الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٢٧ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 140 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال البخاري : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، أخبرني علقمة بن مرثد قال : سمعت سعد بن عبيدة ، عن البراء بن عازب ، رضي الله عنه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المسلم إذا سئل في القبر ، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) .
ورواه مسلم أيضا وبقية الجماعة كلهم ، من حديث شعبة ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله ، كأن على رءوسنا الطير ، وفي يده عود ينكت به في الأرض ، فرفع رأسه فقال : " استعيذوا بالله من عذاب القبر " ، مرتين أو ثلاثا ، ثم قال : " إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء ، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ، حتى يجلسوا منه مد البصر .
ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ، فيقول : أيتها النفس الطيبة ، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان " .
قال : " فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين ، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض .
فيصعدون بها ، فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح [ الطيب ] ؟
فيقولون : فلان ابن فلان ، بأحسن أسمائه التي [ كانوا ] يسمونه بها في الدنيا ، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له ، فيفتح له ، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة ، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين ، وأعيدوه إلى الأرض ، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى " .
قال : " فتعاد روحه [ في جسده ] فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟
فيقول : ربي الله .
فيقولان له : ما دينك ؟
فيقول : ديني الإسلام .
فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟
فيقول : هو رسول الله .
فيقولان له : وما علمك ؟
فيقول : قرأت كتاب الله ، فآمنت به وصدقت .
فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنة ، وألبسوه من الجنة ، وافتحوا له بابا إلى الجنة - قال : فيأتيه من روحها وطيبها ، ويفسح له في قبره مد بصره .
ويأتيه رجل حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيب الريح ، فيقول : أبشر بالذي يسرك ، هذا يومك الذي كنت توعد .
فيقول له من أنت ؟
فوجهك الوجه يجيء بالخير .
فيقول : أنا عملك الصالح .
فيقول : رب أقم الساعة .
رب ، أقم الساعة ، حتى أرجع إلى أهلي ومالي " .
قال : " وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه ، معهم المسوح ، فجلسوا منه مد البصر .
ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ، فيقول : أيتها النفس الخبيثة ، اخرجي إلى سخط من الله وغضب " .
قال : " فتفرق في جسده ، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول ، فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين ، حتى يجعلوها في تلك المسوح .
ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟
فيقولون : فلان ابن فلان ، بأقبح أسمائه التي كان يسمونه بها في الدنيا [ حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا ] فيستفتح له فلا يفتح له " .
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) [ الأعراف : 40 ] ، فيقول الله : " اكتبوا كتابه في سجين ، في الأرض السفلى ، فتطرح روحه طرحا " .
ثم قرأ : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) [ الحج : 31 ] .
" فتعاد روحه في جسده ، ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له : من ربك ؟
فيقول : هاه هاه ، لا أدري .
فيقولان له : ما دينك ؟
فيقول : هاه هاه ، لا أدري .
فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟
فيقول : هاه هاه ، لا أدري .
فينادي مناد من السماء : أن كذب فأفرشوه من النار ، وافتحوا له بابا إلى النار .
فيأتيه من حرها وسمومها ، ويضيق عليه قبره ، حتى تختلف فيه أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح فيقول : أبشر بالذي يسوءك ، هذا يومك الذي كنت توعد .
فيقول : ومن أنت فوجهك [ الوجه ] يجيئ بالشر .
فيقول : أنا عملك الخبيث ، فيقول : رب ، لا تقم الساعة " .
ورواه أبو داود من حديث الأعمش ، والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال بن عمرو ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب ، رضي الله عنه ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة ، فذكر نحوه .
وفيه : " حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض ، [ وكل ملك في السماء ] وفتحت أبواب السماء ، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ، عز وجل ، أن يعرج بروحه من قبلهم " .
وفي آخره : " ثم يقيض له أعمى أصم أبكم ، وفي يده مرزبة لو ضرب بها جبل لكان ترابا ، فيضربه ضربة فيصير ترابا .
ثم يعيده الله ، عز وجل ، كما كان ، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين " .
قال البراء : ثم يفتح له باب إلى النار ، ويمهد من فرش النار .
وقال سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن خيثمة ، عن البراء في قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) قال : عذاب القبر .
وقال المسعودي ، عن عبد الله بن مخارق ، عن أبيه ، عن عبد الله قال : إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره ، فيقال له : من ربك ؟
ما دينك ؟
من نبيك ؟
فيثبته الله ، فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم .
وقرأ عبد الله : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) .
وقال الإمام عبد بن حميد ، رحمه الله ، في مسنده : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه ، إنه ليسمع قرع نعالهم " .
قال : " فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟
" قال : " فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله " .
قال : " فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار ، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة " .
قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " فيراهما جميعا " .
قال قتادة : وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ، ويملأ عليه خضرا إلى يوم القيامة .
رواه مسلم عن عبد بن حميد ، به وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه ، جاء ملك شديد الانتهار ، فيقول له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟
فيقول المؤمن : أقول : إنه رسول الله وعبده .
فيقول له الملك : انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار ، قد أنجاك الله منه ، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة ، فيراهما كليهما .
فيقول المؤمن : دعوني أبشر أهلي .
فيقال له : اسكن .
وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله ، فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟
فيقول : لا أدري ، أقول كما يقول الناس .
فيقال له : لا دريت ، هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة ، قد أبدلت مكانه مقعدك من النار " .
قال جابر : فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يبعث كل عبد في القبر على ما مات ، المؤمن على إيمانه ، والمنافق على نفاقه " .
إسناده صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا عباد بن راشد ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس ، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه ، جاءه ملك في يده مطراق فأقعده ، قال : ما تقول في هذا الرجل ؟
فإن كان مؤمنا قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله فيقول له : صدقت .
ثم يفتح له بابا إلى النار ، فيقول : هذا كان منزلك لو كفرت بربك ، فأما إذ آمنت فهذا منزلك .
فيفتح له بابا إلى الجنة ، فيريد أن ينهض إليه ، فيقول له : اسكن .
ويفسح له في قبره " .
" وإن كان كافرا أو منافقا يقول له : ما تقول في هذا الرجل ؟
فيقول : لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فيقول : لا دريت ولا تليت ولا اهتديت .
ثم يفتح له بابا إلى الجنة ، فيقول له : هذا منزلك لو آمنت بربك ، فأما إذ كفرت به فإن الله ، عز وجل ، أبدلك به هذا .
فيفتح له بابا إلى النار ، ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله ، عز وجل ، كلهم غير الثقلين " .
فقال بعض القوم : يا رسول الله ، ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) .
وهذا أيضا إسناد لا بأس به ، فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقرونا ، ولكن ضعفه بعضهم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، عن ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الميت تحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان " .
قال : " فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟
فيقال : فلان .
فيقولون : مرحبا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ، ورب غير غضبان " قال : فلا يزال يقال لها ذلك ، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل .
وإذا كان الرجل السوء قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة ، وأبشري بحميم وغساق ، وآخر من شكله أزواج .
فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟
فيقال : فلان ، فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة ، فإنه لا تفتح لك أبواب السماء .
فيرسل من السماء ، ثم يصير إلى القبر " ، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول .
ورواه النسائي وابن ماجه ، من طريق ابن أبي ذئب بنحوه .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : إذا خرجت روح العبد المؤمن ، تلقاها ملكان يصعدان بها .
قال حماد : فذكر من طيب ريحها وذكر المسك .
قال : ويقول أهل السماء : روح طيبة جاءت من قبل الأرض ، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه ، فينطلق به إلى ربه عز وجل ، فيقول : انطلقوا به إلى آخر الأجل .
وإن الكافر إذا خرجت روحه .
قال حماد : وذكر من نتنها وذكر مقتا ، ويقول أهل السماء : روح خبيثة جاءت من قبل الأرض .
قال : فيقال : انطلقوا به إلى آخر الأجل .
قال أبو هريرة : فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه ، هكذا .
وقال ابن حبان في صحيحه : حدثنا عمر بن محمد الهمداني ، حدثنا زيد بن أخزم ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن قسامة بن زهير ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن المؤمن إذا قبض ، أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ، فيقولون : اخرجي إلى روح الله .
فتخرج كأطيب ريح مسك ، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء ، فيقولون ما هذا الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض ؟
ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك ، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين ، فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم ، فيقولون : ما فعل فلان ؟
فيقولون : دعوه حتى يستريح ، فإنه كان في غم!
فيقول : قد مات ، أما أتاكم ؟
فيقولون : ذهب به إلى أمه الهاوية .
وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون : اخرجي إلى غضب الله ، فتخرج كأنتن ريح جيفة ، فيذهب به إلى باب الأرض " .
وقد روي أيضا من طريق همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أبي الجوزاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .
قال : " فيسأل : ما فعل فلان ، ما فعل فلان ؟
ما فعلت فلانة ؟
" قال : " وأما الكافر فإذا قبضت نفسه ، وذهب بها إلى باب الأرض تقول خزنة الأرض : ما وجدنا ريحا أنتن من هذه .
فيبلغ بها الأرض السفلى " .
قال قتادة : وحدثني رجل ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو قال : أرواح المؤمنين تجمع بالجابية .
وأرواح الكفار تجمع ببرهوت ، سبخة بحضرموت .
وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي ، رحمه الله : حدثنا يحيى بن خلف ، حدثنا بشر بن المفضل ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قبر الميت - أو قال : أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما : المنكر ، والآخر : النكير ، فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟
فيقول ما كان يقول : هو عبد الله ورسوله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا .
ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين .
ثم ينور له فيه ، ثم يقال له : نم .
فيقول : أرجع إلى أهلي فأخبرهم ، فيقولان : نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك .
وإن كان منافقا قال : سمعت الناس يقولون فقلت مثلهم ، لا أدري .
فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول ذلك ، فيقال للأرض : التئمي عليه .
فتلتئم عليه ، فتختلف أضلاعه ، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك " .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب .
وقال حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال : " ذاك إذا قيل له في القبر : من ربك ؟
وما دينك ؟
فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد ، جاءنا بالبينات من عند الله ، فآمنت به وصدقت .
فيقال له : صدقت ، على هذا عشت ، وعليه مت ، وعليه تبعث " .
وقال ابن جرير : حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد قالا : حدثنا يزيد ، أنبأنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه مدبرين ، فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه ، والزكاة عن يمينه ، والصيام عن يساره ، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه ، فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة : ما قبلي مدخل ، فيؤتى من عن يمينه فتقول الزكاة : ما قبلي مدخل .
فيؤتى عن يساره فيقول الصيام : ما قبلي مدخل .
فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات : ما قبلي مدخل .
فيقال له اجلس .
فيجلس ، قد تمثلت له الشمس ، قد دنت للغروب ، فيقال له أخبرنا عما نسألك .
فيقول : دعوني حتى أصلي .
فيقال : إنك ستفعل ، فأخبرنا عما نسألك .
فيقول : وعم تسألوني ؟
فيقال : أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ، ماذا تقول فيه ، وماذا تشهد به عليه ؟
فيقول : أمحمد ؟
فيقال له : نعم .
فيقول : أشهد أنه رسول الله ، وأنه جاءنا بالبينات من عند الله ، فصدقناه .
فيقال له : على ذلك حييت ، وعلى ذلك مت ، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله .
ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ، ويفتح له باب إلى الجنة ، فيقال له : انظر إلى ما أعد الله لك فيها .
فيزداد غبطة [ وسرورا ] ثم يجعل نسمه في النسم الطيب ، وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة ، ويعاد الجسد إلى ما بدئ منه من التراب " وذلك قول الله : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) .
ورواه ابن حبان من طريق المعتمر بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، وذكر جواب الكافر وعذابه .
وقال البزار : حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي ، حدثنا الوليد بن القاسم ، حدثنا يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة - أحسبه رفعه - قال : " إن المؤمن ينزل به الموت ، ويعاين ما يعاين ، فيود لو خرجت - يعني نفسه - والله يحب لقاءه ، وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء ، فتأتيه أرواح المؤمنين ، فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض ، فإذا قال : تركت فلانا في الأرض أعجبهم ذلك .
وإذا قال : إن فلانا قد مات ، قالوا : ما جيء به إلينا .
وإن المؤمن يجلس في قبره ، فيسأل : من ربك ؟
فيقول : ربي الله ويسأل : من نبيك ؟
فيقول : محمد نبيي فيقال : ماذا دينك ؟
قال : ديني الإسلام .
فيفتح له باب في قبره ، فيقول - أو : يقال - انظر إلى مجلسك .
ثم يرى القبر فكأنما كانت رقدة .
وإذا كان عدو الله نزل به الموت وعاين ما عاين ، فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدا ، والله يبغض لقاءه ، فإذا جلس في قبره - أو : أجلس - يقال له : من ربك ؟
فيقول : لا أدري .
فيقال : لا دريت .
فيفتح له باب من جهنم ، ثم يضرب ضربة يسمعها كل دابة إلا الثقلين ، ثم يقال له : نم كما ينام المنهوش " .
قلت لأبي هريرة : ما المنهوش ؟
قال : الذي تنهشه الدواب والحيات ، ثم يضيق عليه قبره .
ثم قال : لا نعلم رواه إلا الوليد بن القاسم .
وقال الإمام أحمد - رحمه الله - : حدثنا حجين بن المثنى ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن محمد بن المنكدر قال : كانت أسماء - يعني بنت الصديق - رضي الله عنها - تحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : قال : " إذا دخل الإنسان قبره ، فإن كان مؤمنا أحف به عمله : الصلاة والصيام " قال : " فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده ، ومن نحو الصيام فيرده " قال : " فيناديه : اجلس .
فيجلس .
فيقول له : ماذا تقول في هذا الرجل ؟
يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ؟
قال : محمد .
قال أشهد أنه رسول الله ، قال : يقول : وما يدريك ؟
أدركته ؟
قال : أشهد أنه رسول الله .
قال : يقول : على ذلك عشت ، وعليه مت ، وعليه تبعث .
وإن كان فاجرا أو كافرا ، جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده ، فأجلسه يقول : اجلس ، ماذا تقول في هذا الرجل ؟
قال : أي رجل ؟
قال : محمد ؟
قال : يقول : والله ما أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته .
قال له الملك : على ذلك عشت ، وعليه مت ، وعليه تبعث .
قال : وتسلط عليه دابة في قبره ، معها سوط تمرته جمرة مثل غرب البعير ، تضربه ما شاء الله ، صماء لا تسمع صوته فترحمه " .
وقال العوفي ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في هذه الآية قال : إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة ، فسلموا عليه وبشروه بالجنة ، فإذا مات مشوا مع جنازته ، ثم صلوا عليه مع الناس ، فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له : من ربك ؟
فيقول : ربي الله .
فيقال له : من رسولك ؟
فيقول : محمد - صلى الله عليه وسلم - .
فيقال له : ما شهادتك ؟
فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله .
فيوسع له في قبره مد بصره .
وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة ، فيبسطون أيديهم - " والبسط " : هو الضرب - يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت .
فإذا أدخل قبره أقعد ، فقيل له : من ربك ؟
فلم يرجع إليهم شيئا ، وأنساه الله ذكر ذلك .
وإذا قيل : من الرسول الذي بعث إليك ؟
لم يهتد له ، ولم يرجع إليه شيئا ، كذلك يضل الله الظالمين .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي ، حدثنا شريح بن مسلمة حدثنا إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن عامر بن سعد البجلي ، عن أبي قتادة الأنصاري في قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) الآية ، قال : إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره ، فيقال له : من ربك ؟
فيقول : الله .
فيقال له : من نبيك ؟
فيقول : محمد بن عبد الله .
فيقال له في ذلك مرات .
ثم يفتح له باب إلى النار ، فيقال له : انظر إلى منزلك في النار لو زغت ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فيقال له : انظر إلى منزلك [ من الجنة إذ ثبت .
وإذا مات الكافر أجلس في قبره ، فيقال له : من ربك ؟
من نبيك ؟
فيقول : لا أدري ، كنت أسمع الناس يقولون .
فيقال له : لا دريت .
ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فيقال له : انظر إلى منزلك ] لو ثبت ، ثم يفتح له باب إلى النار ، فيقال له : انظر إلى منزلك إذ زغت فذلك قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال : لا إله إلا الله ، ( وفي الآخرة ) المسألة في القبر .
وقال قتادة : أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ، ( وفي الآخرة ) في القبر .
وكذا روي عن غير واحد من السلف .
وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه " نوادر الأصول " : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن نافع ، عن ابن أبي فديك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الرحمن بن سمرة قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، ونحن في مسجد المدينة ، فقال : " إني رأيت البارحة عجبا ، رأيت رجلا من أمتي [ جاءه ملك الموت ليقبض روحه ، فجاءه بره بوالديه فرد عنه .
ورأيت رجلا من أمتي ] قد بسط عليه عذاب القبر ، فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك .
ورأيت رجلا من أمتي [ قد ] احتوشته الشياطين ، فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم .
ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب ، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم .
ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا ، كلما ورد حوضا منع منه ، فجاءه صيامه فسقاه وأرواه .
ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا ، وكلما دنا لحقة طردوه ، فجاءه اغتساله من الجنابة ، فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي .
ورأيت رجلا من أمتي [ من ] بين يديه ظلمة ، ومن خلفه ظلمة ، وعن يمينه ظلمة ، وعن شماله ظلمة ، ومن فوقه ظلمة ، ومن تحته ظلمة ، وهو متحير فيها ، فجاءته حجته وعمرته ، فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور ، ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه ، فجاءته صلة الرحم ، فقالت : يا معشر المؤمنين ، كلموه ، فكلموه .
ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار أو شررها بيده عن وجهه ، فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه .
ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان ، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، فاستنقذاه من أيديهم ، وأدخلاه مع ملائكة الرحمة .
ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه ، بينه وبين الله حجاب ، فجاءه حسن خلقه ، فأخذ بيده فأدخله على الله - عز وجل - .
ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله ، فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته ، فجعلها في يمينه .
[ ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه ، فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه ] ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم ، فجاءه وجله من الله ، فاستنقذه من ذلك ومضى .
ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار ، فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار ، [ ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة ، فجاء حسن ظنه بالله ، فسكن رعدته ، ومضى ] ورأيت رجلا من أمتي على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا ، فجاءته صلاته علي ، فأخذت بيده فأقامته ومضى على الصراط .
ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة ، فغلقت الأبواب دونه ، فجاءته شهادة : أن لا إله إلا الله ، ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة " .
قال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه : هذا حديث عظيم ، ذكر فيه أعمالا خاصة تنجي من أهوال خاصة .
أورده هكذا في كتابه " التذكرة " .
وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثا غريبا مطولا فقال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم النكري ، حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان ، حدثنا أبو عاصم الحبطي - وكان من خيار أهل البصرة ، وكان من أصحاب حزم ، وسلام بن أبي مطيع - حدثنا بكر بن خنيس ، عن ضرار بن عمرو ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، عن تميم الداري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يقول الله - عز وجل - لملك الموت : انطلق إلى وليي فأتني به ، فإني قد ضربته بالسراء والضراء ، فوجدته حيث أحب .
ائتني به فلأريحنه .
فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة ، معهم أكفان وحنوط من الجنة ، ومعهم ضبائر الريحان ، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونا ، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه ، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر .
فيجلس ملك الموت عند رأسه ، وتحف به الملائكة .
ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه ، ويفتح له بابا إلى الجنة ، فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة تارة ، وبأزواجها [ مرة ] ومرة بكسواتها ومرة بثمارها ، كما يعلل الصبي أهله إذا بكى " .
قال : " وإن أزواجه ليبتهشن عند ذلك ابتهاشا " .
قال : " وتنزو الروح " .
قال البرساني : يريد أن تخرج من العجل إلى ما تحب .
قال : " ويقول ملك الموت : اخرجي يا أيتها الروح الطيبة ، إلى سدر مخضود ، وطلح منضود ، وظل ممدود ، وماء مسكوب " .
قال : " ولملك الموت أشد به لطفا من الوالدة بولدها ، يعرف أن ذلك الروح حبيب لربه ، فهو يلتمس بلطفه تحببا لديه رضاء للرب عنه ، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين " .
قال : " وقال الله - عز وجل - : ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ) [ النحل : 32 ] وقال ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم ) [ الواقعة : 88 ، 89 ] قال : " روح من جهة الموت ، وريحان يتلقى به ، وجنة نعيم تقابله " .
قال : " فإذا قبض ملك الموت روحه ، قالت الروح للجسد : جزاك الله عني خيرا ، فقد كنت سريعا بي إلى طاعة الله ، بطيئا بي عن معصية الله ، فقد نجيت وأنجيت " .
قال : " ويقول الجسد للروح مثل ذلك " .
قال : " وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها ، وكل باب من السماء يصعد منه عمله .
وينزل منه رزقه أربعين ليلة " .
قال : " فإذا قبض ملك الموت روحه ، أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده ، فلا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم ، وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم ، وحنوط قبل حنوط بني آدم ، ويقوم من بين باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة ، يستقبلونه بالاستغفار ، فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده " .
قال : " ويقول لجنوده : الويل لكم .
كيف خلص هذا العبد منكم ، فيقولون إن هذا كان عبدا معصوما " .
قال : " فإذا صعد ملك الموت بروحه ، يستقبله جبريل في سبعين ألفا من الملائكة ، كل يأتيه ببشارة من ربه سوى بشارة صاحبه " .
قال : " فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش ، خر الروح ساجدا " .
قال : " يقول الله - عز وجل - لملك الموت : انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود ، وطلح منضود ، وظل ممدود ، وماء مسكوب " .
قال : " فإذا وضع في قبره ، جاءته الصلاة فكانت عن يمينه ، وجاءه الصيام فكان عن يساره ، وجاءه القرآن فكان عند رأسه ، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه ، وجاءه الصبر فكان ناحية القبر " .
قال : " فيبعث الله - عز وجل - عنقا من العذاب " .
قال : " فيأتيه عن يمينه " قال : " فتقول الصلاة : وراءك والله ما زال دائبا عمره كله وإنما استراح الآن حين وضع في قبره " .
قال : " فيأتيه عن يساره ، فيقول الصيام مثل ذلك " .
قال : " ثم يأتيه من عند رأسه ، فيقول القرآن والذكر مثل ذلك " .
قال : " ثم يأتيه من عند رجليه ، فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك .
فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد مساغا إلا وجد ولي الله قد أخذ جنته " .
قال : " فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج " .
قال : " ويقول الصبر لسائر الأعمال : أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم ، فإن عجزتم كنت أنا صاحبه ، فأما إذ أجزأتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان " .
قال : " ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف ، وأصواتهما كالرعد القاصف ، وأنيابهما كالصياصي ، وأنفاسهما كاللهب ، يطآن في أشعارهما ، بين منكب كل واحد مسيرة كذا وكذا ، وقد نزعت منهما الرأفة والرحمة ، يقال لهما : منكر ونكير ، في يد كل واحد منهما مطرقة ، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها " .
قال : " فيقولان له : اجلس " .
قال : " فيجلس فيستوي جالسا " .
قال : " وتقع أكفانه في حقويه " .
قال : " فيقولان له : من ربك ؟
وما دينك ؟
ومن نبيك ؟
" .
قال : قالوا : يا رسول الله ، ومن يطيق الكلام عند ذلك ، وأنت تصف من الملكين ما تصف ؟
قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) قال : " فيقول : ربي الله وحده لا شريك له ، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة ، ونبيي محمد خاتم النبيين " .
قال : " فيقولان : صدقت " .
قال : فيدفعان القبر ، فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعا ، وعن يمينه أربعين ذراعا ، وعن شماله أربعين ذراعا ، ومن خلفه أربعين ذراعا ، ومن عند رأسه أربعين ذراعا ، ومن عند رجليه أربعين ذراعا " .
قال : " فيوسعان له مائتي ذراع " .
قال البرساني : فأحسبه : وأربعين ذراعا تحاط به .
قال : " ثم يقولان له : انظر فوقك ، فإذا باب مفتوح إلى الجنة " .
قال : " فيقولان له : ولي الله ، هذا منزلك إذ أطعت الله " .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفس محمد بيده إنه يصل إلى قلبه عند ذلك فرحة ، ولا ترتد أبدا ، ثم يقال له : انظر تحتك " .
قال : " فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار قال : " فيقولان : ولي الله نجوت آخر ما عليك " .
قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا " .
قال : فقالت عائشة : يفتح له سبعة وسبعون بابا إلى الجنة ، يأتيه ريحها وبردها ، حتى يبعثه الله - عز وجل - .
وبالإسناد المتقدم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ويقول الله تعالى لملك الموت : انطلق إلى عدوي فأتني به ، فإني قد بسطت له رزقي ، ويسرت له نعمتي ، فأبى إلا معصيتي ، فأتني به لأنتقم منه " .
قال : " فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة ما رآها أحد من الناس قط ، له اثنتا عشرة عينا ، ومعه سفود من النار كثير الشوك ، ومعه خمسمائة من الملائكة ، معهم نحاس وجمر من جمر جهنم ، ومعهم سياط من نار ، لينها لين السياط وهي نار تأجج " .
قال : " فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب كل أصل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر " .
قال : " ثم يلويه ليا شديدا " .
قال : " فينزع روحه من أظفار قدميه " .
قال : " فيلقيها " في عقبيه ثم يسكر عند ذلك عدو الله سكرة ، فيرفه ملك الموت عنه " .
قال : " وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط " .
[ قال : " فيشده ملك الموت شدة ، فينزع روحه من عقبيه ، فيلقيها في ركبتيه ، ثم يسكر عدو الله عند ذلك سكرة ، فيرفه ملك الموت عنه " .
قال : " فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط " ] قال : " ثم ينتره ملك الموت نترة ، فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه " .
قال : " فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة ، فيرفه ملك الموت عنه " .
قال : " وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط " .
قال : " كذلك إلى صدره ، ثم كذلك إلى حلقه " .
قال : ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه " .
قال : " ويقول ملك الموت : اخرجي أيتها الروح اللعينة الملعونة إلى سموم وحميم ، وظل من يحموم ، لا بارد ولا كريم " .
قال : " فإذا قبض ملك الموت روحه قال الروح للجسد : جزاك الله عني شرا ، فقد كنت سريعا بي إلى معصية الله ، بطيئا بي عن طاعة الله ، فقد هلكت وأهلكت " قال : " ويقول الجسد للروح مثل ذلك ، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها ، وتنطلق جنود إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبدا من ولد آدم النار " .
قال : فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ، حتى تدخل اليمنى في اليسرى ، واليسرى في اليمنى " قال : " ويبعث الله إليه أفاعي دهما كأعناق الإبل يأخذن بأرنبته وإبهامي قدميه فيقرضنه حتى يلتقين في وسطه " .
قال : " ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف ، وأصواتهما كالرعد القاصف ، وأنيابهما كالصياصي ، وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما ، بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا ، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة يقال لهما : منكر ونكير ، في يد كل واحد منهما مطرقة ، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها " قال : " فيقولان له : اجلس " .
قال : " فيستوي جالسا " قال : " وتقع أكفانه في حقويه " قال : " فيقولان له : من ربك ؟
وما دينك ؟
ومن نبيك ؟
فيقول : لا أدري .
فيقولان : لا دريت ولا تليت " .
[ قال ] فيضربانه ضربة يتطاير شررها في قبره ، ثم يعودان " .
قال : " فيقولان : انظر فوقك .
فينظر ، فإذا باب مفتوح من الجنة ، فيقولان : هذا - عدو الله - منزلك لو أطعت الله " .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفسي بيده ، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدا " .
قال : " ويقولان له : انظر تحتك فينظر تحته ، فإذا باب مفتوح إلى النار ، فيقولان : عدو الله ، هذا منزلك إذ عصيت الله " .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفسي بيده ، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدا " .
قال : وقالت عائشة : ويفتح له سبعة وسبعون بابا إلى النار ، يأتيه [ من ] حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها .
هذا حديث غريب جدا ، وسياق عجيب ، ويزيد الرقاشي - راويه عن أنس - له غرائب ومنكرات ، وهو ضعيف الرواية عند الأئمة ، والله أعلم .
ولهذا قال أبو داود : حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي ، حدثنا هشام - هو ابن يوسف - عن عبد الله بن بحير ، عن هانئ مولى عثمان ، عن عثمان - رضي الله عنه - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه فقال : " استغفروا لأخيكم ، واسألوا له بالتثبيت ، فإنه الآن يسأل " ، انفرد به أبو داود .
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه عند قوله تعالى : ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم ) الآية [ الأنعام : 93 ] حديثا مطولا جدا ، من طريق غريب ، عن الضحاك ، عن ابن عباس مرفوعا ، وفيه غرائب أيضا .
يقول تعالى ذكره: ألم تنظر يا محمد ( إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) يقول: غيروا ما أنعم الله به عليهم من نعمه ، فجعلوها كُفرا به، وكان تبديلهم نعمة الله كفرا في نبيّ الله محمد صلى الله عليه وسلم ، أنعم الله به على قريش ، فأخرجه منهم ، وابتعثه فيهم رسولا رحمة لهم ، ونعمة منه عليهم ، فكفروا به ، وكذّبوه ، فبدّلوا نعمة الله عليهم به كفرا.
وقوله: ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) يقول: وأنـزلوا قومهم من مُشركي قريش دار البوار ، وهي دار الهلاك ، يقال منه: بار الشيء يبور بورا: إذا هلك وبطل ؛ ومنه قول ابن الزِّبعرى ، وقد قيل إنه لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: يــا رَسُــولَ الملِيــكِ إِنَّ لِسـانِي رَاتِــقٌ مــا فَتَقْـتُ إذْ أنـا بُـورُ (45) ----------------------------- الهوامش : (45) البيت ( في اللسان : بور ) منسوب إلى عبد الله بن الزبعري السهمي قال : رجل بور ، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث ، وأنشد البيت شاهدا عليه .
وفي سيرة ابن هشام أنشد البيت ونسبه إلى ابن الزبعري ، قاله من أبيات حين قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان هاربا منه في نجران.
والراتق الذي يصلح ما بلي أو تمزق من الثوب ، وفتقت يعني ما أحدث في الدين من مقاومة النبي وهجائه بشعره ، وهو إثم يشبه الفتق في الثوب ، والتوبة رتق له ، وبور هالك : يقال رجل بور وبائر ، وهو محل الشاهد عند المؤلف ، وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ، " دار البوار " أي الهلاك والفناء ، ويقال منه بار يبور ، ومنه قول عبد الله ابن الزبعرى البيت .
قوله تعالى : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاءقوله تعالى : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت قال ابن عباس : هو لا إله إلا الله .
وروى النسائي عن البراء قال : قال : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " نزلت في عذاب القبر ; يقال : من ربك ؟
فيقول : ربي الله وديني دين محمد ، فذلك قوله : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " .وقد جاء هكذا موقوفا في بعض طرق مسلم عن البراء أنه قوله ، والصحيح فيه الرفع كما في صحيح مسلم وكتاب النسائي وأبي داود وابن ماجه وغيرهم ، عن البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ; وذكر البخاري ; حدثنا جعفر بن عمر ، قال حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أقعد المؤمن في قبره أتاه آت ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [ ص: 318 ] وقد بينا هذا الباب في كتاب التذكرة وبينا هناك من يفتن في قبره ويسأل ، فمن أراد الوقوف عليه تأمله هناك .
وقال سهل بن عمار : رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته ، فقلت له : ما فعل الله بك ؟
فقال : أتاني في قبري ملكان فظان غليظان ، فقالا : ما دينك ومن ربك ومن نبيك ؟
فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت : ألمثلي يقال هذا وقد علمت الناس جوابكما ثمانين سنة ؟
!
فذهبا وقالا : أكتبت عن حريز بن عثمان ؟
قلت نعم !
فقالا : إنه كان يبغض عليا فأبغضه الله .
وقيل : معنى ، يثبت الله يديمهم الله على القول الثابت ، ومنه قول عبد الله بن رواحة :يثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصراوقيل : يثبتهم في الدارين جزاء لهم على القول الثابت .
وقال القفال وجماعة : في الحياة الدنيا أي في القبر ; لأن الموتى في الدنيا إلى أن يبعثوا ، وفي الآخرة أي عند الحساب ; وحكاه الماوردي عن البراء قال : المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر ، وبالآخرة المساءلة في القيامة :ويضل الله الظالمين أي عن حجتهم في قبورهم كما ضلوا في الدنيا بكفرهم فلا يلقنهم كلمة الحق ، فإذا سئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري ; فيقول : لا دريت ولا تليت ; وعند ذلك يضرب بالمقامع على ما ثبت في الأخبار ; وقد ذكرنا ذلك في كتاب التذكرة .
وقيل : يمهلهم حتى يزدادوا ضلالا في الدنيا ." ويفعل الله ما يشاء " من عذاب قوم وإضلال قوم .
وقيل : إن سبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وصف مساءلة منكر ونكير وما يكون من جواب الميت .
قال عمر : يا رسول الله معي عقلي ؟
قال : نعم قال : كفيت إذا ; فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية .
يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها.
وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين، للجواب الصحيح، إذا قيل للميت " من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟
" هداهم للجواب الصحيح بأن يقول المؤمن: " الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي " { وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ } عن الصواب في الدنيا والآخرة، وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم، وفي هذه الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه، ونعيمه، كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة، وصفتها، ونعيم القبر وعذابه.
قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) كلمة التوحيد ، وهي قول : لا إله إلا الله ( في الحياة الدنيا ) يعني قبل الموت ( وفي الآخرة ) يعني في القبر .
هذا قول أكثر أهل التفسير .
وقيل : " في الحياة الدنيا " : عند السؤال في القبر ، " وفي الآخرة " : عند البعث .
والأول أصح .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، أخبرني علقمة بن مرثد قال : سمعت سعيد بن عبيدة ، عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) .
وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنبأنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة بهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) قال : نزلت في عذاب القبر يقال له : من ربك ؟
فيقول : ربي الله ، ونبيي محمد ، فذلك قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) الآية .
وأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عياش بن الوليد ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا سعيد ، عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فيقعدانه ، فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ، لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟
فأما المؤمن ، فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله .
فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار ، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة ، فيراهما جميعا " قال قتادة : وذكر لنا أنه يفسح له في قبره ، ثم رجع إلى حديث أنس قال : وأما المنافق والكافر ، فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟
فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال له : لا دريت ولا تليت ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين " .
أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي ، حدثنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي ، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ ، حدثنا عبد الله بن سعيد ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا عنبسة بن سعيد بن كثير ، حدثني جدي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الميت يسمع حس النعال إذا ولى عنه الناس مدبرين ، ثم يجلس ويوضع كفنه في عنقه ثم يسأل " .
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان ، يقال لأحدهما : المنكر ، وللآخر النكير ، فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول : هو عبد الله ورسوله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله ، فيقولان له : قد كنا نعلم أنك تقول هذا ، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ، ثم ينور له فيه ، ثم يقال : نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ، حتى يبعثه الله تعالى ، وإن كان منافقا أو كافرا قال : سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله ، لا أدري ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه ، فتختلف أضلاعه ، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك " .
وروي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن وقال : " فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ربك ؟
وما دينك ؟
ومن نبيك ؟
[ فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد ، فينتهرانه ، ويقولان له الثانية : من ربك ؟
وما دينك ؟
ومن نبيك ؟
] وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فيثبته الله عز وجل ، فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي ، قال : فذلك قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنبأنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام ، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي ، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء أبو إسحاق حدثنا هشام بن يوسف حدثنا عبد الله بن يحيى ، عن هانئ مولى عثمان قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال : " استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت ، فإنه الآن يسأل " .
وقال عمرو بن العاص في سياق الموت وهو يبكي : فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار ، فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم ، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي .
قوله تعالى : ( ويضل الله الظالمين ) أي : لا يهدي المشركين إلى الجواب بالصواب في القبر ( ويفعل الله ما يشاء ) من التوفيق ، والخذلان ، والتثبيت ، وترك التثبيت .
«يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» هي كلمة التوحيد «في الحياة الدنيا وفي الآخرة» أي في القبر لما يسألهم الملكان عن ربهم ودينهم ونبيهم فيجيبون بالصواب كما في حديث الشيخين «ويضل الله الظالمين» الكفار فلا يهتدون للجواب بالصواب بل يقولون لا ندري كما في الحديث «ويفعل الله ما يشاء».
يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الحق الراسخ، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وما جاء به من الدين الحق يثبتهم الله به في الحياة الدنيا، وعند مماتهم بالخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال المَلَكين بهدايتهم إلى الجواب الصحيح، ويضل الله الظالمين عن الصواب في الدنيا والآخرة، ويفعل الله ما يشاء من توفيق أهل الإيمان وخِذْلان أهل الكفر والطغيان.
وقوله سبحانه - ( يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة ) بيان لفضل الله - تعالى - على هؤلاء المؤمنين ، ولحسن عاقبتهم .
.والمراد بالحياة الدنيا : مدة حياتهم فى هذه الدنيا .والمراد بالآخرة : ما يشمل سؤالهم فى القبر وسؤالهم فى مواقف القيامة .والمعنى : يثبت الله - تعالى - الذين آمنوا بالقول الثابت أى : الصادق الذى لا شك فيه ، فى الحياة الدنيا ، بأن يجعلهم متمسكين بالحق ، ثابتين عليه دون أن يصرفهم عن ذلك ترغيب أو ترهيب .ويثبتهم أيضاً بعد مماتهم ، بأن يوفقهم إلى الجواب السديد عند سؤالهم فى القبر وعند سؤالهم فى مواقف يوم القيامة .قال الآلوسى ما ملخصه : " قوله - تعالى - ( يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت ) أى : الذى ثبت عندهم وتمكن فى قلوبهم ، وهو الكلمة الطيبة التى ذكرت صفتها العجيبة .
.
.
( فِي الحياة الدنيا ) أى يثبتهم بالبقاء على ذلك مدة حياتهم ، فلا يزالون عند الفتنة .
.
( وَفِي الآخرة ) أى بعد الموت وذلك فى القبر الذى هو أول منزل من منازل الآخرة ، وفى مواقف القيامة ، فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم هناك ، ولا تدهشهم الأهوال .
.
.
" .وقوله : ( وَيُضِلُّ الله الظالمين ) بيان لسوء عاقبة أصحاب المثل الثانى وهم الكافرون .أى : ويخلق فيهم الضلال عن الحق بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان .( وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ ) فعله ، عن تثبيت من يريد تثبيته ، وإضلال من يريد إضلاله ، حسبما تقتضيه إرادته وحكمته ، لاراد لأمره ، ولا معقب لحكمه .
اعلم أنه تعالى لما بين أن صفة الكلمة الطيبة أن يكون أصلها ثابتاً، وصفة الكلمة الخبيثة أن لا يكون لها أصل ثابت بل تكون منقطعة ولا يكون لها قرار ذكر أن ذلك القول الثابت الصادر عنهم في الحياة الدنيا يوجب ثبات كرامة الله لهم، وثبات ثوابه عليهم، والمقصود: بيان أن الثبات في المعرفة والطاعة يوجب الثبات في الثواب والكرامة من الله تعالى فقوله: ﴿ يُثَبّتُ الله ﴾ أي على الثواب والكرامة، وقوله: ﴿ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ أي بالقول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا.
ثم قال: ﴿ وَيُضِلُّ الله الظالمين ﴾ يعني كما أن الكلمة الخبيثة ما كان لها أصل ثابت ولا فرع باسق فكذلك أصحاب الكلمة الخبيثة وهم الظالمون يضلهم الله عن كراماته ويمنعهم عن الفوز بثوابه وفي الآية قول آخر وهو القول المشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على الحق.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله: ﴿ يُثَبِّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ قال: حين يقال له في القبر من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم والمراد في الباء في قوله: ﴿ بالقول الثابت ﴾ هو أن الله تعالى إنما ثبتهم في القبر بسبب مواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول، ولهذا الكلام تقرير عقلي وهو أنه كلما كانت المواظبة على الفعل أكثر كان رسوخ تلك الحالة في العقل والقلب أقوى، فكلما كانت مواظبة العبد على ذكر لا إله إلا الله وعلى التأمل في حقائقها ودقائقها أكمل وأتم كان رسوخ هذه المعرفة في عقله وقلبه بعد الموت أقوى وأكمل.
قال ابن عباس: من داوم على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها وإنما فسر الآخرة هاهنا بالقبر، لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا ودخل في أحكام الآخرة وقوله: ﴿ وَيُضِلُّ الله الظالمين ﴾ يعني أن الكفار إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري وإنما قال ذلك لأن الله أضله وقوله: ﴿ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ ﴾ يعني إن شاء هدى وإن شاء أضل ولا اعتراض عليه في فعله ألبتة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القول الثابت ﴾ الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه، فاعتقده واطمأنت إليه نفسه، وتثبيتهم به في الدنيا: أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وكما ثبت جرجيس وشمسون وغيرهما.
وتثبيتهم في الآخرة.
أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم، لم يتلعثموا ولم يبهتوا، ولم تحيرهم أهوال الحشر.
وقيل معناه الثبات عند سؤال القبر.
وعن البراء ابن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكر قبض روح المؤمن فقال: «ثم يعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟
فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ » .
﴿ وَيُضِلُّ الله الظالمين ﴾ الذين لم يتمسكوا بحجة في دينهم، وإنما اقتصروا على تقليد كبارهم وشيوخهم، كما قلد المشركون آباءهم فقالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنآ ءابآءَنَا ﴾ [الزخرف: 22- 23] وإضلالهم في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أوّل شيء، وهم في الآخرة أضل وأذل ﴿ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآء ﴾ أي ما توجبه الحكمة؛ لأن مشيئة الله تابعة للحكمة، من تثبيت المؤمنين وتأييدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين وخذلانهم، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ ﴾ الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ عِنْدَهم وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فَلا يَزالُونَ إذا فُتِنُوا في دِينِهِمْ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ وجُرْجِيسَ وشَمْعُونَ والَّذِينَ فَتَنَهم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ في المَوْقِفِ، ولا تُدْهِشُهم أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ.
وَرُوِيَ «أنَّهُ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقالَ: ثُمَّ تُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ في قَبْرِهِ ويَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ ؟
وما دِينُكَ ؟
ومَن نَبِيُّكَ ؟
فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنْ صَدَقَ عَبْدِي فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ ﴾ .» ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِاقْتِصارِ عَلى التَّقْلِيدِ فَلا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ ولا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ.
﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ مِن تَثْبِيتِ بَعْضٍ وإضْلالِ آخَرِينَ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)
{يثبت الله الذين آمنوا} أي يديمهم عليه {بالقول الثابت} هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله {في الحياة الدنيا} حتى إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود وغير ذلك {وَفِي الآخرة} الجمهور على أن المراد به في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب فعن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيى محمد صلى الله عليه وسلم فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ثم يقول
الملكان عشت سعيداً ومت حميداً نم نومة العروس {وَيُضِلُّ الله الظالمين} فلا يثبتهم على القول الثابت في مواقف الفتن ونزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأزل {وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء} فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين
﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ ﴾ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهم وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ وهو الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ صِفَتُها العَجِيبَةُ والظّاهِرُ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِيُثَبِّتُ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ يُثَبِّتُهم بِالبَقاءِ عَلى ذَلِكَ مُدَّةَ حَياتِهِمْ فَلا يَزالُونَ إذا قُيِّضَ لَهم مَن يَفْتِنُهم ويُحاوِلُ زَلَلَهم عَنْهُ كَما جَرى لِأصْحابِ الأُخْدُودِ ولِجُرْجِيسَ وشَمْسُونَ وكَما جَرى لِبِلالٍ وكَثِيرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ وفِي الآخِرَةِ ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ وذَلِكَ في القَبْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنازِلِ الآخِرَةِ وفي مَواقِفِ القِيامَةِ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ هُناكَ ولا تَدْهَشُهُمُ الأهْوالُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: التَّثْبِيتُ في الحَياةِ الدُّنْيا إذا جاءَ المَلَكانِ إلى الرَّجُلِ في القَبْرِ فَقالا لَهُ: مَن رَبُّكَ قالَ: رَبِّيَ اللَّهُ قالا: وما دِينُكَ قالَ: دِينِي الإسْلامُ قالا: ومَن نَبِيُّكَ قالَ: نَبِيِّ مُحَمَّدٌ وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ الآخِرَةِ يَوْمُ القِيامَةِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ ﴾ ..
إلَخْ في الآخِرَةِ القَبْرِ» وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالحَياةِ الدُّنْيا مُدَّةُ الحَياةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ نَعَمِ اخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا مُدَّةُ حَياتِهِمْ والآخِرَةَ يَوْمُ القِيامَةِ والعَرَضُ وكانَ الدّاعِي لِذَلِكَ عُمُومَ الَّذِينَ آمَنُوا وشُمُولَهم لِمُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَعَ عَدَمِ عُمُومِ سُؤالِ القَبْرِ وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ الأوَّلِ بِآمَنُوا عَلى مَعْنى آمَنُوا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَوَحَّدُوهُ ونَزَّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ سُبْحانَهُ وكَذا جُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ الثّانِي بِالثّابِتِ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ التَّثْبِيتَ في الدُّنْيا الفَتْحُ والنَّصْرُ وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ والثَّوابُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَكادُ يُقالُ وأمْرُ تَعَلُّقِ الجارَّيْنِ ما قَدَّمْنا وهَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِثالُ إيتاءِ الشَّجَرَةِ أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ﴿ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِمُ الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي ثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ حَسَبَ إرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمُ النّاشِئِ عَنْ سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ والمُرادُ بِهِمُ الكَفَرَةُ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِمْ بِالَّذِينِ آمَنُوا ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ إمّا بِاعْتِبارِ وضْعِهِمْ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وإمّا بِاعْتِبارِ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ حَيْثُ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى القَوْلِ الثّابِتِ أوْ حَيْثُ قَلَّدُوا أهْلَ الضَّلالِ وأعْرَضُوا عَنِ البَيِّناتِ الواضِحَةِ وإضْلالُهم عَلى ما قِيلَ في الدُّنْيا أنَّهم لا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ وتَزِلُّ أقْدامُهم أوَّلَ شَيْءٍ وهم في الآخِرَةِ أضَلُّ وأزَلُّ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الكافِرَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ تَنْزِلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَضْرِبُونَ وجْهَهُ ودُبُرَهُ فَإذا دَخَلَ قَبْرَهُ أُقْعِدَ فَقِيلَ لَهُ: مَن رَبُّكَ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ شَيْئًا وأنْساهُ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ ذَلِكَ وإذا قِيلَ لَهُ: مَنِ الرَّسُولُ الَّذِي بُعِثَ إلَيْكم لَمْ يَهْتَدِ لَهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ شَيْئًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ﴾ : ﴿ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ .
(27) .
مِن تَثْبِيتِ بَعْضٍ وإضْلالِ بَعْضٍ آخَرِينَ حَسْبَما تُوجِبُهُ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكَمِ البالِغَةِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ مِنَ الفَخامَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما لا يَخْفى مَعَ ما فِيهِ كَما قِيلَ مِنَ الإيذانِ بِالتَّفاوُتِ في مَبادِئِ التَّثْبِيتِ والإضْلالِ فَإنَّ مَبْدَأ صُدُورِ كُلٍّ مِنهُما عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِفاتِهِ العُلا غَيْرُ ما هو مَبْدَأُ صُدُورِ الآخَرِ وفي ظاهِرِ الآيَةِ مِنَ الرَّدِّ عَلى المُعْتَزِلَةِ ما <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ يعني: كلمة الشرك كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ وهي الحنظلة ليس لها حلاوة ولا رائحة طيبة، فكذلك الشرك بالله خبيث.
ثم وصف الشجرة فقال: اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أي: اقتلعت من فوق الأرض مَا لَها مِنْ قَرارٍ يعني: ليس لها أصل، تجيء بها الريح، وتذهب.
فكذلك الكفر ليس له أصل، ولا حجة في الأرض، ولا في السماء.
ثم قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ بلا إله إلا الله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: يثّبتهم على ذلك القول عند النزع وَفِي الْآخِرَةِ يعني: في القبر.
وقال البراء بن عازب: «نزلت الآية في عذاب القبر: يسأل من ربك؟
ومن نبيك؟
وما دينك؟
يعني: إذا أجاب فقد ثبّته الله تعالى» .
وقال الضحاك: إذا وضع المؤمن في قبره وانصرف عنه الناس، دخل عليه ملكان، فيجلسانه ويسألانه: من ربك؟
ومن نبيك؟
وما دينك؟
وما كتابك؟
وما قبلتك؟
فيثبّته الله في القبر، كما يثبته في الحياة الدنيا بالإقرار بالله تعالى وكتبه ورسله.
وروى ابن طاوس عن أبيه أنه قال: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: قول لا إله إلا الله، يثّبتهم عليها في الدنيا، وَفِي الْآخِرَةِ عند المسألة في القبر.
وهكذا قال قتادة.
وقال الربيع بن أنس فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: في القبر وَفِي الْآخِرَةِ يعني: يوم الحساب.
ويقال: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ يعني: يموت مع الإيمان، ويبعث على الإيمان يوم القيامة.
ثم قال: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ يعني: يضلهم عن الحجة، فلا يقولونها في القبر.
وروي عن رسول الله أنه قال: «إذا دخل الكافر والمنافق قبره.
قالا له: من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟
فيقول: لا أدري، فيقولان له: لا دريت ويضربانه بمرزبة، فيصيح صيحة يسمعها ما بين الخافقين، إلا الجن والإنس» (١) (١) حديث أنس: أخرجه البخاري (1338) (1374) ومسلم (2870) (71) والنسائي: 4/ 98 وأحمد: 3/ 126.
<div class="verse-tafsir"
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)
وقوله سبحانه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ:
بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: كلمةُ الإِخلاصِ والنجاةِ من النَّار: «لا إله إِلا اللَّه» ، والإِقرارُ بالنبوَّة، وهذه الآية تعمُّ العالَمَ مِنْ لدنْ آدم عليه السلام إِلى يوم القيامةِ.
قال طَاوُسٌ، وقتادة، وجمهور من العلماء: الْحَياةِ الدُّنْيا هي مدَّة حياةِ الإِنسان، وَفِي الْآخِرَةِ وَقْتُ سؤاله في قَبْرِهِ «١» ، وقال البَرَاء بنَ عَازِبٍ وجماعة: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: هي وقتُ سؤاله في قبره، ورواه البراء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في لفظ متأوَّلٍ، وفي الآخرة: هو يوم القيامة عندَ العَرْض، والأولُ أحسن، ورجَّحه الطبريُّ.
ت «٢» : ولفظ البخاريِّ عن البراءِ بْنِ عازِبٍ/ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ» .
انتهى، وحديثُ البَرَاءِ خَرَّجه البخاريُّ ومسلم وأبو داود والنسائيُّ وابنُ ماجه «٣» ، قال صاحب «التذكرة» «٤» : وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو هريرة وابن مسعود وابنُ عباس وأبو سَعِيدٍ الخدريُّ قال أبو سعيد
الخدريّ: كنّا في جنازة مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا فإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ في هَذَا الرَّجُلِ ...
» الحديثَ، وفيه: فَقَالَ بَعْضُ أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مطراق إلّا هبل، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ «١» انتهى.
قال أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البِرِّ: وُروِّينا من طرق أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ لِعُمَرَ: كَيْفَ بِكَ يَا عُمَرُ، إِذَا جَاءَكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، إِذَا مُتَّ، وانطلق بِكَ قَوْمُكَ، فَقَاسُوا ثَلاَثَةَ أَذْرُعٍ وشِبْراً في ذِرَاعٍ وَشِبْرٍ، ثُمَّ غَسَّلُوكَ، وَكَفَّنُوكَ، وَحَنَّطُوكَ، ثُمَّ احتملوك، فَوَضَعُوكَ فِيهِ، ثُمَّ أَهَالُوا عَلَيْكَ التُّرَابَ، فَإِذَا انصرفوا عَنْكَ أَتَاكَ فَتَّانَا الْقَبْرِ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، أَصْواتُهُمَا كَالرَّعْدِ القَاصِفِ، وَأَبْصَارُهُمَا كَالبَرْقِ الخَاطِفِ يَجُرَّانِ شُعُورَهُمَا، مَعَهُمَا مِرْزَبَةٌ، لَوْ اجتمع عَلَيْهَا أَهْلُ الأَرْضِ لَمْ يَقْلِبُوهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِن فَرِقْنَا فَحَقٌّ لَنَا أَنْ نَفْرَقَ أَنُبْعَثُ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: إِذَنْ أَكْفِيَكَهُمَا» ، انتهى «٢» ، و «الظالمون» في هذه الآية: الكافرون، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ، أي: بحقِّ الملك فلا رادَّ لأَمره، ولا معقِّب لِحُكْمه، وجاءتْ أحاديثٌ صحيحةٌ في مُسَاءلة العبد في قبره، وجماعة السُّنَّة تقولُ: إِنَّ اللَّه سبْحَانه يَخْلُقُ للعَبْدِ في قَبْرِهِ إِدراكاتٍ وتحصيلاً: إِما بحياةٍ كالمتعارفة، وإِما بحضورِ النَّفْس، وإِن لم تتلبَّس بالجَسَدِ كالعُرْف، كلُّ هذا جائزٌ في قُدْرة اللَّه تَبَارَكَ وتعالى غير أنَّ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ «أَنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ» ، ومنها: أنه يرى الضوء كَأَنَّ الشمْسَ دَنَتْ للغروب، وفيها أنه يُرَاجَعُ، وفيها: «فَيُعَادُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ» ، وهذا كلُّه يتضمَّن الحياةَ، فسُبْحَانَ مَنْ له هذه القدرة العظيمة، وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً: المراد ب الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ: كَفَرَةُ قُريشٍ، وقد خرَّجه البخاريُّ وغيره مسنداً عن ابن عباس «٣» انتهى، والتقديرُ: بدَّلوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْراً، ونِعْمَةُ اللَّه تعالى في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهم عَلى الحَقِّ بِالقَوْلِ الثّابِتِ، وهو شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا: زَمانُ الحَياةِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، والآخِرَةُ: زَمانُ المُساءَلَةِ في القَبْرِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وفِيهِ أحادِيثُ تُعَضِّدُهُ.
والثّانِي: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا: زَمَنُ السُّؤالِ في القَبْرِ، والآخِرَةُ: السُّؤالُ في القِيامَةِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ طاوُوسُ، وقَتادَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ في فِتْنَةِ القَبْرِ، وسُؤالِ المَلَكَيْنِ، وتَلْقِينِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ كَلِمَةَ الحَقِّ عِنْدَ السُّؤالِ، وتَثْبِيتِهِ إيّاهُ عَلى الحَقِّ.
﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، يُضِلُّهم عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، ﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ مِن هِدايَةِ المُؤْمِنِ وإضْلالِ الكافِرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثابِتِ في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللهُ الظالِمِينَ ويَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ ﴾ ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ ﴾ ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النارِ ﴾ القَوْلُ الثابِتُ في الحَياةِ الدُنْيا وفي الأخَرَةِ كَلِمَةُ الإخْلاصِ والنَجاةُ مِنَ النارِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" والإقْرارُ بِالنُبُوَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ العالَمَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقالَ طاوُسُ، وقَتادَةُ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ هي مُدَّةُ حَياةِ الإنْسانِ، ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ هي وقْتُ سُؤالِهِ في القَبْرِ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وجَماعَةٌ: ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ هي وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَواهُ البَراءُ عَنِ النَبِيِّ في لَفْظٍ مُتَأوَّلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ في مُدَّةِ وُجُودِ الدُنْيا، وقَوْلُهُ: " في الآخِرَةِ " هو يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ.
والأوَّلُ أحْسَنُ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
و"الظالِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكافِرُونَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ عادَلَ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وعادَلَ التَثْبِيتَ بِالإضْلالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِهَذا التَقْسِيمِ المُتَقَدِّمِ، وكَأنَّ امْرَءًا رَأى التَقْسِيمَ فَطَلَبَ في نَفْسِهِ عِلَّتَهُ فَقِيلَ لَهُ: ﴿ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ بِحَقِّ المُلْكِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في صِفَةِ مُساءَلَةِ العَبْدِ في قَبْرِهِ أحادِيثَ مِنها ما وقَعَ في الصَحِيحِ، وهي مِن عَقائِدَ الدِينِ، وأنْكَرَتْ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، ولَمْ تَقُلْ بِأنَّ العَبْدَ يُسْألُ في قَبْرِهِ، وجَماعَةُ السُنَّةِ تَقُولُ: إنَّ اللهَ يَخْلُقُ لَهُ في قَبْرِهِ إدْراكاتٍ وتَحْصِيلًا، إمّا بِحَياةٍ كالمُتَعارَفَةِ وإمّا بِحُضُورِ النَفْسِ وإنْ لَمْ تَتَلَبَّسْ بِالجَسَدِ كالعُرْفِ، كُلُّ هَذا جائِزٌ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، غَيْرَ أنَّ في الأحادِيثِ إنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِعالِ، ومِنها أنَّهُ يَرى الضَوْءَ كالشَمْسِ دَنَتْ لِلْغُرُوبِ، وفِيها: أنَّهُ يُراجِعُ، وفِيها: فَتُعادُ رُوحُهُ إلى جَسَدِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُ الحَياةَ، فَسُبْحانَ رَبِّ هَذِهِ القُدْرَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا ﴾ ، هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مِثالٍ مِنَ الظالِمِينَ، والتَقْدِيرُ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللهِ كُفْرًا، وهَذا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ ، ونِعْمَةُ اللهِ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ودِينُهُ، أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا النِعْمَةَ ولَمْ يَقْبَلُوها وتَبَدَّلُوا بِها الكُفْرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرَةُ قُرَيْشٍ جُمْلَةً، هَذا بِحَسْبِ ما اشْتُهِرَ مِن حالِهِمْ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أنَّها نَزَلَتْ في الأفْجَرَيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَّيَّةَ، قالَ عُمْرُ: فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفُّوا يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمِّيَّةٍ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها فِيهِ نَزَلَتْ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وإنَّما أرادَ أنَّها تَحْصُرُ مَن فَعَلَ فِعْلَ جَبَلَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأحَلُّوا قَوْمَهُمْ ﴾ أيْ: مَن أطاعَهم وكانَ مَعَهم في التَبْدِيلِ، فَكَأنَّ الإشارَةَ والتَعْنِيفَ إنَّما هي لِلْرُؤُوسِ والأعْلامِ، و[البَوارُ] الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي ∗∗∗ راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ قالَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ هو وغَيْرُهُ: إنَّهُ يُرْوى لِابْنِ الزِبَعْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "البَوارِ" الهَلاكَ في الآخِرَةِ فَفَسَّرَهُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها ﴾ ، أيْ: يَحْتَرِقُونَ في حَرِّها ويَحْتَمِلُونَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "البَوارِ" الهَلاكَ في الدُنْيا بِالقَتْلِ والخِزْيِ فَتَكُونُ "الدارُ" قَلِيبَ بَدْرٍ ونَحْوَهُ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلى بَدْرٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "جَهَنَّمَ" نَصْبًا عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: "زَيْدًا ضَرَبْتُهُ" بِإضْمارِ فِعْلٍ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، و"القَرارُ" مَوْضِعُ اسْتِقْرارِ الإنْسانِ.
و"الأنْدادُ" جَمْعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ والشَبِيهُ المُناوِئُ، والمُرادُ الأصْنامُ.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيُضِلُّوا" بِضَمِّ الياءِ لامُ كَيْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لِيَضِلُّوا" بِفَتْحِ الياءِ، أيْ هم أنْفُسُهُمْ، فاللامُ -عَلى هَذا- لامُ عاقِبَةٍ وصَيْرُورَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، أيْ: يُضِلُّوا غَيْرَهم.
وأمْرُهم بِالتَمَتُّعِ هو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عما أثاره تمثيل الكلمة الطيبة بالشجرة الثابتة الأصل بأن يسأل عن الثبات المشبه به: ما هو أثره في الحالة المشبهة فيجاب بأن ذلك الثبات ظهر في قلوب أصحاب الحالة المشبهة وهم الذين آمنوا إذ ثبتوا على الدين ولم يتزعزعوا فيه لأنهم استثمروا من شجرة أصلها ثابت.
والقول: الكلام.
والثابت الصادق الذي لا شك فيه.
والمراد به أقوال القرآن لأنها صادقة المعاني واضحة الدليل، فالتعريف في ﴿ القول ﴾ لاستغراق الأقوال الثابتة.
والباء في ﴿ بالقول ﴾ للسببية.
ومعنى تثبيت الذين آمنوا بها أن الله يسر لهم فيهم الأقوال الإلهية على وجهها وإدراك دلائلها حتى اطمأنت إليها قلوبهم ولم يخامرهم فيها شك فأصبحوا ثابتين في إيمانهم غير مزعزعين وعاملين بها غير مترددين.
وذلك في الحياة الدنيا ظاهر، وأما في الآخرة فبإلفائهم الأحوال على نحو مما علموه في الدنيا، فلم تعترهم ندامة ولا لهف.
ويكون ذلك بمظاهر كثيرة يَظهر فيها ثباتهم بالحق قولاً وانسياقاً، وتظهر فيها فتنة غير المؤمنين في الأحوال كلها.
وتفسير ذلك بمقابلته بقوله: ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ ، أي المشركين، أي يجعلهم في حيرة وعَماية في الدنيا وفي الآخرة.
والضلال: اضطراب وارتباك، فهو الأثر المناسب لسببه، أعني الكلمة التي اجتثت من فوق الأرض كما دلت عليه المقابلة.
والظالمون: المشركون، قال تعالى: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [سورة لقمان: 13].
ومن مظاهر هذا التثبيت فيهما ما ورد من وصف فتنة سؤال القبر.
روى البخاري والترمذي عن البَرَاء بن عازب أن رسول الله قال: المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}.
وجملة ﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ كالتذليل لما قبلها.
وتحت إبهام ﴿ ما يشاء ﴾ وعمومه مطاوٍ كثيرة من ارتباط ذلك بمراتب النفوس، وصفاء النيات في تطلب الإرشاد، وتربية ذلك في النفوس بنمائه في الخير والشر حتى تبلغ بذور تيْنك الشجرتين منتهى أمدهما من ارتفاع في السماء واجتثاث من فوق الأرض المعبر عنها بالتثبيت والإضلال.
وفي كل تلك الأحوال مراتب ودرجات لا تبلغ عقول البشر تفصيلها.
وإظهار اسم الجلالة في ﴿ ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ﴾ لِقصد أن تكون كل جملة من الجمل الثلاث مستقلة بدلالتها حتى تسير مسير المثَل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَزِيدُهُمُ اللَّهُ أدِلَّةً عَلى القَوْلِ الثّابِتِ.
الثّانِي: يُدِيمُهُمُ اللَّهُ عَلى القَوْلِ الثّابِتِ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ.
يُثَبِّتُ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حُسْنٍ تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِالقَوْلِ الثّابِتِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّهادَتانِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ القُرْآنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطيالسي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم إذا سئل في القبر، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فذلك قوله سبحانه ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قول الله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: ذلك في القبر، إن كان صالحاً وفق، وإن كان لا خير فيه وجد أثلة.
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد بن حنبل وهناد بن السري في الزهد، وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله- وكأن على رؤوسنا الطير- وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر.
ثم يجيء ملك الموت، ثم يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.
قال: فتخرج...
تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، وإن كنتم ترون غير ذلك، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟...
فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى تنتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.
فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟
فيقول: ربي الله.
فيقولان له: ما دينك؟
فيقول: ديني الإِسلام.
فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟
فيقول: هو رسول الله.
فيقولان له: وما علمك؟
فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت.
فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك...
هذا يومك الذي كنت توعد.
فيقول له: من أنت؟
فوجهك الوجه يجيء بالخير.
فيقول له: أنا عملك الصالح.
فيقول: رب أقم الساعة...
رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح.
فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب.
فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها.
فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح.
ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض.
فيصعدون بها...
فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة.
إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟!...
فيقولون: فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا.
حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له.
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ [ الأعراف: 40] فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى.
فتطرح روحه طرحاً.
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ﴾ [ الحج: 31] فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟
فيقول: هاه...
هاه؟!...
لا أدري.
فيقولان له: ما دينك؟
فيقول: هاه...
هاه؟!...
لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول: هاه...
هاه...
لا أدري.
فينادي مناد من السماء، أن كذب عبدي، فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار.
فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك...
هذا يومك الذي كنت توعد.
فيقول: من أنت؟!...
فوجهك الوجه يجيء بالشر.
فيقول: أنا عملك الخبيث.
فيقول: رب لا تقم الساعة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب رضي الله عنه ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ﴾ قال: التثبيت في الحياة الدنيا، إذا جاء الملكان إلى الرجل والقبر فقالا له: من ربك؟
قال: ربي الله.
قالا: وما دينك؟
قال: ديني الإِسلام.
قالا: ومن نبيك؟
قال: نبيي محمد فذلك التثبيت في الحياة الدنيا.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: « ﴿ في الآخرة ﴾ القبر» .
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: المخاطبة في القبر: من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟...
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «قال النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: هذا في القبر» .
وأخرج البيهقي في عذاب القبر عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بي يفتن أهل القبور وفيه نزلت ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ » .
وأخرج البزار عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، تبتلى هذه الأمة في قبورها، فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟...
قال: « ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، «وذكر قبض روح المؤمن: فيأتيه آت فيقول: من ربك؟
فيقول: الله.
فيقول: وما دينك؟
فيقول: الإِسلام.
فيقول: ومن نبيك؟
فيقول: محمد.
ثم يسأل الثانية فيقول مثل ذلك، ثم يسأل الثالثة ويؤخذ أخذاً شديداً فيقول مثل ذلك.
فذلك قول الله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا الثابت ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في عذاب القبر، عن ابن عباس قال: إن المؤمن إذا حضره الموت، شهدته الملائكة فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات، مشوا معه في جنازته ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن، أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟
فيقول: ربي الله.
فيقال له من رسولك؟
فيقول: محمد.
فيقال له: ما شهادتك؟
فيقول: اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
فذلك قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا...
﴾ الآية.
فيوسع له في قبره مد بصره.
وأما الكافر، فتنزل الملائكة فيبسطون أيديهم- والبسط هو الضرب- يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت، فإذا دخل قبره أقعد فقيل له من ربك؟
فلم يرجع إليهم شيئاً وأنساه الله ذكر ذلك.
وإذا قيل له: من الرسول الذي بعث إليكم؟
لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئاً، فذلك قوله: ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ .
وأخرج ابن جرير والطبراني والبيهقي في عذاب القبر، عن ابن مسعود قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟
فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيي محمد.
فيوسع له في قبره ويفرج له فيه.
ثم قرأ ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت...
﴾ الآية.
وإن الكافر إذا دخل قبره أجلس فقيل له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟
فيقول: لا أدري.
فيضيق عليه قبره ويعذب فيه.
ثم قرأ ابن مسعود ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ﴾ [ طه: 124] .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن منده والطبراني في الأوسط، عن أبي قتادة الأنصاري قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟
فيقول: الله.
فيقال له: من نبيك؟
فيقول: محمد بن عبد الله.
فيقال له ذلك ثلاث مرات، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له: انظر إلى منزلك لو زغت.
ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى منزلك في الجنة أن ثبتّ.
وأذا مات الكافر، أجلس في قبر فيقال: من ربك؟
من نبيك؟...
فيقول: لا أدري...
كنت أسمع الناس يقولون.
فيقال له: لا دريت.
ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى منزلك لو ثَبَتّ، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له: انظر إلى منزلك إذ زغت.
فذلك قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ﴾ قال: لا إله إلا الله ﴿ وفي الآخرة ﴾ قال: المسألة في القبر.
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن أبي عاصم في السنة، والبزار وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في عذاب القبر بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدري قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة فقال: «يا أيها الناس، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها...
فإذا الإِنسان دفن فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق فأقعده قال: ما تقول في هذا الرجل؟
فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
فيقول له: صدقت.
ثم يفتح له باب إلى النار فيقول له: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك.
فيفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه فيقول له: اسكن.
ويفسح له في قبره.
وإن كان كافراً أو منافقاً، قيل له: ما تقول في هذا الرجل؟
فيقول: لا أدري...
سمعت الناس يقولون شيئاً.
فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت.
ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به، فإن الله أبدلك منه هذا، ويفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه مقمعة بالمطراق يسمعها خلق الله كلها غير الثقلين» .
فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هبل عن ذلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: «شهدنا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس قال: إنه الآن يسمع خفق نعالكم، أتاه منكر ونكير...
عيناهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد، فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد، ومن نبيه.
فإن كان ممن يعبد الله، قال: كنت أعبد الله، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم...
جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه.
فذلك قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فيقال له: على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث.
ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في حفرته.
وإن كان من أهل الشك، قال: لا أدري...
سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
فيقال له: على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث.
ثم يفتح له باب إلى النار ويسلط عليه عقارب وتنانين، لو نفخ أحدهم في الدنيا ما أنبتت شيئاً تنهشه، وتؤمر الأرض فتنضم عليه حتى تختلف أضلاعه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والطبراني في الأوسط، والحاكم وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، إن الميت إذا وضع في قبره، إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإذا كان مؤمناً، كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله.
وفعل الخيرات والمعروف والاحسان إلى الناس من قبل رجليه.
فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ليس قبلي مدخل.
فيؤتى عن يمينه، فتقول الزكاة: ليس قبلي مدخل.
ويؤتى من قبل شماله، فيقول الصوم: ليس قبلي مدخل.
ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات والمعروف والإِحسان إلى الناس: ليس قبلي مدخل فيقال له: اجلس.
فيجلس.
وقد مثلت له الشمس قد قربت للغروب، فيقال: أخبرنا عما نسألك.
فيقول: دعني حتى أصلي.
فيقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك.
فيقول: عم تسألوني؟
فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم؟- يعني النبي صلى الله عليه وسلم- فيقول: أشهد أنه رسول الله، جاءنا بالبينات من عند ربنا فصدقْنا واتبعْنا.
فيقال له: صدقت، على هذا حييت وعلى هذا مت وعليه تبعث إن شاء الله.
ويفسح له في قبره مد بصره.
فذلك قول الله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ ويقال: افتحوا له باباً إلى النار، فيقال: هذا كان منزلك لو عصيت الله.
فيزداد غبطة وسروراً، فيعاد الجسد إلى ما بدا منه من التراب ويجعل روحه في النسيم الطيب، وهي طير خضر تعلق في شجر الجنة.
وأما الكافر، فيؤتى في قبره من قبل رأسه، فلا يوجد شيء.
فيؤتى من قبل رجليه، فلا يوجد شيء.
فيجلس خائفاً مرعوباً.
فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، وما تشهد به؟
فلا يهتدي لاسمه.
فيقال: محمد صلى الله عليه وسلم.
فيقول: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت كما قالوا: فيقال له: صدقت.
على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله.
ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
فذلك قوله تعالى ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ﴾ [ طه: 124] فيقال: افتحوا له باباً إلى الجنة.
فيفتح له باب إلى الجنة.
فيقال: هذا كان منزلك وما أعد الله لك لو كنت أطعته، فيزداد حسرة وثبوراً.
ثم يقال: افتحوا له باباً إلى النار فيفتح له بابٌ إليها فيقال له: هذا منزلك وما أعد الله لك، فيزداد حسرة وثبوراً» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: ذاك إذا قيل في القبر: من ربك، وما دينك؟
فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، جاءنا بالبينات والهدى من عند الله فآمنت به وصدقت.
فيقال له: صدقت، على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث» .
وأخرج ابن جرير عن طاوس في قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت...
﴾ الآية.
قال: هي فتنة القبر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن المسيب بن رافع رضي الله عنه في قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت....
﴾ الآية.
قال: نزلت في صاحب القبر.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: نزلت في الميت الذي يسأل في قبره عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ يثبت الله الذين آمنوا...
﴾ الآية.
قال: هذا في القبر ومخاطبته.
وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن طاوس رضي الله عنه ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ﴾ قال: لا إله إلا الله ﴿ وفي الآخرة ﴾ قال: المسألة في القبر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: أما الحياة الدنيا، فيثبتهم بالخير والعمل الصالح.
وأما قوله: ﴿ وفي الآخرة ﴾ ففي القبر.
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ قال: «هو المؤمن في قبره، عند محنته يأتيه ممتحناه فيقولان: من ربك وما دينك ومن نبيك؟؟؟...
فيقول: الله ربي وديني الإِسلام.
فيقولان: ثبتك الله لما يحب ويرضى.
ويفسحان له في قبره مد البصر، ويفتحان له باباً إلى الجنة ويقولان: نم قرير العين نومة الشاب النائم الآمن في خير مقيل.
وفيه نزلت ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ﴾ أما الكافر، فإنهما يقولان: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟
فيقول: لا أدري...
فيقولان: لا دريت ولا اهتديت.
فيضربانه بسوط من النار يذعر لها كل دابة ما خلا الجن والإِنس، ثم يفتحان له باباً إلى النار ويضيق عليه قبره حتى يخرج دماغه من بين أظفاره ولحمه» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وضع الميت في قبره، جاءه ملكان فسألاه فقالا: كيف تقول في هذا الرجل الذي كان بين أظهركم الذي يقال له محمد؟
فلقنه الله الثبات، وثبات القبر خمس: أن يقول العبد: ربي الله، وديني الإِسلام...
ونبيي محمد، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم قالا له: اسكن، فإنك عشت مؤمناً ومت مؤمناً وتبعث مؤمناً.
ثم أرياه منزله من الجنة يتلألأ بنور عرش الرحمن» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه من طريق قتادة رضي الله عنه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا وضع في قبر وتولى عنه أصحابه: إنه ليسمع قرع نعالهم، يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟- زاد ابن مردويه:- الذي كان بين أظهركم الذي يقال له محمد صلى الله عليه وسلم؟
قال: فأما المؤمن فيقول: اشهد أنه عبد الله ورسوله.
فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيراهما جميعاً» قال قتادة رضي الله عنه: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً ويملأ عليه خضراً.
وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول: لا أدري، كنت أقول كما يقول الناس.
فيقال: لا دريت ولا تليت.
ويضرب بمطراق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين.
وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في عذاب القبر، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها؛ وإن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فسأله: ما كنت تعبد؟
فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله.
فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول: هو عبد الله ورسوله.
فما يسأل عن شيء بعدها، فينطلق إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا بيتك كان لك في النار، ولكن الله عصمك ورحمك فأبدلك بيتاً في الجنة.
فيقول: دعوني حتى أذهب فابشر أهلي!....
فيقال له: اسكن.
وإن الكافر إذا وضع في قبره، أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟
فيقول: لا أدري.
فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول: كنت أقول ما يقول الناس.
فيضربونه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق إلا الثقلين» .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط، والبيهقي من طريق ابن الزبير رضي الله عنه، أنه سأل جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن فتاني القبر، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، جاءه ملك شديد الانتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول المؤمن: أقول أنه رسول الله وعبده.
فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان من النار، قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة.
فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي.
فيقال له: اسكن.
وأما المنافق، فيقعد إذا تولى عند أهله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول: لا أدري....
أقول ما يقول الناس.
فيقال له: لا دريت...
هذا مقعدك الذي كان لك من الجنة، قد أبدلك الله مكانه مقعدك من النار» قال جابر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على ايمانه، والمنافق على نفاقه» .
وأخرج ابن أبي عاصم في السنة وابن مردويه والبيهقي من طريق أبي سفيان، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وضع المؤمن في قبره، أتاه ملكان فانتهراه، فقام يهب كما يهب النائم، فيقال له: من ربك؟
فيقول: الله ربي والإِسلام ديني ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي.
فينادي مناد، أن صدق عبدي.
فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة فيقول: دعوني أخبر أهلي.
فيقال له: اسكن» .
وأخرج البيهقي في كتاب عذاب القبر، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت يا عمر إذا انتهى بك إلى الأرض، فحفر لك ثلاثة أذرع وشبر في ذراع وشبر، ثم أتاك منكر ونكير أسودان يجران شعرهما، كأن أصواتهما الرعد القاصف، وكأن أعينهما البرق الخاطف، يحفران الأرض بأنيابهما فأجلساك فزعاً فتلتلاك وتوهلاك؟؟؟...
فقال: يا رسول الله، وأنا يومئذ على ما أنا عليه؟
قال: نعم.
قال: أكفيكهما بإذن الله يا رسول الله» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون، ثم يجلس فيقال له: من ربك؟
فيقول: الله ربي.
ثم يقال له: ما دينك؟
فيقول: الإِسلام.
ثم يقال له: من نبيك؟
فيقول: محمد.
فيقال: وما علمك؟
فيقول: عرفته وآمنت به وصدقت بما جاء به من الكتاب.
ثم يفسح له في قبره مد البصر، ويجعل روحه مع أرواح المؤمنين» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اسم الملكين اللذين يأتيان في القبر، منكر ونكير.
وأخرج أحمد وابن الدنيا والطبراني والآجري في الشريعة وابن عدي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتّاني القبر، فقال عمر رضي الله عنه: أترد إلينا عقولنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، كهيئتكم اليوم.
فقال عمر بفيه الحجر» .
وأخرج ابن أبي داود في البعث والحاكم في التاريخ والبيهقي في عذاب القبر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت إذا كنت في أربعة أذرع في ذراعين، ورأيت منكراً ونكيراً؟
قلت: يا رسول الله، وما منكر ونكير؟!...
قال: فتّانا القبر، يبحثان الأرض بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف....
معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوا رفعها، هي أيسر عليهما من عصاي هذه، فامتحناك، فإن تعاييت أو تلويت، ضرباك بها ضربة تصير بها رماداً.
قلت: يا رسول الله، وأنا على حالي هذه؟
قال: نعم.
قلت: إذاً أكفيكهما» .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا وابن أبي عاصم والآجري والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قبر الميت، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير.
فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول ما يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا.
ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، فيقال له: نم.
فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم.
فيقولون: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.فإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله، لا أدري.
فيقولون: قد كنا نعلم، أنك كنت تقول ذلك.
فيقال للأرض: التئمي عليه، فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: «كيف أنت إذا رأيت منكراً ونكيراً؟
قال: وما منكر ونكير؟!
قال: فتّانا القبر، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يطآن في أشعارهما ويحفران بأنيابهما...
معهما عصاً من حديد، لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها» .
وأخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور، فيقال ما علمكم بهذا الرجل؟
فاما المؤمن أو الموقن، فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا.
فيقال له: قد علمنا إن كنت لمؤمناً، ثم صالحاً.
وأما المنافق أو المرتاب، فيقول: لا أدري...
سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت» .
وأخرج أحمد عن أسماء رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ادخل الإِنساء قبره، فإن كان مؤمناً أحف به عمله: الصلاة والصيام.
فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده، ومن نحو الصيام فيرده فيناديه: اجلس.
فيجلس، فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟
يعني النبي صلى الله عليه وسلم- قال من؟
قال محمد، قال أشهد أنه رسول الله.
فيقول: وما يدريك...؟
أدركته؟
قال: أشهد أنه رسول الله.
فيقول: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث.
وإن كان فاجراً أو كافراً، جاءه الملك وليس بينه وبينه شيء يرده، فأجلسه وقال: ما تقول في هذا الرجل؟
قال: أي رجل؟
قال: محمد.
فيقول: والله ما أدري...
سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
فيقول له الملك: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث.
ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط ثمرته جمرة مثل عرف البعير، يضربه ما شاء الله...
لا تسمع صوته فترحمه» .
وأخرج أحمد والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت يهودية فاستطعمت على بابي، فقالت: أطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، فلم أزل أحبسها حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلت: يا رسول الله، ما تقول هذه اليهودية...
!؟
قال: «وما تقول؟» قلت: تقول أعاذكم الله من فتنة الدجال، ومن فتنة عذاب القبر.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع يديه مدّاً يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، ثم قال: «أما فتنة الدجال، فإنه لم يكن نبي إلا قد حذر أمته، وسأحذركموه بحديث لم يحدثه نبي أمته، إنه أعور والله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن.
وأما فتنة القبر، فبي تفتنون وعني تُسْألون، فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشغوف، ثم يقال له: فيم كنت؟
فيقول: في الإِسلام، فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟
فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه.
فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله.
ثم يفرج له فرجة إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال: هذا مقعدك منها.
ويقال: على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله.
وإذا كان الرجل السوء، جلس في قبره فزعاً مشغوفاً، فيقال له: فيم كنت؟
فيقول: لا أدري.
فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟
فيقول: سمعت الناس يقولون قولاً فقلت كما قالوا، فيفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً، ويقال: هذا مقعدك منها على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله» .
وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية، عن طاوس رضي الله عنه قال: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعاً، فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام.
وأخرج ابن جرير في مصنفه، عن الحارث بن أبي الحرث، عن عبيد بن عمير قال: يفتن رجلان: مؤمن ومنافق، فأما المؤمن، فيفتن سبعاً.
وأما المنافق، فيفتن أربعين صباحاً.
وأخرج ابن شاهين في السنة، عن راشد بن سعد رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تعلموا حجتكم فإنكم مسؤولون، حتى إنه كان أهل البيت من الأنصار يحضر الرجل منهم الموت فيوصونه، والغلام إذا عقل فيقولون له: إذا سألوك: من ربك؟
فقل: الله ربي.
وما دينك؟
فقل: الإِسلام ديني.
ومن نبيك؟
فقل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج أبو نعيم عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقف على قبر رجل من أصحابه حين فرغ منه فقال له: «إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم نزل بك وأنت خير منزل به، جافِ الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، واقبله منك بقبول حسن، وثبّت عند المسائل منطقه» .
وأخرج أبو داود والحاكم والبيهقي، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة عند قبر، وصاحبه يدفن فقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسْأل» .
وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على القبر بعدما يسوّى عليه، فيقول: «اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا خلف ظهره، اللهم ثبّت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة به» .
وأخرج الطبراني وابن منده، عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات أحد من اخوانكم فسوّيتم التراب عليه، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان، ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: ارشدنا رحمك الله، ولكن لا يشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماماً.
فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته، فيكون حجيجه دونهما.
قال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه قال: ينسبه إلى حواء، يا فلان ابن حواء» .
وأخرج ابن منده عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إذا مت فدفنتموني، فليقم إنسان عند رأسي فليقل: يا صدي بن عجلان، اذكر ما كنت عليه في الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وأخرج سعيد بن منصور عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحكيم بن عمير، قالوا: إذا سوّي على الميت قبره وانصرف الناس عنه، كان يستحب أن يقال للميت عند قبره، يا فلان، قل لا إله إلا الله ثلاث مرات يا فلان، قل ربي الله وديني الإِسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرف.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن عمرو بن مرة رضي الله عنه قال: كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقال: اللهم أعذه من الشيطان الرجيم.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن عمرو بن مرة رضي الله عنه قال: كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقال: اللهم أعذه من الشيطان الرجيم.
وأخرج الحكيم الترمذي، عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: إذا سئل الميت من ربك، تراءى له الشيطان في صورة، فيشير إلى نفسه أني أنا ربك.
وأخرج الحكيم الترمذي، عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: إذا سئل الميت من ربك، تراءى له الشيطان في صورة، فيشير إلى نفسه أني أنا ربك.
وأخرج النسائي عن راشد بن سعد رضي الله عنه، أن رجلاً قال: «يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد..
!؟
فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: «خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأشعريين سبع حجج، فقال: إن لهذا علينا حقاً، ادعوه فليرفع إلينا حاجته، فدعوه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفع إلينا حاجتك.
فقال: يا رسول الله، دعني حتى أصبح فأستخير الله.
فلما أصبح، دعاه فقال: يا رسول الله، أسألك الشفاعة يوم القيامة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ميمون بن أبي شبيب رضي الله عنه قال: أردت الجمعة في زمان الحجاج، فتهيأت للذهاب وقلت: أين أذهب أصلي؟
خلف هذا؟
فقلت: مرة اذهب ومرة لا أذهب، فناداني مناد من جهة البيت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ [ الجمعة: 9] قال: وجلست مرة أكتب كتاباً، فعرض لي شيء إن أنا كتبته زين كتابي وكنت قد كذبت؛ وإن أنا تركته كان في كتابي بعض القبح وكنت قد صدقت.
فقلت: مرة أكتبه، وقلت: مرة لا أكتبه.
فأجمع رأيي على تركه فتركته، فناداني مناد من جانب البيت ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين صدّقوا محمدًا يثبتهم بالقول الثابت وهو لا إله إلا الله (١) وقوله تعالى: ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال المفسرون: يثبتهم بلا إله إلا الله في الحياة الدنيا على الحق والتمسك بالعُرَى (٢) ومعنى ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ : قال ابن عباس: يريد في القبر (٣) (٤) وروى ذلك البراء بن عازب مرفوعًا، أن النبيّ قال في قوله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ قال: "حين يقال من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟
فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيّ محمد " (٥) ﴿ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾ من صلة التثبيت، على ما بيّنا، ويجوز أن تكون من صلة آمنوا، علر، معنى: الذين آمنوا بلا إله إلا الله يثبتهم على الحق في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قال ابن عباس: من دام على الشهادة في الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقِّنه إيّاها (٦) (٧) ﴿ فِي الْآخِرَةِ ﴾ لأن هذا بعد وفاته (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ﴾ يعني: لا يُلقِّن (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ أي من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب وإضلاله الكافر، قال الفراء: أي لا يُنْكَر له قدرة ولا يُسأل عما يفعل (١٢) (١) انظر: "تفسير القرطبي" 9/ 362 بنحوه، وورد بنصه بلا نسبة في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 322.
(٢) ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 77 بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 342، والطبري 13/ 217 بنحوه عن ابن طاوس عن أبيه، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 530، و"تفسير السمرقندي" 2/ 206، والثعلبي 7/ 152 ب، والماوردي 3/ 135، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 349، وابن عطية 8/ 239، وابن الجوزي 4/ 361، والخازن 3/ 78.
(٣) أخرج النسائي في تفسيره 1/ 620 بنحوه من طريق سعيد بن جبير صحيحة، وانظر: "تفسير صديق خان" 7/ 113.
(٤) أخرجه عبد الرزاق 2/ 342 بنحوه عن قتادة، والطبري13/ 216 - 217 بنحوه عن ابن مسعود والمسيب بن رافع والربيع وقتادة ومجاهد، وورد بنحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 162، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 530، عن قتادة، و"تفسير الثعلبي" 7/ 153 ب، عن ابن عباس، والماوردي 3/ 133، وانظر: "تفسير == البغوي" 4/ 349، وابن عطية 8/ 239، و"ابن الجوزي" 4/ 361، وابن جزي 2/ 141.
(٥) أخرجه بنحوه عن البراء بن عازب: ابن أبي شيبة في مصنفه: الجنائز/ القبر 3/ 56، والبخاري (4699) كتاب: التفسير، باب: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾ ، مسلم (2866) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار، أبو داود (4750) كتاب: السنة، والنسائي في "تفسيره" 1/ 619، و"تفسير الطبري" 13/ 214.
(٦) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 122.
(٧) ساقطة من (أ)، (د).
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 162 بنصه.
(٩) أي لا يوفق، كما في تفسيرالطبري 13/ 218، و"تفسير القرطبي" 9/ 364.
(١٠) زيادة يقتضيها السياق، كما في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 324.
(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 77 ولفظه: أي عن قول لا إله إلا الله.
(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 77 بنصه، لكن فيه (لا تنكروا) بالنهي، وما ذكره الواحدي بالخبر هو الصواب المناسب للسياق؛ فالسياق ليس في الأمر والنهي بل هو خبر، ولعله وقع تصحيف في نُسخ المصدر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ قال ابن عباس وغيره هي: لا إله إلا الله وقيل: كل حسنة ﴿ كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ هي النخلة في قول الجمهور، واختار ابن عطية أنها شجرة غير معينة، إلا أنها كل ما اتصف بتلك الصفات ﴿ وَفَرْعُهَا فِي السمآء ﴾ أي في الهواء، وذلك عبارة عن طولها ﴿ تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ الحين في اللغة وقت غير محدود وقد تقترن به قرينة تحده، وقيل: في كل حين كل سنة لأن النخلة تطعم في كل سنة، وقيل: غير ذلك ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ هي كلمة الكفر، وقيل: كل كلمة قبيحة ﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن عطية غير معينة ﴿ اجتثت ﴾ أي اقتلعت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة، وهذا في مقابلة قوله: أصلها ثابت ﴿ بالقول الثابت ﴾ هو لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة ﴿ فِي الحياوة الدنيا ﴾ أي إذا فتنوا لم يزلوا ﴿ وَفِي الآخرة ﴾ هو عند السؤال في القبر عند الجمهور.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بلفظ الفعل.
﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.
﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.
الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بضمها.
﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.
الباقون بالفتح.
﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.
الباقون بالإضافة.
الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.
فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.
وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.
وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.
وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.
وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.
والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.
قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".
قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.
وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.
ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.
ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.
وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.
ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟
فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.
ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.
﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.
فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟
قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.
وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.
والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.
وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.
ومعنى بروزهم لله وهو لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.
فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.
قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.
وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.
كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته فضلوا وأضلوا.
قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.
وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.
والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .
عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.
وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.
وزيف بأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله.
وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.
ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.
ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.
والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.
وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.
يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .
ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.
وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.
الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.
ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.
ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.
﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله عليه حجة.
هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.
قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.
وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟
جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.
وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.
هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.
وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.
ثم حكى الله عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.
قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.
صرخ فلان إذا استغاث.
وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.
وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.
وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.
قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.
ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.
أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.
ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.
قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.
وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.
ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.
قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.
ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.
وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.
عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.
وعن ابن عمر: هي النخلة.
وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.
والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.
أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.
ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.
والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.
ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.
قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.
الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.
وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.
وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.
وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.
والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.
قال المحققون: معرفة الله والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.
أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.
ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.
وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.
وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.
وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.
وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .
وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.
و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.
وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله ﴾ .
وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.
فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.
ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.
وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟
فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.
قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.
وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.
ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.
هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.
عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.
وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.
والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.
وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.
فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.
وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.
ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.
﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.
ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.
ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.
وذلك أنه أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.
وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.
قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.
وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.
﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.
قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.
والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.
ومن الذين نزل فيهم؟
روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.
فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.
وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.
ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.
وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.
وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.
والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.
ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.
ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.
وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.
﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.
ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.
ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".
﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.
وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.
والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.
ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.
ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.
ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.
قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.
ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله على عباده.
وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.
وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.
قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.
أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.
وإذا كانت نعم الله في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟
إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.
وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.
واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.
التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.
تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.
﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.
﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.
وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.
ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله : <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ .
قد ذكرنا أن كلمة ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ حرف تنبيه عن عجيب كان بلغهُ؛ فغفل عنه، أو تنبيه عن عجيب لم يبلغه.
وقال أبو بكر الأصم: هي كلمة يفتتح بها العرب عند الحاجة؛ يقول الرجل لآخر: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ ونحوه.
هذا يحتمل في غيره من المواضع وأما في هذا فإنه غير محتمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً ﴾ قيل: بين الله مثلا وأظهر.
﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ : هو هذا القرآن، ﴿ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ : هي الكتب التي أحدثها الناس، شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ وهي النخلة؛ على ما ذكر؛ إن ثبت، أو كل شجرة مثمرة.
وشبه الكتب التي أحدثها الناس بالشجرة الخبيثة؛ وهي التي لا تثمر.
وقال: إنما شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ لأن الشجرة الطيبة هي باقية إلى آخر الدهر؛ ينتفع بها الناس بجميع أنواع المنافع، لا يقطعونها؛ فهي تدوم وتبقى دهراً، فعلى ذلك القرآن ينتفع به الناس وهو دائم أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
أصلها ثابت لها قرار، فعلى ذلك: القرآن هو ثابت بالحجج والبراهين؛ والكتب التي أحدثها أولئك هي باطلة فاسدة؛ لا حجة معها ولا برهان؛ كالشجرة الخبيثة التي هي غير مثمرة؛ لا بقاء لها ولا قرار ولا ثبات.
وقال بعضهم: الكلمة الطيبة: هي الإيمان والتوحيد؛ شبهها بالشجرة الطيبة؛ وهي التي تثمر وتنمو وتزكو هي على ما وصفها - عز وجل - في قوله: ﴿ تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ ، فعلى [ذلك] الإيمان والتوحيد لا يزال يثمر لأهله الخيرات والأعمال الصالحات؛ كالشجرة التي وصفها أنها تؤتي أهلها أكلها في كل حين وكل وقت، أصلها ثابت بالحجج والبراهين، وفرعها في السماء، في كل وقت يرتفع ويصعد به العمل إلى السماء.
و [الكلمة] الخبيثة: هي الكفر؛ لأنه لا منفعة لأهلها فيها، إذ لا عاقبة له ولا حجة معها ولا برهان، إنما شيء أخذوه عن شهوة وأمانيَّ، فكان كالشجرة الخبيثة التي لا ثمرة لها، ولا منفعة لأحد فيها، فهي لا تبقى ولا تدوم.
فذلك قوله: ﴿ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .
ويشبه أن يكون ضرب المثل لغير هذا المعنى؛ وهو أنه ذكر جواهر طيبة وجواهر خبيثة: مما يقع عليها الحواس ويقع عليها البصر؛ ليكون كل جوهر من هذه الجواهر التي يقع عليها الحواس؛ ويقع عليها البصر - من خبيث أو طيب - دليلا وشاهداً على ما غاب عن الخلق؛ ولا يقع عليها الحواس.
وهكذا جعل الله هذه المحسوسات والأشياء الظاهرة - دليلا وشاهداً لما غاب عنهم؛ ولا يقع عليه الحسّ، تدرك بالعقول التي تركب فيهم؛ ليرغب الطيب؛ مما يقع عليه الحسّ والبصر؛ على الموعود الغائب، ويحذر الخبيث المحسوس عما غاب وأوعد، وكذلك هذه الآلام والأمراض والشدائد التي جعل في هذه الدنيا؛ لتزجرهم عن الأفعال التي بها يستوجبون مثلها في الآخرة، وكذلك النعم التي في الدنيا واللذات، جعلها لتدلهم على النعم الدائمة.
على هذا يجوز أن يخرج لا أنه أراد بالشجرة الطيبة الشجرة نفسها أو بالشجرة [الخبيثة الشجرة] نفسها ولكن ما وصفنا.
والله أعلم بذلك.
وقال قائلون: ضرب الله مثل الشجرة الطيبة مثلا للمؤمن؛ هو في الأرض وعمله يصعد إلى السماء كل يوم؛ فكما تؤتي الشجرة أكلها كل حين كذلك المؤمن يعمل لله في ساعات الليل والنهار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ .
قال قائلون: كلّ عام؛ لأنها تثمر في كل عام مرة.
وقال قائلون: ستة أشهر من وقت طلوعها إلى وقت إدراكها.
وقال قائلون: كل عشية وغدوة؛ كقوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ .
وقال قائلون: شهرين؛ وأمثاله.
ويشبه أن يكون ما ذكرنا: أنه ليس في وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت وكل ساعة.
فإن قال لنا ملحد: إن الكلمة التي ضرب الله مثلها بالشجرة الطيبة - [هي] كلمتنا، ونحن المراد بذلك.
والكلمة الخبيثة التي ضرب الله مثلها بالشجرة الخبيثة - هي كلمتكم؛ وأنتم المراد بها لا نحن.
قيل: قد سبق لهذا المثل أمثال ودلائل على أن الكلمة الطيبة هي التي لها عاقبة وآخرة، وكل أمر له عاقبة والنظر في آخره - فهو الحق، والذي أنتم عليه لا عاقبة له ولا آخرة، وفي الحكمة: إن كل أمر لا عاقبة له - فهو باطل؛ والكفر لا عاقبة [له].
والثاني: أن الإيمان والتوحيد له الحجج والدلائل، والكفر مما لا حجة له ولا دلائل؛ إنما هو مأخوذ بالأماني والشهوة: من تسويل الشيطان وتزيينه؛ لذلك كان ما ذكرنا.
وتحتمل الكلمة الطيبة - أيضاً -: أن تكون الوحي الذي أوحى الله إلى رسوله، والكلمة الخبيثة: ما أوحى الشيطان إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 121] فوحي الله: هو ثابت دائم ينتفع به أهله في الدنيا والعاقبة، ووحي الشيطان: هو باطل مضمحلّ لا عاقبة له؛ ولا ينتفع به أهله.
والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ ﴾ .
قال بعضهم: استؤصلت، وقيل: انتزعت.
وقال أبو عوسجة: اقتلعت من أصلها؛ يقال: جثثت الشجرة أجثها جثّاً: إذا قلعتها من أصلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .
هو ما ذكرنا.
وقال بعض أهل التأويل: شبه كلمة الشرك بحنظلةٍ قطعت؛ فلا أصل لها في الأرض ولا فرع في السماء؛ أي: لا يصعد له عمل، وشبه كلمة الإيمان؛ في نفعها وفضلها وثباتها وقرارها في الأرض؛ بما ذكر من الشجرة.
والله أعلم.
ثم من الناس من احتج بهذا المثل في خلق الإيمان والكفر؛ فقال: لأنه ضرب مثله بما هو خلق؛ وهو الشجرة؛ فعلى ذلك الإيمان.
ولكن عندنا لا بهذا يجب أن يستدل على خلقه، ولكن لما ثبت أن منشئهما واحد لأنه لو كان منشئهما مختلفاً لكان لا يضرب مثل هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ فإذا ضرب دل أن منشئهما واحد؛ فإذا ثبت ذلك دل على ما وصفنا.
ومن الناس من استدل بهذا أنه يزداد وينقص؛ حيث شبهه بالشجرة؛ وهي تزداد وتنقص، ونحن نقول: ليس فيه دلالة ما ذكروا؛ لأن الشجرة في نفسها ليست بذي حدّ، والإيمان ذو حدّ؛ فما يزداد [إنما] هو في حق التزيين والتحسين.
وأمّا الإيمان نفسه: فإنه لا يزداد؛ كالشجرة إذا تورقت وخرجت ثمارها توصف بالزينة والحسن، فأمّا نفس الشجرة: فلا توصف بالزيادة؛ فعلى ذلك الإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل: يبين الله الأمثال التي يقع عليها الحس، ويقع عليها البصر، والأشياء الظاهرة؛ لتدلهم على ما استتر وغاب عنهم، يدركون بالعقول ما استتر وخفي بالظاهر والمحسوس.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ لعلهم يتعظون.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ الكلمة الطيبة: تحتمل التوحيد وفروعها: هي الخوف، والخشوع، والخضوع، والرغبة [والرهبة].
وأكلها: هو الأعمال الصالحة والخيرات تكون منه.
والكلمة الخبيثة: هي الشرك.
وفروعها: ما يكون منه في الشرك؛ من القساوة، والتمرد، والعناد.
وأكلها: هو الأعمال التي تكون منه في الشرك.
أو أن يكون الكلمة الطيبة: هي الأعمال.
وفروعها: هي الشرائع والأحكام التي تعمل.
وأكلها: هو ما يثاب عليه في الدنيا والآخرة أبداً.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .
ذكر مرة بالتثبيت ومرة بذكر الزيادة؛ بقوله: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ ومرة بذكر الابتداء والتجديد؛ بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ فالتجديد والابتداء في حادث الوقت؛ لأن تلك الأفعال تنقضي وتذهب ولا تبقى، وأما الزيادة على ما كان يضم شيئاً إلى ما كان، والثبات على ما كان فكله واحد في الحقيقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
أضاف الإضلال مرة إلى نفسه؛ ومرة إلى الشيطان، ولا شك أن ما أضيف إلى الشيطان إنما أضيف على الذم، فإذا كان ما ذكر؛ فتكون الجهة التي أضيف إلى الله - غير الجهة التي أضيف إلى الشيطان، الجهة التي أضيف إلى الله: هو أن خلق [فعل] الضلال من الكافر، وما أضيف إلى الشيطان: هو على التزيين والتسويل؛ لتصح الإضافتان.
ولو كان على التسمية - على ما يقوله المعتزلة: إذ سماه ضالا - لكان كل من سمى آخر ضالا كافراً جاز أن يسمى مضلا، فإذا لم يسم - بتسميته ضالا أو كافراً - مضلا دل أنه إنما سمى الله نفسه مضلا؛ لتحقيق الفعل له فيه؛ وهو ما ذكرنا: أن خلق فعل الضلال منه.
والمعتزلة يقولون: إن الله هدى الخلق جميعاً؛ لكنهم لم يهتدوا وضلوا من غير أن يكون الله أضلهم.
فهذا صرْف ظاهر الآية إلى غيره بلا دليل.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ .
وعلى قول المعتزلة: لا يقدر أن يفعل ما يشاء؛ لأنهم يقولون: شاء إيمان جميع البشر؛ ولكنهم لم يؤمنوا؛ وكذلك قال: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ وهم يقولون: أراد إيمانهم؛ لكنه لم يفعل ما أراد؛ ولا يملك، وقد أخبر أنه: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ و ﴿ مَا يَشَآءُ ﴾ وهم يقولون: لم يملك [أن يفعل] ما شاء وأراد، بل العباد يقولون ما شاءوا غير ما شاء هو، فتأويلهم خلاف لظاهر القرآن.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ على تأويل من يقول: إن الكلمة الطيبة هي القرآن، يكون القول الثابت هو القرآن.
يقول - والله أعلم - يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ حيث تلقوه بالإجابة والقبول والعمل به، وفي الآخرة؛ أي: بالآخرة والبعث؛ يقرون به، ﴿ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ؛ حيث تركوا الإجابة له، وتلقوه بالرد، والمكابرة، والعناد.
ومن يقول: الكلمة الطيبة: التوحيد والإيمان - يكون القول الثابت: هو الإيمان؛ يثبتهم في الحياة الدنيا باختيارهم؛ وفي الآخرة، قيل: في قبورهم؛ يثبتهم لإجابة منكر ونكير، ويمكن لهم ذلك، ويضل الله الظالمين الذين تركوا الإجابة له في الحياة الدنيا وفي القبور؛ حيث تركوا الإجابة في الدنيا.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ؛ هو ما ذكر، ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ثبت من أجاب الله إلى ما دعا في الدنيا، وفي الآخرة يهديه الطريق الذي به يوصل إلى دار السلام، والكافر حيث ترك إجابته إلى ما دعاه، ويضله في الآخرة طريق دار السلام؛ بترك إجابته في الدنيا.
والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ في هداية من اختار الإجابة والاهتداء، وإضلال من اختار ترك الإجابة والغواية.
<div class="verse-tafsir"
يُثبِّت الله المؤمنين بكلمة التوحيد الثابتة إيمانًا تامًّا في الحياة الدنيا حتى يموتوا وهم على الإيمان، وفي البرزخ في قبورهم عند السؤال، ويثبتهم يوم القيامة، ويضلّ الله الظالمين بالشرك بالله والكفر به عن الصواب والرشد، ويفعل الله ما يشاء من إضلال من أراد إضلاله بعدله، ومن هداية من شاء هدايته بفضله، فلا مُكْرِه له سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.9gR0K"