الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٤ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 102 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا من لطفه تعالى بخلقه : أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن عمر بن ذر قال : قال مجاهد : عن أبي ذر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " لم يبعث الله ، عز وجل ، نبيا إلا بلغة قومه " .
وقوله : ( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) أي : بعد البيان وإقامة الحجة عليهم يضل تعالى من يشاء عن وجه الهدى ، ويهدي من يشاء إلى الحق ، ( وهو العزيز ) الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ( الحكيم ) في أفعاله ، فيضل من يستحق الإضلال ، ويهدي من هو أهل لذلك .
وقد كانت هذه سنة الله في خلقه : أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم ، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم ، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس ، كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس عامة " .
وله شواهد من وجوه كثيرة ، وقال تعالى : ( قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] .
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا إلى أمة من الأمم ، يا محمد، من قبلك ومن قبلِ قومك ، رسولا إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم ( ليبين لهم ) يقول: ليفهمهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونَهيه ، ليُثْبت حجة الله عليهم ، ثم التوفيقُ والخذلانُ بيد الله ، فيخذُل عن قبول ما أتاه به رسُوله من عنده من شاء منهم ، ويوفّق لقبوله من شاء ولذلك رفع " فيُضلُّ" ، لأنه أريد به الابتداء لا العطف على ما قبله ، كما قيل: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ [ سورة الحج : 5 ] (وهو العزيز) (37) الذي لا يمتنع مما أراده من ضلال أو هداية من أرادَ ذلك به (الحكيم) ، في توفيقه للإيمان من وفَّقه له ، وهدايته له من هداه إليه ، وفي إضلاله من أضلّ عنه ، وفي غير ذلك من تدبيره.
(38) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 20560- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ) ، أي بلغة قومه ما كانت .
قال الله عز وجلّ: ( ليبين لهم ) الذي أرسل إليهم ، ليتخذ بذلك الحجة .
قال الله عز وجلّ: ( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ).
-------------------------- الهوامش : (37) انظر تفسير " العزيز " ، فيما سلف قريبًا : 511 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(38) انظر تفسير " الحكيم " فيما سلف من فهارس اللغة .
قوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيمقوله تعالى وما أرسلنا من رسول أي قبلك يا محمد إلا بلسان قومه أي بلغتهم ، ليبين لهم أمر دينهم ; ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة ; فهي اسم جنس يقع على القليل والكثير ; ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية ; لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ترجمة يفهمها لزمته الحجة ، وقد قال الله تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل أحمر وأسود من خلقه .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار .
خرجه مسلم ، وقد تقدم .فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء رد على القدرية في نفوذ المشيئة ، وهو مستأنف ، وليس بمعطوف على ليبين لأن الإرسال إنما وقع للتبيين لا للإضلال .
ويجوز النصب في يضل لأن الإرسال صار سببا للإضلال ; فيكون كقوله : ليكون لهم عدوا وحزنا وإنما صار الإرسال سببا للإضلال لأنهم كفروا به لما جاءهم ; فصار كأنه سبب لكفرهموهو العزيز الحكيم تقدم معناه .
وهذا من لطفه بعباده أنه ما أرسل رسولا { إلا بلسان قومه ليبين لهم } ما يحتاجون إليه، ويتمكنون من تعلم ما أتى به، بخلاف ما لو كانوا على غير لسانهم، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك اللغة التي يتكلم بها، ثم يفهمون عنه، فإذا بين لهم الرسول ما أمروا به، ونهوا عنه وقامت عليهم حجة الله { فيضل الله من يشاء } ممن لم ينقد للهدى، ويهدي من يشاء ممن اختصه برحمته.
{ وهو العزيز الحكيم } الذي -من عزته- أنه انفرد بالهداية والإضلال، وتقليب القلوب إلى ما شاء، ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله إلا بالمحل اللائق به.
ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن علوم العربية الموصلة إلى تبيين كلامه وكلام رسوله أمور مطلوبة محبوبة لله لأنه لا يتم معرفة ما أنزل على رسوله إلا بها إلا إذا كان الناس بحالة لا يحتاجون إليها، وذلك إذا تمرنوا على العربية، ونشأ عليها صغيرهم وصارت طبيعة لهم فحينئذ قد اكتفوا المؤنة، وصلحوا لأن يتلقوا عن الله وعن رسوله ابتداء كما تلقى عنهم الصحابة رضي الله عنهم.
قوله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) بلغتهم ليفهموا عنه .
فإن قيل : كيف هذا وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كافة الخلق ؟
قيل : بعث من العرب بلسانهم ، والناس تبع لهم ، ثم بث الرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله عز وجل ويترجمون لهم بألسنتهم .
( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ) .
«وما أرسلنا من رسول إلا بلسان» بلغة «قومه ليبين لهم» ليفهمهم ما أتى به «فيضلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.
وما أرسلنا مِن رسولٍ قبلك -أيها النبي- إلا بلُغة قومه؛ ليوضِّح لهم شريعة الله، فيضل الله من يشاء عن الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق، وهو العزيز في ملكه، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها وَفْق الحكمة.
ثم بين - سبحانه - منه أخرى من مننه على عباده فقال : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ .
.
.
) .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : " اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى أول السورة ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور .
.
.
) كان هذا إنعاما على الرسول ، من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم ، وإنعاما على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر .
.
.ثم ذكر فى هذه الآية ما يجرى مجرى تكميل النعمة والإِحسان فى الوجهين :أما بالنسبة إلى الرسول ، فلأن بعثته كانت إلى الناس عامة .
.وأما بالنسبة لعامة الخلق ، فلأنه - سبحانه - ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسانهم .
.
.
" .والباء فى قوله " بلسان " للملابسة ، والمراد باللسان : اللغة التى يتخاطب بها الرسول مع قومه .
.قال ابن كثير : " هذا من لطفه - تعالى - بخلقه : أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون ، وما أرسلوا به إليهم كما قال الإِمام أحمد .حدثنا وكيع ، عن عمر بن أبى ذر قال : قال مجاهد : عن أبى ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يبعث الله - عز وجل - نبيا إلا بلغة قومه " .وقال صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم ، وإنما بعث إلى الناس جميعا ، وهم على ألسنة مختلفة .
فإن لم تكن للعرب حجة ، فلغيرهم الحجة .
وإن لم تكن لغيرهم حجة ، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة - أيضا - قلت : لا يخلو إما أن ينزل لجميع الألسنة أو بواحد منها ، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل ، فبقى أن ينزل بلسان واحد .فكان أول الألسنة لسان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم أقرب إليه .فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر ، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه ، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم فى كل أمة من أمم العجم ، مع ما فى ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة ، والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد ، واجتهادهم فى تعلم لفظه وتعلم معانيه ، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد ، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ، وأسلم من التنازع والاختلاف .
.
.
" وقال الشوكانى : ما ملخصه : " وقد قيل فى هذه الآية إشكال ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس جمعيا ، ولغاتهم متباينة .
.
.وأجيب : بأنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كان مرسلا إلى الثقلين ، لكن لما كان قومه العرب ، وكانوا أخص به وأقرب إليه ، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم ، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم .ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم ، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم ، لكان ذلك مظنة للاختلاف ، وفتحا لباب التنازع ، لأن كل أمة قد تدعى من المعانى فى لسانها ما لا عرفه غيرها .وربما كان ذلك - أيضا - مفضيا إلى التحريف والتصحيف ، بسبب الدعاوى الباطلة التى يقع فيها المتعصبون " .وجملة ( فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ) مستأنفة .أى : فيضل الله من يشاء إضلاله ، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه .ويهدى من يشاء هدايته ، لاراد لمشيئته ، ولا معقب لحكمه ." وهو " سبحانه " العزيز " الذى لا يغلبه غالب " الحكيم " فى كل أفعاله وتصرفاته .قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : وتفريع قوله " فيضل الله من يشاء .
.
.
إلخ " على مجموع جملة ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) ، ولذلك جاء فعل " يضل " مرفوعا غير منصوب ، إذ ليس عطفا على فعل " ليبين " لأن الإِضلال لا يكون معلولا للتبين ولكنه مفرع على الإِرسال المعلل بالتبيين .والمعنى : أن الإِرسال بلسان قومه لعلة التبيين .
وقد يحصل أثر التبيين بمعرفة الاهتداء ، وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم ، ووظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما توعدت الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا فى كفرهم وغيهم ، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله - تعالى - ولطفه بعباده ، وفضله عليهم .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة: ﴿ كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ كان هذا إنعاماً على الرسول من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم، وإنعاماً أيضاً على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر وأرشدهم إلى نور الإيمان، فذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين.
أما بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة الخلق، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل وأكمل، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولاً إلى قوم إلا بلسان أولئك القوم، فإنه متى كان الأمر كذلك، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة ووقوفهم على حقائقها أسهل، وعن الغلط والخطأ أبعد.
فهذا هو وجه النظم.
المسألة الثانية: احتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توفيقية.
قال لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل، وقد دلت هذه الآية على أن إرسال جميع الرسل لا يكون إلا بلغة قومهم، وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف، فوجب حصولها بالإصطلاح.
المسألة الثالثة: زعم طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أن محمداً رسول الله لكن إلى العرب لا إلى سائر الطوائف، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين: الأول: أن القرآن لما كان نازلاً بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا على العرب، ومن لا يكون عربياً لم يكن القرآن حجة عليه.
الثاني: قالوا: إن قوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ المراد بذلك اللسان لسان العرب، وذلك يقتضي أن يقال: إنه ليس له قوم سوى العرب، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط.
والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد من ﴿ قَوْمِهِ ﴾ أهل بلده، وليس المراد من ﴿ قَوْمِهِ ﴾ أهل دعوته.
والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى: ﴿ قُلْ ياأيها الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ بل إلى الثقلين، لأن التحدي كما وقع مع الإنس فقد وقع مع الجن بدليل قوله تعالى: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ .
المسألة الرابعة: تمسك أصحابنا بقوله تعالى: ﴿ فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ ﴾ على أن الضلال والهداية من الله تعالى، والآية صريحة في هذا المعنى.
قال الأصحاب: ومما يؤكد هذا المعنى ما روي: أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس وقد ارتفعت أصواتهما، فقال عليه السلام: «ما هذا» فقال بعضهم: يا رسول الله يقول أبو بكر الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا، ويقول: عمر كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر وبعضهم عمر، فتعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه ثم قال: «أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين جبريل وميكائيل، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر فقضاء اسرافيل أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما» قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ ﴾ والمعنى: أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل ووقوفهم على المقصود والغرض أكمل، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين، فأما لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائماً لهذا المقصود.
والثاني: أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر والضلال فيكم، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك، وما المقصود من إرسالك، وهل يمكننا أن نزيل كفراً خلقه الله تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل.
الثالث: أنه إذا كان الكفر حاصلاً بتخليق الله تعالى ومشيئته، وجب أن يكون الرضا به واجباً لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، وذلك لا يقوله عاقل.
والرابع: أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية وهو قوله: ﴿ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ يدل على مذهب العدل، وأيضاً مؤخرة الآية يدل عليه، وهو قوله: ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ فكيف يكون حكيماً من كان خالقاً للكفر والقبائح ومريداً لها، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله: ﴿ فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ ﴾ على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد، فوجب المصير إلى التأويل، وقد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ ولا بأس بإعادة بعضها، فالأول: أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافراً ضالاً كما يقال: فلان يكفر فلاناً ويضلله، أي يحكم بكونه كافراً ضالاً، والثاني: أن يكون الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار، والهداية عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة.
والثالث: أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله ولم يتعرض له صار كأنه أضله، والمهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو الذي هداه.
قال صاحب الكشاف: المراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف وبالهداية التوفيق واللطف.
والجواب عن قولهم أولاً أن قوله تعالى: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ لا يليق به أن يضلهم.
قلنا: قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر، فإن كان الفعل الثاني مشاكلاً للأول نسقته عليه، وإن لم يكن مشاكلاً له استأنفته ورفعته.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ويأبى الله ﴾ فقوله: ﴿ ويأبى الله ﴾ في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك، لأنه لا يحسن أن يقال: يريدون أن يأبى الله، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف، ونظيره أيضاً قوله: ﴿ لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرحام ﴾ ومن ذلك قولهم: أردت أن أزورك فيمنعني المطر بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه، ومثله قول الشاعر: يريد أن يعربه فيعجمه *** إذا عرفت هذا فنقول: هاهنا قال تعالى: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ ثم قال: ﴿ فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ ﴾ ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله، وأقول تقرير هذا الكلام من حيث المعنى، كأنه تعالى قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه، ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه، ثم قال ومع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان وحصلت الهداية، وإنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى.
أما قوله ثانياً: لو كان الضلال حاصلاً بخلق الله تعالى لكان الكافر أن يقول له: ما الفائدة في بيانك ودعوتك؟
فنقول: يعارضه أن الخصم يسلم أن هذه الآيات أخبار عن كونه ضالاً فيقول له الكافر: لما أخبر إلهك عن كوني كافراً فإن آمنت صار إلهك كاذباً فهل أقدر على جعل إلهك كاذباً، وهل أقدر على جعل علمه جهلاً.
وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضاً وارد عليه.
وأما قوله ثالثاً: يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجباً، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قلنا: ويلزمك أيضاً على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي تجهيله، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره وعلم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً.
وأما قوله رابعاً: إن مقدمة الآية وهي قوله تعالى: ﴿ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ يدل على صحة الاعتزال فنقول: قد ذكرنا أن قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ يدل على صحة مذهب أهل السنة.
وأما قوله خامساً: أنه تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيماً وذلك ينافي كونه تعالى خالقاً للكفر مريداً له.
فنقول: وقد وصف نفسه بكونه عزيزاً والعزيز هو الغالب القاهر فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل أو أراد عمل الكفر منهم، وقد حصل لما بقي عزيزاً غالباً.
فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة، وأما التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مراراً فلا فائدة في الإعادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ أي ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به، كما قال: ﴿ وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته ﴾ [فصلت: 44] فإن قلت: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعاً ﴿ قل يا أَيُّهَا النَّاس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف: 158] بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية، لم تكن للعرب حجة أيضاً.
قلت: لا يخلو إمّا أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فبقي أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول؛ لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر.
قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمّة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكدّ القرائح فيه، من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف، ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها- مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلاً بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربي كل أمّة بلسانها كما كلم أمّته التي هو منها يتلوه عليهم معجزاً- لكان ذلك أمراً قريباً من الإلجاء.
ومعنى ﴿ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ بلغة قومه.
وقرئ: ﴿ بلسن قومه ﴾ .
واللسن واللسان: كالريش والرياش، بمعنى اللغة.
وقرئ: ﴿ بلُسن قومه ﴾ بضم اللام والسين مضمومة أو ساكنة، وهو جمع لسان، كعماد وعمد وعمد على التخفيف.
وقيل: الضمير في قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم، ورووه عن الضحاك.
وأن الكتب كلها نزلت بالعربية، ثم أدّاها كل نبيّ بلغة قومه، وليس بصحيح؛ لأنّ قوله ليبين لهم ضمير القوم وهم العرب، فيؤدّي إلى أن الله أنزل التوراة من السماء بالعربية ليبين للعرب، وهذا معنى فاسد ﴿ فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآء ﴾ كقوله ﴿ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ﴾ [التغابن: 2] لأنّ الله لا يضلّ إلا من يعلم أنه لن يؤمن.
ولا يهدي إلا من يعلم أنه يؤمن.
والمراد بالإضلال التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان ﴿ وَهُوَ العزيز ﴾ فلا يغلب على مشيئته ﴿ الحكيم ﴾ فلا يخذل إلا أهل الخذلان، ولا يلطف إلا بأهل اللطف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ ﴾ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ الَّذِي هو مِنهم وبُعِثَ فِيهِمْ.
﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ ما أُمِرُوا بِهِ فَيَفْقَهُوهُ عَنْهُ بِيُسْرٍ وسُرْعَةٍ، ثُمَّ يَنْقُلُوهُ ويُتَرْجِمُوهُ إلى غَيْرِهِمْ فَإنَّهم أوْلى النّاسِ إلَيْهِ بِأنْ يَدْعُوَهم وأحَقُّ بِأنْ يُنْذِرَهم، ولِذَلِكَ أُمِرَ النَّبِيُّ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ أوَّلًا، ولَوْ نَزَلَ عَلى مَن بُعِثَ إلى أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ كُتُبٌ عَلى ألْسِنَتِهِمِ اسْتَقَلَّ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، لَكِنْ أدّى إلى اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وإضاعَةِ فَضْلِ الِاجْتِهادِ في تَعَلُّمِ الألْفاظِ ومَعانِيها، والعُلُومِ المُتَشَعِّبَةِ مِنها وما في إتْعابِ القَرائِحِ وكَدِّ النُّفُوسِ مِنَ القُرَبِ المُقْتَضِيَةِ لِجَزِيلِ الثَّوابِ.
وَقُرِئَ « بِلُسُنِ» وهو لُغَةٌ فِيهِ كَرِيَشٍ ورِياشٍ، ولُسُنَ بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ عَلى الجَمْعِ كَعُمُدٍ وعُمْدٍ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ لِمُحَمَّدٍ وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكُتُبَ كُلَّها بِالعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ تَرْجَمَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ كُلُّ نَبِيٍّ بِلُغَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ فَإنَّهُ ضَمِيرُ القَوْمِ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ ونَحْوُهُما لَمْ تَنْزِلْ لِتُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ.
﴿ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴾ فَيَخْذُلُهُ عَنِ الإيمانِ.
﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ.
﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ فَلا يُغْلَبُ عَلى مَشِيئَتِهِ.
﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَهْدِي إلّا لِحِكْمَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} إلا متكلماً بلغتهم {لِيُبَيّنَ لَهُمْ} ما هو مبعوث به وله فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولون له لم نفهم ما خوطبنا به فإن قلت إن رسولنا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس جميعاً بقوله قُلْ يا أَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة قلت لا يخلو إما إن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فتعين أن ينزل بلسان واحد وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه ولأنه أبعد من التحريف والتبديل {فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء} من آثر سبب الضلالة {وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} من آثر سبب الاهتداء {وَهُوَ العزيز} فلا يغالب على مشيئته {الحكيم} فلا يخذل إلا أهل الخذلان
﴿ وما أرْسَلْنا ﴾ أيْ في الأُمَمِ الخالِيَةِ مِن قَبْلِكَ كَما سَيُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إجْمالًا ﴿ مِن رَسُولٍ إلا ﴾ مُتَلَبِّسًا ﴿ بِلِسانِ قَوْمِهِ ﴾ مُتَكَلِّمًا بِلُغَةِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُتَّفِقَةِ عَلى لُغَةٍ سَواءٌ بُعِثَ فِيهِمْ أوَّلًا وقِيلَ: بِلُغَةِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هو مِنهم وبُعِثَ فِيهِمْ ولا يَنْتَقِضُ الحَصْرُ بِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَزَوَّجَ مِنهم وسَكَنَ مَعَهم وأمّا يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ كَما قالُوهُ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ الأغْلَبِ ولَعَلَّ الأوْلى ما ذَكَرْنا وقَرَأ أبُو السَّمالِ وأبُو الحَوْراءِ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ ( بِلِسْنِ ) بِإسْكانِ السِّينِ عَلى وزْنِ ذِكْرٍ وهي لُغَةٌ في لِسانٍ كَرِيشٍ ورِياشٍ وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّهُ خاصٌّ بِاللُّغَةِ واللِّسانُ يُطْلَقُ عَلَيْها وعَلى الجارِحَةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ والجَحْدَرِيُّ ( بِلُسُنِ ) بِضَمِّ اللّامِ والسِّينِ وهو جَمْعُ لِسانٍ كَعِمادٍ وعُمُدٍ وقُرِئَ ( بِلُسْنِ ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ وهو مُخَفَّفُ لُسُنٍ كَرُسُلٍ ورُسْلٍ ﴿ لِيُبَيِّنَ ﴾ ذَلِكَ الرَّسُولُ ﴿ لَهُمْ ﴾ لِأُولَئِكَ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ما كُلِّفُوا بِهِ فَيَتَلَقَّوْهُ مِنهُ بِسُهُولَةٍ وسُرْعَةٍ فَيَمْتَثِلُوا ذَلِكَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّرْجَمَةِ وحَيْثُ لَمْ تَتَأتَّ هَذِهِ القاعِدَةُ في شَأْنِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلى إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ أجْمَعِينَ لِعُمُومِ بَعْثَتِهِ وشُمُولِ رِسالَتِهِ الأسْوَدَ والأحْمَرَ والجِنَّ والبَشَرَ عَلى اخْتِلافِ لُغاتِهِمْ وكانَ تَعَدُّدُ نَظْمِ الكِتابِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ عَلَيْهِ حَسَبَ تَعَدُّدِ ألْسِنَةِ الأُمَمِ أدْعى إلى التَّنازُعِ واخْتِلافِ الكَلِمَةِ وتَطَرُّقِ أيْدِي التَّحْرِيفِ مَعَ أنَّ اسْتِقْلالَ بَعْضٍ مِن ذَلِكَ بِالإعْجازِ مَئِنَّةٌ لِقَدْحِ القادِحِينَ واتِّفاقَ الجَمِيعِ فِيهِ أمْرٌ قَرِيبٌ مَنِ الإلْجاءِ المُنافِي لِلتَّكْلِيفِ وحَصَلَ البَيانُ والتَّفْسِيرُ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ المُنْبِئُ عَنِ العِزَّةِ وجَلالَةِ الشَّأْنِ المُسْتَنْبِعُ لِفَوائِدَ غَنِيَّةٍ عَنِ البَيانِ عَلى أنَّ الحاجَّةَ إلى التَّرْجَمَةِ تَتَضاعَفُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ إذْ لا بُدَّ لِكُلِّ طائِفَةٍ مِن مَعْرِفَةِ تَوافُقِ الكُلِّ حَذْوَ القِذَةِ بِالقِذَةِ مِن غَيْرِ مُخالَفَةٍ ولَوْ في خَصْلَةٍ فَذَّةٍ وإنَّما يُتْمٌ ذَلِكَ بِمَن يُتَرْجِمُ عَنِ الكُلِّ واحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا وفِيهِ مِنَ التَّعَذُّرِ ما فِيهِ ثُمَّ لَمّا كانَ أشْرَفُ الأقْوامِ وأوْلاهم بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْمَهُ الَّذِي بُعِثَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ ولُغَتُهم أفْضَلَ اللُّغاتِ نَزَلَ الكِتابُ المُبِينُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وانْتَشَرَتْ أحْكامُهُ بَيْنَ الأُمَمِ أجْمَعِينَ كَذا قَرَّرَ شَيْخُ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ بَيْدَ أنَّ بَعْضَهم أبْقى الكَلامَ عَلى عُمُومِهِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ النَّبِيَّ وأرادَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنهم وبُعِثَ فِيهِمْ والمُرادُ مِن قَوْمِهِ العَرَبُ كُلُّهم ونَقَلَ ذَلِكَ أبُو شامَةَ في المُرْشِدِ عَنِ السِّجِسْتانِيِّ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ : «أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ» وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ مِنهم قُرَيْشٌ ولَمْ يَنْزِلِ القُرْآنُ إلّا بِلُغَتِهِمْ وقِيلَ: إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ مُضَرَ خاصَّةً لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ مُضَرَ وعَيَّنَ بَعْضُهم فِيما حَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ سَبْعًا مِنهم هُذَيْلٌ وكِنانَةُ وقَيْسٌ وضَبَّةُ وتَمِيمُ الرَّبابِ وأُسَيْدُ بْنُ خُزَيْمَةَ وقُرَيْشٌ وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: نَزَلَ بِلُغَةِ الكَعْبَيْنِ كَعْبِ قُرَيْشٍ وكَعْبِ خُزاعَةَ فَقِيلَ: وكَيْفَ فَقالَ: لِأنَّ الدّارَ واحِدَةٌ يَعْنِي خُزاعَةَ كانُوا جِيرانَ قُرَيْشٍ فَسَهُلَتْ عَلَيْهِمْ لُغَتُهم وجاءَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ عَلى سَبْعِ لُغاتٍ مِنها خَمْسٌ بِلُغَةِ العَجْزِ مِن هَوازِنَ ويُقالُ لَهم عُلْيا هَوازِنَ ومِن هُنا قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أفْصَحُ العَرَبِ عُلْيا هَوازِنَ وسُفْلى تَمِيمٍ يَعْنِي بَنِي دارِمٍ والَّذِي يَذْهَبُ مَذْهَبَ السِّجِسْتانِيِّ يَقُولُ: إنَّ في القُرْآنِ ما نَزَلَ بِلُغَةِ حَمِيرٍ وكِنانَةَ وجُرْهُمٍ وأزْدِ شَنُوءَةَ ومُذْحِجٍ وخَثْعَمَ وقَيْسِ عَيْلانَ وسَعْدِ العَشِيرَةِ وكِنْدَةَ وعُذْرَةَ وحَضْرَمَوْتَ وغَسّانَ ومُزَيْنَةَ ولَخْمٍ وجُذامَ وحَنِيفَةَ واليَمامَةِ وسَبَأٍ وسَلِيمٍ وعِمارَةَ وطَيٍّ وخُزاعَةَ وعُمانَ وتَمِيمٍ وأنْمارٍ والأشْعَرَيْنِ والأوْسِ والخَزْرَجِ ومَدْيَنَ وقَدْ مَثَّلَ لِكُلِّ ذَلِكَ أبُو القاسِمِ وذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ أنَّ في القُرْآنِ مِنَ اللُّغاتِ خَمْسِينَ لُغَةً وسَرَدَها مُمَثَّلًا لَها إلّا أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ فِيهِ مِن غَيْرِ العَرَبِيَّةِ الفُرْسَ والنَّبَطَ والحَبَشَةَ والبَرْبَرَ والسُّرْيانِيَّ والعِبْرانِيَّ والقِبْطَ والذّاهِبُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ يَقُولُ: إنَّ ما نُسِبَ إلى غَيْرِ قُرَيْشٍ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ نِسْبَتِهِ مِمّا يُوافِقُ لُغَتَهم ونَقَلَ أبُو شامَةَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ نَزَلَ أوَّلًا بِلِسانِ قُرَيْشٍ ومَن جاوَرَهم مِنَ العَرَبِ الفُصَحاءِ ثُمَّ أُبِيحَ لِسائِرِ العَرَبِ أنْ تَقْرَأهُ بِلُغاتِهِمُ الَّتِي جَرَتْ عاداتُهم بِاسْتِعْمالِها كاخْتِلافِهِمْ في الألْفاظِ والإعْرابِ ولَمْ يُكَلَّفْ أحَدٌ مِنهُمُ الِانْتِقالَ مِن لُغَتِهِ إلى لُغَةٍ أُخْرى لِلْمَشَقَّةِ ولِما كانَ فِيهِمْ مِنَ الحَمِيَّةِ ولِطَلَبِ تَسْهِيلِ المُرادِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الإباحَةَ لَمْ تَسْتَمِرَّ وكَوْنُ المُتَبادَرِ مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرَيْشًا مِمّا لا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَمْتَرِي فِيهِ ويَلِيهِ في التَّبادُرِ العَرَبُ وفي البَحْرِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: ما بالُ الكُتُبِ كُلِّها أعْجَمِيَّةٌ وهَذا عَرَبِيٌّ وهَذا إنْ صَحَّ ظاهِرٌ في العُمُومِ ثُمَّ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ لُغَتِهِ لُغَةَ قُرَيْشٍ أوِ العَرَبِ اخْتِصاصُ بَعْثَتِهِ بِهِمْ وإنْ زَعَمَتْ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ اخْتِصاصَ البَعْثَةِبِالعَرَبِ لِذَلِكَ وحِكْمَةُ إنْزالِهِ بِلُغَتِهِمْ أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ فَإنَّهُ كَما أخْرَجَ ابْنُ أُبَيٍّ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ لَمْ يَنْزِلْ وحْيٌ إلّا بِالعَرَبِيَّةِ ثُمَّ تَرْجَمَ كُلُّ نَبِيٍّ لِقَوْمِهِ وقِيلَ: كانَ يُتَرْجِمُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُسِبَ إلى الكَلْبِيِّ وفِيهِ أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعِ التَّبْيِينُّ إلّا بَعْدَ التَّرْجَمَةِ فاتَ الغَرَضُ مِمّا ذُكِرَ وضَمِيرُ ( لَهم ) لِلْقَوْمِ بِلا خِلافٍ وهُمُ المُبَيَّنُ لَهم بِالتَّرْجَمَةِ وفي الكَشّافِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّ ضَمِيرَ ( لَهم ) لِلْقَوْمِ وهُمُ العَرَبُ فَيُؤَدِّي إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ مَثَلًا بِالعَرَبِيَّةِ لِيُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ وهو مَعْنًى فاسِدٌ.
وتَكَلَّفَ الطَّيِّبِيُّ دَفْعَ ذَلِكَ بِأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى كُلِّ قَوْمٍ قَوْمٍ بِدَلالَةِ السِّياقِ والجَوابُ كَما في الكَشْفِ أنَّهُ لا يُدْفَعُ عَنِ الإيهامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى المَقامِ.
واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللُّغاتِ اصْطِلاحِيَّةٌ لا تَوْقِيفِيَّةٌ قالَ: لِأنَّ التَّوْقِيفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإرْسالِ الرُّسُلِ وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إرْسالَ كُلٍّ مِنَ الرُّسُلِ لا يَكُونُ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ حُصُولِ اللُّغاتِ عَلى إرْسالِ الرَّسُولِ وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حُصُولُ تِلْكَ اللُّغاتِ بِالتَّوْقِيفِ فَوَجَبَ حُصُولُها بِالِاصْطِلاحِ.
انْتَهى.
وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ التَّوْقِيفِ عَلى إرْسالِ الرُّسُلِ لِجَوازِ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في العُقَلاءِ عِلْمًا بِأنَّ الألْفاظَ وضَعَها واضِعٌ لِكَذا وكَذا ولا يَلْزَمُ مِن هَذا كَوْنُ العاقِلِ عالِمًا بِاللَّهِ تَعالى بِالضَّرُورَةِ بَلِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ ذَلِكَ لَوْ خَلَقَ سُبْحانَهُ في العُقَلاءِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّهُ تَعالى الواضِعُ وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ عَلى أنَّهُ لا ضَرَرَ في التِزامِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ وأيُّ ضَرَرٍ في كَوْنِهِ سُبْحانَهُ مَعْلُومَ الوُجُودِ بِالضَّرُورَةِ لِبَعْضِ العُقَلاءِ والقَوْلُ بِأنَّهُ يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ حِينَئِذٍ عَلى عُمُومِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وعَلى تَخْصِيصِهِ بِالمَعَرَّةِ مُسَلَّمٌ وغَيْرُ ضارٍّ ﴿ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالَهُ أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِوُجُودِ أسْبابِهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ فِيهِ وقِيلَ: يَخْذُلُهُ فَلا يَلْطُفُ بِهِ لِما يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْجَعُ فِيهِ الإلْطافُ ﴿ ويَهْدِي ﴾ يَخْلُقُ الهِدايَةَ أوْ يَمْنَحُ الإلْطافَ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ لِما فِيهِ مِنَ الأسْبابِ المُؤَدِّيَةِ إلى ذَلِكَ والِالتِفاتُ بِإسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما وتَرْشِيحِ مَناطِ كُلٍّ مِنهُما والفاءُ قِيلَ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَبَيَّنُوهُ لَهم فَأضَلَّ اللَّهُ تَعالى مَن شاءَ إضْلالَهُ وهَدى مَن شاءَ هِدايَتَهُ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى البالِغَةُ والحَذْفُ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُسارَعَةَ كُلِّ رَسُولٍ إلى ما أُمِرَ بِهِ وجَرَيانَ كُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَلى سُنَنِهِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ الذِّكْرِ والبَيانِ وفي الكَشْفِ وجْهُ التَّعْقِيبِ عَنِ السّابِقِ كَوَجْهِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ عَلى مَعْنى أرْسَلْنا الكِتابَ لِلتَّبَيُّنِ فَمِنهم مَن نَفَعْناهُ بِذَلِكَ البَيانِ ومِنهم مَن جَعَلْناهُ حُجَّةً عَلَيْهِ والفاءُ عَلى هَذا تَفْصِيلِيَّةٌ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ أوِ الدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ حَيْثُ تَجَدُّدُ البَيانِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُتَعاقِبَةِ عَلَيْهِمْ وتَقْدِيمُ الإضْلالِ عَلى الهِدايَةِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إمّا لِأنَّهُ إبْقاءُ ما كانَ عَلى ما كانَ والهِدايَةُ إنْشاءُ ما لَمْ يَكُنْ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلتَّبْيِينِ والتَّذْكِيرِ مِن قِبَلِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأنَّ مَدارَ الأمْرِ إنَّما هو مَشِيئَتُهُ تَعالى بِإيهامِ أنَّ تَرَتُّبَ الضَّلالَةِ أسْرَعُ مِن تَرَتُّبِ الِاهْتِداءِ وهَذا مُحَقَّقٌ لِما سَلَفَ مِن تَقْيِيدِ الإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴿ وهُوَ العَزِيزُ ﴾ فَلا يُغالَبُ في مَشِيئَتِهِ تَعالى ﴿ الحَكِيمُ ﴾ .
(4) .
فَلا يَشاءُ ما يَشاءُ إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وفِيهِ كَما في البَحْرِ وغَيْرِهِ أنَّ ما فُوِّضَ إلى الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هو التَّبْلِيغُ وتَبْيِينُ طَرِيقِ الحَقِّ وأمّا الهِدايَةُ والإرْشادُ إلَيْهِ فَذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مِن أنَّ الضَّلالَةَ والهِدايَةَ بِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ وقَدْ ذَكَرَ المُعْتَزِلَةُ لَها عِدَّةَ تَأْوِيلاتٍ ولِلْإمامِ فِيها كَلامٌ طَوِيلٌ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ يعني: بلغة قومه ليفهموه وليكون أبيَنَ لهم.
يعني: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ طريق الهدى فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ عن دين الإسلام من لم يكن أهلاً لذلك وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى دينه الإسلام من كان أهلاً لذلك وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه، الْحَكِيمُ في أمره وقضائه، ويقال: الْحَكِيمُ حكم بالضلالة والهدى لمن يشاء.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ...
الآية، هذه الآيةُ طعن وردّ على المستغربين أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه لموسَى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: أي: عظْهم بالتهديدِ بِنِقَمِ اللَّهِ التي/ أحلَّها بالأمم الكَافرة قَبْلهم، وبالتَّعْديدِ لنعمه علَيْهم، وعَبَّرَ عن النعم وَالنِّقَمِ ب «الأَيَّامِ» إِذ هي في أيامٍ، وفي هذه العبارةِ تعظيمُ هذه الكوائنِ المذكَّر بها، وفي الحديثِ الصحيحِ:
«بَيْنَمَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ أيَّامَ اللَّهِ ...
» الحديث، في قصة موسَى مع الخَضِرِ.
قال عياضٌ في «الإِكمال» : «أَيَّامِ الله» : نَعْمَاؤه وبلاؤه، انتهى.
وقال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: قال: بِنِعَمِ اللَّهِ» وعن قتادة: لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: قال: نعْمَ، واللَّهِ، العبدُ إِذا ابتلي صَبَرَ، وإِذا أُعْطِيَ شَكَرَ.
انتهى «١» .
وقال ابنُ العربيِّ في «أَحكامه» : وفي بِأَيَّامِ اللَّهِ قولان: أحدهما: نعمه.
والثاني:
نقمه.
انتهى.
وقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ...
الآية: «تأَذَّن» : بمعنى آذَنَ، أي: أعلم.
قال بعضُ العلماء: الزيادةُ على الشُّكر ليستْ في الدنيا، وإِنما هي مِنْ نعم الآخرةِ، والدنيا أهْوَنُ من ذلك.
قال ع «٢» : وجائزٌ أن يزيدَ اللَّه المؤمِنَ علَى شُكْره من نعمِ الدنيا والآخرةِ، «والكُفْرِ» هنا: يحتمل أن يكون على بابه، ويحتملُ أنْ يكون كفرَ النِّعَمِ، لا كفر الجحد،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ أيْ: يُؤْثِرُونَها ﴿ عَلى الآخِرَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذُونَ ما تَعَجَّلَ لَهم مِنها تَهاوُنًا بِأمْرِ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ ﴾ أيَّ: يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في دِينِهِ ﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ:٩٩) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ في ضَلالٍ ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ ﴿ بَعِيدٍ ﴾ مِنَ الصَّوابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ ﴾ أيْ: بِلُغَتِهِمْ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى اللُّغَةِ عِنْدَ العَرَبِ: الكَلامُ المَنطُوقُ بِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو: إذا صَوَّتَ في الغَلَسِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ: " إلّا بِلُسُنِ قَوْمِهِ " بِرَفْعِ اللّامِ والسِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: " بِلِسْنِ قَوْمِهِ " بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ أيِ: الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ فَيَفْهَمُونَهُ عَنْهُ.
وهَذا نَزَلَ، لِأنَّ قُرَيْشًا قالُوا: ما بالُ الكُتُبِ كُلِّها أعْجَمِيَّةٌ، وهَذا عَرَبِيٌّ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " أنْ " مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الظُّلُماتِ والنُّورِ [البَقَرَةِ:٢٥٧] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نِعَمُ اللَّهِ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها وقائِعُ اللَّهِ في الأُمَمِ قَبْلَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها أيّامُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأيّامُ نِقَمِهِ مِمَّنْ كَفَرَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: التَّذْكِيرَ ﴿ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿ شَكُورٍ ﴾ لِأنْعُمِهِ.
والصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ، والشَّكُورُ: الكَثِيرُ الشُّكْرِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالآياتِ لِانْتِفاعِهِ بِها.
وما بَعْدَ هَذا مَشْرُوحٌ في سُورَةِ (البَقَرَةِ: ٤٩) .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللهُ مِن يَشاءُ ويَهْدِي مِن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ وطَعْنٌ عَلى المُسْتَغْرِبِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ، أيْ: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ بِبِدْعٍ مِنَ الرُسُلِ، وإنَّما أرْسَلْناكَ لِتُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ عَلى عادَتِنا في رُسُلِنا في أنْ نَبْعَثَهم بِألْسِنَةِ أُمَمِهِمْ لِيَقَعَ التَكَلُّمُ بِالبَيانِ والعِبارَةِ المُتَمَكِّنَةِ، ثُمَّ يَكُونُ تَبايُنُ الناسِ مِن غَيْرِ أهْلِ اللِسانِ عِيالًا في التَبْيِينِ عَلى أهْلِ اللِسانِ الَّذِي يَكُونُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وجَعَلَ اللهُ العِلَّةَ في إرْسالِ الرُسُلِ بِألْسِنَةِ قَوْمِهِمْ طَلَبَ البَيانِ، ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "فَيُضِلُّ"، أيْ إنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إنَّما غايَتُهُ أنْ يُبَلِّغَ ويُبَيِّنَ، ولَيْسَ فِيما كُلِّفَ أنْ يَهْدِيَ ويُضِلَّ، ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ يُنْفِذُ فِيهِ سابِقَ قَضائِهِ، ولَهُ في ذَلِكَ العِزَّةُ الَّتِي لا تُعارَضُ، والحِكْمَةُ الَّتِي لا تُعَلَّلُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنِ اعْتَرَضَ أعْجَمِيٌّ بِأنْ يَقُولَ: مَن أيْنَ يُبَيِّنُ هَذا الرَسُولُ لِي الشَرِيعَةَ وأنا لا أفْهَمُهُ؟
قِيلَ لَهُ: أهْلُ المَعْرِفَةِ بِاللِسانِ يُعَبِّرُونَ لَكَ، وفي ذَلِكَ كِفايَتُكَ، وإنْ قالَ: ومَن أيْنَ تَتَبَيَّنُ لِي المُعْجِزَةَ وأفْهَمُ الإعْجازَ وأنا لا أفْهَمُ اللُغَةَ؟
قِيلَ لَهُ: الحُجَّةُ عَلَيْكَ إذْعانُ أهْلِ الفَصاحَةِ والَّذِينَ كانُوا يُظَنُّ بِهِمْ أنَّهم قادِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، وبِإذْعانِهِمْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلى البَشَرِ، كَما قامَتِ الحُجَّةُ في مُعْجِزَةِ مُوسى بِإذْعانِ السَحَرَةِ، وفي مُعْجِزَةِ عِيسى بِإذْعانِ الأطِبّاءِ.
و"اللِسانُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- يُرادُ بِهِ اللُغَةُ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "بِلِسْنِ قَوْمِهِ" بِسُكُونِ السِينِ دُونَ ألْفٍ، كَرِيشٍ ورِياشٍ، ونَقُولُ: لِسْنٌ ولِسانٌّ في "اللُغَةِ"، فَأمّا العُضْوُ فَلا يُقالُ فِيهِ: لِسْنٌ بِسُكُونِ السِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ.
آياتُ اللهِ هي العَصا، واليَدُ، وسائِرُ التِسْعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: بِأنْ أخْرِجْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وأمّا "الظُلُماتُ والنُورُ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وهَذا عَلى ظاهِرِ أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهم كانُوا قَبْلَ بَعْثِ مُوسى فِيهِمْ أشْياعًا مُتَفَرِّقِينَ في الدِينِ فَفَرْعٌ مَعَ القِبْطِ في عِبادَةِ فِرْعَوْنَ، وكُلُّهم عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وهَذا مَذْهَبُ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإنَّ صَحَّ أنَّهم كانُوا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ونَحْوَ هَذا فالظُلُماتُ: الذُلُّ والعُبُودِيَّةُ، والنُورُ: العِزَّةُ بِالدِينِ والظُهُورُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وأكْثَرُ الآياتِ في رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّها إنَّما كانَتْ إلى بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً في مَعْنى الشَرْعِ لَهُمْ، وأمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ بِفُرُوعِ الدِيانَةِ، وإلى فِرْعَوْنَ وأشْرافِ قَوْمِهِ في أنْ يَنْظُرُوا ويَعْتَبِرُوا في آياتِ مُوسى فَيُقِرُّوا بِاللهِ تَعالى ويُؤْمِنُوا بِهِ وبِمُوسى وبِمُعْجِزَتِهِ، ويَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَهُ، ويُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَتَرَتَّبُ هَذا مِنهم إلّا بِإيمانٍ بِهِ.
وأمّا أنْ تَكُونَ رِسالَتُهُ إلَيْهِمْ لِمَعْنى اتِّباعِهِ والدُخُولِ في شَرْعِهِ فَلَيْسَ هَذا بِظاهِرِ القِصَّةِ، ولا كَشَفَ الغَيْبُ ذَلِكَ، ألّا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَ عنهم بِبَنِي إسْرائِيلَ فَلَوْ لَمْ يُتْبَعْ لَمَضى بِأُمَّتِهِ؟
وألّا تَرى أنَّهُ لَمْ يَدْعُ القِبْطَ بِجُمْلَتِهِمْ وإنَّما كانَ يُحاوِرُ أُولِي الأمْرِ؟
وأيْضًا فَلَيْسَ دُعاؤُهُ لَهم عَلى حَدِّ دُعاءِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ- أُمَمَهم في مَعْنى كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، بَلْ في الِاهْتِداءِ والتَزَكِّي وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ لَوْ كانَتْ دَعْوَتُهُ لِفِرْعَوْنَ والقِبْطِ عَلى حُدُودِ دَعْوَتِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَلِمَ كانَ يَطْلُبُ بِأمْرِ اللهِ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ كانَ يَطْلُبُ أنْ يُؤْمِنَ الجَمِيعُ ويَتَشَرَّعُوا بِشَرْعِهِ ويَسْتَقِرَّ الأمْرُ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ مَبْعُوثًا إلى القِبْطِ لَرَدَّهُ اللهُ إلَيْهِمْ حِينَ غَرِقَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، ولَكِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَّتَهُ لَهُ فَلَمْ يُرِدَّ إلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتَجَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بُعِثَ إلى جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ آيَةٍ: ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ ﴾ ، و ﴿ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴾ واللهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللهِ ﴾ الآيَةُ.
أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى أنْ يَعِظَ قَوْمَهُ بِالتَهْدِيدِ بِنِقَمِ اللهِ الَّتِي أحَلَّها بِالأُمَمِ الكافِرَةِ قَبْلَهُمْ، وبِالتَعْدِيدِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ في المَواطِنِ المُتَقَدِّمَةِ، وعَلى غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِهِ، لِيَكُونَ جَرْيُهم عَلى مِنهاجِ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وهَرَبُهم مِن طَرِيقِ الَّذِينَ حَلَّتْ بِهِمُ النَقَماتُ، وعَبَّرَ عَنِ النِعَمِ والنِقَمِ بِالأيّامِ إذْ هي في أيّامٍ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَعْظِيمُ هَذِهِ الكَوائِنِ المُذَكَّرِ بِها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُمْ: يَوْمٌ عَصِيبٌ، ويَوْمٌ عَبُوسٌ، ويَوْمٌ بَسّامٌ، وإنَّما الحَقِيقَةُ وصْفُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الشِدَّةِ أوِ السُرُورِ، وحَكى الطَبَرِيَّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: أيّامُ اللهِ: نِعَمُهُ، وعن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: أيّامُ اللهِ: نِقَمُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظَةُ "الأيّامِ" تَعُمُّ المَعْنَيَيْنِ، لِأنَّ التَذْكِيرَ يَقَعُ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ إنَّما أرادَ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ناظِرٍ لِنَفْسِهِ، فَأخَذَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِ صِفَتَيْنِ تَجْمَعانِ أكْثَرَ الخِصالِ، وتَعُمّانِ أجْمَلَ الأفْعالِ.
<div class="verse-tafsir"
إذا كانت صيغة القصر مستعملة في ظاهرها ومسلّطة على متعلّقي الفعل المقصور كان قصراً إضافياً لقلب اعتقاد المخاطبين، فيتعين أن يكون ردّاً على فريق من المشركين قالوا: هلا أنزل القرآن بلغة العجم.
وقد ذكر في «الكشاف» في سورة فصلت عند قوله تعالى: ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ﴾ [سورة فصلت: 44] فقال: كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم، وهو مروي في تفسير الطبري } هنالك عن سعيد بن جبير أن العرب قالوا ذلك.
ثم يجوز أن يكون المراد بلغة العجم لغة غير العرب مثل العبرانية أو السريانية من اللغات التي أنزلت بها التوراة والإنجيل، فكان من جملة ما موّت لهم أوهامهم أن حسبوا أن للكتب بالإلهية لغة خاصة تنزل بها ثم تُفسر للّذين لا يعرفون تلك اللّغة.
وهذا اعتقاد فاش بين أهل العقول الضعيفة، فهؤلاء الّذين يعالجون سرّ الحرف والطلسمات يموّهون بأنها لا تكتب إلا باللغة السريانية ويزعمون أنها لغة الملائكة ولغة الأرواح.
وقد زعم السراج البلقيني: أن سؤال القبر يكون باللغة السريانية وتلقاه عنه جلال الدّين السيوطي واستغربه فقال: ومن عجيب ما ترى العينان *** أن سُؤال القبر بالسرياني أفتى بهذا شيخنا البلقيني *** ولم أره لغيره بعيني وقد كان المتنصرون من العرب والمتهودون منهم مثل عرب اليمن تترجم لهم بعض التوراة والإنجيل بالعربية كما ورد في حديث ورقة بن نوفل في كتاب بدء الوحي من «صحيح البخاري»، فاستقرّ في نفوس المشركين من جملة مطاعنهم أن القرآن لو كان من عند الله لكان باللغة التي جاءت بها الكتب السالفة.
فصارت عربيته عندهم من وجوه الطعن في أنه منزل من الله، فالقصر هنا لرد كلامهم، أي ما أرسلنا من رسول بلسان إلا لسان قومه المرسل إليهم لا بلسان قوم آخرين.
فموقع هذه الآية عقب آية ﴿ كتاب أنزلناه إليك ﴾ بيّن المناسبة.
وتقدير النظم: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزلناه بلغة قومك لتبيّن لهم الذي أوحينا إليك وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم فيخرجهم من الظلمات إلى النور.
وإذا كانت صيغة القصر جارية على خلاف مقتضى الظاهر ولم يكن ردّاً لمقالة بعض المشركين يكُن تنزيلاً للمشركين منزلة من ليسوا بعرب لعدم تأثرهم بآيات القرآن، ولقولهم: ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴾ وكان مناط القصر هو ما بعد لام العلّة.
والمعنى: ما أرسلناك إلاّ لتبيين لهم وما أرسلنا من رسول إلا ليبين لقومه، وكان قوله: ﴿ إلا بلسان قومه ﴾ إدْماجاً في الاستثناء المتسلط عليه القصرُ؛ أو يكون متعلقاً بفعل ﴿ ليبين ﴾ مقدماً عليه.
والتقدير: ما أرسلناك إلا لتبين لهم بلسانهم، وما أرسلنا من رسول إلا ليبين لقومه بلسانهم، فما لقومك لم يهتدوا بهذا القرآن وهو بلسانهم، وبذلك يتضح موقع التفريع في قوله: ﴿ فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ .
واللسان: اللغة وما به التخاطب.
أطلق عليها اللسان من إطلاق اسم المحل على الحال به، مثل: سَال الوادي.
والباء للملابسة، فلغة قومه ملابسة لِكلامه والكتاببِ المنزل إليه لإرشادهم.
والقوم: الأمة والجماعة، فقوم كلُ أحد رهطه الذين جماعتهم واحدة ويتكلمون بلغة واحدة، وقوم كل رسول أمته المبعوث إليهم، إذ كان الرسُل يبعثون إلى أقوامهم، وقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم العرب، وأما أمته فهم الأقوام المبعوث إليهم وهم الناس كافة.
وإنما كان المخاطب أولاً هم العرب الذين هو بين ظهرانيهم ونزل الكتاب بلغتهم لتعذر نزوله بلغات الأمم كلها، فاختار الله أن يكون رسوله عليه الصلاة والسلام من أمة هي أفصح الأمم لساناً، وأسرعهم أفهاماً، وألمعهم ذكاءً، وأحسنهم استعداداً لقبول الهدى والإرشاد، ولم يؤمن برسول من الرسل في حياته عددٌ من الناس مثل الذين آمنوا بمحمّد صلى الله عليه وسلم في حياته فقد عم الإسلامُ بلاد العرب وقد حج مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نحو خمسين ألفاً أو أكثر.
وقيل مائة ألف وهم الرجال المستطيعون.
واختار أن يكون الكتاب المنزل إليهم بلغة العرب، لأنها أصلح اللغات جمعَ معان، وإيجاز عبارة، وسهولة جري على الألسن، وسرعة حفظ، وجمال وقع في الأسماع، وجعلت الأمة العربية هي المتلقية للكتاب بادئ ذي بدء، وعهد إليها نشره بين الأمم.
وفي التعليل بقوله: ﴿ ليبين لهم ﴾ إيماء إلى هذا المعنى، لأنه لما كان المقصود من التشريع البيان كانت أقرب اللغات إلى التبيين من بين لغات الأمم المرسل إليهم هي اللغة التي هي أجدر بأن يأتي الكتاب بها، قال تعالى: ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ﴾ [سورة الشعراء: 195].
فهذا كله من مطاوي هذه الآية.
ولكن لما كان المقصود من سياقها الرد على طعنهم في القرآن بأنه نزل بلغة لم ينزل بها كتاب قبله اقتُصر في رد خطئهم على أنه إنما كان كذلك ليبيّن لهم لأن ذلك هو الذي يهمهم.
وتفريع قوله: فيضل الله من يشاء } الخ على مجموع جملة ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ﴾ ، ولذلك جاء فعل ﴿ يضلّ ﴾ مرفوعاً غير منصوب إذ ليس عطفاً على فعل ﴿ ليبين ﴾ لأن الإضلال لا يكون معلولاً للتبيين ولكنه مفرع على الإرسال المعلل بالتبيين.
والمعنى أن الإرسال بلسان قومه لحكمة التبيين.
وقد يحصل أثر التبيين بمعونة الاهتداء وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبيّن لهم.
والإضلال والهدى من الله بما أعد في نفوس الناس من اختلاف الاستعداد.
وجملة ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ تذييل لأن العزيز قويّ لا ينفلت شيء من قدرته ولا يخرج عما خُلق له، والحكيم يضع الأشياء مواضعها، فموضع الإرسال والتبيين أتي على أكمل وجه من الإرشاد.
ومَوْقع الإضلال والهدى هو التكوين الجاري على أنسب حال بأحوال المرسل إليهم، فالتبيين من مقتضَى أمر التشريع والإضلالُ من مقتضَى أمر التكوين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ﴾ أيْ بِحُجَجِنا وبَراهِينِنا، وقالَ مُجاهِدٌ هي التِّسْعُ الآياتُ: ﴿ أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى.
الثّانِي: مِن ذُلِّ الِاسْتِعْبادِ إلى عِزِّ المَمْلَكَةِ.
﴿ وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وعِظْهم بِما سَلَفَ مِنَ الأيّامِ الماضِيَةِ لَهم، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
الثّانِي: بِالأيّامِ الَّتِي انْتَقَمَ اللَّهُ فِيها مِنَ القُرُونِ الأُولى، قالَهُ الرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى أيّامِ اللَّهِ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وقَدْ رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَرْفُوعًا.
وَقَدْ تُسَمّى النِّعَمُ بِالأيّامِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: وأيّامٍ لَنا غُرٍّ طِوالٍ عَصِينا المُلْكَ فِيها أنْ نَدِينا وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: أنْ يُرِيدَ الأيّامَ الَّتِي كانُوا فِيها عَبِيدًا مُسْتَذَلِّينَ؛ لِأنَّهُ أنْذَرَهم قَبْلَ اسْتِعْمالِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ الصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ، والشَّكُورُ: الكَثِيرُ الشُّكْرِ، قالَ قَتادَةُ: هو العَبْدُ إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ.
وَقالَ الشَّعْبِيُّ: الصَّبْرُ نِصْفُ الإيمانِ، والشُّكْرُ نِصْفٌ، وقَرَأ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ وتَوارى الحَسَنُ عَنِ الحَجّاجِ تِسْعَ سِنِينَ، فَلَمّا بَلَغَهُ مَوْتُهُ قالَ: اللَّهُمَّ قَدْ أمَتَّهُ فَأمِتْ سُنَّتَهُ وسَجَدَ شُكْرًا وقَرَأ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ وإنَّما خَصَّ بِالآياتِ كُلَّ صَبّارٍ شَكُورٍ، وإنْ كانَ فِيهِ آياتٌ لِجَمِيعِ النّاسِ لِأنَّهُ يَعْتَبِرُ بِها ويُغْفَلُ عَنْها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴾ قال: من الضلالة إلى الهدى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يستحبون ﴾ قال: يختارون.
وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: إن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قيل: ما فضله على أهل السماء؟
قال: إن الله قال لأهل السماء ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ [ الأنبياء: 29] وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ [ الفتح: 2] فكتب له براءة من النار، قيل له: فما فضله على الأنبياء؟
قال: إن الله تعالى يقول ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ [ سبأ: 28] فأرسله إلى الانس والجن.
وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يبعث الله نبياً إلا بلغة قومه» .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان جبريل عليه السلام يوحى إليه بالعربية، وينزل هو إلى كل نبي بلسان قومه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ قال: بلغة قومه، إن كان عربياً فعربياً، وإن كان عجمياً فعجمياً، وإن كان سريانياً فسريانياً، ليبين لهم الذي أرسل الله إليهم، ليتخذ بذلك الحجة عليهم.
وأخرج الخطيب في تالي التلخيص، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ قال: أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بلسان قومه عربي.
وأخرج ابن مردويه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ﴿ إلا بلسان قومه ﴾ قال: نزل القرآن بلسان قريش.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: نزل القرآن بلسان قريش.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم يترجم كل نبي لقومه بلسانهم.
قال: ولسان يوم القيامة السريانية، ومن دخل الجنة تكلم بالعربية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر رضي الله عنه قال: لا تأكلوا ذبيحة المجوس ولا ذبيحة نصارى العرب، أترونهم أهل الكتاب؟
فإنهم ليسوا بأهل كتاب.
قال الله تعالى ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ﴾ وإنما أرسل عيسى عليه السلام بلسان قومه، وأرسل محمد صلى الله عليه وسلم بلسان قومه عربي، فلا لسان عيسى عليه السلام أخذوا، ولا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم اتبعوا، فلا تأكلوا ذبائحهم، فإنهم ليسوا بأهل كتاب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ اللسان يستعمل على معان؛ أحدها: الجارحة (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ ﴾ ، وقال ابن الأنباري: العرب تُوقع اللسان على الخطبة، والرسالة والكلمة والكلام، يقولون: له لسانٌ حسنةٌ، يعنون: خطبة وعبارة وكلمة، ويقولون: سبق من زيد لسانٌ عمَّه، يعنون: الكلام (٥) (٦) (٧) ﴿ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ بلغة قومه ليفهموا عنه ويعقلوا، يدل لحى هذا قوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ ، ويقال: فلان يتكلم بلسان العرب، أي: بلغتهم (٨) (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له (١٢) ﴿ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ بعد التّبيين بإيثاره الباطل (١٣) ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ : باتِّباع الحق.
قال الفراء: وإذا رأيت الفعل منصوبًا وبعده فعل قد نُسِق (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ ﴾ فيأبى في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك (١٨) (١٩) ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ ﴾ : ﴿ وَيَأْبَى اللَّهُ ﴾ فإذا لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف، ومثله قوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ (٢٠) (٢١) يُريدُ أن يُعْرِبَه فيُعْجمُه (٢٢) (١) في (د): (الخارجة).
(٢) نقله ابن الأنباري في كتابه "المذكر والمؤنث" 1/ 364 بنصه، وفي (ش)، (ع): (مذكر).
(٣) ورد في المذكر والمؤنث لابن الأنباري 1/ 364 بنصه، وورد في "تهذيب اللغة" (لسن) 4/ 3262، بلا نسبة.
(٤) ورد بنصه تقريباً في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 364، و"المخصص" لابن سيده 17/ 12.
(٥) لم أقف على مصدره.
(٦) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 191 أ، وأخرجه الطبري 13/ 181، عن قتادة، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 200، و"الثعلبي" 7/ 145 ب، و"الطوسي" 6/ 273، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 335، وابن عطية 8/ 199.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (لسن) 4/ 3262، و"مجمل اللغة" 3/ 807، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 154، و"اللسان" (لسن) 7/ 4030 (٨) انظر: "الكليات" لأبي البقاء ص 798.
(٩) في (أ)، (د): (الأسماء)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الأصح لانسجامه مع السياق.
(١٠) لم أقف على مصدره.
وورد مختصراً بلا نسبة في "تفسير القرطبي" 9/ 340.
(١١) بنو سعد بن بكر: هم بطن من هوازن بن منصور، من العدنانية، وهم أظآره عندهم استرضع من حليمة السعدية.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 265، و"نهاية الأرب" ص 268.
(١٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 304، بنصه.
(١٣) يعني أن ﴿ فَيُضِلُّ ﴾ مرفوع على الاستئناف ومقطوع من الأول؛ لأنه لو عطف على قوله ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ لأوهم أن إرسال الرسل لإرادة الإضلال، وهو خلاف المراد من الآية، وجوّز الزجاج النصب على وجه بعيد على أن اللام لام العاقبة؛ لأنه لما آل أمرهم إلى الضلال مع بيان الرسول لهم صار كأنه إنما أُرسل لذلك.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 154، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 445، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 54، و"الإملاء" 2/ 66.
(١٤) في (د): (سبق)، والنَّسق في اصطلاح النحويين هو: العطف.
انظر: "المعجم المفصل في النحو العربي" 2/ 113.
(١٥) (كان) ساقطة من (د).
(١٦) المقصود بالمشاكلة: المماثلة.
انظر.
"اللسان" (شكل) 4/ 2310.
(١٧) في (د): (سبقته).
(١٨) "معاني القرآن" اللفراء 2/ 68 بنصه تقريباً.
(١٩) في (د): (يناول).
(٢٠) يقول الزجاج رحمه الله: لا يجوز فيها إلا الرفع، ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنُقرَّ في الأرحام؛ لأن الله -عز وجل- لم يخلق الأنام لما يُقرُّ في الأرحام، وإنما خلقهم ليدلَّهم على رشدهم وصلاحهم.
"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 412.
(٢١) نسب إلى رؤبة في "الكتاب" 3/ 52، و"اللسان" (عجم) 5/ 2826، ونسب إلى الحطيئة في شواهد "المغني" 1/ 476، و"الدرر اللوامع" 6/ 86، وورد غير منسوب في "همع الهوامع" 5/ 235، و"المقتضب" 2/ 33.
(٢٢) بيت من رَجَز ضمن خمسة أبيات.
انظر المصادر السابقة، وقد جاء به الواحدي شاهداً للمسألة النحوية التي قرَّرها من قبل، وهو قطع الفعل الثاني عن الأول بالاستئناف، وعدم جواز عطفه لما يترتب عليه من التباس المعنى وفساده.
والشاهد في البيت: رفع.
"فيعجمُه" على القطع، والمعنى: فإذا هو يعجمه، ولا يجوز النصب على العطف لفساد المعنى؛ لأنه لا يريد إعجامه؛ والإعجام: أن يجعله مشكلاً وملتبساً.
انظر: "الدرر اللوامع" 6/ 87.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ ﴾ قرئ بالرفع وهو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وبالخفض بدل ﴿ يَسْتَحِبُّونَ ﴾ أي يؤثرون ﴿ وَيَبْغُونَهَا ﴾ قد ذكر ﴿ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ أي بلغتهم وكلامهم ﴿ أَنْ أَخْرِجْ ﴾ أن مفسرة أو مصدرية على تقدير بأن ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله ﴾ أي عقوباته للأمم المتقدمة، وقيل: إنعامه على بني إسرائيل، واللفظ يعم النعم والنقم، وعبر عنها بالأيان لأنها كانت في بالأيام، وفي ذلك تعظيم لها كقولهم يوم كذا ويوم كذا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الله الذي ﴾ بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا وصل.
الباقون بالجر مطلقاً ﴿ وعيدي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
الوقوف: ﴿ الر ﴾ قف كوفي ﴿ الحميد ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالرفع.
﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ صفة الكافرين ﴿ عوجاً ﴾ ط بناء على ما قلنا أو على أن ﴿ الذين ﴾ منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك في ضلال ﴾ فلا وقف على ﴿ عوجاً ﴾ ولك أن تقف على ﴿ شديد ﴾ للآية ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ ليبين لهم ﴾ ط لأن قوله: ﴿ فيضل ﴾ حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ بأيام الله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ط ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لشديد ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفاً ومن عطف فوقه على ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط فصلاً بين الاستخبار والإخبار ﴿ مسمى ﴾ ط لتقدير همزة الاستفهام في ﴿ تريدون ﴾ .
﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ وبإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ آذيتمونا ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ في ملتنا ﴾ ط ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ عنيد ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ صديد ﴾ ه لا لذلك ﴿ يميت ﴾ ط ﴿ غليظ ﴾ ه.
التفسير: كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان.
قوله: ﴿ ألر كتاب ﴾ أي السورة المسماة بـ ﴿ ألر ﴾ كتاب ﴿ أنزلناه إليك ﴾ لغرض كذا وإن كان ﴿ الر ﴾ مذكوراً على جهة التعديد فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن أو هذه السورة كتاب.
والظلمات استعارة لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق.
واللام في ﴿ لتخرج ﴾ للغرض عند المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة.
واللام في ﴿ الناس ﴾ للجنس المتسغرق ظاهراً ففيه دليل على أن دعوته عامة.
ومعنى إخراج النبي ﴿ من الظلمات إلى النور ﴾ أنه جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته إياهم به إلى الحق واسطة لهدايتهم لا مطلقاً ولكن ﴿ بإذن ربهم ﴾ أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما خلق له.
والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى بداعية الإيمان.
احتج بالآية من قال: إن معرفة الله لا تمكن إلا بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور: وأجيب بأن معنى الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ بدل من قوله: ﴿ إلى النور ﴾ بتكرير العامل الجار.
وجوز في الكشاف أن يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟
فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.
وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد من العلم والغنى وغير ذلك.
ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج لعباده مفضياً إلى صلاح حالهم ديناً ودنيا، إذ لا حاجة له إلى ارتكاب عبث أو قبيح.
قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه قادراً غالباً وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً والعلم بكونه غنياً عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه تحقيقاً لحقية صراطه وبياناً لتنزهه عن العبث فقال: ﴿ الله الذي ﴾ مبتدأ وخبر والمبتدأ محذوف تقديره هو الله.
ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين بناء على أن لفظ ﴿ الله ﴾ جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا البحث مشبعاً في تفسير البسملة من سورة الفاتحة.
ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ولا يقر بوحدانيته ذلك قوله: ﴿ وويل للكافرين ﴾ وهو دعاء عليهم بالهلاك والثبور وكل سوء.
قال في الكشاف: وجه اتصال قوله: ﴿ من عذاب شديد ﴾ بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ويلاه.
﴿ الذين يستحبون ﴾ أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه يكره كونه محباً له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محباً له وأحب تلك المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى مراتب الضلال.
وقوله: ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ إشارة إلى الضلال.
وقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف ويمكن أن يكون إسناداً مجازياً باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق.
ثم لما مَنَّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم.
احتج أصحاب أبي هاشم بالآية على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال.
قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ أي بلغتهم لزم الدور.
أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه فيندفع الدور.
وتمسك طائفة من اليهود - يقال لهم العيسوية - بهذه الآية في أن محمداً رسول الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم.
والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن قوم النبي أخص من أهل دعوته فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما في حق نبينا لأن التحديث وقع بالفريقين في قوله: ﴿ قل لئن اجتمع الإنس والجن ﴾ وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أوّلاً إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطول ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد.
وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: ﴿ لتخرج الناس ﴾ ووسطها وهو قوله: ﴿ ليبين لهم ﴾ فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله ﴿ الحكيم ﴾ فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال.
وقالت الأشاعرة.
قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ وقوله: ﴿ فيضل الله من يشاء ﴾ وقوله: ﴿ العزيز ﴾ فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا.
أقول: نحن قد حققنا مسألة الجبر مراراً فتذكر.
ومما يخص هذا الموضع قول الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لميكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه كقوله: { ﴿ لنبين لكم ونقر ﴾ بالرفع نظيره في الآية قوله: ﴿ فيضل ﴾ بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها.
ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسبباً لما بين أن المقصود من بعثة نبينا هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أرد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن إلا ذلك وذكر لذلك مثالاً.
وخص موسى بالذكر لأنه أمته أكثر الأمم سوى أمة محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة.
ومعنى ﴿ أن أخرج ﴾ أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول: ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج.
ومعنى التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم.
ويقال: أيام العرب لحروبها وملاحمها.
وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت تسخير فرعون، أو المراد عظهم بالترغيب والترهيب ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير والتنبيه دلائل ﴿ لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ على السراء.
وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ينتفعون بها.
ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل ههنا "يا قوم" كما ذكر في المائدة اقتصاراً على ما ذكره هناك.
وقوله: ﴿ عليكم ﴾ إن كان صلة للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: ﴿ إذ أنجاكم ﴾ ظرف للإنعام أيضاً، وإن كان مستقراً بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب ﴿ إذ أنجاكم ﴾ بـ ﴿ عليكم ﴾ وفي الوجهين جاز أن يكون "إذ" بدلاً من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة.
ومن جملة النعم قوله: ﴿ وإذ تأذن ﴾ أي واذكروا حين آذن ﴿ ربكم ﴾ إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات.
وقد تقدم في أواخر "الأعراف" أن فيه معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع أقسام ما أنعم الله به عليه فيما أعطاه لأجله.
ولا شك أن المكلف إذا سلك هذا الطريق كان دائماً في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن رؤية النعم، ويصدر منه الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعاً والتكلف خلقاً، وهذا معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعاً منقاداً لواجب الوجود تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو - أي لا عجب - أن ينقاد لذلك النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: ﴿ ولئن كفرتم ﴾ يعني كفران النعم ﴿ إن عذابي لشديد ﴾ ثم بين أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله غني عن ذلك كله فقال: ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ الآية.
وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنياً عن الحاجات متصفاً بكل الكمالات أهلاً للحمد وإن لم يكن حامداً.
وقوله: ﴿ ألم يأتكم ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم.
والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول تحذيراً لهم عن مخالفته.
وقوله: ﴿ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ إن كان جملة من مبتدأ وخبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله: ﴿ والذين من بعدهم ﴾ معطوفاً على قوم نوح فقوله: ﴿ لا يعلمهم إلا الله ﴾ وحده اعتراض.
ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائداً إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد.
ونظير الآية قوله: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ { ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.
ثم إنه حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أتوا بأمور أحدها ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ وفيه قولان: أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ .
قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم ﴿ إنا كفرنا بما أرسلتم به ﴾ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق، وهذا قول قويّ لعطف قوله: ﴿ وقالوا ﴾ على قوله: ﴿ فردّوا ﴾ الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام ألبتة.
أو يكون الضميران الأخيران راجعين إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقد عائداً على الرسل والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم وردّاً عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء منعاً لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول.
القول الثاني: أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز.
عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل.
ونقل محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ردّ يده في فيه.
فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به.
والمراد بما زعمتهم أن الله أرسلكم به وكأنهم في أوّل الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي الثالثة قالوا: ﴿ وإنا لفي شك ﴾ وقد مر مثله في سورة هود.
فإن قلت: كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟
قلنا: أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم.
ثم إنه حكى جواب الرسل وذلك قولهم: ﴿ أفي الله شك فاطر السموات والأرض ﴾ أدخل همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود الله لا يحتمل الشك.
قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين.
إنه كان من عقيدتي أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين.
والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنهبات في هذا المقام لأنها مقررة لقوله : ﴿ أفي الله شك ﴾ فأقول وبالله التوفيق: المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم جميعاً.
فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب العدم في ذاته معاً، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته.
الخامس واجب الوجود لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته.
ثم نقول: إن العقل كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج كان معدوماً في الخارج.
فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك فثبت كونه موجوداً في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة.
وجه ثانٍ: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ضروريتها لأنها إن كان مستغنياً عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا فممكن فنقول: إن كانت القمسة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط.
أما كونها مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معاً في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه.
وإذا كان الجمع بين الواجب والممكن ممكناً في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجوداً يكون أولى بالضرورة لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجو له وهذه مقدمة جلية مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذا لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه وجود يوجد ألبته من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى وأولى منه في الممكن.
وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب الوجود له، والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ريب أن الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجوداً والثاني واقع بالضرورة فالأولى أولى بكونه ضروري الوقوع.
وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع.
فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فو واجب الوجود.
ومن شك في وجود ماوجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفاً بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلاً لأن يهجر الحكمة.
وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة.
فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفاً بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققاً، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه.
وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجاباً له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير، فالوجود ثابت بالطريقة الأولى.
وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجوداً واجباً لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا.
فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتاً في نفسه لم يتصور منه إفادة مثله، فإذا حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفاً بكونه مفيداً لوجود مثله.
فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح.
وجه ثامن: كون الشيء موجوداً في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجداً لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجداً لغيره، وكل موجد لغيره موجود في نفسه.
وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول واقعاً، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوّته بأقربهما من القبول واقعاً؟
وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة والمعاندين ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ ثم أخبر أنهم يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء منهم, فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري الوجود.
وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيراً في نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفوال طالعاً فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعاً.
وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس.
من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئاً هو به هو، وبذلك يصح أنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة يتصرف فيها كيف يشاء.
ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في سلك الجمادات، فكما أن البدن لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو الواجب الحق شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ولا أثر.
وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور.
لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره، وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهراً في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهوراً لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلاً.
فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضاً علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا.
وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يتسحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته.
ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزلياً أن يكون الفيض المخصوص أزلياً، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم.
هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان.
قال بعض العقلاء: من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثه النبي.
أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟!
وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربي ذلك الضارب؟
وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى.
وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه.
وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال؟!
وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو قرأ بهما ثم بانأن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه ألبته، أما إذا أنكر الصانع والتكليف والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذاً بالأحوط.
ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها وذلك ثنتان: الأولى قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان ﴿ ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ استدل بالآية من جوّز زيادة "من" في الإثبات وذلك لقوله في موضع آخر: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ {الزمر: 53].
وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون "من" للتبعيض تمييزاً بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت في خطاب الكافرين إلا مقرونة بـ "من" كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة الأحقاف.
وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف ﴿ يغفر لكم ذنوبكم ﴾ بغير "من".
وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم.
وقيل: "من" للبدل أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب.
وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير.
وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر.
فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة.
وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا كبيراً مغفوراً.
وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: في الآية دلالة على أنه قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب.
ولقائل أن يقول: لانسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟.
الغاية الثانية قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال.
وقد مر تحقيق الأجل في أوّل "الأنعام".
ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: ﴿ إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك.
الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قوله: ﴿ تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ﴾ الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق.
وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلاً لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطاناً مبيناً أي برهاناً باهراً وحجة قاهرة.
ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله.
أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعاً منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيها.
وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها ﴿ وما كان لنا ﴾ أي ما صح منا ﴿ أن نأتي بآية ﴾ اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله.
والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته.
وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها.
ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.
وفي قولهم: ﴿ وقد هدانا سبلنا ﴾ إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد.
وفي قولهم.
﴿ ولنصبرن على ما آذيتمونا ﴾ دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات.
أما قول الكفار للرسل: ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب.
وقال صاحب الكشاف: العود ههنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم ألبتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴾ أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول.
عن النبي : "من آذى جاره ورّثه الله داره" ﴿ ذلك ﴾ الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق ﴿ لمن خاف مقامي ﴾ يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس ﴾ أو قيامي بالعدل والصواب مثل ﴿ قائماً بالقسط ﴾ أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي: ﴿ وخاف وعيد ﴾ قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد.
قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر.
قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل.
وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود.
﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ معاند.
وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلاً من المتعاندين في جانب آخر.
قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً للحق منحرفاً عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا.
فوضع الأعم موضع الأخص.
والظاهر مقام الضمير تنصيصاً على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم ﴿ من ورائه ﴾ أي من بين يديه.
يقال: الموت وراء كل أحد.
وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوارٍ عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما.
وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر.
وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف.
قال جار الله: قوله: ﴿ ويسقى ﴾ معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ أي من ماء بيانه أو صفته هذا.
والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله.
وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة.
﴿ يتجرعه ﴾ يتكلف جرعه ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ أي لم يقارب الإساغة فضلاً عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي.
قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية - أعني قوله: ﴿ ويصهر ﴾ - لا تدل على الحصول لقوله قبله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم ﴾ .
﴿ ويأتيه الموت من كل مكان ﴾ من جسده حتى من إبهام رجله.
وقيل: من أصل كل شعرة.
وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا.
ثم أخبر - والعياذ بالله- أن العذاب في كل وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.
قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا.
والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله فلم يسقوا فذكر ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار.
وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ كلاماً مستأنفاً منقطعاً عن حديث الرسل وأممهم.
التأويل: بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا.
إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة.
قوله: ﴿ الر ﴾ أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة.
﴿ بإذن ربهم ﴾ الذي يربيهم هو لا أنت.
وفي قوله: ﴿ إلى صراط ﴾ إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف.
وفي الاختتام بقوله: ﴿ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ﴾ إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله.
﴿ وويل للكافرين ﴾ من شدة ألم الانقطاع عن الله.
ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل.
﴿ إلا بلسان قومه ﴾ أي يتكلم معهم بلسان عقولهم.
﴿ ولقد أرسلنا ﴾ بواسطة جبريل الجذبة ﴿ موسى ﴾ القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص.
﴿ أن أخرج قومك ﴾ وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير ﴿ لآيات ﴾ في نفي الوجود ﴿ لكل صبار ﴾ بالله مع الله من غير الله ﴿ شكور ﴾ لنعمة الوجود الحقيق ببذل الوجود المجازي ﴿ ولئن شكرتم ﴾ بالطاعة ﴿ لأزيدنكم ﴾ في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ﴿ ولئن كفرتم ﴾ نعمتي في المعاملات كلها ﴿ إن عذابي ﴾ قطيعتي ﴿ لشديد ﴾ ﴿ وقال موسى ﴾ القلب ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ أيها الروح والسر والخفى بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة.
﴿ يدعوكم ﴾ من المكونات إلى الملكوت ﴿ ليغفر لكم ﴾ بصفة الغفارية ﴿ من ذنوبكم ﴾ التي أصابتكم من حجب عالم الخلق ﴿ ويؤخركم ﴾ في التخلق بأخلاقه ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو وقت الفناء في الذات ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ للتوكل مقامات: فتوكل المبتدىء قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه.
﴿ لمن خاف مقامي ﴾ وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار ﴿ وخاف وعيد ﴾ القطيعة واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى.
﴿ من وراثه ﴾ أي قدام النفس في متابعة الهوى ﴿ جهنم ﴾ الصفات الذميمة ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة ﴿ يتجرعه ﴾ بالتكلف ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ لأنه ليس من شربه ﴿ يأتيه ﴾ أسباب ﴿ الموت من كل مكان ﴾ من كل فعل مذموم ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ .
لو كان غيره من الكتب أرسلت بغير لسان الأمم لكان هذا الكتاب يجب أن يكون مبعوثاً بلسان قومه؛ لأنه جعل هذا الكتاب نفسه حجة وآية لرسالته؛ لأنهم يعجزون عن إتيان مثله؛ وهو كان بلسانهم؛ ليعلموا أنه [جاء من الله]؛ إذ لو كان من اختراع الرسول - لقدروا [هم] على اختراع مثله؛ لأن لسانهم مثل لسانه، فإذا عجزوا عن إتيان مثله - دلَّ أنه منزَّل من الله لا من عند الخلق.
ثمّ يحتمل قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ وجوهاً: قال قائلون: هذا بعد ما اختلفت الألسن؛ أرسل هذا وفيه أنباء أوائلهم الذين كان لسانهم غير لسان هؤلاء، وأخبارهم ليعلموا أنه إنما عرف تلك الأنباء والأخبار التي كانت بغير لسانهم بالله.
وقال بعضهم: أرسل بلسان قومه؛ لئلا يكون لهم مقال كقوله: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ...
﴾ الآية [فصلت: 44].
والثالث: أنه إذا كان بلسانهم يكون آلف وأقرب إلى القبول؛ من إذا كان بغيره؛ إذ كل ذي نوع وجنس يكون بجنسه ونوعه آلف من غير نوعه وجوهره؛ [وهو] كقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ إذ ليس في وسع البشر رؤية الملك والنظر إليه على ما هو عليه، فعلى ذلك: كل ذي لسان يكون بلسانه أفهم وأقرب للقبول وآلف من غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ .
قال قائلون: ليكون أبين لهم وأفهم.
وقال قائلون: ليبين لهم فيفهموا قول رسولهم.
وقوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .
أي: يضل الله من آثر سبب الضلال، ويهدي من آثر سبب الذي به يهتدي؛ يهديه ذلك.
وقال قائلون: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء: هذا حكم الله؛ أن يضل المكذبين ويهدي المصدقين، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءاً [أنه] يضل من آثر سبب الضلال؛ ويهدي من يشاء [هذا حكم الله: أن يضل المكذبين ويهدي المصدقين]؛ أي: من آثر سبب الاهتداء.
﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ \[العزيز\]؛ لأن جميع الخلائق مفتقرون إليه لأنه يعزّ من عزّ.
أو أن يكون العزيز: هو الذي لا يغلب، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في الحكم والتدبير، أو الحكيم في بعث الرسل وفي جميع فعله، ولم يؤخذ عليه في فعله خطأ قط، مصيبٌ وضع كل شيء موضعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ ﴾ .
يحتمل آياته: حججه وبراهينه التي أرسل بها على وحدانية الله وألوهيته.
ويحتمل آياته: التي بعثها إلى موسى ليقيمها على رسالته.
إن شئت قلت: آياته: حججه وإن شئت سميتها أعلاماً، والآيات والأعلام والحجج - كله واحد؛ فيكون أعلام وحدانية الله وألوهيته أو أعلام رسالته.
وقال قائلون: ﴿ بِآيَاتِنَآ ﴾ : أي: بديننا، أي: أرسلنا موسى بديننا، ليدعوهم إليه.
﴿ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ .
وعلى ذلك بعث جميع الرسل والأنبياء، بعثوا ليخرجوا قومهم من الظلمات إلى النور، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ ﴾ .
التذكير: هو العظة؛ أي: عظهم بأيام الله.
قال قائلون: أيام الله: نعمه.
قال قتادة: أمره أن يذكرهم بنعم الله التي أنعمها عليهم؛ فإن لله عليكم أياماً من النعم؛ كأيام القوم؛ كم من خير قد أعطاه الله لكم؛ وكم من سوء [قد] صرفه الله عنكم، [وكم من كرب نفسه الله عنكم]، وكم من غَمٍّ فرجه الله عنكم؛ فاللهم ربنا لك الحمد.
وقال قائلون: أيام الله: وقائعه؛ أي: ذكّرهم بوقائع الله في الأمم السالفة؛ كيف أهلكهم لما كذبوا [الرسل].
هذا يحتمل: أن يذكرهم بنعم الله التي كانت على المصدقين بتصديقهم؛ وهو ما أنجى المصدقين من التعذيب والإهلاك؛ إهلاك تعذيب.
أو ذكر المكذبين منهم بالوقائع التي كانت على أولئك بالتكذيب؛ وهو الإهلاك.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ ﴾ : الأيام المعروفة نفسها، أمره أن يذكرهم بها؛ لأن الأيام تأتي بأرزاقهم؛ وتمضي بأعمالهم وأعمارهم؛ إن كان خيراً فخير وإن كان شرّاً فشر، وتفني أعمارهم وآجالهم، وفيما تأتي بأرزاقهم نعمة من الله عليهم، وفي ذهاب أعمارهم وآجالهم إظهار سلطان الله وقدرته، فأمره أن يذكرهم بذلك.
والله أعلم.
هذا يشبه أن يكون أمر موسى أن يذكر بني إسرائيل ما كان عليهم من فرعون؛ من أنواع التعذيب، ثم الإنجاء من بعد، يقول - والله أعلم - ذكّرهم الأيام الماضية وما يتلوها، وهذا أشبه وأقرب.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ قد ذكرنا أن الصبر: هو كف النفس عن معاصي الله وعن جميع مناهيه، والشكر: هو الرغبة في طاعته، أخبر أن فيما ذكر آيات لمن كف نفسه عن المعاصي؛ ورغب في طاعته، لا لمن تطاول على الرسل؛ وتكبر عليهم؛ وترك إجابتهم؛ ولم يرغب فيما دعوه إليه، ليس لأمثال هؤلاء عبرة وآية ولكن لمن ذكرنا.
ويشبه أن يكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن لأن كل من آمن بالله ووحَّده - اعتقد الكفّ عن جميع معاصيه، والرغبة في كل طاعته، وإن كان يقع أحياناً في معصيته، فكأنه قال: إن في ذلك لآيات للمؤمنين، على ما ذكر في غيره من الآيات؛ من ذلك قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ و ﴿ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ و ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ ؛ ونحوه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .
يشبه أن يكون [هذا] على الإضمار؛ وهو ما ذكر في آية أخرى؛ أي: اذكروا نعمة الله عليكم ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً...
﴾ الآية [المائدة: 20].
واذكروا أيضاً: ﴿ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ ﴾ قيل يعذبونكم ﴿ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .
وقال قائلون: يكلفونكم سوء العذاب ﴿ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ .
السوم: الإذاقة والتعريض؛ يقال: سامني كذا: أي: أذاقني وعرضني، ويقال: سمت الدابة على الحوض: أي: عرضتها.
﴿ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ هذا أيضاً قد ذكرناه؛ فيما تقدم في سورة البقرة والأعراف.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ قال ربكم.
وقيل: إذ أعلم ربكم وأخبر، والعرب ربما قالت: أفعلت في معنى تفعلت؛ فهذا من ذلك، ومثله في الكلام: أوعدني وتوعدني؛ وهو قول الفراء، وحقيقته: وعد ربكم أو كفل ربكم؛ لئن شكرتم لأزيدنكم، لم يقل: لئن شكرتم نعمة كذا، ولا بيّن أي نعمة: النعم كلها، أو نعمة دون نعمة، ولا قال: شكرتم بماذا، وقال لأزيدنكم؛ لم يذكر الزيادة في ماذا؛ ومن أي: شيء هي.
فيشبه أن يكون قوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ ﴾ بالتوحيد؛ أي: وحّدتم الله في الدنيا؛ فيما خلقكم خلقاً؛ وركّب فيكم ما تتلذذون وتتنعمون في الدنيا؛ وفيما قومكم من أحسن تقويم.
﴿ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ النعم الدائمة في الآخرة؛ فيصير على هذا التأويل كأنه قال: لئن أتيتم شاكرين في الآخرة لأزيدنكم النعم الدائمة، وإلى هذا يذهب ابن عباس ؛ أو قريب منه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ أي: ولئن كفرتم ولم توحدوه؛ وأشركتم غيره فيه؛ وصرفتم شكر تلك النعم إلى غيره إن عذابي لشديد.
ويحتمل أن يكون كل نعمة يشكرها يزيد له من نوعها في الدنيا؛ ويدوم ذلك له.
وفي قوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ لطف وفضل؛ لأن الشكر هو المجازاة والمكافأة لما سبق، والله لا يكافئ فيما أنعم؛ لأنهم يستزيدون لأنفسهم الزيادة بالشكر الذي ذكر؛ فهو ليس بشكر في الحقيقة، لكن هذا [منه لطف] ذكره؛ وهو كما قال الله : ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...
﴾ الآية [الحديد: 18] وقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 111] فهذه الأنفس والأموال في الحقيقة لله؛ ليست لهم؛ فهم فيما يقرضون، [يقرضون] لأنفسهم، وكذلك في الشراء يشترون لأنفسهم من مولاهم، لكنه ذكر شراه [من أنفسهم]؛ لطفاً منه وفضلا؛ فعلى ذلك فيما ذكر من الشكر له يطلبون الزيادة لأنفسهم؛ لطفاً منه، وإن كان الشكر في الظاهر موضوعه المكافأة لما سبق، فهو فيما بين الرب والعباد ليس بمكافأة؛ ولكن سبب الزيادة، ولكن سمي شكراً؛ لطفاً منه وفضلا على ما ذكر التصدق قرضاً؛ والله أعلم، ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي: غني [بذاته، ليس يأمر ما يأمر لحاجة نفسه، ولا لمنفعة له، ولكن ما امتحنكم إنما امتحنكم لحاجة أنفسكم؛ ولمنفعة أبدانكم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي: غني] عن عبادة خلقه؛ حميد عند خلقه؛ وهو ما ذكرنا أنه ليس يأمرهم فيما يأمر لمنفعة نفسه أو لحاجة نفسه؛ ولكن لمنافع تحصل للخلق ولحوائج تبدو لهم، وكذلك النهي عما ينهى ليس ينهى لخوف مضرّة تلحقه؛ ولكن للضرر يلحقهم ولآفة تتوجه إليهم.
يخبر - عز وجل - عن غناه؛ عما يأمر خلقه من طاعته وعبادته وتوجيه الشكر إليه.
والحميد: هو الذي لا يلحقه الذمّ في فعله، يقول - والله أعلم -: إنهم؛ [وإن كفروا] وكان علم الله منهم أنهم يكفرون؛ فعلمه بذلك لا يجعله في إنشائهم مذموماً.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وما بعثنا من رسول إلا بعثناه مُتَحدِّثًا بلنة قومه؛ ليسهل عليهم فهم ما جاء به من عند الله، ولم نبعثه لإجبارهم على الإيمان بالله، فالله يضل من يشاء بعدله، ويوفق من يشاء للهداية بفضله، وهو العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتدبيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.63V9D"