الآية ٣٧ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٣٧ من سورة إبراهيم

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 152 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها - وذلك قبل بناء البيت ، وهذا كان بعد بنائه - تأكيدا ورغبة إلى الله - عز وجل - ; ولهذا قال : ( عند بيتك المحرم ) وقوله : ( ربنا ليقيموا الصلاة ) قال ابن جرير : هو متعلق بقوله : " المحرم " أي : إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده .

( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير : لو قال : " أفئدة الناس " لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم ، ولكن قال : ( من الناس ) فاختص به المسلمون .

وقوله : ( وارزقهم من الثمرات ) أي : ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك وكما أنه ( واد غير ذي زرع ) فاجعل لهم ثمارا يأكلونها .

وقد استجاب الله ذلك ، كما قال : ( أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ) [ القصص : 57 ] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة ، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها ، استجابة لخليله إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقال إبراهيم خليل الرحمن هذا القول حين أسكن إسماعيل وأمه هاجَرَ -فيما ذُكِر- مكة .

كما حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، قال : نبئت عن سعيد بن جبير ، أنه حدث عن ابن عباس ، قال : إنّ أوّل من سَعى بين الصَّفا والمروة لأمُّ إسماعيل ، وإن أوّل ما أحدث نساء العرب جرّ الذيول لمن أمّ إسماعيل ، قال: لما فرّت من سارة ، أرخت من ذيلها لتعفي أثرها ، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت ، فوضعهما ثم رجع ، فاتبعته ، فقالت: إلى أيِّ شيء تكلنا؟

إلى طعام تكلنا؟

إلى شراب تكلنا؟

فجعل لا يردّ عليها شيئا ، فقالت: آلله أمرك بهذا؟

قال: نعم ، قالت: إذن لا يضيعنا.

قال: فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَدَاء ، أقبل على الوادي فدعا ، فقال ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) قال: ومع الإنسانة شَنَّة فيها ماء ، فنفِد الماء فعطشت وانقطع لبنها ، فعطش الصبيّ ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض ، فصَعِدت بالصفا ، فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا ؟

فلم تسمع ، فانحدرت ، فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي ، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض ، فصَعِدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا ، أو ترى أنيسا ، فسمعت صوتا ، فقالت كالإنسان الذي يكذّب سمعه: صه ، حتى استيقنت ، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني ، فقد هلكتُ وهلك من معي ، فجاء المَلك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم ، فضرب بقدمه ففارت عينا ، فعجلت الإنسانة فجعلت في شَنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رَحِمَ اللهُ أُمَّ إِسْماعيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنا مَعِينا (3) ".

وقال لها الملك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد ، فإنما هي عين لشرب ضِيفان الله ، وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء ، فيبنيان لله بيتا هذا موضعه ، قال: ومرّت رفقة من جرهم تريد الشام ، فرأوا الطير على الجبل ، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء ، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟

فقالوا: لا فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة ، فأتوها فطلبوا إليها أن ينـزلوا معها ، فأذنت لهم ، قال: وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت ، فماتت ، وتزوج إسماعيل امرأة منهم ، فجاء إبراهيم فسأل عن منـزل إسماعيل حتى دُل عليه ، فلم يجده ، ووجد امرأة له فظة غليظة ، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا ، وإنه يقول لك: إني لا أرضى لك عَتَبة بابك فحوِّلها ، وانطلق ، فلما جاء إسماعيل أخبرته ، فقال: ذلك أبي وأنت عتبة بأبي ، فطلقها وتزوّج امرأة أخرى منهم ، وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منـزل إسماعيل ، فلم يجده ، ووجد امرأة له سهلة طليقة ، فقال لها: أين انطلق زوجك؟

فقالت: انطلق إلى الصيد ، قال : فما طعامكم؟

قالت: اللحم والماء ، قال : اللهمّ بارك لهم في لحمهم ومائهم ، اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم ثلاثا ، وقال لها: إذا جاء زوجك فأخبريه ، قولي: جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا ، وإنه يقول لك: قد رضيت لك عتبة بابك ، فأثبتها ، فلما جاء إسماعيل أخبرته.

قال: ثم جاء الثالثة ، فرفعا القواعد من البيت.

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جاء نبيّ الله إبراهيم بإسماعيل وهاجر ، فوضعهما بمكة في موضع زمزم ، فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم إنما أسألك ثلاث مرات: من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها ضَرْع ولا زرع ، ولا أنيس ، ولا زاد ولا ماء؟

قال: ربي أمرني ، قالت: فإنه لن يضيِّعنا قال: فلما قفا إبراهيم قال رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ يعني من الحزن وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ .

فلما ظمئ إسماعيل جعل يَدْحَض الأرض بعقبه ، فذهبت هاجر حتى علت الصفا ، والوادي يومئذ لاخ ، يعني عميق ، فصعدت الصفا ، فأشرفت لتنظر هل ترى شيئا ؟

فلم تر شيئا ، فانحدرت فبلغت الوادي ، فسعت فيه حتى خرجت منه ، فأتت المروة ، فصعدت فاستشرفت هل ترى شيئا ، فلم تر شيئا.

ففعلت ذلك سبع مرّات ، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل ، وهو يَدْحَض الأرض بعقبه ،وقد نبعت العين وهي زمزم.

فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء ، فكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها ، وأفرغته في سقائها.

قال: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : يَرْحَمُها اللهُ لَوْ تَرَكَتْها لَكانَتْ عَيْنا سائِحَةً تَجْرِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ".

قال: وكانت جُرهُمُ يومئذ بواد قريب من مكة ، قال: ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء ، فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي ، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء ، فجاءوا إلى هاجرَ ، فقالوا: إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك ، قالت: نعم.

فكانوا معها حتى شبّ إسماعيل ، وماتت هاجر فتزوّج إسماعيل امرأة منهم ، قال: فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي ، هاجر ، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينـزل ، فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر ، فذهب إلى بيت إسماعيل ، فقال لامرأته: أين صاحبك؟

قالت: ليس ههنا ذهب يتصيد ، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع ، فقال إبراهيم: هل عندك ضيافة ، هل عندك طعام أو شراب؟

قالت: ليس عندي ، وما عندي أحد.

فقال إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه !

وذهب إبراهيم ، وجاء إسماعيل ، فوجد ريح أبيه ، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟

فقالت: جاءني شيخ كذا وكذا ، كالمستخفة بشأنه ، قال : فما قال لك؟

قالت: قال لي: أقرئي زوجك السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه ، فطلقها وتزوج أخرى.

فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل ، فأذنت له ، وشرطت عليه أن لا ينـزل ، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل ، فقال لامرأته: أين صاحبك؟

قالت: ذهب يصيد ، وهو يجيء الآن إن شاء الله ، فأنـزل يرحمك الله قال لها: هل عندك ضيافة؟

قالت: نعم ، قال : هل عندك خبز أو بر أو تمر أو شعير؟

قالت: لا.

فجاءت باللبن واللحم ، فدعا لهما بالبركة ، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا ، فقالت له: أنـزل حتى أغسل رأسك ، فلم ينـزل ، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن ، فوضع قدمه عليه ، فبقي أثر قدمه عليه ، فغسلت شق رأسه الأيمن ، ثم حوّلت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شقه الأيسر ، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام ، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك ، فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه ، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟

فقالت: نعم ، شيخ أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا ، فقال لي كذا وكذا ، وقلت له كذا وكذا ، وغسلتُ رأسه ، وهذا موضع قدمه على المقام.

قال: وما قال لك؟

قالت: قال لي: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك ، قال : ذاك إبراهيم ، فلبث ما شاء الله أن يلبث ، وأمره الله ببناء البيت ، فبناه هو وإسماعيل ، فلما بنياه قيل: أذن في الناس بالحجّ ، فجعل لا يمرّ بقوم إلا قال: أيها الناس إنه قد بني لكم بيت فحجوه ، فجعل لا يسمعه أحد ، صخرة ولا شجرة ولا شيء ، إلا قال: لبيك اللهم لبيك.

قال: وكان بين قوله: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) وبين قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ كذا وكذا عاما ، لم يحفظ عطاء.

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) وإنه بيت طهَّره الله من السُّوء ، وجعله قبلة ، وجعله حَرَمه ، اختاره نبيّ الله إبراهيم لولده.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) قال: مكة لم يكن بها زرع يومئذ.

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني ابن كثير ، قال القاسم في حديثه: قال: أخبرني عمرو بن كثير " قال أبو جعفر ": فغيرته أنا فجعلته: قال أخبرني ابن كثير ، وأسقطت عمرا ، لأني لا أعرف إنسانًا يقال له عمرو بن كثير حدّث عنه ابن جريج ، وقد حدَّث به معمر عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة ، وأخشى أن يكون حديث ابن جريج أيضا عن كثير بن كثير ، قال : كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان في أناس مع سعيد بن جبير ليلا فقال سعيد بن جبير للقوم: سلوني قبل ألا تسألوني ، فسأله القوم فأكثروا ، وكان فيما سُئل عنه أن قيل له: أحقّ ما سمعنا في المقام ، فقال سعيد: ماذا سمعتم؟

قالوا: سمعنا أن إبراهيم رسول الله حين جاء من الشام ، كان حلف لامرأته أن لا ينـزل مكة حتى يرجع ، فقرب له المقام ، فنـزل عليه ، فقال سعيد: ليس كذاك: حدثنا ابن عباس ، ولكنه حدثنا حين كان بين أم إسماعيل وسارة ما كان أقبل بإسماعيل ، ثم ذكر مثل حديث أيوب غير أنه زاد في حديثه ، قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : طَلَبُوا النـزولَ مَعَهَا وَقَدْ أَحَبَّتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ الأنْسَ ، فَنـزلُوا وبَعَثَوُا إلى أَهْلِهِمْ فَقَدِمُوا ، وَطَعَامُهُمُ الصَّيْدُ ، يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ وَيخْرُجُ إِسْمَاعِيلُ مَعَهُمْ يَتَصَيَّدُ ، فَلَمَّا بَلَغَ أَنْكَحُوهُ ، وَقَدْ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ قَبْلَ ذَلكَ".

قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لَمَّا دَعا لَهُما أنْ يُبَارِكَ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ والماء ، قال لَهَا هَلْ منْ حَبٍّ أوْ غيرِهِ منَ الطَّعامِ ؟

قالَتْ: لا وَلَوْ وَجَدَ يَوْمَئذٍ لَهَا حَبًّا لَدَعا لَهَا بالبَركَةِ فيهِ".

قال ابن عباس: ثم لبث ما شاء الله أن يلبث ، ثم جاء فوجد إسماعيل قاعدا تحت دَوْحة إلى ناحية البئر يبرى نبلا له ، فسلم عليه ونـزل إليه ، فقعد معه وقال: يا إسماعيل ، إن الله قد أمرني بأمر ، قال إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك ، قال إبراهيم: أمرني أن أبني له بيتا ، قال إسماعيل: ابنِ ، قال ابن عباس: فأشار له إبراهيم إلى أكمة بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السيل من نواحيها ، ولا يركبها.

قال: فقاما يحفران عن القواعد يرفعانها ويقولان رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء ، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته ، والشيخ إبراهيم يبني.

فلما ارتفع البنيان وشق على الشيخ تناوله ، قرب إليه إسماعيل هذا الحجَر ، فجعل يقوم عليه ويبني ، ويحوله في نواحي البيت حتى انتهى ، يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم وقيامه عليه.

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) قال: أسكن إسماعيل وأمه مكة.

حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ( إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) قال: حين وضع إسماعيل.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: ربنا إني أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم يكن هنالك يومئذ ماء ، لأنه لو كان هنالك ماء لم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بيتك الذي حرّمته على جميع خلقك أن يستحلوه.

وكان تحريمه إياه فيما ذكر كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: إن هذا البيت أوّل من وليه أناس من طسْم ، فعصوا ربهم واستحلوا حرمته ، واستخفوا بحقه ، فأهلكهم الله.

ثم وليهم أناس من جُرهم فَعصوا ربهم واستحلوا حرمته واستخفوا بحقه ، فأهلكهم الله.

ثم وليتموه معاشر قريش ، فلا تعصوا ربه ، ولا تستحلوا حرمته ، ولا تستخفوا بحقه ، فوالله لصلاة فيه أحبّ إليّ من مئة صلاة بغيره ، واعلموا أن المعاصي فيه على نحو من ذلك.

وقال ( إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) ولم يأت بما وقع عليه الفعل ، وذلك أن حظّ الكلام أن يقال: إني أسكنت من ذريتي جماعة ، أو رجلا أو قوما ، وذلك غير (4) جائز مع " من " لدلالتها على المراد من الكلام ، والعرب تفعل ذلك معها كثيرا ، فتقول: قتلنا من بني فلان ، وطعمنا من الكلأ وشربنا من الماء ، ومنه قول الله تعالى أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ .

فإن قال قائل: وكيف قال إبراهيم حين أسكن ابنه مكة ( إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) وقد رويت في الأخبار التي ذكرتها أن إبراهيم بنى البيت بعد ذلك بمدة.

قيل: قد قيل في ذلك أقوال قد ذكرتها في سورة البقرة ، منها أن معناه: عند بيتك المحرّم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حين رفعته أيام الطوفان ، ومنها عند بيتك المحرم من استحلال حرمات الله فيه ، والاستخفاف بحقه.

وقوله ( رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) يقول: فعلت ذلك يا ربنا كي تؤدّى فرائضك من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرّم.

وقوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) يخبر بذلك تعالى ذكره عن خليله إبراهيم أنه سأله في دعائه أن يجعل قلوب بعض خلقه تنـزع إلى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرَّم.

وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حج بيته الحرام .

كما حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سلم ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ( أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) ولو قال أفئدة الناس تهوي إليهم لحجت اليهود والنصارى والمجوس ، ولكنه قال: أفئدة من الناس تهوي إليهم فهم المسلمون.

حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: لو كانت أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم ، ولكنه أفئدة من الناس.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: لو قال: أفئدة الناس تهوي إليهم ، لازدحمت عليهم فارس والروم.

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عليّ ، يعني ابن الجعد ، قال : أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله.

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سألت عكرمة عن هذه الآية ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) فقال: قلوبهم تهوي إلى البيت.

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن عكرمة وعطاء وطاوس ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه.

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : ثنا سعيد ، عن الحكم ، قال : سألت عطاء وطاوسا وعكرمة ، عن قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قالوا: الحج.

حدثنا الحسن ، قال : ثنا شبابة وعليّ بن الجعد ، قالا أخبرنا سعيد ، عن الحكم ، عن عطاء وطاوس وعكرمة في قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: هواهم إلى مكة أن يحجوا.

حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سألت طاوسا وعكرمة وعطاء بن أبي رباح ، عن قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) فقالوا: اجعل هواهم الحجّ.

حدثنا الحسن ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو كان إبراهيم قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحجه اليهود والنصارى والناس كلهم ، ولكنه قال ( أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: تنـزع إليهم.

حدثنا الحسن ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قالا أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله.

وقال آخرون: إنما دعا لهم أن يهووا السكنى بمكة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: إن إبراهيم خليل الرحمن سأل الله أن يجعل أناسا من الناس يَهْوون سكنى أو سَكْن مكة.

وقوله ( وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) يقول تعالى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التي هي ذوات المياه والأنهار ، وإن كنت أسكنتهم واديا غير ذي زرع ولا ماء.

فرزقهم جلّ ثناؤه ذلك .

كما حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، قال : قرأت على محمد بن مسلم الطائفي أن إبراهيم لما دعا للحرم وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ نقل الله الطائف من فلسطين.

وقوله ( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) يقول: ليشكروك على ما رزقتهم وتنعم به عليهم.

------------------------ الهوامش: (2) البيت لرؤبة من .

أرجوزة له مطلعها : " قلت لزير لم تصله مريمة " ، وقوله " وهنانة " : صفة لأروى في البيت قبله وهو : " إذا حب أروى همه وسدمه ".

والزون : الصنم .

وملثمة : مقبلة .

وقد شبه أروى بالصنم المجلو في البهاء والحسن .

والوهنانة كما في اللسان : الكسل عن العمل تنعما .

قال أبو عبيدة : الوهنانة التي فيها فترة .

(3) معينا : جارية سائحة على وجه الأرض .

(4) يريد أن من إذا كان معناها التبعيض .

كما في الآية ، لم يجز ذكر المفعول بعدها ، لأنها حينئذ بمعنى المفعول ، أي أسكنت بعض ذريتي بواد غير ذي زرع .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون[ ص: 323 ] فيه ست مسائل :الأولى : روى البخاري عن ابن عباس : ( أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ; اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه ، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ; ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل ; فقالت : يا إبراهيم !

أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ، فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟

قال : نعم .

قالت إذا لا يضيعنا ; ثم رجعت ، فانطلق إبراهيم .

حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات ، ورفع يديه فقال : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع حتى بلغ يشكرون وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادي ، رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود ، ثم جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليه ، فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ; قال ابن عباس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فذلك سعي الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه !

تريد نفسها ، ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت : قد أسمعت ، إن كان عندك غواث !

فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف ; قال ابن عباس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا قال : فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يضيع أهله ) وذكر الحديث بطوله .مسألة : لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله بأرض مضيعة اتكالا على [ ص: 324 ] العزيز الرحيم ، واقتداء بفعل إبراهيم الخليل ، كما تقول غلاة الصوفية في حقيقة التوكل ، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله لقوله في الحديث : آلله أمرك بهذا ؟

قال : نعم .

وقد روي أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسماعيل خرج بها إبراهيم - عليه السلام - إلى مكة ، فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة ، وترك ابنه وأمته هنالك وركب منصرفا من يومه ، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى ، فلما ولى دعا بضمن هذه الآية .الثانية : لما أراد الله تأسيس الحال ، وتمهيد المقام ، وخط الموضع للبيت المكرم ، والبلد المحرم ، أرسل الملك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء ، وفي الصحيح : أن أبا ذر - رضي الله عنه - اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة ، قال أبو ذر : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكني ، وما أجد على كبدي سخفة جوع ; وذكر الحديث .

وروى الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ماء زمزم لما شرب له إن شربته تشتفي به شفاك الله وإن شربته لشبعك أشبعك الله به وإن شربته لقطع ظمئك قطعه وهي هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل .

وروي أيضا عن عكرمة قال : كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال : اللهم إني أسألك علما نافعا ، ورزقا واسعا ، وشفاء من كل داء .

قال ابن العربي : وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحت نيته ، وسلمت طويته ، ولم يكن به مكذبا ، ولا يشربه [ ص: 325 ] مجربا ، فإن الله مع المتوكلين ، وهو يفضح المجربين .

وقال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي وحدثني أبي - رحمه الله - قال : دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني ، فجعلت أعتصر حتى آذاني ، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام ، وذلك أيام الحج ; فذكرت هذا الحديث ، فدخلت زمزم فتضلعت منه ، فذهب عني إلى الصباح .

وروي عن عبد الله بن عمرو : إن في زمزم عينا في الجنة من قبل الركن .الثالثة : قوله تعالى : ومن ذريتي " من " في قوله تعالى : من ذريتي للتبعيض أي أسكنت بعض ذريتي ; يعني إسماعيل وأمه ; لأن إسحاق كان بالشام .

وقيل : هي صلة ; أي أسكنت ذريتي .الرابعة : قوله تعالى : عند بيتك المحرم يدل على أن البيت كان قديما على ما روي قبل الطوفان ، وقد مضى هذا المعنى في سورة " البقرة " .

وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره ، ووصفه بأنه محرم ، أي يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال .

وقيل : محرم على الجبابرة ، وأن تنتهك حرمته ، ويستخف بحقه ، قاله قتادة وغيره .

وقد مضى القول في هذا في " المائدة " .الخامسة : قوله تعالى : ربنا ليقيموا الصلاة خصها من جملة الدين لفضلها فيه ، ومكانها منه ، وهي عهد الله عند العباد ; قال - صلى الله عليه وسلم - : خمس صلوات كتبهن الله على العباد .

الحديث .

واللام في ليقيموا الصلاة لام كي ; هذا هو الظاهر فيها وتكون متعلقة ب " أسكنت " ويصح أن تكون لام أمر ، كأنه رغب إلى الله أن يأتمنهم وأن يوفقهم لإقامة الصلاة .السادسة : تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها ; لأن معنى ربنا ليقيموا الصلاة أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه .

وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟

فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة ، واحتجوا بحديث عبد الله بن [ ص: 326 ] الزبير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة " .

قال الإمام الحافظ أبو عمر : وأسند هذا الحديث حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير وجوده ، ولم يخلط في لفظه ولا في معناه ، وكان ثقة .

قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول : حبيب المعلم ثقة .

وذكر عبد الله بن أحمد قال سمعت أبي يقول : حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثه !

وسئل أبو زرعة الرازي عن حبيب المعلم فقال : بصري ثقة .

قلت : وقد خرج حديث حبيب المعلم هذا عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم التميمي البستي في المسند الصحيح له ، فالحديث صحيح وهو الحجة عند التنازع والاختلاف .

والحمد لله .

قال أبو عمر : وقد روي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث ابن الزبير ; رواه موسى الجهني عن نافع عن ابن عمرو ; وموسى الجهني الكوفي ثقة ، أثنى عليه القطان وأحمد ويحيى وجماعتهم .

وروى عنه شعبة .

والثوري ويحيى بن سعيد .

وروى حكيم بن سيف ، حدثنا عبيد الله بن عمر ; عن عبد الكريم عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيمن سواه .

وحكيم بن سيف هذا شيخ من أهل الرقة قد روى عنه أبو زرعة الرازي ، وأخذ عنه ابن وضاح ، وهو عندهم شيخ صدوق لا بأس به .

فإن كان حفظ فهما حديثان ، وإلا فالقول قول حبيب المعلم .

وروى محمد بن وضاح ، حدثنا يوسف بن عدي عن عمر بن عبيد عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة في [ ص: 327 ] مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل .

قال أبو عمر : وهذا كله نص في موضع الخلاف قاطع له عند من ألهم رشده ، ولم تمل به عصبيته .

وذكر ابن حبيب عن مطرف وعن أصبغ عن ابن وهب أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما في هذا الباب .

وقد اتفق مالك وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يبرز لهما في كل بلد إلا مكة فإنها تصلى في المسجد الحرام .

وكان عمر وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء وجابر يفضلون مكة ومسجدها وهم أولى بالتقليد ممن بعدهم ; وإلى هذا ذهب الشافعي .

وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين ، وروي مثله عن مالك ; ذكر ابن وهب في جامعه عن مالك أن آدم - عليه السلام - لما أهبط إلى الأرض قال : يا رب هذه أحب إليك أن تعبد فيها ؟

قال : بل مكة .

والمشهور عنه وعن أهل المدينة تفضيل المدينة ، واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك ; فطائفة تقول مكة ، وطائفة تقول المدينة .قوله تعالى : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب ، وقد يعبر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر :وإن فؤادا قادني بصبابة إليك على طول المدى لصبوروقيل : جمع وفد ، والأصل أوفدة ، فقدمت الفاء وقلبت الواو ياء كما هي ، فكأنه قال : واجعل وفودا من الناس تهوي إليهم ; أي تنزع ; يقال : هوي نحوه إذا مال ، وهوت الناقة تهوي هويا فهي هاوية إذا عدت عدوا شديدا كأنها في هواء بئر ، وقوله : تهوي إليهم مأخوذ منه .

قال ابن عباس ومجاهد : لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس ، ولكن قال : من الناس فهم المسلمون ; فقوله : تهوي إليهم أي تحن إليهم ، وتحن إلى زيارة البيت .

وقرأ مجاهد " تهوى إليهم " أي تهواهم وتجلهم .وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون فاستجاب الله دعاءه ، وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار ، وبما يجلب إليهم من الأمصار .

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس الحديث الطويل وقد ذكرنا بعضه : ( فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثم سألهم عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن بشر ، [ ص: 328 ] نحن في ضيق وشدة ; فشكت إليه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال : هل جاءكم من أحد !

قالت : نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته ، وسألني كيف عيشتنا فأخبرته أنا في جهد وشدة ، قال فهل أوصاك بشيء : قالت : أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : غير عتبة بابك ; قال : ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك ، الحقي بأهلك ; فطلقها وتزوج منهم أخرى ، فلبث عنهمإبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده ، ودخل على امرأته فسألها عنه فقالت : خرج يبتغي لنا .

قال : كيف أنتم ؟

وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن بخير وسعة وأثنت على الله .

قال ما طعامكم ؟

قالت : اللحم .

قال فما شرابكم ؟

قالت : الماء .

قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه .

قال : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه ; وذكر الحديث .

وقال ابن عباس : قول إبراهيم فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم سأل أن يجعل الله الناس يهوون السكنى بمكة ، فيصير بيتا محرما ، وكل ذلك كان والحمد لله .

وأول من سكنه جرهم .

ففي البخاري - بعد قوله : وإن الله لا يضيع أهله - وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله ، وكذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم قافلين من طريق كذا ، فنزلوا بأسفل مكة ، فرأوا طائرا عائفا فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء !

لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ; فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء ، فأخبروهم بالماء فأقبلوا .

قال : وأم إسماعيل عند الماء ; فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟

قالت : نعم ولكن لا حق لكم في الماء .

قالوا : نعم .

قال ابن عباس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم ، شب الغلام ، وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته ; الحديث .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وذلك أنه أتى بـ "هاجر" أم إسماعيل وبابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو في الرضاع، من الشام حتى وضعهما في مكة وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن، ولا داع ولا مجيب، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء فقال -متضرعا متوكلا على ربه: { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي } أي: لا كل ذريتي لأن إسحاق في الشام وباقي بنيه كذلك وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته، وقوله: { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } أي: لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة.

{ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاة } أي: اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة لأن إقامة الصلاة من أخص وأفضل العبادات الدينية فمن أقامها كان مقيما لدينه، { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } أي: تحبهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه.

فأجاب الله دعاءه فأخرج من ذرية إسماعيل محمدا صلى الله عليه وسلم حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي وإلى ملة أبيهم إبراهيم فاستجابوا له وصاروا مقيمي الصلاة.

وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة.

{ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } فأجاب الله دعاءه، فصار يجبي إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت والثمار فيها متوفرة والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي ) أدخل " من " للتبعيض ، ومجاز الآية : أسكنت من ذريتي ولدا ( بواد غير ذي زرع ) وهو مكة; لأن مكة واد بين جبلين ( عند بيتك المحرم ) سماه محرما لأنه يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن أيوب السختياني وكثير بن [ أبي كثير بن ] المطلب بن أبي وداعة - يزيد أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير [ قال ] قال ابن عباس : أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ، اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ، ثم جاء بها إبراهيم عليه السلام ، وبابنها إسماعيل ، وهي ترضعه ، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم قفل إبراهيم منطلقا ، فتبعته أم إسماعيل فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟

فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟

قال : نعم ، قالت : إذن لا يضيعنا ، ثم رجعت ، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه ، فقال : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ) حتى بلغ " يشكرون " .

وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلبط أو قال يتلوى ، وانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات .

قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فلذلك سعى الناس بينهما " .

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف .

قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم " أو قال : " لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا " .

قال : فشربت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله ، يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يضيع أهله .

وكان موضع البيت مرتفعا من الأرض كالرابية ، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك ، حتى مرت بهم رفقة منجرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كداء ، فنزلوا في أسفل مكة ، فرأوا طائرا عائفا ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ، ولعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم بالماء ، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟

فقالت : نعم ، ولكن لا حق لكم في الماء ، قالوا : نعم .

قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس ، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم ، وأنفسهم وأعجبهم حين شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم .

وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته .

.

.

ذكرنا تلك القصة في سورة البقرة .

قوله تعالى : ( ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس ) الأفئدة : جمع الفؤاد ( تهوي إليهم ) تشتاق وتحن إليهم .

قال السدي : معناه أمل قلوبهم إلى هذا الموضع .

قال مجاهد : لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم فارس ، والروم ، والترك ، والهند .

وقال سعيد بن جبير : لحجت اليهود والنصارى والمجوس ، ولكنه قال : " أفئدة من الناس " وهم المسلمون .

( وارزقهم من الثمرات ) ما رزقت سكان القرى ذوات الماء ( لعلهم يشكرون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ربنا إني أسكنت من ذريتي» أي بعضها وهو إسماعيل مع أمه هاجر «بواد غير ذي زرع» هو مكة «عند بيتك المحرم» الذي كان قبل الطوفان «ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة» قلوبا «من الناس تهوي» تميل وتحنُّ «إليهم» قال ابن عباس لو قال أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم «وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون» وقد فعل بنقل الطائف إليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ ليس فيه زرع ولا ماء بجوار بيتك المحرم، ربنا إنني فعلت ذلك بأمرك؛ لكي يؤدوا الصلاة بحدودها، فاجعل قلوب بعض خلقك تَنزع إليهم وتحنُّ، وارزقهم في هذا المكان من أنواع الثمار؛ لكي يشكروا لك على عظيم نعمك.

فاستجاب الله دعاءه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال : ( رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة .

.

)و " من " فى قوله ( مِنْ ذُرِّيَّتِي ) للتبعيض .والوادى : هو المكان المنخفض بين مرتفعات ، والمقصود به وادى مكة المكرمة .والمعنى : يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له ، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم ، أى : الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما ، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا ، وفضلته على غيره من الأماكن .وقوله ( رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة ) بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب .أى : يا ربنا إنى أسكنتهم ، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك ، وليعمروه بذكرك وطاعتك .

رضي الله عن&; فاللام فى قوله ( ليقيموا ) للتعليل وهى متعلقة بأسكنت .وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات ، لمزيد فضلها ، ولكمال العناية بشأنها .قال القرطبى : " تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها ، لأن معنى ( رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة ) أى : أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه .وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم -؟فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة ، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام ، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة " .وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير "وقوله ( فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا ، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى - ، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور .والأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب والنفوس .والمراد بالناس فى قوله ( مِّنَ الناس ) المؤمنون منهم ، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام ، ليشهدوا منافع لهم ، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته .وتهوى إليهم : أى تسرع إليهم ، يقال : هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير ، ومنه قولهم : هوت الناقة تهوى هويا ، إذا عدت عدوا شديدا .والأصل فيه أن يتعدى باللام ، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع .أى : يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك ، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان ، وتطير فرحا إليه ، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك ، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك .وقال - سبحانه - ( فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ ) ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم ، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : " وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجيى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه ، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا ، وفى أى بلد من الشرق والغرب ، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد ، وليس ذلك من آياته عجيب ، معنا الله بسكنى حرمه ، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم ، وزرقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم " .هذا ، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه : " وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة ، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل .

فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة ، فوضعهما عند البيت ، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد ، وليس يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر ، فقالت له : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس .قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها ، فقال له : آلله أمرك بهذا؟

قال : نعم .

قالت : إذا لا يضيعنا ، ثم رجعت .وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات ، ورفع يديه فقال : ( رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ .

.

.

) الآية .ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء ، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه بتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا .فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادى ، رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى ، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا .فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه!

تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث ، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور ، فشربت وأرضعت ولدها ، وقال لها الملك : لا تخافى الضيعة ، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله .ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم ، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا : لا طير إلا على الماء ، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء ، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده ، فقالوا : أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا ، ففعلت ، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أموراً سبعة.

المطلوب الأول: طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله: ﴿ رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا  ﴾ والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة؟

فقال: الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.

والمطلوب الثاني: أن يرزقه الله التوحيد، ويصونه عن الشرك، وهو قوله: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام  ﴾ .

والمطلوب الثالث: قوله: ﴿ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم ﴾ فقوله: ﴿ مِن ذُرّيَّتِي ﴾ أي بعض ذريتي وهو إسماعيل ومن ولد منه ﴿ بِوَادٍ ﴾ هو وادي مكة ﴿ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ ﴾ أي ليس فيه شيء من زرع، كقوله: ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ  ﴾ بمعنى لا يحصل فيه اعوجاج عند بيتك المحرم، وذكروا في تسميته المحرم وجوها: الأول: أن الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرماً لمكانه.

الثاني: أنه كان لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب.

الثالث: سمي محرماً لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه.

الرابع: أنه حرم على الطوفان أي امتنع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستعل عليه.

الخامس: أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل.

السادس: حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض وحفه بسبعة من الملائكة، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم، فرفع إلى السماء السابعة.

السابع: حرم على عباده أن يقربوه بالدماء والأقذار وغيرها: روي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت له إسماعيل عليه السلام، فقالت سارة: كنت أرجو أن يهب الله لي ولداً من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي، وقالت لإبراهيم: أبعدهما مني فنقلهما إلى مكة وإسماعيل رضيع، ثم رجع فقالت هاجر: إلى من تكلنا؟

فقال إلى الله.

ثم دعا الله تعالى بقوله: ﴿ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ ﴾ إلى آخر الآية ثم إنها عطشت وعطش الصبي فانتهت بالصبي إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عيناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً ثم إن إبراهيم عليه السلام عاد بعد كبر إسماعيل واشتغل هو مع إسماعيل برفع قواعد البيت.

قال القاضي: أكثر الأمور المذكورة في هذه الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لإبراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى حيث لا طعام ولا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا: إن الله أعلمه أنه يحصل هناك ماء وطعام، وأقول: أما ظهور ماء زمزم فيحتمل أن يكون إرهاصاً لإسماعيل عليه السلام، لأن ذلك عندنا جائز خلافاً للمعتزلة وعند المعتزلة أنه معجزة لإبراهيم عليه السلام.

ثم قال: ﴿ رَّبَّنَا لِيُقيمُواْ الصَّلاةَ ﴾ واللام متعلقة بأسكنت أي أسكنت قوماً من ذريتي، وهم إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا الصلاة.

ثم قال: ﴿ فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قال الأصمعي هوى يهوي هوياً بالفتح إذا سقط من علو إلى سفل.

وقيل: ﴿ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ تريدهم، وقيل: تسرع إليهم.

وقيل: تنحط إليهم وتنحدر إليهم وتنزل، يقال: هوى الحجر من رأس الجبل يهوي إذا انحدر وانصب، وهوى الرجل إذا انحدر من رأس الجبل.

البحث الثاني: أن هذا الدعاء جامع للدين والدنيا.

أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى.

وأما الدنيا: فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم، ويكثر طعامهم ولباسهم.

البحث الثالث: كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ ﴾ تفيد التبعيض، والمعنى: فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة إليهم.

قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند.

وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى المجوس، ولكنه قال: ﴿ أَفْئِدَةً مّنَ الناس ﴾ فهم المسلمون.

ثم قال: ﴿ وارزقهم مّنَ الثمرات ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أنه لم يقل: وارزقهم الثمرات، بل قال: ﴿ وارزقهم مّنَ الثمرات ﴾ وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء اتصال بعض الثمرات إليهم.

البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات وإنما يكون المراد: عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها.

ثم قال: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات.

المطلوب الرابع: قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ﴾ .

واعلم أنه عليه السلام لما طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها، فقال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ﴾ والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا، قيل: ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء، وقيل: ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟

فقال إلى الله أكلكم، قالت آلله أمرك بهذا؟

قال نعم: قالت إذن لا نخشى.

ثم قال: ﴿ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيء فَى الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أنه كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام كقوله: ﴿ وكذلك يَفْعَلُونَ  ﴾ والثاني: أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان، ولفظ من يفيد الاستغراق كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما.

ثم قال: ﴿ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام هذين الولدين أعني إسماعيل وإسحاق على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعاً وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة وقيل ولد له إسماعيل لأربع وستين سنة وولد إسحاق لتسعين سنة، وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، وإنما ذكر قوله: ﴿ عَلَى الكبر ﴾ لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم.

فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل وهاجر أمه في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت ما ولد له إسحاق فكيف يمكنه أن يقول: ﴿ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ .

قلنا قال القاضي: هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء.

ويمكن أيضاً أن يقال: إنه عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق وإن كان ظاهر الروايات بخلافه.

البحث الثاني: على في قوله: ﴿ عَلَى الكبر ﴾ بمعنى مع كقول الشاعر: إني على ما ترين من كبري *** أعلم من حيث يؤكل الكتف وهو في موضع الحال ومعناه: وهب لي في حال الكبر.

البحث الثالث: في المناسبة بين قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيء فَى الأرض وَلاَ فِي السمآء ﴾ وبين قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ وذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد موته ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب، بل قال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ﴾ أي إنك تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، ثم قال: ﴿ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ وذلك يدل ظاهراً على أنهما يبقيان بعد موته وأنه مشغول القلب بسببهما فكان هذا دعاء لهما بالخير والمعونة بعد موته على سبيل الرمز والتعريض وذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء قال عليه السلام حاكياً عن ربه أنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ الدعآء ﴾ .

واعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإيضاح والتصريح قال: ﴿ إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ الدعاء ﴾ أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به أو لم أصرح وقوله: سميع الدعاء.

من قولك سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ومنه سمع الله لمن حمده.

المطلوب الخامس: قوله: ﴿ رَبّ اجعلنى مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذا الآية على أن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى فقالوا إن قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام ﴾ يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله وقوله: ﴿ رَبّ اجعلنى مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله، وذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصراً على أن الكل من الله.

المسألة الثانية: تقدير الآية: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي.

أي واجعل بعض ذريتي كذلك لأن كلمة من في قوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ للتبعيض، وإنما ذكر هذا التبعيض لأنه علم باعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته جمع من الكفار وذلك قوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ .

المطلوب السادس: أنه عليه السلام لما دعا الله في المطالب المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ﴾ وقال ابن عباس: يريد عبادتي بدليل قوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله  ﴾ .

المطلوب السابع: قوله: ﴿ رَبَّنَا اغفر لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة الذنب فهذا يدل على أنه كان قد صدر الذنب عنه وإن كان قاطعاً بأن الله يغفر له فكيف طلب تحصيل ما كان قاطعاً بحصوله؟

والجواب: المقصود منه الالتجاء إلى الله تعالى وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته.

المسألة الثانية: إن قال قائل كيف جاز أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين؟

فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن المنع منه لا يعلم إلا بالتوقيف فلعله لم يجد منه منعاً فظن كونه حائزاً.

الثاني: أراد بوالديه آدم وحواء.

الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام.

ولقائل أن يقول: لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلاً ولو لم يكن لبطل قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  ﴾ وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، ولهذا السبب خص أباه بالذكر في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ﴾ ، والله أعلم وفي قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الحساب ﴾ قولان: الأول: يقوم أي يثبت وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها، ونظيره قوله ترجلت الشمس، أي أشرقت وثبت ضوءها كأنها قامت على رجل.

الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز مثل قوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ أي أهلها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن ذُرّيَّتِى ﴾ بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه ﴿ بِوَادٍ ﴾ هو وادي مكة ﴿ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ ﴾ لا يكون فيه شيء من زرع قط، كقوله: ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ ﴾ [الزمر: 28] بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلا الاستقامة لا غير.

وقيل للبيت المحرم، لأنّ الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرماً لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار، كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، أو لأنه حرّم على الطوفان أي منع منه، كما سُمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه ﴿ لِيُقِيمُواْ الصلاة ﴾ اللام متعلقة بأسكنت، أي: ما أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك، والطواف به، والركوع والسجود حوله، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك ﴿ أَفْئِدَةً مِّنَ الناس ﴾ أفئدة من أفئدة الناس، ومن للتبعيض، ويدل عليه ما روي عن مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم، وقيل: لو لم يقل ﴿ مِّنَ ﴾ لازدحموا عليه حتى الروم والترك والهند ويجوز أن يكون ﴿ مِّنَ ﴾ للابتداء، كقولك: القلب مني سقيم، تريد قلبي، فكأنه قيل: أفئدة ناس، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير أفئدة، لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة.

وقرئ: ﴿ آفدة ﴾ ، بوزن عاقدة.

وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون من القلب كقولك: آدر، في أدؤر.

والثاني: أن يكون اسم فاعلة من أفدت الرحلة إذا عجلت، أي جماعة أو جماعات يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم.

وقرئ: ﴿ أفدة ﴾ ، وفيه وجهان: أن تطرح الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين.

وأن يكون من أفد ﴿ تَهْوِى إِلَيْهِمْ ﴾ تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً من قوله: يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِىَّ الأَجْدَلِ وقرئ: ﴿ تُهْوَى إليهم ﴾ ، على البناء للمفعول، من هوى إليه وأهواه غيره.

وتهوى إليهم، من هوى يهوي إذا أحب، ضمن معنى تنزع فعدّى تعديته ﴿ وارزقهم مّنَ الثمرات ﴾ مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها، بأن تجلب إليهم من البلاد ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في واد يباب ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء لا جرم أن الله عز وجلّ أجاب دعوته فجعله حرماً آمناً تجبى إليه.

ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثماراً، وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته بعجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه، وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم عليه السلام، ورزقنا طرفاً من سلامة ذلك القلب السليم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ أيْ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي أوْ ذُرِّيَّةٍ مِن ذُرِّيَّتِي فَحُذِفَ المَفْعُولُ وهم إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ فَإنَّ إسْكانَهُ مُتَضَمَّنٌ لِإسْكانِهِمْ.

﴿ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ يَعْنِي وادِي مَكَّةَ فَإنَّها حَجَرِيَّةٌ لا تُنْبِتُ.

﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ الَّذِي حَرَّمْتَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، أوْ لَمْ يَزَلْ مُعَظَّمًا مُمَنَّعًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ، أوْ مَنَعَ مِنهُ الطُّوفانَ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَتِيقًا أيْ أعْتَقَ مِنهُ.

ولَوْ دَعا بِهَذا الدُّعاءِ أوَّلَ ما قَدِمَ فَلَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما كانَ أوْ ما سَيَؤُولُ إلَيْهِ.

رُوِيَ أنَّ هاجَرَ كانَتْ لِسارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ مِنهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَغارَتْ عَلَيْهِما فَناشَدَتْهُ أنْ يُخْرِجَهُما مِن عِنْدِها فَأخْرَجَهُما إلى أرْضِ مَكَّةَ فَأظْهَرَ اللَّهُ عَيْنَ زَمْزَمَ، ثُمَّ إنَّ جُرْهُمَ رَأوْا ثَمَّ طُيُورًا فَقالُوا لا طَيْرَ إلّا عَلى الماءِ، فَقَصَدُوهُ فَرَأوْهُما وعِنْدَهُما عَيْنٌ فَقالُوا أشْرِكِينا في مائِكِ نُشْرِكُكِ في ألْبانِنا فَفَعَلَتْ.

﴿ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ أسْكَنْتُ ﴾ أيْ ما أسْكَنْتُهم بِهَذا الوادِي البَلْقَعِ مِن كُلِّ مُرْتَفَقٍ ومُرْتَزَقٍ إلّا لِإقامَةِ الصَّلاةِ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ.

وَتَكْرِيرُ النِّداءِ وتَوْسِيطُهُ لِلشِّعارِ بِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ مِن إسْكانِهِمْ ثَمَّةَ، والمَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ تَوْفِيقُهم لَها.

وَقِيلَ لامُ الأمْرِ والمُرادُ هو الدُّعاءُ لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإقامَةَ وسَألَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَفِّقَهم لَها.

﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ أفْئِدَةً مِن أفْئِدَةِ النّاسِ، و ﴿ مِن ﴾ لِلتَّبْعِيضِ ولِذَلِكَ قِيلَ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ والرُّومُ ولَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى، أوْ لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ أيْ أفْئِدَةُ ناسٍ.

وقَرَأ هِشامٌ « أفْئِيدَةً» بِخُلْفٍ عَنْهُ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

وقُرِئَ « آفِدَةً» وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَقْلُوبَ « أفْئِدَةً» كَآدَرَ في أدْؤُرَ وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِن أفَدْتُ الرِّحْلَةَ إذا عَجَّلْتُ أيْ جَماعَةً يُعَجِّلُونَ نَحْوَهم « وأفَدَةً» بِطَرْحِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ، وإنْ كانَ الوَجْهُ فِيهِ إخْراجَها بَيْنَ بَيْنَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أفَدَ.

﴿ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ شَوْقًا ووِدادًا.

وقُرِئَ « تُهْوى» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى إلَيْهِ غَيْرَهُ و « تَهْوى» مِن هَوى يَهْوِي إذا أحَبَّ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى النُّزُوعِ.

﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ مَعَ سُكْناهم وادِيًا لا نَباتَ فِيهِ.

﴿ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ تِلْكَ النِّعْمَةَ، فَأجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَتَهُ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى تُوجَدَ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ والصَّيْفِيَّةُ والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)

{رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِي} بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه {بِوَادٍ} هو وادى مكة {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} لا يكون فيه شيء من زرع قط {عِندَ بَيْتِكَ المحرم} هو بيت الله سمي به لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لمكانه أو لأنه لم يزل ممنعا يهابه كل

جبار أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه {رَّبَّنَا لِيِقُيمُواْ الصلاة} اللام متعلقة باسكنت أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس} أفئدة من افئدة الناس ومن للتبعيض لما روي عن مجاهد لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند أو للابتداء كقولك القلب مني سقيم تريد قلبي فكأنه قيل أفئدة ناس ونكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير أفئدة لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة

إبراهيم (٣٧ _ ٤٢)

{تَهْوِي إِلَيْهِمْ} تسرع إليهم من البلاد الشاسعة وتطير نحوهم شوقاً {وارزقهم مّنَ الثمرات} مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها بأن تجلب إليهم من البلاد الشاسعة {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات في واد ليس فيه شجر ولا ماء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبَّنا ﴾ قالَ في البَحْرِ كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ تَعالى وأتى بِضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذِكْرُ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيَّ ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي ضَمِيرَ الجَماعَةِ في ﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ ﴾ ..

إلَخْ مَعَ أنَّهُ جِيءَ فِيهِ بِضَمِيرِ الواحِدِ فالوَجْهُ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الدُّعاءَ المُصَدَّرَ بِهِ وما هو بِصَدَدِ تَمْهِيدِ مَبادِي إجابَتِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أسْكَنْتُ ﴾ ..

إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِذُرِّيَّتِهِ فالتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم أدْخَلُ في القَبُولِ وإجابَةُ المَسْؤُولِ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ فِيما قَصَدَهُ مِنَ الخَبَرِ و( مِن ) في قَوْلِهِ ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ بِمَعْنى بَعْضٍ وهي في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ بِهِ أيْ أسْكَنْتُ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَتَهُ سَدَّتْ مَسَدَّهُ أيْ أسْكَنْتُ ذُرِّيَّةً مِن ذُرِّيَّتِي و( مِن ) تَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ والتَّبْيِينَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( مِن ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ لا يَرْتَضِيهِ سَلِيمُ البَصِيرَةِ كَما لا يَخْفى والمُرادُ بِالمَسْكَنِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن سَيُولَدُ لَهُ فَإنَّ إسْكانَهُ حَيْثُ كانَ عَلى وجْهِ الِاطْمِئْنانِ مُتَضَمِّنٌ لِإسْكانِهِمْ والدّاعِي لِلتَّعْمِيمِ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ الآتِي: ﴿ لِيُقِيمُوا ﴾ ..

إلَخْ ولا يَخْفى أنَّ الإسْكانَ لَهُ حَقِيقَةٌ ولِأوْلادِهِ مَجازٌ فَمَن لَمْ يُجَوِّزِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ يَرْتَكِبُ لِذَلِكَ عُمُومَ المَجازِ وهَذا الإسْكانُ بَعْدَما كانَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ أهْلِهِ ما كانَ.

وذَلِكَ أنَّ هاجَرَ أمَّ إسْماعِيلَ كانَتْ أمَةً مِنَ القِبْطِ لِسارَةَ فَوَهَبَتْها مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا ولَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ غارَتْ فَلَمْ تُقارُّهْ عَلى كَوْنِهِ مَعَها فَأخْرَجَها وابْنَها إلى أرْضِ مَكَّةَ فَوَضَعَهُما عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أعْلى المَسْجِدِ ولَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ ولَيْسَ بِها ماءٌ ووَضَعَ عِنْدَهُما جِرابًا فِيهِ تَمْرٌ وسِقاءٌ فِيهِ ماءٌ ثُمَّ قَفِيَ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ هاجَرُ فَقالَتْ: يا إبْراهِيمُ أيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنا بِهَذا الوادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أنِيسٌ ولا شَيْءٌ قالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرارًا وجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها فَقالَتْ لَهُ: اللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا قالَ: نَعَمْ قالَتْ: إذَنْ لا يُضَيِّعُنا ثُمَّ رَجَعَتْ وانْطَلَقَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إذا عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ وكانَ إذْ ذاكَ مُرْتَفِعًا مِنَ الأرْضِ كالرّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ ثُمَّ دَعا بِهَذِهِ الدَّعَواتِ ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ ﴾ إلى ﴿ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ ثُمَّ إنَّها جَعَلَتْ تُرْضِعُ ابْنَها وتَشْرَبُ مِمّا في السِّقاءِ حَتّى إذا نَفِدَ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابْنُها وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَبَّطُ فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ يَلِيها فَقامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ فَهَبَطَتْ حَتّى إذا بَلَغَتِ الوادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حَتّى جاوَزَتْهُ ثُمَّ أتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها ونَظَرَتْ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ ولِذَلِكَ سَعى النّاسُ بَيْنَهُما سَبْعًا فَلَمّا أشْرَفَتْ عَلى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقالَتْ: صَهٍ تُرِيدُ نَفْسَها ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أيْضًا فَقالَتْ: قَدْ أسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غِواثٌ فَإذا هي بِالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ حَتّى ظَهَرَ الماءُ فَجَعَلَتْ تَحْرِضُهُ وتَغْرِفُ مِنهُ في سِقائِها وهو يَفُورُ فَشَرِبَتْ وأرْضَعَتْ ولَدَها وقالَ لَها المَلَكُ: لا تَخافِي الضَّيْعَةَ فَإنَّ ها هُنا بَيْتَ اللَّهِ تَعالى يَبْنِيهِ هَذا الغُلامُ وأبُوهُ وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُضَيِّعُ أهْلَهُ ثُمَّ إنَّهُ مَرَّتْ مَعَ رُفْقَةٍ مِن جُرْهُمٍ فَرَأوْا طائِرًا عائِفًا فَقالُوا: لا طَيْرَ إلّا عَلى الماءِ فَبَعَثُوا رَسُولَهم فَنَظَرَ فَإذا بِالماءِ فَأتاهم فَقَصَدُوهُ وأُمُّ إسْماعِيلَ عِنْدَهُ فَقالُوا: أشْرِكِينا في مائِكِ نُشْرِكْكِ في ألْبانِنا فَفَعَلَتْ فَلَمّا أدْرَكَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ زَوَّجُوهُ امِرْأةً مِنهم وتَمامُ القِصَّةِ في كُتُبِ السِّيَرِ.

﴿ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ وهو وادِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى ووَصَفَهُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِ مَزْرُوعٍ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ صالِحًا لِلزَّرْعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ وكانَ ذَلِكَ لِحَجَرِيَّتِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما لَمْ يَصِفْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخُلُوِّ عَنِ الماءِ مَعَ أنَّهُ حالُهُ إذْ ذاكَ لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّعُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي وأنَّهُ سُبْحانَهُ يُرْزَقُهُما الماءَ فَنَظَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّظَرَ البَعِيدَ وقالَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ نَقْلِهِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ الماءُ فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ هو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ.

اهَـ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ طَلَبَ الماءِ لَمْ يَكُنْ مُهِمًّا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّ الوادِيَ مَظِنَّةُ السُّيُولِ والمُحْتاجُ لِلْماءِ يَدَّخِرُ مِنها ما يَكْفِيهِ وكانَ المُهِمُّ لَهُ طَلَبَ الثَّمَراتِ فَوَصَفَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ صالِحٍ لِلزَّرْعِ بَيانًا لِكَمالِ الِافْتِقارِ إلى المَسْؤُولِ فَتَأمَّلْ.

﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ ظَرْفٌ لِأسْكَنْتُ كَقَوْلِكَ: صَلَّيْتُ بِمَكَّةَ عِنْدَ الرُّكْنِ وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ صِفَةُ ( وادٍ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الأوَّلَ إذِ المَقْصُودُ إظْهارُ كَوْنِ ذَلِكَ الإسْكانِ مَعَ فِقْدانِ مَبادِيهِ لِمَحْضِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءِ إلى جِوارِهِ الكَرِيمِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الحُرْمَةِ المُؤْذِنِ بِعِزَّةِ المُلْتَجَأِ وعِصْمَتِهِ عَنِ المَكارِهِ فَإنَّهم قالُوا: مَعْنى كَوْنِ البَيْتِ مُحَرَّمًا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ أوْ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُمَنَّعًا عَزِيزًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ في كُلِّ عَصْرٍ أوْ لِأنَّهُ مَنَعَ الطُّوفانَ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ ولِذا سُمِّيَ عَتِيقًا عَلى ما قِيلَ وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّ الزّائِرِينَ يُحَرِّمُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ عِنْدَ زِيارَتِهِ أشْياءَ كانَتْ حَلالًا عَلَيْهِمْ وسَمّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْتًا بِاعْتِبارِ ما كانَ فَإنَّهُ كانَ مَبْنِيًّا قَبْلُ وقِيلَ: بِاعْتِبارِ ما سَيَكُونُ بَعْدُ وهو يَنْزِعُ إلى اعْتِبارِ عُنْوانِ الحُرْمَةِ كَذَلِكَ.

﴿ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ أيْ لِأنْ يُقِيمُوا فاللّامُ جارَّةٌ والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأسْكَنْتُ المَذْكُورِ وتَكْرِيرُ النِّداءِ وتَوْسِيطُهُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ فَإنَّها عِمادُ الدِّينِ ولِذا خَصَّها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ شَعائِرِهِ والمَعْنى عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ غَيْرِ واحِدٍ عَلى الحَصْرِ أيْ ما أسْكَنَتْهم بِهَذا الوادِي البَلْقَعِ الخالِي مِن كُلِّ مُرْتَفَقٍ ومُرْتَزَقٍ إلّا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ويُعَمِّرُوهُ بِذِكْرِكَ وعِبادَتِكَ وما تُعَمَّرُ بِهِ مَساجِدُكَ ومُتَعَبَّداتُكَ مُتَبَرِّكِينَ بِالبُقْعَةِ الَّتِي شَرَّفْتَها عَلى البِقاعِ مُسْتَسْعِدِينَ بِجِوارِكَ الكَرِيمِ مُتَقَرِّبِينَ إلَيْكَ بِالعُكُوفِ عِنْدَ بَيْتِكَ والطَّوافِ بِهِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ حَوْلَهُ مُسْتَنْزِلِينَ رَحْمَتَكَ الَّتِي آثَرْتَ بِها سُكّانَ حَرَمِكَ وهَذا الحَصْرُ عَلى ما ذَكَرُوا مُسْتَفادٌ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ نَفى أنْ يَكُونَ إسْكانُهم لِلزِّراعَةِ ولَمّا قالَ: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ أثْبَتَ أنَّهُ مَكانُ عِبادَةٍ فَلَمّا قالَ: ﴿ لِيُقِيمُوا ﴾ أثْبَتَ أنَّ الإقامَةَ عِنْدَهُ عِبادَةٌ وقَدْ نَفى كَوْنَها لِلْكَسْبِ فَجاءَ الحَصْرُ مَعَ ما في ( رَبَّنا ) مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ.

وعَنْ مالِكٍ أنَّ التَّعْلِيلَ يُفِيدُ الحَصْرَ فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَرْكَبُوها ﴾ عَلى حُرْمَةِ أكْلِها وفي الكَشْفِ أنَّ اسْتِفادَةَ الحَصْرِ مِن تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ أيْ لِيَقُومُوا أسْكَنَتْهم هَذا الإسْكانَ أخْبَرَ أوَّلًا أنَّهُ أسْكَنَهم بِوادٍ قَفْرٍ فَأدْمَجَ فِيهِ حاجَتَهم إلى الوافِدِينَ وذَكَرَ وجْهَ الإيثارِ لِشَرَفِ الجِوارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ ثُمَّ صَرَّحَ ثانِيًا بِأنَّهُ إنَّما آثَرَ ذَلِكَ لِيُعَمِّرُوا حَرَمَكَ المُحَرَّمَ وبَنى عَلَيْهِ الدُّعاءَ الآتِيَ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالمَذْكُورِ تَخَلَّلَ ( رَبَّنا ) ثانِيًا بَيْنَ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ وهَذا بَيِّنٌ ولا وجْهَ لِاسْتِفادَةِ ذَلِكَ مِن تَكْرارِ ( رَبَّنا ) إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.

اهَـ.

واخْتارَ بَعْضُهم ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في وجْهِ الِاسْتِفادَةِ وقالَ: إنَّهُ مَعْنًى لَطِيفٌ ولا يُنافِيهِ الفَصْلُ بِالنِّداءِ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ الأوَّلِ وتَذْكِيرِهِ فَهو كالمُنَبَّهِ عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى تَعَلُّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخِّرٍ واسْتِفادَةُ الحَصْرِ مِن ذَلِكَ وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وبِجَعْلِ النِّداءِ مُؤَكِّدًا لِلْأوَّلِ يَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ النِّداءَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ فَلا يَتَعَلَّقُ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ مُتَعَلِّقٍ ووَجْهُ الِانْدِفاعِ ظاهِرٌ وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها والمُرادُ هو الدُّعاءُ لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإقامَةَ وسَألَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَفِّقَهم لَها ولا يَخْفى بُعْدُهُ وأبْعَدَ مِنهُ ما قالَهُ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: إنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ( اجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ ) وفي قَوْلِهِ: ﴿ لِيُقِيمُوا ﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى ما في البَحْرِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ بِأنَّ ولَدَهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيُعْقِبُ هُنالِكَ ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ أفْئِدَةً مِن أفْئِدَتِهِمْ ﴿ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ شَوْقًا ووِدادًا فَمِن لِلتَّبْعِيضِ ولِذا قِيلَ: لَوْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ والرُّومُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَوْنِ الجَمْعِ المُضافِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ البَيْتَ اليَهُودُ والنَّصارى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ إذِ المَسْؤُولُ تَوْجِيهُ القُلُوبِ إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهم لا تَوْجِيهُها إلى البَيْتِ لِلْحَجِّ وإلّا لَقِيلَ تَهْوِي إلَيْهِ فَإنَّهُ عَيَّنَ الدُّعاءَ بِالبَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى.

اهَـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ في المَرْوِيِّ وكَوْنِ المَسْؤُولِ تَوْجِيهَ القُلُوبِ إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهم وقَدْ جاءَ نَحْوُ تِلْكَ الشَّرْطِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ وغَيْرِهِ عَلى أنَّ بَعْضَهم جَعَلَ هَذا دُعاءَ بِتَوْجِيهِ القُلُوبِ إلى البَيْتِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ فاجْعَلْ ﴾ إلى آخِرِهِ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا نَعَمْ هو خِلافُ الظّاهِرِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَما في قَوْلِكَ: القَلْبُ مِنهُ سَقِيمٌ تُرِيدُ قَلْبَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ كَوْنُها لِلِابْتِداءِ لِأنَّهُ لا فِعْلَ هُنا يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءُ جَعَلَ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِقَوْلِهِ: وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ فِعْلَ الهَوى لِلْأفْئِدَةِ يُبْتَدَأُ بِهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها ألا يَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلَيْهِمْ ﴾ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

اهَـ.

وكَأنَّ فِيهِ إشارَةً إلى ما قِيلَ: مِن أنَّ الِابْتِداءَ في مِنِ الِابْتِدائِيَّةِ إنَّما هو مِن مُتَعَلِّقِها لا مُطْلَقًا وإنْ جَعَلْناها مُتَعَلِّقَةً بِتَهْوِي لا يَظْهَرُ لِتَأْخِيرِهِ ولِتَوْسِيطِ الجارِّ فائِدَةٌ وذَكَرَ مَوْلانا الشِّهابُ في تَوْجِيهِ الِابْتِداءِ وتَرْجِيحِهِ عَلى التَّبْعِيضِ كَلامًا لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ فَقالَ: اعْلَمْ أنَّهُ قالَ في الإيضاحِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ القَصْدُ إلى الِابْتِداءِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ انْتِهاءً مَخْصُوصًا إذا كانَ المَعْنى لا يَقْتَضِي إلّا المُبْتَدَأ مِنهُ كَأعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وزَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ مَعانِي ( مِن ) دائِرَةٌ عَلى الِابْتِداءِ والتَّبْعِيضُ هُنا لا يَظْهَرُ فِيهِ فائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ فَإنَّ كَوْنَ قَلْبِ الشَّخْصِ وعَظْمِهِ بَعْضًا مِنهُ مَعْنًى مَكْشُوفٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإفادَةِ فَلِذا جُعِلَتْ لِلِابْتِداءِ والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ لِلتَّفْخِيمِ كَأنَّ مَيْلَ القَلْبِ نَشَأ مِن جُمْلَتِهِ مَعَ أنَّ مَيْلَ جُمْلَةِ كُلِّ شَخْصٍ مِن جِهَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ سَقَمَ قَلْبِ العاشِقِ نَشَأ مِنهُ مَعَ أنَّهُ إذا صَلَحَ صَلَحَ البَدَنُ كُلُّهُ وإلى هَذا نَحا المُحَقِّقُونَ مِن شُرّاحِ الكَشّافِ لَكِنَّهُ مَعْنًى غامِضٌ فَتَدَبَّرْهُ والأفْئِدَةُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِاجْعَلْ وهو جَمْعُ فُؤادٍ وفَسَّرُوهُ عَلى ما في البَحْرِ وغَيْرِهِ بِالقَلْبِ لَكِنْ يُقالُ لَهُ فُؤادٌ إذا اعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنى التَّفَؤُّدِ أيِ التَّوَقُّدِ يُقالُ: فَأدْتُ اللَّحْمَ أيْ شَوَيْتُهُ ولَحْمٌ فَئِيدٌ أيْ مَشْوِيٌّ وقِيلَ: الأفْئِدَةُ هُنا القِطَعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ والمَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةُ تَهْوِي وأصْلُ الهَوى الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ وفي كَلامِ بَعْضِهِمُ السُّرْعَةُ وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ: .

حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ لَها طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ وإنَّما عُدِّيَ بِإلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَيْلِ كَما في قَوْلِهِ: .

تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجاسِها ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ كالمَبادِي لِإجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإعْطاءِ مَسْؤُولِهِ جاءَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿ فاجْعَلْ ﴾ إلى آخِرِهِ وقَرَأ هِشامٌ ( أفَئِيدَةً ) بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الحَلْوانِيُّ عَنْهُ وخَرَّجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ كَما في قَوْلِهِ: .

أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ قالُوا: إنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ فَعَبَّرَ عَنْها الرّاوِي بِالياءِ فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ بِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ كانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها فَهم أجَلُّ مِن أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ وقُرِئَ ( آفِدَةً ) عَلى وزْنِ ضارِبَةٍ وفِيهِ احْتِمالانِ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ قُدِّمَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ عَلى الفاءِ فاجْتَمَعَ هَمْزَتانِ ثانِيَتُهُما ساكِنَةٌ فَقُلِبَتْ ألِفًا فَوَزْنُهُ أعِفْلَةٌ كَما قِيلَ في أدْوُرٍ جَمْعَ دارٍ قُلِبَتْ فِيهِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً ثُمَّ قُدِّمَتْ وقُلِبَتْ ألِفًا فَصارَ آدَرَ وثانِيهِما أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَدَ يَأْفَدُ بِمَعْنى قَرُبَ ودَنا ويَكُونُ بِمَعْنى عَجِلَ وهو صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ جَماعَةٌ أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ وقُرِئَ ( أفِدَةً ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ وكَسْرِ الفاءِ بَعْدَها دالٌ وهو إمّا صِفَةٌ مِن أفِدَ بِوَزْنِ خَشِنَةٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى آفِدَةً في القِراءَةِ الأُخْرى أوِ أصْلُهُ أفْئِدَةٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى ما قَبْلَها ثُمَّ طُرِحَتْ وهو وجْهٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الصَّرْفِيِّينَ والقُرّاءِ.

قالَ الأوَّلُونَ: إذا تَحَرَّكَتِ الهَمْزَةُ بَعْدَ ساكِنٍ صَحِيحٍ تَبْقى أوْ تُنْقَلُ حَرَكَتُها إلى ما قَبْلَها وتُحْذَفُ ولا يَجُوزُ جَعْلُها بَيْنَ بَيْنَ لِما فِيهِ مِن شِبْهِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقالَ صاحِبُ النَّشْرِ مِنَ الآخِرِينَ: الهَمْزَةُ المُتَحَرِّكَةُ بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ ساكِنٍ كَمَسْؤُولٍ وأفْئِدَةٍ وقُرْآنٍ وظَمْآنٍ فِيها وجْهٌ واحِدٌ وهو النَّقْلُ وحُكِيَ فِيهِ وجْهٌ ثانٍ وهو بَيْنَ بَيْنَ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وكَذا قالَ غَيْرُهُ مِنهم فَما قِيلَ: إنَّ الوَجْهَ إخْراجُها بَيْنَ بَيْنَ لَيْسَ بِالوَجْهِ وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ ( أفْوِدَةً ) بِالواوِ المَكْسُورَةِ بَدَلَ الهَمْزَةِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفْدٍ والقِراءَةُ حَسَنَةٌ لَكِنِّي لاأعْرَفُ هَذِهِ المَرْأةَ بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ.

اهَـ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ أُبْدِلَ الهَمْزَةُ في فُؤادٍ ثُمَّ جُمِعَ وأُقِرَّتِ الواوُ في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ أوْ هو جَمْعُ وفْدٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وقُلِبَ إذِ الأصْلُ أوْفِدَةٌ وجَمْعُ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ ونَجْدٌ وأنْجِدَةٌ ووَهْيٌ وأوْهِيَةٌ وأُمُّ الهَيْثَمِ امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( إفادَةً ) عَلى وزْنِ إمارَةٍ ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ كَما قالُوا: أشاحٌ في وِشاحٍ فالوَزْنُ فِعالَةٌ أيْ فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أفادَ إفادَةً أيْ ذَوِي إفادَةٍ وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( تُهْوى ) بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرَعُ بِها إلَيْهِمْ وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِهِ ومُجاهِدٌ ( تَهْوى ) مُضارِعَ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ وعُدِّيَ بِإلى لِما تَقَدَّمَ ﴿ وارْزُقْهُمْ ﴾ أيْ ذُرِّيَّتِيَ الَّذِينَ أسْكَنْتُهم هُناكَ وجُوِّزَ أنْ يُرِيدَهم والَّذِينَ يَنْحازُونَ إلَيْهِمْ مِنَ النّاسِ وإنَّما لَمْ يَخُصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ الدُّعاءَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿ وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مِنَ آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ اكْتِفاءً عَلى ما قِيلَ بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ.

﴿ مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ مِن أنْواعِها بِأنْ تَجْعَلَ بِقُرْبِهِمْ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ أوْ تُجْبى إلَيْهِمْ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ وقَدْ حَصَلَ كِلا الأمْرَيْنِ حَتّى أنَّهُ يَجْتَمِعُ في مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ البَواكِيرُ والفَواكِهُ المُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ الطّائِفَ كانَتْ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ فَلَمّا دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ رَفَعَها اللَّهُ تَعالى ووَضَعَها حَيْثُ وضَعَها رِزْقًا لِلْحَرَمِ وفي رِوايَةٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْتَلَعَها فَجاءَ وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا ولِذا سُمِّيَتِ الطّائِفَ ثُمَّ وضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ مِن هَذا الدُّعاءِ نَقْلَ أرْضٍ مُنْبِتَةٍ مِن فِلَسْطِينَ أوْ قَرْيَةٍ مِن قُرى الشّامِ وإنَّما مَقْصُودُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرْزُقَهم سُبْحانَهُ مِنَ الثَّمَراتِ وهو لا يَتَوَقَّفُ عَلى النَّقْلِ فَلْيُنْظَرْ ما وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأنا لَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِن صِحَّتِهِ ولا أُنْكِرُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴿ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ .

(73) تِلْكَ النِّعْمَةَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وأداءِ سائِرِ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ تَحْصِيلَ مَنافِعِ الدُّنْيا إنَّما هي لِيُسْتَعانَ بِها عَلى أداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ ولا يَخْفى ما في دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والمُحافَظَةِ عَلى قَوانِينِ الضَّراعَةِ وعَرْضِ الحاجَةِ واسْتِنْزالِ الرَّحْمَةِ واسْتِجْلابِ الرَّأْفَةِ ولِذا مَنَّ عَلَيْهِ بِحُسْنِ القَبُولِ وإعْطاءِ المَسْؤُولِ ولا بِدْعَ في ذَلِكَ مِن خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً يعني: مكة آمناً من القتل والغارة.

ويقال: من الجذام والبرص وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ وذلك أن إبراهيم  لما فرغ من بناء البيت، سأل ربه أن يجعل هذا البلد آمناً، وخاف على بنيه لأنه رأى القوم يعبدون الأوثان.

فسأل ربه أن يجنبهم عبادة الأوثان فقال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ يقول: احفظني وبنيّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ يعني: لكي لا نعبد الأصنام، وفيه دليل أن المؤمن لا ينبغي له أن يأمن على إيمانه، وينبغي أن يكون متضرعاً إلى الله ليثبّته على الإيمان، كما سأله إبراهيم لنفسه ولبنيه الثبات على الإيمان.

وروي عن يحيى بن معاذ أنه كان يقول: إنّ جميع سروري بهذا الإسلام، وأخاف أن تنزعه مني، فما دام هذا الخوف معي رجوت أن لا تنزعه مني» .

ثم قال: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يقول: بهن ضلّ كثير من الناس، فكأن الأصنام سبب لضلالتهم.

فنسب الإضلال إليهن، وإن لم يكن منهن عمل في الحقيقة.

وقال بعضهم: كان الإضلال منهن، لأن الشياطين كانت تدخل أجواف الأصنام وتتكلم، فذلك الإضلال منهن.

ثم قال تعالى: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي يعني: من آمن بي فهو معي على ديني.

ويقال: فهو من أمتي وَمَنْ عَصانِي يعني: لم يطعني، ولم يوحدك فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إن تاب، وأن توفقه حتّى يسلم.

ثم قال تعالى: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي يعني: أنزلت بعض ذريتي، وهو إسماعيل بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ يعني: بأرض مكة، وذلك أن سارة كانت لها جارية يقال لها: هاجر، فوهبتها من إبراهيم، فولدت منه إسماعيل، فغارت سارة وناشدته أن يخرج بهما من أرض الشام، فأخرجهما إبراهيم  إلى أرض مكة ثم رجع إلى سارة فلما كبر إسماعيل، رجع إبراهيم إليه، وبنى معه البيت.

فذلك قوله: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي: بعض ذريتي، وهو إسماعيل، بأرض ليس فيها زرع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي حرم فيه القتال والاصطياد، وأن يدخل فيه أحد بغير إحرام، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: وفّقهم ليتموا الصلاة، وإنما ذكر الصلاة خاصة، لأن الصلاة أولى العبادات وأفضلها فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ يعني: تشتاق إليهم.

قال مجاهد: لو قال إبراهيم: فاجعل أفئدة الناس.

تهوى إليهم لزاحمتهم الروم وفارس، ولكنه قال: أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ وَارْزُقْهُمْ يعني: أطعمهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ يعني: لكي يشكروا فيما رزقتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الخِلاَلُ، وهي الظُّلْم والكُفْر، فإِن كانَتْ هذه الخِلاَلُ من جاحِدٍ، فهي بصفةٍ، / وإِن كانَتْ من عاص فهي بصفة أخرى.

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً تقدَّم تفسيره.

وقوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ: واجْنُبْنِي: معناه: امنعني، يقال:

جَنَبَهُ كَذَا، وأَجْنَبَهُ إِذا مَنَعَهُ من الأمْر وحَمَاهُ منْه.

ت: وكذا قال ص: و «اجنبني» : معناه: امنعني، أصله من الجَانِبِ، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: أي: اجعلني جانباً من عبادتها.

وقال الثعلبيُّ: وَاجْنُبْنِي، أي: بعّدني واجعلني منْها على جانِبٍ بعيدٍ.

انتهى، وهذه الألفاظ كلُّها متقاربة المعاني، وأراد إبراهيم عليه السلام بَنِيَّ صُلْبه، وأما باقي نَسْله، فمنهم مَنْ عبد الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إِفراطَ خَوْفه علَى نفسه ومَنْ حصل في رتبته، فكيف يَخَافُ أنْ يعبد صَنَماً، لكن هذه الآية ينبغي أنْ يُقْتَدَى بها في الخَوْفِ، وطَلَبِ حُسْنِ الخاتمة، والْأَصْنامَ: هي المنحوتةُ على خَلْقَة البَشَر، وما كان منحوتاً على غَيْرِ خلْقَة البَشَرِ، فهي أوثانٌ، قاله الطبريُّ عن مجاهد «١» ، ونسب إِلى الأصنام أنها أضَلَّتْ كثيراً من الناس تجوُّزاً، وحقيقةُ الإِضلال إِنما هي لمخترعها سبحانه، وقيل:

أراد ب الْأَصْنامَ هنا: الدنانيرُ والدَّرَاهم.

وقوله: وَمَنْ عَصانِي: ظاهره بالكُفْر لمعادلة قوله: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وإِذا كان ذلك كذلك، فقوله: فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: معناه: بتوبَتِكَ على الكَفَرَةِ حتى يؤمنوا لا أنَّه أراد أنَّ اللَّه يغفر لكَافِرٍ، وحمله على هذه العبارة ما كَانَ يأخذ نَفْسَهُ به من القَوْلِ الجميلِ، والنّطق الحسن، وجميل الأدب صلّى الله عليه وسلّم، قال قتادة: اسمعوا قول الخليل صلّى الله عليه وسلّم:

واللَّه ما كانُوا طَعَّانين ولا لَعَّانِينِ، وكذلك قول نبيّ الله عيسى عليه السلام:

وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «١» [المائدة: ١١٨] ، وأسند الطبريُّ «٢» عن عبد اللَّهِ بْن عمرو حديثا: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، تلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ثم دعا لأمته فبَشَّرَ فيهم «٣» ، وكان إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ يقول: مَنْ يأمن على نفْسه بَعْدَ خوف إِبراهيمَ الخليل على نفسه من عبادة الأصنام.

وقوله: ومِنْ ذُرِّيَّتِي: يريد: إِسماعيل عليه السلام، وذلك أَنَّ سارَّة لمَّا غارَتْ بهاجَرَ بَعْدَ أَنْ ولدَتْ إِسماعيل، تشوَّش قلبُ إِبراهيم مِنْهُما، فروي أنَّه رَكِبَ البُرَاقَ هو وهَاجَر، والطفلُ، فجاء في يَوْمٍ واحدٍ من الشامِ إِلى بَطْنِ مَكَّة، فتركَهُما هناك، ورَكِبَ منصرفاً من يومه ذلك، وكان ذلك كلُّه بوحْيٍ من اللَّه تعالى، فلمَّا ولى، دعا بمضمَّن هذه الآية، وأمَّا كيفيَّة بقاء هَاجَرَ، وما صَنَعَتْ، وسائرُ خَبَر إِسماعيل، ففي كتابِ البخاريِّ وغيره، وفي السير، ذُكِرَ ذلك كلُّه مستَوْعَباً.

ت: وفي «صحيح البخاري» من حديثه الطويل في قصَّة إِبراهِيمَ مع هَاجَرَ وولدِهَا، لما حَمَلَهُما إِلى مكَّة، قال: ولَيْسَ/ بمكَّة يَومَئِذٍ أَحَدٌ، وليس فيها ماءٌ، فوضعهما هنالِكَ، ووضَعَ عندهما جراباً فيه تمْر، وسقاءً فيه ماءٌ، ثم قَفَّى إِبراهيم منطلقاً، فتبعْتهُ أمُّ إِسماعيل، فقالَتْ: يا إِبراهيم، أيْنَ تَذْهَبُ، وتَتْرُكُنَا بهذا الوادِي الذي لَيْسَ فيهِ أَنِيسٌ، ولا شَيْء، فقالَتْ له ذلك مِرَاراً، وجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِليها، فقالَتْ لَهُ: آللَّه أمَرَكَ بهذا، قال: نعمْ، قالتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا، ثم رَجَعَتْ، فانطلق إِبراهيمُ حتى إِذا كان عند الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، استقبل بوجهه الْبَيْتَ، ثم دعا بهؤلاءِ الدعَواتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فقال: «رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، حتى بَلَغَ: يَشْكُرُونَ ...

» الحديثَ بطوله «٤» وفي طريق: «قالت: يا إبراهيم إِلى مَنْ تَتْرُكُنَا، قال: إِلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، قَالَتْ:

رَضِيتُ.

انتهى.

وفي هذا الحديثِ مِنَ الفوائِدِ لأرباب القلوبِ والمتوكِّلين وأهْلِ الثقة باللَّه سُبْحَانه ما يَطُولُ بنا سرْدُهَا، فإِليك استخراجها، ولما انقطعَتْ هاجَرُ وابنها إِلى اللَّه تعالى، آواهما اللَّه، وأنْبَعَ لهما ماءَ زَمْزَمَ المبارَكَ الذي جَعَله غذاءً، قال ابنُ العربي: وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» «٥» .

قال ابن العربيِّ: ولقد كُنْتُ مقيماً بمكَّة سنَةَ سَبْعٍ وثمانين وأربعمائة، وكنت أشرب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ في " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، قالَهُ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ.

والمَعْنى: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ، ولَمْ يَكُنْ فِيها حَرْثٌ ولا ماءٌ عِنْدَ ﴿ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ إنَّما سُمِّيَ مُحَرَّمًا، لِأنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِحْلالُ مُحَرَّماتِهِ والِاسْتِخْفافُ بِحَقِّهِ.

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ بَيْتٌ حِينَئِذٍ، إنَّما بَناهُ إبْراهِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ ؟

فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: عِنْدَ بَيْتِكَ الَّذِي كانَ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ أيّامَ الطُّوفانِ.

والثّالِثُ: عِنْدَ بَيْتِكَ الَّذِي قَدْ جَرى في سابِقِ عِلْمِكَ أنَّهُ يَحْدُثُ هاهُنا ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.

وكانَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ يَقُولُ: ظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ إنَّما كانَ بَعْدَ أنْ بُنِيَ البَيْتُ وصارَتْ مَكَّةُ بَلَدًا.

والمُفَسِّرُونَ عَلى خِلافِ ما قالَ.

ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ إبْراهِيمَ خَرَجَ مِنَ الشّامِ ومَعَهُ ابْنُهُ إسْماعِيلُ وأُمُّهُ هاجَرُ ومَعَهُ جِبْرِيلُ حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ وبِها ناسٌ يُقالُ لَهُمُ: العَمالِيقُ، خارِجًا مِن مَكَّةَ، والبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْراءُ، فَقالَ إبْراهِيمُ لِجِبْرِيلَ: أهاهُنا أُمِرْتُ أنْ أضَعَهُما ؟

قالَ: نَعَمْ؛ فَأنْزَلَهُما في مَكانٍ مِنَ الحِجْرِ، وأمَرَ هاجَرَ أنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي.

.

.

﴾ الآيَةُ.

وفَتَحَ أهْلُ الحِجازِ وأبُو عَمْرٍو ياءَ " إنِّيَ أسْكَنْتُ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ في مُتَعَلَّقِ هَذِهِ اللّامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ ﴾ فالمَعْنى: جَنِّبْهُمُ الأصْنامَ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: " أسْكَنْتُ " فالمَعْنى: أسْكَنْتُهم عِنْدَ بَيْتِكَ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، لِأنَّ البَيْتَ قِبْلَةُ الصَّلَواتِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ: قُلُوبُ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُلُوبِ بِالأفْئِدَةِ، لِقُرْبِ القَلْبِ مِنَ الفُؤادِ ومُجاوَرَتِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفُؤادَ غَداةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنْتَصِرْ وَقالَ آخَرُ: كَأنَّ فُؤادِي كُلَّما مَرَّ راكِبٌ ∗∗∗ جَناحُ غُرابٍ رامَ نَهْضًا إلى وِكْرِ وَقالَ آخَرُ: وإنَّ فُؤادًا قادَنِي لِصَبابَةٍ ∗∗∗ إلَيْكِ عَلى طُولِ الهَوى لَصَبُورُ يَعْنُونَ: بِالفُؤادِ: القَلْبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَحِنُّ إلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ.

وقالَ الفَرّاءُ: تُرِيدُهم، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ فُلانًا يَهْوِي نَحْوَكَ، أيْ: يُرِيدُكَ.

وقَرَأ بَعْضُهم: " تَهْوى إلَيْهِمْ " بِمَعْنى: تَهْواهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ .

أيْ: رَدِفَكم.

و " إلى " تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " تَهْوِي إلَيْهِمْ ": تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ.

وَفِي مَعْنى هَذا المَيْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَيْلُ إلى الحَجِّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ حُبُّ سُكْنى مَكَّةَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ قالَ: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، لَحَجَّهَ اليَهُودُ والنَّصارى، ولَكِنَّهُ قالَ: مِنَ النّاسِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ ﴾ ﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ الناسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِن الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِن الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، و"البَلَدُ": مَكَّةُ، و"آمِنًا" مَعْناهُ: فِيهِ أمْنٌ، فَوَصْفُهُ بِالأمْنِ تَجَوُّزًا، كَما قالَ: ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ  ﴾ ، وكَما قالَ الشاعِرُ: وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ و"اجْنُبْنِي" مَعْناهُ: وامْنَعْنِي، يُقالُ: جَنَبَهُ كَذا وجَنَّبَهُ وأجْنَبَهُ إذا مَنَعَهُ مِنَ الأمْرِ وحِماهُ مِنهُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والثَقَفِيُّ: "وَأجْنِبْنِي" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ النُونِ.

و"بَنِيَّ" أرادَ بَنِي صُلْبِهِ، ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ فِيهِمْ، وأمّا باقِي نَسْلِهِ فَقَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ، وهَذا الدُعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ، فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا؟

لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ.

و"الأصْنامُ" هي المَنحُوتَةُ عَلى خِلْقَةِ البَشَرِ، وما كانَ مَنحُوتًا عَلى غَيْرِ خِلْقَةِ البَشَرِ فَهي أوثانٌ، قالَهُ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، ونَسَبَ إلى الأصْنامِ أنَّها أضَلَّتْ كَثِيرًا مِنَ الناسِ تَجَوُّزًا إذْ كانَتْ عُرْضَةَ الإضْلالِ والأسْبابِ المَنصُوبَةِ لِلْغَيِّ، وعَلَيْها تَنْشَأُ الأعْمالُ، وحَقِيقَةُ الإضْلالِ إنَّما هي لِمُخْتَرِعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن عَصانِي ﴾ ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ وإذا كانَ ذَلِكَ، كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: بِتَوْبَتِكَ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يُؤْمِنُوا، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِكافِرٍ، ولَكِنْ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ  ، قالَ قَتادَةُ: اسْمَعُوا قَوْلَ الخَلِيلِ، واللهِ ما كانُوا طَعّانِينَ ولا لَعّانِينَ، وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللهِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  ﴾ ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ حَدِيثًا إلى النَبِيِّ  أنَّهُ تَلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ثُمَّ دَعا لِأُمَّتِهِ، فَبُشِّرَ فِيهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ يَقُولُ: مَن يَأْمَنُ عَلى نَفْسِهِ بَعْدَ خَوْفِ الخَلِيلِ عَلى نَفْسِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنْ سارَّةَ لَمّا غارَتْ بِهاجَرَ بَعْدَ أنْ ولَدَتْ إسْماعِيلَ تَعَذَّبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِما، فَرَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشامِ إلى بَطْنِ مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ تَعالى، فَلَمّا ولّى دَعا بِمُضَمَّنِ هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما صَنَعَتْ وسائِرُ خَبَرِ إسْماعِيلَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِيَرِ وغَيْرِهِ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ بِالشامِ.

و"الوادِي": ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ كانَ عَلِمَ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُهُما الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَظَرَ البَعِيدَ لِلْعاقِبَةِ فَقالَ: ﴿ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللهِ لَقالَ: "غَيْرِ ذِي ماءٍ" عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ البَيْتُ قَدْ كانَ قَدِيمًا عَلى ما رُوِيَ قَبْلَ الطُوفانِ، وكانَ عِلْمُهُ عِنْدَ إبْراهِيمَ، وإمّا أنْ يَكُونَ قالَها لَمّا كانَ قَدْ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ سَيَبْنِي هُنالِكَ بَيَّتًا لِلَّهِ تَعالى فَيَكُونُ مُحَرَّمًا، والمَعْنى: مُحَرَّمًا عَلى الجَبابِرَةِ وأنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ ويُسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وجَمْعُهُ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "لِيُقِيمُوا" يَدُلُّ عَلى أنَّ اللهَ قَدْ أعْلَمَهُ أنَّ ذَلِكَ الطِفْلَ سَيُعَقِّبُ هُنالِكَ ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيُقِيمُوا" هي لامُ "كَيْ"، هَذا هو الظاهِرُ فِيها، عَلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أسْكَنْتُ"، والنِداءُ اعْتِراضٌ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لامَ أمْرٍ، كَأنْ رَغِبَ إلى اللهِ أنْ يُوَفِّقَهم بِإقامَةِ الصَلاةِ، ثُمَّ ساقَ عِبارَةً مُلْزَمَةً لَهم إقامَةَ الصَلاةِ، وفي اللَفْظِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بَعْضُ تَجَوُّزٍ يَرْبُطُهُ المَعْنى ويُصْلِحُهُ.

و"الأفْئِدَةُ": القُلُوبُ، جَمْعُ فُؤادٍ.

سُمِّيَ بِذَلِكَ لِإنْفادِهِ، مَأْخُوذٌ مِن: فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ وهو مُسْتَوْقِدُ النارِ حَيْثُ يُشْوى اللَحْمُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "فاجْعَلْ أفْيِدَةً" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الناسِ ﴾ تَبْعِيضٌ، ومُرادُهُ: المُؤْمِنُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ: "أفْئِدَةَ الناسِ" لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسٌ والرُومُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَصارى".

و"تَهْوِي" مَعْناهُ: تَسِيرُ بِجِدٍّ وقَصْدٍ مُسْتَعْجَلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا رَمَيْتَ بِهِ الفِجاجَ رَأيْتَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يَهْوِي مَخارِمَها هُوِيَّ الأجْدَلِ ومِنهُ البَيْتُ المَرْوِيُّ: تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَأجَناسِها وقَرَأ سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: "تُهْوِي" بِضَمِّ التاءِ، مِن أهْوى، وهو الفِعْلُ المَذْكُورُ مُعَدّى بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُجاهِدٌ (تَهْوِي) بِفَتْحِ التاءِ والواوِ، ويُعَدّى هَذا الفِعْلَ -وَهُوَ مِنَ الهَوى- بِـ "إلى"، لِما كانَ مُقْتَرِنًا بِسَيْرٍ وقَصْدٍ، ورُوِيَ عن مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدِ الطائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُرْزَقَ سُكّانُ مَكَّةَ مِنَ الثَمَراتِ بَعَثَ اللهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ -مِنَ الأُرْدُنَ - فَجاءَ بِها وطافَ حَوْلَ البَيْتِ بِها سَبْعًا، ووَضْعَها قُرَيْبَ مَكَّةَ، فَهي الطائِفُ، وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ، وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ إني أسكنت من ذريتي ﴾ مستأنفة لابتداء دعاء آخر.

وافتتحت بالنداء لزيادة التضرع.

وفي كون النداء تأكيداً لنداء سابق ضرب من الربط بين الجمل المفتتحة بالنداء ربط المثل بمثله.

وأضيف الرب هنا إلى ضمير الجمع خلافاً لسابقيه لأن الدعاء الذي افتتح به فيه حظ للداعي ولأبنائه.

ولعل إسماعيل عليه السلام حاضر معه حين الدعاء كما تدل له الآية الأخرى ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ﴾ إلى قوله ﴿ واجعلنا مسلمين لك ﴾ [سورة البقرة: 127].

وذلك من معنى الشكر المسؤول هنا.

ومِن } في قوله: ﴿ من ذريتي ﴾ بمعنى بعض، يعني إسماعيل عليه السلام، وهو بعض ذريته، فكأن هذا الدعاء صدر من إبراهيم عليه السلام بعد زمان من بناء الكعبة وتقري مكة، كما دل عليه قوله في دعائه هذا ﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ [سورة إبراهيم: 39]، فذكر إسحاق عليه السلام.

والواد: الأرض بين الجبال، وهو وادي مكة.

وغير ذي زرع } صفة، أي بواد لا يصلح للنبت لأنه حجارة، فإن كلمة ﴿ ذُو ﴾ تدلّ على صَاحببِ ما أضيفت إليه وتمكنه منه، فإذا قيل: ذو مال، فالمال ثابت له، وإذا أريد ضد ذلك قيل غير ذي كذا، كقوله تعالى: ﴿ قرآناً عربياً غير ذي عوج ﴾ [سورة الزمر: 28]، أي لا يعتريه شيء من العوج.

ولأجل هذا الاستعمال لم يقل بواد لا يزرع أولا زرع به.

وعند بيتك} صفة ثانية لوادٍ أو حال.

والمحرم: الممنع من تناول الأيدي إياه بما يفسده أو يضر أهله بما جعل الله له في نفوس الأمم من التوقير والتعظيم، وبما شاهدوه من هلكة من يريد فيه بإلحاد بظلم.

وما أصحاب الفيل منهم ببعيد.

وعلق ﴿ ليقيموا ﴾ ب ﴿ أسكنت ﴾ ، أي علة الإسكان بذلك الوادي عند ذلك البيت أن لا يشغلهم عن إقامة الصلاة في ذلك البيت شاغل فيكون البيت معموراً أبداً.

وتوسيط النداء للاهتمام بمقدمة الدعاء زيادة في الضراعة.

وتهيّأ بذلك أن يفرع عليه الدعاء لهم بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، لأن همة الصالحين في إقامة الدين.

والأفئدة: جمع فؤاد، وهو القلب.

والمراد به هنا النفس والعقل.

والمراد فاجعل أناساً يهوون إليهم.

فأقحم لفظ الأفئدة لإرادة أن يكون مسير الناس إليهم عن شوق ومحبة حتى كأن المسرع هو الفؤاد لا الجسد فلما ذكر ﴿ أفئدة ﴾ لهذه النكتة حسن بيانه بأنهم ﴿ من الناس ﴾ ، ف ﴿ من ﴾ بيانية لا تبعيضية، إذ لا طائل تحته.

والمعنى: فاجعل أناساً يقصدونهم بحبات قلوبهم.

وتهوي مضارع هوَى بفتح الواو: سقط.

وأطلق هنا على الإسراع في المشي استعارة، كقول امرئ القيس: كجلمود صخْرٍ حَطّه السيلُ من عل *** ولذلك عدّي باللام دون على.

والإسراع: جُعل كناية عن المحبة والشوق إلى زيارتهم.

والمقصود من هذا الدعاء تأنيس مكانهم بتردد الزائرين وقضاء حوائجهم منهم.

والتنكير مطلقٌ يحمل على المتعارف في عمران المدن والأسواق بالواردين، فلذلك لم يقيده في الدعاء بما يدل على الكثرة اكتفاء بما هو معروف.

ومحبة الناس إياهم يحصل معها محبة البلد وتكرير زيارته، وذلك سبب لاستئناسهم به ورغبتهم في إقامة شعائره، فيؤول إلى الدعوة إلى الدين.

ورجاء شكرهم داخل في الدعاء لأنه جُعل تكملة له تعرضاً للإجابة وزيادة في الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين.

والمقصود: توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ هَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وَقَوْلُهُ ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ.

﴿ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ أسْكَنَها في بَطْحائِها، ولَمْ يَكُنْ بِها ساكِنٌ، ثِقَةً بِاللَّهِ وتَوَكُّلًا عَلَيْهِ.

﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَةُ الصَّلَواتِ فَلِذَلِكَ أسْكَنَهم عِنْدَهُ.

وَأضافَ البَيْتَ إلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُحَرَّمٌ لِأنَّهُ يُحَرَّمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ مِن جِماعٍ واسْتِحْلالٍ.

﴿ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ سَألَ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ أنْ يَهْدِيَهم إلى إقامَةِ الصَّلاةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذِكْرُ سَبَبِ تَرْكِهِمْ فِيهِ أنْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ.

﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ في ﴿ أفْئِدَةً ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأفْئِدَةَ جَمْعُ فُؤادٍ وهي القُلُوبُ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ القَلْبِ بِالفُؤادِ، قالَ الشّاعِرُ: وإنَّ فُؤادًا قادَنِي بِصَبابَةٍ إلَيْكِ عَلى طُولِ الهَوى لَصَبُورُ الثّانِي: أنَّ الأفْئِدَةَ جَمْعُ وفْدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: فاجْعَلْ وُفُودًا مِنَ الأُمَمِ تَهْوِي إلَيْهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى تَحِنُّ إلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى تَنْزِلُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَكَّةَ في وادٍ والقاصِدُ إلَيْها نازِلٌ إلَيْها.

الثّالِثُ: تَرْتَفِعُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما في القُلُوبِ بِخُرُوجِهِ مِنها كالمُرْتَفِعِ عَنْها.

الرّابِعُ: تَهْواهم.

وَقَدْ قُرِئَ تَهْوى.

وَفي مَسْألَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَهْوَوُا السُّكْنى بِمَكَّةَ فَيَصِيرُ بَلَدًا مُحَرَّمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِيَنْزِعُوا إلى مَكَّةَ فَيَحُجُّوا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْلا أنَّهُ قالَ مِنَ النّاسِ لَحَجَّهُ اليَهُودُ والنَّصارى وفارِسُ والرُّومُ.

﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ ثَمَراتِ القُلُوبِ بِأنْ تُحَبِّبَهم إلى قُلُوبِ النّاسِ فَيَزُورُوهم.

الثّانِي: ومِنَ الظّاهِرِ مِن ثَمَراتِ النَّخْلِ والأشْجارِ، فَأجابَهُ بِما في الطّائِفِ مِنَ الثِّمارِ، وما يُجْلَبُ إلَيْهِمْ مِنَ الأمْصارِ.

﴿ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ يَشْكُرُوكَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وفي اسْتِغْفارِهِ لِوالِدَيْهِ مَعَ شِرْكِهِما ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: كانا حَيَّيْنِ فَطَمِعَ في إيمانِهِما.

فَدَعا لَهُما بِالِاسْتِغْفارِ، فَلَمّا ماتا عَلى الكُفْرِ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُما.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ ولَدَيْهِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ.

وَكانَ إبْراهِيمُ يَقْرَأُ: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ﴾ يَعْنِي ابْنَيْهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الواقدي وابن عساكر من طريق عامر بن سعد، عن أبيه قال: كانت سارة عليها السلام تحت إبراهيم عليه السلام، فمكثت معه دهراً لا ترزق منه ولداً، فلما رأت ذلك وهبت له هاجر، أمة لها قبطية.

فولدت له إسماعيل عليه السلام، فغارت من ذلك سارة رضي الله عنها فوجدت في نفسها وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أشراف، فقال لها إبراهيم عليه السلام: هل لك أن تبري يمينك؟

فقالت: كيف أصنع؟

قال: اثقبي أذنيها واخفضيها، والخفض هو الختان.

ففعلت ذلك بها، فوضعت هاجر رضي الله عنها في أذنيها قرطين، فازدادت بهما حسناً.

فقالت سارة رضي الله عنها: أراني إنما زدتها جمالاً، فلم تقاره على كونه معها وَوَجَدَ بها إبراهيم عليه السلام وجداً شديداً فنقلها إلى مكة، فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ﴾ قال: اسكن إسماعيل وأمه مكة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ لو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، لغلبتكم عليه الترك والروم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ قال: لو قال أفئدة الناس تهوي إليهم، لازدحمت عليه فارس والروم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحكم قال: سألت عكرمة وطاوساً وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية فقالوا: البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه.

وفي لفظ قالوا: هواهم إلى مكة أن يحجوا.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ قال: تنزع إليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم الطائفي؛ أن إبراهيم عليه السلام لما دعا للحرم وارزق أهله من الثمرات، نقل الله الطائف من فلسطين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري رضي الله عنه قال: إن الله تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف، لدعوة إبراهيم عليه السلام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ قال: مكة.

لم يكن بها زرع يومئذ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ﴾ وأنه بيت طهره الله من السوء وجعله قبلة وجعله حرمه، اختاره نبي الله إبراهيم عليه السلام لولده.

وقد ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبته: إن هذا البيت أول من وليه، ناس من [طسم] فعصوا فيه واستخفوا بحقه واستحلوا حرمته، فأهلكهم الله.

ثم وليه من جرهم فعصوا فيه واستخفوا بحقه واستحلوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم وليتموه معاشر قريش...

فلا تعصوا ولا تستخفوا بحقه ولا تستحلوا حرمته، وصلاة فيه أفضل من مائة صلاة بغيره، والمعاصي فيه على قدر ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ قال: إن إبراهيم سأل الله أن يجعل أناساً من الناس يهوون سكنى مكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ يقول: خذ بقلوب الناس إليهم، فإنه حيث يهوي القلب يذهب الجسد، فلذلك ليس من مؤمن إلا وقلبه معلق بحب الكعبة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن إبراهيم عليه السلام حين دعا قال: اجعل افئدة الناس تهوي إليهم، لازدحمت عليه اليهود والنصارى.

ولكنه خص حين قال: ﴿ أفئدة من الناس ﴾ فجعل ذلك أفئدة المؤمنين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب بسند حسن، عن ابن عباس قال: لو كان إبراهيم عليه السلام قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، لحجه اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال: ﴿ أفئدة من الناس ﴾ فخص به المؤمنين.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: «اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم، واجعل أفئدة الناس تهوي إليهم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ قال الفراء: ولم يأت منهم بشىء (١) ﴿ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ ﴾ (٢) (٣) تَبَسَّمْن عن نَوْرِ الأقَاحيِّ في الضُّحَى ...

وفَتَّرْنَ من أبْصَارِ مضْرُوجةٍ نُجْلِ (٤) ﴿ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ يريد: إسماعيل (٥) ﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ قال: يريد وادي مكة، ومكة كلها واد، والكلام في الوادي قد ذكرنا عند قوله: ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ  ﴾ والقول الأول: اختيار أبي علي، قال: معناه إني أسكنت من ذريتي ناسًا، فحذف المفعول لدلالة الإسكان عليه (٦) وقوله تعالى: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾ قيل معناه: عند بيتك المحرم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حتى رفعته أيام الطوفان؛ لأن إسكان الخليلِ إسماعيلَ مكة كان قبل بنائهما البيت، وقيل: عند بيتك المحرم الذي قد مضى في سابق علمك أنه يحدث في هذا الوادي (٧) وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ قال ابن عباس: يريد ليعبدوك (٨) ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ ، أبو عبيد عن الأصمعي قال: هَوَى يَهْوِي هُوِيًّا، إذا سقط من عُلو إلى سفْل (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ تَهْوِي إِلَيْهِم ﴾ تريدهم؛ كما تقول: رأيت فلانًا يَهْوِي نحوك (١٣) (١٤) (١٥) فأما قول المفسرين؛ فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد تحِنّ (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ﴿ تَهْوِي إِلَيْهِم ﴾ : تنزع إليهم (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ﴾ فهم المسلمون (٢٤) ﴿ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ﴾ : يريد من المؤمنين من ذريته ومن غير ذريته.

وقوله تعالى: ﴿ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ ذكرنا تفسيره في سورة البقرة عند قوله: ﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ قال: يريد كي يوحدوك ويعظموك.

(١) في (أ)، (د): (شيء) بدون الباء، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو موافق للمصدر.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 78 بنصه.

(٣) لم أقف على مصدره، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 330 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 366، و"تفسير الشوكاني" 3/ 112، و"صديق خان" 7/ 124.

(٤) رواية الديوان كما في "شرح ديوان ذي الرمة" 1/ 466: وتَبْسِمُ عن نَوْرِ الأقاحيِّ أقْفَرَتْ ...

بوَعساءِ مَعْروفٍ تُغامُ وتُطْلَقُ وليس في رواية الديوان شاهد، والشاهد في رواية المؤلف: (من) والتأويل: وفترن أبصار، بإسقاط (من) لأنها جاءت للتوكيد.

وورد البيت في مادة (ضرج) في "تهذيب اللغة" 3/ 2107، و"اللسان" 5/ 2571، و"التاج" 3/ 422، وفي هذه المصادر اختلافان عن ما ذكره الواحدي هما: (الثرى) بدل (الضحى)، و (عن) بدل (من).

وورد البيت في "الأساس" 2/ 46، باختلافين أيضاً (غُرّ) بدل (نَوْر)، و (الثرى) بدل (الضحى)، (النَّور) الزَّهرُ، (الأقاحيِّ) نبتٌ طيبُ الريح، زهره أبيضُ حَسَنٌ، فشبّه بياض أسنانها به، (مَضْروجة): الضَّرْج: الشَّق، قال أَبو عبيد: عينٌ مضْروجة: أي واسعةُ الشَّقِّ نجْلاء، والنْجلُ: سعة العين مع حُسْن.

انظر (ضرج) في "تهذيب اللغة" 3/ 2107، و"اللسان" 5/ 2570، و"التاج" 3/ 421، و"المحيط في اللغة" (نجل) 7/ 108.

(٥) أخرجه الطبري 13/ 230، من طريق سعيد بن جبير صحيحة، مع زيادة وأُمّه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 47.

(٦) لم أقف على مصدره.

وهو قول الفراء.

(٧) ورد بنصه في "تفسير الطبري" 13/ 233، والثعلبي 7/ 157 أ، انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 253، وابن الجوزي 4/ 366، والخازن 3/ 83.

(٨) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 332، بلفظه.

(٩) ورد في "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813 بنصه، و"الصحاح" (هوى) 6/ 2538 بنصه تقريباً.

(١٠) طير معروف، وهو من العِتاق؛ أي الجوارح، ويقع العُقاب على الذكر والأنثى.

انظر: "اللسان" (عقب) 5/ 3028.

(١١) (أ)، (د): (نفضت) من غير ألف وبالفاء، والمثبت من (ش)، (ع).

(١٢) ورد في "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813 بنصه تقريبًا.

(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 78 بنصه.

(١٤) هذا معنى الآية لا معنى القول، وهو قول ابن الأنباري كما في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 368، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 137، والخازن 3/ 83.

(١٥) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 137 بنصه.

(١٦) في (د): (نحو).

(١٧) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 367، و"الخازن" 3/ 83، وورد بلا نسبة في "تفسير الماوردي" 3/ 138، و"تفسير القرطبي" 9/ 373.

(١٨) في (د): (مكان).

(١٩) هكذا في جميع النسخ، وفي "تفسير الخازن" 3/ 83 (بأنهم ينتفعون)، وقد نقل المقطع من الواحدي، ويستقيم المعنى بالعبارتين، فعلى عبارة المخطوط (يرتفقون) مأخوذة من الرفق، بمعنى أن القلوب تحن إليهم بسبب ارتفاقهم بالزوَّار والحجاج لبيت الله العتيق، وعلى عبارة الخازن (ينتفعون) من الانتفاع؛ فهم ينتفعون ممن يقدم مكة حاجًّا أو زائراً.

(٢٠) انظر: "تفسير الخازن" 3/ 83، نقله بتصرف بزيادة وحذف، من بداية قول الأصمعي دون نسبتة للواحدي.

(٢١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 343 بنصه، والطبري 13/ 234 بنصه من طرق، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 161، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 165 بنصه.

(٢٣) أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 430، والطبري 13/ 234 من طرق، وليس فيهما ذكر الترك والهند، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 209 مثلهما، والثعلبي 7/ 158 أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 357، و"تفسير القرطبي" 9/ 373، و"الخازن" 3/ 83، كلهم بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 161، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(٢٤) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 209 دون ذكر المجوس، والثعلبي 7/ 158 أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 357 بنصه، و"الفخر الرازي" 19/ 137 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ا أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ يعني ابنه إسماعيل عليه السلام، لما ولدته أمه هاجر غارت منها سارة زوجة إبراهيم فحمله مع أمه من الشام إلى مكة ﴿ بِوَادٍ ﴾ يعني مكة، والوادي ما بين جبلين وإن لم يكن فيه ماء ﴿ عِندَ بَيْتِكَ المحرم ﴾ يعني الكعبة، فإما أن يكون البيت أقدم من إبراهيم على ما جاء في بعض الروايات، وإما أن يكون إبراهيم قد علم أنه سيبني هناك بيتاً ﴿ لِيُقِيمُواْ الصلاوة ﴾ اللام يحتمل أن تكون لام الأمر بمعنى الدعاء، أو لام كي وتتعلق بأسكنت وجمع الضمير يدل على أنه كان علم أنه ابنه يعقب هناك نسلا و ﴿ تهوى إِلَيْهِمْ ﴾ أي تسير بجد وإسراع، ولهذه الدعوة حبب الله حج البيت إلى الناس، على أنه قال من الناس بالتبعيض، قال بعضهم: لو قال أفئدة الناس لحجته فارس والروم ﴿ وارزقهم مِّنَ الثمرات ﴾ أي ارزقهم في ذلك الوادي مع أنه غير ذي زرع، وأجاب الله دعوته فجعل مكة يُجبى إليها ثمراتَ كل شيء ﴿ وَمَا يخفى عَلَى الله ﴾ الآية: يحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو حكاية عن إبراهيم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إني أسكنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ومن عصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ دعائي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب.

وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل.

والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين.

﴿ نؤخرهم ﴾ بالنون: عباس والمفضل في رواية أبي زيد.

الآخرون بالياء.

﴿ لتزول ﴾ بفتح الأول ورفع الآخر: عليّ.

الباقون بكسر الأول ونصب الآخر.

﴿ القهار ﴾ مثل ﴿ البوار ﴾ ﴿ قطر ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء والراء مكسورة منونة.

﴿ آن ﴾ على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على قراءته ﴿ آني ﴾ بالياء.

الوقوف: ﴿ الأصنام ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ج ﴿ مني ﴾ ج فصلاً بين النقيضين مع اتحاد الكلام ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المحرم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ليقيموا ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ أسكنت ﴾ وكلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ما نعلن ﴾ ط ﴿ ولا في السماء ﴾ ه لا ﴿ وإسحاق ﴾ ط ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ ومن ذريتي ﴾ ز قد قيل: {والوصل أولى للعطف ﴿ وربنا ﴾ تكرار ﴿ دعاء ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ط ﴿ الأبصار ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ طرفهم ﴾ ج لاحتمال أن قوله: ﴿ وأفئدتهم ﴾ يكون من صفات أهل المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا ﴿ هواء ﴾ ه ط ﴿ قريب ﴾ لا لأن قوله: ﴿ نجب ﴾ جواب ﴿ أخرنا ﴾ ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ زوال ﴾ ه لا للعطف على ﴿ أقسمتم ﴾ ﴿ الأمثال ﴾ ه ﴿ وعند الله مكرهم ﴾ ط ﴿ الجبال ﴾ ه ﴿ رسله ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ في الأصفاد ﴾ ه ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين ﴿ النار ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ ما كسبت ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه.

التفسير: إن قصة إبراهيم  يحتمل أن تكون مثالاً للكلمة الطيبة وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكار لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديداً لبعض نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما بين العالمين كما قال: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً  ﴾ .

وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله  نبينا  .

حكى الله  عنه طلب أمور منها: قوله: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمناً ﴾ وقد مر في "البقرة" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك.

ولا ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، وللوحوش هناك استئناس ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.

وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟

فقال: الأمن دليله أن شاء لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناول شيئاً إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد.

ومنها قوله: ﴿ واجنبني ونبيّ أن نعبد الأصنام ﴾ قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد.

وأهل نجد: جنبني وأجنبني.

وفائدة الطلب - والاجتناب حاصل - التثبت والإدامة ولا أقل من هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي.

أما قوله: ﴿ وبني ﴾ فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنماً ببركة دعائه.

وقيل: أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته.

وقال مجاهد وابن عيينة: لم يبعد أحد من ولد إبراهيم صنماً وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب الأوثان يعني أحجاراً مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت.

وضعف هذا الجواب بأنه إذا عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه  وصف آلهتهم بما ينبىء عن كونهم مصورين كقوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم  ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون  ﴾ .

وقيل: إن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ﴾ أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس من أهله كقوله لابن نوح ﴿ إنه ليس من أهلك  ﴾ وقيل: إنه وإن عمم الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: ﴿ ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ .

قالت الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله  لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف.

أما قوله: ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً ﴾ فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم "فتنتهم الدنيا وغرتهم" أي صارت سبباً للفتنة والاغترار بها ﴿ فمن تبعني ﴾ بقي على الملة الحنيفة ﴿ فإنه مني ﴾ أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي ﴿ ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب.

وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك.

وقيل: المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام.

وقيل: أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم  ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى.

ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال: ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي ﴾ أي بعضهم ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله: { ﴿ قرآناً عربياً غير ذي عوج  ﴾ أي لا اعوجاج فيه أصلاً ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان.

وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم  بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك.

وفي قوله: ﴿ عند بيتك الحرام ﴾ دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما.

ومعنى كون البيت محرماً أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لأجل حرمته، وأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب.

وقيل: سمي محرماً لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف.

﴿ فاجعل أفئدة من الناس ﴾ "من" للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس.

قال مجاهد.

لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند.

وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجة اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين.

وجوز في الكشاف أن يكون "من" للابتداء كقولك "القلب مني سقيم".

وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس.

ومعنى ﴿ تهوي ﴾ تسرع ﴿ إليهم ﴾ وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً.

وقيل: تنحط وتنحدر.

الأصمعي: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليه للتجارة، وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: ﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حراماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء.

وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ لعلهم يشركون ﴾ ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة والوظائف الشرعية.

ثم أثنى على الله  تمهيداً لدعوة أخرى وتعريضاً ببقية الحاجات فقال: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ﴾ على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة إلى العالم بالذات سيان.

وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟

قال: إلى الله أكلكم.

قال المفسررون: ﴿ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم.و"من" للاستغراق أي لا يخفى على الذين يستحق العبادة لذاته شيء ما في أيّ مكان يفرض.

﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ﴾ أي مع كبر السن وفي حال الشيخوخة ﴿ إسماعيل وإسحاق ﴾ ذكر أوّلاً كونه  عالماً بالضمائر والسرائر، ثم حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله  أن يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن ربي لسيمع الدعاء ﴾ وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله  ، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إن ربي لسميع الدعاء ﴾ رمزاً إلى ما كان قد دعا ربه وسأله الولد بقوله: ﴿ رب هب لي من الصالحين  ﴾ روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة.

وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين.

وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة.

ثم ختم الأدعية بقوله: ﴿ رب اجعلني مقيم الصلاة ﴾ أي مديمها ﴿ ومن ذريتي ﴾ أي واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام والله  أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله  ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ ﴿ ربنا وتقبل دعائي ﴾ عن ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم وحسنات الأبرار سيئات المقربين.أما قوله: ﴿ ولوالدي ﴾ فاعترض عليه بأنه كيف استغفر لأبويه وهما كافران؟

وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله  : ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطاً بإسلام أبيه لكان استغفاراً صحيحاً فلم يحتج إلى الاستثناء.

وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم "قامت الحرب على ساقها" أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو المضاف محذوف مثل ﴿ واسأل القرية  ﴾ .

ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن دعاء إبراهيم  قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً ﴾ إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن كان للنبي  فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله إلا عالماً بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير.

وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.

قالت: لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلاً عن الظلم أو عاجزاً عن الانتقام أو راضياً بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ أي أبصارهم كقوله: ﴿ واشتعل الرأس  ﴾ شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين قاله أبو عبيدة.

والغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله  أن حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك البلاء.

وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع.

وقيل: هو الساكت ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ رافعيها وهذا أيضاً بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه لكيلا يراه ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ الطرف تحريك الأجفان على الوجه الذي خلق وجبل عليه.

وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم.

والمراد دوام الشخوص المذكور.

وقيل: أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ والهواء الخلاء الذي يشغله الأجرام.

وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضاً قلبه هواء.

والمعنى.

أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخوطر والأفكار لعظم ما نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب.

والأظهر أن هذه الحالة لهم عند المحاسبة لتقدم قوله: ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ وقيل: هي عندما يتميز السعداء من الأشقياء.

وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور.

وعن ابن جريج: أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه.

قال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ مفعول ثان لأنذروا اليوم يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو للمعلوم وهو عذاب النار.

ومعنى ﴿ أخرنا ﴾ أمهلنا ﴿ إلى ﴾ أمد وحد من الزمان ﴿ قريب ﴾ أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكراتولقاء الملائكة بلا بشرى ﴿ أو لم تكونوا ﴾ على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك.

وأقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً، وإما بلسان المقال أشراً وبطراً وجهلاً وسفهاً.

و ﴿ ما لكم من زوال ﴾ جواب القسم.

ولو قيل "ما لنا من زوال" على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية.

والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى هي دار الجزاء كقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت  ﴾ .

ثم زادهم توبيخاً بقوله: ﴿ وسكنتم ﴾ استقررتم ﴿ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ﴿ وتبين لكم ﴾ بالأخبار والمشاهدة والبيان والعيان ﴿ كيف فعلنا بهم ﴾ من أصناف العقوبات ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.

وقال غير: المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل.

ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: ﴿ وقد مكروا مكرهم ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.

وقيل: الضمير عائد إلى قوم محمد  كما قال: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك  ﴾ وقيل: أراد ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربع نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت.

فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصيّ التي عليها اللحوم فهبطت النسور إلى الأرض.

وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا الخطر.

﴿ وعند الله مكرهم ﴾ إن كان مضافاً إلى الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن كان مضافاً إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون.

أما قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول ﴾ من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معداً لذلك.

وثانيهما أن تكون "إن" نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر.

ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى كما مر.

ثم إنه  أكد كونه مجازياً لأهل المكر على مكرهم بقوله: ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ قال جار الله: قدم المفعول الثاني - وهو الوعد - على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق.

ثم قال: ﴿ رسله ﴾ تنبيهاً على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته.

والمراد بالوعد قوله: ﴿ إنا لننصر رسلنا  ﴾ ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ونحوهما من اللآيات.

قوله: ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ قد مر في أول "آل عمران" ﴿ يوم تبدل الأرض ﴾ قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من ﴿ يوم يأتيهم ﴾ أو على الظرف للانتقام.

والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف.

ومعنى قوله: ﴿ والسموات ﴾ أي وتبدل السموات قال أهل اللغة: التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك "بدلت الدراهم دنانير" وفي الأوصاف كقولك "بدلت الحلقة خاتماً" إذا أذبتها وسوّيتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل.

وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً.

وعن أبي هريرة أن النبي  قال: "يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً" وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها.

نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم.

وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة.

وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف.

وقيل: لا يبعد أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة.

﴿ وبرزوا لله ﴾ قد ذكرناه في أول السورة.

وتخصيص ﴿ الواحد القهار ﴾ بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه.

ومن نتائج قهره قوله: ﴿ وترى المجرمين يومئذ مقرنين ﴾ قرن بعضهم مع بعض لأن الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم.

قالت الحكماء: هي الملكات الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان.

وقوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ أي القيود إما أن يتعلق بمقرنين وإما أن يكون وصفاً مستقلاً أي مقرنين مصفدين.

وقيل: الأصفاد الأغلال.

والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.

وحظ العقل فيه أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء.

﴿ سرابيلهم ﴾ جمع سربال وهو القميص ﴿ من قطران ﴾ هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدّته، وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر آثار الملكات الردية فيه.

ومن قرأ ﴿ من قطرآن ﴾ فالقطر النحاس والصفر المذاب والآني المتناهي حره.

قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به عن الكل.

قوله: ﴿ ليجزي ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿ تغشى ﴾ أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي ﴿ الله كل نفس ما كسبت ﴾ قال الواحدي: أراد نفوس الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم.

ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة لأنه  إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.

ثم أشار إلى القرآن إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: ﴿ ولا تحبسن الله غافلاً ﴾ إلى ههنا فقال ﴿ هذا بلاغ ﴾ كفاية ﴿ للناس ﴾ في التذكير والموعظة لينصحوا ﴿ ولينذروا به ﴾ بهذا البلاغ.

ثم رمز إلى استكمال القوّة النظرية بقوله: ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ وإلى استكمال القوة العملية بقوله: ﴿ وليذكر أولوا الألباب ﴾ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس بحسب القوتين والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ الروح ﴿ رب اجعل ﴾ بلد القلب ﴿ آمناً ﴾ من وسوسة الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى ﴿ واجنبني وبني ﴾ هم الفؤاد والسر والخفى ﴿ أن نعبد الأصنام ﴾ وهو كل ما سوى الله.

فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفى الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات ﴿ ومن عصاني فإنك غفور ﴾ فيه نكتتان: إحداهما لم يقل "ومن عصاك" إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة، والثانية لم يقل "فأنا أغفره وأرحم عليه" لأن عالم الطبيعة البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق ﴿ أسكنت من ذريتي ﴾ هم صفات الروح والعقل والسر والخفى ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ وهو وادي النفس ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتاً لغير الله "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن".

وفيه أنه توسل في أجابة الدعاء بمحمد  وكأنه قال: إن ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمداً.

وفي قوله: ﴿ ليقيموا الصلاة ﴾ إشارة إلى أنه لو لا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق ﴿ فاجعل أفئدة ﴾ الصفات الناسوتية ﴿ تهوي ﴾ إلى الصفات الروحانية ﴿ وارزقهم من ﴾ ثمرات الصفات اللاهوتية ﴿ لعلهم يشكرون ﴾ هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إنشاؤه ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي ﴾ من حقائق الدعاء ﴿ وما نعلن ﴾ من ظاهر القصة ﴿ وما يخفى على الله من شيء ﴾ في أرض المعاملات الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب ﴿ على الكبر ﴾ أي بعد تعلق الروح بالقالب ﴿ إسماعيل ﴾ السر ﴿ وإسحق ﴾ الخفي ﴿ مقيم الصلاة ﴾ دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ استرني وامنحني بصفة معرفتك ﴿ ولوالدي ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ونقصانها لأكون في حساب الكاملين لا في حساب الناقصين.

﴿ ولا تحسبن ﴾ أي لم يكن ﴿ الله غافلاً ﴾ في الأزل بل الكل بقضائه وقدره ﴿ وإنما يؤخرهم ﴾ ليبلغوا إلى ما قدر لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة والشقاوة إلى منازلهم ﴿ ما لكم من زوال ﴾ فيه من إبطال مذهب التناسخية.

زعموا أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ﴾ تعلقتم بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة ﴿ وعند الله ﴾ مقدار ﴿ مكرهم وإن كان مكرهم ﴾ بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك شعرة إلا بإذن الله بقضائه ﴿ يوم تبدل ﴾ أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عن إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وحينئذ ﴿ برزوا لله الواحد القهار ﴾ فإن شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية.

﴿ وترى المجرمين ﴾ يوم التجلي ﴿ مقرنين ﴾ في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله.

﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله ﴿ وتغشى وجوههم ﴾ نار الحسرة والقطيعة ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ الذين نسوا عالم الوحدة ﴿ وليذروا به ﴾ قبل المفارقة فإن الانتباه بالموت لا ينفع ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ فيعبدوه ولا يتخذوا إلهاً غيره من الدنيا والهوى والشيطان ﴿ وليتذكر أولوا الألباب ﴾ عالم الشهود فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً ﴾ .

أي: مأمناً، سمي آمنا، لما يأمن الخلق فيه؛ كما سمي النهار مبصراً، والنهار لا يبصر ولكن يبصر فيه، ومثله كثير.

ثم يحتمل قوله: ﴿ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً ﴾ قال بعض أهل التأويل: إنما طلب إبراهيم أن يجعله آمناً على أهله وولده خاصة، لا على الناس كافة؛ إذ قد سفك فيه الدماء، وهتك فيه الحرم؛ دل أنه جعله آمنا على أهله وولده خاصة، ولكن لو كان ما ذكروا محتملا - ما يصنع بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً...

﴾ الآية [العنكبوت: 67] وقوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً  ﴾ وغيره من الآيات.

أخبر أنه جعل تلك البقعة مأمناً للخلق يأمنون فيها.

ثم يحتمل وجهين: أحدهما: جعله آمناً بحق الابتلاء والامتحان، ألزم الخلق حفظ تلك البقعة عن سفك الدماء فيها، وهتك الحرم، وغير ذلك من المعاصي، وإن كانوا ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يصلح؛ كالمساجد التي بنيت للعبادة وإقامة الخيرات - ألزم أهلها وعلى جميع الخلائق حفظها عن إدخال ما لا يصلح ولا يحل، ثم إن الناس قد ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يليق بها ولا يصلح، فعلى ذلك الحرم الذي أخبر أنه جعله مأمناً.

والثاني: جعله مأمناً بالخلقة من ذا الوجه، يجوز أن يقال: كيف سفك فيه الدماء وهتك فيه الحرم؛ وهو بالخلقة جعله مأمناً؟

قيل: يجوز هذا بحق العقوبة؛ وإن كان [بالخلقة] آمناً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...

﴾ الآية [النساء: 160] الطيبات بالخلقة حلال؛ لكنه حرم عليهم ذلك بالظلم الذي كان منهم؛ بحق العقوبة والانتقام، فعلى ذلك الحرم؛ جعله مأمناً بالخلقة، ثم قتل فيه عقوبة؛ لما كان منهم من المعاصي.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَام ﴾ الآية.

فإن قيل: كيف دعا وطلب منه العصمة؛ وقد عصمه بالنبوة والرسالة؛ واختارهما له من ذلك كله؟

قال بعض أهل التأويل: إنما سأل عصمة ولده وذريته؛ لما علم أن ذريته قد يختلفون في دين الله وتوحيده، وما ذكر نَفْسَهُ؛ لما المعروف أنّ من دعا لآخر بدأ بنفسه.

قالت المعتزلة: دعاء إبراهيم وطلبه العصمة؛ مما ذكر؛ يدل أنه [قد] يجوز أن يدعي بدعوات عبادة؛ وإن كان قد أعطاه ذلك، أو يعلم أنه مغفور.

قيل: دعاء إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام؛ يجوز أن يكون عصمتهم كانت مقرونة [بما طلبوه] منه، وسألوه وتضرعوا إليه؛ إذ معلوم أنهم لم يستفيدوا تلك العصمة؛ بإهمالهم [أنفسهم] وتركهم إياها سُدىً؛ بل إنما أوجب لهم ذلك بما أجهدوا أنفسهم في طاعة الله.

ثم الآية على المعتزلة من وجهين: أحدهما: أن إبراهيم طلب منه العصمة عن عبادة الأصنام، وهو علم أنه يعتصم إذا عصمه عن ذلك، واهتدى إذا هداه، وهم يقولون: الله يعصم ولا يعتصم العبد، ويهدي ولا يهتدي العبد.

ويقولون: إذا أعطى أحداً ذلك، خرج ذلك من يده، ولا يملك إعطاء ذلك، فعلى قولهم تخرج دعوات الرسل على الاستهزاء أو على الكتمان؛ لأن من سأل من آخر شيئاً يعلم أنه ليس ذلك عنده؛ فهو هزء، أو سأل وهو يعلم أنه قد أعطاه ذلك؛ فهو كتمان، وكان خوف الأنبياء والرسل والكبراء من الخلق أشد وأكثر على دينهم، والزيغ عما هم عليه؛ لما خافوا أن يكونوا عند الله على غير ما هو عند أنفسهم، كانوا أبداً وجلين خائفين على سلب ما هم عليه، وهكذا الواجب أن يكون الخوف على من نعمه عليه أكثر؛ فخوفه أشد.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَٱجْنُبْنِي ﴾ أي: باعدني، وجنبني أيضاً.

وقال القتبي: أي: جنبني وإياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

نسب الإضلال إلى الأصنام - وإن لم يكن لها صنع في الإضلال لأنهم بها ضلوا، وكانت الأصنام سبب إضلالهم، وقد تنسب الأشياء إلى الأسباب، وإن لم يكن للأسباب صنع فيها نحو ما ذكرنا من قوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ...

 ﴾ والسورة لا تزيدهم رجساً، لكن نسب الرجس إليها لما كانت هي سبب زيادة رجسهم، وهو أنها لما نزلت يزداد لهم بها تكذيباً وكفرا بها، فنسب ذلك إليها، فعلى ذلك الأول.

والثاني: ينسب إلى الأحوال التي كانت بها؛ ما لو كانت تلك بذوات الأرواح، لكانت تضل وتغوي [كذي الروح] ممن يكون منه الإضلال، لأنها تزين وتحلى بالأشياء؛ نحو ما نسب الغرور إلى الدنيا؛ وإن كانت الدنيا لا تغر؛ لأنها تكون بحال لو كانت تلك الأحوال من ذي الروح لكان ذلك تغريراً، فعلى ذلك نسبة الإضلال إلى الأصنام.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ .

يشبه أن يكون ﴿ مِنِّي ﴾ : أي: موافقي في الدين، أو في الولاية، وحاصله - والله أعلم -: معي في الدين وفي أمر الدين، وكذلك [معنى ما روي:] "من غش فليس منا" أي: ليس بموافق لنا، أو ليس معنا، أو ليس من ملتنا، وكذلك قوله: ﴿ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ أي: من ملتي.

وحاصله: فمن تبعني وأجابني فيما دعوته إليه وأمرته به فإنه مني؛ أي: مما أنا عليه، وكذلك قوله: "من غش فليس منا" أي: ليس مما نحن عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ , يشبه قوله: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي ﴾ ليس عصيان شرك، ولكن عصيان ما دون الشرك؛ فإنه غفور رحيم.

أو من عصاني فإنك غفور؛ أي: ساتر عليه الكفر إلى وقت معلوم؛ إذ الغفران: هو الستر؛ فستر عليه إلى أجل؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ ﴾ أو يقول: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : أي: تمكن له من التوبة والإسلام؛ فيسلم ويتوب؛ فتغفر له ما كان منه من العصيان؛ وترحم عليه.

وقوله: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي ﴾ فيما دعوته إليه وأمرته به ﴿ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ تمكن له من التوبة، والرجوع عما كان؛ فتغفر له وترحمه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون قال هذا أول ما قدم تلك البقعة؛ لأنه قال: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ ولا بيت هنالك، دل أنه إنما دعا بهذه الدعوات: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ وما ذكر ﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ بعد ما رفع البيت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ دل أنه إنما أسكن بعض ذريته؛ لم يسكن ذريته كلها؛ حيث قال: ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ .

قد امتحنه الله بمحن ثلاثة؛ لم يمتحن بمثلها أحداً من الأنبياء: أحدها: امتحنه بإسكان ولده بواد غير ذي زرع؛ وغير ذي ماء، مما لا يحتمل قلب بشر تركه في مثل ذلك المكان مثله، دل أنه إنما فعل بأمر من الله  .

والثاني: امتحنه بذبح ولده حتى إذا أشرف على الهلاك - فداه الله  بكبش.

[والثالث]: امتحنه بإلقائه في النار؛ فألقي حتى إذا أشرف على الهلاك - جعلها الله  عليه برداً وسلاماً.

ففي ذلك كله دلالة رسالته.

وكانت له هجرتان: إحداهما إلى مكة؛ حيث أسكن فيها ولده، والهجرة الثانية إلى بيت المقدس؛ وهو ما ذكر: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...

﴾ الآية [الأنبياء: 71].

ثم قوله: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ هو دعاء بتعريض لا بتصريح، والدعاء بالتعريض؛ والسؤال بالكناية أبلغ وأكثر من السؤال بالتصريح، وهو كدعاء آدم وحواء: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23] فهذا أبلغ في السؤال من قوله: اغفر لنا وارحمنا؛ لأن مثل هذا قد سئل من دونه؛ ولا يكون فيه ما ذكر فيه من الخسران.

وقوله: ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ يحتمل أن يكون كلمة (من) صلة؛ أي: أسكنت ذريتي، ويحتمل على التبعيض؛ أي: أسكنت بعض ذريتي، على ما ذكر في بعض التأويلات: إسماعيل وإسحاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ وجهين: أحدهما: حرمه أن يستحل فيه ما لا يحل ولا يصلح؛ لكنه خص تلك البقعة بالذكر؛ وإن كان ذلك لا يحل في غيرها من البقاع؛ لفضل الحرمة التي جعلها الله لها، كما خص المساجد بأشياء؛ لفضلها على غيرها من الأمكنة والبقاع.

والثاني: قوله: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ : أي: الممنوع؛ يقال: حرم: أي: منع؛ كقوله: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ  ﴾ ليس ذلك على التحريم ألا يحل له المراضع؛ ولكن على المنع؛ أي: منعنا عنه؛ لنرده إلى أمه، فعلى ذلك قوله: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ أي: الممنوع عن الخلق لله؛ حتى لم يقدر واحد من الفراعنة والملوك الغلبة عليها وإدخالها في منافع أنفسهم، بل هي ممنوعة عنهم؛ على ما كان، وفيه آية الوحدانية له والألوهية.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: فيه تقديم يقول: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ ليقيموا الصلاة لك عند بيتك.

ويحتمل أيضاً غير هذا؛ وهو أن يقال: ﴿ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ أي: ليس فيه ما يشغلهم عن الصلاة؛ لأن الزرع وغيره من النعيم يمنع الناس عن إقامة الصلاة، [والعبادة لهم، أي: أسكنت من ذريتي بواد ليس فيه زرع يشغلهم عن إقامة الصلاة] ثم يحتمل الصلاة: الصلاة المعروفة، ويحتمل الصلاة: الدعاء والأذكار؛ وغيرها من الدعوات، ويحتمل قوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ : [الصلاة] نفسها؛ وغيرها من الطاعات، وكذلك قوله: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

يحتمل سؤاله ربه - أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم - وجهين: أحدهما: لما أسكن ذريته في مكان لا ماء فيه ولا نبات ولا زرع؛ ففي مثل هذا المكان يستوحش المقام فيه؛ فسأل ربه أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ليأتوا ذلك المكان؛ فتذهب عنهم تلك الوحشة؛ فيستأنس بهم، أو سأله أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، ليتعيشوا بما ينقل إليهم من الزاد والأطمعة إذ أسكنهم في مكان لا زرع فيه، ولا ماء يعيشون فيه به، وقد جعل الله بنية هذا البشر؛ أن لا قوام لهم إلا بالأغذية والأطعمة، فسأل ربه؛ ليتعيشوا بما يحمل إليهم.

وقال أهل التأويل: ﴿ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ ﴾ للحج، وقالوا: لو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ولم يقل (من) لحجه الخلق جميعاً: الكافر والمؤمن، لكن لا يحتمل عندنا أن يكون سؤاله للخلق جميعاً أو يكون قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ  ﴾ للخلائق جميعاً: للكافر والمؤمن، بل يرجع ذلك إلى خصوص.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ تلك الثمرات، ويحتمل: لعلهم يشكرون بما جعل لهم من التعيش بما يحمل إليهم من الأغذية والأطعمة.

وقوله: ﴿ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ ليس على تخصيص الثمرات، ولكن سأل الثمرات وما به غذاؤهم وقوامهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون مثل هذا الدعاء [منه] مبتدأ، بل كأنه - والله أعلم - عن نازلة دعاه؛ إذ يعلم صلوات الله عليه أنه كان يعلم ما يخفون وما يعلنون، لكن لم يبين: ما تلك النازلة؟

وأهل التأويل يقولون: قال هذا؛ أي: ﴿ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي ﴾ من الحزن والوجد على إسماعيل وأمه حين تركهما بوادٍ لا ماء فيه ولا زرع، ويقولون: ﴿ وَمَا نُعْلِنُ ﴾ وهو قوله: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ ، لكن لا نعلم ذلك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

كان هذا جواباً عن الله وإخباراً منه إياه؛ أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ أي: لا يخفى عليه ما لا أمر فيه ولا نهي ولا جزاء؛ فكيف يخفى عليه الأعمال التي عليها الجزاء والأمر؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ .

قال أهل التأويل: إنه وهب له الولد؛ وهو ابن كذا وامرأته ابنة كذا؛ لكن لا نعلم ذلك سوى ما ذكر أنه وهب له الولد على الكبر في وقت الإياس عن الولد؛ حث بشر بالولد؛ فقال: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ  ﴾ حيث قالت امرأته لما بشرت بالولد ﴿ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً  ﴾ يعلم أنه وهب له الولد؛ وهما كانا كبيرين في وقت الإياس عن الولد.

وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ يكون حمده على الأمرين جميعاً: على الهبة؛ وعلى الولادة في حال الكبر؛ وهو حال الإياس؛ إذ كل واحد مما يوجب الحمد عليه والثناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴾ قيل: لمجيب الدعاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي ﴾ .

قد سبق من الله الأمر بإقامة الصلاة؛ وهو المقيم لها؛ فدل الدعاء منه والسؤال؛ على أن يجعله مقيم الصلاة - أن عند الله لطفا سوى الأمر لم يعطه؛ فسأله ذلك؛ هو التوفيق.

وعلى قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه قد أعطى كل شيء حتى لم يبق عنده ما يعطيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ﴾ .

قال بعضهم: تقبل دعائي في إقامة الصلاة لنفسه وذريته؛ لكن لا يجب أن يخص دعاء من الدعوات التي سأل ربه؛ وقد دعا ربه بدعوات كثيرة؛ نحو ما قال: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ ، وقوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ ﴾ ، وقال: ﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ  ﴾ ، وغير ذلك من الدعوات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ .

طلب من ربه المغفرة لوالديه.

قال الحسن: إن أمّه كانت مسلمة، وأما أبوه: فكان كافراً؛ لأنه قال: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ  ﴾ فخص والده بالضلال؛ دل أن أمه كانت مسلمة؛ لكنا لا نعلم ما حال الأم: أمه كانت مسلمة أو كافرة، وأما أبوه فهو لا شك أنه كان كافراً.

ثم [لا] يحتمل دعاؤه لوالديه؛ وهما كافران؛ إن كانت أمّه كافرة؛ إلا على إضمار الإسلام؛ أي: اغفر لهما إن أسلما، أو أن يكون سؤاله المغفرة لهما سؤال الإسلام نفسه، أو أن يكون طلب منه الستر عليهما في الدنيا، وألاَّ يفضحهما ولا يخزيهما، لكنه سأل المغفرة يوم يقوم الحساب.

ولا يحتمل طلب الستر إلا أن يفصل بين قوله: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يبتدئ بالمؤمنين يوم يقوم الحساب، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ودعاء إبراهيم وسؤاله المغفرة لوالديه يكون سؤال السبب؛ الذي يستحقان به المغفرة من ربها، ويكونان أهلا لها؛ وهو التوحيد ومعرفة المولى؛ وهو ما ذكرنا في أمر نوح قومه الاستغفار له، وكذلك قول هود؛ حيث قال: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ...

﴾ الآية [هود: 52] وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ : بالعدل؛ يقول الرجل لآخر: أقم حسابي أي: اعْدل فيه.

وإقامة الحساب: العدل فيه؛ على ما توجبه الحكمة، لا يزاد ولا ينقص؛ كقوله: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ  ﴾ قال بعضهم: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ : يوم يحاسبون، قيام الحساب: هو المحاسبة نفسها والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾ كانت له حاجات أخفاها، طلب قضاءها؛ فقال: تعلم حاجاتي؛ أخفيتها، أو أعلنتها فاقضها لي، أو أن يكون قومه طعنوا في شيء؛ فقال ذلك على التبري من ذلك؛ إنه يعلم ما نخفي وما نعلن، ولم يعلم ذلك الذين يطعنون في ﴿ مِنِّي ﴾ والله أعلم؛ كقول عيسى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي  ﴾ أو أن يكون قال ذلك؛ لأن أهل الأديان جميعاً كانوا يوالون إبراهيم ويدعون أنه على دينهم؛ ولذلك قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً...

 ﴾ الآية.

برأه الله مما ادعى كل فريق.

ثم منهم؛ من كان من هذه الفرق؛ يدعون الأسرار عن الله والإخفاء عنه؛ فقال هذا ليعلم الناس توحيده؛ أنه لا يخفى عليه شيء؛ أُخفي أو أعلن؛ ليعرفوا توحيده أنه ليس شيء يخفى عليه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ربنا إني أسكنت بعض ذريتي، وهم ابني إسماعيل وأبناؤه بوادٍ (وهو مكة) لا زرع فيه ولا ماء بجوار بيتك المحرم، ربنا أسكنتهم بجواره ليقيموا الصلاة فيه، فصيَّر - يا رب - قلوب الناس تحنّ إليهم، وإلى هذا البلد، وارزقهم من الثمرات رجاء أن يشكروك على إنعامك عليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.lKYgQ"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده