الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٤٦ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 124 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٦ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقد روى شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن [ بن دابيل ] أن عليا - رضي الله عنه - قال في هذه الآية : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) قال : أخذ ذاك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين ، فرباهما حتى استغلظا واستعلجا وشبا .
قال : فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت ، وجوعهما ، وقعد هو ورجل آخر في التابوت قال : - ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم - قال : فطارا [ قال ] وجعل يقول لصاحبه : انظر ما ترى ؟
قال : أرى كذا وكذا ، حتى قال : أرى الدنيا كلها كأنها ذباب .
قال : فقال : صوب العصا ، فصوبها ، فهبطا .
قال : فهو قول الله - عز وجل - : " وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال " .
قال أبو إسحاق : وكذلك هي في قراءة عبد الله : " وإن كاد مكرهم " .
قلت : وكذا روي عن أبي بن كعب ، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أنهما قرآ : " وإن كاد " كما قرأ علي .
وكذا رواه سفيان الثوري ، وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أذنان عن علي ، فذكر نحوه .
وكذا روي عن عكرمة أن سياق هذه القصة لنمرود ملك كنعان : أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر ، كما رام ذلك بعده فرعون ملك القبط في بناء الصرح ، فعجزا وضعفا .
وهما أقل وأحقر ، وأصغر وأدحر .
وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر ، وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها ، نودي أيها الطاغية : أين تريد ؟
ففرق ، ثم سمع الصوت فوقه فصوب الرماح ، فصوبت النسور ، ففزعت الجبال من هدتها ، وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك ، فذلك قوله : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) ونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها : " لتزول منه الجبال " بفتح اللام الأولى ، وضم الثانية .
وروى العوفي عن ابن عباس في قوله : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) يقول : ما كان مكرهم لتزول منه الجبال .
وكذا قال الحسن البصري ، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من كفرهم بالله وشركهم به ، ما ضر ذلك شيئا من الجبال ولا غيرها ، وإنما عاد وبال ذلك على أنفسهم .
قلت : ويشبه هذا - إذا - قوله تعالى : ( ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) [ الإسراء : 37 ] .
والقول الثاني في تفسيرها : ما رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) يقول شركهم ، كقوله : ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا ) [ مريم : 90 - 91 ] وهكذا قال الضحاك وقتادة .
يقول تعالى ذكره: وسكنتم في الدنيا في مساكن الذين كفروا بالله ، فظلموا بذلك أنفسهم من الأمم التي كانت قبلكم ( وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ) يقول: وعلمتم كيف أهلكناهم حين عتوا على ربهم وتمادوا في طغيانهم وكفرهم ( وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ ) يقول: ومثَّلنا لكم فيما كنتم عليه من الشرك بالله مقيمين الأشباه ، فلم تنيبوا ولم تتوبوا من كفركم ، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نـزل بكم ما قد نـزل بكم من العذاب ، إن ذلك غير كائن.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) يقول: سكن الناس في مساكن قوم نوح وعاد وثمود ، وقرون بين ذلك كثيرة ممن هلك من الأمم.
( وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ ) قد والله بعث رسله ، وأنـزل كتبه ، ضرب لكم الأمثال ، فلا يصم فيها إلا أصمّ ، ولا يخيب فيها إلا الخائب ، فاعقلوا عن الله أمره.
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ) قال: سكنوا في قراهم مدين والحجر والقرى التي عذب الله أهلها ، وتبين لكم كيف فعل الله بهم ، وضرب لهم الأمثال.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( الأمْثَالَ ) قال: الأشباه.
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.
قوله تعالى : وقد مكروا مكرهم أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة ; عن ابن عباس وغيره .وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " إن " بمعنى " ما " أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه ;وإن بمعنى " ما " في القرآن في مواضع خمسة : أحدها هذا .
الثاني : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك .
الثالث : لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا [ ص: 334 ] أي ما كنا .
الرابع : قل إن كان للرحمن ولد .
الخامس : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه .
وقرأ الجماعة " وإن كان " بالنون .
وقرأ عمرو بن علي وابن مسعود وأبي " وإن كاد " بالدال .
والعامة على كسر اللام في لتزول على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصبا .
وقرأ ابن محيصن وابن جريج والكسائي لتزول بفتح اللام الأولى على أنها لام الابتداء ورفع الثانية وإن مخففة من الثقيلة ، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم ; أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه ; قال الطبري : الاختيار القراءة الأولى ; لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة ; قال أبو بكر الأنباري : ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدثناه أحمد بن الحسين : حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن دانيل قال سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول : إن جبارا من الجبابرة قال لا أنتهي حتى أعلم من في السماوات ، فعمد إلى فراخ نسور ، فأمر أن تطعم اللحم ، حتى اشتدت وعضلت واستعلجت أمر بأن يتخذ تابوت يسع فيه رجلين ; وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته ، وأن يستوثق من أرجل النسور بالأوتاد ; وتشد إلى قوائم التابوت ، ثم جلس هو وصاحب له في التابوت وأثار النسور ، فلما رأت اللحم طلبته ، فجعلت ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله ; فقال الجبار لصاحبه : افتح الباب فانظر ما ترى ؟
فقال : أرى الجبال كأنها ذباب ، فقال : أغلق الباب ; ثم صعدت بالتابوت ما شاء الله أن تصعد ، فقال الجبار لصاحبه : افتح الباب فانظر ما ترى ؟
فقال : ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بعدا ، فقال : نكس العصا فنكسها ، فانقضت النسور .
فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هدة كادت الجبال تزول عن مراتبها منها ; قال : فسمعت عليا - رضي الله عنه - يقرأ " وإن كان مكرهم لتزول " بفتح اللام الأولى من " لتزول " وضم الثانية .
وقد ذكر الثعلبي هذا الخبر بمعناه ، وأن الجبار هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه ، وقال عكرمة : كان معه في التابوت غلام أمرد ، وقد حمل [ ص: 335 ] القوس والنبل فرمى بهما فعاد إليه ملطخا بالدماء وقال : كفيت نفسك إله السماء .
قال عكرمة : تلطخ بدم سمكة من السماء ، قذفت نفسها إليه من بحر في الهواء معلق .
وقيل : طائر من الطير أصابه السهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن ينكس اللحم ، فهبطت النسور بالتابوت ، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ففزعت ، وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء ، وأن الساعة قد قامت ، فذلك قوله : وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال .
قال القشيري : وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال .
وذكر الماوردي عن ابن عباس : أن النمرود بن كنعان بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة ، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعا ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعا ، وصعد منه مع النسور ، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصنا ، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه .
فأتى الله بنيانه من القواعد ، فتداعى الصرح عليهم فهلكوا جميعا ، فهذا معنى وقد مكروا مكرهم وفي الجبال التي عنى زوالها بمكرهم وجهان : أحدهما : جبال الأرض .
الثاني : الإسلام والقرآن ; لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال .
وقال القشيري : وعند الله مكرهم أي هو عالم بذلك فيجازيهم أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف .
وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال بكسر اللام ; أي ما كان مكرهم مكرا يكون له أثر وخطر عند الله تعالى ، فالجبال مثل لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقيل : وإن كان مكرهم في تقديرهم لتزول منه الجبال وتؤثر في إبطال الإسلام .
وقرئ " لتزول منه الجبال " بفتح اللام الأولى وضم الثانية ; أي كان مكرا عظيما تزول منه الجبال ، ولكن الله حفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو كقوله تعالى : ومكروا مكرا كبارا والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون .
{ وَقَدْ مَكَرُوا } أي: المكذبون للرسل { مَكْرَهُمْ } الذي وصلت إرادتهم وقدر لهم عليه، { وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ } أي: هو محيط به علما وقدرة فإنه عاد مكرهم عليهم { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } { وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ } أي: ولقد كان مكر الكفار المكذبين للرسل بالحق وبمن جاء به -من عظمه- لتزول الجبال الراسيات بسببه عن أماكنها، أي: { مكروا مكرا كبارا } لا يقادر قدره ولكن الله رد كيدهم في نحورهم.
ويدخل في هذا كل من مكر من المخالفين للرسل لينصر باطلا، أو يبطل حقا، والقصد أن مكرهم لم يغن عنهم شيئا، ولم يضروا الله شيئا وإنما ضروا أنفسهم.
( وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم ) أي : جزاء مكرهم ( وإن كان مكرهم ) قرأ علي وابن مسعود : ( وإن كان مكرهم ) بالدال ، وقرأ العامة بالنون .
( لتزول منه الجبال ) قرأ العامة لتزول بكسر اللام الأولى ونصب الثانية .
معناه : وما كان مكرهم .
قال الحسن : إن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال .
وقيل : معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت الجبال .
وقرأ ابن جريج ، والكسائي : " لتزول " بفتح اللام الأولى ورفع الثانية ، معناه : إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ محلا يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال قتادة : معناه وإن كان شركهم لتزول منه الجبال ، وهو قوله تعالى : ( وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا ) ( مريم - 19 ) .
ويحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معنى الآية : أنها نزلت في نمرود الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه ، وذلك أنه قال : إن كان ما يقول إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أصعد السماء فأعلم ما فيها ، فعمد إلى أربعة أفرخ من النسور فرباها حتى شبت واتخذ تابوتا ، وجعل له بابا من أعلى وبابا من أسفل ، وقعد نمرود مع رجل في التابوت ، ونصب خشبات في أطراف التابوت ، وجعل على رءوسها اللحم ، وربط التابوت بأرجل النسور ، فطرن وصعدن طمعا في اللحم ، حتى مضى يوم وأبعدن في الهواء ، فقال نمرود لصاحبه : افتح الباب الأعلى ، وانظر إلى السماء هل قربناها ، ففتح [ الباب ونظر ] فقال : إن السماء كهيئتها ثم قال : افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض كيف تراها ؟
ففعل ، فقال : أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان ، فطارت النسور يوما آخر ، وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران ، فقال لصاحبه : افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها ، وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة ، فنودي : أيها الطاغية أين تريد ؟
قال عكرمة : كان معه في التابوت غلام قد حمل معه القوس والنشاب ، فرمى بسهم فعاد إليه السهم متلطخا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء - وقيل : طائر أصابه السهم - فقال : كفيت شغل إله السماء .
قال : ثم أمر نمرود صاحبه أن يصوب الخشبات وينكص اللحم ، ففعل ، فهبطت النسور بالتابوت ، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ، ففزعت وظنت أنه قد حدث حدث من السماء ، وأن الساعة قد قامت ، فكادت تزول عن أماكنها ، فذلك قوله تعالى : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) .
(وقد مكروا) بالنبي صلى الله عليه وسلم (مكرهم) حيث أرادوا قتله أو تقييده أو إخراجه (وعند الله مكرهم) أي علمه أو جزاؤه (وإن) ما (كان مكرهم) وإن عظم (لتزول منه الجبال) المعنى لا يعبأ به ولا يضر إلا أنفسهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها وقيل شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات وفي قراءة بفتح لام لتزول ورفع الفعل فإن مخففة والمراد تعظيم مكرهم وقيل المراد بالمكر كفرهم ويناسبه على الثانية "" تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا "" وعلى الأول ما قرئ وما كان.
وقد دبَّر المشركون الشرَّ للرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، وعند الله مكرهم فهو محيط به، وقد عاد مكرهم عليهم، وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ولا غيرها لضعفه ووَهَنه، ولم يضرُّوا الله شيئًا، وإنما ضرُّوا أنفسهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من ألوان عراقتهم فى الكفر والجحود فقال : ( وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ) .والمكر : تبييت فعل السوء بالغير وإضماره ، مع إظهار ما يخالف ذلك .
وانتصب ( مكرهم ) الأول على أنه مفعول مطلق لمكروا ، لبيان النوع ، والإِضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله .أى : أن هؤلاء الظالمين جاءتهم العبر فلم يعتبروا ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم مكروا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - مكرهم العظيم الذى استفرغوا فيه جهدهم لإِبطال الحق ، وإحقاق الباطل ، والذى كان من مظاهره محاولتهم قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - .وقوله ( وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ) أى : وفى علم الله - تعالى - الذى لا يغيب عنه شئ مكرهم ، وسيجازيهم عليه بما يستحقونه من عذاب مهين .وقوله - تعالى ( وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال ) قرأ الجمهور ( لتزول ) بكسر اللام على أنها لام الجحود والفعل منصوب بعدها .
بأن مضمره وجوبا ، و " إن " فى قوله ( وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ ) نافبة بمعنى ما .والمعنى : ولقد مكر هؤلاء الكافرون مكرهم الشديد الذى اشتهروا به ، وفى علم الله - تعالى - مكرهم ، وما كان مكرهم - مهما عظم واشتد - لتنتقل منه الجبال من أماكنها ، لأنه لم يتجاوز أمثالهم ممن دمرناهم تدميرا .وعلى هذه القاءة يكون المقصود بهذه الجملة الكريمة ، الاستخفاف بهم وبمكرهم ، وبيان أن ما يضمرونه من سوء ليس خافيا على الله - تعالى - ولن يزلزل المؤمنين فى عقيدتهم ، لأن إيمانهم كالجبال الرواسى فى ثباته ورسوخه .وقرأ " السكائى " ( لِتَزُولَ ) - بفتح اللام على أنها لام الابتداء ، ورفع الفعل بعدها - و " إن " مخففة من الثقيلة .فيكون المعنى : وقد مكروا مكرهم ، وعند الله مكرهم ، وإن مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع من أماكنها ، لو كان لها أن تزول أو تنقلع .وعلى هذه القراءة يكون المراد بهذه الجملة الكريمة التعظيم والتهويل من شأن مكرهم ، وأنه أمر شنيع أو شديد فى بابه ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً .
لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً .
تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً .
.
) .
اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعها بذكر كيفية مكرهم فقال: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ ﴾ إلى ماذا يعود؟
على وجوه: الأول: أن يكون الضمير عائداً إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وهذا القول الصحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.
والثاني: أن يكون المراد به قوم محمد صلى الله عليه وسلم والدليل عليه قوله: ﴿ وَأَنذِرِ الناس ﴾ يا محمد وقد مكر قومك مكرهم وذلك المكر هو الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ وقوله: ﴿ مَكْرَهُمْ ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.
الثالث: أن المراد من هذا المكر ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور، وكان قد جوعها ورفع فوق الجوانب الأربعة من التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منهن قطعة لحم ثم إنه جلس مع حاجبه في ذلك التابوت فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الدنيا عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها فنكس تلك العصي التي علق عليها اللحم فسفلت النسور وهبطت إلى الأرض، فهذا هو المراد من مكرهم.
قال القاضي: وهذا بعيد جداً لأن الخطر فيه عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه وما جاء فيه خبر صحيح معتمد ولا حجة في تأويل الآية ألبتة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ﴾ فيه وجهان: الأول: أن يكون المكر مضافاً إلى الفاعل كالأول.
والمعنى: ومكتوب عند الله مكرهم فهو يجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه.
والثاني: أن يكون المكر مضافاً إلى المفعول، والمعنى: وعند الله مكرهم الذي يمكر بهم وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال ﴾ فاعلم أنه قرأ الكسائي وحده ﴿ لِتَزُولَ ﴾ بفتح اللام الأولى ورفع اللام الأخرى منه، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية.
أما القراءة الأولى: فمعناها أن مكرهم كان معداً لأن تزول منه الجبال، وليس المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه، بل التعظيم والتهويل وهو كقوله: ﴿ تَكَادُ السموات يتفطرن الكتاب مِنْهُ ﴾ .
وأما القراءة الثانية: فالمعنى: أن لفظ إن في قوله؛ ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ ﴾ بمعنى ما واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد ومن سبيلها نصب الفعل المستقبل.
والنحويون يسمونها لام الجحد ومثله قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب ﴾ .
﴿ مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين ﴾ والجبال هاهنا مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولأمر دين الإسلام وإعلامه ودلالته على معنى أن ثبوتها كثبوت الجبال الراسية لأن الله تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان.
ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم.
والمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلى الله عليه وسلم، ودلائل شريعته، وقرأ علي وعمرو: ﴿ إِن كَانَ مَكْرِهِمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب ﴾ مفعول ثان لأنذر وهو يوم القيامة.
ومعنى ﴿ أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ ردّنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحدّ من الزمان قريب، نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك.
أو أريد باليوم: يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدّة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى، وأنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب، كقوله: ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ﴾ [المنافقون: 10] ﴿ أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ ﴾ على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطرا وأشراً، ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأمّلوا بعيداً و ﴿ مَا لَكُمْ ﴾ جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله ﴿ أَقْسَمْتُمْ ﴾ ولو حكى لفظ المقسمين لقيل: ما لنا ﴿ مّن زَوَالٍ ﴾ والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء، وقيل: لا تنتقلون إلى دار أخرى يعني كفرهم بالبعث، كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ﴾ [النحل: 38] يقال: سكن الدار وسكن فيها.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ لأنّ السكنى من السكون الذي هو اللبث، والأصل تعدّيه بفي، كقولك: قرّ في الدار وغنى فيها وأقام فيها، ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل: سكن الدار كما قيل: تبوأها وأوطنها.
ويجوز أن يكون: سكنوا من السكون، أي: قرّوا فيها واطمأنوا طيبي النفوس، سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد، لا يحدّثونها بما لقي الأوّلون من أيام الله وكيف كان عاقبة ظلمهم، فيعتبروا ويرتدعوا ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ ﴾ بالإخبار والمشاهدة ﴿ كَيْفَ ﴾ أهلكناهم وانتقمنا منهم.
وقرئ: ﴿ ونبين لكم ﴾ ، بالنون ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال ﴾ أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ﴿ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ﴾ لا يخلو إمّا أن يكون مضافاً إلى الفاعل كالأوّل، على معنى: ومكتوب عند الله مكرهم، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه، أو يكون مضافاً إلى المفعول على معنى: ﴿ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ﴾ الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال ﴾ وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال، معداً لذلك، وقد جعلت إن نافية واللام مؤكدة لها، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أنّ الجبال مثل لآيات الله وشرائعه، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً.
وتنصره قراءة ابن مسعود: ﴿ وما كان مكرهم ﴾ .
وقرئ: ﴿ لتزول ﴾ ، بلام الابتداء، على: ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ ﴾ من الشدّة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع من أماكنها.
وقرأ علي وعمر رضي الله عنهما: ﴿ وإن كاد مكرهم ﴾ ﴿ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ يعني قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ [غافر: 51] ، ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ [المجادلة: 21] ، فإن قلت: هلا قيل: مخلف رسله وعده؟
ولم قدم المعفول الثاني على الأول؟
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً، كقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ﴾ [آل عمران: 9] ثم قال: ﴿ رُسُلَهُ ﴾ ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً- وليس من شأنه إخلاف المواعيد- كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته؟
وقرئ: ﴿ مخلف وعدَه رسلهِ ﴾ ، بحرّ الرسل ونصب الوعد.
وهذه في الضعف كمن قرأ ﴿ قَتْلَ أولادهم شُرَكَائِهِمْ ﴾ [الأنعام: 137] .
﴿ العزيز ﴾ غالب لا يماكر ﴿ ذُو انتقام ﴾ لأوليائه من أعدائه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي كَعادٍ وثَمُودَ، وأصْلُ سَكَنَ أنْ يُعَدّى بِفي كَقَرَّ وغَنِيَ وأقامَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّبْوِيءِ فَيَجْرِي مَجْراهُ كَقَوْلِكَ سَكَنْتُ الدّارَ.
﴿ وَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ﴾ بِما تُشاهِدُونَهُ في مَنازِلِهِمْ مِن آثارِ ما نَزَلَ بِهِمْ وما تَواتَرَ عِنْدَكم مِن أخْبارِهِمْ.
﴿ وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ ﴾ مِن أحْوالِهِمْ أيْ بَيَّنّا لَكم أنَّكم مِثْلُهم في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، أوْ صِفاتِ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ.
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ المُسْتَفْرَغَ فِيهِ جُهْدُهم لِإبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ.
﴿ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ ومَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فِعْلُهم فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ عِنْدَهُ ما يُمْكِرُهم بِهِ جَزاءً لِمَكْرِهِمْ وإبْطالًا لَهُ.
﴿ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ ﴾ في العِظَمِ والشِّدَّةِ.
﴿ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ مُسَوّى لِإزالَةِ الجِبالِ.
وقِيلَ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لَها كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾ عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِأمْرِ النَّبِيِّ ونَحْوِهِ.
وقِيلَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والمَعْنى أنَّهم مَكَرُوا لِيُزِيلُوا ما هو كالجِبالِ الرّاسِيَةِ ثَباتًا وتَمَكُّنًا مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ (لَتَزُولُ) بِالفَتْحِ والرَّفْعِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفاصِلَةُ، ومَعْناهُ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ عَلى لُغَةِ مَن يَفْتَحُ لامَ كَيْ وقُرِئَ و « إنْ كادَ مَكْرُهم» .
<div class="verse-tafsir"
{وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم وهو ما فعلوه من تأييد الكفر وبطلان الإسلام {وَعِندَ الله مَكْرهُمْ} وهو مضاف إلى الفاعل كالأول والمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه أو إلى المفعول أي وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال} بكسر اللام الأولى ونصب الثانية والتقدير وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي صلى الله عليه وسلم فعبر عن النبي عليه السلام بالجبال لعظم شأنه وكان تامة أو إن نافية واللام مؤكدة لها كقوله وَمَا كان الله ليعذبهم والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على ان الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً دليله قراءة ابن مسعود وما كان مكرهم وبفتح اللام الأولى ورفع الثانية عليُّ أي وان كان مكرهم الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقطع عن أماكنها فان مخففة من إن واللام مؤكدة
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ في ﴿ فَعَلْنا بِهِمْ ﴾ أوْ مِنَ الثّانِي أوْ مِنهُما جَمِيعًا وقَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ ﴾ لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِ عَلى ما قِيلَ بِما قَبْلَهُ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في إبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا في عَمَلِهِ المَجْهُودَ وجاوَزُوا فِيهِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهم والمُرادُ بَيانُ تَناهِيهِمْ في اسْتِحْقاقِ ما فُعِلَ بِهِمْ أوْ وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ المَذْكُورَ في تَرْتِيبِ مَبادِي البَقاءِ ومُدافِعَةِ أسْبابِ الزَّوالِ فالمَقْصُودُ إظْهارُ عَجْزِهِمْ واضْمِحْلالِ قُدْرَتِهِمْ وحَقارَتِها عِنْدَ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ هَذا مِن تَتِمَّةِ ما يُقالُ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أهْلَ النّارِ يُنادُونَ ﴿ رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ ..
إلَخْ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا وظاهِرُ كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ اسْتِفادَةَ المُبالَغَةِ في ﴿ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ مِنَ الإضافَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ ﴿ مَكْرَهُمْ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأنَّهُ لازِمٌ فَدَلالَتُهُ عَلى المُبالَغَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿ وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ ﴾ ..
إلَخْ لا لِأنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ تُفِيدُ العُمُومَ أيْ أظْهَرُوا كُلَّ مَكْرٍ لَهم أوْ لِأنَّ إضافَتَهُ وأصْلَهُ التَّنْكِيرُ لِإفادَةِ أنَّهم مَعْرُوفُونَ بِذَلِكَ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ ﴿ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ أيْ جَزاءُ مَكْرِهِمْ عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ والمَعْنى مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ تَعالى مَكْرُهم ومَعْلُومٌ لَهُ سُبْحانَهُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنْ مَجازاتِهِ تَعالى لَهم عَلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَإضافَةُ ( مَكْرٍ ) إلى الفاعِلِ وهو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ وقِيلَ: إنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ عَلى مَعْنى عِنْدَهُ تَعالى مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَحْفُوظَ أنَّ ( مَكْرَ ) لازِمٌ ولَمْ يُسْمَعْ مُتَعَدِّيًا وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُتَجَوَّزًا بِهِ أوْ مُضَمَّنًا مَعْنى الكَيْدِ أوِ الجَزاءِ والكَلامُ في نِسْبَةِ المَكْرِ إلَيْهِ تَعالى وأنَّهُ إمّا بِاعْتِبارِ المُشاكَلَةِ أوِ الِاسْتِعارَةِ مَشْهُورٌ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ بِهَذا المَكْرِ ما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ﴾ لا أنَّهُ وعِيدٌ مُسْتَأْنَفٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مَكَرُوا ﴾ أيْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَزاؤُهُ أوْ هو ما أعْظَمَ مِنهُ والمَقْصُودُ بَيانُ فَسادِ رَأْيِهِمْ حَيْثُ باشَرُوا فِعْلًا مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ تَرْكَهُ ﴿ وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ .
(46) أيْ وإنْ كانَ مَكْرُهم في غايَةِ الشِّدَّةِ والمَتانَةِ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُعَدّى لِإزالَةِ الجِبالِ عَنْ مَقارِّها لِكَوْنِهِ مَثَلًا في ذَلِكَ ( وإنْ ) شَرْطِيَّةٌ وصْلِيَّةٌ عِنْدَ جَمْعٍ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَجازِيهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ ومُبْطِلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الشِّدَّةِ وإنْ كانَ فِيها ولا بُدَّ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن مُلاحَظَةِ الإبْطالِ وإلّا فالجَزاءُ المُجَرَّدُ عَنْ ذَلِكَ لا يَكادُ يَتَأتّى مَعَهُ النُّكْتَةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها ما في إنَّ الوَصْلِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى يُقابِلُهم بِمَكْرِهِمْ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ مَكْرِهِمْ في غايَةِ الشِّدَّةِ فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى أشَدُّ مَكْرًا ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى مُلاحَظَةِ الإبْطالِ فَتَدَبَّرْ وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ أنَّ ( إنْ ) نافِيَةٌ واللّامُ لامُ الجَحُودِ وكانَ تامَّةٌ والمُرادُ بِالجِبالِ آياتُ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعُهُ ومُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّتِي هي كالجِبالِ في الرُّسُوخِ والثَّباتِ والقَصْدُ إلى تَحْقِيرِ مَكْرِهِمْ وأنَّهُ ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ الآياتُ والنُّبُوّاتُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كانَ ناقِصَةً وخَبَرُها إمّا مَحْذُوفٌ أوِ الفِعْلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ وأُيِّدَ هَذا الوَجْهُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن أنَّهُ قَرَأ ( وما كانَ ) بِما النّافِيَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ مُعارَضَةً لِلْقِراءَةِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ مَكْرِهِمْ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ وأُجِيبَ بِأنَّ الجِبالَ في تِلْكَ القِراءَةِ يُشارُ بِها إلى ما رامُوا إبْطالَهُ مِنَ الحَقِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وفي هَذِهِ عَلى حَقِيقَتِها فَلا تَعارُضَ إذْ لَمْ يَتَوارَدا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ نَفْيًا وإثْباتًا ورُدَّ بِأنَّهُ إذا جَعَلَ الحَقَّ شَبِيهًا بِالجِبالِ في الثَّباتِ كانَ مِثْلَها بَلْ أدْوَنَ مِنها في هَذا المَعْنى فَإذا نَفى إزالَتَهُ جِبالَ الدُّنْيا وحِينَئِذٍ يَجِيءُ الإشْكالُ.
وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّ هَذا غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ المُشَبَّهَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أدْوَنَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ في وجْهِ الشَّبَهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِخِلافِهِ ولَوْ سُلِّمَ فَقَدْ يُقَدَّرُ عَلى إزالَةِ الأقْوى دُونَ الآخَرِ لِمانِعٍ كالشُّجاعِ يَقْدِرُ عَلى قَتْلِ أسَدٍ ولا يَقْدِرُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُشَبَّهٍ بِهِ لِامْتِناعِهِ بِعُدَّةٍ أوْ حِصْنٍ ولا حِصْنَ أحْصَنَ وأحْمى مِن تَأْيِيدِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لِلْحَقِّ بِحَيْثُ تَزُولُ الجِبالُ يَوْمَ تُنْسَفُ نَسْفًا ولا يَزُولُ انْتَهى وإلى تَفْسِيرِ ﴿ الجِبالُ ﴾ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِما ذَكَرْنا ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: وأمّا كَوْنُها عِبارَةً عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَرَ القُرْآنِ العَظِيمِ كَما قِيلَ فَلا مَجالَ لَهُ إذِ الماكِرُونَ هُمُ المُهْلَكُونَ لا السّاكِنُونَ في مَساكِنِهِمْ مِنَ المُخاطَبِينَ وإنْ خُصَّ الخِطابُ بِالمُنْذَرِينَ وسَيَظْهَرُ لَكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى جَوازُ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في الآيَةِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مَكَرُوا ﴾ لا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ والمَعْنى إنْ كانَ مَكْرُهم لِيَزُولَ مِنهُ ما هو كالجِبالِ في الثَّباتِ مِنَ الآياتِ والشَّرائِعِ والمُعْجِزاتِ والجُمْلَةُ أيْضًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ أيْ ﴿ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ المَعْهُودَ وأنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم لِإزالَةِ الحَقِّ مِنَ الآياتِ والشَّرائِعِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهم مَكْرٌ كَذَلِكَ وكانَ شَأْنُ الحَقِّ مانِعًا مِن مُباشَرَةِ المَكْرِ لِإزالَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ ﴿ لِتَزُولَ ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى ورَفْعِ الفِعْلِ فَإنْ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مُخَفَّفَةٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا والقَصْدُ إلى تَعْظِيمِ مَكْرِهِمْ فالجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ أيْ عِنْدَهُ تَعالى جَزاءُ مَكْرِهِمْ أوِ المَكْرُ بِهِمْ والحالُ أنَّ مَكْرَهم بِحَيْثُ تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ أيْ في غايَةِ الشِّدَّةِ وقُرِئَ ﴿ لِتَزُولَ ﴾ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى لُغَةٍ جاءَتْ في فَتْحِ لامِ كَيْ وقَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ورَحِمَهم ( وإنْ كادَ ) بِدالٍ مَكانَ النُّونِ و ﴿ لِتَزُولَ ﴾ بِالفَتْحِ والرَّفْعِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونَقَلَ أبُو حاتِمٍ عَنْ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( ولَوْلا كَلِمَةُ اللَّهِ لَزالَ مِن مَكْرِهِمُ الجِبالُ ) وحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى التَّفْسِيرِ لِمُخالَفَتِهِ لِسَوادِ المُصْحَفِ مُخالَفَةً ظاهِرَةً هَذا ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في ﴿ مَكَرُوا ﴾ لِلْمُنْذَرِينَ والمُرادُ بِمَكْرِهِمْ ما أفادَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ وغَيْرُهُ مِن أنْواعِ مَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: ولَعَلَّ الوَجْهَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ مَكَرُوا ﴾ ..
إلَخْ حالًا مِنَ القَوْلِ المُقَدَّرِ أيْ فَيُقالُ لَهم ما يُقالُ والحالُ أنَّهم مَعَ ما فَعَلُوا مِنَ الإقْسامِ المَذْكُورِ مَعَ ما يُنافِيهِ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ العَظِيمَ أيْ لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ عَنْهم مُجَرَّدَ الإقْسامِ الَّذِي وُبِّخُوا بِهِ بَلِ اجْتَرَؤُوا عَلى مِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ مَكَرُوا ﴾ حَسْبَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ تَفاوُتِ الحالِ في تَحْقِيقِ الجَزاءِ بَيْنَ كَوْنِ مَكْرِهِمْ قَوِيًّا أوْ ضَعِيفًا كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ( إنْ ) نافِيَةً فَهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ مَكَرُوا ﴾ والجِبالُ عِبارَةٌ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ وقَدْ مَكَرُوا والحالُ أنَّ مَكْرَهم ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ هاتِيكَ الشَّرائِعُ والآياتُ الَّتِي هي كالجِبالِ في القُوَّةِ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامَ مَكْسُورَةً يَكُونُ حالًا مِنهُ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ المَكْرَ العَظِيمَ مِنهم كانَ لِهَذا الغَرَضِ والقَصْدِ إلى أنَّهُ لَمْ يَصْحَّ أنْ يَكُونَ مِنهم مَكْرٌ كَذَلِكَ لِما أنَّ شَأْنَ الشَّرائِعِ أعْظَمُ مِن أنْ يَمْكُرَ بِها وعَلى تَقْدِيرِ فَتْحِ اللّامِ فَهو حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ كَما ذُكِرَ سابِقًا.
اهَـ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِمَكْرِهِمْ شِرْكُهم كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والجِبالُ عَلى حَقِيقَتِها وأمْرُ الجُمْلَةِ عَلى ما قالَ.
وحاصِلُ المَعْنى لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ عَنْهم مُجَرَّدَ الإقْسامِ مَعَ ما لا يُنافِيهِ بَلِ اجْتَرَؤُوا عَلى الشِّرْكِ وقالُوا: ﴿ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا ﴾ ﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا ﴾ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ ما نَحْنُ فِيهِ كَهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِجَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْمُنْذَرِينَ قَوْلٌ بِعَدَمِ دُخُولِ هَذا الكَلامِ في حَيِّزِ ما يُقالُ وهو الظّاهِرُ كَما قِيلَ وكَذا حَمَلَ الجِبالَ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وفي البَحْرِ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ زَوالَ الجِبالِ مَجازٌ ضُرِبَ مَثَلًا لِمَكْرِ قُرَيْشٍ وعِظَمِهِ والجِبالُ لا تَزُولُ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في ذَمِّ مَكْرِهِمْ ما لا يَخْفى.
وأمّا ما رُوِيَ أنَّ جَبَلًا زالَ بِحَلِفِ امْرَأةٍ اتَّهَمَها زَوْجُها وكانَ ذَلِكَ الجَبَلُ مَن حَلَفَ عَلَيْهِ كاذِبًا ماتَ فَحَمَلَها لِلْحَلِفِ فَمَكَرَتْ بِأنْ رَمَتْ نَفْسَها مِنَ الدّابَّةِ وكانَتْ وعَدَتْ مَنِ اتُّهِمَتْ بِهِ أنْ يَكُونَ في المَكانِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ مِنَ الدّابَّةِ فَأرْكَبَها زَوْجَها وذَلِكَ الرَّجُلَ وحَلَفَتْ عَلى الجَبَلِ أنَّها ما مَسَّها غَيْرُهُما فَنَزَلَتْ سالِمَةً وأصْبَحَ الجَبَلُ قَدِ انْدَكَّ وكانَتِ المَرْأةُ مِن عَدْنانَ.
وما رُوِيَ مِن قِصَّةِ نَمْرُوذَ بْنِ كُوشِ بْنِ كَنْعانَ أوْ بَخْتُنَصَّرَ واتِّخاذِ الأنْسُرِ وصُعُودِهِما إلى قُرْبِ السَّماءِ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ مَشْهُورَةٍ وما فَعَلَ بَعْضُهم مِن حَمْلِ الجِبالِ عَلى دِينِ الإسْلامِ والقُرْآنِ وحَمْلِ المَكْرِ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا سِحْرٌ هَذا شِعْرٌ هَذا إفْكٌ فَأقْوالٌ يَنْبُو عَنْها ظاهِرُ اللَّفْظِ وبَعِيدٌ جِدًّا قِصَّةُ الأنْسُرِ.
اهَـ.
واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ أيْضًا كَما نَقَلَ الإمامُ القاضِي وقالَ: إنَّ الخَطَرَ في ذَلِكَ عَظِيمٌ ولا يَكادُ العاقِلُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ وما جاءَ خَبَرٌ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ ولا حاجَةَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ إلَيْهِ ونَعَمْ ما قالَ في خَبَرِ النُّسُورِ فاهٍ وإنْجاءٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي عُبَيْدَةَ والسُّدِّيَّ وغَيْرِهِمْ إلّا أنَّ في الأسانِيدِ ما لا يَخْفى عَلى مَن نُقِرُّ.
وقَدْ شاعَ ذَلِكَ مِن أخْبارِ القُصّاصِ وخَبَرُهم واقِعٌ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ ولَوْ طارُوا إلى النَّسْرِ الطّائِرِ ومِثْلُ ذَلِكَ فِيما أرى خَبَرُ المُتَّهَمَةِ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَسَكَنْتُمْ يقول: نزلتم فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي أشركوا، يعني: منازل قوم عاد وثمود وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ يقول: كيف عاقبناهم عند التكذيب وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ يقول: بيّنا ووصفنا لكم عصيانهم وجحودهم، والعذاب الذي نزل بهم.
يعني: إنكم سمعتم هذا كله في الدنيا فلم تعتبروا.
فلو رجعتم بعد هذا اليوم، لا تنفعكم الموعظة أيضاً.
ثم قال تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ يعني علم الله مكرهم، وقد: صنعوا صنيعهم، يعني: الأمم الخالية وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ يعني: علم الله مكرهم، ولا يخفى عليه.
قال علي بن أبي طالب: وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ «أي التابوت، والنسور، وهو نمرود بن كنعان وقومه» .
وروى وكيع بإسناده عن عليّ قال: «إن جباراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتى أعلم ما في السماء، يعني: نمرود، فاتخذ فراخ نسور، ثم أمر بها فأطعمت اللحم حتى اشتدت وغلظت واستفحلت، وأخذ تابوتاً يسع فيه رجلان، ثم أمر بالنسور فجوعت، ثم ربط أرجلها بالأوتاد، وشدت بقوائم التابوت، وجعل في وسط التابوت اللحم، ثم جلس في التابوت هو ورجل معه، ثم أرسل النسور وجعل اللحم على رأس خشبة على التابوت، فطارت النسور إلى السماء ما شاء الله.
ثم قال لصاحبه: انظر ماذا ترى؟
فنظر فقال: أرى الجبال كأنها ذباب، ثم طارت ما شاء الله، ثم قال: انظر ماذا ترى، فنظر فقال: ما أرى إلا السماء، وما تزداد منها إلا بعداً.
قال: نكّس الخشبة، فنكسها فانقضت النسور حتى سقطت على الأرض، فسمع هزته الجبال، فكادت تزول عن أماكنها» .
ثم قرأ عليّ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ أي: وقد كاد مكرهم ليزيل الجبال عن أماكنها.
ويقال: إن نمرود بن كنعان هو أول من تجبر وقهر وسن سنن السوء، وأول من لبس التاج، فأهلكه الله تعالى ببعوضة دخلت في خياشمه، فعذب بها أربعين يوماً ثم مات.
وقال قتادة: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ يعني: الكفار حين ادعوا لله تعالى ولداً، فكاد أن تزول الجبال.
ويقال: أهل مكة مكروا في دار الندوة، وقد كاد مكرهم أن يزول منه أمر النبيّ ، وأمر دين الإسلام.
إذ ثبوته كثبوت الجبال، لأن الله تعالى وعد نبيّه إظهار دين الإسلام، بدليل ما قال بعد هذا فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ قرأ الكسائي لِتَزُولَ بنصب اللام الأُولى، ورفع الثانية.
وقرأ الباقون: بكسر اللام الأولى، ونصب الثانية ومعناه: ما كان مكرهم ليزول به أمر دين الإسلام، إذ ثبوته كثبوت الجبال.
ومن قرأ لَيَزُولُ فمعناه: وإن كان مكرهم يعني: مكر الكفار ليبلغ إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصر دينه.
وروي عن ابن مسعود أن قرأ وإن كاد مَكْرِهِمْ.
قوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ يعني: في نزول العذاب بكفار مكة، إن شاء عجل لهم العقوبة في الدنيا.
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ذو انتقام للكفار.
<div class="verse-tafsir"
وانخراقه، ويحتمل أنْ تكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صُدُورهم، وأنها تذهب وتجيءُ وتبلُغُ علَى ما رُوِيَ حناجرهم، فهي في ذلك كالهَوَاءِ الذي هو أبداً في اضطراب.
وقوله سبحانه: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ: المراد باليَوْمِ: يومُ القيامةِ، ونصبُهُ على أنه مفعولٌ ب «أَنْذِر» ، ولا يجوزُ أن يكون ظرفاً، لأن القيامة ليْسَتْ بموطنِ إِنذار، قال الشيخُ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: يجبُ التصْدِيقُ بكُلِّ ما أخبر اللَّه ورسُولُهُ به، ولا يتعرَّض إِلى الكيفيَّة في كلِّ ما جاء من أمْرِ الساعة وأَحْوَالِ يومِ القيامةِ، فإِنه أمْرٌ لا تسعه العُقُولُ، وطَلَبُ الكيفيَّة فيه ضعْفٌ في الإِيمانِ، وإِنما يجبُ الجَزْم بالتصديقِ بجميعِ مَا أخبر اللَّه بهِ، انتهى.
قال الغَزَّالِيُّ: فَأَعلمُ العلماءِ وأعْرَفُ الحكماءِ ينكشفُ له عَقِيبَ المَوْت مِنَ العجائبِ والآياتِ ما لَمْ يَخْطُرْ قَطُّ بباله، ولا اختلج به ضميره، فلو لم يكُنْ للعاقلَ هَمٌّ ولا غَمٌّ، إِلا التفكُّر في خَطَر تلك الأحوال، وما الذي ينكشفُ عَنْه الغِطَاء من شقاوةٍ لازمةٍ، أو سعادة دائمةٍ/ لكان ذلك كافياً في استغراق جميع العُمُر، والعَجَبُ من غَفْلتنا، وهذه العظائِمُ بَيْنَ أيدينا.
انتهى من «الإِحياء» .
وقوله: أَوَلَمْ تَكُونُوا ...
الآية: معناه: يقال لهم، وقوله: مَا لَكُمْ مِنْ زَوالٍ: هو المُقْسَمُ عليه، وهذه الآية ناظرةٌ إِلى ما حَكَى اللَّه سبحانه عنهم في قوله:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل: ٣٨] .
وقوله سبحانه: وَسَكَنْتُمْ ...
الآية: المعنَى: بقول اللَّه عزَّ وجلَّ: وسكَنْتُم أيها المُعْرِضُون عَنْ آيات اللَّه مِنْ جميعِ العالمِ في مَسَاكِن الذين ظَلَمُوا أنفسهم بالكُفْر من الأمم السَّالفة، فنزلَتْ بهم المثلات، فكان حَقُّكُم الاعتبار والاتعاظ.
وقوله: وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ: أي: جزاء مكرهم، وقرأ السبعة سوى الكسائي «١» : «وإن كان مكرهم لتزول»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَمْرُودُ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى السَّماءِ، فَأمَرَ بِفَرْخَيْ نَسْرٍ فَرُبِّيا حَتّى سَمِنا واسْتَعْلَجا، ثُمَّ أمَرَ بِتابُوتٍ فَنُحِتَ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، وجَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا شَدِيدَ الحُمْرَةِ، ثُمَّ جَوَّعَهُما ورَبَطَ أرْجُلَهُما بِأوْتارٍ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ.
ودَخَلَ هو وصاحِبٌ لَهُ في التّابُوتِ وأغْلَقَ بابَهُ، ثُمَّ أرْسَلَهُما، فَجَعَلا يُرِيدانِ اللَّحْمَ، فَصَعِدا في السَّماءِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ: افْتَحْ وانْظُرْ ماذا تَرى ؟
فَفَتَحَ، فَقالَ: أرى الأرْضَ كَأنَّها الدُّخانُ، فَقالَ لَهُ: أغْلِقْ، ثُمَّ صَعِدَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فانْظُرْ، فَفَتَحَ، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ، وما نَزْدادُ مِنها إلّا بُعْدًا، قالَ: فَصَوِّبْ خَشَبَتَكَ، فَصَوَّبَها، فانْقَضَّتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَتِ الجِبالُ هَدَّتَها، فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها.
هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وفي رِوايَةِ عَنْهُ: كانَتِ النُّسُورُ أرْبَعَةً.
ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّهُ مازالَ يَصْعَدُ إلى أنْ رَأى الأرْضَ يُحِيطُ بِها بَحْرٌ، فَكَأنَّها فَلْكَةٌ في ماءٍ، ثُمَّ صَعِدَ حَتّى وقَعَ في ظُلْمَةٍ، فَلَمْ يَرَ ما فَوْقَهُ ولَمْ يَرَ ما تَحْتَهُ، فَفَزِعَ، فَصَوَّبَ اللَّحْمَ، فانْقَضَّتِ النُّسُورُ، فَلَمّا نَزَلَ أخَذَ في بِناءِ الصَّرْحِ.
ثُمَّ صَعِدَ مِنهُ مَعَ النُّسُورِ، فَلَمّا لَمْ يَقْدِرْ عَلى السَّماءِ، اتَّخَذَهُ حِصْنًا، فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَواعِدِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ مَعَهُ في التّابُوتِ غُلامٌ قَدْ حَمَلَ القَوْسَ والنُّشّابَ، فَرَمى بِسَهْمٍ فَعادَ إلَيْهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَقالَ: كُفِيتَ إلَهَ السَّماءِ، وذَلِكَ مِن دَمِ سَمَكَةٍ في بَحْرٍ مُعَلَّقٍ في الهَواءِ، فَلَمّا هالَهُ الِارْتِفاعُ، قالَ لِصاحِبِهِ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ، فَصَوَّبَها، فانْحَطَّتِ النُّسُورُ، فَظَنَّتِ الجِبالُ أنَّهُ أمْرٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَزالَتْ عَنْ مَواضِعِها.
وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا رَأتِ الجِبالُ ذَلِكَ، ظَنَّتْ أنَّهُ قِيامُ السّاعَةِ، فَكادَتْ تَزُولُ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بُخْتَنَصَّرُ، وأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَهُ جَرَتْ، وأنَّ النُّسُورَ لَمّا ارْتَفَعَتْ تَطْلُبُ اللَّحْمَ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، نُودِيَ: يا أيُّها الطّاغِيَةُ، أيْنَ تُرِيدُ ؟
فَفَرِقَ، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ، فَنَزَلَ، فَلَمّا رَأتِ الجِبالُ ذَلِكَ، ظَنَّتْ أنَّهُ قِيامُ السّاعَةِ فَكادَتْ تَزُولُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: مَكْرُهم: شِرْكُهم.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وإخْراجِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ عِنْدَهُ حَتّى يُجازِيَهم بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ.
﴿ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ .
وقَرَأ الأكْثَرُونَ " لِتَزُولَ " بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى مِن " لِتَزُولَ " وفَتْحِ الثّانِيَةِ.
أرادَ: وما كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، أيْ: هو أضْعَفُ وأوْهَنُ، كَذَلِكَ فَسَّرَها الحَسَنُ البَصَرِيُّ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى وضَمِّ الثّانِيَةِ، أرادَ: قَدْ كادَتِ الجِبالُ تَزُولُ مِن مَكْرِهِمْ، كَذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وَفِي المُرادِ بِالجِبالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجِبالُ المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّها ضُرِبَتْ مَثَلًا لِأمْرِ النَّبِيِّ ، وثُبُوتُ دِينِهِ كَثُبُوتِ الجِبالِ الرّاسِيَةِ، والمَعْنى: لَوْ بَلَغَ كَيْدُهم إلى إزالَةِ الجِبالِ، لَما زالَ أمْرُ الإسْلامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ أيْ: فَقَدْ وعَدَكَ الظُّهُورَ عَلَيْهِمْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِوَعْدِهِ: النَّصْرَ والفَتْحَ وإظْهارَ الدِّينِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ أيْ: مَنِيعٌ ﴿ ذُو انْتِقامٍ ﴾ مِنَ الكافِرِينَ، وهو أنْ يُجازِيَهم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكم الأمْثالَ ﴾ ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللهِ مَكْرَهم وإنْ كانَ مَكْرَهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: أيُّها المُعْرِضُونَ عن آياتِ اللهِ مِن جَمِيعِ العالَمِ سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ السالِفَةِ فَنَزَلَتْ بِهِمُ المُثُلاتُ، فَكانَ قَوْلُكُمُ الِاعْتِبارَ والِاتِّعاظَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَتَبَيَّنَ" بِتاءٍ، وقَرَأ السُلَمِيُّ -فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ -: "وَنُبَيِّنْ" بِنُونِ عَظْمَةٍ مَضْمُومَةٍ وجَزْمٍ عَلى مَعْنى: أو لَمْ نُبَيِّنْ، عَطْفٌ عَلى ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا ﴾ ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ النُونِ ورَفْعِ النُونِ الأخِرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: وعِنْدَ اللهِ عِقابُ مَكْرِهِمْ، أو جَزاءُ مَكْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والضَمِيرُ لِمُعاصِرِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلظَّلَمَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والضَمِيرُ لِلَّذِينِ سَكَنَ في مَنازِلِهِمْ.
وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى الكِسائِيِّ: ﴿ وَإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ بِكَسْرِ اللامِ مَن لِتَزُولَ وفَتْحِ الثانِيَةِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وجَماعَةٍ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "إنْ" نافِيَةً بِمَعْنى "ما"، ومَعْنى الآيَةِ تَحْقِيرُ مَكْرِهِمْ، وأنَّهُ ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ الشَرائِعُ والنُبُوّاتُ وأقْدارُ اللهِ بِها الَّتِي هي كالجِبالِ في ثُبُوتِها وقُوَّتِها، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وتَحْتَمِلُ عِنْدِي هَذِهِ القِراءَةُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى تَعْظِيمِ مَكْرِهِمْ، أيْ: وإنْ كانَ شَدِيدًا إنَّما يَفْعَلُ لِتَذْهَبَ بِهِ عِظامُ الأُمُورِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "لَتَزُولُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى ورَفْعِ الثانِيَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "إنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، ومَعْنى الآيَةِ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ وشِدَّتِهِ، أيْ أنَّهُ مِمّا يُشْقى بِهِ، ويُزِيلُ الجِبالَ مِن مُسْتَقَرّاتِها بِقُوَّتِهِ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى أبْطَلَهُ ونَصَرَ أولِياءَهُ، وهَذا أشَدُّ في العِبْرَةِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ"، ويَتَرَتَّبُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ في "لِتَزُولَ" ما تَقَدَّمَ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلَوْلا كَلِمَةُ اللهِ لَزالَ مِن مَكْرِهِمُ الجِبالُ"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم جَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ إشارَةً إلى ما فَعَلَ نَمْرُوذُ، إذْ عَلَّقَ التابُوتَ بَيْنَ الأنْسُرِ ورَفَعَ لَها اللَحْمَ في أطْرافِ الرِماحِ بَعْدَ أنْ أجاعَها، ودَخَلَ هو وحاجِبُهُ في التابُوتِ فَعَلَتْ بِهِما الأنْسُرُ حَتّى قالَ لَهُ النَمْرُودُ: ماذا تَرى؟
قالَ: أرى بَحْرًا وجَزِيرَةً، يُرِيدُ الدُنْيا المَعْمُورَةَ، ثُمَّ قالَ: ماذا تَرى؟
قالَ: أرى غَمامًا ولا أرى جَبَلًا، فَكَأنَّ الجِبالَ زالَتْ عن نَظَرِ العَيْنِ بِهَذا المَكْرِ، وذُكِرَ ذَلِكَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَلِيٍّ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها ضَعْفٌ مِن طَرِيقِ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ أنَّ تَصْعَدُ الأنْسُرُ كَما وصَفَ، وبِعِيدٌ أنْ يُغَرِّرَ أحَدٌ بِنَفْسِهِ في مِثْلِ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ ﴾ الآيَةُ.
تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيِّ ولِغَيْرِهِ مَن أُمَّتِهِ، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ مِمَّنْ يَحْسَبُ مِثْلَ هَذا، ولَكِنْ خَرَجَتِ العِبارَةُ هَكَذا، والمُرادُ بِما فِيها مِنَ الزَجْرِ مَن شارَكَ النَبِيَّ في أنْ قَصَدَ تَثْبِيتَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِفَ وعْدِهِ" بِالإضافَةِ "رُسُلَهُ" بِالنَصْبِ، وأضافَ "مُخْلِفَ" إلى "الوَعْدِ" إذْ لِلْإخْلافِ تَعَلُّقٌ بِالوَعِيدِ عَلى تَجَوُّزٍ، وإنَّما حَقِيقَةُ تَعَلُّقِهِ بِالرُسُلِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: تَرى الثَوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِلِّ رَأْسَهُ ∗∗∗ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَمْسِ أجْمَعُ وكَقَوْلِكَ: "هَذا مُعْطِي زَيْدٍ دِرْهَمًا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ" بِنَصْبِ "الوَعْدِ" وخَفْضِ "الرُسُلِ" عَلى الإضافَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ ذَكَرَها الزَجّاجُ وضَعَّفَها، وهي تَحُولُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، وهي كَقَوْلِ الشاعِرِ: فَزَجَجْتُها بِمَزَجَّةِ ∗∗∗ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَهْ وَأمّا إذا حِيلَ في مِثْلِ هَذا بِالظَرْفِ فَهو أشْهَرُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لامَها وقالَ آخَرُ: كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا...
يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ والمَعْنى: لا تَحْسَبْ يا مُحَمَّدُ أنْتَ ومَنِ اعْتَبَرَ بِالأمْرِ مِن أُمَّتِكَ وغَيْرِهِمْ أنَّ اللهَ لا يُنْجِزُ وعْدَهُ في نَصْرِ رُسُلِهِ وإظْهارِهِمْ، ومُعاقَبَةِ مَن كَفَرَ بِهِمْ في الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللهَ عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ مِنهُ شَيْءٌ، ذُو انْتِقامٍ مِنَ الكَفَرَةِ، لا سَبِيلَ إلى عَفْوِهِ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ ﴾ الآيَةُ.
"يَوْمَ" ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، ورُوِيَ في "تَبْدِيلِ الأرْضِ" أقْوالٌ: مِنها في الصَحِيحِ أنَّ اللهَ يُبَدِّلُها هَذِهِ الأرْضَ بِأرْضٍ عَفْراءَ بَيْضاءَ كَأنَّها قُرْصَةُ النَقِيِّ، وفي الصَحِيحِ أنَّ اللهَ يُبَدِّلُها خُبْزَةُ يَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِنها مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ورُوِيَ أنَّها تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ، ورُوِيَ أنَّها أرْضٌ كالفِضَّةِ مِن بَياضِها، ورُوِيَ أنَّها تُبَدَّلَ مِن نارٍ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تَبْدِيلُ الأرْضِ هو نَسْفُ جِبالِها، وتَفْجِيرُ بِحارِها، وتَغْيِيرُها حَتّى لا يُرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، فَهَذِهِ حالٌ غَيْرُ الأُولى، وبِهَذا وقَعَ التَبْدِيلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وسَمِعْتُ مِن أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ التَبْدِيلَ يَقَعُ في الأرْضِ، ولَكِنْ يُبَدَّلُ لِكُلِّ فَرِيقٍ بِما تَقْتَضِيهِ حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يَكُونُ عَلى خُبْزٍ يَأْكُلُ مِنهُ بِحَسْبِ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وفَرِيقٌ يَكُونُ عَلى فِضَّةٍ -إنَّ صَحَّ السَنَدُ بِها-، وفَرِيقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ عَلى نارٍ، ويَجُوزُ هَذا مِمّا كُلُّهُ واقِعٌ تَحْتَ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ التَبْدِيلَ يَكُونُ بِأرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ لَمْ يُعْصَ اللهُ فِيها، ولا سُفِكَ فِيها دَمٌ، ولَيْسَ فِيها مَعْلَمٌ لِأحَدٍ.
ورُوِيَ فِيها عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "المُؤْمِنُونَ وقْتَ التَبْدِيلِ في ظِلِّ العَرْشِ"»، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "الناسُ وقْتَ التَبْدِيلِ عَلى الصِراطِ"،» وعنهُ أنَّهُ قالَ: « "الناسُ حِينَئِذٍ أضْيافُ اللهِ فَلا يُعْجِزُهم ما لَدَيْهِ".» و"بَرَزُوا" مَأْخُوذٌ مِنَ البِرازِ، أيْ: ظَهَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُوارِيهِمْ بِناءٌ ولا حِصْنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِذِكْرِ هَذِهِ الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يكون عطفَ خبر على خبر، ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ الناس ﴾ في قوله: ﴿ وأنذر الناس ﴾ ، أي أنذرهم في حال وقوع مكرهم.
والمكر: تبييت فعل السوء بالغير وإضمارُهُ.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله ﴾ في سورة آل عمران (54)، وفي قوله: ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ في سورة الأعراف (99).
وانتصب مكرهم } الأول على أنه مفعول مطلق لفعل ﴿ مكروا ﴾ لبيان النوع، أي المكر الذي اشتهروا به، فإضافة ﴿ مكر ﴾ إلى ضمير ﴿ هم ﴾ من إضافة المصدر إلى فاعله.
وكذلك إضافة ﴿ مكر ﴾ الثاني إلى ضمير ﴿ هم ﴾ .
والعندية إما عندية عِلم، أي وفي علم الله مكرهم، فهو تعري بالوعيد والتهديد بالمؤاخذة بسوء فعلهم، وإما عندية تكوين ما سُمي بمكر الله وتقديره في إرادة الله فيكون وعيداً بالجزاء على مكرهم.
وقرأ الجمهور ﴿ لتزول ﴾ بكسر اللام وبنصب الفعل المضارع بعدها فتكون (إن) نافية ولام ﴿ لتزول ﴾ لام الجحود، أي وما كان مكرهم زائلة منه الجبال، وهو استخفاف بهم، أي ليس مكرهم بمتجاوز مكر أمثالهم، وما هو بالذي تزول منه الجبال.
وفي هذا تعريض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يريد المشركون المكر بهم لا يزعزعهم مكرهم لأنهم كالجبال الرواسي.
وقرأ الكسائي وحده بفتح اللام الأولى من ﴿ لَتزولُ ﴾ ورفع اللام الثانية على أن تكون ﴿ إنْ ﴾ مخففة من ﴿ إنْ ﴾ المؤكدة وقد أكمل إعمالها، واللام فارقة بينها وبين النافية، فيكون الكلام إثباتاً لزوال الجبال من مكرهم، أي هو مكر عظيم لَتزول منه الجبال لو كان لها أن تزول، أي جديرة، فهو مستعمل في معنى الجدارة والتأهل للزوال لو كانت زائلة.
وهذا من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه على نحو قوله تعالى: ﴿ يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً ﴾ [سورة مريم: 90].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ ﴾ مَعْناهُ وأنْذِرْهم بِاليَوْمِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ فِيهِ العَذابُ، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
وَإنَّما خَصَّهُ بِيَوْمِ العَذابِ وإنْ كانَ يَوْمَ الثَّوابِ أيْضًا لِأنَّ الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّهْدِيدِ لِلْعاصِي وإنْ تَضَمَّنَ تَرْغِيبًا لِلْمُطِيعِ.
﴿ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ ﴾ طَلَبُوا رُجُوعًا إلى الدُّنْيا حِينَ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ في الآخِرَةِ لِيَسْتَدْرِكُوا فارِطَ ذُنُوبِهِمْ، ولَيْسَتِ الآخِرَةُ دارَ تَوْبَةٍ فَتُقْبَلَ تَوْبَتُهم، كَما لَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ فَيُسْتَأْنَفَ تَكْلِيفُهم.
فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا الطَّلَبِ فَقالَ: ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما لَكَمَ مِنَ انْتِقالٍ عَنِ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما لَكَمَ مِن زَوالٍ عَنِ العَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى بِالمَكْرِ الشِّرْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِهِ العُتُوَّ والتَّجَبُّرَ، وهي فِيمَن تَجَبَّرَ في مُلْكِهِ وصَعِدَ مَعَ النِّسْرَيْنِ في الهَواءِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْحارِيبَ بْنِ حامَ بْنِ نُوحٍ بَنى الصَّرْحَ في قَرْيَةِ الرَّسِّ مِن سَوادِ الكُوفَةِ، وجَعَلَ طُولَهُ خَمْسَةَ آلافِ ذِراعٍ، وعَرْضَهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ وخَمْسَةً وعِشْرِينَ ذِراعًا وصَعِدَ مِنهُ مَعَ النُّسُورِ، فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى السَّماءِ اتَّخَذَهُ حِصْنًا وجَمَعَ فِيهِ أهْلَهُ ووَلَدَهُ لِيَتَحَصَّنَ فِيهِ، فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَواعِدِ، فَتَداعى الصَّرْحُ عَلَيْهِمْ، فَهَلَكُوا جَمِيعًا، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ ﴿ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم عالِمًا بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم مَحْفُوظًا عَلَيْهِمْ حَتّى يُجازِيَهم عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
﴿ وَإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ.
إحْداهُما: بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ، ومَعْناها وما كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، احْتِقارًا لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِيَةُ: بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى وضَمِّ الثّانِيَةِ، ومَعْناها وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ اسْتِعْظامًا لَهُ.
قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وإنْ كادَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ وفي ﴿ الجِبالُ ﴾ الَّتِي عَنى زَوالَها بِمَكْرِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِبالُ الأرْضِ.
الثّانِي: الإسْلامُ والقُرْآنُ؛ لِأنَّهُ لِثُبُوتِهِ، ورُسُوخِهِ كالجِبالِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ يقول: أنذرهم في الدنيا من قبل أن يأتيهم العذاب.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب ﴾ قال: مدة يعملون فيها من الدنيا ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ﴾ لقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ [ النحل: 38] ﴿ ما لكم من زوال ﴾ قال: الانتقال من الدنيا إلى الآخرة.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: بلغني أن أهل النار ينادون ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ﴾ فرد عليهم ﴿ أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ﴾ إلى قوله: ﴿ لتزول منه الجبال ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما لكم من زوال ﴾ عما أنتم فيه إلى ما تقولون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ما لكم من زوال ﴾ قال: بعث بعد الموت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ قال: سكن الناس في مساكن قوم نوح وعاد وثمود.
وقرون بين ذلك كثيرة ممن هلك من الأمم ﴿ وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال: قد والله بعث الله رسله وأنزل كتبه وضرب لكم الأمثال فلا يصم فيها إلا الأصمّ ولا يخيب فيها إلا الخائب، فاعقلوا عن الله أمره.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ قال: عملتم بمثل أعمالهم.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال: الأشباه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال.
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف، عن الحسن رضي الله عنه قال: أربعة أحرف في القرآن ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ ما مكرهم وقوله: ﴿ لتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ﴾ [ الأنبياء: 17] ما كنا فاعلين.
وقوله: ﴿ إن كان للرحمن ولد ﴾ ما كان للرحمن من ولد وقوله: ﴿ ولقد مكناهم في ما إن مكناهم فيه ﴾ ما مكناكم فيه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ يقول شركهم.
كقوله: ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه ﴾ [ مريم: 90] .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً.
لقد جئتم شيئاً إذًّا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا ﴾ [ مريم: 88-90].
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه، أن الحسن كان يقول: كان أهون على الله وأصغر من أن تزول منه الجبال، يصفهم بذلك.
قال قتادة رضي الله عنه: وفي مصحف عبد الله بن مسعود ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ وكان قتادة رضي الله عنه يقول عند ذلك ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا ﴾ أي لكلامهم ذلك.
وأخرج ابن حميد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر: كان يقرأ ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ بالنون ﴿ لتزول ﴾ برفع اللام الثانية وفتح الأولى.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن عمر بن الخطاب أنه قرأ ﴿ وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ يعني بالدال.
وأخرج ابن المنذر وابن الأنباري، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ وأخرج ابن الأنباري عن أبي بن كعب، أنه قرأ ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس، أنه قرأ ﴿ وإن كاد مكرهم ﴾ .
قال: وتفسيره عنده ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ﴾ هذا ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ [ مريم: 91].
وأخرج ابن جرير عن مجاهد، أنه كان يقرأ ﴿ لتزول ﴾ بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ ثم فسرها فقال: إن جباراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى ما في السماء، فأمر بفراخ النسور تعلف اللحم حتى شبت وغلظت، وأمر بتابوت فنجر يسع رجلين، ثم جعل في وسطه خشبة، ثم ربط أرجلهن بأوتاد، ثم جوَّعهن، ثم جعل على رأس الخشبة لحماً ثم دخل هو وصاحبه في التابوت، ثم ربطهن إلى قوائم التابوت، ثم خلى عنهن يردهن اللحم، فذهبن به ما شاء الله تعالى.
ثم قال لصاحبه: افتح فانظر ماذا ترى.
ففتح فقال: أنظر إلى الجبال....
كأنها الذباب..
!
قال: أغلق.
فأغلق، فطرن به ما شاء الله، ثم قال: افتح...
ففتح.
فقال: انظر ماذا ترى.
فقال: ما أرى إلا السماء، وما أراها تزداد إلا بعداً.
قال: صوّب الخشبة.
فصوّبها فانقضت تريد اللحم، فسمع الجبال هدتها فكادت تزول عن مراتبها.
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أخذ الذي حاجَّ إبراهيم عليه السلام في ربه نسرين صغيرين، فربّاهما حتى استغلظا واستعلجا وشبّا، فأوثق رجل كل واحد منهما بوتر إلى تابوت.
وجوّعهما وقعد هو ورجل آخر في التابوت، ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم فطارا وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟
قال: أرى كذا وكذا.
حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب.
قال: صوّب العصا.
فَصَوَّبَها فهبطا.
قال: فهو قول الله تعالى ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ وكذلك هي في قراءة ابن مسعود ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه، أن بخت نصر جوّع نسوراً، ثم جعل عليهن تابوتاً، ثم دخله وجعل رماحاً في أطرافها واللحم فوقها، فَعَلَتْ تذهب نحو اللحم حتى انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية، أين تريد؟
ففرق، ثم سمع الصوت فوقه فصوب الرماح فقوضت النسور، ففزعت الجبال من هدّتها، وكادت الجبال أن تزول من حسّ ذلك.
فذلك قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ كذا قرأها مجاهد.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال: إن نمرود صاحب النسور لعنه الله، أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلاً، ثم أمر بالنسور فاحتمل، فلما صعد قال لصاحبه: أي شيء ترى؟
قال: أرى الماء وجزيرة- يعني الدنيا- ثم صعد فقال لصاحبه: أي شيء ترى؟
قال: ما نزداد من السماء إلا بعداً.
قال: اهبط.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة، أن جبّاراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى من في السماء.
فسلط عليه أضعف خلقه، فدخلت بعوضة في أنفه فأخذه الموت، فقال: اضربوا رأسي.
فضربوه حتى نثروا دماغه.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ قال: انطلق ناس وأخذوا هذه النسور، فعلقوا عليها كهيئة التوابيت ثم أرسلوها في السماء، فرأتها الجبال فظنت أنه شيء نزل من المساء، فتحركت لذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: أمر الذي حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج من مدينته فلقي لوطاً على باب المدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به وقال: إني مهاجر إلى ربي.
وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة فراخ من فراخ النسور، فربّاهن بالخبز واللحم...
حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن، قرنهنّ بتابوت وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رجلاً من لحم لهن، فطرن حتى إذا دهم في السماء أشرف فنظر إلى الأرض وإلى الجبال تدب كدبيب النمل، ثم رفع لهن اللحم ثم نظر، فرأى الأرض محيطاً بها بحر كأنها فلكة في ماء، ثم رفع طويلاً فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، فألقى اللحم فأتبعته منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن قد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم يفعلن.
فذلك قوله: ﴿ وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ وهي في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ وإن كاد مكرهم ﴾ فكان طيورهن به من بيت المقدس، ووقوعهن في جبال الدخان.
فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً، أخذ في بنيان الصرح فبناه حتى أسنده إلى السماء، ارتقى فوقه ينظر يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ [ النحل: 26] يقول: من مأمنهم وأخذهم من أساس الصرح، فانتقض بهم....
وسقط فتبلبلت ألسنة الناس يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سميت بابل وكان قبل ذلك بالسريانية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ قال: عزيز والله في أمره يملي وكيده متين، ثم إذا انتقم انتقم بقدره.
وأخرج مسلم وابن جرير والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ثوبان رضي الله عنه قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في الظلمة دون الجسر» .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والحاكم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قلت: أين الناس يومئذ؟
قال على الصراط» .
وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: «أرض بيضاء كأنها فضة، لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: تبدل الأرض أرضاً بيضاء، كأنها سبيكة فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة.
قال البيهقي: الموقوف أصح.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن زيد بن ثابت قال: أتى اليهود النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه فقال: «جاؤوني...
سأخبرهم قبل أن يسألوني ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: أرض بيضاء كالفضة، فسألهم فقالوا: أرض بيضاء كالنقي» .
وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ قال: «أرض بيضاء، لم يعمل عليها خطيئة ولم يسفك عليها دم» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أنس بن مالك أنه تلا هذه الآية ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ﴾ قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة، لم يعمل عليها الخطايا، ثم ينزل الجبار عز وجل عليها.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب في الآية قال: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ زعم أنها تكون فضة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ قال: أرض كأنها فضة والسماوات كذلك.
وأخرج البيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ قال: يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها، وتمد مدّ الأديم العكاظي، أرض بيضاء مثل الفضة، لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة، والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها.
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه، عن سهل بن سعد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة نقي ليس فيها معلم لأحد» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفرة، نزلاً لأهل الجنة.
قال: فأتاه رجل من اليهود فقال: بارك الله عليك أبا القاسم...
ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟
قال: تكون الأرض خبزة واحدة يوم القيامة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟
قال: بلى.
قال: إدامهم ثور.
قالوا: ما هذا؟
قال هذا ثور بالأم، يأكل من زيادة كبدها سبعون ألفاً» .
وأخرج ابن مردويه عن أفلح مولى أبي أيوب رضي الله عنه، «أن رجلاً من يهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ ما الذي تبدل به؟
فقال: خبزة.
فقال اليهودي: درمكة بأبي أنت.
قال: فضحك ثم قال: قاتل الله يهود، هل تدرون ما الدرمكة؟
لباب الخبز» .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن ومن تحت قدميه.
وأخرج البيهقي في البعث عن عكرمة رضي الله عنه قال: تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: خبز يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل، عن أبي أيوب الأنصاري قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم حبر من اليهود وقال: أرأيت إذ يقول الله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟
قال: أضياف الله، لن يعجزهم ما لديه» .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية.
قال: بلغنا أن هذه الأرض تطوى وإلى جنبها أخرى، يحشر الناس منها إليها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب في الآية قال: تغير السموات جناناً ويصير مكان البحر ناراً، وتبدل الأرض غيرها.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: الأرض كلها نار يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ الآية.
قال: هذا يوم القيامة، خلق سوى الخلق الأوّل.
وأخرج البخاري في تاريخه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: «أين الأرض يوم القيامة؟
قال: هي رخام من الجنة» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ مقرنين في الأصفاد ﴾ قال: الكبول.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ مقرنين في الأصفاد ﴾ قال: في القيود والاغلال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ قال: في السلاسل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ يقول: في وثاق.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ [يعني مكرهم بالنبيّ وما همُّوا به من قتله أو نفيه (١) ﴿ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ (٢) ﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ أي: جزاؤه.
وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ (إن) هاهنا يعني بها: ما، واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد، ومن سبيلها نصبُ الفعل المستقبل، والنحويون يسمونها لام الجحود (٣) ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُم ﴾ ، و ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ ﴾ والجبال هاهنا مَثلٌ لأمر النبيّ وأمرِ دين الإسلام وأعلامِه ودلالتِه، على معنى أن ثبوته كثبوت الجبال الراسية؛ لأن أدته تعالى قد وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان، ويدل على صحة هذا المعنى قوله بعدُ: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ أي (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ (٨) ﴿ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ (٩) (١٠) (١١) قال أبو علي: وقد استعمل لفظ الجبال في غير هذا، في تعظيم الشيء وتفخيمه (١٢) إذا مِتُّ عن ذِكرِ القوافي فَلَنْ تَرَى ...
لها شَاعِرًا مِثلي أطَبَّ وأَشْعَرَا وأكثرَ بَيْتًا شَاعِرًا ضُرِبَتْ به ...
بُطُون جِبَالِ الشِّعْرِ حتَّى تَيَسَّرا (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ يعني الأمم الكافرة من قبل؛ وهم الذين ذُكروا في قوله: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ وهو معنى قول ابن عباس: يريد ما مكر نمرود بإبراهيم، يجوز أن يعني أيضًا مكر الكفار بالنبيّ كما ذكرنا، ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ ﴾ معنى (إنْ) على هذه القراءة المخففة من الثقيلة، قاله أبو علي (١٦) وقال أبو بكر: (إنْ) مع اللام يعني بها هاهنا: (قد)؛ كما يقول العربي: إنْ كان عبد الله لَيزورنا، يريد: قد كان، واللام في: ﴿ لِتَزُولَ ﴾ لام الجواب، والمستقبل بعدها مرفوع، والمعنى قد كانت الجبال تزول من مكرهم على تعظيم أمر مكرهم؛ كقوله: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾ .
وقال أبو إسحاق: وإن كان مكرُهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصرُ دينه (١٧) والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما لأهل المعاني، والثاني للمفسرين؛ أما أهل المعاني فإنهم قالوا: هذا مبالغة في وصف مكرهم بالعظيم، وإن لم يكن جبلٌ قط زال لمكرهم، فهذا على مذهب العرب في المبالغة؛ يقول: وإن كان مكرُهم قد بلغ من كِبَرِه وعِظَمِه أن يُزيلَ ما هو مثل الجبال في الامتناع على من (١٨) يدل على صحة ما ذكرنا قراءةُ جماعة من الصحابة: (وإن كاد مَكْرُهم لَتَزولُ) بالدال (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ألمْ تَرَ صَدْعًا في السَّمَاءِ مُبَيِّنًا ...
على ابنِ لُبَيْنى الحارثِ بن هِشَامِ (٢٤) وهذا ليس على أنه شوهد صدع في السماء، ولكنه مبالغة على معنى أن الأمر قد قرب من ذلك، ومثله كثير في الشعر، وذكر ابن قتيبة باب ما أفرطت الشعراء في وصفه، وأنشد أبياتًا كثيرة، ثم قال: وهذا كله علي المبالغة في الوصف، وينوون في جمعه (٢٥) (٢٦) لئن كنتَ في جُبٍّ ثَمانينَ قامةً ...
ورُقِّيتَ أسبابَ السماءِ بِسُلّم لَيسْتَدرِكَنَّكَ القَوْلُ حتَّى تَهِرّهُ ...
وتَعْلَمَ أني عنكم غيرُ مُنَجِّمِ (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال أبو بكر في قول الأعشى: تأويله لئن كنت فيما تَقْدِر ويُقَدَّر لك في قعر الأرض أو في السماء، لَيَصلنَّ إليك مني ما كره، لذلك معنى ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ : عند أنفسهم وفيما يقدّرون، فليس ينفعهم ذلك إذا كان الله قد وعد على ألسنة رسله ظهورَ الحق على الباطل.
وأما المفسرون فإنهم ذهبوا إلى قصة نمرود مع التابوت والنسور، وأن الجبال حين سمعت حفيف النسور والتابوت عند هبوطها ظنت أن ذلك أمرٌ من الله تعالى عظيم، وأن الساعة قد قامت ففزعت وزالت، وهذا يُروى عن علي - - ومجاهد وعكرمة (٣٠) قال مجاهد: كان ذلك بختنصر (٣١) (١) انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 211، وابن الجوزي 4/ 374، والفخر الرازي 19/ 144، والخازن 3/ 85.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).
(٣) هي لام زائدة بعد كون منفي -كان يكون- فينُصبُ المضارعُ بعدها بـ (أنْ) المضمرة، وهي حرف مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، ويسميها سيبويه (لأم النفي) ولها عدة شروط.
انظر: "المغني" ص 278، و"الشامل" ص 196، و"معجم القواعد العربية" للدقر ص 400.
(٤) ساقطة من (ش)، (ع)، وهي ثابتة في المصدرة "الحجة للقراء" 5/ 33.
(٥) نقل طويل من "الحجة للقراء" 5/ 31 - 33 من قوله: قال أبو علي، تصرف فيه بالاختصار والتوضيح، والتقديم والتأخير.
(٦) أخرجه الطبري 13/ 247 بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 543 بنصه تقريباً، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 360، وابن الجوزي 4/ 374، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 165، وعزاه إلى ابن الأنباري.
(٧) لم يقل الحسن -رحمه الله- هذا بلفظه، إنما ذكر الأمثلة التي دلت على معنى ذلك.
انظر: "تفسير الطبري" 13/ 247.
(٨) أي: ما كنا فاعلين.
(المصدر السابق).
(٩) أي: ما مكناكم فيه.
(المصدر السابق).
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 166، وهو اختيار الطبري 13/ 247، وقد صوّبه وأيدّه بعدة أمور، انظرها.
(١١) "الحجة للقراء" 5/ 31.
(١٢) "الحجة للقراء" 5/ 33 بنصه.
(١٣) "ديوان ابن مقبل" ص 136 وفيه: (لها تالياً) بدل (لها شاعراً)، (مارداً) بدل == (شاعراً الثانية)، (له) بدل (به)، (حُزُون) بدل (بُطُون) وورد في "الحجة للقراء" 5/ 33، و"الحلبيات" ص 197، و"تفسير الطوسي" 6/ 307، و"الشعر والشعراء" ص 298، وفيه: (تالياً بعدي) بدل (شاعراً مثلي)، والبيت الثاني يختلف كثيراً، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 108، وفيه: (حبال) بدل (جبال)، و"دلائل الإعجاز" للجرجاني ص 391، وفيه: (قائلاً بعدي) بدل (شاعراً مثلي)، وفي البيت الثاني: (سائراً) مكان (شاعراً)، و (حُزون) مكان (بُطون)، ومعنى (أطب) أعْرَف، (مارداً)؛ المارد: العاتي الشديد، ويريد به الجيد السائر، (حُزُون): جمع الحزن، وهو ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة.
(١٤) انظر: "السبعة" ص 363، و"علل القراءت" 1/ 290، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 337، و"الحجة للقراء" 5/ 31، و"التيسير" ص 135، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 713، و"النشر" 2/ 300، و"الإتحاف" ص 273.
(١٥) المصادر المسابقة.
(١٦) "الحجة للقراء" 5/ 32 بنصه.
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 167 بنصه.
(١٨) في جميع النسخ (ما) والتصويب من "الحجة للقراء" / 32 ليستقيم الكلام.
(١٩) قرأ بها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عباس، وأُبي بن كعب م، وهي قراءة شاذة.
انظر: "تفسير الطبري" 13/ 245، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 187، و"القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 74، و"المحتسب" 1/ 365، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 337، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 374، و"تفسير القرطبي" 9/ 380.
(٢٠) ساقطة من (أ)، (د).
(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 167.
(٢٢) لم أقف على مصدره، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 374، مختصراً.
(٢٣) "الحجة للقراء" 5/ 32.
(٢٤) ورد بلا نسبة في: "الحجة للقراء" 5/ 32، و"تفسير الطوسي" 6/ 307، وأبي حيان 6/ 218.
(٢٥) هكذا في جميع النسخ، ويحتمل أنها (جميعه) أي في جمغ ما ذكروا، وعلى المثبت أي ينوون في جمعه من الجمع وإن كان مفرداً.
(٢٦) لم أقف عليه في كتبه المطبوعة.
(٢٧) "ديوان الأعشى" ص 82، ورواية البيت الثاني تختلف عن الديوان، وهي: لَيَسْتَدرِجَنْكَ القولُ حتى تَهِرَّهُ ...
وتَعْلَمَ أني عنكَ لستُ بمُلْجَم وورد البيت الأول فقط في "الكتاب" 2/ 28، و"مجاز القرآن" 1/ 302، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 187، و"شرح المفصل" 2/ 74، و"اللسان" (ثمن) 1/ 509، (رقا) 3/ 1711.
(تهرّه): يقال هرّ الشيء يهُره ويهِره هرّاً وهريراً، أي كرِهَهُ، (مُنَجِّم): اسم فاعل من التنجيم، وهو الناظر في النجوم للتفكر والتدبر، وهو أيضاً ادعاء علم الغيب بالنظر في النجوم، وهو أيضاً التجْزِيىء؛ ومنه قولهم نزل القرآن منجماً وعلى هذه الرواية يكون المعنى: إن تهديدي لك ليس رجماً بالغيب كما هو قول المنجِّم، (ملجم) من اللجام وهو معروف؛ وهو حبل أو عصا تُدخل في فم الدابة وتلُزق إلى قفاه، والممسك عن الكلام مُمَثَّلُ بمن ألجم نفسه بلجام، وعلى هذه الرواية، == المعنى: إن لساني غير ملجم عنك؛ لأنها من قصيدة قالها يهجو عمير بن المنذر.
انظر: "اللسان" (لجم) 7/ 4002، (هرر) 8/ 4650، (نجم) 7/ 4358.
(٢٨) في (أ)، (د): (لا يرقك)، وفي (ش)، (ع): (لا تزول) والتصويب من المصدر.
(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 168 بنصه.
(٣٠) أخرجه الطبري 13/ 244 - 245، مفصلاً عن علي ومجاهد من طرق، وورد مفصلاً في "تفسير السمرقندي" 2/ 211 عن علي، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 454 عن عكرمة، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 360، وابن الجوزي 4/ 373، وما بعدها، و"تفسير القرطبي" 9/ 381، وابن كثير 2/ 596، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 166، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن علي - -.
وهذه القصة ظاهرة الوضع أو أنها إسرائيلية، إذ لم يرو فيها حديث مرفوع إلى النبيّ بل وردت الروايات موقوفة على علي - - بطرق مضطربة وبأسانيد فيها جهالة، كما أنها ليست من الطرِق المشهورة عن علي - - فضلاً أن تكون من الصحيحة، ولعل هذا سبب نفي ابن عطية صحة نسبتها لعلي - - كما ضعفها من== جهة المعنى، فقال: وذُكر ذلك عن علي بن أبي طالب - - وذلك عندي لا يصح عن علي، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الإنسر كما وُصف، وبعيد أن يُغرِّر أحد بنفسه في مثل هذا.
(8/ 265)، وقد انتقد الزجاج هذه القصة من قبل فقال: وقيل هذا في قصة النمرود بن كنعان، ولا أرى لنمرود هاهنا ذكرًا.
"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 167، وكذلك نقل الرازي تضعيفها فقال: قال القاضي لم أقف عليه: وهذا بعيد جدًّا لأن الخطر فيه عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر صحيح معتمد، ولا حجة في تأويل الآية البتة.
"تفسير الفخر الرازي" 19/ 144.
(٣١) أخرجه الطبري 13/ 244، مفصلاً، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 374، وابن كثير 2/ 596، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 166، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ﴾ أي جزاء مكرهم ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال ﴾ إن هنا نافية، واللام لام الجحود، والجبال يراد بها الشرائع والنبوات، شبهت بالجبال في ثبوتها، والمعنى مكرهم لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة؛ وقرأ الكسائي لتزول بفتح اللام ورفع تزول وإن على هذه القراءة مخففة من الثقيلة، واللام للتأكيد، والمعنى تعظيم مكرهم أي أن مكرهم من شدته تزول منه الجبال، ولكن الله عصم ووقى منه ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ يعني وعد النصر على الكفار، فإن قيل: هلا قال: مخلف رسله وعده، ولم قدم المفعول الثاني على الأول؟
فالجواب أنه قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً على الإطلاق، ثم قال: رسله، ليعلم أنه إذا لم يخلف وعد أحد من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه فقدم الوعد أولاً بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إني أسكنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ومن عصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ دعائي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب.
وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل.
والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين.
﴿ نؤخرهم ﴾ بالنون: عباس والمفضل في رواية أبي زيد.
الآخرون بالياء.
﴿ لتزول ﴾ بفتح الأول ورفع الآخر: عليّ.
الباقون بكسر الأول ونصب الآخر.
﴿ القهار ﴾ مثل ﴿ البوار ﴾ ﴿ قطر ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء والراء مكسورة منونة.
﴿ آن ﴾ على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على قراءته ﴿ آني ﴾ بالياء.
الوقوف: ﴿ الأصنام ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ج ﴿ مني ﴾ ج فصلاً بين النقيضين مع اتحاد الكلام ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المحرم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ليقيموا ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ أسكنت ﴾ وكلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ما نعلن ﴾ ط ﴿ ولا في السماء ﴾ ه لا ﴿ وإسحاق ﴾ ط ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ ومن ذريتي ﴾ ز قد قيل: {والوصل أولى للعطف ﴿ وربنا ﴾ تكرار ﴿ دعاء ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ط ﴿ الأبصار ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ طرفهم ﴾ ج لاحتمال أن قوله: ﴿ وأفئدتهم ﴾ يكون من صفات أهل المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا ﴿ هواء ﴾ ه ط ﴿ قريب ﴾ لا لأن قوله: ﴿ نجب ﴾ جواب ﴿ أخرنا ﴾ ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ زوال ﴾ ه لا للعطف على ﴿ أقسمتم ﴾ ﴿ الأمثال ﴾ ه ﴿ وعند الله مكرهم ﴾ ط ﴿ الجبال ﴾ ه ﴿ رسله ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ في الأصفاد ﴾ ه ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين ﴿ النار ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ ما كسبت ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه.
التفسير: إن قصة إبراهيم يحتمل أن تكون مثالاً للكلمة الطيبة وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكار لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديداً لبعض نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما بين العالمين كما قال: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً ﴾ .
وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله نبينا .
حكى الله عنه طلب أمور منها: قوله: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمناً ﴾ وقد مر في "البقرة" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك.
ولا ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، وللوحوش هناك استئناس ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.
وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟
فقال: الأمن دليله أن شاء لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناول شيئاً إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد.
ومنها قوله: ﴿ واجنبني ونبيّ أن نعبد الأصنام ﴾ قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد.
وأهل نجد: جنبني وأجنبني.
وفائدة الطلب - والاجتناب حاصل - التثبت والإدامة ولا أقل من هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي.
أما قوله: ﴿ وبني ﴾ فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنماً ببركة دعائه.
وقيل: أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته.
وقال مجاهد وابن عيينة: لم يبعد أحد من ولد إبراهيم صنماً وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب الأوثان يعني أحجاراً مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت.
وضعف هذا الجواب بأنه إذا عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه وصف آلهتهم بما ينبىء عن كونهم مصورين كقوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ .
وقيل: إن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ﴾ أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس من أهله كقوله لابن نوح ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وقيل: إنه وإن عمم الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: ﴿ ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ .
قالت الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف.
أما قوله: ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً ﴾ فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم "فتنتهم الدنيا وغرتهم" أي صارت سبباً للفتنة والاغترار بها ﴿ فمن تبعني ﴾ بقي على الملة الحنيفة ﴿ فإنه مني ﴾ أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي ﴿ ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب.
وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك.
وقيل: المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام.
وقيل: أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى.
ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال: ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي ﴾ أي بعضهم ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله: { ﴿ قرآناً عربياً غير ذي عوج ﴾ أي لا اعوجاج فيه أصلاً ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان.
وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك.
وفي قوله: ﴿ عند بيتك الحرام ﴾ دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما.
ومعنى كون البيت محرماً أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لأجل حرمته، وأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب.
وقيل: سمي محرماً لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف.
﴿ فاجعل أفئدة من الناس ﴾ "من" للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس.
قال مجاهد.
لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند.
وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجة اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين.
وجوز في الكشاف أن يكون "من" للابتداء كقولك "القلب مني سقيم".
وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس.
ومعنى ﴿ تهوي ﴾ تسرع ﴿ إليهم ﴾ وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً.
وقيل: تنحط وتنحدر.
الأصمعي: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليه للتجارة، وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: ﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حراماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء.
وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ لعلهم يشركون ﴾ ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة والوظائف الشرعية.
ثم أثنى على الله تمهيداً لدعوة أخرى وتعريضاً ببقية الحاجات فقال: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ﴾ على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة إلى العالم بالذات سيان.
وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟
قال: إلى الله أكلكم.
قال المفسررون: ﴿ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم.و"من" للاستغراق أي لا يخفى على الذين يستحق العبادة لذاته شيء ما في أيّ مكان يفرض.
﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ﴾ أي مع كبر السن وفي حال الشيخوخة ﴿ إسماعيل وإسحاق ﴾ ذكر أوّلاً كونه عالماً بالضمائر والسرائر، ثم حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله أن يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن ربي لسيمع الدعاء ﴾ وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله ، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إن ربي لسميع الدعاء ﴾ رمزاً إلى ما كان قد دعا ربه وسأله الولد بقوله: ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة.
وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين.
وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة.
ثم ختم الأدعية بقوله: ﴿ رب اجعلني مقيم الصلاة ﴾ أي مديمها ﴿ ومن ذريتي ﴾ أي واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام والله أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ ﴿ ربنا وتقبل دعائي ﴾ عن ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم وحسنات الأبرار سيئات المقربين.أما قوله: ﴿ ولوالدي ﴾ فاعترض عليه بأنه كيف استغفر لأبويه وهما كافران؟
وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله : ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطاً بإسلام أبيه لكان استغفاراً صحيحاً فلم يحتج إلى الاستثناء.
وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم "قامت الحرب على ساقها" أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو المضاف محذوف مثل ﴿ واسأل القرية ﴾ .
ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن دعاء إبراهيم قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً ﴾ إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن كان للنبي فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله إلا عالماً بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير.
وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.
قالت: لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلاً عن الظلم أو عاجزاً عن الانتقام أو راضياً بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ أي أبصارهم كقوله: ﴿ واشتعل الرأس ﴾ شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين قاله أبو عبيدة.
والغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله أن حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك البلاء.
وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع.
وقيل: هو الساكت ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ رافعيها وهذا أيضاً بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه لكيلا يراه ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ الطرف تحريك الأجفان على الوجه الذي خلق وجبل عليه.
وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم.
والمراد دوام الشخوص المذكور.
وقيل: أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ والهواء الخلاء الذي يشغله الأجرام.
وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضاً قلبه هواء.
والمعنى.
أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخوطر والأفكار لعظم ما نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب.
والأظهر أن هذه الحالة لهم عند المحاسبة لتقدم قوله: ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ وقيل: هي عندما يتميز السعداء من الأشقياء.
وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور.
وعن ابن جريج: أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه.
قال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ مفعول ثان لأنذروا اليوم يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو للمعلوم وهو عذاب النار.
ومعنى ﴿ أخرنا ﴾ أمهلنا ﴿ إلى ﴾ أمد وحد من الزمان ﴿ قريب ﴾ أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكراتولقاء الملائكة بلا بشرى ﴿ أو لم تكونوا ﴾ على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك.
وأقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً، وإما بلسان المقال أشراً وبطراً وجهلاً وسفهاً.
و ﴿ ما لكم من زوال ﴾ جواب القسم.
ولو قيل "ما لنا من زوال" على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية.
والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى هي دار الجزاء كقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ .
ثم زادهم توبيخاً بقوله: ﴿ وسكنتم ﴾ استقررتم ﴿ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ﴿ وتبين لكم ﴾ بالأخبار والمشاهدة والبيان والعيان ﴿ كيف فعلنا بهم ﴾ من أصناف العقوبات ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.
وقال غير: المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل.
ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: ﴿ وقد مكروا مكرهم ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.
وقيل: الضمير عائد إلى قوم محمد كما قال: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ﴾ وقيل: أراد ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربع نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت.
فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصيّ التي عليها اللحوم فهبطت النسور إلى الأرض.
وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا الخطر.
﴿ وعند الله مكرهم ﴾ إن كان مضافاً إلى الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن كان مضافاً إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون.
أما قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول ﴾ من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معداً لذلك.
وثانيهما أن تكون "إن" نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر.
ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى كما مر.
ثم إنه أكد كونه مجازياً لأهل المكر على مكرهم بقوله: ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ قال جار الله: قدم المفعول الثاني - وهو الوعد - على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق.
ثم قال: ﴿ رسله ﴾ تنبيهاً على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته.
والمراد بالوعد قوله: ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ ونحوهما من اللآيات.
قوله: ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ قد مر في أول "آل عمران" ﴿ يوم تبدل الأرض ﴾ قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من ﴿ يوم يأتيهم ﴾ أو على الظرف للانتقام.
والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف.
ومعنى قوله: ﴿ والسموات ﴾ أي وتبدل السموات قال أهل اللغة: التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك "بدلت الدراهم دنانير" وفي الأوصاف كقولك "بدلت الحلقة خاتماً" إذا أذبتها وسوّيتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل.
وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً.
وعن أبي هريرة أن النبي قال: "يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً" وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها.
نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم.
وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة.
وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف.
وقيل: لا يبعد أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة.
﴿ وبرزوا لله ﴾ قد ذكرناه في أول السورة.
وتخصيص ﴿ الواحد القهار ﴾ بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه.
ومن نتائج قهره قوله: ﴿ وترى المجرمين يومئذ مقرنين ﴾ قرن بعضهم مع بعض لأن الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم.
قالت الحكماء: هي الملكات الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان.
وقوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ أي القيود إما أن يتعلق بمقرنين وإما أن يكون وصفاً مستقلاً أي مقرنين مصفدين.
وقيل: الأصفاد الأغلال.
والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.
وحظ العقل فيه أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء.
﴿ سرابيلهم ﴾ جمع سربال وهو القميص ﴿ من قطران ﴾ هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدّته، وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر آثار الملكات الردية فيه.
ومن قرأ ﴿ من قطرآن ﴾ فالقطر النحاس والصفر المذاب والآني المتناهي حره.
قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به عن الكل.
قوله: ﴿ ليجزي ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿ تغشى ﴾ أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي ﴿ الله كل نفس ما كسبت ﴾ قال الواحدي: أراد نفوس الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم.
ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.
ثم أشار إلى القرآن إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: ﴿ ولا تحبسن الله غافلاً ﴾ إلى ههنا فقال ﴿ هذا بلاغ ﴾ كفاية ﴿ للناس ﴾ في التذكير والموعظة لينصحوا ﴿ ولينذروا به ﴾ بهذا البلاغ.
ثم رمز إلى استكمال القوّة النظرية بقوله: ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ وإلى استكمال القوة العملية بقوله: ﴿ وليذكر أولوا الألباب ﴾ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس بحسب القوتين والله ولي التوفيق.
التأويل: ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ الروح ﴿ رب اجعل ﴾ بلد القلب ﴿ آمناً ﴾ من وسوسة الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى ﴿ واجنبني وبني ﴾ هم الفؤاد والسر والخفى ﴿ أن نعبد الأصنام ﴾ وهو كل ما سوى الله.
فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفى الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات ﴿ ومن عصاني فإنك غفور ﴾ فيه نكتتان: إحداهما لم يقل "ومن عصاك" إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة، والثانية لم يقل "فأنا أغفره وأرحم عليه" لأن عالم الطبيعة البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق ﴿ أسكنت من ذريتي ﴾ هم صفات الروح والعقل والسر والخفى ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ وهو وادي النفس ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتاً لغير الله "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن".
وفيه أنه توسل في أجابة الدعاء بمحمد وكأنه قال: إن ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمداً.
وفي قوله: ﴿ ليقيموا الصلاة ﴾ إشارة إلى أنه لو لا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق ﴿ فاجعل أفئدة ﴾ الصفات الناسوتية ﴿ تهوي ﴾ إلى الصفات الروحانية ﴿ وارزقهم من ﴾ ثمرات الصفات اللاهوتية ﴿ لعلهم يشكرون ﴾ هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إنشاؤه ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي ﴾ من حقائق الدعاء ﴿ وما نعلن ﴾ من ظاهر القصة ﴿ وما يخفى على الله من شيء ﴾ في أرض المعاملات الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب ﴿ على الكبر ﴾ أي بعد تعلق الروح بالقالب ﴿ إسماعيل ﴾ السر ﴿ وإسحق ﴾ الخفي ﴿ مقيم الصلاة ﴾ دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ استرني وامنحني بصفة معرفتك ﴿ ولوالدي ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ونقصانها لأكون في حساب الكاملين لا في حساب الناقصين.
﴿ ولا تحسبن ﴾ أي لم يكن ﴿ الله غافلاً ﴾ في الأزل بل الكل بقضائه وقدره ﴿ وإنما يؤخرهم ﴾ ليبلغوا إلى ما قدر لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة والشقاوة إلى منازلهم ﴿ ما لكم من زوال ﴾ فيه من إبطال مذهب التناسخية.
زعموا أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ﴾ تعلقتم بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة ﴿ وعند الله ﴾ مقدار ﴿ مكرهم وإن كان مكرهم ﴾ بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك شعرة إلا بإذن الله بقضائه ﴿ يوم تبدل ﴾ أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عن إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ وحينئذ ﴿ برزوا لله الواحد القهار ﴾ فإن شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية.
﴿ وترى المجرمين ﴾ يوم التجلي ﴿ مقرنين ﴾ في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله.
﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله ﴿ وتغشى وجوههم ﴾ نار الحسرة والقطيعة ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ الذين نسوا عالم الوحدة ﴿ وليذروا به ﴾ قبل المفارقة فإن الانتباه بالموت لا ينفع ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ فيعبدوه ولا يتخذوا إلهاً غيره من الدنيا والهوى والشيطان ﴿ وليتذكر أولوا الألباب ﴾ عالم الشهود فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .
قال بعضهم: المخاطب بهذا الرسول خاصة؛ على علم منه أن رسول الله كان لا يظن أن الله يغفل عما يعمل الظالمون؛ لكنه خاطب به كما خاطب به في قوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ وأمثاله، نهاه مع العلم أنه لا يغفل ذلك، وأصله في هذا أن العصمة لا ترفع المحنة، وليس المحنة إلا الأمر والنهي؛ إذ لو رفعت العصمة المحنة؛ والأمر والنهي؛ لذهبت فائدة العصمة، ولا حاجة تقع إليها، فدل أن العصمة تزيد في المحنة، ومع المحنة يحتاج إليها وينتفع بها.
ويحتمل أن يكون الخطاب بالآية غيره، كل ظانّ يظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم؛ وهو كما خاطب بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ إنما خاطب به كل غارّ بربه الكريم لا كل إنسان، فعلى ذلك خاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ كل ظانّ بالله الغفلة عن ظلم الظالمين، ثم إن الذي حملهم على الظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم - حلمه، وتأخيره العذاب عنهم عن وقت ظلمهم، وترك أخذهم بذلك: فمنهم من ادعى الغفلة عن ذلك؛ لما رأوا من عادة ملوك الأرض أن من ظلم [أحداً] منهم انتقم منه في أعجل وقت يقدر على الانتقام منه؛ فحمل تأخير الله العذاب منهم؛ والانتقام منهم - على القول بالغفلة.
ومنهم من ادعى الرضا؛ بما اختاروا هم من الشرك والكفر بالله، وادعوا الأمر بذلك؛ لما لم يأخذهم ولم يستأصلهم بصنيعهم؛ فاستدلوا بذلك [على] رضاه بفعلهم، وأمره أياهم بذلك.
فأخبر رسوله أن تأخيره العذاب عنهم وإمهاله إياهم - ليس عن غفلة [عنه] ولا عن سهو، ولا لرضاه به وأمره ولكن إنما يؤخرهم ليوم، ثم وصف ذلك اليوم؛ لشدة فزعه وهوله فقال.
﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: هذا كله يرجع إلى الطرف والبصر؛ يقول: شاخصة أبصارهم مهطعين: ناظرين إليه؛ أي: إلى الداعي، مقنعي رءوسهم: رافعي رءوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم؛ لهول ذلك اليوم، هذا كله يصرفون إلى الأبصار دون النفس؛ لأن الإهطاع والإقناع: هو للنظر ولشخوص الأبصار.
ومنهم من صرف قوله: ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ ﴾ ، و ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ إلى البصر، وصرف قوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ إلى الأنفس؛ وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ أي: مسرعين إليه الإجابة؛ رجاء التخلص والنجاة عما حل بهم؛ بترك الإجابة.
والإهطاع: قيل: هو النظر الدائم، والإقناع: هو الرفع؛ رفع الرءوس، مهطعين: أي: مديمي النظر، مقنعي رءوسهم أي: رافعيها، وعلى تأويل بعضهم: مسرعين؛ عل ما ذكرنا.
وقال بعضهم: ﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ : أي: رافعيها؛ ملتزقة إلى أعناقهم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .
[يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ ] وقت خلقه الخلق وإنشائهم؛ عما يكون منهم من الظلم؛ أي: لا عن غفلة وسهو عن ظلم الظالمين أنشأهم وخلقهم؛ ولكن على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم؛ لكن أنشأهم على علم منه، [بذلك؛ لأن منافع ما يكون منهم وضرره يرجع إليهم؛ فلم يخرج إنشاؤه إياهم على علم منه ذلك] عن الحكمة.
والثاني: ما ذكرنا أن تأخيره العذاب عنهم - ليس لغفلة منه بذلك؛ ولكن لما في أخذهم بالعذاب وقت صنيعهم زوال المحنة؛ لأنه يصير العذاب والثواب مشاهدة.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ .
[قيل]: خالية؛ لهول ذلك اليوم؛ أي: خالية عن التدبير؛ لأن في الشاهد أن من بلي ببلايا وشدائد يتدبر ويتفكر في دفع ذلك؛ فيخبر أن أفئدتهم هواء يومئذ: أي خالية عن التدبير؛ إذ أفئدتهم لا تكون معهم؛ لشدة أهواله.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ أي: لا شيء فيها؛ ما ينتفعون بها، وهكذا الهواء - هواء كل شيء - يوصف بالخلاء عن كل شيء.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ قولهم الذي يقولون يومئذ: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ الذي يحل بهم.
ثم أخبر عما يقولون - إذا حل بهم العذاب -: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال بعضهم: إلى الدنيا؛ والدنيا أجلها قريب، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن الدنيا أولى، والآخرة آخرة، فلو جاز هذا لتكون الآخرة أولى؛ فذلك بعيد؛ لكن طلبوا - والله أعلم - الردّ إلى حال الأمن؛ ليجيبوا داعيه؛ إذ لم تنفعهم إجابتهم في حال الخوف والهول، وما حل بهم إنما حل بتركهم [الإجابة] في حال الأمن؛ فطلبوا الرد إلى الأمن؛ ليجيبوا داعيه لتنفعهم إجابتهم؛ حيث قالوا: ﴿ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ .
لم يبين بما أقسموا في هذه الآية؛ وهو ما بين في آية أخرى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ : قال قائلون: ما لكم من زوال من الدنيا، أي: كنتم تقولون: أن ليس إلا الدّنيا لا زوال لنا عنها؛ أحياء وموتى؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا...
﴾ الآية [المؤمنون: 37] على ما ذكر من قسمهم أنهم لا يبعثون.
وقال قائلون: قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ جواب لسؤالهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ على الاستئناف؛ قال: ما لكم عما أنتم فيه من العذاب إلى ما تسألون من المدة والتأخير؛ أي: ما لكم إلى ذلك سبيل.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ : أي: تنزع قلوبهم؛ حتى صارت في حناجرهم؛ فلا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أماكنها؛ لشدة هول ذلك اليوم وفزعهم عليه، وهو على التمثيل والكناية؛ كقولهم: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 10]؛ لشدة خوفهم، وهو على التمثيل؛ إذ لا يحتمل بلوغ القلوب الحناجر في الدنيا حقيقة؛ إذ لو بلغت ذلك لخرجت فماتوا، إذ الدنيا يحتمل الموت فيها، فدلّ أن ذلك على التمثيل لشدّة خوفهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ بتكذيبهم الرسل.
[وتأويله - والله أعلم -: أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن؛ ليجيبوا بقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ﴾ ؛ والله أعلم، فقال: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ؛ بتكذيبهم الرسل]؛ أي: سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم؛ فرأيتم ما نزل بأولئك الذين صنعوا مثل صنيعكم.
وذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ من التعذيب والاستئصال ثم لم يتعظوا بما حلّ بهم، فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما حلّ بكم في هذه الحال، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ فيما يقولون: إنهم يجيبون دعوته، هذا - والله أعلم - تأويله.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ : أي: عملتم مثل أعمالهم، ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ من الاستئصال بالتكذيب؛ بتكذيبهم الرسل؛ فلم تتعظوا بذلك؛ فلا تتعظون بهذا أيضاً إذا رددتم.
والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: دلالة لزوم النظر والاستدلال، ولزوم القياس، ودلالة لزوم العقوبة؛ وإن كان لم يعلموا به؛ بعد أن مكنوا من العلم به.
أما دلالة النظر والاستدلال: هو قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ : فهلا نظرتم ما حلَّ بهم من تكذيبهم الرسل؛ واتعظتم به.
ودلالة القياس: هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك؛ لأنهم أشتركوا في المعنى الذي نزل بأولئك؛ ما نزل وهو تكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ : أي: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ ؛ ما لو تفكرتم فيها ونظرتم ثم لكان ذلك لكم موعظة وزجراً عن مثل صنيعكم.
أو يقول: وضربنا لكم الأمثال: أي: قد بينّا لكم الأمثال والأشباه ما يعرفكم؛ لو تأملتم أن أولئك لكم أشباه وأمثال، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال؛ فينزل بكم ما نزل بهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ﴾ .
[مكروا] واحتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 30] وكيدهم الذي ذكر - في غير آي من القرآن - برسل الله؛ حتى قال الرسل فيكيدوني جميعاً، ومكروا أيضاً بدين الله الذي أتت به الرسل، مكروا واحتالوا على إطفاء ذلك النور؛ فأبى الله ذلك عليهم، وأظهر دينه، وأبقى نوره إلى يوم القيامة، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ ، كأن مكرهم وحيلهم يرجع - في أحد التأويلين - إلى أنفس الرسل حين هموا وتعمدوا إهلاكهم.
والثاني: يرجع إلى إطفاء الدِّين؛ [الذي] أتى به الرسل؛ والنور الذي دعوا إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ .
يحتمل: عند الله جزاء مكرهم؛ الذي مكروا برسل الله وبدينه.
[أو] ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ : أي: عند الله العلم بمكرهم، محفوظ ذلك عنده، لا يفوت ولا يذهب عنه شيء؛ فيجزيهم بذلك في الآخرة.
أو ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ : أي: عند الله الأسباب التي بها مكروا، من عند الله استفادوا؛ وهو النعم التي أعطاهم، والأموال التي ملكهم، والعقول التي ركب فيهم؛ بما قدروا على المكر والاحتيال عند الله [، ذلك كله،] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴾ .
اختلف في تلاوته، وقراءته، وتأويله: قرأ بعضهم: (وإن كاد مكرهم) بالدال؛ وهو حرف عبد الله بن مسعود، وأبي، وابن عباس م.
وقرأ بعضهم (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ) بالنون.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ .
وقال الحسن وغيره: و (إن) بمعنى: (ما)، أي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، و (إن) بمعنى: (ما) كثير في القرآن، كقوله: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ أي: ما كنا فاعلين؛ وكقوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ أي: ما نحن إلا بشر مثلكم.
وقد تستعمل (إن) في موضع (قد)؛ كقوله: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ أي: قد كان وعد ربنا لمفعولا.
فمن حمله على (ما) فقد استهان بمكرهم، واستخف به؛ فقال: إن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، والجبال أوهن وأسرع زوالا من رسالة الرسل ودين الله، بل رسالة الرسل؛ ودين الله [أثبت من الجبال، لأن دين الله] ورسله معهما حجج الله وبراهينه، فإذا لم يعمل مكرهم في إزالة الجبال - لا يعمل في إزالة دين الله ورسالة الرسل، ومعهما الحجج والبراهين.
ومن قال: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ : قد حمله على الاستعظام بمكرهم.
وعلى ذلك: من قرأ [(كاد)] بالدال على الاستعظام بمكرهم؛ كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ من عظيم ما قالوا في الله كادت السماوات أن تنشق، فعلى ذلك مكرهم جميعاً الوجهين: أن يستهان مرة ويستعظم؛ إلا أن يقال: إن كلمتهم من حيث الشرك والكفر عظيمة، ومن حيث احتيالهم ومكرهم - في إزالة ذلك النور وإطفائه - ضعيفة.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ .
الخطاب به يحتمل ما ذكرنا: أي: لا تحسبن أن ما تأخر؛ من نزول ما وعد؛ أنه يخلف وعده الذي وعد رسله؛ كما لم يكن تأخير العذاب عنهم؛ من وقت ظلمهم عن غفلة وسهو، ولكن كان وعده إلى ذلك الوقت، وخلف الوعد في الشاهد من الخلق - إنما يكون لوجهين: أحدهما: لما لا يملك إنجاز ما وعد.
والثاني: لما يضره الإنجاز، فتعالى الله عن ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .
قال بعضهم: عزيز: لا يعجزه شيء.
وقيل: عزيز: قاهر يقهر ويذل؛ فالخلائق كلهم أذلاء دونه.
وقوله: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ : أي: غالب قاهر ذو انتقام لأوليائه من أعدائهم؛ أي: غالب الأعداء وقاهرهم، وناصر الأولياء.
وأما ما قال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴾ .
إنه نزل في [شأن نمرود] وإنه اتخذ تابوتاً، وربط ثوراً على قوائمه، وما ذكروا إلى آخره - فلا علم لنا إلى ذلك، وأظنه أنه كله خيال، فلا نقول إلا القدر الذي ذكر في الآية.
و "لَتزولُ" بنصب اللام [الأولى] وبرفع الآخرة: على معنى التوكيد، و ﴿ لِتَزُولَ ﴾ بكسر [اللام] [الأولى] ونصب الآخرة: على الجحد؛ أي: ما كانت الجبال لتزول من مكرهم، وهو ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ .
قال الحسن: تفنى هذه الأرض، ثم تعاد من ساعته مستوية، لا شجر فيها، ولا جبال، ولا آكام، قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً.
وقال بعضهم: تبدل هذه الأرض أرضاً غير هذه؛ بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها بالمعاصي، وكذلك السماوات.
ومنهم من يقول: لا تبدل عينها؛ ولكن يتغير صفتها وزينتها؛ كما يقول الرجل لآخر: تبدلت يا فلان، ولا يريد تبدل أصله وعينه؛ ولكن تغير الأخلاق والدِّين، فعلى ذلك ما ذكر من تبديل الأرض والسماوات.
والأشبه أن يكون على اختلاف الأحوال؛ لأنه ذكر في آية: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ وقال: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ﴾ ، ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ و ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ ﴾ وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ الفرقان: 23] ذكر مرة تمد الأرض، وذكر مرة أنها تخبر وتحدث عما عمل عليها، وذكر في السماء بالتشقق والانفطار، وفي الجبال بالسير والمرور مرة؛ ومرة بالرفع ومرة أخبر أنه جعلها هباء منثورا وأمثاله.
فيشبه أن يكون هذا كله على اختلاف الأحوال والأوقات؛ إذ يوم القيامة يوم ممتدّ؛ فيكون كل ما ذكر على ما قال يومئذ؛ ﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ؛ قال في آية: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] وقوله: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فهو - والله أعلم -: على اختلاف الأحوال والأوقات، فعلى ذلك الأول، والله أعلم بذلك.
وتبديل الأرض والسماوات: يحتمل وجهين: أحدهما: تبديل أهلها على ما يذكر؛ الأرض والقرية، والمراد منها الأهل؛ كقوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً...
﴾ الآية [النحل: 112] ونحوه كثير.
والثاني: تبديل نفس الأرض.
ثم يحتمل كل واحد من الوجهين وجهين: إما تبديل أهلها: هو أن يكونوا مستسلمين خاضعين له في ذلك، ولم يكونوا في الدنيا [كذلك].
والثاني: تبدل أهلها: هو أن يكون الأولياء في النعم الدائمة، واللذة الباقية، والأعداء في عذاب وألم وشدة، وكانوا في هذه الدنيا جميعاً مشتركين - الأولياء والأعداء - في اللذات والآلام.
فإن كان تبديل نفس الأرض - فهو يخرج على وجهين [أيضاً]: أحدهما: تبديل زينتها وصفتها.
والثاني: تبديل عينها وجوهرها؛ وهو ما ذكر: أن أرض الجنة تكون من مسك وزعفران، ونحو ما روي في الخبر والله أعلم.
كأنّ قوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ ﴾ صلة قوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ...
﴾ الآية فقالوا: متى يكون ذلك؟
فقال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ ﴾ يخرج جواباً لسؤالهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ .
قد ذكرنا تخصيص بروزهم لله يوم القيامة أنه - والله أعلم - أنشأ هذا العالم الأول للعالم الثاني، فالعالم الثاني هو المقصود في إنشاء هذه العالم، فخص بروزهم يومئذ له؛ لما هو المقصود في إنشائهم.
وقال قائلون: تخصيص البروز له يومئذ؛ لأنهم يخرجون من قبورهم للحساب لا لغيره، فهو يحاسبهم؛ فأضاف البروز إليه؛ لما لا يخرجون إلا له، وأما في الدنيا: فإنما يخرجون لحوائج أنفسهم؛ لذلك خرج التخصيص له والإضافة.
وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: برزوا له مستسلمين خاضعين، قابلين طائعين، ولم يكونوا في الدنيا كذلك.
والثاني: يبرزون له؛ لما وعدوا وأوعدوا؛ بارزون لوعده ولوعيده، ولما دعوا إليه، ورغبوا فيه.
والثالث: يبرزون له؛ لما لا يملكون إخفاء أنفسهم وسترها؛ بل ظاهرين له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ .
[الواحد:] الذي لا شريك له، والقهار: يقهر الخلائق كلهم؛ ويغلبهم: الجبابرة، والفراعنة.
أو يبرزون له ليجزيهم، على ما ذكر ﴿ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ .
وذكر ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ : قيل: (القطر) هو النحاس [و (آن) أي: قد انتهى حره، كقوله: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ .
وقيل: الصفر وقال بعضهم ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ أي: من نحاس أنى لهم أن يعذبوا به].
وقال بعضهم: هو من القطران المعروف الذي يطلى به الإبل؛ ذكر هذا لأنه أشدّ إحراقاً واشتعالا.
وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: جعل الله عذاب الكفرة في الآخرة بالأسباب والأشياء التي كانوا يفتخرون بها في الدنيا؛ من اللباس والشراب والأصحاب؛ وغيره، وهو كان سبب منعهم عن إجابة الرسل فيما دعوهم إليه، فجعل تعذيبهم في الآخرة بذلك النوع من النار؛ فقال: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ يقرن ويقيض بعضهم ببعض؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...
﴾ الآية [الزخرف: 36]؛ لأنه كان يتبعه ويأتمر بأمره؛ وكقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...
﴾ الآية [الصافات: 22]، وكذلك الرؤساء منهم، والمتبوعون.
وقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ لما كانوا يفتخرون في الدنيا بلباسهم، وكذلك كل نوع [كانوا] يفتخرون به في الدنيا، ويمنعهم عن الإجابة؛ إجابة الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
والأصفاد: قيل: الأغلال؛ أي: قد قرن بعضه إلى بعض في الأغلال، واحدها: صفد؛ وهو قول القتبي، وكذلك قول أبي عوسجة في الأصفاد، إلا أنه قال: واحدها: صفاد، والصفد العطيّة.
﴿ سَرَابِيلُهُم ﴾ : قمصهم، واحدها: سربال.
﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ : القطر - ما ذكرنا - النحاس، والآن الذي [قد] اشتد حره، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.
ذكر هذه المواعيد والشدائد، وأنواع ما يعذبون به في الآخرة، ونعيمها على ألسن من قد ظهر صدقهم بالآيات والحجج؛ ليحذروا ما أوعدوا، ويرغبوا فيما رغبوا لئلا يكون لهم الاحتجاج يومئذ؛ كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ وقوله: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 42] ونحوه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ .
لأن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم؛ فلا يقدرون أن يتّقوا النار بأيديهم ذكر هذا؛ لأن في الشاهد: من [أصاب وجهه] أذىً يتقي عنه بيده، فيخبر أنهم إنما يتقون ذلك بوجوههم.
والله أعلم.
﴿ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ .
لما ذكرنا؛ يبرزون لله؛ ليجزيهم من خير وشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
قال بعضهم: كان قد جاء حسابه.
والثاني: ذكر هذا؛ لأن الحساب إنما يبطئ لما لا يتذكر من له الحساب لمن يحاسبه في الشاهد - فيما يحاسبه، فيطول الحساب أو الاشتغال بشيء [يشغله] عنه، أو لجهل بالحساب.
فأمّا الله وتعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يشغله شيء عن شيء، كله محفوظ عنده؛ فهو سريع الحساب.
والله أعلم.
أو نقول: إنما يطول الحساب في الشاهد؛ ويمتد لما يحتاج إلى التفكر [والنظر] والتذكر في ذلك، فالله متعال عن التفكر والنظر، بل كل شيء محفوظ عنده.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ ﴾ : القرآن؛ هو بلاغ للناس، على ما ذكر في صدر السورة: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ...
﴾ الآية [إبراهيم: 1] هو بلاغ على ما ذكر.
والله أعلم.
﴿ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ : أي: بالقرآن أيضاً على ما ذكر: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ ﴾ ما ذكر من المواعيد؛ وهو قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ أي: هذا الذي ذكر بلاغ يبلغهم لا محالة، ولينذروا بما ذكر.
﴿ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
لا شريك له؛ بالآيات التي أقامها على وحدانية الله وألوهيته.
﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ \[أي: ذوو العقول، والله أعلم\].
وقد دبر هؤلاء النازلون في مساكن الأمم الظالمة المكايد لقتل النبي محمد ، والقضاء على دعوته، والله يعلم تدبيرهم لا يخفى عليه منه شيء، وتدبير هؤلاء ضعيف، فهو لا يزيل الجبال ولا غيرها لضعفه، خلافًا لمكر الله بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.7yz2G"