الآية ٤٠ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٤٠ من سورة إبراهيم

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( رب اجعلني مقيم الصلاة ) أي : محافظا عليها مقيما لحدودها ( ومن ذريتي ) أي : واجعلهم كذلك مقيمين الصلاة ( ربنا وتقبل دعاء ) أي : فيما سألتك فيه كله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول: ربّ اجعلني مؤدّيا ما ألزمتني من فريضتك التي فرضتها عليّ من الصلاة.( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) يقول: واجعل أيضا من ذريتي مقيمي الصلاة لك.( رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ) يقول: ربنا وتقبل عملي الذي أعمله لك وعبادتي إياك.

وهذا نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العبادَةُ" ثم قرأ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

رب اجعلني مقيم الصلاة أي من الثابتين على الإسلام والتزام أحكامه .ومن ذريتي أي واجعل من ذريتي من يقيمها .ربنا وتقبل دعاء أي عبادتي كما قال : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم .

وقال - عليه السلام - : الدعاء مخ العبادة وقد تقدم في " البقرة " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم دعا لنفسه ولذريته، فقال: { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحساب }فاستجاب الله له في ذلك كله إلا أن دعاءه لأبيه إنما كان عن موعدة وعده إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( رب اجعلني مقيم الصلاة ) يعني : ممن يقيم الصلاة بأركانها ويحافظ عليها ( ومن ذريتي ) يعني : اجعل من ذريتي من يقيمون الصلاة .

( ربنا وتقبل دعاء ) أي : عملي وعبادتي ، سمى العبادة دعاء ، وجاء في الحديث : " الدعاء مخ العبادة " .

وقيل : معناه : استجب دعائي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«رب اجعلني مقيم الصلاة و» اجعل «من ذريتي» ومن يقيمها وأتى بمن لإعلام الله تعالى له أن منهم كفارا «ربنا وتقبل دعاء» المذكور.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

رب اجعلني مداومًا على أداء الصلاة على أتم وجوهها، واجعل من ذريتي مَن يحافظ عليها، ربنا واستجب دعائي وتقبَّل عبادتي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه ، بما حكاه الله عنه فى قوله ( رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ .

رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب )أى : يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع ، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك ، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أموراً سبعة.

المطلوب الأول: طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله: ﴿ رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا  ﴾ والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة؟

فقال: الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.

والمطلوب الثاني: أن يرزقه الله التوحيد، ويصونه عن الشرك، وهو قوله: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام  ﴾ .

والمطلوب الثالث: قوله: ﴿ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم ﴾ فقوله: ﴿ مِن ذُرّيَّتِي ﴾ أي بعض ذريتي وهو إسماعيل ومن ولد منه ﴿ بِوَادٍ ﴾ هو وادي مكة ﴿ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ ﴾ أي ليس فيه شيء من زرع، كقوله: ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ  ﴾ بمعنى لا يحصل فيه اعوجاج عند بيتك المحرم، وذكروا في تسميته المحرم وجوها: الأول: أن الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرماً لمكانه.

الثاني: أنه كان لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب.

الثالث: سمي محرماً لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه.

الرابع: أنه حرم على الطوفان أي امتنع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستعل عليه.

الخامس: أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل.

السادس: حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض وحفه بسبعة من الملائكة، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم، فرفع إلى السماء السابعة.

السابع: حرم على عباده أن يقربوه بالدماء والأقذار وغيرها: روي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت له إسماعيل عليه السلام، فقالت سارة: كنت أرجو أن يهب الله لي ولداً من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي، وقالت لإبراهيم: أبعدهما مني فنقلهما إلى مكة وإسماعيل رضيع، ثم رجع فقالت هاجر: إلى من تكلنا؟

فقال إلى الله.

ثم دعا الله تعالى بقوله: ﴿ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ ﴾ إلى آخر الآية ثم إنها عطشت وعطش الصبي فانتهت بالصبي إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عيناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً ثم إن إبراهيم عليه السلام عاد بعد كبر إسماعيل واشتغل هو مع إسماعيل برفع قواعد البيت.

قال القاضي: أكثر الأمور المذكورة في هذه الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لإبراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى حيث لا طعام ولا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا: إن الله أعلمه أنه يحصل هناك ماء وطعام، وأقول: أما ظهور ماء زمزم فيحتمل أن يكون إرهاصاً لإسماعيل عليه السلام، لأن ذلك عندنا جائز خلافاً للمعتزلة وعند المعتزلة أنه معجزة لإبراهيم عليه السلام.

ثم قال: ﴿ رَّبَّنَا لِيُقيمُواْ الصَّلاةَ ﴾ واللام متعلقة بأسكنت أي أسكنت قوماً من ذريتي، وهم إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا الصلاة.

ثم قال: ﴿ فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قال الأصمعي هوى يهوي هوياً بالفتح إذا سقط من علو إلى سفل.

وقيل: ﴿ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ تريدهم، وقيل: تسرع إليهم.

وقيل: تنحط إليهم وتنحدر إليهم وتنزل، يقال: هوى الحجر من رأس الجبل يهوي إذا انحدر وانصب، وهوى الرجل إذا انحدر من رأس الجبل.

البحث الثاني: أن هذا الدعاء جامع للدين والدنيا.

أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى.

وأما الدنيا: فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم، ويكثر طعامهم ولباسهم.

البحث الثالث: كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ ﴾ تفيد التبعيض، والمعنى: فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة إليهم.

قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند.

وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى المجوس، ولكنه قال: ﴿ أَفْئِدَةً مّنَ الناس ﴾ فهم المسلمون.

ثم قال: ﴿ وارزقهم مّنَ الثمرات ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أنه لم يقل: وارزقهم الثمرات، بل قال: ﴿ وارزقهم مّنَ الثمرات ﴾ وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء اتصال بعض الثمرات إليهم.

البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات وإنما يكون المراد: عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها.

ثم قال: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات.

المطلوب الرابع: قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ﴾ .

واعلم أنه عليه السلام لما طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها، فقال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ﴾ والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا، قيل: ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء، وقيل: ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟

فقال إلى الله أكلكم، قالت آلله أمرك بهذا؟

قال نعم: قالت إذن لا نخشى.

ثم قال: ﴿ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيء فَى الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أنه كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام كقوله: ﴿ وكذلك يَفْعَلُونَ  ﴾ والثاني: أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان، ولفظ من يفيد الاستغراق كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما.

ثم قال: ﴿ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام هذين الولدين أعني إسماعيل وإسحاق على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعاً وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة وقيل ولد له إسماعيل لأربع وستين سنة وولد إسحاق لتسعين سنة، وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، وإنما ذكر قوله: ﴿ عَلَى الكبر ﴾ لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم.

فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل وهاجر أمه في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت ما ولد له إسحاق فكيف يمكنه أن يقول: ﴿ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ .

قلنا قال القاضي: هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء.

ويمكن أيضاً أن يقال: إنه عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق وإن كان ظاهر الروايات بخلافه.

البحث الثاني: على في قوله: ﴿ عَلَى الكبر ﴾ بمعنى مع كقول الشاعر: إني على ما ترين من كبري *** أعلم من حيث يؤكل الكتف وهو في موضع الحال ومعناه: وهب لي في حال الكبر.

البحث الثالث: في المناسبة بين قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيء فَى الأرض وَلاَ فِي السمآء ﴾ وبين قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ وذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد موته ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب، بل قال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ﴾ أي إنك تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، ثم قال: ﴿ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ وذلك يدل ظاهراً على أنهما يبقيان بعد موته وأنه مشغول القلب بسببهما فكان هذا دعاء لهما بالخير والمعونة بعد موته على سبيل الرمز والتعريض وذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء قال عليه السلام حاكياً عن ربه أنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ الدعآء ﴾ .

واعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإيضاح والتصريح قال: ﴿ إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ الدعاء ﴾ أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به أو لم أصرح وقوله: سميع الدعاء.

من قولك سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ومنه سمع الله لمن حمده.

المطلوب الخامس: قوله: ﴿ رَبّ اجعلنى مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذا الآية على أن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى فقالوا إن قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام ﴾ يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله وقوله: ﴿ رَبّ اجعلنى مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله، وذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصراً على أن الكل من الله.

المسألة الثانية: تقدير الآية: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي.

أي واجعل بعض ذريتي كذلك لأن كلمة من في قوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ للتبعيض، وإنما ذكر هذا التبعيض لأنه علم باعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته جمع من الكفار وذلك قوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ .

المطلوب السادس: أنه عليه السلام لما دعا الله في المطالب المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ﴾ وقال ابن عباس: يريد عبادتي بدليل قوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله  ﴾ .

المطلوب السابع: قوله: ﴿ رَبَّنَا اغفر لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة الذنب فهذا يدل على أنه كان قد صدر الذنب عنه وإن كان قاطعاً بأن الله يغفر له فكيف طلب تحصيل ما كان قاطعاً بحصوله؟

والجواب: المقصود منه الالتجاء إلى الله تعالى وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته.

المسألة الثانية: إن قال قائل كيف جاز أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين؟

فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن المنع منه لا يعلم إلا بالتوقيف فلعله لم يجد منه منعاً فظن كونه حائزاً.

الثاني: أراد بوالديه آدم وحواء.

الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام.

ولقائل أن يقول: لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلاً ولو لم يكن لبطل قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  ﴾ وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، ولهذا السبب خص أباه بالذكر في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ﴾ ، والله أعلم وفي قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الحساب ﴾ قولان: الأول: يقوم أي يثبت وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها، ونظيره قوله ترجلت الشمس، أي أشرقت وثبت ضوءها كأنها قامت على رجل.

الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز مثل قوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ أي أهلها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِن ذُرّيَّتِى ﴾ وبعض ذرّيتي، عطفاً على المنصوب في اجعلني، وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذرّيته كفار، وذلك قوله: ﴿ اَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ [البقرة: 124] .

﴿ وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ أي عبادتي ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ [مريم: 48] في قراءة أبيّ ﴿ ولأبويّ ﴾ .

وقرأ سعيد بن جبير: ﴿ ولو الدي ﴾ ، على الإفراد، يعني أباه، وقرأ الحسن بن علي رضي الله عنهما: ﴿ ولولديّ ﴾ يعني إسماعيل وإسحاق.

وقرئ: ﴿ لولدي ﴾ بضم الواو.

والولد بمعنى الولد، كالعدم والعدم.

وقيل: جمع ولد، كأسد في أسد.

وفي بعض المصاحف: ولذرّيتي.

فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين؟

قلت: هو من مجوّزات العقل لا يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف.

وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء وقيل: بشرط الإسلام.

ويأباه قوله ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لاِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ [الممتحنة: 4] لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفاراً صحيحاً لا مقال فيه، فكيف يستثني الاستغفار الصحيح من جملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الحساب ﴾ أي يثبت، وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها.

ونحوه قولهم: ترجلت الشمس: إذا أشرقت وثبت ضوؤها، كأنها قامت على رجل.

ويجوز أن يسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو يكون مثل ﴿ واسئل القرية ﴾ [يوسف: 82] وعن مجاهد: قد استجاب الله له فيما سأل، فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته، وجعل البلد آمناً، ورزق أهله من الثمرات.

وجعله إماماً، وجعل في ذريته من يقيم الصلاة، وأراه مناسكه، وتاب عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كانت الطائف من أرض فلسطين، فلما قال إبراهيم ﴿ ربنا إني أسكنت ﴾ الآية [إبراهيم: 37] ، رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقاً للحرم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ﴾ مُعْدِلًا لَها مُواظِبًا عَلَيْها.

﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ عُطِفَ عَلى المَنصُوبِ في ﴿ اجْعَلْنِي ﴾ ، والتَّبْعِيضُ لِعِلْمِهِ بِإعْلامِ اللَّهِ أوِ اسْتِقْراءِ عادَتِهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ كُفّارٌ.

﴿ رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ ﴾ واسْتَجِبْ دُعائِي أوْ وتَقَبَّلْ عِبادَتِي.

﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ﴾ وقُرِئَ « ولِأبَوَيَّ»، وقَدْ تَقَدَّمَ عُذْرُ اسْتِغْفارِهِ لَهُما.

وقِيلَ أرادَ بِهِما آدَمَ وحَوّاءَ.

﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ ﴾ يَثْبُتُ مُسْتَعارٌ مِنَ القِيامِ عَلى الرَّجُلِ كَقَوْلِهِمْ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ يَقُومُ إلَيْهِ أهْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ قِيامُهم مَجازًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)

{رَبّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِي} وبعض ذريتي عطفاً على المنصوب في اجعلني وإنما بعض لأنه علم بأعلام الله أنه يكون في ذريته كفار عن ابن عباس رضي الله عنهما لا يزال من ولد إبراهيم ناس على الفطرة إلى أن تقوم الساعة {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} بالياء في الوصل والوقف مكي وافقه أبو عمرو وحمزة في الوصل الباقون بلاياء أي استجب دعائي أو عبادتي {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قالَ هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ ووَحَّدَ عَلَيْهِ السَّلامُ الضَّمِيرَ في ﴿ رَبِّ ﴾ وإنْ كانَ عَقِيبَ ذِكْرِ الوَلَدَيْنِ لِما أنَّ نِعْمَةَ الهِبَةِ فائِضَةٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً وهُما مِنَ النِّعَمِ لا مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ﴾ مُعَدِّلًا لَها فَهو مَجازٌ مِن أقَمْتُ العُودَ إذا قَوَّمْتُهُ وأرادَ بِهَذا الدُّعاءِ الدَّيْمُومَةَ عَلى ذَلِكَ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المَعْنى مُواظِبًا عَلَيْها وبَعْضُ عُظَماءِ العُلَماءِ أخَذَ الأمْرَيْنِ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ عَلى أنَّ الثّانِيَ قَيْدٌ لِلْأوَّلِ مَأْخُوذٌ مِن صِيغَةِ الِاسْمِ والعُدُولُ عَنِ الفِعْلِ كَما أنَّ الأوَّلَ مَأْخُوذٌ مِن مَوْضُوعِهِ عَلى ما قِيلَ فَلا يَلْزَمُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ شُمُولِ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذُرِّيَّتِهِ أيْضًا حَيْثُ قالَ: ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المُقْتَدى في ذَلِكَ وذُرِّيَّتُهُ أتْباعٌ لَهُ فَإنَّ ذِكْرَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ والعَطْفُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ عَلى مَفْعُولِ اجْعَلِ الأوَّلِ أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي مُقِيمُ الصَّلاةِ.

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلى ذَلِكَ أيْ وبَعْضًا مِن ذُرِّيَّتِي ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ كانَ رَكِيكًا وإنَّما خَصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الدُّعاءَ بِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ لِعِلْمِهِ مِن جِهَتِهِ تَعالى أنَّ بَعْضًا مِنهم لا يَكُونُ مُقِيمَ الصَّلاةِ بِأنْ يَكُونَ كافِرًا أوْ مُؤْمِنًا لا يُصَلِّي وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلِمَ مِنَ اسْتِقْرائِهِ عادَةَ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ مِن لا يُقِيمُها وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ .

﴿ رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ ﴾ .

(40) ظاهِرُهُ دُعائِيَ هَذا المُتَعَلِّقَ بِجَعْلِي وجَعْلِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِي الصَّلاةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ وقِيلَ: الدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ أيْ تَقَبَّلْ عِبادَتِيَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأنْسَبَ أنْ يُقالَ فِيهِ دُعاءَنا حِينَئِذٍ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ ( دُعائِي ) بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ وفي رِوايَةِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ يَصِلُ ويَقِفُ بِياءِ.

وقالَ قُنْبُلٌ: إنَّهُ يُشِمُّ الياءَ في الوَصْلِ ولا يُثْبِتُها ويَقِفُ عَلَيْها بِالألِفِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي من الوجد بإسماعيل وهاجر، والحب لهما، وَما نُعْلِنُ عند سارة من الصبر عنهما وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: لا يذهب على الله شيء فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ يعني: من عمل أهل السماء وأهل الأرض.

قال بعضهم: هذا كلام إبراهيم، وقال بعضهم: هذا كلام الله تعالى.

ثم رجع إلى كلام إبراهيم فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ يعني: بعد الكبر، وهو ابن تسع وتسعين سنة في رواية الكلبي، وفي رواية الضحاك: ابن مائة وعشرين سنة.

إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وكان إسماعيل أكبرهما بثلاث عشرة سنة إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ يعني: مجيب الدعاء.

قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ يعني: أكرمني بإتمام الصلاة وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يعني: فأكرمهم أيضاً لإتمام الصلاة رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ أي: استجب دعائي.

ويقال: معناه تقبل عملي، واستجب دعائي رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ قرأ بعضهم: ولوالدتي لأن أمه كانت مسلمة.

وقرأ بعضهم: ربّنا اغفر لي ولوَلَدَيّ يعني: إسماعيل وإسحاق، وقراءة العامة وَلِوالِدَيَّ لأنه كان يستغفر لأبيه عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يعني: اغفر لجميع المؤمنين يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ يعني: يوم القيامة.

قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ قرأ حمزة وعاصم وابن عامر: وَلا تَحْسَبَنَّ بنصب السين، وقرأ الباقون: بالكسر، ومعناهما واحد.

يعني: لا تظنّن يا محمد أن الله غافل عما يعمل الظالمون، أي: المشركين.

يعني: إن أعمالهم لا تخفى عليّ، ولو شئت لعجلت عقوبتهم في الدنيا.

قال ميمون بن مهران: هذه الآية تعزية للمظلوم ووعيد الظالم إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ يعني: يمهلهم ويؤجلهم.

قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين نُؤخِرهُمْ بالنون وقرأ الباقون: بالياء.

لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ يعني: تشخص فيه أبصار الكافرين.

وذلك حين عاينوا النار شخصت فيه أبصارهم فلا يطرفون فيها.

مُهْطِعِينَ أي: مسرعين، يقال: أهطع البعير في السير، إذا أسرع.

ويقال: مُهْطِعِينَ أي ناظرين قاصدين نحو الداعي.

وقال قتادة: مُهْطِعِينَ أي: مسرعين مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ المقنع الذي يرفع رأسه شاخصا بصره، لا يطرف.

وقال مجاهد: مُهْطِعِينَ مديمي النظر، مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ، رافعي رؤوسهم.

وقال الخليل بن أحمد: المهطع الذي قد أقبل إلى الشيء ينظره، ولا يرفع عينيه عنه مُقْنِعِي يعني: رافعي رؤوسهم، مادي أعناقهم لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ يعني: لا يرجع إلى الكفار بصرهم وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ يعني: خالية من كل خير، كالهواء ما بين السماء والأرض.

وقال السدي: هوت أَفْئِدَتُهُمْ بين موضعها وبين الحنجرة، فلم ترجع إلى موضعها.

ولم تخرج كقوله: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ [غافر: 18] وهكذا قال مقاتل، وقال أبو عبيدة: هَواءٌ أي مجوفة لا عقول فيها.

ثم قال: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يعني: خوف أهل مكة يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ في الآخرة.

قوله تعالى: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا رَبَّنا أَخِّرْنا يعني: أجلنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ لنرجع إلى الدنيا نُجِبْ دَعْوَتَكَ يعني: الإسلام وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ على دينهم.

يقول الله تعالى: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ يقول: حلَفْتُم وأنتم في الدنيا من قبل هذا اليوم مَا لَكُمْ مِنْ زَوالٍ أي: لا تزولون عن الدنيا، ولا تبعثون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مَاءَ زَمْزَمَ كثيراً، وكلَّما شرِبْتُ، نَوَيْتُ بِهِ العِلْمَ والإِيمانَ، ونَسِيتُ أنْ أشربه للعَمَلِ، ففتح لي في العِلْمِ، ويا لَيْتَنِي شربْتُه لهما معاً حتى يُفْتَحَ لي فيهما، ولم يُقَدَّر، فكان صَغْوِي إِلى العلْمِ أَكْثَرَ منه إِلى العمل، انتهى من «الأحكام» .

و «من» في قوله: ومِنْ ذُرِّيَّتِي للتبعيضِ لأن إِسحاق كان بالشَّام، و «الوادِي» :

ما بين الجبَلَيْن، وليس مِنْ شرطه أَنْ يكون فيه ماءٌ، وجَمْعُه الضميرَ في قوله: لِيُقِيمُوا:

يدلُّ على أن اللَّه قد أعلمه أنَّ ذلك الطِّفْلَ سَيُعْقِبُ هناك، ويكونُ له نسلٌ، واللام في لِيُقِيمُوا: لامُ كي هذا هو الظاهر، ويصحُّ أَنْ تكون لام الأمر كأنه رَغِبَ إِلى اللَّه سبحانه أَنْ يوفِّقهم لإِقامة الصلاة، و «الأفئدة» القلوبُ جمْع فؤادٍ، سمِّي بذلك، لاتِّقَادِهِ، مأخوذ من «فَأَد» ، ومنه: «المُفْتَأَدُ» ، وهو مستوقَدُ النَّار حيث يُشْوَى اللحْمُ.

وقوله: مِنَ النَّاسِ: تبعيضٌ، ومراده المؤمنون، وباقي الآية بيّن.

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)

وقوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ: دعاء إِبراهيمُ عليه السلام في أمْر كان مثابراً عليه، متمسكاً به، ومتى دعا الإِنسان في مثْل هذا، فإِنما المَقْصِدُ إِدامةُ ذلك الأمْر، واستمراره، قال السُّهَيْلِيُّ: قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي بحرف التبعيض، ولذلك أسلم بَعْضُ ذريته دُونَ بعضٍ، انتهى، وفاقاً لما تقدَّم الآن.

وقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ: اختلف في تأويل ذلكَ، فقالَتْ فرقة: كان ذلك قَبْل يأسه من إِيمان أبيه، وتبيُّنه أنه عدُوٌّ للَّه، فأراد أباه وأُمَّه لأنَّها كانت مؤمنة، وقيل: أراد آدم/ ونوحاً عليهما السلام، وقرأ الزُّهْرِيُّ «١» وغيره: «وَلِوَلَدَيَّ» على أنه دعاءٌ لإِسماعيل وإِسحاق، وأنكرها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقال: «إِن في مُصْحَفِ أَبيِّ بنِ كَعْبٍ وَلأَبَوَيَّ» «٢» .

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)

وقوله عز وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ...

الآية: هذه الآية بجملتها فيها وعيدٌ للظالمين، وتسليةٌ للمظلومين، والخطابُ بقوله:

تَحْسَبَنَّ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ، معناه: تُحِدُّ النظرَ، لفرط الفَزَعِ ولفرط ذلك يشخص المحتضر، و «المُهْطِع» المسرع في مَشْيه قاله ابنُ جُبَيْر وغيره «١» ، وذلك بِذِلَّة واستكانة، كإِسراع الأسير ونحوه، وهذا أرجحُ الأقوال، وقال ابن عباس وغيره: الإِهطاع شدَّة النظر من غير أنْ يَطْرِفَ «٢» ، وقال ابنُ زَيْدٍ: «المُهْطِع» : الذي لا يرفع رأسَهُ «٣» ، قال أبو عُبَيْدة: قد يكون: الإِهْطَاعُ للوجْهَيْنِ جميعاً: الإِسراع، وإِدَامَةُ النَّظَر «٤» ، و «المُقْنِعُ» : هو الذي يَرْفَعُ رأْسَه قدُماً بوَجْهِهِ نحو الشيْءِ، ومِنْ ذلك قولُ الشاعر: [الوافر]

يُبَاكِرْنَ الْعِضَاهَ بِمُقْنَعَاتٍ ...

نَوَاجِذُهُنَّ كَالْحَدَإِ الوَقِيعِ «٥»

يصفُ الإِبلَ عند رعْيها أَعاليَ الشَّجَر، وقال الحسن في تفسير هذه الآية: وجوهُ الناسِ يوم القيامَةِ إِلى السماء لا يَنْظُرُ أَحدٌ إِلى أحد «٦» ، وذكر المبرِّد فيما حَكَى عنه مكِّيٌّ:

أن الإِقناع يوجَدُ في كلامِ العَرب بمعنَى: خَفْضِ الرأسِ من الذِّلَّة.

قال ع «٧» : والأول أشهر.

وقوله سبحانه: لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي: لا يَطْرِفُونَ من الحَذَرِ والجزعِ وشدَّة الحال.

وقوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ: تشبيه محضٌ، وَجِهَةُ التشبيه يحتملُ أنْ تكون في فراغِ الأَفئدة من الخَيْرِ والرَّجاء والطمعِ في الرحمة، فهي متخرِّقة مُشَبِهَةٌ الهواءَ في تَفرُّغه من الأشياء،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ ﴾ أيْ: بَعْدَ الكِبَرِ " إسْماعِيلَ وإسْحاقَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: " رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعائِي " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وهُبَيْرَةُ، عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: " وتَقَبَّلْ دُعائِي " بِياءٍ في الوَصْلِ.

وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يَصِلُ ويَقِفُ بِياءٍ.

وقالَ قُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُشِمُّ الياءَ في الوَصْلِ، ولا يُثْبِتُها، ويَقِفُ عَلَيْها بِالألِفِ.

الباقُونَ " دُعاءِ " بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَقْفُ والوَصْلُ بِياءٍ هو القِياسُ، والإشْمامُ جائِزٌ، لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلى الياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُعاءِ ﴾ ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ ﴾ ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ ﴾ مَقْصِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِصارِهِ في الدُعاءِ، وتَفْوِيضِهِ إلى ما عَلِمَ اللهُ مِن رَغائِبِهِ وحِرْصِهِ عَلى هِدايَةِ بَنِيهِ والرِفْقِ بِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الثَناءِ عَلى اللهِ تَعالى بِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ، وإلى حَمْدِهِ عَلى هِباتِهِ، وهَذِهِ مِنَ الآياتِ المُعْلِمَةِ أنَّ عِلْمَ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ هو عَلى التَفْصِيلِ التامِّ.

ورُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿ عَلى الكِبَرِ ﴾ أنَّهُ لَمّا وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا، ورُوِيَ أقَلُّ مِن هَذا، وإسْماعِيلُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ فِيما رُوِيَ، وبِحَسْبِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ .

دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ كانَ مُثابِرًا عَلَيْهِ، مُتَمَسِّكًا بِهِ، ومَتى دَعا الإنْسانُ في مِثْلِ هَذا فَإنَّما القَصْدُ إدامَةُ ذَلِكَ الأمْرِ واسْتِمْرارِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ: "دُعاءِ رَبَّنا" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "دُعايَ" بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ إثْباتَ الياءِ في الوَصْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلِوالِدَيَّ"، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَذا مِن إبْراهِيمَ قَبْلَ يَأْسِهِ مِن إيمانِ أبِيهِ وتَبَيُّنِهِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَأرادَ أباهُ وأُمَّهُ لِأنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ ونُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ لِأنَّ أُمَّهُ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ أرادَ آدَمَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَلِوالِدِي" بِإفْرادِ الأبِ وحْدَهُ، وهَذا يَدْخُلُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَأْوِيلاتِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِوَلَدَيَّ" عَلى أنَّهُ دُعاءٌ لِإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلِأبَوَيَّ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يُعْمُرَ: "وَلِوُلْدِي" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، والوُلْدُ لُغَةً في الوَلَدِ، ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوُلْدُ جَمْعَ وُلَدٍ، لا كَأُسْدٍ في جَمْعِ أسَدٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِلْحِسابِ، فَأسْنَدَ القِيامَ لِلْحِسابِ إيجازًا إذِ المَعْنى مَفْهُومٌ، ويَتَوَجَّهُ أنْ يُرِيدَ قِيامَ الحِسابِ نَفْسَهُ، ويَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى ظُهُورِهِ وتَلَبُّسِ العِبادِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ بِهِ كَما تَقُولُ: قامَتِ السُوقُ، وقامَتِ الصَلاةُ، كَما قالَ: وقامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة مستأنفة من تمام دعائه.

وفعل ﴿ اجعلني ﴾ مستعمل في التكوين، كما تقدم آنفاً، أي اجعلني في المستقبل مقيم الصلاة.

والإقامة: الإدامة، وتقدم في صدر سورة البقرة.

﴿ ومن ذريتي ﴾ صفة لموصوف محذوف معطوف على ياء المتكلم.

والتقدير واجعل مقيمين للصلاة من ذريتي.

و ﴿ من ﴾ ابتدائة وليست للتبعيض، لأن إبراهيم عليه السلام لا يسأل الله إلا أكمل ما يحبه لنفسه ولذريته.

ويجُوز أن تكون ﴿ من ﴾ للتبعيض بناءً على أن الله أعلمه بأن يكون من ذريته فريق يقيمون الصلاة وفريق لا يقيمونها، أي لا يؤمنون.

وهذا وجه ضعيف لأنه يقتضي أن يكون الدعاء تحصيلاً لحاصل، وهو بعيد، وكيف وقد قال: ﴿ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ﴾ [سورة إبراهيم: 35] ولم يقل: ومن بَنِيّ.

ودعاؤه بِتَقَبل دعائه ضراعة بعد ضراعة.

وحُذفت ياء المتكلم في دعاءِ } في قراءة الجمهور تخفيفاً كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وإليه متاب ﴾ في سورة الرعد (30).

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة بإثبات الياء ساكنة.

ثم دعا بالمغفرة لنفسه وللمؤمنين ولوالديه ما تقدم منه ومن المؤمنين قبل نبوءته وما استمر عليه أبُوه بعد دعوته من الشرك، أما أمه فلعلها توفيت قبل نبوءته.

وهذا الدعاء لأبويه قبل أن يتبين له أن أباه عدوّ لله كما في آية سورة براءة.

ومعنى يقوم الحساب } : يثبت.

استعير القيام للثبوت تبعاً لتشبيه الحساب بإنسان قائم، لأن حالة القيام أقوى أحوال الإنسان إذ هو انتصاب للعمل.

ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق، إذا قويت واشتدت.

وقولهم: ترجلت الشمس، إذا قوي ضوءها، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ في أول سورة البقرة (4).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ ﴾ قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: وعِيدٌ لِلظّالِمِ وتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مُسْرِعِينَ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِن أهْطَعَ يُهْطِعُ إهْطاعًا إذا أسْرَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ.

قالَ الشّاعِرُ: بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ الثّانِي: أنَّهُ الدّائِمُ النَّظَرَ لا يَطْرِفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المُطْرِقُ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ وإقْناعُ الرَّأْسِ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ناكِسِي رُءُوسِهِمْ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُؤَرِّجٌ السَّدُوسِيُّ وقَتادَةُ.

الثّانِي: رافِعِي رُءُوسِهِمْ، وإقْناعُ الرَّأْسِ رَفْعُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أنْغَضَ رَأسَهُ نَحْوِي وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ﴿ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ أيْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ طَرْفُهم، والطَّرْفُ هو النَّظَرُ وسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا لِأنَّها بِها يَكُونُ، قالَ جَمِيلٌ: وأقْصِرُ طَرْفِي دُونَ جُمْلٍ كَرامَةً ∗∗∗ لِجُمْلٍ ولِلطَّرْفِ الَّذِي أنا قاصِرُ ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ والمُرادُ بِالأفْئِدَةِ مَواضِعُ القُلُوبِ، وهي الصُّدُورُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ هَواءٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها تَتَرَدَّدُ في أجْوافِهِمْ لَيْسَ لَها مَكانٌ تَسْتَقِرُّ فِيهِ فَكَأنَّها تَهْوِي، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها قَدْ زالَتْ عَنْ أماكِنِها حَتّى بَلَغَتِ الحَناجِرَ، فَلا تَنْفَصِلُ ولا تَعُودُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها المُتَخَرِّمَةُ الَّتِي لا تَعِي شَيْئًا، قالَهُ مُرَّةُ.

الرّابِعُ: أنَّها خالِيَةٌ مِنَ الخَيْرِ، وما كانَ خالِيًا فَهو هَواءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ؎ ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي ﴾ من حب إسماعيل وأمه ﴿ وما نعلن ﴾ قال: وما نظهر من الجفاء لهما.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق ﴾ قال: هذا بعد ذاك بحين.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ﴾ قال: فلن يزال من ذرية إبراهيم عليه السلام ناس على الفطرة يعبدون الله تعالى حتى تقوم الساعة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال: ما يسرني بنصيبي من دعوة نوح وإبراهيم للمؤمنين والمؤمنات حمر النعم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق، عن ميمون بن مهران رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ﴾ قال: هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له ولد، فكان يخرج...

فإذا رأى غلاماً من غلمان بني إسرائيل عليه حلى، يخدعه حتى يدخله فيقتله ويلقيه في مطمورة له.

فبينما هو كذلك، إذ لقي غلامين أخوين عليهما حلى لهما فأدخلهما فقتلهما وطرحهما في مطمورة له، وكانت له امرأة مسلمة تنهاه عن ذلك فتقول له: إني أحذرك النقمة من الله تعالى.

وكان يقول: لو أن الله آخذني على شيء آخذني يوم فعلت كذا وكذا.

فتقول إن صاعك لم يمتلئ بعد، ولو قد امتلأ صاعك أُخِذْت.

فلما قتل الغلامين الأخوين، خرج أبوهما يطلبهما فلم يجد أحداً يخبره عنهما، فأتى نبياً من أنبياء بني إسرائيل فذكر ذلك له، فقال له النبي عليه السلام: هل كانت لهما لعبة يلعبان بها؟

قال: نعم...

كان لهما جرْوٌ، فأتى بالجرو فوضع النبي عليه السلام خاتمه بين عينيه، ثم خلى سبيله وقال له: أول دار يدخلها من بني إسرائيل فيها تبيان، فأقبل الجرو يتخلل الدور به حتى دخل داراً، فدخلوا خلفه فوجدوا الغلامين مقتولين مع غلام قد قتله وطرحهم في المطمورة، فانطلقوا به إلى النبي عليه السلام فأمر به أن يصلب.

فلما وضع على خشبته أتته امرأته فقالت: يا فلان، قد كنت أحذرك هذا اليوم وأخبرك أن الله تعالى غير تاركك، وأنت تقول: لو أن الله آخذني على شيء آخذني يوم فعلت كذا وكذا، فأخبرتك أن صاعك بعد لم يمتلئ.

..

ألا وإن صاعك هذا...

ألا وأن امتلأ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ قال: شخصت فيه والله أبصارهم، فلا ترتد إليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مهطعين ﴾ قال: يعني بالاهطاع النظر من غير أن تطرف ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ قال: الاقناع رفع رؤوسهم ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ قال: شاخصة أبصارهم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ مهطعين ﴾ قال: مديمي النظر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة ﴿ مُهْطِعِين ﴾ قال: مسرعين.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ مُهْطِعِين ﴾ ما المهطع؟

قال: الناظر.

قال فيه الشاعر: إذا دعانا فأهطعنا لدعوته ** داع سميع فلفونا وساقونا قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ ما المقنع؟

قال: الرافع رأسه.

قال فيه كعب بن زهير: هجان وحمر مقنعات رؤوسها ** وأصفر مشمول من الزهر فاقع وأخرج ابن الأنباري عن تميم بن حذام رضي الله عنه في قوله: ﴿ مهطعين ﴾ قال: هو التجميح، والعرب تقول للرجل إذا قبض ما بين عينيه: لقد جمح.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ قال: رافعي رؤوسهم، يجيئون وهم ينظرون ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ﴾ تمور في أجوافهم إلى حلوقهم، ليس لها مكان تستقر فيه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ قال: ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فشبت في حلوقهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مرة رضي الله عنه ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ قال: متخرقة لا تعي شيئاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح رضي الله عنه قال: يحشر الناس هكذا، ووضع رأسه وأمسك بيمينه على شماله عند صدره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ ﴾ ذكره على النعت ولم يذكره على الفعل؛ لأن النعت ألزم وأكثر من الفعل، كأنه قال: رب اجعلني من عادتي إقامة الصلاة، ولو قال: اجعلني أقيم الصلاة، لم يكن فيه من المبالغة ما في المقيم، وذكرنا استقصاء هذا الفصل فيقوله: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾ الآية [الإسراء: 29].

وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ قال الزجاج: أي: واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة (١) ﴿ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ ، وقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ قال ابن عباس: يريد عبادتي (٢)  : "الدُّعاءُ مخُّ العبادة" (٣) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 165 بنصه.

وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 342، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 537.

(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 333، بلفظه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 139، وورد بنحوه بلا نسبة في "تفسير الطبري" 13/ 235، والثعلبي 7/ 158 ب، والبغوي 4/ 358، و"تفسير القرطبي" 9/ 375، والألوسي 13/ 243.

صحيح أن الدعاء يرد بمعنى العبادة في القرآن والسنة، لكن لا دليل هنا بتخصيصه بالعبادة، بل هو الدعاء بالمعنى المعروف؛ أي الطلب والقصد، والسياق والسباق يؤيده، كما أن قول ابن عباس ورد بلا سند، وأغلب الظن أنه من الطرق الضعيفة، وقد فسرت الآية بالدعاء المعروف، في: "تفسير السمرقندي" == 2/ 209، هود الهواري 2/ 334، و"الطوسي" 6/ 302، وابن عطية 8/ 256، وابن كثير 2/ 561.

(٣) أخرجه الترمذي (3371) كتاب: الدعوات، باب: جاء في فضل الدعاء 5/ 456 بنصه عن أنس، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لَهيعَة، وأورده التبريزي في "المشكاة" 2/ 693، وابن حجر في "الفتح" 11/ 97، والمناوي في "فيض القدير" 3/ 540 ورمز له بالضعف، والهندي في "الكنز" 2/ 62، والعجلوني في "كشف الخفاء" 1/ 485، وكلهم عزاه للترمذي، والحديث ضعيف بسبب انفراد ابن لهيعة بروايته كما ذكره الترمذي -رحمه الله-، وقد ضُعّف لسوء حفظه، ذكره البخاري والدارقطني والنسائي في الضعفاء.

انظر "الضعفاء" لكل من النسائي ص 145، والدارقطني ص 265 والبخاري ص 65، و"تقريب التهذيب" ص 319 (3563)، و"الجرح والتعديل" 5/ 145، و"ميزان الاعتدال" 3/ 189.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾ روي أنه ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبع عشر عاماً، وروي أقل من هذا، وإسماعيل أسن من إسحاق ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ﴾ إن أراد بالدعاء الطلب والرغبة فمعنى القبول: الاستجابة، وإن أراد بالدعاء العبادة، فالقبول على حقيقته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إني أسكنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ومن عصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ دعائي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب.

وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل.

والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين.

﴿ نؤخرهم ﴾ بالنون: عباس والمفضل في رواية أبي زيد.

الآخرون بالياء.

﴿ لتزول ﴾ بفتح الأول ورفع الآخر: عليّ.

الباقون بكسر الأول ونصب الآخر.

﴿ القهار ﴾ مثل ﴿ البوار ﴾ ﴿ قطر ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء والراء مكسورة منونة.

﴿ آن ﴾ على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على قراءته ﴿ آني ﴾ بالياء.

الوقوف: ﴿ الأصنام ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ج ﴿ مني ﴾ ج فصلاً بين النقيضين مع اتحاد الكلام ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المحرم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ليقيموا ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ أسكنت ﴾ وكلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ما نعلن ﴾ ط ﴿ ولا في السماء ﴾ ه لا ﴿ وإسحاق ﴾ ط ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ ومن ذريتي ﴾ ز قد قيل: {والوصل أولى للعطف ﴿ وربنا ﴾ تكرار ﴿ دعاء ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ط ﴿ الأبصار ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ طرفهم ﴾ ج لاحتمال أن قوله: ﴿ وأفئدتهم ﴾ يكون من صفات أهل المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا ﴿ هواء ﴾ ه ط ﴿ قريب ﴾ لا لأن قوله: ﴿ نجب ﴾ جواب ﴿ أخرنا ﴾ ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ زوال ﴾ ه لا للعطف على ﴿ أقسمتم ﴾ ﴿ الأمثال ﴾ ه ﴿ وعند الله مكرهم ﴾ ط ﴿ الجبال ﴾ ه ﴿ رسله ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ في الأصفاد ﴾ ه ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين ﴿ النار ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ ما كسبت ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه.

التفسير: إن قصة إبراهيم  يحتمل أن تكون مثالاً للكلمة الطيبة وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكار لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديداً لبعض نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما بين العالمين كما قال: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً  ﴾ .

وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله  نبينا  .

حكى الله  عنه طلب أمور منها: قوله: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمناً ﴾ وقد مر في "البقرة" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك.

ولا ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، وللوحوش هناك استئناس ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.

وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟

فقال: الأمن دليله أن شاء لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناول شيئاً إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد.

ومنها قوله: ﴿ واجنبني ونبيّ أن نعبد الأصنام ﴾ قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد.

وأهل نجد: جنبني وأجنبني.

وفائدة الطلب - والاجتناب حاصل - التثبت والإدامة ولا أقل من هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي.

أما قوله: ﴿ وبني ﴾ فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنماً ببركة دعائه.

وقيل: أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته.

وقال مجاهد وابن عيينة: لم يبعد أحد من ولد إبراهيم صنماً وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب الأوثان يعني أحجاراً مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت.

وضعف هذا الجواب بأنه إذا عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه  وصف آلهتهم بما ينبىء عن كونهم مصورين كقوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم  ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون  ﴾ .

وقيل: إن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ﴾ أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس من أهله كقوله لابن نوح ﴿ إنه ليس من أهلك  ﴾ وقيل: إنه وإن عمم الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: ﴿ ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ .

قالت الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله  لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف.

أما قوله: ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً ﴾ فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم "فتنتهم الدنيا وغرتهم" أي صارت سبباً للفتنة والاغترار بها ﴿ فمن تبعني ﴾ بقي على الملة الحنيفة ﴿ فإنه مني ﴾ أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي ﴿ ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب.

وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك.

وقيل: المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام.

وقيل: أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم  ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى.

ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال: ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي ﴾ أي بعضهم ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله: { ﴿ قرآناً عربياً غير ذي عوج  ﴾ أي لا اعوجاج فيه أصلاً ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان.

وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم  بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك.

وفي قوله: ﴿ عند بيتك الحرام ﴾ دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما.

ومعنى كون البيت محرماً أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لأجل حرمته، وأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب.

وقيل: سمي محرماً لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف.

﴿ فاجعل أفئدة من الناس ﴾ "من" للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس.

قال مجاهد.

لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند.

وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجة اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين.

وجوز في الكشاف أن يكون "من" للابتداء كقولك "القلب مني سقيم".

وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس.

ومعنى ﴿ تهوي ﴾ تسرع ﴿ إليهم ﴾ وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً.

وقيل: تنحط وتنحدر.

الأصمعي: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليه للتجارة، وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: ﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حراماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء.

وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ لعلهم يشركون ﴾ ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة والوظائف الشرعية.

ثم أثنى على الله  تمهيداً لدعوة أخرى وتعريضاً ببقية الحاجات فقال: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ﴾ على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة إلى العالم بالذات سيان.

وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟

قال: إلى الله أكلكم.

قال المفسررون: ﴿ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم.و"من" للاستغراق أي لا يخفى على الذين يستحق العبادة لذاته شيء ما في أيّ مكان يفرض.

﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ﴾ أي مع كبر السن وفي حال الشيخوخة ﴿ إسماعيل وإسحاق ﴾ ذكر أوّلاً كونه  عالماً بالضمائر والسرائر، ثم حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله  أن يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن ربي لسيمع الدعاء ﴾ وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله  ، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إن ربي لسميع الدعاء ﴾ رمزاً إلى ما كان قد دعا ربه وسأله الولد بقوله: ﴿ رب هب لي من الصالحين  ﴾ روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة.

وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين.

وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة.

ثم ختم الأدعية بقوله: ﴿ رب اجعلني مقيم الصلاة ﴾ أي مديمها ﴿ ومن ذريتي ﴾ أي واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام والله  أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله  ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ ﴿ ربنا وتقبل دعائي ﴾ عن ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم وحسنات الأبرار سيئات المقربين.أما قوله: ﴿ ولوالدي ﴾ فاعترض عليه بأنه كيف استغفر لأبويه وهما كافران؟

وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله  : ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطاً بإسلام أبيه لكان استغفاراً صحيحاً فلم يحتج إلى الاستثناء.

وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم "قامت الحرب على ساقها" أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو المضاف محذوف مثل ﴿ واسأل القرية  ﴾ .

ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن دعاء إبراهيم  قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً ﴾ إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن كان للنبي  فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله إلا عالماً بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير.

وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.

قالت: لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلاً عن الظلم أو عاجزاً عن الانتقام أو راضياً بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ أي أبصارهم كقوله: ﴿ واشتعل الرأس  ﴾ شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين قاله أبو عبيدة.

والغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله  أن حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك البلاء.

وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع.

وقيل: هو الساكت ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ رافعيها وهذا أيضاً بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه لكيلا يراه ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ الطرف تحريك الأجفان على الوجه الذي خلق وجبل عليه.

وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم.

والمراد دوام الشخوص المذكور.

وقيل: أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ والهواء الخلاء الذي يشغله الأجرام.

وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضاً قلبه هواء.

والمعنى.

أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخوطر والأفكار لعظم ما نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب.

والأظهر أن هذه الحالة لهم عند المحاسبة لتقدم قوله: ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ وقيل: هي عندما يتميز السعداء من الأشقياء.

وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور.

وعن ابن جريج: أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه.

قال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ مفعول ثان لأنذروا اليوم يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو للمعلوم وهو عذاب النار.

ومعنى ﴿ أخرنا ﴾ أمهلنا ﴿ إلى ﴾ أمد وحد من الزمان ﴿ قريب ﴾ أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكراتولقاء الملائكة بلا بشرى ﴿ أو لم تكونوا ﴾ على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك.

وأقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً، وإما بلسان المقال أشراً وبطراً وجهلاً وسفهاً.

و ﴿ ما لكم من زوال ﴾ جواب القسم.

ولو قيل "ما لنا من زوال" على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية.

والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى هي دار الجزاء كقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت  ﴾ .

ثم زادهم توبيخاً بقوله: ﴿ وسكنتم ﴾ استقررتم ﴿ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ﴿ وتبين لكم ﴾ بالأخبار والمشاهدة والبيان والعيان ﴿ كيف فعلنا بهم ﴾ من أصناف العقوبات ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.

وقال غير: المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل.

ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: ﴿ وقد مكروا مكرهم ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.

وقيل: الضمير عائد إلى قوم محمد  كما قال: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك  ﴾ وقيل: أراد ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربع نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت.

فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصيّ التي عليها اللحوم فهبطت النسور إلى الأرض.

وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا الخطر.

﴿ وعند الله مكرهم ﴾ إن كان مضافاً إلى الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن كان مضافاً إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون.

أما قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول ﴾ من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معداً لذلك.

وثانيهما أن تكون "إن" نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر.

ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى كما مر.

ثم إنه  أكد كونه مجازياً لأهل المكر على مكرهم بقوله: ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ قال جار الله: قدم المفعول الثاني - وهو الوعد - على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق.

ثم قال: ﴿ رسله ﴾ تنبيهاً على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته.

والمراد بالوعد قوله: ﴿ إنا لننصر رسلنا  ﴾ ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ونحوهما من اللآيات.

قوله: ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ قد مر في أول "آل عمران" ﴿ يوم تبدل الأرض ﴾ قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من ﴿ يوم يأتيهم ﴾ أو على الظرف للانتقام.

والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف.

ومعنى قوله: ﴿ والسموات ﴾ أي وتبدل السموات قال أهل اللغة: التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك "بدلت الدراهم دنانير" وفي الأوصاف كقولك "بدلت الحلقة خاتماً" إذا أذبتها وسوّيتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل.

وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً.

وعن أبي هريرة أن النبي  قال: "يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً" وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها.

نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم.

وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة.

وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف.

وقيل: لا يبعد أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة.

﴿ وبرزوا لله ﴾ قد ذكرناه في أول السورة.

وتخصيص ﴿ الواحد القهار ﴾ بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه.

ومن نتائج قهره قوله: ﴿ وترى المجرمين يومئذ مقرنين ﴾ قرن بعضهم مع بعض لأن الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم.

قالت الحكماء: هي الملكات الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان.

وقوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ أي القيود إما أن يتعلق بمقرنين وإما أن يكون وصفاً مستقلاً أي مقرنين مصفدين.

وقيل: الأصفاد الأغلال.

والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.

وحظ العقل فيه أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء.

﴿ سرابيلهم ﴾ جمع سربال وهو القميص ﴿ من قطران ﴾ هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدّته، وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر آثار الملكات الردية فيه.

ومن قرأ ﴿ من قطرآن ﴾ فالقطر النحاس والصفر المذاب والآني المتناهي حره.

قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به عن الكل.

قوله: ﴿ ليجزي ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿ تغشى ﴾ أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي ﴿ الله كل نفس ما كسبت ﴾ قال الواحدي: أراد نفوس الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم.

ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة لأنه  إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.

ثم أشار إلى القرآن إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: ﴿ ولا تحبسن الله غافلاً ﴾ إلى ههنا فقال ﴿ هذا بلاغ ﴾ كفاية ﴿ للناس ﴾ في التذكير والموعظة لينصحوا ﴿ ولينذروا به ﴾ بهذا البلاغ.

ثم رمز إلى استكمال القوّة النظرية بقوله: ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ وإلى استكمال القوة العملية بقوله: ﴿ وليذكر أولوا الألباب ﴾ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس بحسب القوتين والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ الروح ﴿ رب اجعل ﴾ بلد القلب ﴿ آمناً ﴾ من وسوسة الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى ﴿ واجنبني وبني ﴾ هم الفؤاد والسر والخفى ﴿ أن نعبد الأصنام ﴾ وهو كل ما سوى الله.

فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفى الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات ﴿ ومن عصاني فإنك غفور ﴾ فيه نكتتان: إحداهما لم يقل "ومن عصاك" إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة، والثانية لم يقل "فأنا أغفره وأرحم عليه" لأن عالم الطبيعة البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق ﴿ أسكنت من ذريتي ﴾ هم صفات الروح والعقل والسر والخفى ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ وهو وادي النفس ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتاً لغير الله "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن".

وفيه أنه توسل في أجابة الدعاء بمحمد  وكأنه قال: إن ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمداً.

وفي قوله: ﴿ ليقيموا الصلاة ﴾ إشارة إلى أنه لو لا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق ﴿ فاجعل أفئدة ﴾ الصفات الناسوتية ﴿ تهوي ﴾ إلى الصفات الروحانية ﴿ وارزقهم من ﴾ ثمرات الصفات اللاهوتية ﴿ لعلهم يشكرون ﴾ هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إنشاؤه ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي ﴾ من حقائق الدعاء ﴿ وما نعلن ﴾ من ظاهر القصة ﴿ وما يخفى على الله من شيء ﴾ في أرض المعاملات الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب ﴿ على الكبر ﴾ أي بعد تعلق الروح بالقالب ﴿ إسماعيل ﴾ السر ﴿ وإسحق ﴾ الخفي ﴿ مقيم الصلاة ﴾ دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ استرني وامنحني بصفة معرفتك ﴿ ولوالدي ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ونقصانها لأكون في حساب الكاملين لا في حساب الناقصين.

﴿ ولا تحسبن ﴾ أي لم يكن ﴿ الله غافلاً ﴾ في الأزل بل الكل بقضائه وقدره ﴿ وإنما يؤخرهم ﴾ ليبلغوا إلى ما قدر لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة والشقاوة إلى منازلهم ﴿ ما لكم من زوال ﴾ فيه من إبطال مذهب التناسخية.

زعموا أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ﴾ تعلقتم بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة ﴿ وعند الله ﴾ مقدار ﴿ مكرهم وإن كان مكرهم ﴾ بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك شعرة إلا بإذن الله بقضائه ﴿ يوم تبدل ﴾ أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عن إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وحينئذ ﴿ برزوا لله الواحد القهار ﴾ فإن شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية.

﴿ وترى المجرمين ﴾ يوم التجلي ﴿ مقرنين ﴾ في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله.

﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله ﴿ وتغشى وجوههم ﴾ نار الحسرة والقطيعة ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ الذين نسوا عالم الوحدة ﴿ وليذروا به ﴾ قبل المفارقة فإن الانتباه بالموت لا ينفع ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ فيعبدوه ولا يتخذوا إلهاً غيره من الدنيا والهوى والشيطان ﴿ وليتذكر أولوا الألباب ﴾ عالم الشهود فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً ﴾ .

أي: مأمناً، سمي آمنا، لما يأمن الخلق فيه؛ كما سمي النهار مبصراً، والنهار لا يبصر ولكن يبصر فيه، ومثله كثير.

ثم يحتمل قوله: ﴿ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً ﴾ قال بعض أهل التأويل: إنما طلب إبراهيم أن يجعله آمناً على أهله وولده خاصة، لا على الناس كافة؛ إذ قد سفك فيه الدماء، وهتك فيه الحرم؛ دل أنه جعله آمنا على أهله وولده خاصة، ولكن لو كان ما ذكروا محتملا - ما يصنع بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً...

﴾ الآية [العنكبوت: 67] وقوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً  ﴾ وغيره من الآيات.

أخبر أنه جعل تلك البقعة مأمناً للخلق يأمنون فيها.

ثم يحتمل وجهين: أحدهما: جعله آمناً بحق الابتلاء والامتحان، ألزم الخلق حفظ تلك البقعة عن سفك الدماء فيها، وهتك الحرم، وغير ذلك من المعاصي، وإن كانوا ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يصلح؛ كالمساجد التي بنيت للعبادة وإقامة الخيرات - ألزم أهلها وعلى جميع الخلائق حفظها عن إدخال ما لا يصلح ولا يحل، ثم إن الناس قد ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يليق بها ولا يصلح، فعلى ذلك الحرم الذي أخبر أنه جعله مأمناً.

والثاني: جعله مأمناً بالخلقة من ذا الوجه، يجوز أن يقال: كيف سفك فيه الدماء وهتك فيه الحرم؛ وهو بالخلقة جعله مأمناً؟

قيل: يجوز هذا بحق العقوبة؛ وإن كان [بالخلقة] آمناً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...

﴾ الآية [النساء: 160] الطيبات بالخلقة حلال؛ لكنه حرم عليهم ذلك بالظلم الذي كان منهم؛ بحق العقوبة والانتقام، فعلى ذلك الحرم؛ جعله مأمناً بالخلقة، ثم قتل فيه عقوبة؛ لما كان منهم من المعاصي.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَام ﴾ الآية.

فإن قيل: كيف دعا وطلب منه العصمة؛ وقد عصمه بالنبوة والرسالة؛ واختارهما له من ذلك كله؟

قال بعض أهل التأويل: إنما سأل عصمة ولده وذريته؛ لما علم أن ذريته قد يختلفون في دين الله وتوحيده، وما ذكر نَفْسَهُ؛ لما المعروف أنّ من دعا لآخر بدأ بنفسه.

قالت المعتزلة: دعاء إبراهيم وطلبه العصمة؛ مما ذكر؛ يدل أنه [قد] يجوز أن يدعي بدعوات عبادة؛ وإن كان قد أعطاه ذلك، أو يعلم أنه مغفور.

قيل: دعاء إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام؛ يجوز أن يكون عصمتهم كانت مقرونة [بما طلبوه] منه، وسألوه وتضرعوا إليه؛ إذ معلوم أنهم لم يستفيدوا تلك العصمة؛ بإهمالهم [أنفسهم] وتركهم إياها سُدىً؛ بل إنما أوجب لهم ذلك بما أجهدوا أنفسهم في طاعة الله.

ثم الآية على المعتزلة من وجهين: أحدهما: أن إبراهيم طلب منه العصمة عن عبادة الأصنام، وهو علم أنه يعتصم إذا عصمه عن ذلك، واهتدى إذا هداه، وهم يقولون: الله يعصم ولا يعتصم العبد، ويهدي ولا يهتدي العبد.

ويقولون: إذا أعطى أحداً ذلك، خرج ذلك من يده، ولا يملك إعطاء ذلك، فعلى قولهم تخرج دعوات الرسل على الاستهزاء أو على الكتمان؛ لأن من سأل من آخر شيئاً يعلم أنه ليس ذلك عنده؛ فهو هزء، أو سأل وهو يعلم أنه قد أعطاه ذلك؛ فهو كتمان، وكان خوف الأنبياء والرسل والكبراء من الخلق أشد وأكثر على دينهم، والزيغ عما هم عليه؛ لما خافوا أن يكونوا عند الله على غير ما هو عند أنفسهم، كانوا أبداً وجلين خائفين على سلب ما هم عليه، وهكذا الواجب أن يكون الخوف على من نعمه عليه أكثر؛ فخوفه أشد.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَٱجْنُبْنِي ﴾ أي: باعدني، وجنبني أيضاً.

وقال القتبي: أي: جنبني وإياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

نسب الإضلال إلى الأصنام - وإن لم يكن لها صنع في الإضلال لأنهم بها ضلوا، وكانت الأصنام سبب إضلالهم، وقد تنسب الأشياء إلى الأسباب، وإن لم يكن للأسباب صنع فيها نحو ما ذكرنا من قوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ...

 ﴾ والسورة لا تزيدهم رجساً، لكن نسب الرجس إليها لما كانت هي سبب زيادة رجسهم، وهو أنها لما نزلت يزداد لهم بها تكذيباً وكفرا بها، فنسب ذلك إليها، فعلى ذلك الأول.

والثاني: ينسب إلى الأحوال التي كانت بها؛ ما لو كانت تلك بذوات الأرواح، لكانت تضل وتغوي [كذي الروح] ممن يكون منه الإضلال، لأنها تزين وتحلى بالأشياء؛ نحو ما نسب الغرور إلى الدنيا؛ وإن كانت الدنيا لا تغر؛ لأنها تكون بحال لو كانت تلك الأحوال من ذي الروح لكان ذلك تغريراً، فعلى ذلك نسبة الإضلال إلى الأصنام.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ .

يشبه أن يكون ﴿ مِنِّي ﴾ : أي: موافقي في الدين، أو في الولاية، وحاصله - والله أعلم -: معي في الدين وفي أمر الدين، وكذلك [معنى ما روي:] "من غش فليس منا" أي: ليس بموافق لنا، أو ليس معنا، أو ليس من ملتنا، وكذلك قوله: ﴿ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ أي: من ملتي.

وحاصله: فمن تبعني وأجابني فيما دعوته إليه وأمرته به فإنه مني؛ أي: مما أنا عليه، وكذلك قوله: "من غش فليس منا" أي: ليس مما نحن عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ , يشبه قوله: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي ﴾ ليس عصيان شرك، ولكن عصيان ما دون الشرك؛ فإنه غفور رحيم.

أو من عصاني فإنك غفور؛ أي: ساتر عليه الكفر إلى وقت معلوم؛ إذ الغفران: هو الستر؛ فستر عليه إلى أجل؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ ﴾ أو يقول: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : أي: تمكن له من التوبة والإسلام؛ فيسلم ويتوب؛ فتغفر له ما كان منه من العصيان؛ وترحم عليه.

وقوله: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي ﴾ فيما دعوته إليه وأمرته به ﴿ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ تمكن له من التوبة، والرجوع عما كان؛ فتغفر له وترحمه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون قال هذا أول ما قدم تلك البقعة؛ لأنه قال: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ ولا بيت هنالك، دل أنه إنما دعا بهذه الدعوات: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ وما ذكر ﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ بعد ما رفع البيت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ دل أنه إنما أسكن بعض ذريته؛ لم يسكن ذريته كلها؛ حيث قال: ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ .

قد امتحنه الله بمحن ثلاثة؛ لم يمتحن بمثلها أحداً من الأنبياء: أحدها: امتحنه بإسكان ولده بواد غير ذي زرع؛ وغير ذي ماء، مما لا يحتمل قلب بشر تركه في مثل ذلك المكان مثله، دل أنه إنما فعل بأمر من الله  .

والثاني: امتحنه بذبح ولده حتى إذا أشرف على الهلاك - فداه الله  بكبش.

[والثالث]: امتحنه بإلقائه في النار؛ فألقي حتى إذا أشرف على الهلاك - جعلها الله  عليه برداً وسلاماً.

ففي ذلك كله دلالة رسالته.

وكانت له هجرتان: إحداهما إلى مكة؛ حيث أسكن فيها ولده، والهجرة الثانية إلى بيت المقدس؛ وهو ما ذكر: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...

﴾ الآية [الأنبياء: 71].

ثم قوله: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ هو دعاء بتعريض لا بتصريح، والدعاء بالتعريض؛ والسؤال بالكناية أبلغ وأكثر من السؤال بالتصريح، وهو كدعاء آدم وحواء: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23] فهذا أبلغ في السؤال من قوله: اغفر لنا وارحمنا؛ لأن مثل هذا قد سئل من دونه؛ ولا يكون فيه ما ذكر فيه من الخسران.

وقوله: ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ يحتمل أن يكون كلمة (من) صلة؛ أي: أسكنت ذريتي، ويحتمل على التبعيض؛ أي: أسكنت بعض ذريتي، على ما ذكر في بعض التأويلات: إسماعيل وإسحاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ وجهين: أحدهما: حرمه أن يستحل فيه ما لا يحل ولا يصلح؛ لكنه خص تلك البقعة بالذكر؛ وإن كان ذلك لا يحل في غيرها من البقاع؛ لفضل الحرمة التي جعلها الله لها، كما خص المساجد بأشياء؛ لفضلها على غيرها من الأمكنة والبقاع.

والثاني: قوله: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ : أي: الممنوع؛ يقال: حرم: أي: منع؛ كقوله: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ  ﴾ ليس ذلك على التحريم ألا يحل له المراضع؛ ولكن على المنع؛ أي: منعنا عنه؛ لنرده إلى أمه، فعلى ذلك قوله: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ﴾ أي: الممنوع عن الخلق لله؛ حتى لم يقدر واحد من الفراعنة والملوك الغلبة عليها وإدخالها في منافع أنفسهم، بل هي ممنوعة عنهم؛ على ما كان، وفيه آية الوحدانية له والألوهية.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: فيه تقديم يقول: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ ليقيموا الصلاة لك عند بيتك.

ويحتمل أيضاً غير هذا؛ وهو أن يقال: ﴿ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ أي: ليس فيه ما يشغلهم عن الصلاة؛ لأن الزرع وغيره من النعيم يمنع الناس عن إقامة الصلاة، [والعبادة لهم، أي: أسكنت من ذريتي بواد ليس فيه زرع يشغلهم عن إقامة الصلاة] ثم يحتمل الصلاة: الصلاة المعروفة، ويحتمل الصلاة: الدعاء والأذكار؛ وغيرها من الدعوات، ويحتمل قوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ : [الصلاة] نفسها؛ وغيرها من الطاعات، وكذلك قوله: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

يحتمل سؤاله ربه - أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم - وجهين: أحدهما: لما أسكن ذريته في مكان لا ماء فيه ولا نبات ولا زرع؛ ففي مثل هذا المكان يستوحش المقام فيه؛ فسأل ربه أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ليأتوا ذلك المكان؛ فتذهب عنهم تلك الوحشة؛ فيستأنس بهم، أو سأله أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، ليتعيشوا بما ينقل إليهم من الزاد والأطمعة إذ أسكنهم في مكان لا زرع فيه، ولا ماء يعيشون فيه به، وقد جعل الله بنية هذا البشر؛ أن لا قوام لهم إلا بالأغذية والأطعمة، فسأل ربه؛ ليتعيشوا بما يحمل إليهم.

وقال أهل التأويل: ﴿ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ ﴾ للحج، وقالوا: لو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ولم يقل (من) لحجه الخلق جميعاً: الكافر والمؤمن، لكن لا يحتمل عندنا أن يكون سؤاله للخلق جميعاً أو يكون قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ  ﴾ للخلائق جميعاً: للكافر والمؤمن، بل يرجع ذلك إلى خصوص.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ تلك الثمرات، ويحتمل: لعلهم يشكرون بما جعل لهم من التعيش بما يحمل إليهم من الأغذية والأطعمة.

وقوله: ﴿ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ ليس على تخصيص الثمرات، ولكن سأل الثمرات وما به غذاؤهم وقوامهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون مثل هذا الدعاء [منه] مبتدأ، بل كأنه - والله أعلم - عن نازلة دعاه؛ إذ يعلم صلوات الله عليه أنه كان يعلم ما يخفون وما يعلنون، لكن لم يبين: ما تلك النازلة؟

وأهل التأويل يقولون: قال هذا؛ أي: ﴿ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي ﴾ من الحزن والوجد على إسماعيل وأمه حين تركهما بوادٍ لا ماء فيه ولا زرع، ويقولون: ﴿ وَمَا نُعْلِنُ ﴾ وهو قوله: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ ، لكن لا نعلم ذلك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

كان هذا جواباً عن الله وإخباراً منه إياه؛ أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ أي: لا يخفى عليه ما لا أمر فيه ولا نهي ولا جزاء؛ فكيف يخفى عليه الأعمال التي عليها الجزاء والأمر؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ .

قال أهل التأويل: إنه وهب له الولد؛ وهو ابن كذا وامرأته ابنة كذا؛ لكن لا نعلم ذلك سوى ما ذكر أنه وهب له الولد على الكبر في وقت الإياس عن الولد؛ حث بشر بالولد؛ فقال: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ  ﴾ حيث قالت امرأته لما بشرت بالولد ﴿ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً  ﴾ يعلم أنه وهب له الولد؛ وهما كانا كبيرين في وقت الإياس عن الولد.

وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ يكون حمده على الأمرين جميعاً: على الهبة؛ وعلى الولادة في حال الكبر؛ وهو حال الإياس؛ إذ كل واحد مما يوجب الحمد عليه والثناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴾ قيل: لمجيب الدعاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي ﴾ .

قد سبق من الله الأمر بإقامة الصلاة؛ وهو المقيم لها؛ فدل الدعاء منه والسؤال؛ على أن يجعله مقيم الصلاة - أن عند الله لطفا سوى الأمر لم يعطه؛ فسأله ذلك؛ هو التوفيق.

وعلى قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه قد أعطى كل شيء حتى لم يبق عنده ما يعطيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ﴾ .

قال بعضهم: تقبل دعائي في إقامة الصلاة لنفسه وذريته؛ لكن لا يجب أن يخص دعاء من الدعوات التي سأل ربه؛ وقد دعا ربه بدعوات كثيرة؛ نحو ما قال: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ ، وقوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ ﴾ ، وقال: ﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ  ﴾ ، وغير ذلك من الدعوات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ .

طلب من ربه المغفرة لوالديه.

قال الحسن: إن أمّه كانت مسلمة، وأما أبوه: فكان كافراً؛ لأنه قال: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ  ﴾ فخص والده بالضلال؛ دل أن أمه كانت مسلمة؛ لكنا لا نعلم ما حال الأم: أمه كانت مسلمة أو كافرة، وأما أبوه فهو لا شك أنه كان كافراً.

ثم [لا] يحتمل دعاؤه لوالديه؛ وهما كافران؛ إن كانت أمّه كافرة؛ إلا على إضمار الإسلام؛ أي: اغفر لهما إن أسلما، أو أن يكون سؤاله المغفرة لهما سؤال الإسلام نفسه، أو أن يكون طلب منه الستر عليهما في الدنيا، وألاَّ يفضحهما ولا يخزيهما، لكنه سأل المغفرة يوم يقوم الحساب.

ولا يحتمل طلب الستر إلا أن يفصل بين قوله: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يبتدئ بالمؤمنين يوم يقوم الحساب، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ودعاء إبراهيم وسؤاله المغفرة لوالديه يكون سؤال السبب؛ الذي يستحقان به المغفرة من ربها، ويكونان أهلا لها؛ وهو التوحيد ومعرفة المولى؛ وهو ما ذكرنا في أمر نوح قومه الاستغفار له، وكذلك قول هود؛ حيث قال: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ...

﴾ الآية [هود: 52] وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ : بالعدل؛ يقول الرجل لآخر: أقم حسابي أي: اعْدل فيه.

وإقامة الحساب: العدل فيه؛ على ما توجبه الحكمة، لا يزاد ولا ينقص؛ كقوله: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ  ﴾ قال بعضهم: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ : يوم يحاسبون، قيام الحساب: هو المحاسبة نفسها والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾ كانت له حاجات أخفاها، طلب قضاءها؛ فقال: تعلم حاجاتي؛ أخفيتها، أو أعلنتها فاقضها لي، أو أن يكون قومه طعنوا في شيء؛ فقال ذلك على التبري من ذلك؛ إنه يعلم ما نخفي وما نعلن، ولم يعلم ذلك الذين يطعنون في ﴿ مِنِّي ﴾ والله أعلم؛ كقول عيسى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي  ﴾ أو أن يكون قال ذلك؛ لأن أهل الأديان جميعاً كانوا يوالون إبراهيم ويدعون أنه على دينهم؛ ولذلك قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً...

 ﴾ الآية.

برأه الله مما ادعى كل فريق.

ثم منهم؛ من كان من هذه الفرق؛ يدعون الأسرار عن الله والإخفاء عنه؛ فقال هذا ليعلم الناس توحيده؛ أنه لا يخفى عليه شيء؛ أُخفي أو أعلن؛ ليعرفوا توحيده أنه ليس شيء يخفى عليه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا رب، اجعلني مؤديًا للصلاة على أكمل وجه، واجعل ذريتي ممن يؤديها كذلك، يا ربنا، وأجب دعائي واجعله مقبولًا عندك.

<div class="verse-tafsir" id="91.1od2M"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده