الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٤٢ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٢ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول [ تعالى شأنه ] ( ولا تحسبن الله ) يا محمد ( غافلا عما يعمل الظالمون ) أي : لا تحسبه إذ أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم ، لا يعاقبهم على صنعهم بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عدا أي : ( إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) أي : من شدة الأهوال يوم القيامة .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ ) يا محمد ( غَافِلا ) ساهيا( عَمَّا يَعْمَلُ ) هؤلاء المشركون من قومك ، بل هو عالم بهم وبأعمالهم محصيًا عليهم ، ليجزيهم جزاءهم في الحين الذي قد سبق في علمه أن يجزيهم فيه.
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عليّ بن ثابت ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران في قوله ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) قال: هي وعيد للظالم وتعزية للمظلوم.
( إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) يقول تعالى ذكره: إنما يؤخر ربك يا محمد هؤلاء الظالمين الذين يكذّبونك ويجحَدون نبوّتك ، ليوم تشخص فيه الأبصار.
يقول: إنما يؤخِّر عقابهم وإنـزال العذاب بهم ، إلى يوم تشخص فيه أبصار الخلق ، وذلك يوم القيامة .
كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ ) شخصت فيه والله أبصارهم ، فلا ترتدّ إليهم.
قوله تعالى : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصارقوله تعالى : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أعجبه من أفعال المشركين ومخالفتهم دين إبراهيم ; أي اصبر كما صبر إبراهيم ، وأعلم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم ، بل سنة الله إمهال العصاة مدة .
قال ميمون بن مهران : هذا وعيد للظالم ، وتعزية للمظلوم .إنما يؤخرهم يعني مشركي مكة يمهلهم ويؤخر عذابهم .
وقراءة العامة " يؤخرهم " بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله ولا تحسبن الله .
وقرأ الحسن والسلمي وروي عن أبي عمرو أيضا " نؤخرهم " بالنون للتعظيم .ليوم تشخص فيه الأبصار أي لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم ، قاله الفراء .
يقال : شخص الرجل بصره وشخص البصر نفسه أي سما وطمح من هول ما يرى .
قال ابن عباس : تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا يرمضون .
هذا وعيد شديد للظالمين، وتسلية للمظلومين، يقول تعالى: { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } حيث أمهلهم وأدرَّ عليهم الأرزاق، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين، فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم فإن الله يملي للظالم ويمهله ليزداد إثما، حتى إذا أخذه لم يفلته { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } والظلم -هاهنا- يشمل الظلم فيما بين العبد وربه وظلمه لعباد الله.
{ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ } أي: لا تطرف من شدة ما ترى من الأهوال وما أزعجها من القلاقل.
قوله عز وجل : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور ، والآية لتسلية المظلوم وتهديد للظالم .
( إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) أي : لا تغمض من هول ما ترى في ذلك اليوم ، وقيل : ترتفع وتزول عن أماكنها .
«ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون» الكافرين من أهل مكة «إنما يؤخرهم» بلا عذاب «ليوم تشخص فيه الأبصار» لهول ما ترى يقال شخص بصر فلان أي فتحه فلم يغمضه.
ولا تحسبن -أيها الرسول- أن الله غافل عما يعمله الظالمون: من التكذيب بك وبغيرك من الرسل، وإيذاء المؤمنين وغير ذلك من المعاصي، إنما يؤخِّرُ عقابهم ليوم شديد ترتفع فيه عيونهم ولا تَغْمَض؛ مِن هول ما تراه.
وفي هذا تسلية لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة ، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد ، ورده - تعالى - عليهم ، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم .
.
فقال - تعالى - :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً .
.
.
) .قال الإِمام القرطبى : " قوله - تعالى - ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون .
.
.
) هذا تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم - بعد أن عجبه من أفعال المشركين ، ومخالفتهم دين إبراهيم ، أى : اصبر كما صبر إبراهيم ، وأعلم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم ، بل سنة الله إمهال العصاة مدة .
قال ميمون بن مهران : هذا وعيد للظالم .
وتعزية للمظلوم " .والخطاب ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ ) ، يجوز أن يكون للنبى - صلى الله عليه وسلم - لقصد زيادة تثبيته على الحق ، ودوامه على ذلك ، ويجوز أن يكون لكل من يصلح للخطاب .والغفلة : سهر يعترى الإِنسان بسبب قلة تيقظه وانتباهه ، ولا شك أن ذلك محال فى حق الله - تعالى - ، لذا وجب حمل المعنى على أن المراد بالغفلة هنا : ترك عقاب المجرمين .والمراد بالضالمين : كل من انحرفوا عن طريق الحق ، واتبعوا طريق الباطل ، ويدخل فيهم دخولا أوليا مشركو مكة ، الذين أبوا الدخول فى الإِسلام الذى جاءهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - .وقوله ( إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار ) استئناف وقع تعليلا للنهى السابق .وقوله ( تشخيص ) من الشخوص بمعنى رفع البصر بدون تحرك يقال شخص بصر فلان - من باب خضع - فهو شاخص ، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف من شدة الخوف والفزع .والمعنى : الذين كذبوك فى دعوتك ، كلا لن يترك الله - تعالى - عقابهم ، وإنما يؤخره ليوم هائل شديد ، هو يوم القيامة الذى ترتفع فيه أبصارا أهل الموقف ، فلا تطرف أجفانهم من هول ما يرونه .
اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أن يصونه عن الشرك، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود يوم القيامة، وما يدل على صفة يوم القيامة، أما الذي يدل على وجود القيامة فهو قوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون ﴾ فالمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم، لزم أن يكون إما غافلاً عن ذلك الظالم أو عاجزاً عن الإنتقام، أو كان راضياً بذلك الظلم، ولما كانت الغفلة والعجز والرضا بالظلم محالاً على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم.
فإن قيل: كيف يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفاً بالغفلة؟
والجواب من وجوه: الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً، كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ .
﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ ﴾ وكقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ .
والثاني: أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الإنتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً لكل أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالاً.
والثالث: أن المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير.
الرابع: أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر، إلا أنه يكون في الحقيقة خطاباً مع الأمة، وعن سفيان بن عيينة: أنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، ثم بين تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات.
الصفة الأولى: أنه تشخص فيه الأبصار.
يقال: شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا يطرفها، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة.
والصفة الثانية: قوله: ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ وفي تفسير الإهطاع أقوال أربعة: القول الأول: قال أبو عبيدة هو الإسراع.
يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع وعلى هذا الوجه، فالمعنى: أن الغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد، فإنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مهطعين، أي مسرعين نحو ذلك البلاء.
القول الثاني: في الإهطاع قال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع.
والقول الثالث: المهطع الساكت.
والقول الرابع: قال الليث: يقال للرجل إذا قر وذل أهطع.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ ﴾ والإقناع رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع، فقوله: ﴿ مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ ﴾ أي رافعي رؤوسهم والمعنى أن المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لكي لا يراه، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد وأنهم يرفعون رؤوسهم.
الصفة الرابعة: قوله: ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ والمراد من هذه الصفة دوام ذلك الشخوص، فقوله: ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار ﴾ لا يفيد كون هذا الشخوص دائماً وقوله: ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ يفيد دوام هذا الشخوص، وذلك يدل على دوام تلك الحيرة والدهشة في قلوبهم.
الصفة الخامسة: قوله: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ الهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ثم جعل وصفاً فقيل: قلب فلان هواء إذا كان خالياً لا قوة فيه، والمراد بيان أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر والأفكار لعظم ما ينالهم من الحيرة ومن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العقاب ومن كل سرور، لكثرة ما فيه من الحزن، إذا عرفت هذه الصفات الخمسة فقد اختلفوا في وقت حصولها فقيل: إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقيب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب، وقيل: إنها تحصل عندما يتميز فريق عن فريق، والسعداء يذهبون إلى الجنة، والأشقياء إلى النار.
وقيل: بل يحصل عند إجابة الداعي والقيام من القبور، والأول أولى للدليل الذي ذكرناه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: يتعالى الله عن السهو والغفلة، فكيف يحسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الناس به غافلاً حتى قيل ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا ﴾ ؟
قلت: إن كان خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان.
أحدهما التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً، كقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ [الأنعام: 14] ، ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ [الشعراء: 213] ، كما جاء في الأمر ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النساء: 136] والثاني: أنّ المراد بالنهي عن حسبانه غافلاً، الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون، لا يخفى عليه منه شيء، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 283] يريد الوعيد.
ويجوز أن يراد: ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم، المحاسب على النقير والقطمير، وإن كان خطابا لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلاً، لجهله بصفاته، فلا سؤال فيه، وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له من قال هذا؟
فغضب وقال: إنما قاله من علمه وقرئ: ﴿ يؤخرهم ﴾ بالنون والياء ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ الابصار ﴾ أي أبصارهم لا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ مسرعين إلى الداعي.
وقيل: الإهطاع أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف ﴿ مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ ﴾ رافعيها ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم، أي: لا يطرفون، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان.
أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم.
الهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، فوصف به فقيل: قلب فلان هواء إذا كان جباناً لا قوّة في قلبه ولا جرأة.
ويقال للأحمق أيضاً: قلبه هواء.
قال زهير: مِنَ الظُّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ لأنّ النعام مثل في الجبن والحمق.
وقال حسان: فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ وعن ابن جريج ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوآءُ ﴾ صفر من الخير خاوية منه، وقال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ، والمُرادُ بِهِ تَثْبِيتُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والوَعِيدُ بِأنَّهُ مُعاقِبُهم عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ لا مَحالَةَ، أوْ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ جَهْلًا بِصِفاتِهِ واغْتِرارًا بِإمْهالِهِ.
وقِيلَ إنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ.
﴿ إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ﴾ يُؤَخِّرُ عَذابَهم وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ.
﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ ﴾ أيْ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم فَلا تَقَرُّ في أماكِنِها مِن هَوْلِ ما تَرى.
﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، أوْ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ لا يَطْرِفُونَ هَيْبَةً وخَوْفًا، وأصْلُ الكَلِمَةِ هو الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ.
﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ رافِعِيها.
﴿ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ بَلْ تَثْبُتُ عُيُونُهم شاخِصَةً لا تَطْرِفُ، أوْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ نَظَرُهم فَيَنْظُرُوا إلى أنْفُسِهِمْ.
﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ خَلاءٌ أيْ خالِيَةٌ عَنِ الفَهْمِ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْأحْمَقِ ولِلْجَبانِ قَلْبُهُ هَواءٌ أيْ لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ قالَ زُهَيْرٌ: مِنَ الظُّلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءٌ وَقِيلَ خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ خاوِيَةٌ عَنِ الحَقِّ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون} تسلية للمظوم وتهديد للظالم والخطاب لغير الرسول عليه السلام وإن كان للرسول فالمراد تثبيته عليه السلام على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً كقوله وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ
إبراهيم (٤٢ _ ٤٥)
المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر وكما جاء في الأمر يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله وقيل المراد به الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه منه شيء وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد
كقوله والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} أي عقوبتهم {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار} أي أبصارهم لا تقرفي أماكنها من هول ما ترى
﴿ ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ تَعالى وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما هو المُتَبادَرُ والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ تَثْبِيتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ ظَنِّ أنَّ الغَفْلَةَ تَصْدُرُ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ .
﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ دُمْ عَلى ذَلِكَ وهو مَجازٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا ﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واجِبَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ في الغايَةِ حَتّى نَهى عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ تَعاطِيهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ أوِ المَجازِ بِمَرْتَبَتَيْنِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ والمَعْنى لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ تَعالى يَتْرُكُ عِقابَهم لِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ بَلْ هو مُعاقِبُهم عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً أيْ لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ المُحاسِبِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ وإلى هَذِهِ الأوْجُهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُ عَدَمُ الدَّوامِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ لِيَثْبُتَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وفِي الكَشْفِ الوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّ في إطْلاقِ الغافِلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ عَلى المَجازِ رَكَّةٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْها وفي الكِنايَةِ النَّظَرُ إلى المَجْمُوعِ فَلَمْ يَجْسُرِ العاقِلُ عَلَيْهِ تَعالى عَنْهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مَجازًا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِجَعْلِ عَدَمِ الغَفْلَةِ مَجازًا عَنِ العِلْمِ ثُمَّ جَعَلَهُ مَجازًا عَنِ الوَعِيدِ غَيْرَ سَدِيدٍ لِعَدَمِ مُنافاةِ إرادَةِ الحَقِيقَةِ.
والأسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن كَوْنِ الخِطابِ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ فَقِيلَ لَهُ: مَن قالَ هَذا فَغَضِبَ وقالَ: إنَّما قالَهُ مَن عَلِمَهُ وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ في الكَشّافِ فاسْتَظْهَرَ صاحِبُ الكَشْفِ كَوْنَهُ تَأْيِيدًا لِكَوْنِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى الأوْجُهِ إذْ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الخِطابِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا لا يَخْلُو عَنِ التَّسْلِيَةِ لِلطّائِفَتَيْنِ فَتَأمَّلْ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ عُدَّتْ مُساوِيهِمْ فِيما سَبَقَ أوْ جِنْسُ الظّالِمِينَ وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والآيَةُ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مَرْدُودَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا ..
﴾ ﴿ وقُلْ لِعِبادِي ﴾ واخْتارَ جَعْلَها تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَهْدِيدًا لِلظّالِمِينَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ ( ولا تَحْسَبْ ) بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ ﴿ إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ﴾ يُمْهِلُهم مُتَمَتِّعِينَ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَهم وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ أيْ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ تَعالى غافِلًا عَنْ عُقُوبَةِ أعْمالِهِمْ لِما تَرى مِنَ التَّأْخِيرِ إنَّما ذَلِكَ لِأجْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ وإيقاعِ التَّأْخِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ المُؤَخَّرَ إنَّما هو عَذابُهم قِيلَ: لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ بِيَيانِ أنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلى العَذابِ مُرْصَدُونَ لِأمْرِ ما لا أنَّهم باقُونَ بِاخْتِيارِهِمْ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقَّهم مِنَ العَذابِ هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ وأنْ لا يَبْقى مِنهم في الوُجُودِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولِلْإيذانِ بِأنَّ المُؤَخَّرَ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ العَذابِ وعُنْوانِهِ ولَوْ قِيلَ: إنَّما يُؤَخِّرُ عَذابَهم لَما فُهِمَ ذَلِكَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ ويُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِمْ ( نُؤَخِّرُهم ) بِنُونِ العَظَمَةِ وفِيهِ التِفاتٌ ﴿ لِيَوْمٍ ﴾ هائِلٍ ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ ﴾ .
(42) أيْ تَرْتَفِعُ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمُ الظّالِمُونَ المَعْهُودُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْ تَبْقى مَفْتُوحَةً لا تَطْرَفُ كَما قالَ الرّاغِبُ مِن هَوْلِ ما يَرَوْنَهُ وفي البَحْرِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَّ النَّظَرَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ مَكانُهُ والظّاهِرُ أنَّ اعْتِبارَ عَدَمِ الِاسْتِقْرارِ لِجَعْلِ الصِّيغَةِ مِن شَخَصَ الرَّجُلُ مِن بَلَدِهِ إذا خَرَجَ مِنها فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ عَدَمُ القَرارِ فِيها أوْ مِن شَخَصَ بِفُلانٍ إذا ورَدَ عَلَيْهِ ما يُقْلِقُهُ كَما في الأساسِ.
وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الألِفَ واللّامَ عَلى العَهْدِ أيْ أبْصارُهم لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدَهُ والظّاهِرُ مِمّا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: شَخَصَتْ فِيهِ واللَّهُ أبْصارُهم فَلا تَرْتَدُّ إلَيْهِمْ واخْتارَ بَعْضُهم حَمْلَ ألْ عَلى العُمُومِ قالَ: لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرِيرُ مَعَ بَعْضِ الصِّفاتِ الآتِيَةِ وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ فِيهِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي من الوجد بإسماعيل وهاجر، والحب لهما، وَما نُعْلِنُ عند سارة من الصبر عنهما وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: لا يذهب على الله شيء فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ يعني: من عمل أهل السماء وأهل الأرض.
قال بعضهم: هذا كلام إبراهيم، وقال بعضهم: هذا كلام الله تعالى.
ثم رجع إلى كلام إبراهيم فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ يعني: بعد الكبر، وهو ابن تسع وتسعين سنة في رواية الكلبي، وفي رواية الضحاك: ابن مائة وعشرين سنة.
إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وكان إسماعيل أكبرهما بثلاث عشرة سنة إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ يعني: مجيب الدعاء.
قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ يعني: أكرمني بإتمام الصلاة وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يعني: فأكرمهم أيضاً لإتمام الصلاة رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ أي: استجب دعائي.
ويقال: معناه تقبل عملي، واستجب دعائي رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ قرأ بعضهم: ولوالدتي لأن أمه كانت مسلمة.
وقرأ بعضهم: ربّنا اغفر لي ولوَلَدَيّ يعني: إسماعيل وإسحاق، وقراءة العامة وَلِوالِدَيَّ لأنه كان يستغفر لأبيه عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يعني: اغفر لجميع المؤمنين يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ يعني: يوم القيامة.
قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ قرأ حمزة وعاصم وابن عامر: وَلا تَحْسَبَنَّ بنصب السين، وقرأ الباقون: بالكسر، ومعناهما واحد.
يعني: لا تظنّن يا محمد أن الله غافل عما يعمل الظالمون، أي: المشركين.
يعني: إن أعمالهم لا تخفى عليّ، ولو شئت لعجلت عقوبتهم في الدنيا.
قال ميمون بن مهران: هذه الآية تعزية للمظلوم ووعيد الظالم إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ يعني: يمهلهم ويؤجلهم.
قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين نُؤخِرهُمْ بالنون وقرأ الباقون: بالياء.
لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ يعني: تشخص فيه أبصار الكافرين.
وذلك حين عاينوا النار شخصت فيه أبصارهم فلا يطرفون فيها.
مُهْطِعِينَ أي: مسرعين، يقال: أهطع البعير في السير، إذا أسرع.
ويقال: مُهْطِعِينَ أي ناظرين قاصدين نحو الداعي.
وقال قتادة: مُهْطِعِينَ أي: مسرعين مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ المقنع الذي يرفع رأسه شاخصا بصره، لا يطرف.
وقال مجاهد: مُهْطِعِينَ مديمي النظر، مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ، رافعي رؤوسهم.
وقال الخليل بن أحمد: المهطع الذي قد أقبل إلى الشيء ينظره، ولا يرفع عينيه عنه مُقْنِعِي يعني: رافعي رؤوسهم، مادي أعناقهم لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ يعني: لا يرجع إلى الكفار بصرهم وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ يعني: خالية من كل خير، كالهواء ما بين السماء والأرض.
وقال السدي: هوت أَفْئِدَتُهُمْ بين موضعها وبين الحنجرة، فلم ترجع إلى موضعها.
ولم تخرج كقوله: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ [غافر: 18] وهكذا قال مقاتل، وقال أبو عبيدة: هَواءٌ أي مجوفة لا عقول فيها.
ثم قال: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يعني: خوف أهل مكة يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ في الآخرة.
قوله تعالى: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا رَبَّنا أَخِّرْنا يعني: أجلنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ لنرجع إلى الدنيا نُجِبْ دَعْوَتَكَ يعني: الإسلام وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ على دينهم.
يقول الله تعالى: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ يقول: حلَفْتُم وأنتم في الدنيا من قبل هذا اليوم مَا لَكُمْ مِنْ زَوالٍ أي: لا تزولون عن الدنيا، ولا تبعثون.
<div class="verse-tafsir"
وانخراقه، ويحتمل أنْ تكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صُدُورهم، وأنها تذهب وتجيءُ وتبلُغُ علَى ما رُوِيَ حناجرهم، فهي في ذلك كالهَوَاءِ الذي هو أبداً في اضطراب.
وقوله سبحانه: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ: المراد باليَوْمِ: يومُ القيامةِ، ونصبُهُ على أنه مفعولٌ ب «أَنْذِر» ، ولا يجوزُ أن يكون ظرفاً، لأن القيامة ليْسَتْ بموطنِ إِنذار، قال الشيخُ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: يجبُ التصْدِيقُ بكُلِّ ما أخبر اللَّه ورسُولُهُ به، ولا يتعرَّض إِلى الكيفيَّة في كلِّ ما جاء من أمْرِ الساعة وأَحْوَالِ يومِ القيامةِ، فإِنه أمْرٌ لا تسعه العُقُولُ، وطَلَبُ الكيفيَّة فيه ضعْفٌ في الإِيمانِ، وإِنما يجبُ الجَزْم بالتصديقِ بجميعِ مَا أخبر اللَّه بهِ، انتهى.
قال الغَزَّالِيُّ: فَأَعلمُ العلماءِ وأعْرَفُ الحكماءِ ينكشفُ له عَقِيبَ المَوْت مِنَ العجائبِ والآياتِ ما لَمْ يَخْطُرْ قَطُّ بباله، ولا اختلج به ضميره، فلو لم يكُنْ للعاقلَ هَمٌّ ولا غَمٌّ، إِلا التفكُّر في خَطَر تلك الأحوال، وما الذي ينكشفُ عَنْه الغِطَاء من شقاوةٍ لازمةٍ، أو سعادة دائمةٍ/ لكان ذلك كافياً في استغراق جميع العُمُر، والعَجَبُ من غَفْلتنا، وهذه العظائِمُ بَيْنَ أيدينا.
انتهى من «الإِحياء» .
وقوله: أَوَلَمْ تَكُونُوا ...
الآية: معناه: يقال لهم، وقوله: مَا لَكُمْ مِنْ زَوالٍ: هو المُقْسَمُ عليه، وهذه الآية ناظرةٌ إِلى ما حَكَى اللَّه سبحانه عنهم في قوله:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل: ٣٨] .
وقوله سبحانه: وَسَكَنْتُمْ ...
الآية: المعنَى: بقول اللَّه عزَّ وجلَّ: وسكَنْتُم أيها المُعْرِضُون عَنْ آيات اللَّه مِنْ جميعِ العالمِ في مَسَاكِن الذين ظَلَمُوا أنفسهم بالكُفْر من الأمم السَّالفة، فنزلَتْ بهم المثلات، فكان حَقُّكُم الاعتبار والاتعاظ.
وقوله: وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ: أي: جزاء مكرهم، وقرأ السبعة سوى الكسائي «١» : «وإن كان مكرهم لتزول»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا وعِيدٌ لِلظّالِمِ، وتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، " نُؤَخِّرُهم " بِالنُّونِ، أيْ: يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ ﴾ أيْ: تَشْخَصُ أبْصارُ الخَلائِقِ لِظُهُورِ الأحْوالِ فَلا تَغْتَمِضُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الإهْطاعَ: النَّظَرُ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ النّاظِرُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو الضُّحى.
والثّانِي: أنَّهُ الإسْراعُ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أهْطَعَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ، واسْتَهْطَعَ: إذا أسْرَعَ.
وَفِي ما أسْرَعُوا إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى الدّاعِي، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: إلى النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُهْطِعَ: الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رافِعِي رُؤُوسِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُقْنِعُ رَأْسِهِ: الَّذِي رَفَعَهُ وأقْبَلَ بِطَرَفِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: رافِعِي رُؤُوسِهِمْ، مُلْتَصِقَةً بِأعْناقِهِمْ.
و ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم مُهْطِعِينَ.
والثّانِي: ناكِسِي رُؤُوسِهِمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ المُؤَرِّجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم مِن شِدَّةِ النَّظَرِ، فَهي شاخِصَةٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: أنَّ نَظَرَهم إلى شَيْءٍ واحِدٍ.
وقالَ الحَسَنُ: وُجُوهُ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السَّماءِ، لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى أحَدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ الأفْئِدَةُ: مَساكِنُ القُلُوبِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ القُلُوبَ خَرَجَتْ مِن مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ قَتادَةُ: خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ، فَأفْئِدَتُهم هَواءٌ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ.
والثّانِي: وأفْئِدَتُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: وأفْئِدَتُهم مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا، قالَهُ مُرَّةُ بْنُ شُراحْبِيلَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَخَرَّقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا مِنَ الخَوْفِ.
والرّابِعُ: وأفْئِدَتُهم جُوفٌ لا عُقُولَ لَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِحَسّانَ: ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خَلَتْ عَنِ العُقُولِ، لِما رَأوْا مِنَ الهَوْلِ.
والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ أجْوَفَ خاوٍ: هَواءً.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ أفْئِدَتُهم مَنخُوبَةٌ مِنَ الخَوْفِ والجُبْنِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ ﴾ ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ ﴿ وَأنْذِرِ الناسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها فِيها وعِيدٌ لِلظّالِمِينَ، وتَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِينَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: "تَحْسَبَنَّ" لِمُحَمَّدٍ ، والمُرادُ بِالنَهْيِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَحْسَبَ مِثْلَ هَذا، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَلا تَحْسَبِ اللهَ غافِلًا" بِإسْقاطِ النُونِ، وكَذَلِكَ: "فَلا تَحْسَبِ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "نُؤَخِّرُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُؤَخِّرُهُمْ" بِالياءِ، أيِ اللهُ تَعالى.
وتَشْخَصُ مَعْناهُ: تُحِدَّ النَظَرَ لِفَزَعِ، ولِفَرْطِ ذَلِكَ بِشَخْصِ المُحْتَضِرِ.
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وذَلِكَ بِذِلَّةٍ واسْتِكانَةٍ، كَإسْراعِ الأسِيرِ الخائِفِ ونَحْوِهِ، وهَذا هو أرْجَحُ الأقْوالِ، وقَدْ تُوصَفُ الإبِلُ بِالإهْطاعِ عَلى مَعْنى الإسْراعِ، وقَلَّما يَكُونُ إسْراعُها إلّا خَوْفَ السَوْطِ ونَحْوَهُ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كَأنَّ عِنانَهُ ∗∗∗ في رَأْسِ جِذْعٍ مَن أوالِ مُشَذَّبٍ وَمِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمْرانَ بْنِ حَطّانَ: إذا دَعانا فَأهْطَعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ داعٍ سَمِيعٌ فَلَفُّونا وساقُونا ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُفَرَّغٍ: بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَماعِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: بِمُسْتَهْطِعٍ رَسْلٍ كَأنَّ جَدِيلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِقَيْدُومِ رَعْنٍ مِن صَوامٍ مُمَنَّعُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الضُحى: الإهْطاعُ: شِدَّةُ النَظَرِ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ لِلْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا: الإسْراعُ وإدامَةُ النَظَرِ.
و"المُقْنِعُ" هو الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَدْمًا بِوَجْهِهِ نَحْوَ الشَيْءِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: / يُباكِرْنَ العِضاهَ بِمُقْنَعاتٍ ∗∗∗ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِي الشَجَرِ.
وقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وُجُوهُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السَماءِ، لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى أحَدٍ، وذَكَرَ المُبَرِّدُ فِيما حُكِيَ عن أنَّ الإقْناعَ يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى خَفْضِ الرَأْسِ مِنَ الذِلَّةِ، والأوَّلُ أشْهَرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ أيْ: لا يَطْرِفُونَ مِنَ الحَذَرِ والجَزَعِ وشِدَّةِ الحالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ تَشْبِيهٌ مَحْضٌ، لِأنَّها لَيْسَتْ بِهَواءٍ حَقِيقَةً، وجِهَةُ التَشْبِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في فَراغِ الأفْئِدَةِ مِنَ الخَيْرِ والرَجاءِ والطَمَعِ في الرَحْمَةِ، فَهي مُنْخَرِقَةٌ مُشْبِهَةٌ الهَواءَ في تَفَرُّغِهِ مِنَ الأشْياءِ وانْخِراقِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في اضْطِرابِ أفْئِدَتِهِمْ وجَيَشانِها في صُدُورِهِمْ، وأنَّها تَجِيءُ وتَذْهَبُ وتَبْلُغُ -عَلى ما رُوِيَ- حَناجِرَهُمْ، فَهي في ذَلِكَ كالهَواءِ الَّذِي هو أبَدًا في اضْطِرابٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ يُشَبَّهُ قَلْبُ الجَبانِ وقَلَّبُ الرَجُلِ المُضْطَرِبِ في أُمُورِهِ بِالهَواءِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ولا تَكُ مِن أخْدانِ كُلِّ يَراعَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ هَواءٍ كَسَقْبِ النابِ جَوْفًا مَكاسِرُهْ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ: ألّا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ وَمِن ذَلِكَ قَوْلٌ زُهَيْرٍ: كَأنَّ الرَحْلَ مِنهُ فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الظِلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ فالمَعْنى أنَّهُ في غايَةِ الخِفَّةِ في إجْفالِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرِ الناسَ ﴾ الآيَةُ.
المُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ "أنْذِرْ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأنَّ القِيامَةَ لَيْسَتْ بِمَوْطِنِ إنْذارٍ.
وقَوْلُهُ: "فَيَقُولُ" رُفِعَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "يَأْتِيهِمُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ مَعْناهُ: يُقالُ لَهُمْ، فَحَذَفَ ذَلِكَ إيجازًا إذِ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَكم مِن زَوالٍ ﴾ هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ نَقْلُ المَعْنى، و ﴿ مِن زَوالٍ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ الأرْضِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ: لا بَعْثَ مِنَ القُبُورِ، وهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى ما حَكى عنهم في قَوْلِهِ: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
عطف على الجمل السابقة، وله اتصال بجملة ﴿ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴾ [سورة إبراهيم: 30] الذي هو وعيد للمشركين وإنذار لهم بأن لا يغتروا بسلامتهم وأمنهم تنبيهاً لهم على أن ذلك متاع قليل زائل، فأكد ذلك الوعيد بهذه الآية، مع إدماج تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام على ما يتطاولون به من النعمة والدعة، كما دل عليه التفريع في قوله ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ [سورة إبراهيم: 47].
وفي معنى الآية قوله: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ﴾ [سورة المزمل: 11].
وباعتبار ما فيه من زيادة معنى التسلية وما انضم إليه من وصف فظاعة حال المشركين يوم الحشر حسن اقتران هذه الجملة بالعاطف ولم تفصل.
وصيغة لا تحسبن} ظاهرها نهي عن حسبان ذلك.
وهذا النهي كناية عن إثبات وتحقيق ضد المنهي عنه في المقام الذي من شأنه أن يثير للناس ظَنّ وقوع المنهي عنه لقوة الأسباب المثيرة لذلك.
وذلك أن إمهالهم وتأخير عقوبتهم يشبه حالة الغافل عن أعمالهم، أي تحقق أن الله ليس بغافل، وهو كناية ثانية عن لازم عدم الغفلة وهو المؤاخذة، فهو كناية بمرتبتين، ذلك لأن النهي عن الشيء يأذن بأن المنهي عنه بحيث يتلبس به المخاطب، فنهيه عنه تحذير من التلبس به بقطع النظر عن تقدير تلبس المخاطب بذلك الحسبان.
وعلى هذا الاستعمال جاءت الآية سواء جعلنا الخطاب لكل من يصح أن يخاطب فيدخل فيه النبي عليه الصلاة والسلام أم جعلناه للنبي ابتداء ويدخل فيه أمته.
ونفي الغفلة عن الله ليس جارياً على صريح معناه لأن ذلك لا يظنه مؤمن بل هو كناية عن النهي عن استعجال العذاب للظالمين.
ومنه جاء معنى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والغفلة: الذهول، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وإن كنا عن دراستهم لغافلين ﴾ في سورة الأنعام (156).
والمراد بالظلم هنا الشرك، لأنه ظلم للنفس بإيقاعها في سبب العذاب المؤلم، وظلم لله بالاعتداء على ما يجب له من الاعتراف بالوحدانية.
ويشمل ذلك ما كان من الظلم دون الشرك مثل ظلم الناس بالاعتداء عليهم أو حرمانهم حقوقهم فإن الله غير غافل عن ذلك.
ولذلك قال سفيان بن عُيَيْنة هي تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.
وقوله: فيه الأبصار } مبنية لجملة ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً ﴾ الخ.
وشخوص البصر: ارتفاعه كنظر المبهوت الخائف.
وأل في ﴿ الأبصار ﴾ للعموم، أي تشخص فيه أبصار الناس من هول ما يرون.
ومن جملة ذلك مشاهدة هول أحوال الظالمين.
والإهطاع: إسراع المشي مع مد العنق كالمتختل، وهي هيئة الخائف.
وإقناع الرأس: طأطأته من الذل، وهو مشتق من قَنَع من باب مَنَع إذا تذلّل.
و ﴿ مهطعين مقنعي رؤوسهم ﴾ حالان.
وجملة ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ في موضع الحال أيضاً.
والطَرْف: تحرك جفن العين.
ومعنى ﴿ لا يرتد إليهم ﴾ لا يرْجع إليهم، أي لا يعود إلى معتاده، أي لا يستطيعون تحويله.
فهو كناية عن هول ما شاهدوه بحيث يبقون ناظرين إليه لا تطرف أعينهم.
وقوله: ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ تشبيه بليغ، إذ هي كالهواء في الخلو من الإدراك لشدة الهول.
والهواء في كلام العرب: الخلاء.
وليس هو المعنى المصطلح عليه في علم الطب وعلم الهيئة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ ﴾ قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: وعِيدٌ لِلظّالِمِ وتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مُسْرِعِينَ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِن أهْطَعَ يُهْطِعُ إهْطاعًا إذا أسْرَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ.
قالَ الشّاعِرُ: بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ الثّانِي: أنَّهُ الدّائِمُ النَّظَرَ لا يَطْرِفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المُطْرِقُ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ وإقْناعُ الرَّأْسِ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ناكِسِي رُءُوسِهِمْ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُؤَرِّجٌ السَّدُوسِيُّ وقَتادَةُ.
الثّانِي: رافِعِي رُءُوسِهِمْ، وإقْناعُ الرَّأْسِ رَفْعُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أنْغَضَ رَأسَهُ نَحْوِي وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ﴿ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ أيْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ طَرْفُهم، والطَّرْفُ هو النَّظَرُ وسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا لِأنَّها بِها يَكُونُ، قالَ جَمِيلٌ: وأقْصِرُ طَرْفِي دُونَ جُمْلٍ كَرامَةً ∗∗∗ لِجُمْلٍ ولِلطَّرْفِ الَّذِي أنا قاصِرُ ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ والمُرادُ بِالأفْئِدَةِ مَواضِعُ القُلُوبِ، وهي الصُّدُورُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ هَواءٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها تَتَرَدَّدُ في أجْوافِهِمْ لَيْسَ لَها مَكانٌ تَسْتَقِرُّ فِيهِ فَكَأنَّها تَهْوِي، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها قَدْ زالَتْ عَنْ أماكِنِها حَتّى بَلَغَتِ الحَناجِرَ، فَلا تَنْفَصِلُ ولا تَعُودُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها المُتَخَرِّمَةُ الَّتِي لا تَعِي شَيْئًا، قالَهُ مُرَّةُ.
الرّابِعُ: أنَّها خالِيَةٌ مِنَ الخَيْرِ، وما كانَ خالِيًا فَهو هَواءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ؎ ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي ﴾ من حب إسماعيل وأمه ﴿ وما نعلن ﴾ قال: وما نظهر من الجفاء لهما.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق ﴾ قال: هذا بعد ذاك بحين.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ﴾ قال: فلن يزال من ذرية إبراهيم عليه السلام ناس على الفطرة يعبدون الله تعالى حتى تقوم الساعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال: ما يسرني بنصيبي من دعوة نوح وإبراهيم للمؤمنين والمؤمنات حمر النعم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق، عن ميمون بن مهران رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ﴾ قال: هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له ولد، فكان يخرج...
فإذا رأى غلاماً من غلمان بني إسرائيل عليه حلى، يخدعه حتى يدخله فيقتله ويلقيه في مطمورة له.
فبينما هو كذلك، إذ لقي غلامين أخوين عليهما حلى لهما فأدخلهما فقتلهما وطرحهما في مطمورة له، وكانت له امرأة مسلمة تنهاه عن ذلك فتقول له: إني أحذرك النقمة من الله تعالى.
وكان يقول: لو أن الله آخذني على شيء آخذني يوم فعلت كذا وكذا.
فتقول إن صاعك لم يمتلئ بعد، ولو قد امتلأ صاعك أُخِذْت.
فلما قتل الغلامين الأخوين، خرج أبوهما يطلبهما فلم يجد أحداً يخبره عنهما، فأتى نبياً من أنبياء بني إسرائيل فذكر ذلك له، فقال له النبي عليه السلام: هل كانت لهما لعبة يلعبان بها؟
قال: نعم...
كان لهما جرْوٌ، فأتى بالجرو فوضع النبي عليه السلام خاتمه بين عينيه، ثم خلى سبيله وقال له: أول دار يدخلها من بني إسرائيل فيها تبيان، فأقبل الجرو يتخلل الدور به حتى دخل داراً، فدخلوا خلفه فوجدوا الغلامين مقتولين مع غلام قد قتله وطرحهم في المطمورة، فانطلقوا به إلى النبي عليه السلام فأمر به أن يصلب.
فلما وضع على خشبته أتته امرأته فقالت: يا فلان، قد كنت أحذرك هذا اليوم وأخبرك أن الله تعالى غير تاركك، وأنت تقول: لو أن الله آخذني على شيء آخذني يوم فعلت كذا وكذا، فأخبرتك أن صاعك بعد لم يمتلئ.
..
ألا وإن صاعك هذا...
ألا وأن امتلأ.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ قال: شخصت فيه والله أبصارهم، فلا ترتد إليهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مهطعين ﴾ قال: يعني بالاهطاع النظر من غير أن تطرف ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ قال: الاقناع رفع رؤوسهم ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ قال: شاخصة أبصارهم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ مهطعين ﴾ قال: مديمي النظر.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة ﴿ مُهْطِعِين ﴾ قال: مسرعين.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ مُهْطِعِين ﴾ ما المهطع؟
قال: الناظر.
قال فيه الشاعر: إذا دعانا فأهطعنا لدعوته ** داع سميع فلفونا وساقونا قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ ما المقنع؟
قال: الرافع رأسه.
قال فيه كعب بن زهير: هجان وحمر مقنعات رؤوسها ** وأصفر مشمول من الزهر فاقع وأخرج ابن الأنباري عن تميم بن حذام رضي الله عنه في قوله: ﴿ مهطعين ﴾ قال: هو التجميح، والعرب تقول للرجل إذا قبض ما بين عينيه: لقد جمح.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ قال: رافعي رؤوسهم، يجيئون وهم ينظرون ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ﴾ تمور في أجوافهم إلى حلوقهم، ليس لها مكان تستقر فيه.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ قال: ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فشبت في حلوقهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مرة رضي الله عنه ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ قال: متخرقة لا تعي شيئاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح رضي الله عنه قال: يحشر الناس هكذا، ووضع رأسه وأمسك بيمينه على شماله عند صدره.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين أهل مكة (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ قال شمر: يقال: شخص الرجلُ بصرَه، [وشخص البصرُ نفسُه، إذا سما وطَمَح وشَصا (٣) (٤) وقال ابن السِّكِّيت: شَخَصَ بصرُهُ] (٥) (٦) قال الفراء: أي لا يغتمض من هول ما يرى في ذلك اليوم (٧) وقال ابن عباس: يريد يوم القيامة تشخص فيه أبصار الخلائق إلى الهواء، يريد: أنهم لعجائب ما يرون، ولشدة الحَيْرةِ والدووة لا يغْتَمضون (٨) (١) لم أقف عليه، والتعميم أولى من التخصيص.
(٢) انظر: "الكشاف" 2/ 306، والرازي 19/ 141، والخازن 3/ 84، والألوسي 13/ 244.
(٣) انظر: "اللسان" (طمح) 5/ 2702، (شصا) 4/ 2259.
(٤) ورد في "تهذيب اللغة" (شخص) 2/ 1840 نقله بنصه.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٦) "إصلاح المنطق" ص 263 بنصه، وورد في "تهذيب اللغة" (شخص) 2/ 1840 بنصه، والطَّرْفُ: تحريك الجُفُونِ في النظر؛ يقال شخص بصرُه فما يَطْرِفُ.
انظر: "المحيط في اللغة" (طرف) 9/ 160.
(٧) لم أجد قوله في معانيه، وورد منسوباً إليه في "تفسير القرطبي" 9/ 376، و"تفسير الشوكانى" 3/ 164، وصديق خان 7/ 130.
(٨) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 334 بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 9/ 376، وورد نحوه بلا نسبة في "تفسير الرازي" 19/ 141، والخازن 3/ 84، و"تفسير الشوكاني" 3/ 164، وصديق خان 7/ 130.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ قيل إنما دعا بالمغفرة لأبويه الكافرين بشرط إسلامهما، والصحيح أنه دعا لهما قبل أن يتبين له أن أباه عدوّ لله حسبما ورد في براءة ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا ﴾ هذا وعيد للظالمين وهم الكفار على الأظهر، فإن قيل: لمن هذا الخطاب هنا وفي قوله: ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله؟
فالجواب أنه يحتمل أن يكون خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره، فإن كان لغيره فلا إشكال، وإن كان له فهو مشكل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحسب أن الله غافلاً، وتأويل ذلك بوجهين: أحدهما أن المراد الثبوت على علمه بأن الله غير غافل وغير مخلف وعده، والآخر أن المراد إعلامه بعقوبة الظالمين فمقصد الكلام الوعيد لهم ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار ﴾ أي تحد النظر من الخوف ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ قيل: الإهطاع الإسراع، وقيل: شدّة النظر من غير أن يطرف ﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ قيل: الإقناع هو رفع الرأس، وقيل خفضه من الذلة ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ أي لا يطرفون بعيونهم من الحذر والجزع.
﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ أي منحرفة لا تعي شيئاً من شدّة الجزع فشبهها بالهواء في تعريفه من الأشياء، ويحتمل أن يريد مضطربة في صدورهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إني أسكنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ومن عصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ دعائي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب.
وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل.
والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين.
﴿ نؤخرهم ﴾ بالنون: عباس والمفضل في رواية أبي زيد.
الآخرون بالياء.
﴿ لتزول ﴾ بفتح الأول ورفع الآخر: عليّ.
الباقون بكسر الأول ونصب الآخر.
﴿ القهار ﴾ مثل ﴿ البوار ﴾ ﴿ قطر ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء والراء مكسورة منونة.
﴿ آن ﴾ على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على قراءته ﴿ آني ﴾ بالياء.
الوقوف: ﴿ الأصنام ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ج ﴿ مني ﴾ ج فصلاً بين النقيضين مع اتحاد الكلام ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المحرم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ليقيموا ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ أسكنت ﴾ وكلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ما نعلن ﴾ ط ﴿ ولا في السماء ﴾ ه لا ﴿ وإسحاق ﴾ ط ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ ومن ذريتي ﴾ ز قد قيل: {والوصل أولى للعطف ﴿ وربنا ﴾ تكرار ﴿ دعاء ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ط ﴿ الأبصار ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ طرفهم ﴾ ج لاحتمال أن قوله: ﴿ وأفئدتهم ﴾ يكون من صفات أهل المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا ﴿ هواء ﴾ ه ط ﴿ قريب ﴾ لا لأن قوله: ﴿ نجب ﴾ جواب ﴿ أخرنا ﴾ ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ زوال ﴾ ه لا للعطف على ﴿ أقسمتم ﴾ ﴿ الأمثال ﴾ ه ﴿ وعند الله مكرهم ﴾ ط ﴿ الجبال ﴾ ه ﴿ رسله ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ في الأصفاد ﴾ ه ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين ﴿ النار ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ ما كسبت ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه.
التفسير: إن قصة إبراهيم يحتمل أن تكون مثالاً للكلمة الطيبة وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكار لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديداً لبعض نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما بين العالمين كما قال: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً ﴾ .
وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله نبينا .
حكى الله عنه طلب أمور منها: قوله: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمناً ﴾ وقد مر في "البقرة" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك.
ولا ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، وللوحوش هناك استئناس ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.
وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟
فقال: الأمن دليله أن شاء لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناول شيئاً إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد.
ومنها قوله: ﴿ واجنبني ونبيّ أن نعبد الأصنام ﴾ قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد.
وأهل نجد: جنبني وأجنبني.
وفائدة الطلب - والاجتناب حاصل - التثبت والإدامة ولا أقل من هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي.
أما قوله: ﴿ وبني ﴾ فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنماً ببركة دعائه.
وقيل: أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته.
وقال مجاهد وابن عيينة: لم يبعد أحد من ولد إبراهيم صنماً وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب الأوثان يعني أحجاراً مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت.
وضعف هذا الجواب بأنه إذا عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه وصف آلهتهم بما ينبىء عن كونهم مصورين كقوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ .
وقيل: إن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ﴾ أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس من أهله كقوله لابن نوح ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وقيل: إنه وإن عمم الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: ﴿ ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ .
قالت الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف.
أما قوله: ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً ﴾ فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم "فتنتهم الدنيا وغرتهم" أي صارت سبباً للفتنة والاغترار بها ﴿ فمن تبعني ﴾ بقي على الملة الحنيفة ﴿ فإنه مني ﴾ أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي ﴿ ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب.
وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك.
وقيل: المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام.
وقيل: أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى.
ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال: ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي ﴾ أي بعضهم ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله: { ﴿ قرآناً عربياً غير ذي عوج ﴾ أي لا اعوجاج فيه أصلاً ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان.
وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك.
وفي قوله: ﴿ عند بيتك الحرام ﴾ دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما.
ومعنى كون البيت محرماً أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لأجل حرمته، وأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب.
وقيل: سمي محرماً لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف.
﴿ فاجعل أفئدة من الناس ﴾ "من" للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس.
قال مجاهد.
لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند.
وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجة اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين.
وجوز في الكشاف أن يكون "من" للابتداء كقولك "القلب مني سقيم".
وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس.
ومعنى ﴿ تهوي ﴾ تسرع ﴿ إليهم ﴾ وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً.
وقيل: تنحط وتنحدر.
الأصمعي: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليه للتجارة، وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: ﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حراماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء.
وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ لعلهم يشركون ﴾ ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة والوظائف الشرعية.
ثم أثنى على الله تمهيداً لدعوة أخرى وتعريضاً ببقية الحاجات فقال: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ﴾ على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة إلى العالم بالذات سيان.
وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟
قال: إلى الله أكلكم.
قال المفسررون: ﴿ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم.و"من" للاستغراق أي لا يخفى على الذين يستحق العبادة لذاته شيء ما في أيّ مكان يفرض.
﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ﴾ أي مع كبر السن وفي حال الشيخوخة ﴿ إسماعيل وإسحاق ﴾ ذكر أوّلاً كونه عالماً بالضمائر والسرائر، ثم حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله أن يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن ربي لسيمع الدعاء ﴾ وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله ، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إن ربي لسميع الدعاء ﴾ رمزاً إلى ما كان قد دعا ربه وسأله الولد بقوله: ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة.
وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين.
وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة.
ثم ختم الأدعية بقوله: ﴿ رب اجعلني مقيم الصلاة ﴾ أي مديمها ﴿ ومن ذريتي ﴾ أي واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام والله أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ ﴿ ربنا وتقبل دعائي ﴾ عن ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم وحسنات الأبرار سيئات المقربين.أما قوله: ﴿ ولوالدي ﴾ فاعترض عليه بأنه كيف استغفر لأبويه وهما كافران؟
وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله : ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطاً بإسلام أبيه لكان استغفاراً صحيحاً فلم يحتج إلى الاستثناء.
وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم "قامت الحرب على ساقها" أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو المضاف محذوف مثل ﴿ واسأل القرية ﴾ .
ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن دعاء إبراهيم قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً ﴾ إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن كان للنبي فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله إلا عالماً بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير.
وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.
قالت: لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلاً عن الظلم أو عاجزاً عن الانتقام أو راضياً بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ أي أبصارهم كقوله: ﴿ واشتعل الرأس ﴾ شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين قاله أبو عبيدة.
والغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله أن حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك البلاء.
وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع.
وقيل: هو الساكت ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ رافعيها وهذا أيضاً بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه لكيلا يراه ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ الطرف تحريك الأجفان على الوجه الذي خلق وجبل عليه.
وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم.
والمراد دوام الشخوص المذكور.
وقيل: أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ والهواء الخلاء الذي يشغله الأجرام.
وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضاً قلبه هواء.
والمعنى.
أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخوطر والأفكار لعظم ما نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب.
والأظهر أن هذه الحالة لهم عند المحاسبة لتقدم قوله: ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ وقيل: هي عندما يتميز السعداء من الأشقياء.
وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور.
وعن ابن جريج: أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه.
قال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ مفعول ثان لأنذروا اليوم يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو للمعلوم وهو عذاب النار.
ومعنى ﴿ أخرنا ﴾ أمهلنا ﴿ إلى ﴾ أمد وحد من الزمان ﴿ قريب ﴾ أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكراتولقاء الملائكة بلا بشرى ﴿ أو لم تكونوا ﴾ على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك.
وأقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً، وإما بلسان المقال أشراً وبطراً وجهلاً وسفهاً.
و ﴿ ما لكم من زوال ﴾ جواب القسم.
ولو قيل "ما لنا من زوال" على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية.
والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى هي دار الجزاء كقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ .
ثم زادهم توبيخاً بقوله: ﴿ وسكنتم ﴾ استقررتم ﴿ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ﴿ وتبين لكم ﴾ بالأخبار والمشاهدة والبيان والعيان ﴿ كيف فعلنا بهم ﴾ من أصناف العقوبات ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.
وقال غير: المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل.
ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: ﴿ وقد مكروا مكرهم ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.
وقيل: الضمير عائد إلى قوم محمد كما قال: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ﴾ وقيل: أراد ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربع نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت.
فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصيّ التي عليها اللحوم فهبطت النسور إلى الأرض.
وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا الخطر.
﴿ وعند الله مكرهم ﴾ إن كان مضافاً إلى الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن كان مضافاً إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون.
أما قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول ﴾ من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معداً لذلك.
وثانيهما أن تكون "إن" نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر.
ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى كما مر.
ثم إنه أكد كونه مجازياً لأهل المكر على مكرهم بقوله: ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ قال جار الله: قدم المفعول الثاني - وهو الوعد - على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق.
ثم قال: ﴿ رسله ﴾ تنبيهاً على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته.
والمراد بالوعد قوله: ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ ونحوهما من اللآيات.
قوله: ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ قد مر في أول "آل عمران" ﴿ يوم تبدل الأرض ﴾ قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من ﴿ يوم يأتيهم ﴾ أو على الظرف للانتقام.
والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف.
ومعنى قوله: ﴿ والسموات ﴾ أي وتبدل السموات قال أهل اللغة: التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك "بدلت الدراهم دنانير" وفي الأوصاف كقولك "بدلت الحلقة خاتماً" إذا أذبتها وسوّيتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل.
وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً.
وعن أبي هريرة أن النبي قال: "يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً" وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها.
نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم.
وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة.
وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف.
وقيل: لا يبعد أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة.
﴿ وبرزوا لله ﴾ قد ذكرناه في أول السورة.
وتخصيص ﴿ الواحد القهار ﴾ بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه.
ومن نتائج قهره قوله: ﴿ وترى المجرمين يومئذ مقرنين ﴾ قرن بعضهم مع بعض لأن الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم.
قالت الحكماء: هي الملكات الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان.
وقوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ أي القيود إما أن يتعلق بمقرنين وإما أن يكون وصفاً مستقلاً أي مقرنين مصفدين.
وقيل: الأصفاد الأغلال.
والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.
وحظ العقل فيه أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء.
﴿ سرابيلهم ﴾ جمع سربال وهو القميص ﴿ من قطران ﴾ هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدّته، وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر آثار الملكات الردية فيه.
ومن قرأ ﴿ من قطرآن ﴾ فالقطر النحاس والصفر المذاب والآني المتناهي حره.
قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به عن الكل.
قوله: ﴿ ليجزي ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿ تغشى ﴾ أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي ﴿ الله كل نفس ما كسبت ﴾ قال الواحدي: أراد نفوس الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم.
ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.
ثم أشار إلى القرآن إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: ﴿ ولا تحبسن الله غافلاً ﴾ إلى ههنا فقال ﴿ هذا بلاغ ﴾ كفاية ﴿ للناس ﴾ في التذكير والموعظة لينصحوا ﴿ ولينذروا به ﴾ بهذا البلاغ.
ثم رمز إلى استكمال القوّة النظرية بقوله: ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ وإلى استكمال القوة العملية بقوله: ﴿ وليذكر أولوا الألباب ﴾ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس بحسب القوتين والله ولي التوفيق.
التأويل: ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ الروح ﴿ رب اجعل ﴾ بلد القلب ﴿ آمناً ﴾ من وسوسة الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى ﴿ واجنبني وبني ﴾ هم الفؤاد والسر والخفى ﴿ أن نعبد الأصنام ﴾ وهو كل ما سوى الله.
فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفى الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات ﴿ ومن عصاني فإنك غفور ﴾ فيه نكتتان: إحداهما لم يقل "ومن عصاك" إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة، والثانية لم يقل "فأنا أغفره وأرحم عليه" لأن عالم الطبيعة البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق ﴿ أسكنت من ذريتي ﴾ هم صفات الروح والعقل والسر والخفى ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ وهو وادي النفس ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتاً لغير الله "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن".
وفيه أنه توسل في أجابة الدعاء بمحمد وكأنه قال: إن ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمداً.
وفي قوله: ﴿ ليقيموا الصلاة ﴾ إشارة إلى أنه لو لا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق ﴿ فاجعل أفئدة ﴾ الصفات الناسوتية ﴿ تهوي ﴾ إلى الصفات الروحانية ﴿ وارزقهم من ﴾ ثمرات الصفات اللاهوتية ﴿ لعلهم يشكرون ﴾ هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إنشاؤه ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي ﴾ من حقائق الدعاء ﴿ وما نعلن ﴾ من ظاهر القصة ﴿ وما يخفى على الله من شيء ﴾ في أرض المعاملات الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب ﴿ على الكبر ﴾ أي بعد تعلق الروح بالقالب ﴿ إسماعيل ﴾ السر ﴿ وإسحق ﴾ الخفي ﴿ مقيم الصلاة ﴾ دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ استرني وامنحني بصفة معرفتك ﴿ ولوالدي ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ونقصانها لأكون في حساب الكاملين لا في حساب الناقصين.
﴿ ولا تحسبن ﴾ أي لم يكن ﴿ الله غافلاً ﴾ في الأزل بل الكل بقضائه وقدره ﴿ وإنما يؤخرهم ﴾ ليبلغوا إلى ما قدر لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة والشقاوة إلى منازلهم ﴿ ما لكم من زوال ﴾ فيه من إبطال مذهب التناسخية.
زعموا أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ﴾ تعلقتم بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة ﴿ وعند الله ﴾ مقدار ﴿ مكرهم وإن كان مكرهم ﴾ بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك شعرة إلا بإذن الله بقضائه ﴿ يوم تبدل ﴾ أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عن إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ وحينئذ ﴿ برزوا لله الواحد القهار ﴾ فإن شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية.
﴿ وترى المجرمين ﴾ يوم التجلي ﴿ مقرنين ﴾ في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله.
﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله ﴿ وتغشى وجوههم ﴾ نار الحسرة والقطيعة ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ الذين نسوا عالم الوحدة ﴿ وليذروا به ﴾ قبل المفارقة فإن الانتباه بالموت لا ينفع ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ فيعبدوه ولا يتخذوا إلهاً غيره من الدنيا والهوى والشيطان ﴿ وليتذكر أولوا الألباب ﴾ عالم الشهود فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .
قال بعضهم: المخاطب بهذا الرسول خاصة؛ على علم منه أن رسول الله كان لا يظن أن الله يغفل عما يعمل الظالمون؛ لكنه خاطب به كما خاطب به في قوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ وأمثاله، نهاه مع العلم أنه لا يغفل ذلك، وأصله في هذا أن العصمة لا ترفع المحنة، وليس المحنة إلا الأمر والنهي؛ إذ لو رفعت العصمة المحنة؛ والأمر والنهي؛ لذهبت فائدة العصمة، ولا حاجة تقع إليها، فدل أن العصمة تزيد في المحنة، ومع المحنة يحتاج إليها وينتفع بها.
ويحتمل أن يكون الخطاب بالآية غيره، كل ظانّ يظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم؛ وهو كما خاطب بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ إنما خاطب به كل غارّ بربه الكريم لا كل إنسان، فعلى ذلك خاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ كل ظانّ بالله الغفلة عن ظلم الظالمين، ثم إن الذي حملهم على الظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم - حلمه، وتأخيره العذاب عنهم عن وقت ظلمهم، وترك أخذهم بذلك: فمنهم من ادعى الغفلة عن ذلك؛ لما رأوا من عادة ملوك الأرض أن من ظلم [أحداً] منهم انتقم منه في أعجل وقت يقدر على الانتقام منه؛ فحمل تأخير الله العذاب منهم؛ والانتقام منهم - على القول بالغفلة.
ومنهم من ادعى الرضا؛ بما اختاروا هم من الشرك والكفر بالله، وادعوا الأمر بذلك؛ لما لم يأخذهم ولم يستأصلهم بصنيعهم؛ فاستدلوا بذلك [على] رضاه بفعلهم، وأمره أياهم بذلك.
فأخبر رسوله أن تأخيره العذاب عنهم وإمهاله إياهم - ليس عن غفلة [عنه] ولا عن سهو، ولا لرضاه به وأمره ولكن إنما يؤخرهم ليوم، ثم وصف ذلك اليوم؛ لشدة فزعه وهوله فقال.
﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: هذا كله يرجع إلى الطرف والبصر؛ يقول: شاخصة أبصارهم مهطعين: ناظرين إليه؛ أي: إلى الداعي، مقنعي رءوسهم: رافعي رءوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم؛ لهول ذلك اليوم، هذا كله يصرفون إلى الأبصار دون النفس؛ لأن الإهطاع والإقناع: هو للنظر ولشخوص الأبصار.
ومنهم من صرف قوله: ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ ﴾ ، و ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ إلى البصر، وصرف قوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ إلى الأنفس؛ وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ أي: مسرعين إليه الإجابة؛ رجاء التخلص والنجاة عما حل بهم؛ بترك الإجابة.
والإهطاع: قيل: هو النظر الدائم، والإقناع: هو الرفع؛ رفع الرءوس، مهطعين: أي: مديمي النظر، مقنعي رءوسهم أي: رافعيها، وعلى تأويل بعضهم: مسرعين؛ عل ما ذكرنا.
وقال بعضهم: ﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ : أي: رافعيها؛ ملتزقة إلى أعناقهم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .
[يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ ] وقت خلقه الخلق وإنشائهم؛ عما يكون منهم من الظلم؛ أي: لا عن غفلة وسهو عن ظلم الظالمين أنشأهم وخلقهم؛ ولكن على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم؛ لكن أنشأهم على علم منه، [بذلك؛ لأن منافع ما يكون منهم وضرره يرجع إليهم؛ فلم يخرج إنشاؤه إياهم على علم منه ذلك] عن الحكمة.
والثاني: ما ذكرنا أن تأخيره العذاب عنهم - ليس لغفلة منه بذلك؛ ولكن لما في أخذهم بالعذاب وقت صنيعهم زوال المحنة؛ لأنه يصير العذاب والثواب مشاهدة.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ .
[قيل]: خالية؛ لهول ذلك اليوم؛ أي: خالية عن التدبير؛ لأن في الشاهد أن من بلي ببلايا وشدائد يتدبر ويتفكر في دفع ذلك؛ فيخبر أن أفئدتهم هواء يومئذ: أي خالية عن التدبير؛ إذ أفئدتهم لا تكون معهم؛ لشدة أهواله.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ أي: لا شيء فيها؛ ما ينتفعون بها، وهكذا الهواء - هواء كل شيء - يوصف بالخلاء عن كل شيء.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ قولهم الذي يقولون يومئذ: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ الذي يحل بهم.
ثم أخبر عما يقولون - إذا حل بهم العذاب -: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال بعضهم: إلى الدنيا؛ والدنيا أجلها قريب، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن الدنيا أولى، والآخرة آخرة، فلو جاز هذا لتكون الآخرة أولى؛ فذلك بعيد؛ لكن طلبوا - والله أعلم - الردّ إلى حال الأمن؛ ليجيبوا داعيه؛ إذ لم تنفعهم إجابتهم في حال الخوف والهول، وما حل بهم إنما حل بتركهم [الإجابة] في حال الأمن؛ فطلبوا الرد إلى الأمن؛ ليجيبوا داعيه لتنفعهم إجابتهم؛ حيث قالوا: ﴿ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ .
لم يبين بما أقسموا في هذه الآية؛ وهو ما بين في آية أخرى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ : قال قائلون: ما لكم من زوال من الدنيا، أي: كنتم تقولون: أن ليس إلا الدّنيا لا زوال لنا عنها؛ أحياء وموتى؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا...
﴾ الآية [المؤمنون: 37] على ما ذكر من قسمهم أنهم لا يبعثون.
وقال قائلون: قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ جواب لسؤالهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ على الاستئناف؛ قال: ما لكم عما أنتم فيه من العذاب إلى ما تسألون من المدة والتأخير؛ أي: ما لكم إلى ذلك سبيل.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ : أي: تنزع قلوبهم؛ حتى صارت في حناجرهم؛ فلا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أماكنها؛ لشدة هول ذلك اليوم وفزعهم عليه، وهو على التمثيل والكناية؛ كقولهم: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 10]؛ لشدة خوفهم، وهو على التمثيل؛ إذ لا يحتمل بلوغ القلوب الحناجر في الدنيا حقيقة؛ إذ لو بلغت ذلك لخرجت فماتوا، إذ الدنيا يحتمل الموت فيها، فدلّ أن ذلك على التمثيل لشدّة خوفهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ بتكذيبهم الرسل.
[وتأويله - والله أعلم -: أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن؛ ليجيبوا بقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ﴾ ؛ والله أعلم، فقال: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ؛ بتكذيبهم الرسل]؛ أي: سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم؛ فرأيتم ما نزل بأولئك الذين صنعوا مثل صنيعكم.
وذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ من التعذيب والاستئصال ثم لم يتعظوا بما حلّ بهم، فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما حلّ بكم في هذه الحال، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ فيما يقولون: إنهم يجيبون دعوته، هذا - والله أعلم - تأويله.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ : أي: عملتم مثل أعمالهم، ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ من الاستئصال بالتكذيب؛ بتكذيبهم الرسل؛ فلم تتعظوا بذلك؛ فلا تتعظون بهذا أيضاً إذا رددتم.
والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: دلالة لزوم النظر والاستدلال، ولزوم القياس، ودلالة لزوم العقوبة؛ وإن كان لم يعلموا به؛ بعد أن مكنوا من العلم به.
أما دلالة النظر والاستدلال: هو قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ : فهلا نظرتم ما حلَّ بهم من تكذيبهم الرسل؛ واتعظتم به.
ودلالة القياس: هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك؛ لأنهم أشتركوا في المعنى الذي نزل بأولئك؛ ما نزل وهو تكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ : أي: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ ؛ ما لو تفكرتم فيها ونظرتم ثم لكان ذلك لكم موعظة وزجراً عن مثل صنيعكم.
أو يقول: وضربنا لكم الأمثال: أي: قد بينّا لكم الأمثال والأشباه ما يعرفكم؛ لو تأملتم أن أولئك لكم أشباه وأمثال، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال؛ فينزل بكم ما نزل بهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ﴾ .
[مكروا] واحتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 30] وكيدهم الذي ذكر - في غير آي من القرآن - برسل الله؛ حتى قال الرسل فيكيدوني جميعاً، ومكروا أيضاً بدين الله الذي أتت به الرسل، مكروا واحتالوا على إطفاء ذلك النور؛ فأبى الله ذلك عليهم، وأظهر دينه، وأبقى نوره إلى يوم القيامة، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ ، كأن مكرهم وحيلهم يرجع - في أحد التأويلين - إلى أنفس الرسل حين هموا وتعمدوا إهلاكهم.
والثاني: يرجع إلى إطفاء الدِّين؛ [الذي] أتى به الرسل؛ والنور الذي دعوا إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ .
يحتمل: عند الله جزاء مكرهم؛ الذي مكروا برسل الله وبدينه.
[أو] ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ : أي: عند الله العلم بمكرهم، محفوظ ذلك عنده، لا يفوت ولا يذهب عنه شيء؛ فيجزيهم بذلك في الآخرة.
أو ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ : أي: عند الله الأسباب التي بها مكروا، من عند الله استفادوا؛ وهو النعم التي أعطاهم، والأموال التي ملكهم، والعقول التي ركب فيهم؛ بما قدروا على المكر والاحتيال عند الله [، ذلك كله،] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴾ .
اختلف في تلاوته، وقراءته، وتأويله: قرأ بعضهم: (وإن كاد مكرهم) بالدال؛ وهو حرف عبد الله بن مسعود، وأبي، وابن عباس م.
وقرأ بعضهم (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ) بالنون.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ .
وقال الحسن وغيره: و (إن) بمعنى: (ما)، أي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، و (إن) بمعنى: (ما) كثير في القرآن، كقوله: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ أي: ما كنا فاعلين؛ وكقوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ أي: ما نحن إلا بشر مثلكم.
وقد تستعمل (إن) في موضع (قد)؛ كقوله: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ أي: قد كان وعد ربنا لمفعولا.
فمن حمله على (ما) فقد استهان بمكرهم، واستخف به؛ فقال: إن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، والجبال أوهن وأسرع زوالا من رسالة الرسل ودين الله، بل رسالة الرسل؛ ودين الله [أثبت من الجبال، لأن دين الله] ورسله معهما حجج الله وبراهينه، فإذا لم يعمل مكرهم في إزالة الجبال - لا يعمل في إزالة دين الله ورسالة الرسل، ومعهما الحجج والبراهين.
ومن قال: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ : قد حمله على الاستعظام بمكرهم.
وعلى ذلك: من قرأ [(كاد)] بالدال على الاستعظام بمكرهم؛ كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ من عظيم ما قالوا في الله كادت السماوات أن تنشق، فعلى ذلك مكرهم جميعاً الوجهين: أن يستهان مرة ويستعظم؛ إلا أن يقال: إن كلمتهم من حيث الشرك والكفر عظيمة، ومن حيث احتيالهم ومكرهم - في إزالة ذلك النور وإطفائه - ضعيفة.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ .
الخطاب به يحتمل ما ذكرنا: أي: لا تحسبن أن ما تأخر؛ من نزول ما وعد؛ أنه يخلف وعده الذي وعد رسله؛ كما لم يكن تأخير العذاب عنهم؛ من وقت ظلمهم عن غفلة وسهو، ولكن كان وعده إلى ذلك الوقت، وخلف الوعد في الشاهد من الخلق - إنما يكون لوجهين: أحدهما: لما لا يملك إنجاز ما وعد.
والثاني: لما يضره الإنجاز، فتعالى الله عن ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .
قال بعضهم: عزيز: لا يعجزه شيء.
وقيل: عزيز: قاهر يقهر ويذل؛ فالخلائق كلهم أذلاء دونه.
وقوله: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ : أي: غالب قاهر ذو انتقام لأوليائه من أعدائهم؛ أي: غالب الأعداء وقاهرهم، وناصر الأولياء.
وأما ما قال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴾ .
إنه نزل في [شأن نمرود] وإنه اتخذ تابوتاً، وربط ثوراً على قوائمه، وما ذكروا إلى آخره - فلا علم لنا إلى ذلك، وأظنه أنه كله خيال، فلا نقول إلا القدر الذي ذكر في الآية.
و "لَتزولُ" بنصب اللام [الأولى] وبرفع الآخرة: على معنى التوكيد، و ﴿ لِتَزُولَ ﴾ بكسر [اللام] [الأولى] ونصب الآخرة: على الجحد؛ أي: ما كانت الجبال لتزول من مكرهم، وهو ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ .
قال الحسن: تفنى هذه الأرض، ثم تعاد من ساعته مستوية، لا شجر فيها، ولا جبال، ولا آكام، قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً.
وقال بعضهم: تبدل هذه الأرض أرضاً غير هذه؛ بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها بالمعاصي، وكذلك السماوات.
ومنهم من يقول: لا تبدل عينها؛ ولكن يتغير صفتها وزينتها؛ كما يقول الرجل لآخر: تبدلت يا فلان، ولا يريد تبدل أصله وعينه؛ ولكن تغير الأخلاق والدِّين، فعلى ذلك ما ذكر من تبديل الأرض والسماوات.
والأشبه أن يكون على اختلاف الأحوال؛ لأنه ذكر في آية: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ وقال: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ﴾ ، ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ و ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ ﴾ وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ الفرقان: 23] ذكر مرة تمد الأرض، وذكر مرة أنها تخبر وتحدث عما عمل عليها، وذكر في السماء بالتشقق والانفطار، وفي الجبال بالسير والمرور مرة؛ ومرة بالرفع ومرة أخبر أنه جعلها هباء منثورا وأمثاله.
فيشبه أن يكون هذا كله على اختلاف الأحوال والأوقات؛ إذ يوم القيامة يوم ممتدّ؛ فيكون كل ما ذكر على ما قال يومئذ؛ ﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ؛ قال في آية: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] وقوله: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فهو - والله أعلم -: على اختلاف الأحوال والأوقات، فعلى ذلك الأول، والله أعلم بذلك.
وتبديل الأرض والسماوات: يحتمل وجهين: أحدهما: تبديل أهلها على ما يذكر؛ الأرض والقرية، والمراد منها الأهل؛ كقوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً...
﴾ الآية [النحل: 112] ونحوه كثير.
والثاني: تبديل نفس الأرض.
ثم يحتمل كل واحد من الوجهين وجهين: إما تبديل أهلها: هو أن يكونوا مستسلمين خاضعين له في ذلك، ولم يكونوا في الدنيا [كذلك].
والثاني: تبدل أهلها: هو أن يكون الأولياء في النعم الدائمة، واللذة الباقية، والأعداء في عذاب وألم وشدة، وكانوا في هذه الدنيا جميعاً مشتركين - الأولياء والأعداء - في اللذات والآلام.
فإن كان تبديل نفس الأرض - فهو يخرج على وجهين [أيضاً]: أحدهما: تبديل زينتها وصفتها.
والثاني: تبديل عينها وجوهرها؛ وهو ما ذكر: أن أرض الجنة تكون من مسك وزعفران، ونحو ما روي في الخبر والله أعلم.
كأنّ قوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ ﴾ صلة قوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ...
﴾ الآية فقالوا: متى يكون ذلك؟
فقال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ ﴾ يخرج جواباً لسؤالهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ .
قد ذكرنا تخصيص بروزهم لله يوم القيامة أنه - والله أعلم - أنشأ هذا العالم الأول للعالم الثاني، فالعالم الثاني هو المقصود في إنشاء هذه العالم، فخص بروزهم يومئذ له؛ لما هو المقصود في إنشائهم.
وقال قائلون: تخصيص البروز له يومئذ؛ لأنهم يخرجون من قبورهم للحساب لا لغيره، فهو يحاسبهم؛ فأضاف البروز إليه؛ لما لا يخرجون إلا له، وأما في الدنيا: فإنما يخرجون لحوائج أنفسهم؛ لذلك خرج التخصيص له والإضافة.
وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: برزوا له مستسلمين خاضعين، قابلين طائعين، ولم يكونوا في الدنيا كذلك.
والثاني: يبرزون له؛ لما وعدوا وأوعدوا؛ بارزون لوعده ولوعيده، ولما دعوا إليه، ورغبوا فيه.
والثالث: يبرزون له؛ لما لا يملكون إخفاء أنفسهم وسترها؛ بل ظاهرين له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ .
[الواحد:] الذي لا شريك له، والقهار: يقهر الخلائق كلهم؛ ويغلبهم: الجبابرة، والفراعنة.
أو يبرزون له ليجزيهم، على ما ذكر ﴿ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ .
وذكر ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ : قيل: (القطر) هو النحاس [و (آن) أي: قد انتهى حره، كقوله: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ .
وقيل: الصفر وقال بعضهم ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ أي: من نحاس أنى لهم أن يعذبوا به].
وقال بعضهم: هو من القطران المعروف الذي يطلى به الإبل؛ ذكر هذا لأنه أشدّ إحراقاً واشتعالا.
وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: جعل الله عذاب الكفرة في الآخرة بالأسباب والأشياء التي كانوا يفتخرون بها في الدنيا؛ من اللباس والشراب والأصحاب؛ وغيره، وهو كان سبب منعهم عن إجابة الرسل فيما دعوهم إليه، فجعل تعذيبهم في الآخرة بذلك النوع من النار؛ فقال: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ يقرن ويقيض بعضهم ببعض؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...
﴾ الآية [الزخرف: 36]؛ لأنه كان يتبعه ويأتمر بأمره؛ وكقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...
﴾ الآية [الصافات: 22]، وكذلك الرؤساء منهم، والمتبوعون.
وقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ لما كانوا يفتخرون في الدنيا بلباسهم، وكذلك كل نوع [كانوا] يفتخرون به في الدنيا، ويمنعهم عن الإجابة؛ إجابة الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
والأصفاد: قيل: الأغلال؛ أي: قد قرن بعضه إلى بعض في الأغلال، واحدها: صفد؛ وهو قول القتبي، وكذلك قول أبي عوسجة في الأصفاد، إلا أنه قال: واحدها: صفاد، والصفد العطيّة.
﴿ سَرَابِيلُهُم ﴾ : قمصهم، واحدها: سربال.
﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ : القطر - ما ذكرنا - النحاس، والآن الذي [قد] اشتد حره، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.
ذكر هذه المواعيد والشدائد، وأنواع ما يعذبون به في الآخرة، ونعيمها على ألسن من قد ظهر صدقهم بالآيات والحجج؛ ليحذروا ما أوعدوا، ويرغبوا فيما رغبوا لئلا يكون لهم الاحتجاج يومئذ؛ كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ وقوله: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 42] ونحوه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ .
لأن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم؛ فلا يقدرون أن يتّقوا النار بأيديهم ذكر هذا؛ لأن في الشاهد: من [أصاب وجهه] أذىً يتقي عنه بيده، فيخبر أنهم إنما يتقون ذلك بوجوههم.
والله أعلم.
﴿ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ .
لما ذكرنا؛ يبرزون لله؛ ليجزيهم من خير وشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
قال بعضهم: كان قد جاء حسابه.
والثاني: ذكر هذا؛ لأن الحساب إنما يبطئ لما لا يتذكر من له الحساب لمن يحاسبه في الشاهد - فيما يحاسبه، فيطول الحساب أو الاشتغال بشيء [يشغله] عنه، أو لجهل بالحساب.
فأمّا الله وتعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يشغله شيء عن شيء، كله محفوظ عنده؛ فهو سريع الحساب.
والله أعلم.
أو نقول: إنما يطول الحساب في الشاهد؛ ويمتد لما يحتاج إلى التفكر [والنظر] والتذكر في ذلك، فالله متعال عن التفكر والنظر، بل كل شيء محفوظ عنده.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ ﴾ : القرآن؛ هو بلاغ للناس، على ما ذكر في صدر السورة: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ...
﴾ الآية [إبراهيم: 1] هو بلاغ على ما ذكر.
والله أعلم.
﴿ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ : أي: بالقرآن أيضاً على ما ذكر: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ ﴾ ما ذكر من المواعيد؛ وهو قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ أي: هذا الذي ذكر بلاغ يبلغهم لا محالة، ولينذروا بما ذكر.
﴿ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
لا شريك له؛ بالآيات التي أقامها على وحدانية الله وألوهيته.
﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ \[أي: ذوو العقول، والله أعلم\].
ولا تظنن -أيها الرسول- أن الله إذ يؤخر عذاب الظالمين غافل عما يعمله الظالمون من التكذيب والصد عن سبيل الله وغير ذلك، بل هو عالم بذلك، لا يخفى عليه منه شيء، إنما يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة ذلك اليوم الذي ترتفع فيها الأبصار خوفًا من هول ما تشاهده.
من فوائد الآيات بيان فضيلة مكة التي دعا لها نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
أن الإنسان مهما ارتفع شأنه في مراتب الطاعة والعبودية ينبغي له أن يخاف على نفسه وذريته من جليل الشرك ودقيقه.
دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدل على أن العبد مهما ارتفع شأنه يظل مفتقرًا إلى الله تعالى ومحتاجًا إليه.
من أساليب التربية: الدعاء للأبناء بالصلاح وحسن المعتقد والتوفيق في إقامة شعائر الدين.
<div class="verse-tafsir" id="91.1P4Ra"