الآية ١٥ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ١٥ من سورة الحجر

لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

بل قالوا : ( سكرت أبصارنا ) قال مجاهد وابن كثير ، والضحاك : سدت أبصارنا .

وقال قتادة ، عن ابن عباس : أخذت أبصارنا .

وقال العوفي عن ابن عباس : شبه علينا ، وإنما سحرنا .

وقال الكلبي : عميت أبصارنا .

وقال ابن زيد : ( سكرت أبصارنا ) السكران الذي لا يعقل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) يقول: لقال هؤلاء المشركون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم: ما هذا بحقّ إنما سكِّرت أبصارنا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( سُكِّرَتْ ) فقرأ أهل المدينة والعراق: ( سُكِّرَتْ ) بتشديد الكاف، بمعنى: غُشيت وغطيت، هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لي عنه.

وذُكر عن مجاهد أنه كان يقرأ ( لَقالُوا إنَّمَا سُكِرَتْ ).

حدثني بذلك الحرث، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائي يحدّث عن حمزة، عن شبل، عن مجاهد أنه قرأها( سُكِرَتْ أَبْصارُنا ) خفيفة ، وذهب مجاهد في قراءته ذلك كذلك إلى: حُبست أبصارنا عن الرؤية والنظر من سكور الريح، وذلك سكونها وركودها، يقال منه: سكرت الريح: إذا سكنت وركدت.

وقد حُكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: هو مأخوذ من سكر الشراب، وأن معناه: قد غشَّى أبصارنا السكر.

وأما أهل التأويل ، فإنهم اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ( سُكِّرَتْ ) : سدّت.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) قال: سدّت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج، يعني ابن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن كثير قال: سدّت.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ( سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) يعني: سدّت ، فكأن مجاهدا ذهب في قوله ، وتأويله ذلك بمعنى: سدّت، إلى أنه بمعنى: منعت النظر، كما يُسكر الماء فيمنع من الجري بحبسه في مكان بالسكر الذي يسَّكر به.

وقال آخرون: معنى سكرت: أخذت.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس ( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) يقول: أخذت أبصارنا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ، إنما أخذ أبصارنا، وشبَّه علينا، وإنما سحرنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة ( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) يقول: سُحرت أبصارنا، يقول: أخذت أبصارنا.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا شيبان، عن قتادة، قال: من قرأ ( سُكِّرَتْ ) مشددة: يعني سدّت ، ومن قرأ ( سُكرَتْ ) مخففة، فإنه يعني سحرت ، وكأن هؤلاء وجَّهوا معنى قوله ( سُكِّرَتْ ) إلى أن أبصارهم سُحرت، فشبه عليهم ما يبصرون، فلا يميزون بين الصحيح مما يرون وغيره من قول العرب: سُكِّر على فلان رأيه: إذا اختلط عليه رأيه فيما يريد ، فلم يدر الصواب فيه من غيره، فإذا عزم على الرأي قالوا: ذهب عنه التسكير.

وقال آخرون: هو مأخوذ من السكر، ومعناه: غشي على أبصارنا فلا نبصر، كما يفعل السكر بصاحبه، فذلك إذا دير به وغشي بصره كالسمادير فلم يبصر.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) قال: سكرت، السكران الذي لا يعقل.

وقال آخرون: معنى ذلك: عميت.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن الكلبي ( سُكِّرَتْ ) قال: عميت.

وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء على ما هو به، وذهب حدّ إبصارها ، وانطفأ نوره، كما يقال للشيء الحارّ إذا ذهبت فورته ، وسكن حدّ حرّه ، قد سكر يسكر ، قال المثنى بن جندل الطُّهوي: جــاءَ الشِّــتاءُ واجْثَــألَّ القُــبَّرُ واسـتَخْفَتِ الأفْعَـى وكـانت تَظْهَـرُ وجَعَلَتْ عينُ الحَرُور تَسْكُرُ (7) أي تسكن وتذهب وتنطفئ ، وقال ذو الرّمَّة: قَبْــلَ انْصِــداعِ الفَجْـرِ والتَّهَجْـرِ وخَــوْضُهُنَّ اللَّيــلَ حـينَ يَسْـكُرُ (8) يعني: حين تسكن فورته.

وذُكر عن قيس أنها تقول: سكرت الريح تسكر سكورا، بمعنى: سكنت ، وإن كان ذلك عنها صحيحا، فإن معنى سُكِرَت وسُكِّرَتْ بالتخفيف والتشديد متقاربان، غير أن القراءة التي لا أستجيز غيرها في القرآن ( سُكِّرَتْ ) بالتشديد لإجماع الحجة من القراء عليها، وغير جائز خلافها فيما جاءت به مجمعة عليه.

------------------------ الهوامش: (7) هذه ثلاثة أبيات لجندل بن المثنى الطهوي ، واجثأل : اجتمع وتقبض ، والقبر كالقنبر : ضرب من الطير كالعصافير ، واحده قبرة وقنبرة ، والحرور : الحر .

ويقال سكرت عينه تسكر : إذا تحيرت وسكنت عن النظر وسكر الحر يسكر : سكن وخبأ ، وقد استشهد بها أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 1 : 337 ، 338 ) عند قوله تعالى " سكرت أبصارنا " قال : أي غشيت سمادير ، فذهبت وخبا نظرها ، قال : جاء الشتاء ، الخ وزاد فيها بيتا قبل الآخر ، وهو : " وطلعت شمس عليها مغفر " .

وفسر البيت الأخير وهو الشاهد بقوله : أي يذهب حرها ويخبو .

وقال أبو عمرو بن العلاء : " سكرت أبصارنا " : مأخوذ عن سكر الشراب ، كأن العين لحقها ما يلحق شارب المسكر إذا سكر ، وقال الفراء ، معناه : حبست ومنعت عن النظر .

(8) البيت في ديوان ذي الرمة ( طبعة كيمبردج سنة 1919 ) ص 202 وقبله : أتَتْــكَ بــالقَوْمِ مَهــارٍ ضُمَّــرُ خُــوصٌ بَــرَى أشْـرافَها التَّبَكُّـرُ خوص : غائرات العيون ، وأشرافها : أسنمَها ، والتبكر : سير البكرة ، والتهجو : سير الهاجرة ، ويسكر : يتسكر الأبصار بظلامه ، قوله : والتهجر ، بالرفع : معطوف على قوله التبكر ، في البيت السابق عليه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

معنى سكرت سدت بالسحر ; قاله ابن عباس والضحاك .

وقال الحسن : سحرت .

الكلبي : أغشيت أبصارنا ; وعنه أيضا عميت .

قتادة : أخذت .

وقال المؤرج : دير بنا من الدوران ; أي صارت أبصارنا سكرى .

جويبر : خدعت .

وقال أبو عمرو بن العلاء : سكرت غشيت وغطيت .

ومنه قول الشاعر :وطلعت شمس عليها مغفر وجعلت عين الحرور تسكروقال مجاهد : سكرت حبست .

ومنه قول أوس بن حجر :فصرت على ليلة ساهرة فليست بطلق ولا ساكرةقلت : وهذه أقوال متقاربة يجمعها قولك : منعت .

قال ابن عزيز : سكرت أبصارنا سدت أبصارنا ; هو من قولك ، سكرت النهر إذا سددته .

ويقال : هو من سكر الشراب ، كأن العين يلحقها ما يلحق الشارب إذا سكر .

وقرأ ابن كثير " سكرت " بالتخفيف ، .

والباقون بالتشديد .

قال ابن الأعرابي : سكرت ملئت .

قال المهدوي : والتخفيف والتشديد في سكرت ظاهران ، التشديد للتكثير والتخفيف يؤدي عن معناه .

والمعروف أن " سكر " لا يتعدى .

قال أبو علي : يجوز أن يكون سمع متعديا في البصر .

ومن قرأ " سكرت " فإنه شبه ما عرض لأبصارهم بحال السكران ، كأنها جرت مجرى السكران لعدم تحصيله .

وقد قيل : إنه بالتخفيف [ من ] سكر الشراب ، وبالتشديد أخذت ، ذكرهما الماوردي .

وقال النحاس : والمعروف من قراءة مجاهد والحسن " سكرت " بالتخفيف .

قال الحسن : أي سحرت وحكى أبو عبيد عن أبي عبيدة أنه يقال : سكرت أبصارهم إذا غشيها سمادير حتى لا يبصروا .

وقال الفراء : من قرأ سكرت أخذه من سكور الريح .

قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة .

والأصل فيها ما قال أبو عمرو بن العلاء - رحمه الله تعالى - ، قال : هو من السكر في الشراب .

وهذا قول حسن ; أي غشيهم ما غطى أبصارهم كما غشي السكران ما غطى عقله .

وسكور الريح سكونها وفتورها ; فهو يرجع إلى معنى التحيير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولو جاءتهم كل آية عظيمة لم يؤمنوا وكابروا { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء } فصاروا يعرجون فيه، ويشاهدونه عيانا بأنفسهم لقالوا من ظلمهم وعنادهم منكرين لهذه الآية: { إنما سكرت أبصارنا } أي: أصابها سكر وغشاوة حتى رأينا ما لم نر، { بل نحن قوم مسحورون } أي: ليس هذا بحقيقة، بل هذا سحر، وقوم وصلت بهم الحال إلى هذا الإنكار، فإنهم لا مطمع فيهم ولا رجاء

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لقالوا إنما سكرت ) سدت ( أبصارنا ) قاله ابن عباس .

وقال الحسن : سحرت .

وقال قتادة : أخذت .

وقال الكلبي : عميت .

وقرأ ابن كثير " سكرت " بالتخفيف ، أي : حبست ومنعت النظر كما يسكر النهر لحبس الماء .

( بل نحن قوم مسحورون ) أي : عمل فينا السحر فسحرنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقالوا إنما سُكِّرت» سدت «أبصارنا بل نحن قوم مسحورون» يخيل إلينا ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو فتحنا على كفار "مكة" بابًا من السماء فاستمروا صاعدين فيه حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب ملكوت الله، لما صدَّقوا، ولقالوا: سُحِرَتْ أبصارنا، حتى رأينا ما لم نرَ، وما نحن إلا مسحورون في عقولنا من محمد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( سكرت ) من السَّكْر - بفتح السين المشددة وسكون الكاف - بمعنى السد والحبس والمنع ، يقال سكرت الباب أسْكرُه سَكْراً ، إذا سددته ، والتشديد فى ( سكرت ) للمبالغة ، وهو قراءة الجمهور .

وقرأ ابن كثير ( سكرت ) ، بكسر الكاف بدون تشديد .وقوله ( مسحورون ) اسم مفعول من السحر ، بمعنى الخداع والتخييل والصرف عن الشئ إلى غيره .والمعنى : أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الغلو فى الكفر والعناد ، أننا لو فتحنا لهم بابا من أبواب السماء ، ومكناهم من الصعود إليه ، فظلوا فى ذلك الباب يصعدون ، ويطلعون على ملكوت السموات وما فيها من الملائكة والعجائب لقالوا بعد هذا التمكين والاطلاع - لفرط عنادهم وجحودهم - إنما أبصارنا منعت من الإِبصار ، وما نراه ما هو إلا لون من الخداع والتخييل والصرف عن إدراك الحقائق بسبب سحر محمد صلى الله عليه وسلم لنا وعلى هذا التفسير الذى سار عليه جمهور المفسرين ، يكون الضمير فى قوله ( فظلوا ) يعود إلى هؤلاء المشركين المعاندين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الكلام هو المذكور في سورة الأنعام في قوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ والحاصل: أن القوم لما طلبوا نزول ملائكة يصرحون بتصديق الرسول عليه السلام في كونه رسولاً من عند الله تعالى بين الله تعالى في هذه الآية أن بتقدير أن يحصل هذا المعنى لقال الذين كفروا هذا من باب السحر وهؤلاء الذين يظن أنا نراهم فنحن في الحقيقة لا نراهم.

والحاصل: أنه لما علم الله تعالى أنه لا فائدة في نزول الملائكة فلهذا السبب ما أنزلهم.

فإن قيل: كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يصيروا شاكرين في وجود ما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح، ولو جاز حصول الشك في ذلك كانت السفسطة لازمة، ولا يبقى حينئذ اعتماد على الحس والمشاهدة.

أجاب القاضي عنه: بأنه تعالى ما وصفهم بالشك فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسان على الكذب على سبيل العناد والمكابرة، ثم سأل نفسه وقال: أفيصح من الجمع العظيم أن يظهروا الشك في المشاهدات.

وأجاب بأنه يصح ذلك إذا جمعهم عليه غرض صحيح معتبر من مواطأة على دفع حجة أو غلبة خصم، وأيضاً فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصومين، سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكة، وهذا السؤال ما كان إلا من رؤساء القوم، وكانوا قليلي العدد، وإقدام العدد القليل على ما يجري مجرى المكابرة جائز.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يقال: ظل فلان نهاره يفعل كذا إذا فعله بالنهار ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل عمل بالنهار، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل، والمصدر الظلول، وقوله: ﴿ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يقال: عرج يعرج عروجاً، ومنه المعارج، وهي المصاعد التي يصعد فيها، وللمفسرين في هذه الآية قولان: القول الأول: أن قوله: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ من صفة المشركين.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله.

القول الثاني: أن هذه العروج للملائكة، والمعنى: أنه تعالى لو جعل هؤلاء الكفار بحيث يروا أبواباً من السماء مفتوحة وتصعد منها الملائكة وتنزل لصرفوا ذلك عن وجهه، ولقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها وقوله: ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ بالتخفيف، والباقون مشددة الكاف قال الواحدي سكرت غشيت وسددت بالسحر هذا قول أهل اللغة قالوا: وأصله من السكر وهو سد الشق لئلا ينفجر الماء، فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء من الجري، والتشديد يوجب زيادة وتكثيراً وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مأخوذ من سكر الشراب يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل فإذا كان هذا معنى التخفيف فسكرت بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد أخرى، وقال أبو عبيدة: ﴿ سُكّرَتْ أبصارنا ﴾ أي غشيت أبصارنا فوجب سكونها وبطلانها، وعلى هذا القول أصله من السكون يقال: سكرت الريح سكراً إذا سكنت وسكر الحر يسكر وليلة ساكرة لا ريح فيها وقال أوس: جذلت على ليلة ساهرة *** فليست بطلق ولا ساكره ويقال: سكرت عينه سكراً إذا تحيرت وسكنت عن النظر وعلى هذا معنى سكرت أبصارنا، أي سكنت عن النظر وهذا القول اختيار الزجاج.

وقال أبو علي الفارسي: سكرت صارت بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها، وكان معنى السكر قطع الشيء عن سننه الجاري، فمن ذلك تسكير الماء وهو رده عن سننه في الجرية، والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في الصحو، فهذه أقوال أربعة في تفسير ﴿ سُكّرَتْ ﴾ وهي في الحقيقة متقاربة، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال الجبائي: من جوز قدرة السحرة على أن يأخذوا بأعين الناس حتى يروهم الشيء على خلاف ما هو عليه لم يصح إيمانه بالأنبياء والرسل، وذلك لأنهم إذا جوزوا ذلك فلعل هذا الذي يرى أنه محمد بن عبد الله ليس هو ذلك الرجل وإنما هو شيطان، ولعل هذه المعجزات التي نشاهدها ليس لها حقائق، بل هي تكون من باب الآراء الباطلة من ذلك الساحر، وإذا حصل هذا التجويز بطل الكل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ يعرجون ﴾ بالضم والكسر.

و ﴿ سُكّرَتْ ﴾ حيرت أو حبست من الإبصار، من السكر أو السكر.

وقرئ: ﴿ سُكِرَت ﴾ بالتخفيف أي حبست كما يحبس النهر من الجري.

وقرئ: ﴿ سَكِرَت ﴾ من السكر، أي حارت كما يحار السكران.

والمعنى أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد: أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك.

وقيل: الضمير للملائكة، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك.

وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.

وقال: إنما، ليدل على أنهم يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ.

﴿ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يَصْعَدُونَ إلَيْها ويَرَوْنَ عَجائِبَها طُولَ نَهارِهِمْ مُسْتَوْضِحِينَ لِما يَرَوْنَ، أوْ تَصْعَدُ المَلائِكَةُ وهم يُشاهِدُونَهم.

﴿ لَقالُوا ﴾ مِن غُلُوِّهِمْ في العِنادِ وتَشْكِيكِهِمْ في الحَقِّ.

﴿ إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ سُدَّتْ عَنِ الإبْصارِ بِالسِّحْرِ مِنَ السُّكْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ، أوْ حُيِّرَتْ مِنَ السُّكْرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ « سُكِرَتْ» .

﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ قَدْ سَحَرَنا مُحَمَّدٌ بِذَلِكَ كَما قالُوهُ عِنْدَ ظُهُورِ غَيْرِهِ مِنَ الآياتِ، وفي كَلِمَتَيِ الحَصْرِ والإضْرابِ دَلالَةٌ عَلى البَتِّ بِأنَّ ما يَرَوْنَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هو باطِلٌ خُيِّلَ إلَيْهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ السِّحْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أبصارنا} حيرت أو حبست من الابصار من السكر أو من السكر سكِرت مكي أي حبست كما يحبس النهر من الجري والمعنى أن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها ورأوا من العيان ما رأوا لقالوا هو شيء نتخايله لا حقيقة له ولقالوا {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} قد سحرنا محمد بذلك أو الضمير للملائكة أي لواريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون وقال إنما ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للابصار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقالُوا ﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ وتَفادِيهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ: ﴿ إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ أيْ سُدَّتْ ومُنِعَتْ مِنَ الإبْصارِ حَقِيقَةً وما نَراهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ،ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ فَهو مِنَ السَّكْرِ بِالفَتْحِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: بِالكَسْرِ السَّدُّ والحَبْسُ، وقالَ ابْنُ السَّيِّدِ: السَّكْرُ بِالفَتْحِ سَدُّ البابِ والنَّهْرِ وبِالكَسْرِ السَّدُّ نَفْسُهُ ويُجْمَعُ عَلى سُكُورٍ، قالَ الرَّفّاءُ: غِناؤُنا فِيهِ ألْحانُ السُّكُورِ إذا قَلَّ الغِناءُ ورَنّاتُ النَّواعِيرِ ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ «سُكِرَتْ أبْصارُنا» بِتَخْفِيفِ الكافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ سَكِرَ المُخَفَّفَ المُتَعَدِّي اشْتُهِرَ في مَعْنى السَّدِّ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ المُرادَ حُيِّرَتْ فَهو مِنَ السُّكْرِ بِالضَّمِّ ضِدَّ الصَّحْوِ، وفَسَّرُوهُ بِأنَّهُ حالَةٌ تَعْرِضُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في الشَّرابِ وقَدْ يَعْتَرِي مِنَ الغَضَبِ والعِشْقِ، ولِذا قالَ الشّاعِرُ: سَكْرانُ سُكْرَ هَوًى وسُكْرَ مُدامَةٍ ∗∗∗ أنّى يُفِيقُ فَتًى بِهِ سَكْرانُ والتَّشْدِيدُ في ذَلِكَ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ سَكِرَ كَفَرِحَ لازِمٌ في الأشْهُرِ وقَدْ حُكِيَ تَعَدِّيهِ فَيَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ، وأرادُوا بِذَلِكَ أنَّهُ فَسَدَتْ أبْصارُنا واعْتَراها خَلَلٌ في إحْساسِها كَما يَعْتَرِي عَقْلَ السَّكْرانِ ذَلِكَ فَيَخْتَلُّ إدْراكُهُ فَفي الكَلامِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ وكَذا عَلى الأوَّلِ عِنْدَ بَعْضٍ ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ «سَكِرَتْ» بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الكافِ مُخَفَّفَةً مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ لِأنَّ الثُّلاثِيَّ اللّازِمَ مَشْهُورٌ فِيهِ ولِأنَّ سَكَرَ بِمَعْنى سَدَّ المَعْرُوفُ فِيهِ فَتْحُ الكافِ.

واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى سَكَنَتْ عَنْ إبْصارِ الحَقائِقِ مِن سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكِرُ سَكْرًا إذا رَكَدَتْ ويُقالُ: لَيْلَةٌ ساكِرَةٌ لا رِيحَ فِيها والتَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ ولَهم أقْوالٌ أُخَرُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى.

وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ وحُمِلَتْ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ عَلى التَّفْسِيرِ سُحِرَتْ أبْصارُنا ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ قَدْ سَحَرَنا مُحَمَّدٌ  كَما قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ سائِرِ الآياتِ الباهِرَةِ، والظّاهِرُ عَلى ما قالَ القُطْبُ إنَّهم أرادُوا أوَّلًا سُكِّرَتْ أبْصارُنا لا عُقُولُنا فَنَحْنُ وإنْ تَخَيَّلْنا هَذِهِ الأشْياءَ بِأبْصارِنا لَكِنْ نَعْلَمُ بِعُقُولِنا أنَّ الحالَ بِخِلافٍ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنِ الحَصْرِ في الإبْصارِ وقالُوا: بَلْ تَجاوَزَ ذَلِكَ إلى عُقُولِنا، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الحَصْرَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا تَسْكِيرًا فَأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ ( إنَّما ) تُفِيدُ الحَصْرَ في المَذْكُورِ آخِرًا وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَعْنى ما تَقَدَّمَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ المَقْصُودِ عَلى المَقْصُورِ عَلَيْهِ لازِمٌ وخِلافُهُ مُمْتَنِعٌ، وقَدْ قالَ المُحَقِّقَ في شَرْحِ التَّخْلِيصِ إنَّهُ يَجُوزُ إذا كانَ نَفْسُ التَّقْدِيمِ يُفِيدُ الحَصْرَ كَما في قَوْلِنا: إنَّما زِيدًا ضَرَبْتُ فَإنَّهُ لِقَصْرِ الضَّرْبِ عَلى زَيْدٍ، وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: صِفاتُهُ لَمْ تَزِدْهُ مَعْرِفَةً ∗∗∗ لَكِنَّها لَذَّةٌ ذَكَرْناها أيْ ما ذَكَرْناها إلّا لَذَّةً إلّا أنَّ هَذا لا يَنْفَعُ فِيما نَحْنُ فِيهِ.

نَعَمْ نُقِلَ عَنْ عَرُوسِ الأفْراحِ أنَّ حُكْمَ أهْلِ المَعانِي غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإنَّ قَوْلَكَ: إنَّما قُمْتُ مَعْناهُ لَمْ يَقَعْ إلّا القِيامُ فَهو لِحَصْرِ الفِعْلِ ولَيْسَ بِآخَرَ ولَوْ قُصِدَ حَصْرُ الفاعِلِ لانْفَصَلَ، ثُمَّ أوْرَدَ عِدَّةَ أمْثِلَةٍ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ تَدُلُّ عَلى ما ذَكَرُوهُ في المَسْألَةِ، فالظّاهِرُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لا يَرى ما قالُوهُ مُطَّرِدًا وهم قَدْ غَفَلُوا عَنْ مُرادِهِ هُنا قالَهُ الشِّهابُ، وما نَقَلَهُ عَنْ عَرُوسِ الأفْراحِ في إنَّما قُمْتُ مِن أنَّهُ لِحَصْرِ الفِعْلِ ولَوْ كانَ لِحَصْرِ الفاعِلِ لانْفَصَلَ يُخالِفُهُ ما في شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ مِن أنَّهُ إذا أُرِيدَ حَصْرُ الفِعْلِ في الفاعِلِ المُضْمِرِ فَإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الفِعْلِ شَيْءٌ مِن مُتَعَلِّقاتِهِ وجَبَ انْفِصالُ الفاعِلِ وتَأْخِيرُهُ كَما في قَوْلِكَ: إنَّما ضَرَبَ اليَوْمَ أنا، وكَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارُ وإنَّما ∗∗∗ يُدافِعُ عَنْ أحِسابِهِمْ أنا أوْ مِثْلِي وإنْ لَمْ يُذْكَرِ احْتَمَلَ الوُجُوبُ طَرْدًا لِلْبابِ وعَدَمُهُ بِأنْ يَجُوزَ الِانْفِصالُ نَظَرًا إلى المَعْنى والِاتِّصالِ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ إذْ لا فاصِلَ لَفْظِيًّا اه فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ إنَّما قُمْتُ لِحَصْرِ الفاعِلِ وإنْ لَمْ يَجِبِ الِانْفِصالُ لَكِنِ اخْتارَ السَّعْدُ في شَرْحِهِ وُجُوبَ الِانْفِصالِ مُطْلَقًا وحَكَمَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَعْنى إنَّما أقُولُ ما أنا إلّا أقُومُ كَما نَقَلَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ.

وأبُو حَيّانَ مَعَ طائِفَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ النُّحاةِ أنْكَرُوا إفادَةَ إنَّما لِلْحَصْرِ أصْلًا ولَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لَكِنَّهم قالُوا: إنَّها قَدْ تَأْتِي لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.

ووَجَّهَ الشِّهابُ الإضْرابَ بَعْدَ أنْ قالَ هو جَعْلُ الأوَّلِ في حُكْمِ المَسْكُوتِ عَنْهُ دُونَ النَّفْيِ ويَحْتَمِلُ الثّانِي بِأنَّهُ إضْرابٌ لِأنَّ هَذا لَيْسَ بِواقِعٍ في نَفْسِ الأمْرِ بَلْ بِطَرِيقِ السِّحْرِ أوْ هو بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ مِنَ الِاسْتِمْرارِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ أيْ مَسْحُورَيِّتُنا لا تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الحالَةِ بَلْ نَحْنُ مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْها في كُلِّ ما يُرِينا مِنَ الآياتِ، هَذا وفي هَذِهِ الآيَةِ مِن وصْفِهِمْ بِالعِنادِ وتُواطُئِهِمْ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والفَسادِ ما لا يَخْفى، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ الأُولى، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في المُرادِ مِنها وجْهًا بَعِيدًا جِدًّا فِيما أرى فَقالَ: المُرادُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى المُكَذِّبِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَكَ القُرْآنَ في قُلُوبِهِمْ وأدْخَلَهُ في سُوَيْدائِها كَما سَلَكَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَكَذَّبَ بِهِ هَؤُلاءِ وصَدَّقَ بِهِ هَؤُلاءِ كُلٌّ عَلى عِلْمٍ وفَهْمٍ لِيَهْلَكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةِ ولِئَلّا يَكُونَ لِلْكَفّارِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ بِأنَّهم ما فَهِمُوا وجْهَ الإعْجازِ كَما فَهِمَها مَن آمَنَ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى- وهم في مُهْلَةٍ وإمْكانٍ- أنَّهم ما كَفَرُوا إلّا عَلى عِلْمٍ مُعانِدِينَ باغِينَ غَيْرَ مَعْذُورِينَ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ أيْ هَؤُلاءِ فَهِمُوا القُرْآنَ وعَلِمُوا وُجُوهَ إعْجازِهِ ووَلَجَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ووَقَرَ ولَكِنَّهم قَوْمٌ سَجِيَّتُهُمُ العِنادُ وسَمْتُهُمُ اللِّدادُ حَتّى لَوْ سَلَكَ بِهِمْ أوْضَحَ السُّبُلِ وأدْعاها إلى الإيمانِ لَقالُوا بَعْدَ الإيضاحِ العَظِيمِ: إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا وسُحِرْنا وما هَذِهِ إلّا خَيالاتٌ لا حَقائِقَ تَحْتَها فَأسْجَلَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم لا عُذْرَ لَهم بِالتَّكْذِيبِ مِن عَدَمِ سَماعٍ ووَعْيٍ ووُصُولٍ إلى القُلُوبِ وفَهْمٍ كَما فَهِمَ غَيْرُهم مِنَ المُصَدِّقِينَ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا لَهم ولَيْسَ بِهِمْ إلّا العِنادُ والإصْرارُ لا غَيْرَ اه فَلْيُتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يعني: قد أرسلنا قَبْلِكَ يا محمد رُسُلاً فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ أي: في أمم وقرون الأولين قبل أمتك وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: كانوا يسخرون منهم كما سخر منك قومك كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ قرأ بعضهم نَسْلُكُهُ بضم النون، وكسر اللام.

وقراءة العامة: بنصب النون، وضم اللام.

وهما لغتان.

يقال: سلكت الخيط في الإبرة، إذا أدخلته فيها.

ومعناه: هكذا ندخل الإضلال في قلوب المجرمين أي: المشركين عقوبة ومجازاة لكفرهم.

ويقال: معناه هكذا نطبع على قلوب المجرمين.

ويقال: نجعل حلاوة التكذيب بالعذاب.

ويقال: للشرك في قلوب المشركين الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني: لا يصدقون بالله.

ويقال: بمحمد  ويقال: بالعذاب إنه غير نازل بهم.

وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي: مضت بالعذاب عند التكذيب.

ويقال: تقدمت سيرة الأولين بالهلاك.

قوله عز وجل: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ أي: فصاروا يصعدون فيه وينزلون، يعني: الملائكة، ويراهم المشركون، وهم أهل مكة لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا يقول: أخذت، وأغشيت أبصارنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ أي: ولقالوا سحرنا فلا نبصر.

وروى قتادة عن ابن عباس أنه قال: «لو فتح الله عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء، فظلت الملائكة يعرجون فيه لقالوا: أخذت أبصارنا» .

قرأ ابن كثير سُكِّرَتْ بالتخفيف.

وهكذا قرأ الحسن.

وقرأ الباقون بالتشديد.

وقال القتبي: سُكِّرَتْ بالتشديد أي: غُشِّيَتْ.

ومنه يقال: سُكِّر النهر إذا سدّ، ومنه إذا أسكر الشراب وهو الغطاء على العقل.

ومن قرأ سُكِّرَتْ بالتخفيف أي: سحرت، يعني: إنهم لا يعتبرون به، كما لم يعتبروا بانشقاق القمر حين رأوه معاينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَوْ مَا تَأْتِينا: هَلاَّ تأتينا.

وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ: قال مجاهدٌ: المعنى: بالرسالةِ والعذاب «١» ، والظاهرُ أنَّ معناه كما ينبغي ويَحِقُّ من الوحْيِ والمنافعِ التي أراها اللَّه لعباده، لا على اقتراح كافرٍ، ثم ذكَر عادَتَهُ سبحانَهُ في الأُمَمِ من أنَّه لم يأتهم بآيَةِ اقتراح، إِلا ومعها العَذَابُ في إِثِرها إِن لم يُؤْمِنوا، والنَّظِرَة: التأخير.

وقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ: رَدٌّ على المستَخفِّين في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ: قال مجاهدٌ وغيره: الضميرُ في «له» عائدٌ على القرآن «٢» ، المعنى: وإِنا له لحافِظُونَ من أن يبدّل أو يغيّر.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ الآية: تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

أيْ: لا يضقْ صدْرُكَ، يا محمَّد، بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وغير ذلك، و «الشيعة» : الفرقة التابعة لرأْسٍ مَّا.

ت: قال الفرَّاء فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ إِنَّه من إِضافة الموصوفِ إِلى صفته ك حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥] ، و «جَانِبِ الغَرْبِيِّ» [القصص: ٤٤] ، وتأوَّله البصريُّون على حذف الموصوفِ، أي: شيع الأمم الأولين.

انتهى من ص.

وقوله سبحانه: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ: يحتمل أنْ يكون الضَّميرُ في نَسْلُكُهُ يعودُ على الذكْر المحفوظِ المتقدِّم، وهو القرآن، ويكون الضميرُ في «به» عائداً عليه أيضاً، ويحتمل أن يعود الضميران معاً على الاستهزاء والشرك ونحوه، والباء في «به» : باء السبب، أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويحتملُ أنْ يكون الضمير في نَسْلُكُهُ عائداً على الاستهزاء والشركِ، والضمير في «به» عائداً على القرآن، والمعنى، في ذلك كلِّه، ينظر بعضه إلى بعض،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ أيْ: يَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ بِالنَّهارِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِهَذا الصُّعُودِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، فالمَعْنى: لَوْ كُشِفَ عَنْ أبْصارِ هَؤُلاءِ فَرَأوْا بابًا مَفْتُوحًا في السَّماءِ والمَلائِكَةُ تَصْعَدُ فِيهِ، لَما آمَنُوا بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَوْ وصَّلْناهم إلى صُعُودِ السَّماءِ، لَمْ يَسْتَشْعِرُوا إلّا الكُفْرَ، لِعِنادِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ الكافِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ بِتَخْفِيفِها.

قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، والمَعْنى: حُبِسَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: سَكَرَتِ الرِّيحُ: إذا سَكَنَتْ ورَكَدَتْ.

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: مَعْنى " سُكِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ، مَأْخُوذٌ مِن سُكْرِ الشَّرابِ، يَعْنِي: أنَّ الأبْصارَ حارَتْ، ووَقَعَ بِها مِن فَسادِ النَّظَرِ مِثْلُ ما يَقَعُ بِالرَّجُلِ السَّكْرانِ مِن تَغَيُّرِ العَقْلِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا كانَ هَذا كانَ مَعْنى التَّخْفِيفِ، فَسُكِّرَتْ، بِالتَّشْدِيدِ، يُرادُ بِهِ وُقُوعُ هَذا الأمْرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: " سُكِّرَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، مِنَ السُّكُورِ الَّتِي تَمْنَعُ الماءَ الجِرْيَةَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الأبْصارَ مُنِعَتْ مِنَ النَّظَرِ كَما يَمْنَعُ السِّكْرُ الماءَ مِنَ الجَرْيِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " سُكِّرَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، فَسَّرُوها: أُغْشِيَتْ، و " سُكِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ: تَحَيَّرَتْ وسَكَنَتْ عَنْ أنْ تَنْظُرَ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكَرُ: إذا سَكَنَتْ.

ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ قالَ: أُخِذَ بِأبْصارِنا وشُبِّهَ عَلَيْنا، وإنَّما سُحِرْنا.

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ سُدَّتْ بِالسِّحْرِ، فَيَتَماثَلُ لِأبْصارِنا غَيْرُ ما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ أوالشِرْكِ ونَحْوَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ زَيْدٍ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وتَكُونُ باءَ السَبَبِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى "الذِكْرِ المَحْفُوظِ" المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ وهو القُرْآنُ، أيْ: مُكَذَّبًا بِهِ مَرْدُودًا مُسْتَهْزَءًا بِهِ نُدْخِلُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدًا عَلَيْهِ أيْضًا، أيْ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والشِرْكِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، فَيَخْتَلِفُ عَلى هَذا عَوْدُ الضَمِيرَيْنِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْظُرُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.

و"نَسْلُكُهُ" مَعْناهُ نَدْخُلُهُ، يُقالُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ إذا أدْخَلَتْهُ فِيهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لِمَ أُعَرِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في أمْرٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شَلّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُرُدا وَمِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ يَصِفُ حُمُرُ وحْشٍ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ قالَ الزُجاجُ: ويُقْرَأُ: "نُسْلِكُهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ اللامِ.

و"المُجْرِمِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن خُتِمَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ، وتَقُولُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ وأسْلَكْتُهُ، بِمَعْنى واحِدٍ، ويُرْوى: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ وكَفَرَةِ العَصْرِ المَخْتُومِ عَلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَظَلُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلَيْهِمْ، وهو أبْلَغُ في إصْرارِهِمْ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ.

و"يَعْرُجُونَ" مَعْناهُ: يَصْعَدُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَعْرُجُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، والمَعارِجِ: الأدْراجُ، ومِنهُ المِعْراجُ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ: إلى حَسْبٍ عَوْدٍ بَنى المَرْءَ قَبْلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أبُوهُ لَهُ فِيهِ مَعارِجُ سُلَّمِ وَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ  ﴾ ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: "وَلَوْ رَأوُا المَلائِكَةَ يَصْعَدُونَ ويَتَصَرَّفُونَ في بابٍ مَفْتُوحٍ في السَماءِ، لَما آمَنُوا"، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ كَثِيرٍ: "سُكِّرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وشَدِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الكافِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وقَرَأ ابْنُ الزَهْرِيِّ بِفَتْحِ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: "سُحِّرَتْ أبْصارُنا"، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ انْتِقالًا إلى دَرَجَةٍ عُظْمى مِن سِحْرِ العَقْلِ.

وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتِ الرِيحُ تَسْكَرُ سُكُورًا" إذا رَكَدَتْ ولَمْ تَنْفَذْ لِما كانَتْ بِسَبِيلِهِ أوَّلًا، وتَقُولُ: "سَكِرَ الرَجُلِ مِنَ الشَرابِ يَسْكَرُ سُكْرًا": إذا تَغَيَّرَتْ حالُهُ ورَكَدَ ولَمْ يَنْفُذْ فِيما لِلْإنْسانِ أنْ يَنْفُذَ فِيهِ، ومِن هَذا المَعْنى: "سَكْرانُ لا يَبِتُّ"، أيْ: لا يَقْطَعُ أمْرًا، وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتُ الفَتْقَ في مَجارِي الماءِ سَكْرًا" إذا طَمَسَتْهُ وصَرَفَتِ الماءَ عنهُ فَلَمْ يَنْفُذْ لِوَجْهِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ اللَفْظَةُ: "سُكِّرَتْ" بِشَدِّ الكافِ إذا كانَتْ مِن سُكْرِ الشَرابِ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَهي فِعْلٌ عُدِّيَ بِالتَضْعِيفِ، وإنْ كانَتْ مَن سَكْرِ مَجارِي الماءِ فَتَضْعِيفُها لِلْمُبالَغَةِ، لا لِلتَّعْدِيَةِ، لَأنَّ المُخَفَّفَ مَن فَعْلِهُ مُتَعَدٍّ، ورَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، لَأنَّ "الأبْصارَ" جَمْعٌ، والتَثْقِيلُ مَعَ الجَمْعِ أكْثَرُ، كَما قالَ: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ  ﴾ ، ومَن قَرَأ: "سَكِرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، فَإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَن سَكِرَ الماءُ فَهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، وإنْ كانَتْ مَن سَكِرَ الشَرابُ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَيَضْمَنا أنَّ الفِعْلَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ إلى أنْ نَنْزِلَهُ مُتَعَدِّيًا، ويَكُونُ هَذا الفِعْلُ مِن قَبِيلِ: رَجَعَ زَيْدٌ ورَجَعَهُ غَيْرَهُ، وغارَتِ العَيْنُ وغارَها الرَجُلُ، فَتَقُولُ -عَلى هَذا-: سَكِرَ الرَجُلُ وسَكَرَهُ غَيْرُهُ، وسَكَرَتِ الرِيحُ وسَكَرَها شَيْءٌ غَيْرَها، ومَعْنى هَذِهِ المَقالَةِ مِنهُمْ: أيْ غُيِّرَتْ أبْصارُنا عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ، فَهي لا تُعْطِينا حَقائِقَ الأشْياءِ كَما كانَتْ تَفْعَلُ.

وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن هَذِهِ اللَفْظَةِ بِقَوْلِهِ: غُشِيَ عَلى أبْصارِنا، وقالَ بَعْضُهُمْ: عُمِّيَتْ أبْصارُنا، وهَذا ونَحْوَهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى لا يَرْتَبِطُ بِاللَفْظِ، ويُقالُ أيْضًا: هَؤُلاءِ المُبْصِرُونَ عُرُوجَ المَلائِكَةِ أو عُرُوجَ أنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: "سُكِّرَتْ أبْصارُنا" بَلْ سُحِرْنا حَتّى لا نَعْقِلَ الأشْياءَ كَما يَجِبُ، أيْ صَرِفَ فِينا السِحْرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ لا يؤمنون به ﴾ [سورة الحجر: 13] وهو كلام جامع لإبطال جميع معاذيرهم من قولهم: ﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ سورة الحجر (7) وقولهم؛ ﴿ إنك لمجنون ﴾ [سورة الحجر: 6] بأنهم لا يطلبون الدلالة على صدقه، لأن دلائل الصدق بيّنة، ولكنهم ينتحلون المعاذير المختلفة.

والكلامُ الجامعُ لإبطال معاذيرهم: أنهم لو فتح الله باباً من السماء حين سألوا آيةً على صدق الرسول، أي بطلب من الرسول فاتصلوا بعالم القدس والنفوس الملكية ورأوا ذلك رأي العين لاعتذروا بأنها تخيّلات وأنهم سُحِروا فرأوا ما ليس بشيء شيئاً.

ونظيره قوله: ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ﴾ [سورة الأنعام: 7].

و (ظلّ) تدل على الكون في النهار، أي وكان ذلك في وضح النهار وتبين الأشباح وعدم التردد في المرئي.

والعُروج: الصعود.

ويجوز في مضارعه ضمّ الراء وبه القراءة وكسرها، أي فكانوا يصعدون في ذلك الباب نهاراً.

وسكرت} بضم السين وتشديد الكاف في قراءة الجمهور، وبتخفيف الكاف في قراءة ابن كثير.

وهو مبني للمجهول على القراءتين، أي سدّت.

يقال: سكر البابَ بالتشديد وسكره بالتخفيف إذا سدّه.

والمعنى: لجحدوا أن يكونوا رأوا شيئاً.

وأتوا بصيغة الحصر للدلالة على أنهم قد بتّوا القول في ذلك.

وردّ بعضهم على بعض ظن أن يكونوا رأوا أبواب السماء وعرجوا فيها، وزعموا أنهم ما كانوا يبصرون، ثم أضربوا عن ذلك إضراب المتردّد المتحيّر ينتقل من فرض إلى فرض فقالوا: ﴿ بل نحن قوم مسحورون ﴾ ، أي ما رأيناه هو تخيلات المسحور، أي فعادوا إلى إلقاء تبعة ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سحرهم حين سأل لهم الله أن يفتح باباً من السماء ففتحه لهم.

وقد تقدم الكلام على السحر وأحواله عند قوله تعالى: ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾ في سورة البقرة (102).

وإقحام كلمة قوم } هنا دون أن يقولوا: بل نحن مسحورون، لأن ذكرها يقتضي أن السحر قد تمكن منهم واستوى فيه جميعهم حتى صار من خصائص قوميتهم كما تقدم تبيينه عند قوله تعالى: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).

وتكرر ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَظَلَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَعْرُجُونَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: فَظَلَّتِ المَلائِكَةُ فِيهِ يَعْرُجُونَ وهم يَرَوْنَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ في ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما بِتَشْدِيدِ الكافِ، والثّانِيَةُ بِتَخْفِيفِها، وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُما واحِدٌ، فَعَلى هَذا سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سُدَّتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: عَمِيَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أُخِذَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: خُدِعَتْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

الخامِسُ: غُشِيَتْ وغُطِّيَتْ، قالَهُ أبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وطَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْها مِغْفَرُ وجَعَلَتْ عَيْنُ الحَرُورِ تُسْكَرُ السّادِسُ: مَعْناهُ حُبِسَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَمِنهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ فَصِرْنَ عَلى لَيْلَةٍ ساهِرَةْ ∗∗∗ فَلَيْسَتْ بِطَلْقٍ ولا ساكِرَةْ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى سُكِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مُخْتَلِفٌ، وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ بِالتَّخْفِيفِ سُحِرَتْ، وبِالتَّشْدِيدِ: أُخِذَتْ.

الثّانِي: أنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ مِن سُكْرِ الشَّرابِ، وبِالتَّشْدِيدِ مَأْخُوذٌ مِن سَكَّرْتُ الماءُ.

" بَلْ نَحْنُ مَسْحُورُونَ " فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ سُحِرْنا فَلا نُبْصِرُ.

الثّانِي: مُضَلَّلُونَ، حَكاهُ ثَعْلَبٌ.

الثّالِثُ: مُفْسِدُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ يقول: ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه، يختلفون فيه ذاهبين وجائين لقال أهل الشرك: إنماأخذت أبصارنا وشبه علينا وسحرنا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ قال: رجع إلى قوله: ﴿ لو ما تأتينا بالملائكة...

﴾ ما بين ذلك قال ابن جريج: قال ابن عباس: لظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم ﴿ لقالوا إنما سكرت ﴾ سدت ﴿ أبصارنا ﴾ قال: قريش تقوله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سكرت أبصارنا ﴾ قال: سدت.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه قرأ ﴿ سكرت أبصارنا ﴾ خفيفة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: من قرأ ﴿ سكرت ﴾ مشددة، يعني سدّت؛ ومن قرأ ﴿ سكرت ﴾ مخففة، فإنه يعني سحرت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ قرئ بالتشديد (١) (٢) (٣) (٤) وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مأخوذٌ من سُكْرِ الشرابِ؛ يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل وفساد اللب (٥) وقال أبوعبيدة: ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ : غُشيت سَمَادِيرُ (٦) (٧) جاءَ الشِّتاءُ واجْثَألَّ القُبَّرُ ...

وجَعَلَتْ عينُ الحَرُورِ تَسْكَرُ (٨) (٩) وعلى هذا القول أصله من السكون؛ يقال: سَكَرَتِ الرّيحُ، إذا سكنت، وسَكَرَ الحرُّ يسْكُرُ، وليلةٌ ساكِرَةٌ؛ لا ريحَ فيها (١٠) خُذِلتُ على لَيْلهٍ سَاهِرهْ ...

فليسَتْ بطَلْقٍ ولا ساكِرهْ (١١) (١٢) قال أبو علي الفارسي: معنى ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ صارت بحيث لا ينفذ نورها ولا تُدرِك الأشياءَ على حقيقتها، وكأن معنى التسكير قطع الشيء عن سننه (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ  ﴾ ، ووجه التخفيف أن هذا النحو من الفعل المسند إلى الجماعة قد يُخَفّف، كقوله: ما زِلتُ أُغْلِقُ أبوابًا وأفتحُها (١٦) ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ بالتخفيف قد ثبت تعدِّيه بهذه القراءة [[قال أبو علي: الفعل إذا بُني للمفعول فلا بُدّ من تنزيله معدّى، فيكون تعدّيه على قراءة ابن كثير مثل: شَتِرتْ عينُهُ، وشَترْتُها.

"الحجة" 5/ 44 [الشَّتَرُ: انقلاب في جَفنِ العين الأسفل قلَّ ما يَكُونُ خِلْقَةً] "المحيط في اللغة" "شتر" 7/ 305، وقال المنتجب: بل هو من الأفعال التي سمُع معدى وغيرُ معدى؛ نحو: غاضَ الماء، وغاضَهُ اللهُ، وصَعِقَ زيدٌ، وصُعِقَ، وسعِدَ زيدٌ وسُعِدَ.

"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 191.]]، ويجوز أن يكون من قرأ بالتخفيف أراد التثقيل، فحذفه وهو يريده؛ كما جاء ذلك في المصادر وأسماء الفاعلين؛ نحو: عَمْرَكَ الله (١٧) ...........

دَلْوُ الدَّالِيَ (١٨) ﴿ الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ (١٩) فأمّا التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: تحيرت أبصارنا، ورُوي عنه أيضًا: سُدت (٢٠) (٢١) وقال الحسن: سُحرت (٢٢) (٢٣) وقال الكلبي: أُغشيت وعُميت (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ أي: سَحرنا محمد -  -.

قال الكلبي: يقولون سَحرنا فلا نبصر (٢٥) ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا ﴾ (٢٦) (١) قرأ بها القُراء السبعة ماعدا ابن كثير.

انظر: "السبعة" ص 366، "إعراب القراءات السبع" وعللها 1/ 343، "علل القراءات" 1/ 295، "الحجة للقراء" 5/ 43، "المبسوط في القراءات" ص 220.

(٢) قرأ بها ابن كثير وحده.

المصادر السابقة.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719 بنصه (٤) انظر: (سكر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1719 بنصه ونسبه لليث، "المحيط في اللغة" 6/ 184، "اللسان" 4/ 2047، "التاج" 6/ 535.

(٥) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 12 مختصراً، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 14، "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 386، الفخر الرازي 19/ 167، "تفسير القرطبي" 10/ 9، "اللسان" (سكر) 4/ 374.

(٦) السَّماديرُ: ضعفُ البصر وغشاوة العين، ويقال: هو الشيء الذي يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السُّكر من الشراب وغيره.

انظر: باب الرباعي (سمدد) في "تهذيب اللغة"، 2/ 1751، و"المحيط في اللغة" 8/ 429.

(٧) للمثنى بن جندل الطُّهوي.

عاش في العصر الأموي، وأخباره في "سمط اللآلي" ص 644.

(٨) ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 175، "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "اللسان" (سكر) 4/ 2048، (قبر) 6/ 3510، وورد في بعض المصادر على النحو التالي: == جاء الشتاء واجْثألَّ القُنْبُرُ ...

واستَخْفَتِ الأفْعَى وكانت تظهرُ وطعلتْ شمشٌ عليها مِغْفَر ...

وجعلت عينُ الحرورِ تسكرُ وقد ورد بهذه الرواية في "مجاز القرآن" 1/ 348، و"تفسير الطوسي" 14/ 13، والطبري 7/ 499 ولم يذكر الشطر الثالث، الماوردي 3/ 151، "تفسير القرطبي" 10/ 8 أوردا البيت الثاني فقط.

(اجثأل) اجتمع وتقبّض، (قبّر) قال الأزهري: يقال للقْبرة قُبُّرة وقُبَّرٌ؛ وهو طائر يشبه الحُمَّرة، وجمعها قنابر، (الحَرُوْرُ) حرُّ الشمس.

انظر: "تهذيب اللغة" (قبر) 3/ 2871، (سكر) 2/ 1719، "المحيط في اللغة" (حر) 2/ 311، (قبر) 5/ 411، "متن اللغة" 4/ 481.

(٩) "مجاز القرآن" 1/ 347 بنصه ما عدا الشعر.

(١٠) انظر: (سكر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1719 بنصه، "اللسان" 4/ 2048، "التاج" 6/ 535.

(١١) "ديوان أوس" ص 34، وقد ورد بالرواية التالية: خُذِلْتُ على ليلةٍ ساهِرَهْ ...

بصحراء شَرْجٍ إلى ناظِرَهْ تُزَادُ ليَاليَّ في طُولِهَا ...

فلَيْسَتْ بِطَلْقٍ ولا ساكِرهْ ورد في "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "تفسير الماوردي" 3/ 151 بدايته "فصرن"، "الاقتضاب" ص 412، "شرح الجواليقي" ص 239 ورد فيهما برواية الديوان، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 167، "تفسير القرطبي" 10/ 8 بدايته (فصرت)، "اللسان" (سكر) 4/ 2048.

يقول: خذلت على أن ليلتي ساهرة؛ أي ساهر صاحبها؛ كما تقول نهاره: صائم؛ أي يصوم فيه، والطلق: اليوم الطيب الذي لا حرّ فيه ولا برد، واستطال الليلة لما لقي فيها من الألم والشدة، وذلك أن أوس بن حجر انطلق مسافراً حتى إذا كان بأرض بني أسد بين مكانين يقال لأحدهما شرج، وللآخر ناظره، جالت به ناقته فصرعته فانكسرت فخده.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 175 بنحوه، ويبدو أنه نقل قول الزجاج من "تهذيب اللغة" لتطابقه، "تهذيب اللغة" "سكر" 2/ 1719 بنصه، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 167.

(١٣) في الحجة: (سببه) والصحيح سننه، ولعلها تصحيف من محقق الحجة.

(١٤) في جميع النسخ: (سننه)، والمثبت هو الصحيح وموافق لما في الحجة، والسِّيْبُ: مخرج الماء من الوادي، وجمعه سُيُوبٌ، وقد ساب الماء يسيب: إذا جَرَىْ.

"تهذيب اللغة" (ساب) 2/ 1584، "المحيط في اللغة" (سيب) 8/ 397.

(١٥) معناه: لا يقطع أمراً، وقيل: ما يُبَيِّن كلاماً.

انظر: (بن) في: "تهذيب اللغة" 1/ 269، "المحيط في اللغة" 9/ 415.

(١٦) نُسب إلى الفرزدق في كل المصادر ما عدا الحجة وليس في ديوانه، ونسب -في "الحجة" 3/ 441 - للراعي النميري، وهو في "ديوانه" ص 33 برواية: ما زال يفتح أبواباً ويغلقها ...

دوني وأفتح باباً بعد ارتاجِ= (بعد ارتاج): بعد إغلاق، يقال: أَرْتَجْتُ الباب إرتاجاً: أي أغلقته إغلاقاً، ويقال لغلق الباب: الرتاج، ويقال للرجل إذا امتنع عليه الكلام: أُرتج عليه.

وعجزه: حتى أتيتُ أبا عمرو بنَ عمَّارِ ورد في: "الحجة للقراء" 5/ 43، "تفسير الطوسي" 6/ 322، وورد في: "الكتاب" 3/ 506، 4/ 63، 65، و"أدب الكاتب" ص 461، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 456، 528، و"الاقتضاب" ص 409، و"شرح الجواليقي" ص 233، و"اللسان" (غلق) 10/ 291، برواية: ما زِلْتُ أفتحُ أبواباً وأُغلقُها ...

حتى أتيت أبا عمرِو بْنَ عَمّار قال أبو حاتم السجستاني: ويَقصد بأبي عمرو: أبا عمرو بن العلاء المازني النحوي، والمعنى: لم أزل أتصرف في العلم وأطويه وأنشره حتى لقيت أبا عمرو فسقط علمي عند علمه.

(١٧) الشاهد: تخفيفها؛ والأصل تشديدها، قال سيبويه: "وكأنّه حيث قال: عَمْرَك الله، وقعِدك الله، قال: عَمّرتُك الله بمنزلة نَشدتُك الله، فصارت عَمْرَك الله منصوبةً بعمَّرتُك الله ..

" "الكتاب" 1/ 322.

(١٨) قطعة من بيت من رجز للعجاج يصف ماءً، وتمامه: (يكشفُ عن جَمّاتِهِ دلْوُ الدَّالْ) == ورد في ملحقات "ديوانه" 2/ 321، و"أدب الكاتب" ص 612، "الصحاح" (دلو) 6/ 2339، وورد غير منسوب في: "المقتضب" 4/ 179، "الحجة للقراء" 2/ 254، "إيضاح الشعر" ص 580.

590، "المخصص" 9/ 167 نسبه لأبي علي، وفي جميع المصادر: (الدَّالْ) بدل (الدَّالي) ولا فرق، (الدَّالْ): أي المُدْلِي؛ وهو المستقي، (جماته): جمع جمّة؛ وهي المكان الذي يجتمع فيه ماء البئر، والشاهد: أن الأصل (المُدْلي) فحذف الزيادة، قال ابن قتيبة: ولو قال العَجَّاجُ: (المدلي) لكان أشبهَ بما أراد، ولكنه أراد القافيةَ، وعلم أن الدالي والمُدلي يجوز أن يوصفَ بهما المستقي بالدلو.

انظر: "أدب الكاتب" ص 612، "الحجة للقراء" 2/ 254.

(١٩) "الحجة للقراء" 5/ 43 بتصرف يسير.

والشاهد في: (لواقح) أن أصلها (ملاقح)؛ لأنها إذا أَلقَحَتْ كانت مُلقِحةً، وجمع المُلْقِحِ: ملاقح، ولواقح على حذف الزيادة.

"الحجة للقراء" 2/ 254.

(٢٠) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 371، "تفسير القرطبي" 10/ 8، الخازن 3/ 90.

(٢١) أخرجه الطبري 14/ 12 بلفظه، وورد بلفظه في: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "تفسير الطوسي" 6/ 323، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 386، ابن كثير 2/ 602، "الدر المنثور" 4/ 176 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢٢) ورد بلفظه في: "الغريب" لابن قتيبة 1/ 238، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 14، و"تفسير السمرقندي" 2/ 216، والثعلبي 2/ 146 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 371، و"تفسير القرطبي" 10/ 8.

(٢٣) "أخرجه الطبري" 14/ 12 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير السمرقندي" 2/ 216، والثعلبي 2/ 146 أ، والماوردي 3/ 151، و"تفسير البغوي" 4/ 371، و"تفسير == القرطبي" 10/ 8، وقد روي هذا القول عن ابن عباس أيضًا في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 14، و"الدر المنثور" 4/ 176 روي عن قتادة بلفظ سدّت وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والمؤكد أن قتادة رواه عن ابن عباس، ويؤيده أن عبد الرزاق 2/ 346، والطبري 14/ 12 أخرجاه بلفظه عن قتادة عن ابن عباس، وكذلك أورده ابن كثير 2/ 652.

(٢٤) " أخرجه الطبري" 14/ 13 بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 أ، بنحوه، والماوردي 3/ 151 بلفظه، و"تفسير البغوي" 14/ 371، و"تفسير القرطبي" 10/ 8، وابن كثير 2/ 602.

(٢٥) وورد غير منسوب في "تفسير البغوي" 4/ 371.

(٢٦) والآية كاملة هي: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ والشاهد ظاهر.

فالآية تؤكد عدم جدّية القوم في الإيمان بالرسول مهما أظهر لهم من المعجزات الحسية التي طالبوه بها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين ﴾ أي تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء حتى هلكوا بذلك، ففي الكلام تهديد لقريش ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أبصارنا ﴾ الضمائر لكفار قريش المعاندين المحتوم عليهم بالكفر وقيل: الضمير في ظلوا وفي يعرجون للملائكة وفي قالوا للكفار، ومعنى: يعرجون يصعدون، والمعنى أن هؤلاء الكفار لو رأوا أعظم آية لقالوا: إنها تخييل أو سحر، وقرئ سكِّرت بالتشديد والتخفيف ويحتمل أن يكون مشتقاً من السكر، فيكون معناه: أجبرت أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته، أو من السِّكْر وهو السد فيكون معناه منعت أبصارنا من النظر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.

و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.

الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.

الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون بالإسكان.

الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.

﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.

التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.

وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً  والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.

أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.

و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.

وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.

ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟

وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.

والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.

وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.

فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.

وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".

ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".

ومتى تكون هذه الودادة؟

قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.

وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.

وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.

وقيل: إذا اسودت وجوههم.

روي عن النبي  "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.

فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟

قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟

فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

وقرأ رسول الله  الآية" .

وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه  في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله  بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه  وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.

وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.

وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.

لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.

وألهاني غيره.

عن أنس أن النبي  خط خطاً وقال: هذا الإنسان.

وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.

وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.

فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.

ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.

قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.

وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.

قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.

وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: أراد مجموع الأمرين.

قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.

فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.

وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.

ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.

فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه  .

ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.

﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟

والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟

فأجاب الله  عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه  يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.

وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.

قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.

وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.

ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.

وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله  كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ والقول الأول أوضح.

ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.

ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.

وقيل: حفظ بالدرس.

والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.

ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه  أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.

وههنا نكتة هي أنه  تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.

ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي  .

وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.

ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.

قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين  ﴾ و ﴿ بجانب الغربي  ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله  ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.

قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.

وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.

والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.

وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.

وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.

والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.

ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.

واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه  سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟

أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.

ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.

والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.

فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.

عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله  وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي  من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.

قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.

وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.

وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟

وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.

ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.

ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.

ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.

الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.

وقال المنجمون.

إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.

ونظير هذه الآية قوله  في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح  ﴾ ومثله في سورة الملك.

الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.

وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.

قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى  منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد  منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.

والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.

قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي  إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.

وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى  ثم في زمن محمد  .

أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟

والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.

آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟

وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  قال: بينما النبي  جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟

قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.

فقال النبي  : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا  إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟

فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟

والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.

آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي  بقي بعد وفاته؟

الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.

آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟

وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله  أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.

آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟

وأجيب بأنه  أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.

وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.

آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي  عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.

لا يقال: إنه  أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي  لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟

والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.

الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.

الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.

وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.

وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.

وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.

يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.

وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.

﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".

﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.

وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله  وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.

يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.

ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.

قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.

وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.

والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.

فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.

قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه  نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.

الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.

قاله الحسن وقتادة والضحاك.

وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.

وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.

وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.

وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله  : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً  ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.

والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه  ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.

﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.

الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.

قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.

ويروى أنه  رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.

والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.

وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله  وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.

وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.

وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.

وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد  .

وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.

والظاهر العموم وأن علمه  شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.

ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.

الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.

وقد أجمع المفسرون على أنه آدم  ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر  أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.

والأقرب أنه  خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.

وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.

وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.

أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.

وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.

والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.

المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.

وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.

وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.

قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.

قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.

قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.

والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.

ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.

قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.

الله منها الجان.

ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.

على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.

ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.

والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.

والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.

﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.

﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.

فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.

قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.

وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح  ﴾ .

ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.

قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.

وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.

ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟

فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.

ثم قال  وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟

قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.

وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض  ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.

قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.

أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.

وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.

﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".

ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.

وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".

ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.

قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.

ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله  ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.

وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته  فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.

﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.

﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.

وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله  في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.

وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم  ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.

﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.

وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.

وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله  .

والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.

فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.

وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.

والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.

والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.

ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله  : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان  ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن  ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.

ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.

ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.

فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.

ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.

قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.

وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.

إخوة الدين والتعاطف.

والسرر جمع سرير.

قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.

والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.

عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.

والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.

ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".

التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.

ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.

﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.

ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله  بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.

﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.

وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.

﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.

﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.

فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.

﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.

وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

قيل: في ملك الأولين.

وقيل: في فرق الأولين.

وقيل: في جماعات [الأولين]، وهو واحد.

﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له.

يقول - والله أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصاً به، من بين سائر الخلائق.

والله أعلم.

كأن هذه الآية صلة قولهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ ، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ...

﴾ إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليداً لآبائهم، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأولئك - أعني: الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليداً بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن استهزأ بآخر [فشتمه؛ تقليداً] واقتداء وتلقناً - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ لا يؤمنون به، يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نجعل الكفر والتكذيب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ بكفرهم؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...

﴾ الآية [الأنعام: 25] وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً  ﴾ ونحوه.

ويحتمل قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ الحجج والآيات؛ ليكون تكذيبهم وردّهم [الآيات والحجج]، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها.

هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب، والردّ، والمعاندة، والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات.

ويحتمل: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله، ومعاندتهم إياها.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر بالعذاب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: لا يصدقون بالعذاب ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهؤلاء يستنون بسنتهم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ : أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ  ﴾ وقال: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ  ﴾ أي: أدخل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ .

يخبر - عز وجل - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة بقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ يقول: إن سؤالهم الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ...

﴾ الآية [الأنعام: 109] ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ وذلك أن المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين مكابرين - ليسوا بمسترشدين.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم ﴾ : يعني على الملائكة بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ وقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ قيل: حيرت وسدت، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ : أي: سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ﴾ أي: لهم ﴿ بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ حتى ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ فيه ويعاينون نزول الآيات ويشاهدون كل شيء ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ يؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، وقوله  : ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لما صدقوا، ولقالوا: إنما سُدَّت أبصارنا عن الإبصار، بل ما نراه هو بتأثير السحر، فنحن مسحورون.

من فوائد الآيات القرآن الكريم جامع بين صفة الكمال في كل شيء، والوضوح والبيان.

يهتم الكفار عادة بالماديات، فتراهمِ مُنْغَمِسين في الشهوات والأهواء، مغترين بالأماني الزائفة، منشغلين بالدنيا عن الآخرة.

هلاك الأمم مُقَدَّر بتاريخ معين، ومقرر في أجل محدد، لا تأخير فيه ولا تقديم، وإن الله لا يَعْجَلُ لعجلة أحد.

تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، إلى يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.WWold"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده