تفسير الآية ١٤ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ١٤ من سورة الحجر

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٤ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم بابا من السماء ، فجعلوا يصعدون فيه ، لما صدقوا بذلك

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله ( فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) فقال بعضهم: معنى الكلام: ولو فتحنا على هؤلاء القائلين لك يا محمد لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بابا من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه وهم يرونهم عيانا( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ).

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) يقول: لو فتحنا عليهم بابا من السماء ، فظلت الملائكة تعرج فيه، لقال أهل الشرك: إنما أخذ أبصارنا، وشبِّه علينا، وإنما سحرنا ، فذلك قولهم: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس ( فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) فظلت الملائكة يعرجون فيه يراهم بنو آدم عيانا( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قال: ما بين ذلك إلى قوله ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) قال: رجع إلى قوله لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ ما بين ذلك.

قال ابن جريج ، قال ابن عباس: فظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم ( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) قال: قريش تقوله.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) قال: قال ابن عباس: لو فتح الله عليهم من السماء بابا فظلت الملائكة تعرج فيه، يقول: يختلفون فيه جائين وذاهبين ( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ).

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) يعني: الملائكة: يقول: لو فتحتُ على المشركين بابا من السماء، فنظروا إلى الملائكة تعرج بين السماء والأرض، لقال المشركون ( نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) سحرنا وليس هذا بالحقّ.

ألا ترى أنهم قالوا قبل هذه الآية لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمر، عن نصر، عن الضحاك، في قوله ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) قال: لو أني فتحت بابا من السماء تعرج فيه الملائكة بين السماء والأرض، لقال المشركون ( بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) إلا ترى أنهم قالوا لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .

وقال آخرون: إنما عُني بذلك: بنو آدم.

ومعنى الكلام عندهم: ولو فتحنا على هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بابا من السماء فظلوا هم فيه يعرجون ( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ).

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) قال قتادة، كان الحسن يقول: لو فعل هذا ببني آدم فظلوا فيه يعرجون أي يختلفون ( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ).

وأما قوله ( يَعْرُجُونَ ) فإن معناه: يرقَوْن فيه ويَصْعَدون، يقال منه: عرج يعرُج عُروجا إذا رَقَى وصَعَد، وواحدة المعارج: معرج ومعراج، ومنه قول كثير: إلـى حَسَـبٍ عَـوْدٍ بَنـا الْمـرءَ قبْلَهُ أبُــوهُ لَــهُ فِيــه مَعـارِجَ سُـلَّمِ (6) وقد حُكي عرِج يعرج بكسر الراء في الاستقبال.

------------------------ الهوامش: (6) لم أجد البيت في ديوان كثير طبع الجزائر ، والحسب : الشرف الثابت في الآباء ، والعود : القديم ، وبنا ( بالألف) ، بينو لأنه من بناء الشرف والمجد ، والمعارج : جمع معرج ( بكسر الميم وفتحها ) وهو ما يعرج فيه ، أي يصعد.

.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجونيقال : ظل يفعل كذا ، أي يفعله بالنهار .

والمصدر الظلول .

أي لو أجيبوا إلى ما اقترحوا من الآيات لأصروا على الكفر وتعللوا بالخيالات ; كما قالوا للقرآن المعجز : إنه سحر .

يعرجون من عرج يعرج أي صعد .

والمعارج المصاعد .

أي لو صعدوا إلى السماء وشاهدوا الملكوت والملائكة لأصروا على الكفر ; عن الحسن وغيره .

وقيل : الضمير في عليهم للمشركين .

وفي فظلوا للملائكة ، تذهب وتجيء .

أي لو كشف لهؤلاء حتى يعاينوا أبوابا في السماء تصعد فيها الملائكة وتنزل لقالوا : رأينا بأبصارنا ما لا حقيقة له ; عن ابن عباس [ ص: 9 ] وقتادة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولو جاءتهم كل آية عظيمة لم يؤمنوا وكابروا { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء } فصاروا يعرجون فيه، ويشاهدونه عيانا بأنفسهم لقالوا من ظلمهم وعنادهم منكرين لهذه الآية: { إنما سكرت أبصارنا } أي: أصابها سكر وغشاوة حتى رأينا ما لم نر، { بل نحن قوم مسحورون } أي: ليس هذا بحقيقة، بل هذا سحر، وقوم وصلت بهم الحال إلى هذا الإنكار، فإنهم لا مطمع فيهم ولا رجاء

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو فتحنا عليهم ) يعني : على الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة ( بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ) أي : فظلت الملائكة يعرجون فيها ، وهم يرونها عيانا ، هذا قول الأكثرين .

وقال الحسن : معناه فظل هؤلاء الكفار يعرجون فيها أي : يصعدون .

والأول أصح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه» في الباب «يعرجون» يصعدون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو فتحنا على كفار "مكة" بابًا من السماء فاستمروا صاعدين فيه حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب ملكوت الله، لما صدَّقوا، ولقالوا: سُحِرَتْ أبصارنا، حتى رأينا ما لم نرَ، وما نحن إلا مسحورون في عقولنا من محمد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة برسم صورة عجيبة لعناد هؤلاء المكذبين ولجحودهم للحق بعدما تبين فقال : ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ) .وقوله - سبحانه - ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء .

.

) معطوف على قوله ( لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ .

.

) لإِبطال معاذيرهم ، ولبيان أن سبب عدم إيمانهم هو الجحود والعناد ، وليس نقصان الدليل والبرهان على صحة ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم .قال الإِمام الرازى .

وقوله - تعالى - ( فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ) يقال : ظل فلان نهاره يفعل كذا ، إذا فعله بالنهار ، ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل بالنهار ، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل ، والمصدر الظلول .ويعرجون : من العروج ، وهو الذهاب فى صعود ، وفعله من باب دخل ، يقال عرج فلان إلى الجبل يعرج إذا صعد ، ومنه المعراج والمعارج أى المصاعد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القوم لما أساؤوا في الأدب وخاطبوه بالسفاهة وقالوا: إنك لمجنون، فالله تعالى ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء هكذا كانت.

ولك أسوة في الصبر على سفاهتهم وجهالتهم بجميع الأنبياء عليهم السلام، فهذا هو الكلام في نظم الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية محذوف والتقدير: ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.

وقوله: ﴿ فِى شِيَعِ الأولين ﴾ أي في أمم الأولين وأتباعهم.

قال الفراء: الشيع الأتباع واحدهم شيعة وشيعة الرجل أتباعه، والشيعة الأمة سموا بذلك، لأن بعضهم شايع بعضاً وشاكله، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً  ﴾ قال الفراء: وقوله: ﴿ فِى شِيَعِ الأولين ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله: ﴿ حَق اليقين  ﴾ وقوله: ﴿ بِجَانِبِ الغربي  ﴾ وقوله: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة  ﴾ أما قوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ أي عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء والرسل ذلك الاستهزاء بهم كما فعلوا بك ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة أمور.

الأول: أنهم يستثقلون التزام الطاعات والعبادات والاحتراز عن الطيبات واللذات.

والثاني: أن الرسول يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة ومذاهبهم الباطلة، وذلك شاق شديد على الطباع.

والثالث: أن الرسول متبوع مخدوم والأقوام يجب عليهم طاعته وخدمته وذلك أيضاً في غاية المشقة.

والرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون فقيراً ولا يكون له أعوان وأنصار ولا مال ولا جاه فالمتنعمون والرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة.

والخامس: خذلان الله لهم وإلقاء دواعي الكفر والجهل في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصلي؛ فلهذه الأسباب وما يشبهها تقع الجهال والضلال مع أكابر الأنبياء عليهم السلام في هذه الأعمال القبيحة والأفعال المنكرة.

أما قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط والرمح في المطعون، وقيل: في قوله: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  ﴾ أي أدخلكم في جهنم.

وذكر أبو عبيدة وأبو عبيد: سلكته وأسلكته بمعنى واحد.

المسألة الثانية؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار، فقالوا: قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي كذلك نسلك الباطل والضلال في قلوب المجرمين، قالت المعتزلة: لم يجر للضلال والكفر ذكر فيما قبل هذا اللفظ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائداً إليه لا يقال: إنه تعالى قال: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وقوله: ﴿ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ يدل على الاستهزاء، فالضمير في قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ عائد إليه، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال، فثبت صحة قولنا المراد من قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ هو أنه كذلك نسلك الكفر والضلال والاستهزاء بأنبياء الله تعالى ورسله في قلوب المجرمين، لأنا نقول: إن كان الضمير في قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ عائداً إلى الاستهزاء وجب أن يكون الضمير في قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ عائداً أيضاً إلى الاستهزاء لأنهما ضميران تعاقبا وتلاصقا، فوجب عودهما إلى شيء واحد فوجب أن لا يكونوا مؤمنين بذلك الاستهزاء، وذلك يوجب التناقض، لأن الكافر لابد وأن يكون مؤمناً بكفره، والذي لا يكون كذلك هو المسلم العالم ببطلان الكفر فلا يصدق به، وأيضاً فلو كان تعالى هو الذي يسلك الكفر في قلب الكافر ويخلقه فيه فما أحد أولى بالعذر من هؤلاء الكفار، ولكان على هذا التقدير يمتنع أن يذمهم في الدنيا وأن يعاقبهم في الآخرة عليه، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على هذ الوجه فنقول: التأويل الصحيح أن الضمير في قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ عائد إلى الذكر الذي هو القرآن فإنه تعالى قال قبل هذه الآية: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ وقال بعده: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين، والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ويخلق فيها العلم بمعانيه وبين أنهم لجهلهم وإصرارهم لا يؤمنون به مع هذه الأحوال عناداً وجهلاً، فكان هذا موجباً للحوق الذم الشديد بهم، ويدل على صحة هذا التأويل وجهان: الأول: أن الضمير في قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ عائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون الضمير في قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ عائداً إليه أيضاً لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد.

والثاني: أن قوله: ﴿ كذلك ﴾ معناه: مثل ما عملنا كذا وكذا نعمل هذا السلك فيكون هذا تشبيهاً لهذا السلك بعمل آخر ذكره الله تعالى قبل هذه الآية من أعمال نفسه، ولم يجر لعمل من أعمال الله ذكر في سابقة هذه الآية إلا قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ فوجب أن يكون هذا معطوفاً عليه ومشبهاً به، ومتى كان الأمر كذلك كان الضمير في قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ ﴾ عائداً إلى الذكر وهذا تمام تقرير كلام القوم.

والجواب: لا يجوز أن يكون الضمير في قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ ﴾ عائداً على الذكر، ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: أن قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ مذكور بحرف النون، والمراد منه إظهار نهاية التعظيم والجلالة، ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قوي كامل بحيث صار المنازع والمدافع له مغلوباً مقهوراً.

فأما إذا فعل فعلاً ولم يظهر له أثر ألبتة، صار المنازع والمدافع غالباً قاهراً، فإن ذكر اللفظ المشعر بنهاية العظمة والجلالة يكون مستقبحاً في هذا المقام، والأمر هاهنا كذلك لأنه تعالى سلك أسماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله تعالى كالهدر الضائع، وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع، وإذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة والجلالة في قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ ﴾ غير لائق بهذا المقام، فثبت بهذا التأويل الذي ذكروه فاسد.

والوجه الثاني: أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ ولا يؤمنون به، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون أما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ كالتفسير، والبيان لقوله: ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم.

والوجه الثالث: أن قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ بعيد، وقوله: ﴿ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ قريب، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب.

أما قوله: لو كان الضمير في قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ ﴾ عائداً إلى الاستهزاء لكان في قوله؛ ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ عائداً إليه، وحينئذ يلزم التناقض.

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن مقضتى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات، ولا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا: الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء، والضمير الثاني عائد إلى الذكر، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى: ﴿ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِۦ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ  فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ عائدة إلى آدم وحواء، وأما في قوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ عائدة إلى غيرهما، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا هاهنا، والله أعلم.

والوجه الثاني: في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ تفسير للكناية في قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ ﴾ والتقدير: كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به.

والوجه الثالث: وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان والكفر يمتنع أن يكون بالعبد، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق، والعلم والحق، وأن أحداً لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الإيمان والحق ثم إنه لايحصل ذلك، وإنما يحصل الكفر والباطل، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه.

فإن قالوا: إنما حصل ذلك الكفر لأنه ظن أنه هو الإيمان: فنقول: فعلى هذا التقدير إنما رضي بتحصيل ذلك الجهل لأجل جهل آخر سابق عليه فينقل الكلام إلى ذلك الجهل السابق فإن كان ذلك لأجل جهل آخر لزم التسلسل وهو محال، وإلا وجب انتهاء كل الجهالات إلى جهل أول سابق حصل في قلبه لا بتحصيله بل بتخليق الله تعالى، وذلك هو الذي قلناه: أن المراد من قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ والمعنى: نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به، وهو أنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها، وأيضاً قدماء المفسرين مثل ابن عباس وتلامذته أطبقوا على تفسير هذه الآية بأنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها، والتأويل الذي ذكره المعتزلة تأويل مستحدث لم يقل به أحد من المتقدمين، فكان مردوداً، وروى القاضي عن عكرمة أن المراد كذلك نسلك القسوة في قلوب المجرمين، ثم قال القاضي: إن القسوة لا تحصل إلا من قبل الكافر بأن يستمر على كفره ويعاند، فلا يصح إضافته إلى الله تعالى، فيقال للقاضي: إن هذا يجري مجرى المكابرة، وذلك لأن الكافر يجد من نفسه نفرة شديدة عن قبول قول الرسول ونبوة عظيمة عنه حتى أنه كلما رآه تغير لونه واصفر وجهه، وربما ارتعدت أعضاؤه ولا يقدر على الالتفات إليه والاصغاء لقوله، فحصول هذه الأحوال في قلبه أمر اضطراري لا يمكنه دفعها عن نفسه، فكيف يقال: إنها حصلت بفعله واختياره؟

فإن قالوا: إنه يمكنه ترك هذه الأحوال، والرجوع إلى الانقياد والقبول فنقول هذا مغالطة محضة، لأنك إن أردت أنه مع حصول هذه النفرة الشديدة في القلب، والنبوة العظيمة في النفس يمكنه أن يعود إلى الإنقياد والقبول والطاعة والرضا فهذا مكابرة، وإن أردت أن عند زوال هذه الأحوال النفسانية يمكنه العود إلى القبول والتسليم فهذا حق، إلا أنه لا يمكنه إزالة هذه الدواعي والصوارف عن القلب فإنه إن كان الفاعل لها هو الإنسان لافتقر في تحصيل هذه الدواعي والصوارف إلى دواعي سابقة عليها ولزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال، وإن كان الفاعل لها هو الله تعالى فحينئذ يصح أنه تعالى هو الذي يسلك هذه الدواعي والصوارف في القلوب وذلك عين ما ذكرناه، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين ﴾ ففيه قولان: الأول: أنه تهديد لكفار مكة يقول قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل في القرون الماضية.

الثاني: وهو قول الزجاج: وقد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم، وهذا أليق بظاهر اللفظ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يقال: سلكت الخيط في الإبرة، وأسلكته إذا أدخلته فيها ونظمته.

وقرئ: ﴿ نسلكه ﴾ ، والضمير للذكر، أي: مثل ذلك السلك، ونحوه: نسلك الذكر في ﴿ قُلُوبِ المجرمين ﴾ على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزءاً به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام، تعني مثل هذا الإنزال أنزلناها بهم مردودة غير مقضية.

ومحل قوله ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ النصب على الحال، أي غير مؤمن به، أو هو بيان لقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ .

﴿ سُنَّةُ الأوّلِينَ ﴾ طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ نُدْخِلُهُ.

﴿ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ والسَّلْكُ إدْخالُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ كالخَيْطِ في المَخِيطِ، والرُّمْحِ في المَطْعُونِ والضَّمِيرُ لِلِاسْتِهْزاءِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُوجِدُ الباطِلَ في قُلُوبِهِمْ.

وقِيلَ لِـ ﴿ الذِّكْرَ ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَ الآخَرَ في قَوْلِهِ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ لَهُ وهو حالٌ مِن هَذا الضَّمِيرِ، والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ نَسْلُكُ الذِّكْرَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ مُكَذِّبًا غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِهِ، أوْ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لَهُ، وهَذا الِاحْتِجاجُ ضَعِيفٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن تَعاقُبِ الضَّمائِرِ تَوافُقُها في المَرْجُوعِ إلَيْهِ ولا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُجْرِمِينَ، ولا يُنافِي كَوْنُها مُفَسِّرَةً لِلْمَعْنى الأوَّلِ بَلْ يُقَوِّيهِ.

﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ سُنَّةُ اللَّهِ فِيهِمْ بِأنْ خَذَلَهم وسَلَكَ الكَفْرَ في قُلُوبِهِمْ، أوْ بِإهْلاكِ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ مِنهم فَيَكُونُ وعِيدًا لِأهْلِمَكَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولو أظهرنا لهم أوضح آية وهو فتح باب من السماء {فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ} يصعدون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ المُعانِدِينَ ﴿ بابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ ظاهِرُهُ بابًا ما لا بابًا مِن أبْوابِها المَعْهُودَةِ كَما قِيلَ: ﴿ فَظَلُّوا فِيهِ ﴾ أيْ في ذَلِكَ البابِ ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ يَصْعَدُونَ حَسْبَما نُيَسِّرُهُ لَهم فَيَرَوْنَ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والعَجائِبِ طُولَ نَهارِهِمْ مُسْتَوْضِحِينَ لِما يَرَوْنَهُ كَما يُفِيدُهُ- ظَلُّوا- لِأنَّهُ يُقالُ ظَلَّ يَعْمَلُ كَذا وإذا فَعَلَهُ في النَّهارِ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّخْصِ ظِلٌّ، وجُوِّزَ في البَحْرِ كَوْنُ ظَلَّ بِمَعْنى صارَ وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمُقْتَرِحِينَ، وهو الظّاهِرُ المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجَبائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لِلْمَلائِكَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا أيْ فَظَلَّ المَلائِكَةُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا إتْيانَهم يَعْرُجُونَ في ذَلِكَ البابِ وهم يَرَوْنَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ «يَعْرِجُونَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ في العُرُوجِ بِمَعْنى الصُّعُودِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ يعني: أهل قرية إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ أي: أجلاً مؤقتاً، ووقتاً معروفاً مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها يعني: لا يموت أحد قبل أجله وَما يَسْتَأْخِرُونَ بعد أجلهم طرفة عين.

وَقالُوا يعني: أهل مكة يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أي: الذي يزعم أنه ينزل عليه القرآن إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ نزلت في عبد الله بن أُمية لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ يعني: هلّا تأتينا بالملائكة، فتخبرنا بأنك رسول الله إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك نبي مرسل، وإن العذاب نازل بنا.

قال الله تعالى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي: بالوحي والعذاب وبقبض الأرواح، وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ يعني: إذا نزلت عليهم الملائكة، لا يؤجلون بعد نزول الملائكة.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: مَا نُنَزِّلُ بالنون، وتشديد الزاي، ونصب الْمَلائِكَةَ من قولك: نزل ينزل.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر مَا تُنَزَّلَ بالتاء، والضم، ونصب الزاي مع التشديد، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون مَا تُنَزَّلَ بنصب التاء، وتشديد الزاي، فجعل الفعل للملائكة.

ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ أي: القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ يعني: القرآن، ويقال: محمدا  من القتل.

وقال قتادة: يعني: القرآن يحفظه الله تعالى، من أن يزيد فيه الشيطان باطلاً، أو يبطل منه حقّا.

وكذلك قال مقاتل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ...

الآية: وعيدٌ وتهديدٌ، وما فيه من المهادنة منسوخٌ بآية السيْف، وروى ابنُ المُبارَك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا الأوزاعيُّ عن عُرْوَةَ بن رُوَيْمٍ، قال: قال رسول الله/ صلّى الله عليه وسلّم: «شِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ وُلِدُوا في النَّعِيم، وغُذُوا به، هِمَّتُهُمْ أَلْوَانُ الطَّعَامِ، وَأَلْوَانُ الثِّيَابِ، يَتَشَدَّقُونَ بِالْكَلاَمِ» .

انتهى «١» .

وقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعيدٌ ثانٍ، وحكى الطبريُّ «٢» عن بعض العلماء أنه قال: الأولُ في الدنيا، والثَّاني في الآخرة، فكيف تَطِيبُ حياةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الوعِيدَيْنِ.

وقوله: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ: أي: يشغلهم أملهم في الدنيا، والتزيُّد منها.

قال عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبة» : اعلم رحمك اللَّه أنَّ تقصير الأمل مَعَ حُبِّ الدنيا متعذر، وانتظار المَوْتِ مع الإِكباب عَلَيْها غَيْرُ مُتَيَسِّر، ثم قال: واعلم أنَّ كثرة الاشتغال بالدنْيَا والمَيْلَ بالكلِّية إِليها، وَلَذَّةَ أمانيِّها تمنَعُ مرارةَ ذكْرِ المَوْت أَنْ تَرِدَ على القلْب، وأنْ تَلِجَ فيه لأن القَلْبَ إِذا امتلأ بشَيْءٍ، لم يكُنْ لشيءٍ آخر فيه مَدْخَلٌ، فإِذا أَرَادَ صاحبُ هذا القَلْبِ سَمَاعَ الحِكْمَة، والانتفاع بالموعظة، لم يكُنْ لهُ بُدٌّ من تفريقه، لِيَجِدَ الذَكْرُ فيه منزلاً، وتُلْفِيَ الموعظةُ فيه محلاًّ قابلاً، قال ابن السَّماك رحمه اللَّه: إِن الموتَى لَمْ يبْكُوا من الموت لكنهم بَكَوْا مِنْ حَسْرة الفوت، فَاتَتْهُمْ واللَّهِ، دَارٌ لَمْ يتزوَّدوا منها ودخلوا داراً لم يتزوَّدوا لها.

انتهى.

وإِنما حصل لهم الفَوْتُ بسبب استغراقهم في الدنيا، وطولِ الأمل المُلْهِي عن المعادِ، ألهمنا اللَّه رُشْدَنَا بمَنِّه.

وقوله سبحانه: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ...

الآية: أي: فلا تستبطئَنَّ هلاكَهُم، فليس مِنْ قريةٍ مُهْلَكَةٍ إِلا بأَجَلٍ، وكتابٍ معلوم محدود.

وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ...

الآية: القائلون هذه المقالة هم كفّار قريش، و «لو ما» بمعنى: لولا، فتكون تحضيضاً كما هي في هذه الآية، وفي البخاريّ:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِهْزاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: التَّكْذِيبُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والفَرّاءُ.

وَمَعْنى الآيَةِ: كَما سَلَكْنا الكُفْرَ في قُلُوبِ شِيَعِ الأوَّلِينَ، نُدْخِلُ في قُلُوبِ هَؤُلاءِ التَّكْذِيبَ فَلا يُؤْمِنُوا.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .

وفي المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرَّسُولُ.

والثّانِي: القُرْآنُ.

والثّالِثُ: العَذابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في إهْلاكِ المُكَذِّبِينَ.

والثّانِي: مَضَتْ سُنَّتُهِمُ بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" يُرادُ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، ويُرْوى أنَّ القائِلِينَ كانُوا: عَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، والنَضِرَ بْنَ الحارِثِ وأشْباهَهُما، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يا أيُّها الَّذِي أُلْقِيَ إلَيْهِ الذِكْرُ".

وقَوْلُهُمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ كَلامٌ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ، أيْ بِزَعْمِكَ ودَعْواكَ، وهَذِهِ المُخاطَبَةُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ جاهِلٍ أرادَ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيما لا يُحْسِنُ: يا أيُّها العالَمُ لا تُحْسِنُ تَتَوَضَّأُ.

و"لَوْما" بِمَعْنى "لَوْلا" فَتَكُونُ تَحْضِيضًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَكُونُ دالَّةً عَلى امْتِناعِ شَيْءٍ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ، كَما قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: لَوْلا الحَياءُ ولَوْما الدِينُ عِبْتُكُما ∗∗∗ بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "ما تَنْزِلُ المَلائِكَةُ" بِفَتْحِ التاءِ والرَفْعِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التاءَ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: "نُنَزِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "المَلائِكَةَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: بِالرِسالَةِ والعَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: كَما يَجِبُ ويَحِقُّ مِنَ الوَحْيِ والمَنافِعِ الَّتِي أراها اللهُ لِعِبادِهِ، لا عَلى اقْتِراحِ كافِرٍ، ولا بِاخْتِيارِ مُعْتَرِضٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ عادَةَ اللهِ في الأُمَمِ مِن أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةِ اقْتِراحٍ إلّا ومَعَها العَذابُ في أثَرِها إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وكَأنَّ الكَلامَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِحَقٍّ وواجِبٍ لا بِاقْتِراحِكُمْ، وأيْضًا فَلَوْ نَزَلَتْ لَمْ يُنْظَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالعَذابِ، أيْ: لَمْ يُؤَخِّرُوا، والنَظِرَةُ: التَأْخِيرُ، والمَعْنى: فَهَذا لا يَكُونُ إذْ كانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، أو يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِكْرَ ﴾ رَدٌّ عَلى المُسْتَخِفِّينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ ، وهَذا كَما يَقُولُ لَكَ رَجُلٌ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ: "يا عَظِيمَ القَدْرِ"، فَتَقُولُ لَهُ عَلى جِهَةِ الرَدِّ والنَجْهِ: نَعَمْ أنا عَظِيمُ القَدْرِ، ثُمَّ تَأْخُذُ في قَوْلِكَ، فَتَأمَّلْهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ: نَحْفَظُهُ مِن أذاكُمْ، ونَحُوطُهُ مِن مَكْرِكم وغَيْرِهِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ ولَمْ يَنْسِبْهُ، وفي ضِمْنِ هَذِهِ العُدَّةِ كانَ رَسُولُ اللهِ  حَتّى أظْهَرَ اللهُ بِهِ الشَرْعَ وحانَ أجْلُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والمَعْنى: لَحافِظُونَ مِن أنْ يُبَدَّلَ أو يُغَيَّرَ كَما جَرى في سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وفي آخِرِ ورَقَةٍ مِنَ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ التَبْدِيلَ فِيها إنَّما كانَ في التَأْوِيلِ، وأمّا في اللَفْظِ فَلا، وظاهِرُ آياتِ القُرْآنِ أنَّهم بَدَّلُوا اللَفْظَ، ووَضْعُ اليَدِ عَلى آيَةِ الرَجْمِ هو في مَعْنى تَبْدِيلِ الألْفاظِ.

وقِيلَ: لَحافِظُونَ بِاخْتِزانِهِ في صُدُورِ الرِجالِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وعَرْضُ أُسْوَةٍ، أيْ: لا يَضِيقُ صَدْرُكَ يا مُحَمَّدُ بِما يَفْعَلُهُ قَوْمُكَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنّا إرْسالُ الرُسُلِ في شِيَعِ الأوَّلِينَ، وكانَتْ تِلْكَ سِيرَتُهم في الِاسْتِهْزاءِ بِالرُسُلِ، و"الشِيَعُ" جَمْعُ شِيعَةٍ، وهي الفِرْقَةُ التابِعَةُ لِرَأْسٍ، إمّا مَذْهَبٌ أو رَجُلٌ أو نَحْوَهُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَيَّعْتُ النارَ إذا اسْتَدَمْتُ وقَدَها بِحَطَبٍ أو غَيْرِهِ، فَكَأنَّ الشِيعَةَ تَصِلُ أمْرَ رَأْسِها وتُظْهِرُهُ وتَمُدُّهُ بِمَعُونَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ تَقْتَضِي "رُسُلًا"، ثُمَّ اخْتَصَرَ ذِكْرَهم لِدَلالَةِ ظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ عَلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني ناشئ عن سؤال يخطر ببال السامع لقوله ﴿ وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون ﴾ [سورة الحجر: 11] فيتساءل كيف تواردت هذه الأمم على طريق واحد من الضلال فلم تفدهم دعوة الرسل عليهم السلام كما قال تعالى: ﴿ أتواصوا به بل هم قوم طاغون ﴾ [سورة الذاريات: 53].

والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ [سورة الحجر: 9]؛ إذ قد يخطر بالبال أن حفظ الذكر يقتضي أن لا يكفر به من كفر.

فأجيب بأن ذلك عقاب من الله لهم لإجرامهم وتلقّيهم الحق بالسخرية وعدم التدبر، ولأجل هذا اختير لهم وصف المجرمين دون الكافرين لأن وصف الكفر صار لهم كاللقب لا يشعر بمعنى التعليل.

ونظيره قوله في الآية الأخرى ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ﴾ [سورة التوبة: 125].

والتعبير بصيغة المضارع في نسلكه } للدلالة على أن المقصود إسلاك في زمن الحال، أي زمن نزول القرآن، ليعلم أن المقصود بيان تلقي المشركين للقرآن، فلا يتوهم أن المراد بالمجرمين شيع الأولين مع ما يفيده المضارع من الدلالة على التجديد المناسب لقوله: ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ ، أي تجدد لهؤلاء إبلاغ القرآن على سنة إبلاغ الرسالات لمن قبلهم.

وفيه تعريض بأن ذلك إعذار لهم ليحل بهم العذاب كما حل بمن قبلهم.

والمشار إليه بقوله: ﴿ كذلك ﴾ هو السلك المأخوذ من ﴿ نسلكه ﴾ على طريقة أمثالها المقررة في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143).

والسلك: الإدخال.

قال الأعشى: كما سَلَك السّكّي في الباب فَيْتَق *** أي مثل السلك الذي سنصفه نسلك الذكر في قلوب المجرمين، أي هكذا نولج القرآن في عقول المشركين، فإنهم يسمعونه ويفهمونه إذ هو من كلامهم ويدركون خصائصه؛ ولكنه لا يستقر في عقولهم استقرار تصديق به بل هم مكذبون به، كما قال تعالى: ﴿ وإذ ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ﴾ [سورة التوبة: 124 125].

وبهذا السلوك تقوم الحجة عليهم بتبليغ القرآن إليهم ويعاد إسماعهُم إياه المرة بعد المرة لتقوم الحجة.

فضمير نسلكه } و ﴿ به ﴾ عائدان إلى ﴿ الذكر ﴾ في قوله: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ [سورة الحجر: 9] أي القرآن.

والمجرمون هم كفار قريش.

وجملة لا يؤمنون به} بيان للسلك المشبه به أو حال من المجرمين، أي تعيه عقولهم ولا يؤمنون به.

وهذا عام مراد به من ماتوا على الكفر منهم.

والمراد أنهم لا يؤمنون وقتاً ما.

وجملة ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ معترضة بين جملة ﴿ لا يؤمنون به ﴾ وجملة ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء ﴾ [الحجر: 14] الخ.

والكلام تعريض بالتهديد بأن يحل بهم ما حل بالأمم الماضية معاملة للنظير بنظيره، لأن كون سنة الأولين مضت أمر معلوم غير مفيد ذكره، فكان الخبر مستعملاً في لازمه بقرينة تعذر الحمل على أصل الخبرية.

والسنّة: العادة المألوفة.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ في سورة آل عمران (137).

وإضافتها إلى الأولين } باعتبار تعلقها بهم، وإنما هي سنة الله فيهم لأنها المقصود هنا، والإضافة لأدنى ملابسة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشِّيَعَ الأُمَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ الشِّيَعَ جَمْعُ شِيعَةٍ، والشِّيعَةِ الفِرْقَةُ المُتَآلِفَةُ المُتَّفِقَةُ الكَلِمَةِ، فَكَأنَّ الشِّيَعَ الفِرَقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا  ﴾ أيْ فِرَقًا، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّياعِ وهو الحَطَبُ الصِّغارُ يُوقَدُ بِهِ الكِبارُ، فَهو عَوْنُ النّارِ.

الثّالِثُ: أنَّ الشِّيَعَ القَبائِلُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَذَلِكَ نَسْلُكُ الِاسْتِهْزاءَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، وإنْ لَمْ يَعْرِفُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: كَذَلِكَ نَسْلُكُ التَّكْذِيبَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: كَذَلِكَ نَسْلُكُ القُرْآنَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: كَذَلِكَ إذا كَذَّبَ بِهِ المُجْرِمُونَ نَسَلُكُ في قُلُوبِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: بِالعَذابِ أنْ يَأْتِيَهم.

﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ السُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ لَها مِنَ الرِّيمِ عَيْناهُ وسُنَّتُهْ ونَحْرُهُ السّابِقُ المُخْتالُ إذْ صَهَلا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ بِالعَذابِ لِمَن أقامَ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ.

الثّانِي: بِأنْ لا يُؤْمِنُوا بِرُسُلِهِمْ إذا عانَدُوا.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: بِأنَّ مِنهم مُؤْمِنًا وكافِرًا.

كَما يَحْتَمِلُ رابِعًا: مَن أقامَ عَلى الكُفْرِ بِالمُعْجِزاتِ بَعْدَ مَجِيءِ ما طَلَبَ مِنَ الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين ﴾ قال: أمم الأولين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله: ﴿ كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به ﴾ قال: الشرك نسلكه في قلوب المشركين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ كذلك نسلكه ﴾ قال: الشرك نسلكه في قلوبهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به ﴾ قال: إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به ﴿ وقد خلت سُنّةُ الأولين ﴾ قال: وقائع الله فيمن خلا من الأمم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ كذلك نسلكه ﴾ قال: هم كما قال الله هو أضلهم ومنعهم الإِيمان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا ﴾ يقال: ظل فلان نهاره يفعل كذا، إذا فعله بالنهار، ولا تقول العرب: ظل يظل، إلا لكل عمل بالنهار، كما لا يقولون: بات [يبيت، إلا بالليل، والمصدر] [[ما بين المعقوفين بياض في (أ)، (د)، وفي هامش نسخة (د) كتب [سقطت من النسخة القديمة]، والمثبت من (ش)، (ع).]] الظلول، فأما حذف إحدى اللامين فإنه جائز، وسنذكر اللغة فيه عند قوله: ﴿ ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا  ﴾ إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يقال: عَرج يَعْرُج عُرُوجًا، ومنه المعارج وهي المصاعد التي يصعد فيها، وفي هذه الآية قولان للمفسرين؛ أحدهما: أن قوله: ﴿ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ من صفة المشركين.

قال ابن عباس في رواية عطاء: فطفقوا فيه يصعدون، يريد ينظرون فيه إلى ملكوت الله وقدرته وسلطانه، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون (١) (٢) وشرح أبو بكر هذا القول فقال: معناه لو وَصَّلنا هؤلاء المعاندين للحق إلى صعود السماء الذي يزول معه كل شبهة لم يستشعروا إلا الكفر، وجحدوا البراهين كما سائر المعجزات؛ من انشقاق القمرِ وما خُص به النبيّ -  - من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله.

القول الثاني: أن هذا العروج للملائكة؛ لأنه هو المعروف المشهور، يقول: لو كُشف لهؤلاء عن أبصارهم حتى يعاينوا أبوابًا في السماء مفتحة تصعد منها الملائكة وتنزل، لصَرَفوا ذلك عن وجهه إلى أنهم سُحروا ورأوا بأبصارهم ما لا يتحقق عندهم، وهذا قول ابن عباس (٣) قال ابن جريج: فظلت الملائكة تعرج فيه وهم ينظرون إليهم (٤) قال: وهذا راجع إلى قوله: ﴿ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ واختار الفراء هذا القول (٥) ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ كما قالوا حين انشق القمر: هذا سِحْرٌ مُستمر، قال: ويصلح أن يكون ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ للملائكة والناس، وقد جاء بهما التفسير، وقال في قوله: ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ أي يصعدون فيذهبون ويجيئون (٦) (٧) (١) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 167.

(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 أبنحوه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 323 بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 370، 371، "تفسير القرطبي" 10/ 8، والخازن 3/ 90.

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 346 مختصراً عن ابن عباس من طريق قتادة، والطبري 14/ 10 بنحوه، عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن الضحاك، وأخرجه مختصراً عن ابن عباس من طريق قتادة.

وورد مختصرًا في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 13 عن ابن عباس، "تفسير الطوسي" 6/ 323 عن ابن عباس وقتادة والضحاك، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 386 عن ابن عباس والضحاك، "تفسير القرطبي" 10/ 8 عن ابن عباس وقتادة، الخازن 3/ 90 عن ابن عباس والضحاك.

وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 176 وزاد نسته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.

(٤) "أخرجه الطبري" 14/ 10 بنحوه عن ابن جريج عن ابن عباس، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 68 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن جريج عن ابن عباس، وورد غير منسوب في "تفسير البغوي" 4/ 370.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 86.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 174 مع تقديم وتأخير.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 86 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ الذكر هنا هو القرآن وفي قوله: إنا نحن نزلنا الذكر رداً لإنكارهم واستخفافهم في قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر ولذلك أكده بنحن واحتج عليه بحفظه، ومعنى حفظه: حراسته عن التبديل والتغيير، كما جرى في غيره من الكتب، فتولى الله حفظ القرآن، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان منه، ولا تبديله بخلاف غيره من الكتب، فإن حفظها موكول إلى أهلها لقوله: ﴿ بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله ﴾ [المائدة: 44] ﴿ فِى شِيَعِ الأولين ﴾ الشيع: جمع شيعة وهي الطائفة التي تتشيع لمذهب أو رجل ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ معنى نسلكه ندخله، والضمير في نسلكه يحتمل أن يكون للاستهزاء، الذي دل عليه قوله: به يستهزؤن، أو يكون للقرآن أي نسلكه في قلوبهم فيستهزئوا به، ويكون قوله: كذلك تشبيهاً للاستهزاء المتقدم، ولا يؤمنون به تفسيراً لوجه إدخاله في قلوبهم، والضمير في به للقرآن.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يحتمل أن الحروف المقطعة كناية عن كتابه وآياته، أو آياته؛ أنه جمعها على ما توجبه الحكمة؛ فجعلها كتاباً أو [آيات كتاب يتلى]، أو يكون كناية عن الإنباء والإخبار عن الأمم السالفة؛ التي لم يشهدها رسول الله  ، تلك الأنباء والأخبار التي جعلناها كتاباً أو آيات؛ ليعلموا أن هذا الكتاب إنما نزل من السماء، وأنه إنما علم بالوحي من الله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

﴿ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ .

قال: بيَّن فيه ما يؤتى، وما يتقى.

أو ﴿ مُّبِينٍ ﴾ : يبين بين الحقّ والباطل.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنما يودون الإسلام والتوحيد، بعد ما عذب بالنار قوماً من أهل التوحيد بذنوبهم، ثم أخرجوا منها بالشفاعة أو بالرحمة، فعند ذلك يتمنى أهل الشرك؛ ويودّون الإسلام والتوحيد؛ لكن هذا بعيد ألا يتمنوا إلا في النار بعد ما أخرج أولئك وقد أصيبوا الشدائد والبلايا؛ من قبل أن يأتوا النار، قال الله  : ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ الآية [المؤمنون: 99-100] أخبر أنه يتمنى عند حلول الموت - الإسلام؛ حيث طلب الرجوع إلى الدنيا، دلّ أنهم يودون الإسلام؛ قبل الموت الذي ذكروا، أو يتمنون الإسلام إذا حوسبوا، أو إذا بعث أهل الجنة [إلى الجنة وبعثوا هم] إلى النار، يتمنون الإسلام قبل ذلك بمواضع، وربما يتمنى الآحاد من الكفرة، ويودّون لو كانوا مسلمين في أحوال؛ وأوقات؛ يظهر لهم الحق، وقد بان لهم الحق؛ لكن الذي يمنعهم عن الإسلام - فوت شيء من الدنيا، وذهاب شيء قد طمعوا فيه.

وقال الحسن في قوله: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : قسم؛ لما ذكر: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ؛ يقول: أقسم بالحروف المقطعة أنهم يودّون الإسلام.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ﴾ .

هذا ليس على الأمر، ولكن على الوعيد، والتهديد، والإبلاغ في الوعيد، وتأكيد؛ كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ...

﴾ الآية، [فصلت: 40] هو على الوعيد؛ حيث قال: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ ﴾ وعيد بقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ويشبه أن يكون: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ المحقّ من المبطل، وأن المحقّ والمبطل من أنت أو هم؟

أو سوف يعلمون نصحك إياهم، وشفقتك لهم، أنك نصحت لهم، وأشفقت عليهم لا أن خنتهم أو يعلموا بما سخروا بكم وهزءوا.

وقوله: ﴿ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ ﴾ .

الأمل: الطمع، اختلف فيه: قال بعضهم: [أي]: منعهم طمعهم أنهم وآباءهم قد أصابوا الحق، ذلك منعهم عن الإجابة، والنظر في الآيات والحجج.

والثاني: تقديرهم بامتداد حياتهم؛ ليبقى لهم الرياسة، والشرف، ذلك الذي كان يمنعهم عن الإجابة له، والانقياد له، والنظر في الآيات والحجج.

والثالث: يطمعون هلاك النبي  ، ويتمنون ذلك، وانقطاع ملكه، وأمره، والعود إليهم، فذلك الذي كان منعهم.

وفي حرف حفصه: (ذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ).

وقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ...

﴾ الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، آيس رسوله عن إيمانهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .

قال الحسن: وما أهلكنا من أهل قرية إهلاك تعذيب؛ إلا وقد أرسلنا إليهم رسلا بكتاب معلوم، نتلو ذلك الكتاب المعلوم عليهم؛ فإذا كذبوهم وأيسوا من إيمانهم؛ فعند ذلك يهلكون هلاك تعذيب، وهو ما قال: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا  ﴾ ، فعلى ذلك الأول.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ يقول: كتاب فيه أجل معلوم مؤقت لها؛ على هذا التأويل؛ كأنه قد خرج جواباً لقول كان من أولئك الكفرة من استعجالهم الإهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ .

أي: ما تسبق أمة عن أجلها الذي جعل الله لها بالإهلاك، وما تستأخر عنه، وهو ما قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ [أي: ما يستأخرون ساعة عن الوقت الذي جعل لهم ولا يستقدمون].

فهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله يجعل لخلقه آجالا، ثم يجيء آخر فيقتله قبل الأجل الذي جعله له، والله يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ  ﴾ يخبر أنه لجاءهم العذاب؛ لولا ما جعل من أجل مسمى؛ قد وعد جلَّ وعلا أن يفي بما وعد؛ من البلوغ إلى الأجل الذي سمى.

وعلى قول المعتزلة: لا يملك إنجاز ما وعد؛ لأنه يجيء إنسان؛ فيقتله؛ فيمنع الله عن وفاء ما وعد، فذلك عجز وخلف في الوعد، فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ يعني: القرآن.

﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ .

قال الحسن: قوله: يا أيها الذي تدعي أنه نزل عليه الذكر: إنك لمجنون؛ فيما تدعي من نزول الذكر، هو على الإضمار الذي قال الحسن، وإلا في الظاهر متناقض؛ لأنهم كانوا لا يقرون بنزول الذكر عليه؛ لأنهم لو أقروا نزول الذكر عليه لكان قولهم متناقضاً فاسداً.

﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ سموه مجنوناً، والذي حملهم على تسميتهم إياه مجنوناً وجوه: أحدها: [أنهم] لما رأوه أنه قد أظهر الخلاف لذوي العقول منهم والأفهام، والدعاء إلى غير ما هم فيه؛ فرأوا أنه ليس يخالف أهل العقول والفهم إلا بجنون به؛ فسموه مجنوناً.

والثاني: رأوه قد أظهر الخلاف للفراعنة والجبابرة، الذين كانت عادتهم القتل والهلاك من أظهر الخلاف لهم؛ في أمر من أمورهم الدنياوية؛ فكيف من أظهر [الخلاف لهم] في الدين؛ فظنوا أنه ليس يخالفهم، ولا يخاطر بنفسه وروحه إلا لجنون فيه.

والثالث: قالوا ذلك لما رأوه؛ كان يتغير لونه عند نزول الوحي عليه؛ فظنوا أن ذلك لآفة فيه، ومن تأمل حقيقة ذلك علم أن من قرفه بالجنون فيه هو المجنون لا هو؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 184] وقال: ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ  ﴾ أخبر أنهم لو تفكروا عرفوا أنه ليس به جنة، ولكن عن معاندة ومكابرة؛ يقولون؛ وجهلٍ، وسموه مرة ساحراً؛ فذلك تناقض في القول؛ لأنه لا يسمى ساحراً إلا لفضل بصر وعلم؛ فذلك تناقض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - يقولون له: إنك تزعم أن الملائكة يأتونك بالوحي، فهلا أظهرت لنا إذا أتوك؛ فننظر إليهم أملائكة هم - على ما تزعم - أم شياطين؟

وقال بعضهم: لو ما تأتينا بالملائكة فيشهدون أنك رسول الله، وأنت أرسلت على ما تدعي من الرسالة؛ فقال: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : [إلا بالموت] ﴿ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: أنْ ليس في وسع البشر رؤية الملائكة على صورتهم؛ فقال: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : إلا بالموت، لو رأوا؛ لماتوا؛ لما لم يجعل في وسعهم رؤية الملائكة، وهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ...

﴾ الآية [ الأنعام: 8] أخبر أنه لو أنزل [عليهم الملك] - لماتوا؛ إذ ليس في وسعهم رؤية الملائكة على صورتهم، ثم أخبر أيضاً أنه لو جعله ملكاً لجعله رجلا، ويكون في ذلك لبس على أولئك.

وقال بعضهم: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : أي: إلا بالحجج والآيات والبراهين على الرسل، وعلى من هو أهل لذلك، ليس على كل أحد.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : أي: إلاَّ بالعذاب الذي يكون فيه هلاكهم، وهكذا إن الملائكة لا تنزل إلا بالعذاب الذي فيه هلاكهم أو بالحجج والبراهين.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيما وكل الحفظ إلى نفسه؛ لم يقدر أحد من الطاعنين مع كثرتهم منذ نزل موضع الطعن فيه، وذلك يدلّ أنه سماوي، وأنه محفوظ.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ : أي: محمداً عليه أفضل الصلوات: أي: نحفظه بالذكر الذي أنزل عليه؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ وكقوله: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي...

﴾ الآية [سبأ: 50] أخبر أنه إنما يهتدي بما يوحي إليه ربّه، فعلى ذلك يحفظه بالقرآن الذي أنزل عليه.

ويحتمل [أن يكون] الذكر: النبوة؛ أي: إنا نحن نزلنا النبوة، وإنا له: أي: لرسوله؛ لحافظون له: بالنبوة والرسالة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهؤلاء المكذبون معاندون حتى لو اتضح لهم الحق بالأدلة الجلية، فلو فتحنا لهم بابًا من السماء فظلوا يصعدون.

<div class="verse-tafsir" id="91.43o8A"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل