال: الحين ستة أشهر.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الحين قد يكون غدوة وعشية.

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه سئل عن رجل حلف لا يكلم أخاه حيناً.

قال: الحين، ستة اشهر.

ثم ذكر النخلة ما بين حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عكرمة قال: قال ابن عباس- رضي الله عنهما- الحين، حينان: حين يعرف، وحين لا يعرف.

فأما الحين الذي لا يعرف، فقوله: ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ [ ص: 88] وأما الحين الذي يعرف، فقوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل حين ﴾ قال: كل سنة.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز فقال: يا مولى ابن عباس، إني حلفت أن لا أفعل كذا وكذا حيناً، فما الحين الذي يعرف به؟

فقلت: إن من الحين حيناً لا يدرك، ومن الحين حين يدرك.

فأما الحين الذي لا يدرك، فقول الله: ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ [ الإِنسان: 1] والله ما ندري كم أتى له إلى أن خلق، وأما الذي يدرك، فقوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ فهو ما بين العام إلى العام المقبل، فقال: أصبت يا مولى ابن عباس، ما أحسن ما قلت!...

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن سعيد بن المسيب قال: الحين يكون شهرين والنخلة إنما يكون حملها شهرين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف.

وأخرج البيهقي عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: في كل سبعة أشهر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: هو شجر جوز الهند، لا يتعطل من ثمرة، يحمل في كل شهر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي شجرة في الجنة.

وفي قوله: ﴿ كشجرة خبيثة ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله، لم يخلق الله هذه الشجرة على وجه الأرض.

وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قلب العباد ظهراً وبطناً، فكان خير العرب قريشاً.

وهي الشجرة المباركة التي قال الله في كتابه ﴿ مثل كلمة طيبة ﴾ يعني القرآن ﴿ كشجرة طيبة ﴾ يعني بها قريشاً ﴿ أصلها ثابت ﴾ يقول: أصلها كبير ﴿ وفرعها في السماء ﴾ يقول: الشرف الذي شرفهم الله بالإِسلام الذي هداهم الله له وجعلهم من أهله» .

وأخرج ابن مردويه من طريق حيان بن شعبة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ كشجرة خبيثة ﴾ قال: الشريان.

قلت لأنس: وما الشريان؟

قال: الحنظل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر حميد بن زياد الخراط في الآية قال: الشجرة الخبيثة، التي تجعل في المسكر.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قعد ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا هذه الآية ﴿ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ فقالوا: «يا رسول الله، نراه الكمأة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين.

والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ اجتثت من فوق الأرض ﴾ قال: استؤصلت من فوق الأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: اعقلوا عن الله الأمثال.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه: أن رجلاً لقي رجلاً من أهل العلم فقال: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة.

وأخرج ابن جرير من طريق قتادة رضي الله عنه، عن أبي العالية: أن رجلاً خالجت الريح رداءه فلعنها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنها؛ فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة على صاحبها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ يعني: الشرك بالله في قول الجميع (١) ﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الثوم (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ اجْتُثَّتْ ﴾ قال ابن عباس: اقتلعت (٦) (٧) (٨) ﴿ اجْتُثَّتْ ﴾ في اللغة: أخذت جُثَّتُها بكمالها (٩) وهذا قول المُؤَرِّج قال: أخذت جثتها وهي نفسها (١٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض لم ترسخ فيها، ولم تضرب فيها بعرق، كذلك الشرك بالله ليس له حجة ولا ثبات ولا شيء (١١) وقوله تعالى: ﴿ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾ قال المفسرون: أي من أصل في الأرض (١٢) (١٣) (١٤) (١) ورد بلفظه في "تفسير مقاتل" 1/ 193 أ، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 236، و"تفسير السمرقندي" 2/ 206، وهود الهواري 2/ 327، و"الثعلبي" 7/ 152 ب، و"تفسير المشكل" ص 214، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 348، والزمخشري 2/ 301.

(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 321، بلفظه، وانظر: "غرائب التفسير" ص 579، و "تفسير ابن الجوزي" 4/ 361، و"تفسير القرطبي" 9/ 362، و"الخازن" 3/ 77، وورد عن ابن عباس أنه فسرها بقوله: هذا مثل ضربه الله، ولم تخلق هذه الشجرة على وجه الأرض.

أخرجه الطبري 13/ 211، وورد في "تفسيرالثعلبي" 7/ 152 ب، و"الماوردي" 3/ 134، و"ابن الجوزي" 4/ 360، و"القرطبي" 9/ 362، و"الدر المنثور" 4/ 145، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، و "تفسير الألوسي" 13/ 215.

(٣) أي ابن عباس.

(٤) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 321، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 360، و"الخازن" 3/ 77، و"الألوسي" 13/ 215 الكُشُوث: بالفتح وبالضم، وبالفتح أفصح، ويروى مقصوراً وممدوداً؛ الكَشوثى والكَشوثاء، قال الليث: الكَشوث نبات مجتث لا أجل له، وهو أصفر يتعلق بأطراف الشوك وغيره، ويجعل في النبيذ، وفي معجم متن اللغة، قال الشهابي: هو جنس نباتات طفيلية مضرّة، سُوقها صفر وشُقر، خيطية طوال تتف على حاضنتها وتنشب فيه زوائد ماصة تمص نسغه، لا ورق لها، ويسمى في مصر والشام: الهالوك، يقول الشاعر: هو الكشوث فلا أصلٌ ولا ورقٌ ...

ولا نسيمٌ ولا ظلٌ ولا ثمرٌ انظر (كشث) في "تهذيب اللغة" 4/ 3146، و"المحيط في اللغة" 6/ 161، و"الصحاح" 1/ 290، و"اللسان" 7/ 38308، و"التاج"، و"متن اللغة" 5/ 68.

(٥) أخرجه عبد الرزاق 2/ 342، بلفظه عن أنس، والطبري/ شاكر 16/ 583، بلفظه عن أنس من عدة طرق، وورد بلفظه في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 236، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 527، و"تفسير الماوردي" 3/ 134، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 360، و"تفسير القرطبي" 9/ 361، و"الخازن" 3/ 77، و"الدر المنثور" 13/ 146 وعزاه إلى ابن مردويه والحنظل: معروف؛ وهو نبات مُرّ الجنى، واحدته حنظلة، ويسمى: الشَّرْيُ.

انظر: "اللسان" (حنظل) 2/ 1025، و"متن اللغة" 2/ 180.

هذه عدة أقوال في تعيين الشجرة الخبيثة، والأرجح أنها شجرة غير معينة، ومن عيَّنها فهو على سبيل التمثيل، وضابطها الخبث؛ وقد يكون خبثها: لرائحتها، أو للونها، أو لهيئتها، أو لطعمها، أو لمضارها، أو ..

انظر: "تفسير ابن الجوزي" 8/ 238، والفخر الرازي 19/ 121.

(٦) انظر: "تفسير القرطبي" 9/ 362، بلفظه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 152 ب، بلفظ: اقتطعت، وورد بلا نسبة في: تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 322، والسمرقندي 2/ 206، والبغوي 4/ 349، "تفسير غريب القرآن" لابن الملقن ص 196، و"الدر المصون" 7/ 100.

(٧) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 152 ب، بلفظه، وورد بلفظه بلا نسبة في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 322.

(٨) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 152 ب، بلفظه، وورد بلفظه غير منسوب في "مجاز القرآن" 1/ 340، و"غريب اليزيدي" ص 197، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 237، و"تفسير المشكل" ص 214، و"غرائب التفسير" 1/ 579.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 161 بنصه، وانظر (جثث) في "تهذيب اللغة" 1/ 538، و"المحيط في اللغة" 6/ 398، و"اللسان" 1/ 543، و"عمدة الحفاظ" 1/ 353.

(١٠) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 152 ب، بلفظه، وانظر: "تفسير القرطبي" 9/ 362، وصديق خان 7/ 111.

(١١) أخرجه الطبري 13/ 213 بنحوه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 322 بنحوه، وانظر: "تفسير صديق خان" 7/ 112، وورد هذا المعنى غير منسوب في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 361، والفخر الرازي 19/ 121.

(١٢) ورد في "تفسير الطبري" 13/ 213 بنصه، والسمرقندي 2/ 206، بلفظه، والماوردي 3/ 135، بلفظه، وانظر:"غرائب التفسير" 1/ 579، و"تفسير البغوي" 4/ 349، وابن الجوزي 4/ 361، و"تفسير القرطبي" 9/ 362، وصديق خان 7/ 111.

(١٣) في جميع النسخ وردت (و) قبل (في)، وهي رائدة جعلت السياق مضطرباً، لذلك حذفت.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 161 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ قال ابن عباس وغيره هي: لا إله إلا الله وقيل: كل حسنة ﴿ كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ هي النخلة في قول الجمهور، واختار ابن عطية أنها شجرة غير معينة، إلا أنها كل ما اتصف بتلك الصفات ﴿ وَفَرْعُهَا فِي السمآء ﴾ أي في الهواء، وذلك عبارة عن طولها ﴿ تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ الحين في اللغة وقت غير محدود وقد تقترن به قرينة تحده، وقيل: في كل حين كل سنة لأن النخلة تطعم في كل سنة، وقيل: غير ذلك ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ هي كلمة الكفر، وقيل: كل كلمة قبيحة ﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن عطية غير معينة ﴿ اجتثت ﴾ أي اقتلعت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة، وهذا في مقابلة قوله: أصلها ثابت ﴿ بالقول الثابت ﴾ هو لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة ﴿ فِي الحياوة الدنيا ﴾ أي إذا فتنوا لم يزلوا ﴿ وَفِي الآخرة ﴾ هو عند السؤال في القبر عند الجمهور.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بلفظ الفعل.

﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.

﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.

الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بضمها.

﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.

الباقون بالفتح.

﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الباقون بالإضافة.

الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله  في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.

فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.

وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.

وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.

وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.

وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.

والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.

قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".

قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.

وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.

ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.

ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.

وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.

ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟

فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه  يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.

ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.

﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.

فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟

قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.

وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.

والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.

وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.

ومعنى بروزهم لله وهو  لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.

فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.

وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.

كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل  ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته  فضلوا وأضلوا.

قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.

وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.

والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .

عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.

وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم  ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.

وزيف بأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله.

وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.

ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.

والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.

وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.

يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي  : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .

ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.

وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.

الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.

ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.

ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.

﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله  عليه حجة.

هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.

قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.

وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟

جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله  ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.

وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.

هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.

وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.

ثم حكى الله  عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.

قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.

صرخ فلان إذا استغاث.

وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.

وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.

وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.

قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.

ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.

أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.

ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.

وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.

قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.

ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.

قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.

ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.

وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.

عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.

وعن ابن عمر: هي النخلة.

وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.

والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.

وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.

أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.

ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.

والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.

ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.

قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.

الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.

وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.

وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.

والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.

قال المحققون: معرفة الله  والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.

أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.

ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.

وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.

وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً  ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.

وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.

وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .

وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.

و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.

وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله  ﴾ .

وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.

فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.

ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.

وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.

قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.

وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.

هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.

عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.

وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.

والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.

وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.

فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.

وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.

ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله  : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.

﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.

ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.

ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.

وذلك أنه  أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد  فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.

وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.

قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.

وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.

﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.

قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.

والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.

ومن الذين نزل فيهم؟

روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.

وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.

ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه  بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.

وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.

وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.

والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.

ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة  ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين  ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.

ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.

وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.

﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.

ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.

ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".

﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.

وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.

والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.

ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.

ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.

ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.

قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.

ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله  على عباده.

وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.

وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.

قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.

وإذا كانت نعم الله  في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟

إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.

وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.

واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.

التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.

تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب  إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.

﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.

﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.

وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.

ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قوله  : <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ .

قد ذكرنا أن كلمة ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ حرف تنبيه عن عجيب كان بلغهُ؛ فغفل عنه، أو تنبيه عن عجيب لم يبلغه.

وقال أبو بكر الأصم: هي كلمة يفتتح بها العرب عند الحاجة؛ يقول الرجل لآخر: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ ونحوه.

هذا يحتمل في غيره من المواضع وأما في هذا فإنه غير محتمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً ﴾ قيل: بين الله مثلا وأظهر.

﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ : هو هذا القرآن، ﴿ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ : هي الكتب التي أحدثها الناس، شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ وهي النخلة؛ على ما ذكر؛ إن ثبت، أو كل شجرة مثمرة.

وشبه الكتب التي أحدثها الناس بالشجرة الخبيثة؛ وهي التي لا تثمر.

وقال: إنما شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ لأن الشجرة الطيبة هي باقية إلى آخر الدهر؛ ينتفع بها الناس بجميع أنواع المنافع، لا يقطعونها؛ فهي تدوم وتبقى دهراً، فعلى ذلك القرآن ينتفع به الناس وهو دائم أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

أصلها ثابت لها قرار، فعلى ذلك: القرآن هو ثابت بالحجج والبراهين؛ والكتب التي أحدثها أولئك هي باطلة فاسدة؛ لا حجة معها ولا برهان؛ كالشجرة الخبيثة التي هي غير مثمرة؛ لا بقاء لها ولا قرار ولا ثبات.

وقال بعضهم: الكلمة الطيبة: هي الإيمان والتوحيد؛ شبهها بالشجرة الطيبة؛ وهي التي تثمر وتنمو وتزكو هي على ما وصفها - عز وجل - في قوله: ﴿ تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ ، فعلى [ذلك] الإيمان والتوحيد لا يزال يثمر لأهله الخيرات والأعمال الصالحات؛ كالشجرة التي وصفها أنها تؤتي أهلها أكلها في كل حين وكل وقت، أصلها ثابت بالحجج والبراهين، وفرعها في السماء، في كل وقت يرتفع ويصعد به العمل إلى السماء.

و [الكلمة] الخبيثة: هي الكفر؛ لأنه لا منفعة لأهلها فيها، إذ لا عاقبة له ولا حجة معها ولا برهان، إنما شيء أخذوه عن شهوة وأمانيَّ، فكان كالشجرة الخبيثة التي لا ثمرة لها، ولا منفعة لأحد فيها، فهي لا تبقى ولا تدوم.

فذلك قوله: ﴿ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .

ويشبه أن يكون ضرب المثل لغير هذا المعنى؛ وهو أنه ذكر جواهر طيبة وجواهر خبيثة: مما يقع عليها الحواس ويقع عليها البصر؛ ليكون كل جوهر من هذه الجواهر التي يقع عليها الحواس؛ ويقع عليها البصر - من خبيث أو طيب - دليلا وشاهداً على ما غاب عن الخلق؛ ولا يقع عليها الحواس.

وهكذا جعل الله  هذه المحسوسات والأشياء الظاهرة - دليلا وشاهداً لما غاب عنهم؛ ولا يقع عليه الحسّ، تدرك بالعقول التي تركب فيهم؛ ليرغب الطيب؛ مما يقع عليه الحسّ والبصر؛ على الموعود الغائب، ويحذر الخبيث المحسوس عما غاب وأوعد، وكذلك هذه الآلام والأمراض والشدائد التي جعل في هذه الدنيا؛ لتزجرهم عن الأفعال التي بها يستوجبون مثلها في الآخرة، وكذلك النعم التي في الدنيا واللذات، جعلها لتدلهم على النعم الدائمة.

على هذا يجوز أن يخرج لا أنه أراد بالشجرة الطيبة الشجرة نفسها أو بالشجرة [الخبيثة الشجرة] نفسها ولكن ما وصفنا.

والله أعلم بذلك.

وقال قائلون: ضرب الله مثل الشجرة الطيبة مثلا للمؤمن؛ هو في الأرض وعمله يصعد إلى السماء كل يوم؛ فكما تؤتي الشجرة أكلها كل حين كذلك المؤمن يعمل لله في ساعات الليل والنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ .

قال قائلون: كلّ عام؛ لأنها تثمر في كل عام مرة.

وقال قائلون: ستة أشهر من وقت طلوعها إلى وقت إدراكها.

وقال قائلون: كل عشية وغدوة؛ كقوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  ﴾ .

وقال قائلون: شهرين؛ وأمثاله.

ويشبه أن يكون ما ذكرنا: أنه ليس في وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت وكل ساعة.

فإن قال لنا ملحد: إن الكلمة التي ضرب الله مثلها بالشجرة الطيبة - [هي] كلمتنا، ونحن المراد بذلك.

والكلمة الخبيثة التي ضرب الله مثلها بالشجرة الخبيثة - هي كلمتكم؛ وأنتم المراد بها لا نحن.

قيل: قد سبق لهذا المثل أمثال ودلائل على أن الكلمة الطيبة هي التي لها عاقبة وآخرة، وكل أمر له عاقبة والنظر في آخره - فهو الحق، والذي أنتم عليه لا عاقبة له ولا آخرة، وفي الحكمة: إن كل أمر لا عاقبة له - فهو باطل؛ والكفر لا عاقبة [له].

والثاني: أن الإيمان والتوحيد له الحجج والدلائل، والكفر مما لا حجة له ولا دلائل؛ إنما هو مأخوذ بالأماني والشهوة: من تسويل الشيطان وتزيينه؛ لذلك كان ما ذكرنا.

وتحتمل الكلمة الطيبة - أيضاً -: أن تكون الوحي الذي أوحى الله إلى رسوله، والكلمة الخبيثة: ما أوحى الشيطان إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 121] فوحي الله: هو ثابت دائم ينتفع به أهله في الدنيا والعاقبة، ووحي الشيطان: هو باطل مضمحلّ لا عاقبة له؛ ولا ينتفع به أهله.

والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال بعضهم: استؤصلت، وقيل: انتزعت.

وقال أبو عوسجة: اقتلعت من أصلها؛ يقال: جثثت الشجرة أجثها جثّاً: إذا قلعتها من أصلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .

هو ما ذكرنا.

وقال بعض أهل التأويل: شبه كلمة الشرك بحنظلةٍ قطعت؛ فلا أصل لها في الأرض ولا فرع في السماء؛ أي: لا يصعد له عمل، وشبه كلمة الإيمان؛ في نفعها وفضلها وثباتها وقرارها في الأرض؛ بما ذكر من الشجرة.

والله أعلم.

ثم من الناس من احتج بهذا المثل في خلق الإيمان والكفر؛ فقال: لأنه ضرب مثله بما هو خلق؛ وهو الشجرة؛ فعلى ذلك الإيمان.

ولكن عندنا لا بهذا يجب أن يستدل على خلقه، ولكن لما ثبت أن منشئهما واحد لأنه لو كان منشئهما مختلفاً لكان لا يضرب مثل هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ فإذا ضرب دل أن منشئهما واحد؛ فإذا ثبت ذلك دل على ما وصفنا.

ومن الناس من استدل بهذا أنه يزداد وينقص؛ حيث شبهه بالشجرة؛ وهي تزداد وتنقص، ونحن نقول: ليس فيه دلالة ما ذكروا؛ لأن الشجرة في نفسها ليست بذي حدّ، والإيمان ذو حدّ؛ فما يزداد [إنما] هو في حق التزيين والتحسين.

وأمّا الإيمان نفسه: فإنه لا يزداد؛ كالشجرة إذا تورقت وخرجت ثمارها توصف بالزينة والحسن، فأمّا نفس الشجرة: فلا توصف بالزيادة؛ فعلى ذلك الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ .

يحتمل: يبين الله الأمثال التي يقع عليها الحس، ويقع عليها البصر، والأشياء الظاهرة؛ لتدلهم على ما استتر وغاب عنهم، يدركون بالعقول ما استتر وخفي بالظاهر والمحسوس.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ لعلهم يتعظون.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ الكلمة الطيبة: تحتمل التوحيد وفروعها: هي الخوف، والخشوع، والخضوع، والرغبة [والرهبة].

وأكلها: هو الأعمال الصالحة والخيرات تكون منه.

والكلمة الخبيثة: هي الشرك.

وفروعها: ما يكون منه في الشرك؛ من القساوة، والتمرد، والعناد.

وأكلها: هو الأعمال التي تكون منه في الشرك.

أو أن يكون الكلمة الطيبة: هي الأعمال.

وفروعها: هي الشرائع والأحكام التي تعمل.

وأكلها: هو ما يثاب عليه في الدنيا والآخرة أبداً.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .

ذكر مرة بالتثبيت ومرة بذكر الزيادة؛ بقوله: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ  ﴾ ومرة بذكر الابتداء والتجديد؛ بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ فالتجديد والابتداء في حادث الوقت؛ لأن تلك الأفعال تنقضي وتذهب ولا تبقى، وأما الزيادة على ما كان يضم شيئاً إلى ما كان، والثبات على ما كان فكله واحد في الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أضاف الإضلال مرة إلى نفسه؛ ومرة إلى الشيطان، ولا شك أن ما أضيف إلى الشيطان إنما أضيف على الذم، فإذا كان ما ذكر؛ فتكون الجهة التي أضيف إلى الله - غير الجهة التي أضيف إلى الشيطان، الجهة التي أضيف إلى الله: هو أن خلق [فعل] الضلال من الكافر، وما أضيف إلى الشيطان: هو على التزيين والتسويل؛ لتصح الإضافتان.

ولو كان على التسمية - على ما يقوله المعتزلة: إذ سماه ضالا - لكان كل من سمى آخر ضالا كافراً جاز أن يسمى مضلا، فإذا لم يسم - بتسميته ضالا أو كافراً - مضلا دل أنه إنما سمى الله نفسه مضلا؛ لتحقيق الفعل له فيه؛ وهو ما ذكرنا: أن خلق فعل الضلال منه.

والمعتزلة يقولون: إن الله هدى الخلق جميعاً؛ لكنهم لم يهتدوا وضلوا من غير أن يكون الله أضلهم.

فهذا صرْف ظاهر الآية إلى غيره بلا دليل.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

وعلى قول المعتزلة: لا يقدر أن يفعل ما يشاء؛ لأنهم يقولون: شاء إيمان جميع البشر؛ ولكنهم لم يؤمنوا؛ وكذلك قال: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  ﴾ وهم يقولون: أراد إيمانهم؛ لكنه لم يفعل ما أراد؛ ولا يملك، وقد أخبر أنه: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  ﴾ و ﴿ مَا يَشَآءُ ﴾ وهم يقولون: لم يملك [أن يفعل] ما شاء وأراد، بل العباد يقولون ما شاءوا غير ما شاء هو، فتأويلهم خلاف لظاهر القرآن.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ على تأويل من يقول: إن الكلمة الطيبة هي القرآن، يكون القول الثابت هو القرآن.

يقول - والله أعلم - يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ حيث تلقوه بالإجابة والقبول والعمل به، وفي الآخرة؛ أي: بالآخرة والبعث؛ يقرون به، ﴿ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ؛ حيث تركوا الإجابة له، وتلقوه بالرد، والمكابرة، والعناد.

ومن يقول: الكلمة الطيبة: التوحيد والإيمان - يكون القول الثابت: هو الإيمان؛ يثبتهم في الحياة الدنيا باختيارهم؛ وفي الآخرة، قيل: في قبورهم؛ يثبتهم لإجابة منكر ونكير، ويمكن لهم ذلك، ويضل الله الظالمين الذين تركوا الإجابة له في الحياة الدنيا وفي القبور؛ حيث تركوا الإجابة في الدنيا.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ؛ هو ما ذكر، ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ ثبت من أجاب الله إلى ما دعا في الدنيا، وفي الآخرة يهديه الطريق الذي به يوصل إلى دار السلام، والكافر حيث ترك إجابته إلى ما دعاه، ويضله في الآخرة طريق دار السلام؛ بترك إجابته في الدنيا.

والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ في هداية من اختار الإجابة والاهتداء، وإضلال من اختار ترك الإجابة والغواية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومثل كلمة الشرك الخبيثة مثل شجرة خبيثة، وهي شجرة الحنظل، اقتُلِعت من أصلها، ليس لها ثبات على الأرض، ولا ارتفاع إلى السماء، فتموت وتذروها الرياح، فكلمة الكفر مآها الفناء، ولا يصعد لصاحبها إلى الله عمل طيب.

<div class="verse-tafsir" id="91.Om1M3"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله