الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٢٩ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ
يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء الذين بدّلوا نعمة اللَّه كفرا لربهم أندادا ، وهي جماع نِدّ ، وقد بيَّنت معنى الندّ ، فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته ، وإنما أراد أنهم جعلوا لله شركاء .
كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ) والأنداد: الشركاء.
وقوله ( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفيين ( لِيُضِلُّوا ) بمعنى: كي يضلوا الناس عن سبيل الله بما فعلوا من ذلك.
وقرأته عامَّة قرّاء أهل البصرة: " ليَضَلُّوا " بمعنى: كي يضلّ جاعلو الأنداد لله عن سبيل الله.
وقوله ( قُلْ تَمَتَّعُوا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهم: تمتعوا في الحياة الدنيا وعيدا من الله لهم ، لا إباحَة لهم التمتع بها ، ولا أمرا على وجه العبادة ، ولكن توبيخا وتهددا ووعيدا ، وقد بَيَّن ذلك بقوله ( فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) يقول: استمتعوا في الحياة الدنيا ، فإنها سريعة الزوال عنكم ، وإلى النار تصيرون عن قريب ، فتعلمون هنالك غبّ تمتعكم في الدنيا بمعاصي الله وكفركم فيها به.
------------------------------ الهوامش : (46) لعله هو عمرو بن مرة ، كما في ابن كثير في هذا الأثر .
جهنم يصلونها بين أن دار البوار جهنم كما قال ابن زيد ، وعلى هذا لا يجوز الوقف على دار البوار لأن جهنم منصوبة على الترجمة عن دار البوار فلو رفعها رافع بإضمار على معنى : هي جهنم ، أو بما عاد من الضمير في يصلونها لحسن الوقف على دار البوار .[ ص: 320 ] وبئس القرار أي المستقر .ليضلوا عن سبيله أي عن دينه .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ، وكذلك في الحج " ليضل عن سبيل الله " ومثله في " لقمان " و " الزمر " وضمها الباقون على معنى ليضلوا الناس عن سبيله ، وأما من فتح فعلى معنى أنهم هم يضلون عن سبيل الله على اللزوم ، أي عاقبتهم إلى الإضلال والضلال ; فهذه لام العاقبة .قل تمتعوا وعيد لهم ، وهو إشارة إلى تقليل ما هم فيه من ملاذ الدنيا إذ هو منقطع .فإن مصيركم إلى النار أي مردكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم .
{ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا } أي: يحيط بهم حرها من جميع جوانبهم { وَبِئْسَ الْقَرَارُ }
( جهنم يصلونها ) يدخلونها ( وبئس القرار ) المستقر .
وعن علي كرم الله وجهه : الذين بدلوا نعمة الله كفرا : هم كفار قريش نحروا يوم بدر .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هم الأفجران من قريش : بنو المغيرة وبنو أمية ، أما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين .
«جهنم» عطف بيان «يصلوْنها» يدخلونها «وبئس القرار» المقر هي.
ألم تنظر أيها المخاطب -والمراد العموم- إلى حال المكذبين من كفار قريش الذين استبدلوا الكفر بالله بدلا عن شكره على نعمة الأمن بالحرم وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيهم؟
وقد أنـزلوا أتباعهم دار الهلاك حين تَسببوا بإخراجهم إلى "بدر" فقُتِلوا وصار مصيرهم دار البوار، وهي جهنم، يدخلونها ويقاسون حرها، وقَبُحَ المستقر مستقرهم.
وقوله - سبحانه - ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار ) بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى : جهنم يصلون حرها وسعيرها ، وبئس القرار قرارهم فيها .فقوله ( جهنم ) عطف بيان لدار البوار ، وقوله ( يصلونها ) فى محل نصب حال من ( جهنم ) يقال : صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها ، وتقول : صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته .والمخصوص بالذم محذوف .
أى : بئس القرار هى أى : جهنم .وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار .
اعلم أنه تعالى عاد إلى وصف أحوال الكفار في هذه الآية فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله كُفْرًا ﴾ نزل في أهل مكة حيث أسكنهم الله تعالى حرمه الآمن وجعل عيشهم في السعة وبعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنواعاً من الأعمال القبيحة.
النوع الأول: قوله: ﴿ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله كُفْرًا ﴾ وفيه وجوه: الأول: يجوز أن يكون بدلوا شكر نعمة الله كفراً، لأنه لما وجب عليهم الشكر بسبب تلك النعمة أتوا بالكفر، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً.
والثاني: أنهم بدلوا نفس نعمة الله كفراً لأنهم لما كفروا سلب الله تلك النعمة عنهم فبقي الكفر معهم بدلاً من النعمة.
الثالث: أنه تعالى أنعم عليهم بالرسول والقرآن فاختاروا الكفر على الإيمان.
والنوع الثاني: ما حكى الله تعالى عنهم قوله: ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار ﴾ وهو الهلاك يقال رجل بائر وقوم بور، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ﴾ وأراد بدار البوار جهنم بدليل أنه فسرها بجهنم فقال: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار ﴾ أي المقر وهو مصدر سمي به.
النوع الثالث: من أعمالهم القبيحة قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفراً ذكر أنهم بعد أن كفروا بالله جعلوا له أنداداً، والمراد من هذا الجعل الحكم والاعتقاد والقول، والمراد في الأنداد الأشباه والشركاء، وهذا الشريك يحتمل وجوهاً: أحدها: أنهم جعلوا للأصنام حظاً فيما أنعم الله به عليهم نحو قولهم هذا لله وهذا لشركائنا.
وثانيها: أنهم شركوا بين الأصنام وبين خالق العالم في العبودية.
وثالثها: أنهم كانوا يصرحون بإثبات الشركاء لله وهو قولهم في الحج لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ بفتح الياء من ضل يضل والباقون بضم الياء من أضل غيره يضل.
المسألة الثالثة: اللام في قوله: ﴿ لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ لام العاقبة لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال ويحتمل أن تكون لام كي، أي الذين اتخذوا الوثن كي يضلوا غيرهم هذا إذا قرئ بالضم فإنه يحتمل الوجهين، وإذا قرئ بالنصب فلا يحتمل إلا لام العاقبة لأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم.
وتحقيق القول في لام العاقبة أن المقصود من الشيء لا يحصل إلا في آخر المراتب كما قيل أول الفكر آخر العمل.
وكل ما حصل في العاقبة كان شبيهاً بالأمر المقصود في هذا المعنى، والمشابهة أحد الأمور المصححة لحسن المجاز، فلهذا السبب حسن ذكر اللام في العاقبة، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار ﴾ والمراد أن حال الكافر في الدنيا كيف كانت، فإنها بالنسبة إلى ما سيصل إليه من العقاب في الآخرة تمتع ونعيم، فلهذا المعنى قال: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار ﴾ وأيضاً إن هذا الخطاب مع الذين حكى الله عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفراً، فأولئك كانوا في الدنيا في نعم كثيرة فلا جرم حسن قوله تعالى: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار ﴾ وهذا الأمر يسمى أمر التهديد ونظيره قوله تعالى: ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ ﴾ وكقوله: ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله ﴾ أي شكر نعمة الله ﴿ كُفْراً ﴾ لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفراً، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً، ونحوه: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82] أي شكر رزقكم حيث وضعتم التكذيب موضعه.
ووجه آخر: وهو أنهم بدلوا نفس النعمة كفراً على أنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر، حاصلاً لهم الكفر بدل النعمة.
وهم أهل مكة: أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوّام بيته، وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم.
أو أصابهم الله بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، كذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر وقد ذهبت عنهم النعمة وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم، وعن عمر رضي الله عنه: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر.
وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.
وقيل: هم متنصرة العرب: جبلة بن الأيهم وأصحابه ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ممن تابعهم على الكفر ﴿ دَارَ البوار ﴾ دار الهلاك.
وعطف ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ على دار البوار عطف بيان قرئ: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء وضمها.
فإن قلت: الضلال والإضلال لم يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد فما معنى اللام قلت: لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد، كما كان الإكرام في قولك: جئتك لتكرمني، نتيجة المجيء، دخلته اللام وإن لم يكن غرضاً، على طريق التشبيه والتقريب ﴿ تَمَتَّعُواْ ﴾ إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر، وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه، مأمورون به، قد أمرهم آمر مطاع لا يسعهم أن يخالفوه ولا يملكون لأنفسهم أمراً دونه، وهو أمر الشهوة.
والمعنى: إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار ﴾ ويجوز أن يراد الخذلان والتخلية ونحوه ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار ﴾ [الزمر: 8] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ أيْ شُكْرَ نِعْمَتِهِ كُفْرًا بِأنْ وضَعُوهُ مَكانَهُ، أوْ بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ كُفْرًا، فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوها سُلِبَتْ مِنهم فَصارُوا تارِكِينَ لَها مُحَصِّلِينَ لِلْكُفْرِ بَدَلَها كَأهْلِ مَكَّةَ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأسْكَنَهم حَرَمَهُ وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ رِزْقِهِ وشَرَّفَهم بِمُحَمَّدٍ ، فَكَفَرُوا ذَلِكَ فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ وأُسِرُوا وقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وصارُوا أذِلّاءَ، فَبَقُوا مَسْلُوبِي النِّعْمَةِ ومَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ، وعَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو المُغِيرَةِ وبَنُو أُمَيَّةَ، فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ.
﴿ وَأحَلُّوا قَوْمَهُمْ ﴾ الَّذِينَ شايَعُوهم في الكُفْرِ.
﴿ دارَ البَوارِ ﴾ دارَ الهَلاكِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿ جَهَنَّمَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَها.
﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ حالٌ مِنها أوْ مِنَ القَوْمِ، أيْ داخِلِينَ فِيها مُقاسِينَ لِحَرِّها، أوْ مُفَسِّرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ ناصِبٍ لِجَهَنَّمَ.
﴿ وَبِئْسَ القَرارُ ﴾ أيْ وبِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ.
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الياءِ، ولَيْسَ الضَّلالُ ولا الإضْلالُ غَرَضَهم في اتِّخاذِ الأنْدادِ لَكِنْ لَمّا كانَ نَتِيجَتَهُ جُعِلَ كالغَرَضِ.
﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا ﴾ بِشَهَواتِكم أوْ بِعِبادَةِ الأوْثانِ فَإنَّها مِن قَبِيلِ الشَّهَواتِ الَّتِي يُتَمَتَّعُ بِها، وفي التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إيذانٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ عَلَيْهِ كالمَطْلُوبِ لِإفْضائِهِ إلى المُهَدَّدِ بِهِ، وأنَّ الأمْرَيْنِ كائِنانِ لا مَحالَةَ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ ﴾ وأنَّ المُخاطَبَ لِانْهِماكِهِ فِيهِ كالمَأْمُورِ بِهِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ.
<div class="verse-tafsir"
{جَهَنَّمَ} عطف بيان {يَصْلَوْنَهَا} يدخلونها {وَبِئْسَ القرار} وبئس المقر جهنم
﴿ جَهَنَّمَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلدّارِ وفي الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ وأعْرَبَهُ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ بَدَلًا مِنها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ أيْ يُقاسُونَ حَرَّها حالٌ مِنَ الدّارِ أوْ مِن ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ أوْ مِن ﴿ قَوْمَهُمْ ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الحُلُولِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ مَنصُوبًا عَلى الِاشْتِغالِ أيْ يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ فالمُرادُ بِالإحْلالِ حِينَئِذٍ تَعْرِيضُهم لِلْهَلاكِ بِالقَتْلِ والأسْرِ وأُيِّدَ بِما رَوى عَطاءٌ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَتْلى بَدْرٍ وبِقِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ ( جَهَنَّمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ( جَهَنَّمُ ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مُعَلِّلًا بِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ مَرْجُوحٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُرَجِّحُهُ ولا ما لا يَجْعَلُهُ مُساوِيًا وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ ولَمْ يَكُونُوا لِيَقْرَؤُوا بِغَيْرِ الرّاجِحِ أوِ المُساوِي إذْ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ بِالرَّفْعِ أرْجَحُ مِن زَيْدًا ضَرَبْتُهُ فَلِذَلِكَ كانَ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ في تِلْكَ القِراءَةِ راجِحًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ ﴾ يُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ السّابِقَ ﴿ وبِئْسَ القَرارُ ﴾ .
(29) .
عَلى حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ أيْ بِئْسَ القَرارُ هي أيْ جَهَنَّمُ أوْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها وفِيهِ بَيانُ أنَّ حُلُولَهم وصَلْيَهم عَلى وجْهِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً قال مقاتل: كانت النعمة أن الله أطعمهم من جوع، وأمنهم مّنْ خوْفٍ، يعني: من الخوف والقتل.
ثم بعث فيهم رسولاً منهم، فكفروا بهذه النعمة وبدّلوها، وهم: بنو أمية، وبنو المغيرة وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ يعني: وأنزلوا سائر قريش دارَ الْبَوارِ أي: دار الهلاك بلغة عمان، أهلكوا قومهم، ثم يصيرون بعد القتل إلى النار يوم القيامة، فذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً أي: غيّروا نعمة الله عليهم بالكفر وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ يعني: دار الهلاك قال قتادة: وهم قادة المشركين يوم بدر.
قال الكلبي: أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ يعني: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها هي دارهم في الآخرة.
وقال الكلبي: أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ يعني: مصرعهم ببدر.
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يعني: يدخلونها يوم القيامة وَبِئْسَ الْقَرارُ يعني: بئس المستقر جهنم.
ثم قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً يعني: شركاء لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ يعني: ليصرفوا الناس عن دين الإسلام.
قرأ أبو عمرو وابن كثير: لِيُضِلُّوا بنصب الياء، يعني: أنهم أخطئوا الطريق وضلوا.
وقرأ الباقون: بالضم، يعني: ليصرفوا الناس عن الهدى.
قال الله تعالى لمحمد : قُلْ تَمَتَّعُوا يعني: عيشوا في الدنيا.
فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ يعني: مرجعكم يوم القيامة إلى النار.
<div class="verse-tafsir"
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)
وقوله سبحانه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ:
بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: كلمةُ الإِخلاصِ والنجاةِ من النَّار: «لا إله إِلا اللَّه» ، والإِقرارُ بالنبوَّة، وهذه الآية تعمُّ العالَمَ مِنْ لدنْ آدم عليه السلام إِلى يوم القيامةِ.
قال طَاوُسٌ، وقتادة، وجمهور من العلماء: الْحَياةِ الدُّنْيا هي مدَّة حياةِ الإِنسان، وَفِي الْآخِرَةِ وَقْتُ سؤاله في قَبْرِهِ «١» ، وقال البَرَاء بنَ عَازِبٍ وجماعة: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: هي وقتُ سؤاله في قبره، ورواه البراء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في لفظ متأوَّلٍ، وفي الآخرة: هو يوم القيامة عندَ العَرْض، والأولُ أحسن، ورجَّحه الطبريُّ.
ت «٢» : ولفظ البخاريِّ عن البراءِ بْنِ عازِبٍ/ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ» .
انتهى، وحديثُ البَرَاءِ خَرَّجه البخاريُّ ومسلم وأبو داود والنسائيُّ وابنُ ماجه «٣» ، قال صاحب «التذكرة» «٤» : وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو هريرة وابن مسعود وابنُ عباس وأبو سَعِيدٍ الخدريُّ قال أبو سعيد
الخدريّ: كنّا في جنازة مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا فإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ في هَذَا الرَّجُلِ ...
» الحديثَ، وفيه: فَقَالَ بَعْضُ أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مطراق إلّا هبل، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ «١» انتهى.
قال أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البِرِّ: وُروِّينا من طرق أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ لِعُمَرَ: كَيْفَ بِكَ يَا عُمَرُ، إِذَا جَاءَكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، إِذَا مُتَّ، وانطلق بِكَ قَوْمُكَ، فَقَاسُوا ثَلاَثَةَ أَذْرُعٍ وشِبْراً في ذِرَاعٍ وَشِبْرٍ، ثُمَّ غَسَّلُوكَ، وَكَفَّنُوكَ، وَحَنَّطُوكَ، ثُمَّ احتملوك، فَوَضَعُوكَ فِيهِ، ثُمَّ أَهَالُوا عَلَيْكَ التُّرَابَ، فَإِذَا انصرفوا عَنْكَ أَتَاكَ فَتَّانَا الْقَبْرِ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، أَصْواتُهُمَا كَالرَّعْدِ القَاصِفِ، وَأَبْصَارُهُمَا كَالبَرْقِ الخَاطِفِ يَجُرَّانِ شُعُورَهُمَا، مَعَهُمَا مِرْزَبَةٌ، لَوْ اجتمع عَلَيْهَا أَهْلُ الأَرْضِ لَمْ يَقْلِبُوهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِن فَرِقْنَا فَحَقٌّ لَنَا أَنْ نَفْرَقَ أَنُبْعَثُ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: إِذَنْ أَكْفِيَكَهُمَا» ، انتهى «٢» ، و «الظالمون» في هذه الآية: الكافرون، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ، أي: بحقِّ الملك فلا رادَّ لأَمره، ولا معقِّب لِحُكْمه، وجاءتْ أحاديثٌ صحيحةٌ في مُسَاءلة العبد في قبره، وجماعة السُّنَّة تقولُ: إِنَّ اللَّه سبْحَانه يَخْلُقُ للعَبْدِ في قَبْرِهِ إِدراكاتٍ وتحصيلاً: إِما بحياةٍ كالمتعارفة، وإِما بحضورِ النَّفْس، وإِن لم تتلبَّس بالجَسَدِ كالعُرْف، كلُّ هذا جائزٌ في قُدْرة اللَّه تَبَارَكَ وتعالى غير أنَّ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ «أَنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ» ، ومنها: أنه يرى الضوء كَأَنَّ الشمْسَ دَنَتْ للغروب، وفيها أنه يُرَاجَعُ، وفيها: «فَيُعَادُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ» ، وهذا كلُّه يتضمَّن الحياةَ، فسُبْحَانَ مَنْ له هذه القدرة العظيمة، وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً: المراد ب الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ: كَفَرَةُ قُريشٍ، وقد خرَّجه البخاريُّ وغيره مسنداً عن ابن عباس «٣» انتهى، والتقديرُ: بدَّلوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْراً، ونِعْمَةُ اللَّه تعالى في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
والثّانِي: أنَّهم مُنافِقُو قُرَيْشٍ، رَواهُ أبُو الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ.
والثّالِثُ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ، ورُؤَساءُ أهْلِ بَدْرٍ الَّذِينَ ساقُوا أهْلَ بَدْرٍ إلى بَدْرٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أهْلُ مَكَّةَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ.
والسّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَبْدِيلُهم نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرَسُولِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، ودَعَوْا قَوْمَهم إلى الكُفْرِ بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ ﴾ أيِ: الهَلاكِ.
ثُمَّ فَسَّرَ الدّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها ﴾ أيْ: يُقاسُونَ حَرَّها ﴿ وَبِئْسَ القَرارُ ﴾ أيْ: بِئْسَ المَقَرُّ هي.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثابِتِ في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللهُ الظالِمِينَ ويَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ ﴾ ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ ﴾ ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النارِ ﴾ القَوْلُ الثابِتُ في الحَياةِ الدُنْيا وفي الأخَرَةِ كَلِمَةُ الإخْلاصِ والنَجاةُ مِنَ النارِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" والإقْرارُ بِالنُبُوَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ العالَمَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقالَ طاوُسُ، وقَتادَةُ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ هي مُدَّةُ حَياةِ الإنْسانِ، ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ هي وقْتُ سُؤالِهِ في القَبْرِ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وجَماعَةٌ: ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ هي وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَواهُ البَراءُ عَنِ النَبِيِّ في لَفْظٍ مُتَأوَّلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ في مُدَّةِ وُجُودِ الدُنْيا، وقَوْلُهُ: " في الآخِرَةِ " هو يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ.
والأوَّلُ أحْسَنُ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
و"الظالِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكافِرُونَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ عادَلَ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وعادَلَ التَثْبِيتَ بِالإضْلالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِهَذا التَقْسِيمِ المُتَقَدِّمِ، وكَأنَّ امْرَءًا رَأى التَقْسِيمَ فَطَلَبَ في نَفْسِهِ عِلَّتَهُ فَقِيلَ لَهُ: ﴿ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ بِحَقِّ المُلْكِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في صِفَةِ مُساءَلَةِ العَبْدِ في قَبْرِهِ أحادِيثَ مِنها ما وقَعَ في الصَحِيحِ، وهي مِن عَقائِدَ الدِينِ، وأنْكَرَتْ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، ولَمْ تَقُلْ بِأنَّ العَبْدَ يُسْألُ في قَبْرِهِ، وجَماعَةُ السُنَّةِ تَقُولُ: إنَّ اللهَ يَخْلُقُ لَهُ في قَبْرِهِ إدْراكاتٍ وتَحْصِيلًا، إمّا بِحَياةٍ كالمُتَعارَفَةِ وإمّا بِحُضُورِ النَفْسِ وإنْ لَمْ تَتَلَبَّسْ بِالجَسَدِ كالعُرْفِ، كُلُّ هَذا جائِزٌ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، غَيْرَ أنَّ في الأحادِيثِ إنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِعالِ، ومِنها أنَّهُ يَرى الضَوْءَ كالشَمْسِ دَنَتْ لِلْغُرُوبِ، وفِيها: أنَّهُ يُراجِعُ، وفِيها: فَتُعادُ رُوحُهُ إلى جَسَدِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُ الحَياةَ، فَسُبْحانَ رَبِّ هَذِهِ القُدْرَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا ﴾ ، هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مِثالٍ مِنَ الظالِمِينَ، والتَقْدِيرُ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللهِ كُفْرًا، وهَذا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ ، ونِعْمَةُ اللهِ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ودِينُهُ، أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا النِعْمَةَ ولَمْ يَقْبَلُوها وتَبَدَّلُوا بِها الكُفْرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرَةُ قُرَيْشٍ جُمْلَةً، هَذا بِحَسْبِ ما اشْتُهِرَ مِن حالِهِمْ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أنَّها نَزَلَتْ في الأفْجَرَيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَّيَّةَ، قالَ عُمْرُ: فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفُّوا يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمِّيَّةٍ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها فِيهِ نَزَلَتْ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وإنَّما أرادَ أنَّها تَحْصُرُ مَن فَعَلَ فِعْلَ جَبَلَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأحَلُّوا قَوْمَهُمْ ﴾ أيْ: مَن أطاعَهم وكانَ مَعَهم في التَبْدِيلِ، فَكَأنَّ الإشارَةَ والتَعْنِيفَ إنَّما هي لِلْرُؤُوسِ والأعْلامِ، و[البَوارُ] الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي ∗∗∗ راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ قالَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ هو وغَيْرُهُ: إنَّهُ يُرْوى لِابْنِ الزِبَعْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "البَوارِ" الهَلاكَ في الآخِرَةِ فَفَسَّرَهُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها ﴾ ، أيْ: يَحْتَرِقُونَ في حَرِّها ويَحْتَمِلُونَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "البَوارِ" الهَلاكَ في الدُنْيا بِالقَتْلِ والخِزْيِ فَتَكُونُ "الدارُ" قَلِيبَ بَدْرٍ ونَحْوَهُ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلى بَدْرٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "جَهَنَّمَ" نَصْبًا عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: "زَيْدًا ضَرَبْتُهُ" بِإضْمارِ فِعْلٍ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، و"القَرارُ" مَوْضِعُ اسْتِقْرارِ الإنْسانِ.
و"الأنْدادُ" جَمْعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ والشَبِيهُ المُناوِئُ، والمُرادُ الأصْنامُ.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيُضِلُّوا" بِضَمِّ الياءِ لامُ كَيْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لِيَضِلُّوا" بِفَتْحِ الياءِ، أيْ هم أنْفُسُهُمْ، فاللامُ -عَلى هَذا- لامُ عاقِبَةٍ وصَيْرُورَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، أيْ: يُضِلُّوا غَيْرَهم.
وأمْرُهم بِالتَمَتُّعِ هو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أعقب تمثيل الدينين ببيان آثارهما في أصحابهما.
وابتُدئ بذكر أحوال المشركين لأنها أعجب والعبرة بها أولى والحذر منها مقدّم على التحلي بضدها، ثم أعقب بذكر أحوال المؤمنين بقوله: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا ﴾ الخ.
والاستفهام مستعمل في التشويق إلى رؤية ذلك.
والرؤية هنا بصرية لأن متعلقها مما يرى، ولأن تعدية فعلها ب ﴿ إلى ﴾ يرجح ذلك، كما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ﴾ [سورة البقرة: 258].
وقد نزل المخاطب منزلة من لم ير.
والخطاب لمن يصح منه النظر إلى حال هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله مع وضوح حالهم.
والكفر: كفران النعمة، وهو ضد الشكر، والإشراك بالله من كفران نعمته.
وفي قوله: بدلوا نعمة الله كفراً } محسن الاحتباك.
وتقدير الكلام: بدلوا نعمة الله وشُكرَها كفراً بها ونقمةً منه، كما دل عليه قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ الخ.
واستعير التبديل لوضع الشيء في الموضع الذي يستحقه شيء آخر، لأنه يشبه تبديل الذات بالذات.
والذين بدلوا هذا التبديل فريق معرفون، بقرينة قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ ، وهم الذين تلقوا الكلمة الخبيثة من الشيطان، أي كلمة الشرك، وهم الذين استكبروا من مشركي أهل مكة فكابروا دعوة الإسلام وكذّبوا النبي صلى الله عليه وسلم وشرّدوا من استطاعوا، وتسببوا في إحلال قومهم دار البوار، فإسناد فعل ﴿ أحلوا ﴾ إليهم على طريقة المجاز العقلي.
ونعمة الله التي بدلوها هي نعمة أن بوّأهُم حرمه، وأمنهم في سفرهم وإقامتهم، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، وسلمهم مما أصاب غيرهم من الحروب والغارات والعدوان، فكفروا بمن وهبهم هذه النعم وعبدوا الحجارة.
ثم أنعم الله عليهم بأن بعث فيهم أفضل أنبيائه صلى الله عليهم جميعاً وهداهم إلى الحق، وهيّأ لهم أسباب السيادة والنجاة في الدنيا والآخرة، فبدّلو شكر ذلك بالكفر به، فنعمة الله الكبرى هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوة إبراهيم وبنيّته عليهم السلام.
وقومهم: هم الذين اتبعوهم في ملازمة الكفر حتى ماتوا كفاراً، فهم أحق بأن يضافوا إليهم.
والبوار: الهلاك والخسران.
وداره: محله الذي وقع فيه.
والإحلال بها الإنزال فيها، والمراد بالإحلال التسبب فيه، أي كانوا سبباً لحلول قومهم بدار البوار، وهي جهنم في الآخرة، ومواقع القتل والخزي في الدنيا مثل: موقع بدر، فيجوز أن يكون ﴿ دار البوار ﴾ جهنم، وبه فسر علي وابن عبّاس وكثير من العلماء، ويجوز أن تكون أرض بدر وهو رواية عن علي وعن ابن عباس.
واستعمال صيغة المضي في ﴿ أحلوا ﴾ لقصد التحقيق لأن الإحلال متأخر زمنه فإن السورة مكية.
والمراد ب ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ صناديد المشركين من قريش، فعلى تفسير ﴿ دار البوار ﴾ بدار البوار في الآخرة يكون قوله ﴿ جهنم ﴾ بدلاً من ﴿ دار البوار ﴾ وجملة ﴿ يصلونها ﴾ حالاً من ﴿ جهنم ﴾ ، فتخص ﴿ دار البوار ﴾ بأعظم أفرادها وهو النار، ويجعل ذلك من ذكر بعض الأفراد لأهميته.
وعلى تفسير ﴿ دار البوار ﴾ بأرض بدر يكون قوله: ﴿ جهنم يصلونها ﴾ جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.
وانتصابُ جهنم على أنه مفعول لفعل محذوف يدل عليه فعل ﴿ يصلونها ﴾ على طريقة الاشتغال.
وما يروون عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن عليّ كرّم الله وجهه أن ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ هم الأفجران من قريش: بَنُو أمية وبنو المغيرة بن مخزوم، قال: فأما بنو أمية فمُتّعوا إلى حين وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر.
فلا أحسبه إلا من وضع بعض المغرضين المضادين لبني أمية.
وفي روايات عن عليّ كرّم الله وجهه أنه قال: هم كفار قريش، ولا يريد عمر ولا علي رضي الله عنهما من أسلموا من بني أمية فإن ذلك لا يقوله مسلم فاحذروا الأفهام الخطئة.
وكذا ما روي عن ابن عباس: أنهم جَبلة بن الأيهم ومن اتبعه من العرب الذين تنصروا في زمن عُمر وحلّوا ببلاد الروم، فإذا صح عنه فكلامه على معنى التنظير والتمثيل وإلا فكيف يكون هو المراد من الآية وإنما حدث ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وجملة ﴿ وبئس القرار ﴾ عطف على جملة ﴿ يصلونها ﴾ ، أو حال من ﴿ جهنم ﴾ .
والتقدير: وبئس القرار هي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَمّا بَعَثَ رَسُولَهُ مِنهم، كُفْرًا بِهِ وجُحُودًا لَهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأفْجَرِينَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي أُمَيَّةَ وبَنِي مَخْزُومٍ، فَأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ، وأمّا بَنُو مَخْزُومٍ فَأُهْلِكُوا يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ عَلِيٌّ، ونَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهم قادَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ جَبَلَةُ مِنَ الأيْهَمِ حِينَ لُطِمَ، فَجَعَلَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ القِصاصَ بِمِثْلِها، فَلَمْ يَرْضَ وأنِفَ فارْتَدَّ مُتَنَصِّرًا ولَحِقَ بِالرُّومِ في جَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَلَمّا صارَ إلى بِلادِ الرُّومِ نَدِمَ وقالَ: تَنَصَّرَتِ الأشْرافُ مِن عارِ لَطْمَةٍ وما كانَ فِيها لَوْ صَبَرْتُ لَها ضَرَرْ ∗∗∗ تَكَنَّفَنِي مِنها لُجاجٌ ونَخْوَةٌ ∗∗∗ وبَعْثُ لَها العَيْنُ الصَّحِيحَةُ بِالعَوَرِ ∗∗∗ فَيا لَيْتَنِي أرْعى المَخاضَ بِبَلْدَتِي ∗∗∗ ولَمْ أُنْكِرِ القَوْلَ الَّذِي قالَهُ عُمَرْ الخامِسُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ تَبْدِيلُهم نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في الرِّسالَةِ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ .
الثّانِي: أنَّهم بَدَّلُوا نِعَمَ الدُّنْيا بِنِقَمِ الآخِرَةِ.
﴿ وَأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها جَهَنَّمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّها يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُجاهِدٌ.
والبَوارُ في كَلامِهِمُ الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ ∗∗∗ غَداةَ الحَرْبِ إنْ خِيفَ البَوارُ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار أهل مكة.
وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.
فأما بنو المغيرة، فكفيتموهم يوم بدر.
وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، هذه الآية ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك.
فأما أخوالي، فاستأصلهم الله يوم بدر.
وأما أعمامك، فأملى الله لهم إلى حين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، وابن مردويه والحاكم وصححه من طرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة.
فأما بنو المغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر.
وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي الطفيل رضي الله عنه، أن ابن الكواء رضي الله عنه سأل علياً رضي الله عنه من ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر.
قال: فمن ﴿ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ﴾ [ الكهف: 104] قال: منهم أهل حروراء.
وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه، أنه سئل عن ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: بنو أمية وبنو مخزوم، رهط أبي جهل.
وأخرج ابن مردويه عن ارطأة رضي الله عنه: سمعت علياً رضي الله عنه على المنبر يقول: ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ ، الناس منها برآء غير قريش.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن أبي حسين رضي الله عنه قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن؟
فوالله لو أعلم اليوم أحداً أعلم به مني، وإن كان من وراء البحور لأتيته.
فقام عبد الله بن الكواء رضي الله عنه فقال: مَنْ ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم مشركو قريش، أتتهم نعمة الله الايمان فبدلوا قومهم دار البوار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم في الكنى، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار قريش الذين نحروا يوم بدر.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم المشركون من أهل بدر.
وأخرج مالك في تفسيره عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآية في الذين قتلوا من قريش يوم بدر ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم قريش.
ومحمد النعمة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً....
﴾ الآية.
قال: كنا نحدث أنهم أهل مكة، أبو جهل وأصحابه الذين قتلهم الله يوم بدر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ قال: أحلوا من أطاعهم من قومهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ دار البوار ﴾ قال: النار.
قال: وقد بين الله ذلك وأخبرك به فقال: ﴿ جهنم يصلونها وبئس القرار ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ جهنم يصلونها ﴾ قال: هي دارهم في الآخرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلوا لله أنداداً ﴾ قال: أشركوا بالله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله: ﴿ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴾ قال: تمتعوا إلى أجلكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ﴾ قال: إن الله تعالى قد علم أن في الدنيا بيوعاً وخلالاً يتخالون بها في الدنيا، فلينظر رجل من يخالل، وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فليعلم أن كل خلة ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ قال: بكل بلدة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ﴾ قال: دؤوبهما في طاعة الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في كتاب العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، وكذلك القمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ قال: من كل شيء رغبتم إليه فيه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ قال: من كل الذي سألتموني تفسيره، أعطاكم أشياءً ما سألتموها ولم تلتمسوها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن طلق بن حبيب رضي الله عنه قال: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبحوا توّابين وأمسوا توابين.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، وعن بكر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ما قال عبد قط الحمد لله، إلا وجبت عليه نعمة بقول الحمد لله، فقيل: فما جزاء تلك النعمة؟
قال: جزاؤها أن يقول الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن سليمان التيمي رضي الله عنه قال: إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال: با ابن آدم، إذا أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك.
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه وحضر عذابه.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ما أنعم الله على العباد نعمة أعظم من أن عرّفهم لا إله إلا الله، وأنّ لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن لله على أهل النار منة، فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن محمد بن صالح قال: كان بعض العلماء إذا تلا ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ قال: سبحان من لم يجعل من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكراً، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه، فجعله إيماناً علماً منه أن العباد لا يجاوزون ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال: قال داود عليه السلام: (رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ..؟
فأوحى الله: يا داود، تنفس.
فتنفس، فقال: هذا أدنى نعمتي عليك).
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: عبد الله عابد خمسين عاماً، فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك.
قال: يا رب، وما تغفر لي..؟
ولم أذنب..؟
فأذن الله تعالى لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلِّ، ثم سكن فنام تلك الليلة، فشكا إليه فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟
قال الملك: إن ربك يقول إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري.
قال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم...
فما بال الكفر...
!؟
قال: ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ أي: المقر، وهو مصدرٌ سُمي به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً ﴾ نعمة الله هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم ودينه: أنعم الله به على قريش فكفروا النعمة ولم يقبلوها والتقدير بدلوا شكر نعمة الله كفرا ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ ﴾ أي من أطاعهم واتبعهم ﴿ دَارَ البوار ﴾ فسرها بقوله جهنم ﴿ يُقِيمُواْ الصلاوة ﴾ هي جواب شرط فقد يتضمنه قوله قل: تقديره إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول على هذا محذوف، وقيل: جزم بإضمار لام الأمر تقديره ليقيموا ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ من الخلة وهي المودة ﴿ إِنَّ الإنسان ﴾ يريد الجنس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بلفظ الفعل.
﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.
﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.
الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بضمها.
﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.
الباقون بالفتح.
﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.
الباقون بالإضافة.
الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.
فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.
وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.
وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.
وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.
وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.
والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.
قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".
قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.
وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.
ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.
ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.
وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.
ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟
فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.
ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.
﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.
فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟
قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.
وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.
والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.
وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.
ومعنى بروزهم لله وهو لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.
فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.
قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.
وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.
كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته فضلوا وأضلوا.
قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.
وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.
والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .
عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.
وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.
وزيف بأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله.
وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.
ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.
ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.
والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.
وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.
يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .
ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.
وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.
الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.
ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.
ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.
﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله عليه حجة.
هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.
قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.
وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟
جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.
وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.
هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.
وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.
ثم حكى الله عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.
قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.
صرخ فلان إذا استغاث.
وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.
وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.
وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.
قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.
ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.
أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.
ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.
قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.
وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.
ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.
قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.
ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.
وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.
عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.
وعن ابن عمر: هي النخلة.
وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.
والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.
أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.
ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.
والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.
ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.
قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.
الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.
وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.
وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.
وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.
والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.
قال المحققون: معرفة الله والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.
أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.
ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.
وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.
وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.
وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.
وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .
وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.
و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.
وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله ﴾ .
وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.
فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.
ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.
وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟
فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.
قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.
وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.
ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.
هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.
عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.
وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.
والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.
وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.
فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.
وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.
ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.
﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.
ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.
ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.
وذلك أنه أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.
وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.
قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.
وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.
﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.
قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.
والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.
ومن الذين نزل فيهم؟
روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.
فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.
وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.
ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.
وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.
وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.
والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.
ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.
ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.
وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.
﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.
ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.
ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".
﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.
وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.
والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.
ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.
ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.
ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.
قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.
ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله على عباده.
وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.
وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.
قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.
أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.
وإذا كانت نعم الله في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟
إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.
وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.
واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.
التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.
تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.
﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.
﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.
وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.
ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله : <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً ﴾ .
اختلف في نزوله: قال بعضهم: هذه [السورة] كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية فإنها نزلت بالمدينة.
وقال بعضهم: نزلت بمكة كلها.
فمن يقول: نزلت بالمدينة - يقول: قوله: ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ * جَهَنَّمَ ﴾ هو بَدْر؛ أي: حملوهم إلى بدر حتى قتلوا؛ لأنه لم يكن بمكة بدر؛ إنما كان بالمدينة.
ومن يقول: نزلت بمكة - يقول: ﴿ دَارَ ٱلْبَوَارِ ﴾ : هي جهنم؛ على ما فسّره ظاهر الكتاب، وهو الأشبه بظاهر الآية؛ لأنه بيّن تلك الدار؛ فقال: ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ .
وفي الآية دلالة أن الآية [كانت] في عظمائهم وكبرائهم؛ حيث قال: ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ...
﴾ الآية.
ثم اختُلف في النعمة؛ التي ذكر أنهم بدلوها كفراً؛ فهي تحتمل وجوهاً: أحدها: أن الله - عز وجل - قد أنعم عليهم في هذه الدنيا؛ ووسعها عليهم؛ فحرموا تلك النعم على أنفسهم؛ فجعلوها للأصنام التي عبدوها وسيبوها؛ ولم ينتفعوا بها، من نحو البَحِيرة التي ذكر، والسائبة، والوَصِيلة، والحامي، وما جعلوا للأصنام هو ما ذكر ﴿ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ ، فذلك تبديل النعمة كفراً؛ حيث حرموا ما أنعم الله عليهم وأحل لهم.
والثاني: تلك النعمة محمد أو القرآن أو الإسلام وهو نعمة، كذبوهم [وكفروهم].
أو أن يكونوا بدلوا الشكر الذي عليهم - بما أنعم عليهم كفراً، جعلوها سبباً للكفر؛ فلم يشكروه بما أنعم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً ﴾ حقيقته يخرج على وجهين: أحدهما: بدلوا وصرفوا ما أنعم الله عليهم؛ وهو محمد عن أنفسهم؛ حتى أخذ منهم؛ بدلوا به كفراً.
والثاني: بدلوا به كفراً بعدما سألوا ربهم ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [النحل: 38]؛ فلم يشكروا ما أنعم عليهم، وبدلوا الشكر كفراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ ﴾ .
أي: أنزلوا، دل هذا أن الآية نزلت في الرؤساء من الكفرة، والأئمة منهم؛ حيث أخبر أنهم أحلوا قومهم دار البوار.
ذكر ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ ﴾ على الماضي؛ لأنه قد وجد منهم الجناية بالإحلال في دار البوار، وذكر في دخولهم جهنم على الاستئناف؛ بقوله: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ﴾ لما لم يوجد بعد سيوجد، ويجوز أن يستدل بهذا لأصحابنا لمسألة: وهي أن العبد إذا حفر بئراً ثم أعتق؛ فوقع في البئر إنسان: ينظر إلى قيمة العبد يوم حفر؛ لأن الحفر منه جناية، وإلى الواقع فيه يوم الوقوع لا يوم الحفر؛ لأنه لم يوجد بعد يوم الحفر جناية.
أو أن يقال: أحلوا أرواحهم دار البوار؛ فتدخل أجسادهم يومئذ، لم تدخل بعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً ﴾ ثم فسرّ أنهم لم أحلوا قومهم دار البوار؟
فقال: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً ﴾ : أعدالا وأمثالا، ﴿ لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً ﴾ في العبادة؛ يعبدون كما يعبد الله، أو في التسمية؛ يسمونها آلهة؛ كما يسمى الله، جعلوا له أنداداً في هذين الوجهين، يذكر سفههم؛ حيث جعلوا ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يدفع، ولا يضر [أمثالا وأعدالا] لله؛ على علم منهم أن الله هو الذي خلقهم، ورزقهم، وينعم عليهم، وهو الذي يدفع عنهم كلّ بلاء وشدة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ هو تفسير ما ذكر؛ من تبديل النعمة كفراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَمَتَّعُواْ ﴾ بهذه النعم التي ذكر أنهم بدّلوها كفراً.
﴿ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ هذا في قوم ماتوا على الكفر، أو يقول: قل تمتعوا في الدنيا أو تمتعوا بالكفر فإن مصيركم إلى النار، هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً وفيه دلالة إثبات الرسالة.
وقال أبو عوسجة: البوار: الهلاك والفناء، يقال: بار الرجل يبور بوراً؛ فهو بائر، وقوم بور أي: هالكون.
ويقال: بارت السوق، وبارت السلعة: إذا كسدت ويقال: بارت المرأة تبور بواراً؛ فهي بائرة: إذا كبرت.
وفي حديث النبي : "نعوذ بالله من بوار الأيِّم" ؛ قيل: يعني من كسادها.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ودار الهلاك هي جهنم يدخلونها، يقاسون حرَّها، وساء المستقر مستقرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.62BP5"