الآية ٣٤ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٣٤ من سورة إبراهيم

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) يقول : هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم وقالكم .

وقال بعض السلف : من كل ما سألتموه وما لم تسألوه .

وقرأ بعضهم : " وأتاكم من كل ما سألتموه " .

وقوله : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) يخبر عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها ، كما قال طلق بن حبيب - رحمه الله - : إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد ، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ، ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين .

وفي صحيح البخاري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " اللهم ، لك الحمد غير مكفي ولا مودع ، ولا مستغنى عنه ربنا " .

وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث ، حدثنا داود بن المحبر ، حدثنا صالح المري عن جعفر بن زيد العبدي ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ، ديوان فيه العمل الصالح ، وديوان فيه ذنوبه ، وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه .

فيقول الله لأصغر نعمه - أحسبه قال في ديوان النعم - خذي ثمنك من عمله الصالح ، فتستوعب عمله الصالح كله ، ثم تنحى وتقول : وعزتك ما استوفيت .

وتبقى الذنوب والنعم فإذا أراد الله أن يرحم قال : يا عبدي ، قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك - أحسبه قال : ووهبت لك نعمي - .

غريب ، وسنده ضعيف .

وقد روي في الأثر : أن داود - عليه السلام - قال : يا رب ، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي ؟

فقال الله تعالى : الآن شكرتني يا داود ، أي : حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر النعم .

وقال الشافعي - رحمه الله - : الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه ، إلا بنعمة توجب على مؤدي ماضي نعمه بأدائها نعمة حادثة توجب عليه شكره بها .

وقال القائل في ذلك : لو كل جارحة مني لها لغة تثني عليك بما أوليت من حسن لكان ما زاد شكري إذ شكرت به إليك أبلغ في الإحسان والمنن

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإن تعدّوا أيها الناس نعمة الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاء عددها والقيام بشكرها إلا بعون الله لكم عليها.( إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) يقول: إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرا لظلوم: يقول: لشاكر غير من أنعم عليه ، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه ، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم واستحق عليه إخلاص العبادة له ، فعبد غيره وجعل له أندادا ليضلّ عن سبيله ، وذلك هو ظلمه ، وقوله ( كَفَّارٌ ) يقول: هو جحود نعمة الله التي أنعم بها عليه لصرفه العبادة إلى غير من أنعم عليه ، وتركه طاعة من أنعم عليه.

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا مِسْعَر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن طلق بن حبيب ، قال : إن حقّ الله أثقل من أن تقوم به العباد ، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيَها العباد ، ولكن أصبِحوا تَوّابين وأمسُوا توّابين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وآتاكم من كل ما سألتموه أي أعطاكم من كل مسئول سألتموه شيئا ; فحذف ; عن الأخفش .

وقيل : المعنى وآتاكم من كل ما سألتموه ، ومن كل ما لم تسألوه فحذف ، فلم نسأله شمسا ولا قمرا ولا كثيرا من نعمه التي ابتدأنا بها .

وهذا كما قال : سرابيل تقيكم الحر على ما يأتي .

وقيل : " من " زائدة ; أي آتاكم كل ما سألتموه .

وقرأ ابن عباس والضحاك وغيرهما " وآتاكم من كل " بالتنوين " ما سألتموه " وقد رويت هذه القراءة عن الحسن والضحاك وقتادة ; هي على النفي أي من كل ما لم تسألوه ; كالشمس والقمر وغيرهما .

وقيل : من كل شيء ما سألتموه أي الذي ما سألتموه .وإن تعدوا نعمة الله أي نعم الله .

لا تحصوها ولا تطيقوا عدها ، ولا تقوموا بحصرها لكثرتها ، كالسمع والبصر وتقويم الصور إلى غير ذلك من العافية والرزق ; نعم لا تحصى وهذه النعم من الله ، فلم تبدلون نعمة الله بالكفر ؟

!

وهلا استعنتم بها على الطاعة ؟

!إن الإنسان لظلوم كفار [ ص: 322 ] الإنسان لفظ جنس وأراد به الخصوص ; قال ابن عباس : أراد أبا جهل .

وقيل : جميع الكفار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أي: أعطاكم من كل ما تعلقت به أمانيكم وحاجتكم مما تسألونه إياه بلسان الحال، أو بلسان المقال، من أنعام، وآلات، وصناعات وغير ذلك.

{ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } فضلا عن قيامكم بشكرها { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم متجرئ على المعاصي مقصر في حقوق ربه كفَّار لنعم الله، لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله فشكر نعمه، وعرف حق ربه وقام به.

ففي هذه الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم، مجمل ومفصل يدعو الله به العباد إلى القيام بشكره، وذكره ويحثهم على ذلك، ويرغبهم في سؤاله ودعائه، آناء الليل والنهار، كما أن نعمه تتكرر عليهم في جميع الأوقات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وآتاكم من كل ما سألتموه ) [ يعني : وآتاكم من كل شيء سألتموه ] شيئا ، فحذف الشيء الثاني اكتفاء بدلالة الكلام ، على التبعيض .

وقيل : هو على التكثير نحو قولك : فلان يعلم كل شيء ، وآتاه كل الناس ، وأنت تعني بعضهم نظيره قوله تعالى : ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) ( الأنعام - 44 ) .

وقرأ الحسن " من كل " بالتنوين ( ما ) على النفي يعني من كل ما لم تسألوه ، يعني : أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها .

( وإن تعدوا نعمة الله ) أي : نعم الله ( لا تحصوها ) أي : لا تطيقوا عدها ولا القيام بشكرها .

( إن الإنسان لظلوم كفار ) أي : ظالم لنفسه بالمعصية ، كافر بربه عز وجل في نعمته .

وقيل : الظلوم ، الذي يشكر غير من أنعم عليه ، والكافر : من يجحد منعمه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وآتاكم من كل ما سألتموه» على حسب مصالحكم «وإن تعدوا نعمة الله» بمعنى إنعامه «لا تحصوها» لا تطيقوا عدها «إن الإنسان» الكافر «لظلوم كفار» كثير الظلم لنفسه بالمعصية والكفر لنعمة ربه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأعطاكم من كل ما طلبتموه، وإن تعدُّوا نِعَم الله عليكم لا تطيقوا عدها ولا إحصاءها ولا القيام بشكرها؛ لكثرتها وتنوُّعها.

إن الإنسان لَكثير الظلم لنفسه، كثير الجحود لنعم ربه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله ( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ .

.

)أى : وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - ( وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) قال الجمل ما ملخصه " قوله ( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) أى : كل نوع أو كل صنف سألتموه أى : شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه ، وإن لم تسألوه بالفعل .وفى " من " قولان : أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى ، أى : آتاكم كل ما سألتموه .والثانى أن تكون تبعيضية أى : وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره : وآتاكم شيئسا من كل ما سألتموه ، وهو رأى سيبويه .

.

"وجملة ( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ) مؤكدة لمضمون ما قبلها .أى : وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم ، وتحاولوا تحديد هذا العدد ، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم ، وخفاء بعضه عليكم .والإِحصاء : ضبط العدد وتحديده ، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ .قال ابن كثير : " يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها ، كما قال طلق بن حبيب - رحمه الله - : إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد وإن نعم الله أكثر من يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين " .وفى صحيح البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده - ، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق .

.

" .والمراد بالإِنسان فى قوله ( إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) نوع معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - ( وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ) أى : إن الإِنسان الكافر لشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى - ، ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل .قال الشوكانى : قوله - سبحانه : ( إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ ) أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه ، وظاهره شمول كل إنسان ، وقال الزجاج : إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة ، كما فى قوله - تعالى - ( والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ) " كفار " أى : شديد كفران نعم الله عليه ، جاحد لها ، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب عليه .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله .ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته ، وهذه النعم هى خلق السموات والأرض ، وإنزال المطر من السماء ، وإخراج الثمرات به ، وتسخير الفلك فى البحار ، وتسخير الأنهار ، وتسخير الليل والنهار .ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر ، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، وكان العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وبصفاته، وفي حصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة، لا جرم ختم الله تعالى وصف أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته، وذكر هاهنا عشرة أنواع من الدلائل.

أولها: خلق السموات.

وثانيها: خلق الأرض، وإليهما الإشارة بقوله تعالى: ﴿ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ .

وثالثها: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَّكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِي البحر بِأَمْرِهِ ﴾ .

وخامسها: قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار ﴾ .

وسادسها.

وسابعها: قوله: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دآئِبَينِ ﴾ .

وثامنها.

وتاسعها: قوله: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الليل والنهار ﴾ .

وعاشرها: قوله: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ وهذه الدلائل العشرة قد مر ذكرها في هذا الكتاب وتقريرها وتفسيرها مراراً وأطواراً ولا بأس بأن نذكر هاهنا بعض الفوائد.

فاعلم أن قوله تعالى: ﴿ الله ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ خبره.

ثم إنه تعالى بدأ بذكر خلق السموات والأرض، وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن السماء والأرض من كم وجه تدل على وجود الصانع الحكيم، وإنما بدأ بذكرهما هاهنا لأنهما هما الأصلان اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك فإنه قال بعده: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: لولا السماء لم يصح إنزال الماء منها ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه، فظهر أنه لابد من وجودهما حتى يحصل هذا المقصود وهذا المطلوب.

البحث الثاني: قوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ﴾ وفيه قولان: الأول: أن الماء نزل من السحاب وسمي السحاب سماء اشتقاقاً من السمو، وهو الارتفاع.

والثاني: أنه تعالى أنزله من نفس السماء وهذا بعيد، لأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطراً عليهم وإذا كان هذا أمراً مشاهداً بالبصر كان النزاع فيه باطلاً.

البحث الثالث: قال قوم: إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين، لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلباً لهذه الخيرات الحقيرة، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله تعالى ويتخلص عن عقابه أولى.

ولهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال الله تعالى كل نفس مشتهاها من غير تعب ولا نصب، هذا قول المتكلمين.

وقال قوم آخرون: إنه تعالى يحدث الثمار والزروع بواسطة هذا الماء النازل من السماء، والمسألة كلامية محضة، وقد ذكرناه في سورة البقرة.

البحث الرابع: قال أبو مسلم: لفظ ﴿ الثمرات ﴾ يقع في الأغلب على ما يحصل على الأشجار، ويقع أيضاً على الزروع والنبات، كقوله تعالى: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ  ﴾ .

البحث الخامس: قال تعالى: ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ والمراد أنه تعالى إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقاً لنا، والمقصود أنه تعالى قصد بتخليق هذه الثمرات إيصال الخير والمنفعة إلى المكلفين، لأن الإحسان لا يكون إحساناً إلا إذا قصد المحسن بفعله إيصال النفع إلى المحسن إليه.

البحث السادس: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ بيان للرزق، أي أخرج به رزقاً هو ثمرات، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقاً حال من المفعول أو نصباً على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق، والتقدير: ورزق من الثمرات رزقاً لكم.

فأما الحجة الرابعة: وهي قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِي البحر بِأَمْرِهِ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءاياته الجوار فِي البحر كالأعلام  ﴾ ففيها مباحث: البحث الأول: أن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجاري في البحر، وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من أنعمه حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض وبالعكس كثر الربح في التجارات، ثم إن هذا النقل لا يمكن إلا بسفن البر وهي الجمال أو بسفن البحر وهي الفلك المذكور في هذه الآية.

فإن قيل: ما معنى وسخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد؟

قلنا؛ أما على قولنا إن فعل العبد خلق الله تعالى فلا سؤال، وأما على مذهب المعتزلة فقد أجاب القاضي عنه فقال: لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن ولولا خلقه للحديد وسائر الآلات ولولا تعريفه العباد كيف يتخذوه ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السيلان التي باعتبارها يصح جري السفينة، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها ولولا أنه وسع الأنهار وجعل فيها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال، وهو المدبر لهذه الأمور والمسخر لها حسنت إضافة السفن إليه.

البحث الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك التسخير إلى أمره لأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيماً لشأنه، ومنهم من حمله على ظاهر قوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وتحقيق هذا الوجه راجع إلى ما ذكرناه.

البحث الثالث: الفلك من الجمادات فتسخيرها مجاز، والمعنى أنه لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له.

الحجة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار ﴾ واعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع والنبات، وأيضاً ماء البحر لا يصلح للشرب، والصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار.

الحجة السادسة والسابعة: قوله: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينِ ﴾ .

واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها قوله: ﴿ وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً  ﴾ ومنها قوله: ﴿ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ  ﴾ ومنها قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً  ﴾ ومنها قوله: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ دَآئِبَينِ ﴾ معنى الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة يقال دأب يدأب دأباً ودؤباً وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا  ﴾ قال المفسرون: قوله: ﴿ دآئِبَينِ ﴾ معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية وقد ذكرنا منافع الشمس والقمر بالاستقصاء في أول هذا الكتاب.

الحجة الثامنة والتاسعة: قوله: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر ﴾ .

واعلم أن منافعهما مذكورة في القرآن كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًا  وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا  ﴾ وقوله: ﴿ وهو الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً  ﴾ قال المتكلمون: تسخير الليل والنهار مجاز لأنهما عرضان، والأعراض لا تسخر.

والحجة العاشرة: قوله: ﴿ وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ ثم إنه تعالى لما ذكر تلك النعمة العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء فقال: ﴿ وَآتَاكُم مّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ والمفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئاً، وقرئ: ﴿ مِن كُلِّ ﴾ بالتنوين و ﴿ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ نفي ومحله نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه ويجوز أن تكون ما موصولة والتقدير: آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ قال الواحدي: النعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم الله عليه، ينعم إنعاماً ونعمة أقيم الاسم مقام الإنعام كقوله: أنفقت عليه إنفاقاً ونفقة بمعنى واحد، ولذلك لم يجمع لأنه في معنى المصدر، ومعنى قوله: ﴿ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ أي لا تقدرون على تعديد جميعها لكثرتها.

واعلم أن الإنسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع، فعليه أن يتأمل في شيء واحد ليعرف عجز نفسه عنه ونحن نذكر منه مثالين.

المثال الأول: أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان، منها دماغية ومنها نخاعية.

أما الدماغية فإنها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الأرواح السبعة، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل واحد من تلك الشعب أيضاً إلى شعب دقيقة أدق من الشعر ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء ولو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية أو بسبب الكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية، ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جداً، ولكل واحدة منها حكمة مخصوصة، فإذا نظر الإنسان في هذا المعنى عرف أن الله تعالى بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه وعرف قطعاً أنه لا سبيل له إلى الوقوق عليها والاطلاع على أحوالها وعند هذا يقطع بصحة قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والكيفية والوضع والفعل والإنفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحراً لا ساحل له، وإذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه وروحه، فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجساد ثم لما اعتبرت حالة الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والحيوان وعند هذا تعرف أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلاً واحداً ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل، فسبحانه تقدس عن أوهام المتوهمين.

المثال الثاني: أنك إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها أما الأمور التي قبلها: فاعرف أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائماً على الوجه الأصوب، لأن الحنطة لابد منها، وأنها لا تنبت إلا معونة الفصول الأربعة، وتركيب الطبائع وظهور الرياح والأمطار، ولا يحصل شيء منها إلا بعد دوران الأفلاك، واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات، وفي كيفيتها في الجهة والسرعة والبطء ثم بعد أن تكون الحنطة لابد من آلات الطحن والخبز، وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال، ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها، ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات، فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لابد من اجتماع العناصر الأربعة، وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق.

فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة.

وأما النظر فيما بعد حصولها: فتأمل في تركيب بدن الحيوان، وهو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية، فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور، والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ ثم إنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ قيل: يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها.

وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع، والمراد من الإنسان هاهنا: الجنس، يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه، وهاهنا بحثان: البحث الأول: أن الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملالة، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها، وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة، وأيضاً أن نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي.

البحث الثاني: أنه تعالى قال في هذا الموضع: ﴿ إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ وقال في سورة النحل: ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها، فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما كونك ظلوماً كفاراً، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفوراً رحيماً، والمقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء، ونسأل الله حسن العاقبة والرحمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله ﴾ مبتدأ، و ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ خبره، و ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ بيان للرزق، أي: أخرج به رزقاً هو ثمرات.

ويجوز أن يكون ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ مفعول أخرج، و ﴿ رِزْقاً ﴾ حالاً من المفعول، أو نصباً على المصدر من أخرج، لأنه في معنى رزق ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ بقوله كن ﴿ دآئِبَينَ ﴾ يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الَّيْلَ والنَّهَارَ ﴾ يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم ﴿ وءاتاكم مِّن كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ﴾ من للتبعيض، أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه، نظراً في مصالحكم.

وقرئ: ﴿ من كلّ ﴾ بالتنوين، وما سألتموه نفي ومحله النصب على الحال أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، ويجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ موصولة، على: وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أَحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال ﴿ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ لا تحصروها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها، هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال.

وأمّا التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله ﴿ لَظَلُومٌ ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كَفَّارٌ ﴾ شديد الكفران لها.

وقيل ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع.

والإنسان للجنس، فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿ مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم.

﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ.

وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ.

﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ.

﴿ إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ.

﴿ كَفّارٌ ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ.

وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)

{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} من للتبعيض أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه أو وآتاكم من كل شيء سألتموه وما لم تسألوه فما موصولة والجملة صفة لها وحذفت الجملة الثانية لأن الباقي يدل على

إبراهيم (٣٤ _ ٣٧)

المحذوف كقوله سرابيل تقيكم الحر من كل عن أبي عمرو وما سألتموه نفي ومحله النصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه أو ما موصولة أي وآتاكم من كل ذلك

ما احتجتم إليه فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا} لا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال وأما التفصيل فلا يعلمه إلا الله {إن الإنسان لظلوم} يظلم النعمة بإغفال شكرها {كَفَّارٌ} شديد الكفران لها أو ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع والإنسان للجنس فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ أيْ أعْطاكم بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ فَمِن كُلِّ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتى و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ وقالَ بَعْضُ الكامِلِينَ: إنَّ ( كُلِّ ) لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْخِيمِ لا لِلْإحاطَةِ والتَّعْمِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ واعْتُرِضَ عَلى حَمْلِ ( مِن ) عَلى التَّبْعِيضِ دُونَ ابْتِداءِ الغايَةِ بِأنَّهُ يُفْضِي إلى إخْلاءِ لَفْظِ ( كُلِّ ) عَنْ فائِدَةٍ زائِدَةٍ لِأنَّ ( ما ) نَصٌّ في العُمُومِ بَلْ يُوهِمُ إيتاءَ البَعْضِ مِن كُلِّ فَرْدٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ السُّؤالُ ولا وجْهَ لَهُ.

ودُفِعَ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ ( ما ) نَصًّا في العُمُومِ هُنا عُمُومانِ عُمُومُ الأفْرادِ وعُمُومُ الأصْنافِ بِمَعْنى كُلِّ صِنْفٍ صِنْفٌ وهُما مَقْصُودانِ هُنا فالمَعْنى أعْطاكم مِن جَمِيعِ أفْرادِ كُلِّ صِنْفٍ سَألْتُمُوهُ فَإنَّ الِاحْتِياجَ بِالذّاتِ إلى النَّوْعِ والصِّنْفِ لا لِفَرْدٍ بِخُصُوصِهِ وفَسَّرَ ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سَواءٌ سُئِلَ بِالفِعْلِ أمْ لَمْ يُسْألْ فَلا يَنْفِي إيتاءَ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ وجَعَلُوا الِاحْتِياجَ إلى الشَّيْءِ سُؤالًا لَهُ بِلِسانِ الحالِ وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ وسَبِيلُ هَذا السُّؤالِ سَبِيلُ الجَوابِ في رَأْيٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى ﴾ وقِيلَ: الأصْلُ وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما أُلْقِيَ و( ما ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿ سَألْتُمُوهُ ﴾ عائِدٌ عَلَيْها والتَّقْدِيرُ مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ ومَنَعَ أبُو حَيّانَ جَوازَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ تَعالى ويَكُونُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفًا مُسْتَنِدًا بِأنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا لَزِمَ اتِّصالُ ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ الرُّتْبَةِ مِن دُونِ اخْتِلافٍ وهو لا يَجُوزُ ولَوْ قُدِّرَ مُنْفَصِلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ القاعِدَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ لَزِمَ حَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ وقَدْ نَصُّوا عَلى عَدَمِ جَوازِهِ.

اهَـ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى جَوازِ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ مُدَّعِيًا أنَّ مَنعَ اتِّصالِ المُتَحِدَيْنِ رُتْبَةً خاصٌّ فِيما إذا ذُكِرا مَعًا أمّا إذا ذُكِرَ أحَدُهُما وحُذِفَ الآخَرُ فَلا مَنعَ إذِ الِاتِّصالُ حِينَئِذٍ مَحْضُ اعْتِبارٍ وعِلَّةُ المَنعِ لا تَجْرِي فِيهِ وأنَّ مَنعَ حَذْفِ المُنْفَصِلِ خاصٌّ أيْضًا فِيما إذا كانَ الِانْفِصالُ لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ كالحَصْرِ في قَوْلِكَ: جاءَ الَّذِي أباهُ ضَرَبْتُ إذْ بِالحَذْفِ حِينَئِذٍ يَفُوتُ ذَلِكَ الغَرَضُ أمّا إذا كانَ لِغَرَضٍ لَفْظِيٍّ كَدَفْعِ اجْتِماعِ المِثْلَيْنِ فَلا مَنعَ إذْ لَيْسَ هُناكَ غَرَضٌ يَفُوتُ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً والكَلامُ في الضَّمِيرِ كَما تَقَدَّمَ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَسْؤُولِكم.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ وقَتادَةُ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ ( مِن كُلٍّ ) بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ ( ما ) نافِيَةً والمَفْعُولُ الثّانِي ﴿ مِن كُلِّ ﴾ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ أتاكم مِن كُلِّ غَيْرِ سائِلِيهِ وهو إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْألُوهُ مِنَ النِّعَمِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الضَّحّاكِ ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ هو الأوَّلُ لِما أنَّ القِراءَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ تُخالِفُ القِراءَةَ الأوْلى والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ وإنْ فُهِمْ مِنها إيتاءُ ما سَألُوهُ بِطَرِيقِ الأوْلى.

﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ ﴾ أيْ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم كَما هو الظّاهِرُ.

وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ ( نِعْمَةَ ) هُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ يُقالُ: أنْعَمَ إنْعامًا ونِعْمَةً كَما يُقالُ أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقَةً فالنِّعْمَةُ بِمَعْنى الإنْعامِ ولِذا لَمْ تُجْمَعْ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّها اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى المُنْعَمِ بِهِ والمُرادُ بِها الجَمْعُ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تُعُدُّوا نِعَمَ اللَّهِ ﴿ لا تُحْصُوها ﴾ وقَدْ نَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ وما قِيلَ: إنَّ الِاسْتِغْراقَ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنَ الإضافَةِ بَلْ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ المَخْصُوصَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ يَقْتَضِي صِحَّةَ إرادَتِهِ مِنهُ ولَوْلاهُ تَنافَيا والمُرادُ بِلا تُحْصُوها لا تُطِيقُوا حَصْرَها ولَوْ إجْمالًا فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وأصْلُ الإحْصاءِ العَدُّ بِالحَصى فَإنَّ العَرَبَ كانُوا يَعْتَمِدُونَهُ في العَدِّ كاعْتِمادِنا فِيهِ عَلى الأصابِعِ ولِذا قالَ الأعْشى: .

ولَسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِمُطْلَقِ العَدِّ وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ أصْلَهُ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَهُ بِها فَفِيهِ إيذانٌ بِعَدَمِ بُلُوغِ مَرْتَبَةٍ مُعْتَدٍّ بِها مِن مَراتِبِها فَضْلًا عَنْ بُلُوغِ غايَتِها وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ إلّا أنَّهُ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وأوَّلُ الإحْصاءِ بِالحَصْرِ لِئَلّا يَتَنافى الشَّرْطُ والجَزاءُ إذا ثَبَتَ في الأوَّلِ العَدُّ ونُفِيَ في الثّانِي ولَوْ أُوِّلَ ( إنْ تَعُدُّوا ) بِأنْ تُرِيدُوا العَدَّ يَنْدَفِعُ السُّؤالُ عَلى ما قِيلَ أيْضًا والأوَّلُ أوْلى وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: إنَّ المَعْنى إنْ تَشْرَعُوا في عَدِّ أفْرادِ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِهِ تَعالى لا تُطِيقُوا عَدَّها.

وإنَّما أُتِيَ بِإنْ وعَدَمُ العَدِّ مَقْطُوعٌ بِهِ نَظَرًا إلى تَوَهُّمِ أنَّهُ يُطاقُ قِيلَ: والكَلامُ عَلَيْهِ أبْلَغُ عَلى الأوَّلِ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ النِّعْمَةَ الواحِدَةَ لا يُمْكِنُ عَدُّ تَفاصِيلِها لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ هو الأوَّلُ وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ مِثالَيْنِ يَسْتَوْضِحُ بِهِما الوُقُوفَ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى لا تُحْصى ولا يُمْكِنُ أنْ تُسْتَقْصى فَقالَ: الأوَّلُ أنَّ الأطِبّاءَ ذَكَرُوا أنَّ الأعْصابَ قِسْمانِ دِماغِيَّةٌ ونُخاعِيَّةٌ والدِّماغِيَّةُ سَبْعَةٌ وقَدِ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في مَعْرِفَةِ الحِكَمِ النّاشِئَةِ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ تَنْقَسِمُ إلى شُعَبٍ كَثِيرَةٍ وكُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الشُّعَبِ تَنْقَسِمُ أيْضًا إلى شُعَبٍ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأعْضاءِ ولَوْ أنَّ واحِدَةً اخْتَلَّتْ كَيْفًا أوْ وضْعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ البِنْيَةِ ولِكُلٍّ مِنها عَلى كَثْرَتِها حِكَمٌ مَخْصُوصَةٌ وكَما اعْتَبَرْتَ هَذا في الشَّظايا العَصَبِيَّةِ فاعْتَبِرْ مِثْلَهُ في الشَّرايِينِ والأوْرِدَةِ وفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ والمُرَكَّبَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والوَضْعِ والفِعْلِ والِانْفِعالِ حَتّى تَرى أقْسامَ هَذا البابِ بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا في بَدَنِ الإنْسانِ فاعْتَبِرْ في نَفْسِهِ ورُوحِهِ فَإنَّ عَجائِبَ عالَمِ الأرْواحِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ عالَمِ الأجْسامِ وإذا اعْتَبَرْتَ أحْوالَ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وطَبَقاتِ العَناصِرِ وعَجائِبَ البَرِّ والبَحْرِ والنَّباتِ والمَعْدِنِ والحَيَوانِ ظَهَرَ لَكَ أنَّ عُقُولَ جَمِيعِ الخَلائِقِ لَوْ رُكِّبَتْ وجُعِلَتْ عَقْلًا واحِدًا وتَأمَّلَ بِهِ الإنْسانُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أقَلِّ الأشْياءِ لَما أدْرَكَ مِنها إلّا القَلِيلَ.

الثّانِي أنَّهُ إذا أخَذْتَ لُقْمَةً مِنَ الخُبْزِ لِتَضَعَها في فَمِكَ فانْظُرْ إلى ما قَبْلَها وإلى ما بَعْدَها فَأمّا الأوَّلُ فاعْرِفْ أنَّها لا تَتِمُّ إلّا إذا كانَ هَذا العالَمُ بِكُلِّيَّتِهِ قائِمًا عَلى الوَجْهِ الأصْوَبِ لِأنَّ الحِنْطَةَ لا بُدَّ مِنها ولا تَنْبُتُ إلّا بِمَعُونَةِ الفُصُولِ وتَرَكُّبِ الطَّبائِعِ وظُهُورِ الأمْطارِ والرِّياحِ ولا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِدَوَرانِ الأفْلاكِ واتِّصالِ بَعْضِ الكَواكِبِ بِبَعْضٍ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ ثُمَّ بَعْدَ أنْ تَكُونَ الحِنْطَةُ لا بُدَّ لَها مِنَ آلاتِ الطَّحْنِ ونَحْوِهِ وهي لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَوَلُّدِ الحَدِيدِ في أرْحامِ الجِبالِ ثُمَّ تَأمَّلْ كَيْفَ تَكَوَّنَتْ عَلى الأشْكالِ المَخْصُوصَةِ ثُمَّ إذا حَصَلَتْ تِلْكَ الآلاتُ فانْظُرْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اجْتِماعِ العَناصِرِ حَتّى يُمْكِنَ الطَّبْخُ وأمّا الثّانِي فَتَأمَّلْ في تَرْكِيبِ بَدَنِ الحَيَوانِ وهو أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ ذَلِكَ حَتّى يُمْكِنَهُ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ اللُّقْمَةِ وأنَّهُ كَيْفَ يَتَضَرَّرُ الحَيَوانُ بِالأكْلِ وفي أيِّ الأعْضاءِ تَحْدُثُ تِلْكَ المَضارُّ فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ القَلِيلَ إلّا بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ التَّشْرِيحِ وعِلْمِ الطِّبِّ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ وأنّى لِلْعُقُولِ بَإدْراكِ كُلِّ ذَلِكَ فَظَهَرَ بِالبُرْهانِ الباهِرِ صِحَّةُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ.

اهَـ.

وقالَ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ قُدِّسَ سِرُّهُ بَعْدَ كَلامٍ: وإنْ رُمْتَ العُثُورَ عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ والوُقُوفِ عَلى ما جَلَّ مِنَ السِّرِّ ودَقَّ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ بِمُقْتَضى حَقِيقَتِهِ المُمْكِنَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ والمَلَكاتِ الرّائِقَةِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لَما اسْتَقَرَّ لَهُ القَرارُ ولا اطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ إلّا في مَطْمُورَةِ العَدَمِ والبَوارِ ومُهاوِي الهَلاكِ والدَّمارِ لَكِنْ يَفِيضُ عَلَيْهِ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ تَعالى شَأْنُهُ وتَقَدَّسَ في كُلِّ زَمانٍ يَمْضِي وكُلِّ آنٍ يَمُرُّ ويَنْقَضِي مِن أنْواعِ الفُيُوضِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ ووُجُودِهِ وسائِرِ الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ التَّعْبِيرِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ وتَوْضِيحُهُ أنَّهُ كَما لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ ابْتِداءً لا يَسْتَحِقُّهُ بَقاءً وإنَّما ذَلِكَ مِن جَنابِ المُبْدِئِ الأوَّلِ عَزَّ شَأْنُهُ وجَلَّ فَكَما لا يُتَصَوَّرُ وجُودُهُ ابْتِداءً ما لَمْ يُسْنَدْ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الأصْلِيِّ لا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى الوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِعِلَّتِهِ ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الطّارِئِ لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ والدَّوامَ مِن خَصائِصِ الوُجُودِ الواجِبِيِّ.

وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنْ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ مِنَ الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ الَّتِي هي عِلَلُهُ وشَرائِطُهُ وإنْ وجَبَ كَوْنُها مُتَناهِيَةً لِوُجُوبِ تَناهِي ما دَخَلَ تَحْتَ الوُجُودِ لَكِنَّ الأُمُورَ العَدَمِيَّةَ الَّتِي لَها دَخْلٌ في وُجُودِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ إذْ لا اسْتِحالَةَ في أنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ واحِدٍ مَوانِعُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وإنَّما الِاسْتِحالَةُ في دُخُولِها تَحْتَ الوُجُودِ وارْتِفاعُ تِلْكَ المَوانِعِ الَّتِي لا تَتَناهى أعْنِي بَقاءَها عَلى العَدَمِ مَعَ إمْكانِ وُجُودِها في أنْفُسِها في كُلِّ آنٍ مِن آناتِ وُجُودِهِ نَعَمْ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ حَقِيقَةً لا ادِّعاءً وكَذا الحالُ في وجُوداتِ عِلَلِهِ وشَرائِطِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ ابْتِداءً وبَقاءً وكَذا في كَمالاتِهِ التّابِعَةِ لِوُجُودِهِ.

اهَـ.

ويَتَراءى مِنهُ أنَّهُ قَدْ تَرَكَ الإمامُ في تَحْقِيقِ هَذا المَقامِ وراءَهُ وأنَّهُ لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ لافْتَدى بِهِ في ذِكْرِهِ ولَعَدَّ مِنَ النِّعَمِ اقْتِداءَهُ وقَرِيبٌ مِنهُ ما يُقالُ في بَيانِ عَدَمِ تَناهِي النِّعَمِ: إنَّ الوُجُودَ نِعْمَةٌ وكَذا كَلُّ ما يَتْبَعُهُ مِنَ الكَمالاتِ وذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى وُجُودِهِ تَعالى في الأزْمِنَةِ المَوْهُومَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ وتَحَقُّقُ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ النِّعْمَةِ نِعْمَةٌ فَتَحَقُّقُهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ آنٍ مِن تِلْكَ الآناتِ نِعْمَةٌ فالنِّعَمُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ ولَكَ أنْ تَقُولَ في بَيانِ ذَلِكَ: إنَّهُ ما مِن إنْسانٍ إلّا وقَدْ دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ البَلايا ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الحَصْرِ لِأنَّ البَلايا الدّاخِلَةَ تَحْتَ حَيْطَةِ الإمْكانِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ ولا شَكَّ أنَّ دَفْعَ كُلِّ بَلِيَّةٍ نِعْمَةٌ فَتَكُونُ النِّعَمُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ ومِمّا يُوَضِّحُ عَدَمَ تَناهِي البَلايا المُمْكِنَةِ أنَّ أهْلَ النّارِ المُخَلَّدِينَ فِيها لا زالَ عَذابُهم بِازْدِيادٍ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ في ذَلِكَ أنَّهم كُلَّما اسْتَغاثُوا مِن نَوْعٍ مِنَ العَذابِ أُغِيثُوا بِأشَدَّ مِن ذَلِكَ فَيَكُونُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ مِنهُ مُتَناهِيًا في الشِّدَّةِ وإنْ كانَتْ مَراتِبُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ العَدَدِ والمُدَّةِ وعَلى هَذا نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى المُبْتَلى أيْضًا لا تُحْصى.

وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ النّارِ مِنَّةً فَلَوْ شاءَ أنْ يُعَذِّبَهم بِأشَدَّ مِنَ النّارِ لَعَذَّبَهم ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ مَعْناها اللُّغَوِيُّ أعْنِي الأمْرَ المُلائِمَ لا المَعْنى الشَّرْعِيُّ أعْنِي المُلائِمَ الَّذِي تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ إذْ لا يَتَأتّى عَلَيْهِ عُمُومُ الخِطابِ ولا يَبْعُدُ إطْلاقُ النِّعْمَةِ بِذَلِكَ المَعْنى عَلى نَحْوِ رَفْعِ المَوانِعِ وتَحَقُّقِ العِلَلِ والشَّرائِطِ حَسْبَما ذُكِرَ سابِقًا وظاهِرُ ما تَقَدَّمَ يَقْتَضِي أنَّ النِّعَمَ في حَدِّ ذاتِها غَيْرُ مَحْصُورَةٍ والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الإنْسانَ لا يَحْصُرُها بِالعَدِّ وفَرْقٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَتَدَبَّرْ وبِالجُمْلَةِ لَيْسَ لِلْعَبْدِ إلّا العَجْزُ عَنِ الوُقُوفِ عَلى نِهايَةِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكَذا العَجْزُ عَنْ شُكْرِ ذَلِكَ وما أحْسَنَ ما قالَ أبُو الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن لَمْ يَعْرِفْ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهُ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْعَمَ عَلى العِبادِ عَلى قَدْرِهِ سُبْحانَهُ وكَلَّفَهُمُ الشُّكْرَ عَلى قَدْرِهِمْ وعَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: إنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى أثْقَلُ مِن أنْ يَقُومَ بِهِ العِبادُ وإنَّ نِعَمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصِيَها العِبادُ ولَكِنْ أصْبَحُوا تَوّابِينَ وأمْسَوْا تَوّابِينَ وأفْضَلُ نِعَمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى عِبادِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنْ عَرَّفَهم أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وغَيْرُهُ عَنْ أبِي أيُّوبَ القُرَشِيِّ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: رَبِّ أخْبِرْنِي ما أدْنى نِعْمَتِكَ عَلَيَّ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا داوُدُ تَنَفَّسْ فَتَنَفَّسَ فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: هَذا أدْنى نِعْمَتِي عَلَيْكَ واشْتُهِرَ أنَّ أوَّلَ النِّعَمِ المَقْصُودَةِ لَذَّتُها الوُجُودُ وأنَّهُ مَعْدِنُ كُلِّ كَمالٍ كَما أنَّ العَدَمَ مَعْدِنُ كُلِّ نَقْصٍ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ نِعْمَةٌ لا يَكادُ يُقاسُ بِها غَيْرُها عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ أنَّ الإنْسانَ مِنهم يَفْدِي نَفْسَهُ بِمِلْكِ الدُّنْيا لَوْ كانَ بِيَدِهِ وعَلِمَ أنَّ الفِداءَ مُمْكِنٌ إذا ألَمَّ بِهِ الألَمُ وتَحَقَّقَ العَدَمُ.

ومِنَ العَجِيبِ أنَّ أبا عَلِيٍّ الشِّبْلِيَّ البَغْدادِيَّ وقِيلَ: ابْنُ سَيْناءَ لَمْ يَعُدَّ وُجُودَ الإنْسانِ نِعْمَةً عَلَيْهِ فَقَدْ قالَ مِن أبْياتٍ: ودَهْرٌ يَنْثُرُ الأعْمارَ نَثْرًا ∗∗∗ كَما لِلْغُصْنِ بِالوَرَقِ انْتِثارُ ودُنْيا كُلَّما وضَعَتْ جَنِينًا ∗∗∗ غَذّاهُ مِن نَوائِبِها ظُؤارُ إلى أنْ قالَ: نُعاقَبُ في الظُّهُورِ وما وُلِدْنا ∗∗∗ ويُذْبَحُ في حَشا الأُمِّ الحُوارُ ونَنْتَظِرُ البَلايا والرَّزايا ∗∗∗ وبَعْدُ فَلِلْوَعِيدِ لَنا انْتِظارُ ونَخْرُجُ كارِهِينَ كَما دَخَلْنا ∗∗∗ خُرُوجَ الضَّبِّ أخْرَجَهُ الوِجارُ فَماذا الِامْتِنانُ عَلى وُجُودٍ ∗∗∗ لِغَيْرِ المُوجِدِينَ بِهِ الخِيارُ فَكانَتْ أنْعُمًا لَوْ أنَّ كَوْنًا ∗∗∗ نُخَيَّرُ قَبْلَهُ أوْ نُسْتَشارُ فَهَذا الدّاءُ لَيْسَ لَهُ دَواءٌ ∗∗∗ وهَذا الكَسْرُ لَيْسَ لَهُ انْجِبارُ إلى آخِرِ ما قالَ ولَعَمْرِي لَقَدْ غَمَطَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وظَلَمَها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها بِالكُلِّيَّةِ أوْ بِوَضْعِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلْحِرْمانِ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿ كَفّارٌ ﴾ .

(34) شَدِيدُ الكُفْرانِ والجُحُودِ وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ والأوَّلُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ وألْ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ ومِصْداقُ الحُكْمِ بِالظُّلْمِ وأخِيهِ بَعْضَ مَن وجَدا مِنَ أفْرادِهِ فِيهِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى كُفْرًا والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُراعُوا حَقَّها أوْ لِمَ حَرَمَها بَعْضَهم وقِيلَ: إنَّها تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ تَناهِي النِّعَمِ ولِذا أتى بِصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ فِيها وهو كَما تَرى هَذا وفي النَّحْلِ ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وفَرَّقَ أبُو حَيّانَ بَيْنَ الخَتْمَيْنِ بِأنَّهُ هُنا لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ وبَعْدَهُ ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ فَكانَ ذَلِكَ نَصًّا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ مِنَ الظُّلْمِ والكُفْرانِ ناسَبَ أنْ يُخْتَمَ بِذَمِّ مَن وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ فَخُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ وأمّا في النَّحْلِ فَلَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفْضُّلاتٍ وأطْنَبَ فِيها وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ﴾ أيْ مَن أوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السّابِقَ ذِكْرُها لَيْسَ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ ذَكَرَ مِن تَفَضُّلاتِهِ تَعالى اتِّصافَهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هو جَلَّ وعَلا مُتَّصِفٌ بِهِما كَما هو مُتَّصِفٌ بِالخَلْقِ فَفي ذَلِكَ إطْماعٌ لِمَن آمَنَ بِهِ تَعالى وانْتَقَلَ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقِ إلى عِبادَةِ الخالِقِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السّابِقَ ويَرْحَمُهُ وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلى الإنْسانِ ذَكَرَ ما حَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ومِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ فَحَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ما يُناسِبُ حالَةَ عَطائِهِ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ إذْ لَوْلاهُما لَما أنْعَمَ عَلَيْهِ وحَصَلَ مِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ ما يُناسِبُ حالَةَ الإنْعامِ عَلَيْهِ ويَقَعُ مَعَها في الجُمْلَةِ وهو الظُّلْمُ والكُفْرانُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ ظُلْمٌ فاللَّهُ تَعالى غَفُورٌ أوْ كُفْرانٌ فاللَّهُ تَعالى رَحِيمٌ لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ وما نَقَلَ السَّخاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّحْلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ انْتَهى كَلامُهُ.

وفِيهِ بَحْثٌ وقِيلَ: إنَّما خَتَمَ سُبْحانَهُ آيَةَ النَّحْلِ بِما خَتَمَ لِلْإطْنابِ هُناكَ في ذِكْرِ النِّعَمِ مَعَ تَقَدُّمِ الدَّعْوَةِ إلى الشُّكْرِ صَرِيحًا فَكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ التَّقْصِيرِ فِيهِ ويُناسِبُ الإطْنابَ في سَرْدِ النِّعَمِ أنْ يَذْكُرَ مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.

* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) .

﴿ ( الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ) ﴾ فِيهِ احْتِمالاتٌ عِنْدَهم فَقِيلَ: مِن ظُلُماتِ الكَثْرَةِ إلى نُورِ الوَحْدَةِ أوْ مِن ظُلُماتِ صِفاتِ النَّشْأةِ إلى نُورِ الفِطْرَةِ أوْ مِن ظُلُماتِ حَجْبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إلى نُورِ الذّاتِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: النُّورُ البَحْتُ الخالِصُ مِن شَوْبِ المادَّةِ والمُدَّةِ وقالَ جَعْفَرٌ: مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ ومِن ظُلُماتِ البِدْعَةِ إلى نُورِ السُّنَّةِ ومِن ظُلُماتِ النُّفُوسِ إلى نُورِ القُلُوبِ وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ طاهِرٍ: مِن ظُلُماتِ الظَّنِّ إلى نُورِ الحَقِيقَةِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ ( بِإذْنِ رَبِّهِمْ ) ﴾ بِتَيْسِيرِهِ بِهِبَةِ الِاسْتِعْدادِ وتَهْيِئَةِ أسْبابِ الخُرُوجِ إلى الفِعْلِ إلى ﴿ ( صِراطِ العَزِيزِ ) ﴾ الَّذِي يَقْهَرُ الظُّلْمَةَ بِالنُّورِ ﴿ ( الحَمِيدِ ) ﴾ بِكَمالِ ذاتِهِ أوْ بِما يَهَبُ لِعِبادِهِ المُسْتَعِدِّينَ مِنَ الفَضائِلِ والعُلُومِ أوْ مِنَ الوُجُودِ الباقِي أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿ ( ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ ) ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ ( مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ) ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ ﴿ ( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) ﴾ الحِسِّيَّةَ والصُّورِيَّةَ ﴿ ( عَلى الآخِرَةِ ) ﴾ العَقْلِيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ ﴿ ( ويَصُدُّونَ ) ﴾ المُرِيدِينَ ﴿ ( عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ﴾ طَرِيقِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ( ويَبْغُونَها عِوَجًا ) ﴾ انْحِرافًا مَعَ اسْتِقامَتِها ﴿ ( وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم ) ﴾ أيْ بِكَلامٍ يُناسِبُ حالَهم واسْتِعْدادَهم وقَدْرَ عُقُولِهِمْ وإلّا لَمْ يَفْهَمُوا فَلا يَحْصُلُ البَيانُ وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَلِّمُوا النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ أتُرِيدُونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي أسْرارِ التَّأْوِيلِ لِكُلِّ نَبِيٍّ وصِدِّيقٍ اصْطِلاحٌ في كَلامِ المَعْرِفَةِ وطَرِيقِ المَحَبَّةِ يُخاطِبُ بِهِ مَن يَعْرِفُهُ مِن أهْلِ السُّلُوكِ وعَلى هَذا لا يَنْبَغِي لِلصُّوفِيِّ أنْ يُخاطِبَ العامَّةَ بِاصْطِلاحِ الصُّوفِيَّةِ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ وخِطابُهم بِذَلِكَ مِثْلُ خِطابِ العَرَبِيِّ بِالعَجَمِيَّةِ أوِ العَجَمِيِّ بِالعَرَبِيَّةِ ومَنشَأُ ضَلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ النّاظِرِينَ في كُتُبِ القَوْمِ جَهْلُهم بِاصْطِلاحاتِهِمْ فَلا يَنْبَغِي لِلْجاهِلِ بِذَلِكَ النَّظَرُ فِيها لِأنَّها تَأْخُذُ بِيَدِهِ إلى الكُفْرِ الصَّرِيحِ بَلْ تُوقِعُهُ في هُوَّةِ كُفْرٍ، كُفْرُ أبِي جَهْلٍ إيمانٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ومِن هُنا صَدَرَ الأمْرُ السُّلْطانِيُّ إذْ كانَ الشَّرْعُ مُعْتَنى بِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ مُطالَعَةِ كُتُبِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ ومَنِ انْخَرَطَ في سِلْكِهِ ﴿ ( فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ) ﴾ إضْلالَهُ لِزَوالِ اسْتِعْدادِهِ بِالهَيْئاتِ الظُّلْمانِيَّةِ ورُسُوخِها والِاعْتِقاداتِ الباطِلَةِ واسْتِقْرارِها ﴿ ( ويَهْدِي مَن يَشاءُ ) ﴾ هِدايَتَهُ مِمَّنْ بَقِيَ عَلى اسْتِعْدادِهِ أوْ لَمْ يَرْسُخْ فِيهِ تِلْكَ الهَيْئاتُ والِاعْتِقاداتُ ﴿ ( ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ ) ﴾ وهي أيّامُ وِصالِهِ سُبْحانَهُ حِينَ كَشَفَ لِعِبادِهِ سُجُفَ الرُّبُوبِيَّةِ في حَضْرَةٍ قُدُسِيَّةٍ وأدْناهم إلى جَنابِهِ ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذٍ مِن خِطابِهِ: سُقْيًا لَها ولِطِيبِها ولِحُسْنِها وبَهائِها أيّامٌ لَمْ يَلِجِ النَّوى بَيْنَ العَصا ولِحائِها وما أحْسَنَ ما قِيلَ: وكانَتْ بِالعِراقِ لَنا لَيالٍ سَلَبْناهُنَّ مِن رَيْبِ الزَّمانِ جَعَلْناهُنَّ تارِيخَ اللَّيالِي وعُنْوانَ المَسَرَّةِ والأمانِي وأمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَذْكِيرِ ذَلِكَ لِيَثُورَ غَرامُهم ويَأْخُذَ بِهِمْ نَحْوَ الحَبِيبِ هُيامُهم فَقَدْ قِيلَ: تَذَكَّرْ والذِّكْرى تَشَوُّقٌ وذُو الهَوى يَتُوقُ ∗∗∗ ومَن يَعْلَقْ بِهِ الحُبَّ يُصْبِهِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى أيّامُ تَجَلِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ بِصِفَةِ الجَلالِ وتَذْكِيرُهم بِذَلِكَ لِيَخافُوا فَيَمْتَثِلُوا ﴿ ( إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ) ﴾ أيْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِالإيمانِ الغَيْبِيِّ سَدَّ الصَّبْرُ والشُّكْرُ عَلى ما قِيلَ مَقامانِ لِلسّالِكِ قَبْلَ الوُصُولِ ﴿ ( وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ) ﴾ قالَ الجَوْزَجانِيُّ: أيْ لَئِنْ شَكَرْتُمُ الإحْسانَ لَأزِيدَنَّكُمُ المَعْرِفَةَ ولَئِنْ شَكَرْتُمُ المَعْرِفَةَ لَأزِيدَنَّكُمُ الوَصْلَةَ ولَئِنْ شَكَرْتُمُ الوَصْلَةَ لَأزِيدَنَّكُمُ القُرْبَ ولَئِنْ شَكَرْتُمُ القُرْبَ لَأزِيدَنَّكُمُ الأُنْسَ ويَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ما قِيلَ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعْمَةً لَأزِيدَنَّكم نِعْمَةً خَيْرًا مِنها ولِلشُّكْرِ مَراتِبُ وأعْلى مَراتِبِهِ الإقْرارُ بِالعَجْزِ عَنْهُ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ والشُّكْرُ مِن آلائِكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ الآنَ شَكَرْتَنِي يا داوُدُ وقالَ حَمْدُونٌ: شُكْرُ النِّعْمَةِ أنْ تَرى نَفْسَكَ فِيها طُفَيْلِيًّا ﴿ ( قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ ) ﴾ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَكَّ فِيهِ لِأنَّهُ الظّاهِرُ في الآفاقِ والأنْفُسِ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ مُوجِدُهُما ومُظْهِرُهُما مِن كَتَمِ العَدَمِ ﴿ ( يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ) ﴾ لِيَسْتُرَ بِنُورِهِ سُبْحانَهُ ظُلُماتِ حَجْبِ صِفاتِكم فَلا تَشُكُّونَ فِيهِ عِنْدَ جَلِيَّةِ اليَقِينِ ﴿ ( ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ) ﴾ إلى غايَةٍ يَقْتَضِيها اسْتِعْدادُكم مِنَ السَّعادَةِ ﴿ ( قالُوا إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ) ﴾ مَنَعَهم ذَلِكَ عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ ( قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ) ﴾ سَلَّمُوا لَهُمُ المُشارِكَةَ في الجِنْسِ وجَعَلُوا المُوجِبَ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ ما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا يُرَشِّحُهم لِذَلِكَ وكَثِيرًا ما يَقُولُ المُنْكِرُونَ في حَقِّ أجِلَّةِ المَشايِخِ مِثْلَ ما قالَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ في حَقِّ رُسُلِهِمْ والجَوابُ نَحْوَ هَذا الجَوابِ ﴿ ( وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ) ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ أُولَئِكَ: ﴿ ( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) ﴾ ويُقالُ نَحْوَ ذَلِكَ لِلْمُنْكِرِينَ الطّالِبِينَ مِنَ الوالِي الكَرامَةَ تَعَنُّتًا ولَجاجًا ﴿ ( وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ) ﴾ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي التَّوَكُّلَ وهو الخُمُودُ تَحْتَ المَوارِدِ وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ طَرْحُ القَلْبِ في الرُّبُوبِيَّةِ والبَدَنِ في العُبُودِيَّةِ فالمُتَوَكِّلُ لا يُرِيدُ إلّا ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الكامِلَ لا يُحِبُّ إظْهارَ الكَرامَةِ وفي المَسْألَةِ تَفْصِيلٌ عِنْدَهم ﴿ ( وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ) ﴾ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ البُرُوزَ مُتَعَدِّدٌ فَبَرْوَزٌ عِنْدَ القِيامَةِ الصُّغْرى بِمَوْتِ الجَسَدِ وبُرُوزٌ عِنْدَ القِيامَةِ الوُسْطى بِالمَوْتِ الإرادِيِّ وهو الخُرُوجُ عَنْ حِجابِ صِفاتِ النَّفْسِ إلى عَرْصَةِ القَلْبِ وبُرُوزٌ عِنْدَ القِيامَةِ الكُبْرى وهو الخُرُوجُ عَنْ حِجابِ الآنِيَةِ إلى فَضاءِ الوَحْدَةِ الحَقِيقِيَّةِ وإنَّ حُدُوثَ التَّقاوُلِ بَيْنَ الضُّعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ( فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) ﴾ ..

إلَخْ فَهو بِوُجُودِ المَهْدِيِّ القائِمِ بِالحَقِّ الفارِقِ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ عِنْدَ قَضاءِ الأمْرِ الإلَهِيِّ بِنَجاةِ السُّعَداءِ وهَلاكِ الأشْقِياءِ وفَسَّرُوا الشَّيْطانَ بِالوَهْمِ وقَدْ يُفَسِّرُونَهُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ والقَوْلِ المَقْصُوصِ عَنْهُ في الآيَةِ عِنْدَ ظُهُورِ سُلْطانِ الحَقِّ وبَعْضُهم حَمَلَ الشَّيْطانَ هُنا عَلى الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ( فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ) ﴾ دَلِيلُ بَقائِهِ عَلى الشِّرْكِ حَيْثُ رَأى الغَيْرَ في البَيْنِ وما ثَمَّ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الواسِطِيِّ حَيْثُ قالَ: مَن لامَ نَفْسَهُ فَقَدْ أشْرَكَ ويُخالِفُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ حامِدٍ: النَّفْسُ مَحِلُّ كُلِّ لائِمَةٍ فَمَن لَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ عَلى الدَّوامِ ورَضِيَ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَقَدْ أهْلَكَها يَأْباهُ ما صَحَّ في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «يا عِبادِي إنَّما هي أعْمالُكم أُحْصِيها لَكم فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ» فَتَأمَّلْ ﴿ ( وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ) ﴾ لَمْ يَذْكُرْ مَن يُحْيِيهِمْ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ مِنهم مَن يُحْيِيهِمْ رَبُّهم وهم أهْلُ الصَّفْوَةِ والقُرْبَةِ ومِنهم مَن يُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ وهم أهْلُ الطّاعاتِ والدَّرَجاتِ وما أطْيَبَ سَلامَ المَحْبُوبِ عَلى مُحِبِّهِ وما ألَذَّهُ عَلى قَلْبِهِ: .

أشارُوا بِتَسْلِيمٍ فَجُدْنا بِأنْفُسٍ تَسِيلُ مِنَ الآماقِ والِاسْمِ أدْمَعُ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ ﴾ ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ﴾ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي غَرَسَها الحَقُّ في أرْضِ بَساتِينِ الأرْواحِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ أصْلَها هُناكَ ثابِتًا بِالتَّوْفِيقِ وفَرْعَها في سَماءِ القُرْبَةِ وسَقْيَها مِن سَواقِي العِنايَةِ وساقَها المَعْرِفَةَ وأغْصانَها المَحَبَّةَ وأوْراقَها الشَّوْقَ وحارِسَها الرِّعايَةَ تُؤْتِي أُكُلَها في جَمِيعِ الأنْفاسِ مِن لَطائِفِ العُبُودِيَّةِ وعِرْفانِ أنْوارِ الرُّبُوبِيَّةِ وقالَ بَعْضُهُمُ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ أصْلُها ثابِتٌ بِالِاطْمِئْنانِ وثَباتِ الِاعْتِقادِ بِالبُرْهانِ وفَرْعُها في سَماءِ الرُّوحِ تُؤْتِي أُكُلَها مِن ثَمَراتِ المَعارِفِ والحِكَمِ والحَقائِقِ كُلَّ وقْتٍ بِتَسْهِيلِهِ تَعالى ﴿ ( ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ ) ﴾ إشارَةٌ إلى كَلِمَةِ الكُفْرِ أوِ النَّفْسِ الخَبِيثَةِ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ الشَّهَواتُ وأرْضُها النُّفُوسُ وماؤُها الأمَلُ وأوْراقُها الكَسَلُ وثِمارُها المَعاصِي وغايَتُها النّارُ ﴿ ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ) ﴾ قالَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يُثَبِّتُهم في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الإيمانِ وفي الآخِرَةِ عَلى صِدْقِ جَوابِ الرَّحْمَنِ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ الثّابِتَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وحُكْمَهُ الأزَلِيَّ أيْ يُثَبِّتُهم عَلى ما فِيهِ تَبْجِيلُهم وتَوْقِيرُهم في الدّارَيْنِ حَيْثُ حَكَمَ بِذَلِكَ في الأزَلِ وحُكْمُهُ سُبْحانَهُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ ﴿ ( ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ) ﴾ في الحَياتَيْنِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ ﴿ (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ) ﴾ مِنَ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ والنُّورِ الفِطْرِيِّ ﴿ ( كُفْرًا ) ﴾ احْتِجابًا وضَلالًا ﴿ ( وأحَلُّوا قَوْمَهم ) ﴾ مَن تابَعَهم واقْتَدى بِهِمْ في ذَلِكَ ﴿ ( دارَ البَوارِ ) ﴾ الهَلاكَ والحِرْمانَ ﴿ ( وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ) ﴾ مِن مَتاعِ الدُّنْيا ومُشْتَهِياتِها الَّتِي يُحِبُّونَها كَحُبِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ ( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) ﴾ كُلَّ مَن نَظَرَ إلى ذَلِكَ والتَفَتَ إلَيْهِ ﴿ ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ) ﴾ أيْ سَماواتِ الأرْواحِ ﴿ ( والأرْضَ ) ﴾ أيْ أرْضَ الأجْسادِ ﴿ ( وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ) ﴾ أيْ سَماءِ عالَمِ القُدُسِ ﴿ ( ماءً ) ﴾ وهو ماءُ العِلْمِ ﴿ ( فَأخْرَجَ بِهِ ) ﴾ مِن أرْضِ النَّفْسِ ﴿ ( مِنَ الثَّمَراتِ ) ﴾ وهي ثَمَراتُ الحِكَمِ والفَضائِلِ ﴿ ( رِزْقًا لَكم ) ﴾ في تَقْوى القَلْبِ بِها ﴿ ( وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ ) ﴾ أيْ فُلْكَ العُقُولِ ﴿ ( لِتَجْرِيَ في البَحْرِ ) ﴾ أيْ بَحْرِ آلائِهِ وأسْرارِ مَخْلُوقاتِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ( وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ ) ﴾ أيْ أنْهارَ العِلْمِ الَّتِي تَنْتَهِي بِكم إلى ذَلِكَ البَحْرِ العَظِيمِ ﴿ ( وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ ) ﴾ شَمْسَ الرُّوحِ ﴿ ( والقَمَرَ ) ﴾ قَمَرَ القَلْبِ ﴿ ( دائِبَيْنِ ) ﴾ في السَّيْرِ بِالمُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ ﴿ ( وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ ) ﴾ لَيْلَ ظُلْمَةِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ ( والنَّهارَ ) ﴾ نَهارَ نُورِ الرُّوحِ لِطَلَبِ المَعاشِ والمَعادِ والرّاحَةِ والِاسْتِنارَةِ ﴿ ( وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ) ﴾ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ فَإنَّ المَسْؤُولَ بِذَلِكَ لا يَمْنَعُ ﴿ ( وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ) ﴾ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ لا تُحْصُوها لِعَدَمِ تَناهِيها ﴿ ( إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ ) ﴾ يَنْقُصُ حَقَّ اللَّهِ تَعالى أوْ حَقَّ نَفْسِهِ بِإبْطالِ الِاسْتِعْدادِ أوْ يَضَعُ نُورَ الِاسْتِعْدادِ في ظُلْمَةِ الطَّبِيعَةِ ومادَّةَ البَقاءِ في مَحَلِّ الفَناءِ ﴿ ( كَفّارٌ ) ﴾ لِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي لا تُحْصى لِغَفْلَتِهِ عَنِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ بِها وقِيلَ: إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ لِنَفْسِهِ حَيْثُ يَظُنُّ أنَّ شُكْرَهُ يُقابِلُ نِعَمَهُ تَعالى كَفّارٌ مَحْجُوبٌ عَنْ رُؤْيَةِ الفَضْلِ عَلَيْهِ بِدايَةً ونِهايَةً نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لَمّا يُحِبُّ ويَرْضى ويُكْرِمَنا بِالهِدايَةِ والعِنايَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ حمزة والكسائي وابن عامر: قل لعباد الذين بغير ياء.

وقرأ الباقون: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ بالياء مع النصب.

وأصله الياء، إلا أن الكسرة تغني عن الياء.

وقال بعض الحكماء: شرف الله تعالى عباده بهذه الياء، وهي خير لهم من الدنيا وما فيها، لأن فيه إضافة إلى نفسه، والإضافة تدل على العتق، لأن رجلاً لو قال لعبده: يا ابن، أو يا ولد لا يعتق، ولو قال يا ولدي أو يا ابني يعتق بالإضافة إلى نفسه، فكذلك إذا أضاف الله العباد إلى نفسه، وفيه دليل على أنه يعتقهم من النار.

قوله: يُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: يتمونها بركوعها وسجودها ومواقيتها، وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني: سِرًّا على المتعففين، وَعَلانِيَةً على السائلين مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ يعني: لا فداء فيه وَلا خِلالٌ يعني: لا مخالة تنفعه، وهي الصداقة.

لأنه إذا نزل بهم شدة في الدنيا، يفادون ويشفع خليلهم، وليس في الآخرة شيء من ذلك، وإنما هي أعمالهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو لاَّ بَيْعٌ وَلاَ خلال بنصب العين واللام.

وقرأ الباقون: بالرفع والتنوين فيهما، وهذا الاختلاف مثل قوله وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة: 254] .

ثم بيّن دلائل وحدانيته فقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء وهو المطر فَأَخْرَجَ بِهِ يعني: فأنبت بالمطر مِنَ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات، رِزْقاً لَكُمْ يعني: طعاما لكم.

وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ يعني: ذلّل لكم ركوب الفلك لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ يقول بإذنه وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ يعني: دائمين مطيعين.

يعني: ذلّل لكم ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعني: جعل بني آدم، يلتمسون فيها المعيشة، وينتشرون في النهار إلى حوائجهم، وفي الليل مستقرهم ومنامهم، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ يعني: أعطاكم من كل شيء لم تحسنوا أن تسألوا، فأعطيتكم برحمتي.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أنه قال: لم تسألوه بكل الذي أعطاكم.

وقال معمر والحسن: آتاكم من كل الذي سألتموه.

قال مجاهد: كل ما سألتموه، أي رغبتم إليه فيه، قرأ بعضهم مِنْ كُلِّ بالتنوين يعني: أعطاكم من كل شيء.

وقراءة العامة مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ من غير تنوين على معنى الإضافة.

يعني: من جميع ما سألتموه.

ثم قال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها يعني: لا تقدروا على أداء شكرها.

ويقال: لاَ تُحْصُوها يعني: لا تحفظوها إِنَّ الْإِنْسانَ يعني: الكافر لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يعني: يظلم نفسه بالكفر بنعم الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هذه الآية: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم ودِينُهُ، وَأَحَلُّوا/ قَوْمَهُمْ، أي: مَنْ أطاعهم، وكأنَّ الإشارة والتعنيف إنما هو للرؤوس والأعلام، والْبَوارِ: الهلاك، قال عطاءُ بنُ يَسَارٍ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في قَتْلَى «١» بدْر، و «الأنداد» : جمع نِدٍّ، وهو المثيلُ، والمرادُ: الأصنام، واللام في قوله:

لِيُضِلُّوا- بضم الياء-: لام كَيْ، وبفتحها: لام عاقبة وصيرورة، والقراءتان «٢» سبعيّتان.

قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)

وقوله سبحانه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ...

الآية: «العباد» : جمع عبدٍ، وعُرْفُه في التكرمة بخلاف العبيد، و «السر» : صدقة التنفّل، و «العلانية» : المفروضةُ هذا هو مقتضى الأحاديثِ، وفسر ابن عباس هذه الآية بزكَاةِ الأَموالِ مجملاً، وكذلك فسَّر الصلاة بأَنها الخَمْسُ وهذا عندي منه تقريبٌ للمخاطَب «٣» .

و «الخلال» : مصدرٌ من «خَالَلَ» ، إِذا وادَّ وصافَى ومنه الخُلَّة والخَلِيلَ، والمراد بهذا اليومِ يَوْمُ القيامة.

وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ: هذه الآيةُ تذكيرٌ بآلائه سُبْحانه، وتنبيهٌ على قدرته التي فيها إِحْسَان إِلى البَشَر لتقوم الحُجَّة عليهم، وقوله: بِأَمْرِهِ: مصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وهذا راجعٌ إِلى الكلام القديم القائم بالذات، ودائِبَيْنِ: معناه: متماديين، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم لصاحب الجمل

الذي بَكَى وأَجْهَش «١» إِليه: «إِنَّ هَذَا الجمَلَ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبَه» «٢» ، أي: تديمه في الخِدْمَة والعَمَل، وظاهرُ الآية أنَّ معناه: دائبَيْن في الطلوع والغروبِ وما بينهما من المَنَافِعِ للناسِ التي لا تحصَى كثرةً، وعن ابن عباس أَنَّه قال: معناه: دائِبَيْنِ في طاعة اللَّه «٣» ، وقوله سبحانه: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ المعنى: أنَّ جنس الإِنسان بجملته قد أوتي من كلِّ ما شأنه أنْ يسأل وينتفع به، وقرأ ابن عباس «٤» وغيره: «مِنْ كُلٍّ مَّا سَأَلْتُمُوهُ» - بتنوين كُلٍّ-، وروِيت عن نافع، وقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها، أي: لكثرتها وعِظَمها في الحَوَاس والقُوَى، والإِيجادِ بعد العَدَمِ والهدايةِ للإِيمان وغيرِ ذلك، وقال طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إِنَّ حقَّ اللَّه تعالى: أَثْقَلُ من أَنْ يَقُومَ به العُبَّادُ، ونِعْمَهُ أَكثر مِنْ أَنْ يحصيها العبَادُ، ولكنْ أصْبِحُوا توَّابين، وأمْسُوا تَوَّابِين.

ت «٥» : وَمِنْ «الكَلِمِ الفارقيَّة» : أيها الحَرِيصُ على نيلِ عَاجِلِ حظِّه ومراده الغافلُ عن الاستعداد لمعاده تنبَّه لعظمة مَنْ وجودُكَ بإِيجادِهِ وبقاؤك بإِرْفاده ودوامك بإِمداده، وأنْتَ طفلٌ في حَجْر لُطْفه ومهد عَطْفه وحضانة حفظه، يغذِّك بلِبَانِ بِرِّهِ ويقلِّبك بأيدي أياديه وفضله وأنتَ غافلٌ عن تعظيم أمره جاهلٌ بما أولاَكَ من لَطِيف سِرِّه وفضَّلك به على كثيرٍ من خَلْقه، واذكر عهد الإِيجاد، ودوام الإِمْدَاد والإِرفاد وحالَتَيِ الإِصْدَار والإِيراد وفاتحة المبدأ وخاتمةَ المَعَاد.

انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الْإِنْسانَ: يُريدُ به النوَعَ والجنس، المعنى: توجد فيه هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿ دائِبَيْنِ ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ.

ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿ والنَّهارَ ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ.

والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ  ﴾ ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿ لا تُحْصُوها ﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها.

" إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيَّ ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها.

﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم.

﴿ فَمَن تَبِعَنِي ﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿ فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿ وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ العِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وعُرْفُهُ في التَكْرِمَةِ بِخِلافِ العَبِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: جَزْمُهُ بِإضْمارِ لامِ الأمْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ: مُحَمَّدُ تَفِدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ - أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ-: هو فِعْلٌ مُضارِعٌ جُزِمَ لَمّا كانَ في مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّ المُرادَ: أقِيمُوا، وهَذا كَما يُبْنى الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِداءِ في قَوْلِكَ: "يا زَيْدُ"، لَمّا شُبِّهَ بِـ "قَبْلُ وبَعْدُ"، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ يَتَضَمَّنُهُ صَدْرُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ تَقُلْ لَهُمْ: أقِيمُوا يُقِيمُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: "قُلْ"، وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأْدِّ الشَرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَلاةَ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المَقُولَ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ.

ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ ﴾ الآيَةُ.

و"السِرُّ" صَدَقَةُ النَفْلِ، والعَلانِيَةُ الصَدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا هو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ بِزَكاةِ الأمْوالِ مُجْمَلًا، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الصَلاةَ بِأنَّها الخَمْسُ، وهَذا عِنْدِي مِنهُ تَقْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ.

و"الخِلالُ" مَصْدَرٌ مِن خالَكَ إذا وادَّ وصافى، ومِنهُ الخُلَّةُ والخَلِيلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: صَرَفْتُ الهَوى عنهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "لا بَيْعٌ ولا خِلالٌ" بِالرَفْعِ عَلى إلْغاءِ "لا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لا بَيْعَ ولا خِلالَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ ﴾ الآيَةُ تَذْكِيرٌ بِآلاءِ اللهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي فِيها إحْسانٌ إلى البَشَرِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ مَن وجْهَيْنِ، و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"الَّذِي" خَبَرُهُ.

ومَن أُخْبِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ.

و"السَماواتُ" هي الأرْقِعَةُ السَبْعَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: السَحابُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الثَمَراتِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَسْقُطُ ما كانَ مِنها سُمًّا أو مُجَرَّدًا لِلْمُضِرّاتِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رَزَقًا لَكم مِنَ الثَمَراتِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: "مِن" زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِكَوْنِها في الجَوابِ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ.

و"الفُلْكُ" جَمْعُ فُلْكٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ مِرارًا.

وقَوْلُهُ: "بِأمْرِهِ" مَصْدَرٌ مِن أمَرَ يَأْمُرُ، وهَذا راجِعٌ إلى الكَلامِ القائِمِ بِالذاتِ، كَقَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْبِحارِ والأرْضِ وسائِرِ الأشْياءِ: "كُنْ" عِنْدَ الإيجادِ، إنَّما مَعْناهُ: كُنْ بِحالِ كَذا، وعَلى وتِيرَةِ كَذا، وفي هَذا تَدْرِيجُ دَوَرانِ الفُلْكِ يَنْطَوِي تَسْخِيرَ البَحْرِ وتَسْخِيرَ الرِياحِ، وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ فَتَفَجُّرُها في كُلِّ بَلَدٍ وانْقِيادُها لِلسَّقْيِ وسائِرِ المَنافِعِ.

و"دائِبَيْنِ" مَعْناهُ: مُتَمادِيَيْنِ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِصاحِبِ الجَمَلِ الَّذِي بَكى وَأجْهَشَ إلَيْهِ: (إنَّ هَذا الجَمَلَ شَكا إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ)» أيْ تُدِيمُهُ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مَعْناهُ: دائِبَيْنِ في الطُلُوعِ والغُرُوبِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ الَّتِي لا تُحْصى كَثْرَةً، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ -يَرْفَعُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللهِ، وهَذا قَوْلٌ إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَسْخِيرِ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: "سَخَّرَ"، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا بِعِيدٌ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ، أيْ إنَّ الإنْسانَ بِجُمْلَتِهِ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْألَ ويُنْتَفَعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدَ هَذا في واحِدٍ مِنَ الناسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِعَمُ في البَشَرِ، فَيُقالُ بِحَسْبِ هَذا لِلْجَمِيعِ: "أُوتِيتُمْ كَذا" عَلى جِهَةِ التَعْدِيدِ لِلنِّعْمَةِ، وقِيلَ المَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ أنْ لَوْ سَألْتُمُوهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، و"ما" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "سَألْتُمُوهُ" عائِدًا عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، ويَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى "الَّذِي"، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ" بِتَنْوِينِ "كُلٍّ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وسَلامٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، والمَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ قَبْلُ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْألَ لِمَعْنى الِانْتِفاعِ بِهِ، فَـ "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "آتاكُمْ".

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "ما" نافِيَةٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، أيْ: أعْطاكم مِن كُلٍّ شَيْئًا، ما سَألْتُمُوهُ، والمَفْعُولُ الثانِي هو قَوْلُنا: "شَيْئًا"، فَعَدَّدَ عَلى هَذِهِ- النِعْمَةَ في تَفْضِيلِهِ بِما لَمْ يَسْألْهُ البَشَرُ مِنَ النِعَمِ، وكانَ ما سَألُوهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرُ الضَحّاكِ.

وأمّا القِراءَةُ الأولى بِإضافَةِ "كُلِّ" إلى "ما" فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المَفْعُولِ الثانِي: جُزْءًا أو شَيْئًا أو نَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها  ﴾ أيْ: لِكَثْرَتِها وعِظَمِها في الحَواسِّ والقُوى والإيجادِ مِنَ العَدَمِ إلى الهِدايَةِ إلى لِإيمانٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إنَّ حَقَّ اللهِ أثْقَلُ مِن أنْ يَقُومَ بِهِ العِبادُ، ونِعَمَهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصِيَها العِبادُ، ولَكِنْ أصْبِحُوا تَوّابِينَ وأمْسُوا تَوّابِينَ.

وقالَ أبُو الدَرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ النَوْعَ والجِنْسَ، المَعْنى: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ، وهي الظُلْمُ والكُفْرُ، فَإنَّ كانَتْ هَذِهِ الخِلالُ مِن جاحِدٍ فَهي بِصِفَةٍ، وإنْ كانَتْ مِن عاصٍ فَهي بِصِفَةٍ أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف واقع موقع الاستدلال على ما تضمنته جملة ﴿ وجعلوا لله أنداداً ﴾ الآية.

وقد فصل بينه وبين المستدل عليه بجملة ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات ﴾ الآية.

وأدمج في الاستدلال تعدادهم لنعم تستحق الشكر عليها ليظهر حال الذين كفروها، وبالضد حال الذين شكروا عليها، وليزداد الشاكرون شكراً.

فالمقصود الأول هو الاستدلال على أهل الجاهلية، كما يدل عليه تعقيبه بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجْنُبْنِي وبني أن نعبد الأصنام ﴾ [سورة إبراهيم: 35].

فجيء في هذه الآية بِنِعم عامة مشهودة محسوسة لا يستطاع إنكارها إلا أنها محتاجة للتذكير بأن المنعم بها وموجدها هو الله تعالى.

وافتتُح الكلام باسم الموجِد لأن تعيينه هو الغرض الأهم.

وأخبر عنه بالموصول لأن الصلة معلومة الانتساب إليه والثبوت له، إذ لا ينازع المشركون في أن الله هو صاحب الخلق ولا يدعون أن الأصنام تخلق شيئاً، كما قال: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴾ [سورة لقمان: 25]، فخلق السماوات والأرض دليل على إلهية خالقهما وتمهيد للنعم المودعة فيهما؛ فإنزال الماء من السماء إلى الأرض، وإخراج الثمرات من الأرض، والبحارُ والأنهارُ من الأرض.

والشمس والقمر من السماء، والليل والنهار من السماء ومن الأرض، وقد مضى بيان هذه النعم في آيات مضت.

والرزق القوت.

والتسخير: حقيقته التذليل والتطويع، وهو مجاز في جعل الشيء قابلاً لتصرف غيره فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ في سورة الأعراف (54).

وقوله: لتجري في البحر } هو علة تسخير صنعها.

ومعنى تسخير الفلك: تسخير ذاتها بإلهام البشر لصنعها وشكلها بكيفية تجري في البحر بدون مانع.

وقوله: ﴿ بأمره ﴾ متعلق ب ﴿ تجري ﴾ .

والأمر هنا الإذن، أي تيسير جريها في البحر، وذلك بكف العواصف عنها وبإعانتها بالريح الرخاء، وهذا كقوله: ﴿ ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ﴾ [سورة الحج: 65].

وعبر عن هذا الأمر بالنعمة في قوله: ﴿ ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ﴾ [سورة لقمان: 31]، وقد بينته آية ﴿ ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ الآية [سورة الشورى: 32 33].

وتسخير الأنهار: خلقها على كيفية تقتضي انتقال الماء من مكان إلى مكان وقراره في بعض المنخفضات فيستقى منه من تمر عليه وينزل على ضفافه حيث تستقر مياهه، وخلق بعضها مستمرة القرار كالدجلة والفرات والنيل للشرب ولسير السفن فيها.

وتسخير الشمس والقمر خلقهما بأحوال ناسبت انتفاع البشر بضيائهما، وضبط أوقاتهم بسيرهما.

ومعنى دائبين} دائبين على حالات لا تختلف إذ لو اختلفت لم يستطع البشر ضبطها فوقعوا في حيرة وشك.

والفلك: جمع لفظه كلفظ مفرده.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ في سورة البقرة (164).

ومعنى وآتاكم من كل ما سألتموه} أعطاكم بعضاً من جميع مرغوباتكم الخارجة عن اكتسابكم بحيث شأنكم فيها أن تسألوا الله إياها، وذلك مثل توالد الأنعام، وإخراج الثمار والحب، ودفع العوادي عن جميع ذلك: كدفع الأمراض عن الأنعام، ودفع الجوائح عن الثمار والحب.

فجملة ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ تعميم بعد خصوص، فهي بمنزلة التذييل لما قبلها لحِكم يعلمها الله ولا يعلمونها ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ﴾ [سورة الشورى: 27]، وأن الإنعام والامتنان يكون بمقدار البذل لا بمقدار الحرمان.

وبهذا يتبين تفسير الآية.

وجملة وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تأكيد للتذييل وزيادة في التعميم، تنبيهاً على أن ما آتاهم الله كثير منه معلوم وكثير منه لا يحيطون بعلمه أو لا يتذكرونه عند إرادة تعداد النعم.

فمعنى ﴿ إن تعدوا ﴾ إن تحاولوا العد وتأخذوا فيه.

وذلك مثل النعم المعتاد بها التي ينسى الناس أنها من النعم، كنعمة التنفس، ونعمة الحواس، ونعمة هضم الطعام والشراب، ونعمة الدورة الدموية، ونعمة الصحة.

وللفخر هنا تقرير نفيس فانظره.

والإحصاء: ضبط العدد، وهو مشتق من الحَصَا اسماً للعدد، وهو منقول من الحصى، وهو صغار الحجارة لأنهم كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنباً للغلط.

وجملة ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ تأكيد لمعنى الاستفهام الإنكاري المستعمل في تحقيق تبديل النعمة كُفراً، فلذلك فصلت عنها.

والمراد ب ﴿ الإنسان ﴾ صنف منه، وهو المتصف بمضمون الجملة المؤكدة وتأكيدها، فالإنسان هو المشرك، مثل الذي في قوله تعالى: ﴿ ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ﴾ [سورة مريم: 66]، وهو استعمال كثير في القرآن.

وصيغتا المبالغة في ظلوم كفار } اقتضاهما كثرة النعم المفاد من قوله: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ ، إذ بمقدار كثرة النعم يكثر كفر الكافرين بها إذ أعرضوا عن عبادة المنعم وعبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً، فأما المؤمنون فلا يجحدون نعم الله ولا يعبدون غيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ هَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وَقَوْلُهُ ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ.

﴿ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ أسْكَنَها في بَطْحائِها، ولَمْ يَكُنْ بِها ساكِنٌ، ثِقَةً بِاللَّهِ وتَوَكُّلًا عَلَيْهِ.

﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَةُ الصَّلَواتِ فَلِذَلِكَ أسْكَنَهم عِنْدَهُ.

وَأضافَ البَيْتَ إلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُحَرَّمٌ لِأنَّهُ يُحَرَّمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ مِن جِماعٍ واسْتِحْلالٍ.

﴿ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ سَألَ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ أنْ يَهْدِيَهم إلى إقامَةِ الصَّلاةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذِكْرُ سَبَبِ تَرْكِهِمْ فِيهِ أنْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ.

﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ في ﴿ أفْئِدَةً ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأفْئِدَةَ جَمْعُ فُؤادٍ وهي القُلُوبُ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ القَلْبِ بِالفُؤادِ، قالَ الشّاعِرُ: وإنَّ فُؤادًا قادَنِي بِصَبابَةٍ إلَيْكِ عَلى طُولِ الهَوى لَصَبُورُ الثّانِي: أنَّ الأفْئِدَةَ جَمْعُ وفْدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: فاجْعَلْ وُفُودًا مِنَ الأُمَمِ تَهْوِي إلَيْهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى تَحِنُّ إلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى تَنْزِلُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَكَّةَ في وادٍ والقاصِدُ إلَيْها نازِلٌ إلَيْها.

الثّالِثُ: تَرْتَفِعُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما في القُلُوبِ بِخُرُوجِهِ مِنها كالمُرْتَفِعِ عَنْها.

الرّابِعُ: تَهْواهم.

وَقَدْ قُرِئَ تَهْوى.

وَفي مَسْألَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَهْوَوُا السُّكْنى بِمَكَّةَ فَيَصِيرُ بَلَدًا مُحَرَّمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِيَنْزِعُوا إلى مَكَّةَ فَيَحُجُّوا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْلا أنَّهُ قالَ مِنَ النّاسِ لَحَجَّهُ اليَهُودُ والنَّصارى وفارِسُ والرُّومُ.

﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ ثَمَراتِ القُلُوبِ بِأنْ تُحَبِّبَهم إلى قُلُوبِ النّاسِ فَيَزُورُوهم.

الثّانِي: ومِنَ الظّاهِرِ مِن ثَمَراتِ النَّخْلِ والأشْجارِ، فَأجابَهُ بِما في الطّائِفِ مِنَ الثِّمارِ، وما يُجْلَبُ إلَيْهِمْ مِنَ الأمْصارِ.

﴿ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ يَشْكُرُوكَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وفي اسْتِغْفارِهِ لِوالِدَيْهِ مَعَ شِرْكِهِما ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: كانا حَيَّيْنِ فَطَمِعَ في إيمانِهِما.

فَدَعا لَهُما بِالِاسْتِغْفارِ، فَلَمّا ماتا عَلى الكُفْرِ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُما.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ ولَدَيْهِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ.

وَكانَ إبْراهِيمُ يَقْرَأُ: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ﴾ يَعْنِي ابْنَيْهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار أهل مكة.

وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة، فكفيتموهم يوم بدر.

وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، هذه الآية ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك.

فأما أخوالي، فاستأصلهم الله يوم بدر.

وأما أعمامك، فأملى الله لهم إلى حين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، وابن مردويه والحاكم وصححه من طرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة.

فأما بنو المغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر.

وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي الطفيل رضي الله عنه، أن ابن الكواء رضي الله عنه سأل علياً رضي الله عنه من ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر.

قال: فمن ﴿ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ﴾ [ الكهف: 104] قال: منهم أهل حروراء.

وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه، أنه سئل عن ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: بنو أمية وبنو مخزوم، رهط أبي جهل.

وأخرج ابن مردويه عن ارطأة رضي الله عنه: سمعت علياً رضي الله عنه على المنبر يقول: ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ ، الناس منها برآء غير قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن أبي حسين رضي الله عنه قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن؟

فوالله لو أعلم اليوم أحداً أعلم به مني، وإن كان من وراء البحور لأتيته.

فقام عبد الله بن الكواء رضي الله عنه فقال: مَنْ ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم مشركو قريش، أتتهم نعمة الله الايمان فبدلوا قومهم دار البوار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم في الكنى، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار قريش الذين نحروا يوم بدر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم المشركون من أهل بدر.

وأخرج مالك في تفسيره عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر.

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآية في الذين قتلوا من قريش يوم بدر ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم قريش.

ومحمد النعمة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً....

﴾ الآية.

قال: كنا نحدث أنهم أهل مكة، أبو جهل وأصحابه الذين قتلهم الله يوم بدر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ قال: أحلوا من أطاعهم من قومهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ دار البوار ﴾ قال: النار.

قال: وقد بين الله ذلك وأخبرك به فقال: ﴿ جهنم يصلونها وبئس القرار ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ جهنم يصلونها ﴾ قال: هي دارهم في الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلوا لله أنداداً ﴾ قال: أشركوا بالله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله: ﴿ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴾ قال: تمتعوا إلى أجلكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ﴾ قال: إن الله تعالى قد علم أن في الدنيا بيوعاً وخلالاً يتخالون بها في الدنيا، فلينظر رجل من يخالل، وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فليعلم أن كل خلة ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ قال: بكل بلدة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ﴾ قال: دؤوبهما في طاعة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في كتاب العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، وكذلك القمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ قال: من كل شيء رغبتم إليه فيه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ قال: من كل الذي سألتموني تفسيره، أعطاكم أشياءً ما سألتموها ولم تلتمسوها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن طلق بن حبيب رضي الله عنه قال: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبحوا توّابين وأمسوا توابين.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، وعن بكر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ما قال عبد قط الحمد لله، إلا وجبت عليه نعمة بقول الحمد لله، فقيل: فما جزاء تلك النعمة؟

قال: جزاؤها أن يقول الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن سليمان التيمي رضي الله عنه قال: إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال: با ابن آدم، إذا أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك.

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه وحضر عذابه.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ما أنعم الله على العباد نعمة أعظم من أن عرّفهم لا إله إلا الله، وأنّ لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن لله على أهل النار منة، فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن محمد بن صالح قال: كان بعض العلماء إذا تلا ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ قال: سبحان من لم يجعل من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكراً، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه، فجعله إيماناً علماً منه أن العباد لا يجاوزون ذلك.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال: قال داود عليه السلام: (رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ..؟

فأوحى الله: يا داود، تنفس.

فتنفس، فقال: هذا أدنى نعمتي عليك).

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: عبد الله عابد خمسين عاماً، فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك.

قال: يا رب، وما تغفر لي..؟

ولم أذنب..؟

فأذن الله تعالى لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلِّ، ثم سكن فنام تلك الليلة، فشكا إليه فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟

قال الملك: إن ربك يقول إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري.

قال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم...

فما بال الكفر...

قال: ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ قال أبو علي: المفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئًا أو مسؤولًا أو نحو ذلك، ومثله قوله: ﴿ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ  ﴾ أي: شيئًا، فحذف المفعول، وكذلك قوله: ﴿ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ قال: ويجوز في قياس قول أبي الحسن (١) ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ وما لم تسألوه؛ لأنا لم نسأله شمسًا ولا قمرًا ولا كثيراً من نِعمه التي ابتدأنا بالإحسان إلينا بها، فاكتُفِي بالسؤال عن غير (٢) ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾ (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ النعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم الله عليه، يُنْعِم إنعامًا ونِعْمَةً، أقيم الاسم مُقَام الإنعام؛ كقولك: أنفقت عليه إنفاقًا ونفقةً، بمعنى واحد (٧) ﴿ لَا تُحْصُوهَا ﴾ : لا يأتوا على جميعها بالعَدِّ لكثرتها، بيانه قوله: ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا  ﴾ أي أحاط علمه باستيفاء عدد كل شيء.

وقال الكلبي: لا تحفظوها (٨) (٩) (١٠) ﴿ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ  ﴾ قال الفراء: علم أن لن تحفظوا مواقيت الليل (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد: أبا جهل ظلوم لنفسه كفّار بنعمة ربه (١٣) (١٤) ﴿ كَفَّارٌ ﴾ : جحود لنعم الله (١٥) (١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 600، ورد القول مجملاً ففصَّله أبو علي.

(٢) يبدو لي أن (غير) زائدة، وقد أن إلى اضطراب المعنى؛ لأنه إنما اكتفى في الجواب عن المسؤول وإن أعطاهم غير ما سألوا، يؤيده ما استشهد به من القرآن وكلام العرب، حيث اكتفى بما سألوا وإن أعطاهم أكثر مما سألوا.

والله أعلم.

(٣) والتقدير: "وسرابيل تقيكم البرد" فاكتفي بأحدهما لدلالته على الآخر.

انظر: "الفريد في الإعراب" 3/ 168.

(٤) "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 742، وعبارته مختلفة، قال: سألت أبا العباس عن هذا فقال لي: من أضاف أي (كل) إلى (ما) أراد: "وآتاكم من كل ما سألتموه لو سألتموه"، ومن نَوّن أي كلٍّ أراد: "آتاكم من كلٍّ لم تسألوه"، وذلك أنا لم نسأل الله شمساً ولا قمراً ولا كثيراً من نعمه.

وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 328 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 365، و"تفسير الشوكاني" 3/ 157، وصديق خان 7/ 119.

(٥) لم أجده، وورد نحوه غير منسوب في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 533.

(٦) أي محذوف، وتقديره: من كل مسؤول شيئاً أو مسؤولاً.

(٧) ورد في "تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3615 بنصه.

(٨) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 328، بلفظه، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 208.

(٩) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 328 بنصه، وورد بنصه بلا نسبة في: "تفسير البغوي" 4/ 354، و"تفسير القرطبي" 9/ 367.

(١٠) في (ش)، (ع): (فسرتها)، وفي (د): (فسرهما).

(١١) "معاني القرآن " للفراء 3/ 200 بنصه.

(١٢) أخرجه الطبري 29/ 140، بلفظه عن الحسن وسعيد وسفيان، وورد بلفظه في "تفسير المشكل" ص 362، و"تفسير الماوردي" 6/ 132، عن الحسن.

(١٣) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 329 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 365، و"تفسير القرطبي" 9/ 367، والخازن 3/ 80.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 164 بنصه (١٥) ورد في "تفسير الطبري" 13/ 227 بنصه تقريباً، و"الثعلبي" 7/ 156 أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 354، وابن الجوزي 4/ 365.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً ﴾ نعمة الله هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم ودينه: أنعم الله به على قريش فكفروا النعمة ولم يقبلوها والتقدير بدلوا شكر نعمة الله كفرا ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ ﴾ أي من أطاعهم واتبعهم ﴿ دَارَ البوار ﴾ فسرها بقوله جهنم ﴿ يُقِيمُواْ الصلاوة ﴾ هي جواب شرط فقد يتضمنه قوله قل: تقديره إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول على هذا محذوف، وقيل: جزم بإضمار لام الأمر تقديره ليقيموا ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ من الخلة وهي المودة ﴿ إِنَّ الإنسان ﴾ يريد الجنس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بلفظ الفعل.

﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.

﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.

الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بضمها.

﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.

الباقون بالفتح.

﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الباقون بالإضافة.

الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله  في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.

فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.

وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.

وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.

وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.

وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.

والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.

قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".

قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.

وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.

ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.

ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.

وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.

ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟

فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه  يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.

ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.

﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.

فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟

قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.

وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.

والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.

وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.

ومعنى بروزهم لله وهو  لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.

فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.

وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.

كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل  ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته  فضلوا وأضلوا.

قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.

وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.

والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .

عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.

وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم  ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.

وزيف بأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله.

وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.

ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.

والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.

وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.

يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي  : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .

ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.

وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.

الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.

ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.

ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.

﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله  عليه حجة.

هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.

قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.

وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟

جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله  ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.

وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.

هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.

وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.

ثم حكى الله  عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.

قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.

صرخ فلان إذا استغاث.

وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.

وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.

وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.

قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.

ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.

أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.

ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.

وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.

قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.

ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.

قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.

ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.

وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.

عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.

وعن ابن عمر: هي النخلة.

وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.

والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.

وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.

أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.

ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.

والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.

ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.

قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.

الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.

وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.

وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.

والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.

قال المحققون: معرفة الله  والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.

أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.

ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.

وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.

وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً  ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.

وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.

وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .

وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.

و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.

وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله  ﴾ .

وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.

فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.

ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.

وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.

قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.

وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.

هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.

عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.

وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.

والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.

وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.

فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.

وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.

ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله  : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.

﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.

ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.

ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.

وذلك أنه  أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد  فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.

وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.

قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.

وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.

﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.

قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.

والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.

ومن الذين نزل فيهم؟

روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.

وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.

ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه  بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.

وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.

وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.

والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.

ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة  ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين  ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.

ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.

وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.

﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.

ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.

ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".

﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.

وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.

والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.

ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.

ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.

ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.

قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.

ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله  على عباده.

وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.

وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.

قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.

وإذا كانت نعم الله  في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟

إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.

وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.

واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.

التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.

تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب  إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.

﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.

﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.

وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.

ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قوله  : <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ إلى آخر ما ذكر.

فيه دلالة أن تدبير الله محيط متسق بجميع ما في السماوات والأرض، وعلمه محيط بجميع الخلائق؛ حيث ذكر [أنه:] ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ يعني البشر، جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ [مع] بعد ما بينهما؛ دل أنه عن تدبير، فعل هذا وعلم، وأنه تدبير واحد؛ عليم؛ قدير.

ثم ما ذكر: من تسخير السماوات والأرض؛ مع شدة السماء وصلابتها، وغلظ الأرض وكثافتها، وتسخير البحر؛ مع أهواله وأمواجه؛ وتسخير الأنهار الجارية؛ وتسخير الشمس، والقمر، والليل، والنهار لهذا البشر.

في ذلك كله وجهان: أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من المنافع التي جعل لهم، في تسخير هذه الأشياء التي ذكر لهم، على جهل هذه الأشياء أنهن مسخرات لغيرهن؛ يستأدي بذلك شكرها.

والثاني: يذكر سلطانه وقدرته؛ حيث سخر هذه الأشياء؛ مع شدتها، وصلابتها، وغلظها، وأهوالها.

ومن قدر على تسخير ما ذكر - قادر على البعث والإحياء بعد الموت.

ويحتمل ما ذكر؛ من تسخير الأشياء التي ذكر: أنه أنشأ هذه الأشياء مسخرة مذللة لنا، والثاني: سخر لنا؛ أي: علَّمنا من الأسباب والحيل التي يتهيّأ لنا الانتفاع بها والتسخير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ .

فيه لغتان وتأويلان قال بعضهم: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ ﴾ ؛ على التنوين؛ ﴿ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ على الجحد؛ أي: آتاكم من غير أن سألتم الأشياء التي ذكر أنه سخرها لنا؛ أي: آتاكم من غير سؤال ولا طلبة.

والثاني: وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه؛ لأنه أعطانا أشياء قبل أن نعلم أنه يجب أن نسأله؛ حيث خلق هذه الأشياء التي ذكر من قبل أن يخلقنا.

وقال الحسن: ﴿ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ ؛ قال: ما لم تسألوه؛ وهو ما ذكرناه؛ فإن قيل: إن نسأل أشياء لم نعطها؛ فما معنى الآية؟

قيل بوجوه: أحدها: ذكر حرف التبعيض؛ وهو ما قال: ﴿ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ .

والثاني: وآتاكم علم منافع ما سألتموه قبل أن تسألوا؛ وجهه علم الانتفاع به.

والثالث: وآتاكم من كل ما يحق السؤال ويليق به.

على هذه الوجوه تخرج الآية.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ .

قال بعضهم: لا تحصوها؛ أي: لا تشكروها؛ أي: لا تقدروا شكرها.

وقال بعضهم: أي لا تقدروا إحصاءها وعدها، وهكذا إن أقل الناس نعمة لو تكلف إحصاء ما أعطاه ما قدر عليه؛ من حسن الجوهر والصورة، واستقامة التركيب والبنية، وسلامة الجوارح، وغير ذلك مما لا سبيل له إلى ذكرها وإحصائها؛ إلا بعد طول التفكر والنظر.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ : لا تحيطوا بكنهها ونهايتها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ .

[لظلوم]: أي: ظلم نفسه؛ حيث صرفها إلى غير الجهة التي جعلت وأمر، وأدخلها في المهالك، وألقاها في التهلكة.

كفّار لنعمه؛ حيث صرف شكرها إلى غير الذي جعلها له.

والله أعلم.

واستدل بعض المعتزلة بقوله: ﴿ قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ أن صاحب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه أوعد بترك الصلاة والزكاة التخليد أبداً، وترك الصلاة والزكاة من غير عذر - من الكبائر، دل أنه ما ذكرناه.

فنقول نحن - وبالله التوفيق -: إن الآية تحتمل الأمر بإقامة الصلاة؛ وما ذكر من الزكاة والصدقة إقامة الإيمان بها؛ على ما ذكرنا من تأويل بعض المتأولين، فإن كان على هذا على إقامة الإيمان بها - فمن ترك ذلك فهو - يخلد أبداً لا شك فيه، أو يكون من استحل تركها؛ فهو بالاستحلال يكفر؛ فهو يخلد، أو يترك لعذر؛ فهو لا يخلد على اتفاق القول.

فإذا كان ما ذكرنا محتملا دل أن الآية مخصوصة.

ثم معرفة تخليد صاحب الكبيرة إنما هي بالدلائل سوى هذا، إذ ليس في ظاهر الآية دلالة التخليد؛ لما ذكرنا من احتمال الخصوص، دل أنه إنما يطلب الدليل من وجه آخر.

قال القتبي: ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ مصدر خاللت فلاناً خلالا ومخالة، والاسم الخلة والمخلة؛ وهي الصداقة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ : قال: من المخالة؛ يعني المودة.

﴿ دَآئِبَينَ ﴾ : قال: يجريان أبداً، وهو من الدوب؛ أي: التعب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعطاكم من جميع ما طلبتموه، ومما لم تطلبوه، وإن تعدّوا نعم الله لا تقدروا على حصرها؛ لكثرتها وتعددها، فما ذكر لكم أمثلة منها، إن الإنسان لظلوم لنفسه، كثير الجحود لنعم الله -سبحانه وتعالى-.

<div class="verse-tafsir" id="91.Qv6V5"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر