الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ١٨ من سورة الحجر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 84 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٨ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين ، لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى ، فمن تمرد منهم [ وتقدم ] لاستراق السمع ، جاءه ( شهاب مبين ) فأتلفه ، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه ، فيأخذها الآخر ، ويأتي بها إلى وليه ، كما جاء مصرحا به في الصحيح ، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان عن عمرو ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا قضى الله الأمر في السماء ، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان " .
قال علي : وقال غيره : صفوان ينفذهم ذلك ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟
قالوا : الذي قال : الحق ، وهو العلي الكبير .
فيسمعها مسترقو السمع ، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابع يده اليمنى ، نصبها بعضها فوق بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه ، وربما لم يدركه [ حتى ] يرمي بها إلى الذي يليه ، [ إلى الذي ] هو أسفل منه ، حتى يلقوها إلى الأرض - وربما قال سفيان : حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر - أو : الكاهن - فيكذب معها مائة كذبة فيقولون : ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا ، فوجدناه حقا ؟
للكلمة التي سمعت من السماء "
( إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) يقول لكن قد يسترق من الشياطين السمع مما يحدث في السماء بعضها، فيتبعه شهاب من النار مبين ، يبين أثره فيه، إما بإخباله وإفساده ، أو بإحراقه.
وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول في قوله ( إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) هو استثناء خارج، كما قال: ما أشتكي إلا خيرا، يريد: لكن أذكر خيرا.
وكان ينكر ذلك من قيله بعضهم، ويقول: إذا كانت إلا بمعنى لكن عملت عمل لكن، ولا يحتاج إلى إضمار أذكر، ويقول: لو احتاج الأمر كذلك إلى إضمار أذكر احتاج قول القائل: قام زيد لا عمرو إلى إضمار أذكر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع، قال: فينفرد المارد منها فيعلو، فيرمى بالشهاب ، فيصيب جبهته أو جنبه ، أو حيث شاء الله منه ، فيلتهب فيأتي أصحابه وهو يلتهب، فيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا ، قال: فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة، فيزيدون عليه أضعافه من الكذب، فيخبرونهم به، فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدّقوهم بما جاءوهم به من الكذب.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله ( وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) قال: أراد أن يخطف السمع، وهو كقوله إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) وهو نحو قوله إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ( إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) قال: خطف الخطفة.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ( إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) هو كقوله إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ كان ابن عباس يقول: إن الشهب لا تقتل ولكن تحرق وتخبل (1) وتجرح من غير أن تقتل.
حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ) قال: الرجيم: الملعون ، قال: وقال القاسم عن الكسائي: إنه قال: الرجم في جميع القرآن: الشتم.
------------------------ الهوامش: (1) الخبل والتخبيل : إفساد الأعضاء ، حتى لا يدري كيف يمشي ، فهو متخبل خبل .
( اللسان ) .
قوله تعالى : إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين أي لكن من استرق السمع ، أي الخطفة اليسيرة ، فهو استثناء منقطع .
وقيل ، هو متصل ، أي إلا ممن استرق السماع .
أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره ; إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى [ ص: 11 ] الوحي ، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئا ; لقوله : إنهم عن السمع لمعزولون .
وإذا استمع الشياطين إلى شيء ليس بوحي فإنهم يقذفونه إلى الكهنة في أسرع من طرفة عين ، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم ; ذكره الحسن وابن عباس .قوله - تعالى - : فأتبعه شهاب مبين أتبعه : أدركه ولحقه .
شهاب : كوكب مضيء .
وكذلك شهاب ثاقب .
وقوله : بشهاب قبس بشعلة نار في رأس عود ; قاله ابن عزيز .
وقال ذو الرمة :كأنه كوكب في إثر عفرية مسوم في سواد الليل منقضبوسمي الكوكب شهابا لبريقه ، يشبه النار .
وقيل : شهاب لشعلة من نار ، قبس لأهل الأرض ، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقت كما إذا أحرقت النار لم تعد ، بخلاف الكوكب فإنه إذا أحرق عاد إلى مكانه .
قال ابن عباس : تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع فينفرد المارد منها فيعلو ، فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو أنفه أو ما شاء الله فيلتهب ، فيأتي أصحابه وهو يلتهب فيقول : إنه كان من الأمر كذا وكذا ، فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليها تسعا ، فيحدثون بها أهل الأرض ; الكلمة حق والتسع باطل .
فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدقوهم بكل ما جاءوا به من كذبهم .
وسيأتي هذا المعنى مرفوعا في سورة " سبأ " إن شاء الله - تعالى - .واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا .
فقال ابن عباس : الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل .
وقال الحسن وطائفة : يقتل ; فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان :أحدهما : أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم ; فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء ، ولذلك انقطعت الكهانة .والثاني : أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن ; ولذلك ما يعودون إلى استراقه ، ولو لم يصل لانقطع الاستراق وانقطع الإحراق ; ذكره الماورديقلت : والقول الأول أصح على ما يأتي بيانه في " الصافات " .
واختلف هل كان رمي بالشهب قبل المبعث ; فقال الأكثرون نعم .
وقيل لا ، وإنما ذلك بعد المبعث .
وسيأتي بيان [ ص: 12 ] هذه المسألة في سورة " الجن " إن شاء الله - تعالى - .
وفي " الصافات " أيضا .
قال الزجاج : والرمي بالشهب من آيات النبي - صلى الله عليه وسلم - مما حدث بعد مولده ; لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم ، ولم يشبهوا الشيء السريع به كما شبهوا بالبرق وبالسيل .
ولا يبعد أن يقال : انقضاض الكواكب كان في قديم الزمان ولكنه لم يكن رجوما للشياطين ، ثم صار رجوما حين ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - .وقال العلماء : نحن نرى انقضاض الكواكب ، فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم يصير نارا إذا أدرك الشيطان .
ويجوز أن يقال : يرمون بشعلة من نار من الهوى فيخيل إلينا أنه نجم سرى .والشهاب في اللغة النار الساطعة .وذكر أبو داود عن عامر الشعبي قال : لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - رجمت الشياطين بنجوم لم تكن ترجم بها قبل ، فأتوا عبد ياليل بن عمرو الثقفي فقالوا : إن الناس قد فزعوا وقد أعتقوا رقيقهم وسيبوا أنعامهم لما رأوا في النجوم .
فقال لهم - وكان رجلا أعمى - : لا تعجلوا ، وانظروا فإن كانت النجوم التي تعرف فهي عند فناء الناس ، وإن كانت لا تعرف فهي من حدث .
فنظروا فإذا هي نجوم لا تعرف ، فقالوا : هذا من حدث .
فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .
{ إلا من استرق السمع } أي: في بعض الأوقات قد يسترق بعض الشياطين السمع بخفية واختلاس، { فأتبعه شهاب مبين } أي: بين منير يقتله أو يخبله.
فربما أدركه الشهاب قبل أن يوصلها الشيطان إلى وليه فينقطع خبر السماء عن الأرض، وربما ألقاها إلى وليه قبل أن يدركه الشهاب فيضمُّها ويكذب معها مائة كذبة، ويستدل بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
( إلا من استرق السمع ) لكن من استرق السمع ( فأتبعه شهاب مبين ) والشهاب : الشعلة من النار .
وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا ، ويسترقون السمع من الملائكة ، فيرمون بالكواكب فلا تخطئ أبدا ، فمنهم من تقتله ، ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء الله ، ومنهم من تخبله فيصير غولا يضل الناس في البوادي .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو ، قال : سمعت عكرمة يقول : سمعت أبا هريرة يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟
قالوا للذي قال : الحق ، وهو العلي الكبير ، فيسمعها مسترقو السمع ، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع أحدهم الكلمة فيلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته ، حتى يلقيها على لسان الساحر ، أو الكاهن ، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه ، فيكذب معها مائة كذبة فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا ، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن أبي مريم ، حدثنا الليث ، حدثنا ابن جعفر ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الملائكة تنزل في العنان ، وهو السحاب ، فتذكر الأمر الذي قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان ، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم " .
واعلم أن هذا لم يكن ظاهرا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما ظهر في بدء أمره وكان ذلك أساسا لنبوته عليه السلام .
وقال يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق : إن أول من فزع للرمي بالنجوم هذا الحي من ثقيف وإنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بني علاج ، وكان أهدى العرب ، فقالوا له : ألم تر ما حدث في السماء من القذف بالنجوم ؟
قال : بلى ، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس من معايشهم هي التي يرمى بها فهي - والله - طي الدنيا وهلاك الخلق الذي فيها ، وإن كانت نجوما غيرها ، وهي والله ثابتة على حالها فهذا الأمر أراده الله تعالى بهذا الخلق .
قال معمر قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟
قال : نعم ، قلت : أفرأيت قوله تعالى : ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) [ الآية - 6 ] الجن ؟
قال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن قتيبة : إن الرجم كان قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم - ولكن لم يكن [ مثله ] في شدة الحراسة بعد مبعثه .
وقيل : إن النجم ينقض فيرمي الشياطين ، ثم يعود إلى مكانه ، والله أعلم .
«إلا» لكن «من استرق السمع» خطفه «فأتبعه شهاب مبين» كوكب يضيء ويحرقه أو يثقبه أو يخبله.
إلا من اختلس السمع مِن كلام أهل الملأ الأعلى في بعض الأوقات، فأدركه ولحقه كوكب مضيء يحرقه.
وقد يُلْقي الشيطان إلى وليه بعض ما استرقَه قبل أن يحرقه الشهاب.
وقوله - سبحانه - : ( إِلاَّ مَنِ استرق السمع فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ) فى محل نصب على الاستثناء واستراق السمع : اختلاسه وسرقته ، والمراد به : الاستماع إلى المتحدث خفية ، حتى لكأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذى يخفيه عنه ، فالسمع هنا بمعنى المسموع من الكلام .والشهاب : هو الشعلة الساطعة من النار ، المنفصلة من الكواكب التى ترى فى السماء ليلاً ، كأنها كوكب ينقض بأقصى سرعة .
وجمعه شهب .
.
أصله من الشهبة ، وهى بياض مختلط بسواد .و ( مبين ) أى ظاهر واضح للمبصرين .والاستثناء منقطع ، فيكون المعنى : وحفظنا السماء من كل شيطان رجيم لكن من اختلس السمع من الشياطين ، بأن حاول الاقتراب منها ، فإنه يتبعه شهاب واضح للناظرين فيحرقه ، أو يحول بينه وبين استراق السمع .قال القرطبي : قوله - تعالى - : ( إِلاَّ مَنِ استرق السمع فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ) أى .
لكن من استرق السمع ، أى الخطفة اليسيرة ، فهو استثناء منقطع .وقيل : هو متصل ، أى : إلا ممن استرق السمع .
أى : حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئاً من الوحى وغيره ، إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحى ، فأما الوحى فلا تسمع منه شيئاً لقوله - تعالى - ( إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ ) وإذا استمع الشياطين إلى شئ ليس بوحى ، فإنهم يقذفونه إلى الكهنة فى أسرع من طرفة عين ، ثم تتبعهم الشهب فتقلهم أو تخبلهم .
.
.وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) قال بعض العلماء ما ملخصه : والمقصود منع الشياطين من الاطلاع على ما أراد الله عدم اطلاعهم عليه .
.
وربما استدرج الله - تعالى - الشياطين وأولياءهم ، فلم يمنع الشياطين من استراق شئ قليل يلقونه إلى الكهان؛ فلما أراد - سبحانه - عصمة الوحى منعهم من ذلك بتاتا .
.وفى سورة الجن دلالة على أن المنع الشديد من استراق السمع كان بعد البعثة النبوية ، وبعد نزول القرآن ، إحكاماً لحفظ الوحى من أن يلتبس على الناس بالكهانة ..قال - تعالى - : ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ) وعلى ذلك يكون ما جاء فى بعض الأحاديث من استراق الجن السمع - وصفا للكهانة السابقة ، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم " ليسوا بشئ .
.
.
" وصفا لآخر أمرهم .
." ففى صحيح البخارى عن عائشة : أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهانة ، فقال : " ليسوا بشئ " .
- أى لا وجود لما يزعمونه - فقيل - يارسول الله ، فإنهم يحدثون أحياناً بالشئ فيكون حقاً .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فَيقرُّها فى أذن وليه قَرَّ الدجاجة - أى فيلقيها بصوت خافت كالدجاجة عندما تخفى صوتها - فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة " " .
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد.
ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية، ومنها أرضية، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية، فقال: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجًا وزيناها للناظرين ﴾ قال الليث: البرج واحد من بروج الفلك، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السماء بُرُوجاً ﴾ وقال: ﴿ والسماء ذَاتِ البروج ﴾ ووجه دلالتها على وجود الصانع المختار، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة، وكل مركب فلابد له من مركب يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار، وهو المطلوب، وأما قوله: ﴿ وزيناها للناظرين * وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ استرق السمع فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ فلا نعيد هاهنا إلا القدر الذي لابد منه قوله: ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على توحيد صانعها وقوله: ﴿ وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ ﴾ .
فإن قيل: ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم، والشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه.
قلنا: لما منعه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ الله السماء منهم كما قد يحفظ منازلنا عن متجسس يخشى منه الفساد ثم نقول: معنى الرجم في اللغة الرمي بالحجارة.
ثم قيل للقتل رجم تشبيهاً له بالرجم بالحجارة، والرجم أيضاً السب والشتم لأنه رمي بالقول القبيح ومنه قوله: ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ أي لأسبنك، والرجم اسم لكل ما يرمى به، ومنه قوله: ﴿ وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ أي مرامي لهم، والرجم القول بالظن، ومنه قوله: ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ لأنه يرميه بذلك الظن والرجم أيضاً اللعن والطرد، وقوله الشيطان الرجيم، قد فسروه بكل هذه الوجوه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات، فكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاثة سموات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها، فكل واحد منهم إذا أراد استراق السمع رمى بشهاب.
وقوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ استرق السمع ﴾ لا يمكن حمل لفظة ﴿ إِلا ﴾ هاهنا على الاستثناء، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها، وإنما يحاولون القرب منها، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق، فوجب أن يكون معناه: لكن من استرق السمع.
قال الزجاج: موضع ﴿ مِن ﴾ نصب على هذا التقدير.
قال: وجائز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممن.
قال ابن عباس: في قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ استرق السمع ﴾ يريد الخطفة اليسيرة، وذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه ولا يقتله، ومنهم من يحيله فيصير غولاً يضل الناس في البراري.
وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ﴾ ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة بلعم بن باعورا في قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشيطان ﴾ معناه لحقه، والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكواكب شهاباً، والسنان شهاباً لأجل أنهما لما فيهما من البريق يشبهان النار.
واعلم أن في هذا الموضع أبحاثاً دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة الجن، ونذكر منها هاهنا إشكالاً واحداً، وهو أن لقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السموات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار الغيوب عنهم، ثم إنها تنزل وتلقي تلك الغيوب على الكهنة فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً لأن كل غيب يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم قام فيه هذا الاحتمال وحينئذ يخرج عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق، لا يقال إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد رسولاً وكون القرآن حقاً، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل محال، ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق، وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجز، وبهذا الطريق يندفع الدور، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يعرجون ﴾ بالضم والكسر.
و ﴿ سُكّرَتْ ﴾ حيرت أو حبست من الإبصار، من السكر أو السكر.
وقرئ: ﴿ سُكِرَت ﴾ بالتخفيف أي حبست كما يحبس النهر من الجري.
وقرئ: ﴿ سَكِرَت ﴾ من السكر، أي حارت كما يحار السكران.
والمعنى أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد: أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك.
وقيل: الضمير للملائكة، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك.
وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.
وقال: إنما، ليدل على أنهم يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ اثْنَيْ عَشَرَ مُخْتَلِفَةَ الهَيْئاتِ والخَواصِّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الرَّصْدُ والتَّجْرِبَةُ مَعَ بَساطَةِ السَّماءِ.
﴿ وَزَيَّنّاها ﴾ بِالأشْكالِ والهَيْئاتِ البَهِيَّةِ.
﴿ لِلنّاظِرِينَ ﴾ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ بِها عَلى قُدْرَةِ مُبْدِعِها وتَوْحِيدِ صانِعِها.
﴿ وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ فَلا يَقْدِرُ أنْ يَصْعَدَ إلَيْها ويُوَسْوِسَ إلى أهْلِها ويَتَصَرَّفَ في أمْرِها ويَطَّلِعَ عَلى أحْوالِها.
﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾ بَدَلٌ مِن كُلِّ شَيْطانٍ واسْتِراقُ السَّمْعِ اخْتِلاسُهُ سِرًّا، شَبَّهَ بِهِ خَطْفَتَهُمُ اليَسِيرَةَ مِن قُطّانِ السَّمَواتِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ في الجَوْهَرِ أوْ بِالِاسْتِدْلالِ مِن أوْضاعِ الكَواكِبِ وحَرَكاتِها.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهم كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَمَواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ مُنِعُوا مِن كُلِّها بِالشُّهُبِ.
ولا يَقْدَحُ فِيهِ تَكَوُّنُها قَبْلَ المَوْلِدِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ لَها أسْبابٌ أُخَرُ.
وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ.
﴿ فَأتْبَعَهُ ﴾ فَتَبِعَهُ ولَحِقَهُ.
﴿ شِهابٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرٌ لِلْمُبْصِرِينَ، والشِّهابُ شُعْلَةُ نارٍ ساطِعَةٌ، وقَدْ يُطْلَقُ لِلْكَوْكَبِ والسِّنانِ لِما فِيهِما مِنَ البَرِيقِ.
<div class="verse-tafsir"
{إلا من استرق السمع} أي المسموع ومن في محل النصب على الاستثناء {فأتبعه شهاب} بحم ينقض فيعود {مُّبِينٌ} ظاهر للمبصرين قيل كانوا لا يحجبون عن السموات كلها فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها
﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾ مُتَّصِلٌ، وأمّا المَنعُ عَنْ دُخُولِها والِاخْتِلاطِ مَعَ أهْلِها عَلى نَحْوِ الِاخْتِلاطِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ فَهو حِينَئِذٍ مُنْقَطِعٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَحَلُّ ( مَنِ ) النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ والحَوْفِيُّ كَوْنَهُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ بَدَلُ ﴿ مِن كُلِّ شَيْطانٍ ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ واسْتَغْنى عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بِإلا.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُشْتَرَطُ في البَدَلِيَّةِ أنْ تَكُونَ في كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ وهَذا الكَلامُ مُثَبْتٌ.
ودُفِعَ بِأنَّهُ في تَأْوِيلِ المَنفِي أيْ لَمْ نُمَكِّنْ مِنها كُلَّ شَيْطانٍ أوْ نَحْوَهُ وأُورِدَ أنَّ تَأْوِيلَ المُثْبَتِ في غَيْرِ أبى ومُتَصَرِّفاتِهِ غَيْرُ مَقِيسٍ ولا حَسُنَ فَلا يُقالُ ماتَ القَوْمُ إلّا زِيدٌ بِمَعْنى لَمْ يَعِيشُوا، ولَعَلَّ القائِلَ بِالبَدَلِيَّةِ لا يَسْلَمُ ذَلِكَ، وقَدْ أوَّلُوا بِالمَنفِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا ﴾ وقَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««العالَمُ هَلْكى إلّا العالِمُونَ»» الخَبَرَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ فِيهِ أبى ولا شَيْءٌ مِن مُتَصَرِّفاتِهِ لَكِنَّ الإنْصافَ ضَعَّفَ هَذِهِ البَدَلِيَّةَ كَما لا يَخْفى.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ﴾ وذَكَرَ أنَّ الفاءَ مِن أجْلِ أنْ ( مَنِ ) مَوْصُولٌ أوْ شَرْطٌ والِاسْتِراقُ افْتِعالٌ مِنَ السَّرِقَةِ وهو أخْذُ الشَّيْءِ بِخُفْيَةٍ شَبَّهَ بِهِ خَطَفْتَهُمُ اليَسِيرَةَ مِنَ المَلَأِ الأعْلى وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ ﴾ والمُرادُ بِالسَّمْعِ المَسْمُوعُ، والشِّهابُ - عَلى ما قالَ الرّاغِبُ - الشُّعْلَةُ السّاطِعَةُ مِنَ النّارِ المُوقَدَةِ ومِنَ العارِضِ في الجَوِّ ويُطْلَقُ عَلى الكَوْكَبِ لِبَرِيقِهِ كَشُعْلَةِ النّارِ.
وأصْلُهُ مِنَ الشِّهْبَةِ وهي بَياضٌ مُخْتَلِطٌ بِسَوادٍ ولَيْسَتِ البَياضَ الصّافِيَ كَما يَغْلَطُ فِيهِ العامَّةُ فَيَقُولُونَ فَرَسٌ أشْهَبُ لِلْقِرْطاسِيِّ، والمُرادُ- بِمُبِينٍ- ظاهِرٌ أمْرُهُ لِلْمُبْصِرِينَ ومَعْنى اتْبَعَهُ تَبِعَهُ عِنْدَ الأخْفَشِ نَحْوَ رَدِفْتُهُ وأرْدَفَتْهُ فَلَيْسَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ: أتْبَعَهُ أخَصُّ مِن تَبِعَهُ لِما قالَ الجَوْهَرِيُّ: تَبِعْتُ القَوْمَ تَبَعًا وتَباعَةً بِالفَتْحِ إذا مَشَيْتَ خَلْفَهم أوْ مَرُّوا بِكَ فَمَضَيْتَ مَعَهم وأتْبَعْتَ القَوْمَ عَلى أفْعَلْتَ إذا كانُوا قَدْ سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم واسْتَحْسَنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما الشِّهابُ، ولَمّا كانَ الِاتِّباعُ مُحْتَمَلًا لِلْإهْلاكِ وغَيْرِهِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ فَحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشِّهابَ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ولا يَقْتُلُ، وعَنِ الحَسَنِ وطائِفَةٍ أنَّهُ يَقْتُلُ، وادَّعى أنَّ الأوَّلَ أصَحُّ، ونَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنِ الشَّياطِينَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا إلى السَّماءِ الدُّنْيا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَرْمُونَ بِالكَواكِبِ فَلا تُخْطِئُ أبَدًا فَمِنهم مَن تَقْتُلُهُ ومِنهم مَن تَحْرِقُ وجْهَهُ أوْ جَنْبَهُ أوْ يَدَهُ أوْ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى ومِنهم مَن تَخْبِلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا فَيَضِلُّ النّاسُ في البَرارِي، ومِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما يُرْوى مِن أنَّ مِنهم مَن يَقَعُ في البَحْرِ فَيَكُونُ تِمْساحًا ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ كَما قالَ الإمامُ في أمْرِ هَذا الِاسْتِراقِ والرَّمْيُ مِن وُجُوهٍ.
أحُدُّها أنَّ انْقِضاضَ الكَواكِبِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ وذَكَرُوا فِيهِ أنَّ الأرْضَ إذا سُخِّنَتْ بِالشَّمْسِ ارْتَفَعَ مِنها بُخارٌ يابِسٌ فَإذا بَلَغَ كُرَةَ النّارِ الَّتِي دُونَ الفَلَكِ احْتَرَقَ بِها فَتِلْكَ الشُّعْلَةُ هي الشِّهابُ.
وقَدْ يَبْقى زَمانًا مُشْتَعِلًا إذا كانَ كَثِيفًا ورُبَّما حَمِيَتِ الأدْخِنَةُ في بَرْدِ الهَواءِ لِلتَّعاقُبِ فانْضَغَطَتْ مُشْتَعِلَةً، وجاءَ أيْضًا في شِعْرِ الجاهِلِيَّةِ قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: والعِيرُ يَلْحَقُها الغُبارُ وجَحْشُها يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقِضاضَ الكَوْكَبِ وقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: وانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنْبا إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وثانِيها أنَّ هَؤُلاءِ الشَّياطِينَ كَيْفَ يَجُوزُ فِيهِمْ أنْ يُشاهِدُوا أُلُوفًا مِن جِنْسِهِمْ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ فَيَحْتَرِقُونَ ثُمَّ إنَّهم مَعَ ذَلِكَ يَعُودُونَ لِصَنِيعِهِمْ فَإنَّ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ إذا رَأى هَلاكَ أبْناءِ جِنْسِهِ مِن تَعاطِي شَيْءٍ مِرارًا امْتَنَعَ مِنهُ.
وثالِثُها أنْ يُقالَ: إنَّ ثَخَنَ السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ فَهَؤُلاءِ الشَّياطِينُ إنْ نَفَذُوا في جِرْمِها وخَرَقُوها فَهو باطِلٌ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَها فُطُورٌ عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ وإنْ كانُوا لا يَنْفُذُونَ فَكَيْفَ يُمْكِنُهم سَماعُ أسْرارِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ هَذا البُعْدِ العَظِيمِ.
ورابِعُها أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما اطَّلَعُوا عَلى الأحْوالِ المُسْتَقْبَلَةِ إمّا لِأنَّهم طالَعُوها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ لِأنَّهم تَلَقَّفُوها بِالوَحْيِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِمَ لَمْ يَسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِها حَتّى لا تَتَمَكَّنَ الشَّياطِينُ مِنَ الوُقُوفِ عَلَيْها؟
وخامِسُها أنَّ الشَّياطِينَ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ والنّارُ لا تَحْرِقُ النّارَ بَلْ تُقَوِّيها فَكَيْفَ يُعْقَلُ زَجْرُهم بِهَذِهِ الشُّهُبِ؟
وسادِسُها أنَّكم قُلْتُمْ: إنَّ هَذا القَذْفَ لِأجْلِ النُّبُوَّةِ فَلِمَ دامَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟
وسابِعُها أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ إنَّما تَحْدُثُ بِقُرْبِ الأرْضِ بِدَلِيلِ أنّا نُشاهِدُ حَرَكاتِها ولَوْ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الفَلَكِ لِما شاهَدْناها كَما لَمْ نُشاهِدْ حَرَكاتِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وإذا ثَبَتَ أنَّها تَحْدُثُ بِالقُرْبِ مِنَ الأرْضِ فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها تَمْنَعُ الشَّياطِينَ مِنَ الوُصُولِ إلى الفَلَكِ؟
وثامِنُها أنَّ هَؤُلاءِ الشَّياطِينَ لَوْ كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَنْقُلُوا أخْبارَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ المُغَيَّباتِ إلى الكَهَنَةِ فَلِمَ لَمْ يَنْقُلُوا أسْرارَ المُؤْمِنِينَ إلى الكَفّارِ حَتّى يَتَوَصَّلُوا بِواسِطَةِ وُقُوفِهِمْ عَلى أسْرارِهِمْ إلى إلْحاقِ الضَّرَرِ بِهِمْ؟
وتاسِعُها لِمَ لَمْ يَمْنَعْهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصُّعُودِ ابْتِداءً حَتّى لا يَحْتاجَ في دَفْعِهِمْ إلى هَذِهِ الشُّهُبِ؟
وقالَ بَعْضُهُمْ: أيْضًا: إنَّ السَّماعَ إنَّما يُفِيدُهم إذا عَرَفُوا لُغَةَ المَلائِكَةِ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ جاهِلِينَ بِلُغَتِهِمْ لِئَلّا يُفِيدَهُمُ السَّماعُ شَيْئًا، وأيْضًا إنِ انْقَطَعَ الهَواءُ دُونَ مُقَعَّرِ فَلَكِ القَمَرِ لَمْ يَحْدُثْ هُناكَ صَوْتٌ إذْ هو مِن تَمَوُّجِ الهَواءِ والمَفْرُوضُ عَدَمُهُ وإنْ لَمْ يَنْقَطِعْ كانَ دُونَ ذَلِكَ أصْواتٌ هائِلَةٌ مَن تَمَوُّجِ الهَواءِ بِحَرَكَةِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ وهي تُمْنَعُ مِن سَماعِ أصْواتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مُحاوَراتِهِمْ ولا يَكادُ يُظَنُّ أنَّ أصْواتَهم في المُحاوَراتِ تَغْلِبُ هاتِيكَ الأصْواتَ لِتَسْمَعَ مَعَها، وأيْضًا لَيْسَ في السَّماءِ الدُّنْيا إلّا القَمَرُ ولا نَراهُ يُرْمى بِهِ وسائِرُ السَّيّاراتِ فَوْقَ ﴿ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ والثَّوابِتُ في الفَلَكِ الثّامِنِ والرَّمْيُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَسْتَدْعِي خَرْقُ السَّماءِ وتَشَقُّقُها لِيَصِلَ الشِّهابُ إلى الشَّيْطانِ وهو مِمّا لا يَكادُ يُقالُ.
وأجابَ الإمامُ عَنِ الأوَّلِ أوَّلًا بِأنَّ الشُّهُبَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَعْثَةِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««كانَ الجِنُّ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها أشْياءَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ مُنِعُوا مَقاعِدَهم ولَمْ يَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ حَدَثَ»» الخَبَرَ.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: ««لَمْ يُرْمَ بِنَجْمٍ مُنْذُ رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ فَرَمى بِها فَرَأتْ قُرَيْشٌ ما لَمْ تَرَ قَبْلُ فَجَعَلُوا يُسَيِّبُونَ أنْعامَهم ويُعْتِقُونَ رِقابَهم يَظُنُّونَ أنَّهُ الفَناءُ فَبَلَغَ ذَلِكَ كَبِيرَهم فَقالَ: لِمَ تَفْعَلُونَ؟
فَقالُوا: رُمِيَ بِالنُّجُومِ فَقالَ: اعْتَبِرُوا فَإنْ تَكُنْ نُجُومٌ مَعْرُوفَةٌ فَهو وقْتُ فَناءِ النّاسِ وإلّا فَهو أمْرٌ حَدَثَ فَنَظَرُوا فَإذا هي لا تُعْرَفُ فَأخْبَرُوهُ فَقالَ: في الأمْرِ مُهْلَةٌ وهَذا عِنْدَ ظُهُورِ نَبِيٍّ»» الخَبَرَ.
وكُتُبُ الأوائِلِ قَدْ تَوالَتْ عَلَيْها التَّحْرِيفاتُ فَلَعَلَّ المُتَأخِّرِينَ ألْحَقُوا هَذِهِ المَسْألَةَ بِها طَعْنًا في هَذِهِ المُعْجِزَةِ، وكَذا الأشْعارُ المَنسُوبَةُ إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ لَعَلَّها مُخْتَلِفَةٌ عَلَيْهِمْ.
وثانِيًا وهو الحَقُّ بِأنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَعْثَةِ لِأسْبابٍ أُخَرَ ولا نُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لا يُنافِي أنَّها بَعْدَ البَعْثَةِ قَدْ تُوجَدُ بِسَبَبِ دَفْعِ الشَّياطِينِ وزَجْرِهِمْ.
يُرْوى أنَّهُ قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى في الجاهِلِيَّةِ؟
قالَ: نَعَمْ قِيلَ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا ﴾ قالَ: غُلِّظَ وشُدِّدَ أمْرُها حَيْثُ بُعِثَ النَّبِيُّ ، وعَلى نَحْوِ هَذا يُخَرَّجُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إنْ صَحَّ.
وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ إذا جاءَ القَدَرُ عَمِيَ البَصَرُ فَإذا قَضى اللَّهُ تَعالى عَلى طائِفَةٍ مِنهُمُ الحَرْقَ لِطُغْيانِهِمْ وضَلالِهِمْ قَيَّضَ لَهم مِنَ الدَّواعِي ما تَقَدَّمَ مَعَهُ عَلى الفِعْلِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ.
وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ البُعْدَ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ فَأمّا ثَخَنُ الفَلَكِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ عَظِيمًا.
وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ جالِسٌ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فاسْتَنارَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في الجاهِلِيَّةِ إذا حَدَثَ مِثْلُ هَذا؟» قالُوا: كُنّا نَقُولُ يُولَدُ عَظِيمٌ أوْ يَمُوتُ عَظِيمٌ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فَإنَّها لا تُرْمى لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ ولَكِنَّ رَبَّنا تَعالى إذا قَضى الأمْرَ في السَّماءِ سَبَّحَتْ حَمَلَةُ العَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ وسَبَّحَ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ حَتّى يَنْتَهِيَ التَّسْبِيحُ إلى هَذِهِ السَّماءِ ويَسْتَخْبِرُ أهْلُ السَّماءِ حَمَلَةَ العَرْشِ ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟
فَيُخْبِرُونَهم ولا يَزالُ يَنْتَهِي الخَبَرُ إلى هَذِهِ السَّماءِ فَيَتَخَطَّفُهُ الجِنُّ فَيَرْمُونَ فَما جاؤُوا بِهِ فَهو حَقٌّ ولَكِنَّهم يَزِيدُونَ فِيهِ»».
وعَنِ الخامِسِ بِأنَّ النّارَ قَدْ تَكُونُ أقْوى مِن نارٍ أُخْرى فالأقْوى تُبْطِلُ ما دُونَها.
وعَنِ السّادِسِ بِأنَّهُ إنَّما دامَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ بِبُطْلانِ الكِهانَةِ فَلَوْ لَمْ يَدُمْ هَذا القَذْفُ لَعادَتِ الكِهانَةُ وذَلِكَ يَقْدَحُ في خَبَرِ الرَّسُولِ عَنْ بُطْلانِها.
وعَنِ السّابِعِ بِأنَّ البُعْدَ عَلى مَذْهَبِنا غَيْرُ مانِعٍ مِنَ السَّماعِ فَلَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنَّهم إذا وقَفُوا في تِلْكَ المَواضِعِ سَمِعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وعَنِ الثّامِنِ بِأنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أقْدَرَهم عَلى اسْتِماعِ الغُيُوبِ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْجَزَهم عَنْ إيصالِ أسْرارِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفّارِ.
وعَنِ التّاسِعِ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وبِهَذا يُجابُ عَنِ الأوَّلِ فِيما قِيلَ.
وأُجِيبَ عَنِ الثّانِي بِأنّا نَخْتارُ انْقِطاعَ الهَواءِ والسَّماعِ عِنْدَنا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ولا يَتَوَقَّفُ عَلى وُجُودِ الهَواءِ وتَمَوُّجِهِ، وقَدْ يُخْتارُ عَدَمُ الِانْقِطاعِ ويُقالُ: إنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ قادِرٌ عَلى مَنعِ الهَواءِ مِنَ التَّمَوُّجِ بِحَرَكَةِ هاتِيكَ الأجْرامِ، وكَذا هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى إسْماعِهِمْ مَعَ هاتِيكَ الأصْواتِ الهائِلَةِ السِّرِّ وأخْفى.
وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ كَوْنَ الثَّوابِتِ في الفَلَكِ الثّامِنِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ بَعْضَها فِيهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ كُلُّها كَذَلِكَ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الثَّوابِتَ الَّتِي تَكُونُ قَرِيبَةً مِنَ المِنطَقَةِ تَنْكَسِفُ بِالسَّيّاراتِ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الثَّوابِتُ المُنْكَسِفَةُ فَوْقَ السَّيّاراتِ الكاسِفَةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّها بِأسْرِها مُتَحَرِّكَةٌ حَرَكَةً واحِدَةً بَطِيئَةً كُلَّ مِائَةٍ سَنَةٍ أوْ أقَلَّ عَلى الخِلافِ دَرَجَةً فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في كَرَّةٍ واحِدَةٍ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ بَعْضِ الثَّوابِتِ فَوْقَ السَّيّاراتِ كَوْنُ كُلِّها هُنا لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ وُجُودُ كَرَّةٍ تَحْتَ كَرَّةِ القَمَرِ وتَكُونُ في البُطْءِ مُساوِيَةً لِكَرَّةِ الثَّوابِتِ وتَكُونُ الكَواكِبُ المَرْكُوزَةُ فِيما يُقارِبُ القُطْبَيْنِ مَرْكُوزَةً في هَذِهِ الكَرَّةِ السُّفْلِيَّةِ إذْ لا يَبْعُدُ وُجُودُ كَرَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ مَعَ كَوْنِهِما مُتَشابِهَتَيْنِ في الحَرَكَةِ، وعَلى هَذا لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ النُّجُومُ في السَّماءِ الدُّنْيا، وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وغَيْرُهُ أنَّهُ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الكَواكِبَ مُعَلَّقَةٌ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ في السَّماءِ الدُّنْيا يُسَيِّرُونَها حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى وكَيْفَ شاءَ إلّا أنَّ في صِحَّةِ ذَلِكَ ما فِيهِ، عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في السُّؤالِ مِن أنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الخَرْقَ وهو مِمّا لا يَكادُ يُقالُ إمّا أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى القَوْلِ بِامْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الفَلَكِ المُحَدَّدِ وغَيْرِهِ فَقَدْ تُقَرِّرَ فَسادُ ذَلِكَ وحُقِّقَ إمْكانُ الخَرْقِ والِالتِئامِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في غَيْرِ كِتابٍ مِن كُتُبِ الكَلامِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى مُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ فَهو مِمّا لا يُفِيدُ شَيْئًا لِأنَّ أكْثَرَ المُمْكِناتِ مُسْتَبْعَدَةٌ وهي واقِعَةٌ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن ذَلِكَ بَلْ قَدْ يُقالُ: نَحْنُ لا نَلْتَزِمُ أنَّ الكَوْكَبَ نَفْسَهُ يَتْبَعُ الشَّيْطانَ فَيَحْرُقُهُ، والشِّهابُ لَيْسَ نَصًّا في الكَوْكَبِ لِما عَلِمْتَ ما قِيلَ في مَعْناهُ وإنْ قِيلَ: إنَّهُ بِنَفْسِهِ يَنْقَضُّ ويَرْمِي الشَّيْطانَ ثُمَّ يَعُودُ إلى مَكانٍ لِظاهِرِ إطْلاقِ الرُّجُومِ عَلى النُّجُومِ وقَوْلِهِمْ رُمِيَ بِالنَّجْمِ مَثَلًا.
وكَذا لا نَلْتَزِمُ القَوْلَ بِأنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنِ الكَوْكَبِ شُعْلَةٌ كالقَبَسِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ فَيُرْمى بِها كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِنَحْتاجَ في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ بِما تَقَدَّمَ إذْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُؤَثِّرُ حِينَ كانَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى هَذِهِ الشُّعْلَةُ المُسَمّاةُ بِالشِّهابِ ويَحْرِقُ بِها مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الشَّياطِينِ، وإطْلاقُ الرُّجُومِ عَلى النُّجُومِ وقَوْلُهُمْ: رُمِيَ بِالنَّجْمِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الظّاهِرِ لِلرّائِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى في الشَّمْسِ: ﴿ تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ وقالَ الإمامُ: إنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ لَيْسَتْ هي الثَّوابِتَ المَرْكُوزَةَ في الفَلَكِ والإظْهارُ نُقْصانٌ كَثِيرٌ في أعْدادِها مَعَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ نُقْصانٌ أصْلًا.
وأيْضًا إنَّ في جَعْلِها رُجُومًا ما يُوجِبُ النُّقْصانَ في زِينَةِ السَّماءِ بَلْ هي جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُها يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى ويَجْعَلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولا يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ حَيْثُ أفادَ أنَّ تِلْكَ المَصابِيحَ هي الرُّجُومُ بِأعْيانِها لِأنّا نَقُولُ: كُلُّ نَيِّرٍ يَحْصُلُ في الجَوِّ العالِي فَهو مِصْباحٌ لِأهْلِ الأرْضِ إلّا أنَّ المَصابِيحَ مِنها باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ أمِنَةٌ مِنَ التَّغَيُّرِ والفَسادِ ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ والشِّهابُ مِن هَذا القِسْمِ وحِينَئِذٍ يَزُولُ الإشْكالُ انْتَهى.
والجَرْحُ والتَّعْدِيلُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ مُفَوَّضانِ إلى شِهابِ ذِهْنِكَ الثّاقِبِ، وفي أجْوِبَتِهِ السّابِقَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ما لا يَخْفى ضَعْفُهُ، وكَذا شاهِدَةٌ عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلاعِ عَلى الأخْبارِ الصَّحِيحِ المَشْهُورَةِ، ألا تَرى قَوْلَهُ في الجَوابِ عَنْ ثالِثِ الأسْئِلَةِ التِّسْعَةِ: إنَّ البُعْدَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ وأمّا ثَخَنُ الفَلَكِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ عَظِيمًا فَإنَّهُ مُخالِفٌ لِما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وهَذَتْ بِهِ الفَلْسَفَةُ، أمّا مُخالَفَتُهُ لِلْأوَّلِ فَلِأنَّهُ قَدْ صَحَّ أنَّ سُمْكَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ كَما صَحَّ أنْ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَذَلِكَ، وأمّا مُخالَفَتُهُ لِلثّانِي فَلِأنَّهُ لَمْ يُقِلْ أحَدٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ: أنَّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ هَذِهِ المَسافَةَ الَّتِي ذَكَرَها، والأفْلاكُ عِنْدَهم مُخْتَلِفَةٌ في الثَّخَنِ، وقَدْ بَيَّنُوا ثَخَنَ كُلٍّ بِالفَراسِخِ حَسْبَما ذُكِرَ في كُتُبِ الأجْرامِ والأبْعادِ، وذَكَرُوا في ثَخَنِ المُحَدَّدِ ما يَشْهَدُ بِمَزِيدِ عَظَمَةِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ لَكِنْ لا مُسْتَنَدَ لَهم قَطْعِيٌّ في ذَلِكَ بَلْ إنَّ قَوْلَهُمْ: لا فَضْلَ في الفَلَكِيّاتِ مَعَ كَوْنِهِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالخَطابِيّاتِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ في الجَوابِ عَنِ السّادِسِ: إنَّهُ إنَّما دامَ لِئَلّا يَقْدَحَ انْقِطاعُهُ في خَبَرِ الرَّسُولِ عَنْ بُطْلانِ الكِهانَةِ فَإنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلدَّوْرِ إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أُخْبِرَ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِدَوامِ القَذْفِ المانِعِ مِن تَحَقُّقِ ما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الكِهانَةُ.
وقَوْلُهُ في الجَوابِ عَنِ الخامِسِ: إنَّ النّارَ قَدْ تَكُونُ أقْوى مِن نارٍ أُخْرى فَتُبْطِلُها ظاهِرٌ في أنَّ الشَّياطِينَ نارٌ صِرْفَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الحَقُّ أنَّهم يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ العُنْصُرُ النّارِيُّ وقَدْ حَصَلَ لَهم بِالتَّرْكِيبِ ولَوْ مَعَ غَلَبَةِ هَذا العُنْصُرِ ما لَيْسَ لِلنّارِ الصِّرْفَةُ وهو ظاهِرٌ.
هَذا ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِراقُ السَّمْعِ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَ السَّماءِ لا مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ لِيَجِيءَ حَدِيثُ الثَّخَنِ واسْتِبْعادُ السَّماعِ مَعَهُ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَتْ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ في العِنانِ وهو السَّحابُ فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّماءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّياطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إلى الكُهّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةَ كِذْبَةٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ»» ولا يُنافِيهِ ما رَواهُ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ««سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: إذا قَضى اللَّهُ تَعالى الأمْرُ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ أجْنِحَتَها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟
قالُوا: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُ السَّمْعِ»» الخَبَرَ.
إذْ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن سَماعِ المُسْتَرِقِ الكَلِمَةَ بَعْدَ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وعَدَمُ مُنافاةِ هَذا لِذاكَ ظاهِرٌ عِنْدَ مَن أُلْقِيَ السَّمْعُ وهو شَهِيدٌ، وأنَّهُ لَيْسَ في الآياتِ ما هو نَصٌّ في أنَّ ما نَراهُ مِنَ الشُّهُبِ لا يَكُونُ إلّا لِرَمْيِ شَيْطانٍ يَسْتَرِقُ بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ إذا اسْتَرَقَ شَيْطانٌ أتْبَعَهُ شِهابٌ ورُمِيَ بِنَجْمٍ وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ؟
نَعَمْ في خَبَرِ الزُّهْرِيِّ ما يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَأمُّلٍ، وعَلى هَذا فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ بَعْضِ ما نَراهُ مِنَ الشُّهُبِ لِتَصاعُدِ البُخارِ حَسْبَما تَقَدَّمَ عَنِ الفَلاسِفَةِ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُعُودُ الشَّياطِينِ لِلِاسْتِراقِ في كُلِّ سَنَةٍ مَثَلًا مَرَّةً، ولا يَخْفى نَفْعُ هَذا في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي.
ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُسْتَرِقُونَ صِنْفًا مِنَ الشَّياطِينِ تَقْتَضِي ذَواتُهُمُ التَّصاعُدَ نَظِيرَ تَصاعُدِ الأبْخِرَةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الشَّياطِينُ أبْخِرَةً تَعَلَّقَتْ بِها أنْفُسٌ خَبِيثَةٌ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرَ الفَلاسِفَةُ مِن أنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ الأذْنابِ نَفْسٌ فَتَغِيبُ وتَطْلُعُ بِنَفْسِها وفِيهِ بَحْثٌ.
ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الجَبائِيِّ أنَّهُ قالَ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ: إنَّ الحالَةَ الَّتِي تَعْتَرِيهِمْ لَيْسَ لَها مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ وإلّا لِمَ يَذْهَبُوا إلَيْهِ وإنَّما يُمْنَعُونَ مِنَ المَصِيرِ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ ومَواضِعُها مُخْتَلِفَةٌ فَرُبَّما صارُوا إلى مَوْضِعِهِمْ فَتُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ ورُبَّما صارُوا إلى غَيْرِهِ ولا يُصادِفُونَ المَلائِكَةَ فَلا يُصِيبُهم شَيْءٌ فَلَمّا هَلَكُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ وسَلِمُوا في بَعْضِها جازَ أنْ يَصِيرُوا إلى مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّها لا تُصِيبُهم فِيهِ كَما يَجُوزُ فِيمَن يَسْلُكُ البَحْرَ أنْ يَسْلُكَهُ في مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ النَّجاةِ فِيهِ.
وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم إنْ صَعِدُوا فَإمّا أنْ يَصِلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ أوْ إلى غَيْرِها فَإنْ وصَلُوا إلى الأوَّلِ احْتَرَقُوا وإنْ إلى الثّانِي لَمْ يَظْفَرُوا بِمَقْصُودٍ أصْلًا، فَعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المَقْصُودُ غَيْرُ حاصِلٍ فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ وثَبَتَ بِالِاسْتِقْراءِ أنَّ الفَوْزَ بِالمَقْصُودِ مُحَقَّقٌ وجَبَ أنْ يَمْتَنِعُوا، وهَذا بِخِلافِ حالِ المُسافِرِ في البَحْرِ فَإنَّ الغالِبَ عَلى المُسافِرِينَ فِيهِ الفَوْزُ بِالمَقْصُودِ، ثُمَّ قالَ: فالأقْرَبُ في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الواقِعَةُ إنَّما تَتَّفِقُ في النُّدْرَةِ فَلَعَلَّها لا تَشْتَهِرُ بِسَبَبِ كَوْنِها نادِرَةً فِيما بَيْنَ الشَّياطِينِ اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَكادُ يَتِمُّ إلّا مَعَ القَوْلِ بِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما نَراهُ مِنَ الشُّهُبِ يُحْرَقُ بِهِ الشَّياطِينُ والأمْرُ مَعَ هَذا القَوْلِ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى.
وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ أنَّ اسْتِراقَ السَّمْعِ خَطْفَتُهُمُ اليَسِيرَةُ مِن قُطّانِ السَّماواتِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ في الجَوْهَرِ.
أوْ بِالِاسْتِدْلالِ مِن أوْضاعِ الكَواكِبِ وحَرَكاتِها، وذُكِرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ أنَّ السَّمْعَ مَشْرُوطٌ بِمُشارَكَتِهِمْ في صِفاتِ الذّاتِ وقَبُولُ فَيَضانِ الحَقِّ والِانْتِقاشُ بِالصُّورَةِ المَلَكُوتِيَّةِ ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ الِاسْتِراقَ يَقْتَضِي مُناسِبَةَ الجَوْهَرِ والسَّمْعَ التّامَّ يَقْتَضِي المُشارَكَةَ المَذْكُورَةَ وهو لا يَتَمَشّى عَلى أُصُولِ الشَّرْعِ، وفي أنَّ تَلَقِّيَهم يَكُونُ مِنَ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ وهو مُخالِفٌ لِصَرِيحِ النَّظْمِ والأحادِيثِ مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قُطّانُ السَّماءِ بِمَعْنى الكَواكِبِ وشُمُولُ ( مَنِ ) شَياطِينَ الإنْسِ مِنَ المُنَجِّمِينَ وهو كَما تَرى.
وذَكَرَ هو وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّماواتِ فَلَمّا وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَماواتٍ ولَمّا وُلِدَ النَّبِيُّ مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ كُلِّها اه.
ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ أخْذًا بِبَعْضِ الظَّواهِرِ إلى أنَّ المَنعَ عِنْدَ البَعْثَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ «بَقِيَ هاهُنا إشْكالٌ» ذَكَرَهُ الإمامُ مَعَ جَوابِهِ فَقالَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا جَوَّزْتُمْ في الجُمْلَةِ أنْ يَصْعَدَ الشَّيْطانُ إلى السَّماءِ ويَسْمَعَ أخْبارَ الغُيُوبِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثُمَّ يُلْقِيها إلى الكَهَنَةِ وجَبَ أنْ يُخْرِجَ الأخْبارَ عَنِ المُغَيَّباتِ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الصِّدْقِ لِأنَّ كُلَّ غَيْبٍ يُخْبِرُ عَنْهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُومُ فِيهِ هَذا الِاحْتِمالُ، ولا يُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنّا نَقُولُ: هَذا المُعْجِزُ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ إلّا بَعْدَ القَطْعِ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولًا وبِكَوْنِ القُرْآنِ حَقًّا والقَطْعُ بِهَذا لا يُمْكِنُ إلّا بِواسِطَةِ المُعْجِزِ، وكَوْنُ الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ مُعْجِزًا لا يَثْبُتُ إلّا بَعْدَ إبْطالِ هَذا الِاحْتِمالِ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُجْلَبَ عَنْهُ بِأنّا نُثْبِتُ كَوْنَهُ رَسُولًا بِسائِرِ المُعْجِزاتِ ثُمَّ بَعْدَ العِلْمِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ نَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْجَزَ الشَّياطِينَ عَنْ تَلَقُّفِ الغَيْبِ بِهَذا الطَّرِيقِ وعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ مُعْجِزًا ولا يَلْزَمُ الدَّوْرُ اه فَتَدَبَّرْ واللَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ أزْمَةُ التَّحْقِيقِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يعني: قد أرسلنا قَبْلِكَ يا محمد رُسُلاً فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ أي: في أمم وقرون الأولين قبل أمتك وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: كانوا يسخرون منهم كما سخر منك قومك كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ قرأ بعضهم نَسْلُكُهُ بضم النون، وكسر اللام.
وقراءة العامة: بنصب النون، وضم اللام.
وهما لغتان.
يقال: سلكت الخيط في الإبرة، إذا أدخلته فيها.
ومعناه: هكذا ندخل الإضلال في قلوب المجرمين أي: المشركين عقوبة ومجازاة لكفرهم.
ويقال: معناه هكذا نطبع على قلوب المجرمين.
ويقال: نجعل حلاوة التكذيب بالعذاب.
ويقال: للشرك في قلوب المشركين الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني: لا يصدقون بالله.
ويقال: بمحمد ويقال: بالعذاب إنه غير نازل بهم.
وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي: مضت بالعذاب عند التكذيب.
ويقال: تقدمت سيرة الأولين بالهلاك.
قوله عز وجل: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ أي: فصاروا يصعدون فيه وينزلون، يعني: الملائكة، ويراهم المشركون، وهم أهل مكة لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا يقول: أخذت، وأغشيت أبصارنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ أي: ولقالوا سحرنا فلا نبصر.
وروى قتادة عن ابن عباس أنه قال: «لو فتح الله عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء، فظلت الملائكة يعرجون فيه لقالوا: أخذت أبصارنا» .
قرأ ابن كثير سُكِّرَتْ بالتخفيف.
وهكذا قرأ الحسن.
وقرأ الباقون بالتشديد.
وقال القتبي: سُكِّرَتْ بالتشديد أي: غُشِّيَتْ.
ومنه يقال: سُكِّر النهر إذا سدّ، ومنه إذا أسكر الشراب وهو الغطاء على العقل.
ومن قرأ سُكِّرَتْ بالتخفيف أي: سحرت، يعني: إنهم لا يعتبرون به، كما لم يعتبروا بانشقاق القمر حين رأوه معاينة.
<div class="verse-tafsir"
لَوْ مَا تَأْتِينا: هَلاَّ تأتينا.
وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ: قال مجاهدٌ: المعنى: بالرسالةِ والعذاب «١» ، والظاهرُ أنَّ معناه كما ينبغي ويَحِقُّ من الوحْيِ والمنافعِ التي أراها اللَّه لعباده، لا على اقتراح كافرٍ، ثم ذكَر عادَتَهُ سبحانَهُ في الأُمَمِ من أنَّه لم يأتهم بآيَةِ اقتراح، إِلا ومعها العَذَابُ في إِثِرها إِن لم يُؤْمِنوا، والنَّظِرَة: التأخير.
وقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ: رَدٌّ على المستَخفِّين في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ: قال مجاهدٌ وغيره: الضميرُ في «له» عائدٌ على القرآن «٢» ، المعنى: وإِنا له لحافِظُونَ من أن يبدّل أو يغيّر.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ الآية: تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
أيْ: لا يضقْ صدْرُكَ، يا محمَّد، بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وغير ذلك، و «الشيعة» : الفرقة التابعة لرأْسٍ مَّا.
ت: قال الفرَّاء فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ إِنَّه من إِضافة الموصوفِ إِلى صفته ك حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥] ، و «جَانِبِ الغَرْبِيِّ» [القصص: ٤٤] ، وتأوَّله البصريُّون على حذف الموصوفِ، أي: شيع الأمم الأولين.
انتهى من ص.
وقوله سبحانه: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ: يحتمل أنْ يكون الضَّميرُ في نَسْلُكُهُ يعودُ على الذكْر المحفوظِ المتقدِّم، وهو القرآن، ويكون الضميرُ في «به» عائداً عليه أيضاً، ويحتمل أن يعود الضميران معاً على الاستهزاء والشرك ونحوه، والباء في «به» : باء السبب، أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويحتملُ أنْ يكون الضمير في نَسْلُكُهُ عائداً على الاستهزاء والشركِ، والضمير في «به» عائداً على القرآن، والمعنى، في ذلك كلِّه، ينظر بعضه إلى بعض،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ في البُرُوجِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها بُرُوجُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، أيْ: مَنازِلُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ في آخَرِينَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأسْماؤُها: الحَمَلُ، والثَّوْرُ، والجَوْزاءُ، والسَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ، والمِيزانُ، والعَقْرَبُ، والقَوْسُ، والجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ.
والثّانِي: أنَّها قُصُورٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وقالَ عَطِيَّةُ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ البُرُوجِ: الحُصُونُ.
والثّالِثُ: أنَّها الكَواكِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قالَ أبُو صالِحٍ: هي النُّجُومُ العِظامُ.
قالَ قَتادَةُ: سُمِّيَتْ بُرُوجًا، لِظُهُورِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيَّنّاها ﴾ أيْ: حَسَّنّاها بِالكَواكِبِ.
وَفِي المُرادِ بِالنّاظِرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُبْصِرُونَ.
والثّانِي: المُعْتَبِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ أيْ: حَفِطْناها أنْ يَصِلَ إلَيْها شَيْطانٌ أوْ يَعْلَمَ مِن أمْرِها شَيْئًا إلّا اسْتِراقًا، ثُمَّ يَتْبَعُهُ الشِّهابُ.
والرَّجِيمُ مَشْرُوحٌ في (آلِ عِمْرانَ:٣٦) .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالنُّجُومِ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّنا ، أمْ لا ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تُرْمَ حَتّى بُعِثَ ، وهَذا المَعْنى: مَذْكُورٌ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ أخْرَجَ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظَ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ» "، وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ أنَّها لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى أنَّها إنَّما كانَتْ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ أنَّ شُعَراءَ العَرَبِ الَّذِينَ يُمَثَّلُونَ بِالبَرْقِ والأشْياءِ المُسْرِعَةِ لَمْ يُوجَدْ في أشْعارِها ذِكْرُ الكَواكِبِ المُنْقَضَّةِ، فَلَمّا حَدَثَتْ بَعْدَ مَوْلِدِ نَبِيِّنا اسْتَعْمَلَتِ الشُّعَراءُ ذِكْرَها، فَقالَ ذُو الرُّمَّةِ: كَذا كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مُسَوَّمٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ والثّانِي: أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نَبِيِّنا ، فَرَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ جالِسٌ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ، فاسْتَنارَ، فَقالَ: " ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ إذا كانَ مِثْلُ هَذا في الجاهِلِيَّةِ " ؟
قالُوا: كُنّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ، أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ، قالَ: " فَإنَّها لا يُرْمى بِها لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنَّ رَبَّنا إذا قَضى أمْرًا، سَبَّحَ حَمَلَةُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ الَّذِينَ يَلُونَهم، حَتّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أهْلَ هَذِهِ السَّماءِ، ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ حَمَلَةَ العَرْشِ: ماذا قالَ رَبُّكم ؟
فَيُخْبِرُونَهم، ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ أهْلَ سَماءٍ، حَتّى يَنْتَهِيَ الخَبَرُ إلى هَذِهِ السَّماءِ، وتَخْطِفُ الجِنُّ ويُرْمَوْنَ، فَما جاؤُوا بِهِ عَلى وجْهِهِ فَهو حَقٌّ، ولَكِنَّهم يَقْرِفُونَ فِيهِ ويَزِيدُونَ» " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ لا تُحْجَبُ عَنِ السَّمَواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى، مُنِعَتْ مِن ثَلاثِ سَماواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ، مُنِعُوا مِنَ السَّمَواتِ كُلِّها.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: قَدْ كانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ، ولَكِنَّها غَلُظَتْ حِينَ بُعِثَ ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قالَ: وعَلى هَذا وجَدْنا الشِّعْرَ القَدِيمَ، قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ، وهو جاهِلِيٌّ: والعَيْرُ يُرْهِقُها الغُبارُ وجَحْشُها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقِضاضَ الكَوْكَبِ وَقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ، وهو جاهِلِيٌّ: فانْقَضَّ كالدِّرِّيءِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾ أيِ: اخْتَطَفَ ما سَمِعَهُ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ.
قالَ ابْنُ فارِسٍ: اسْتَرَقَ السَّمْعَ: إذا سَمِعَ مُسْتَخْفِيًا.
﴿ فَأتْبَعَهُ ﴾ أيْ: لَحِقَهُ ﴿ شِهابٌ مُبِينٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَوْكَبٌ مُضِيءٌ.
وقِيلَ: " مُبِينٌ " بِمَعْنى: ظاهِرٌ يَراهُ أهْلُ الأرْضِ.
وإنَّما يَسْتَرِقُ الشَّيْطانُ ما يَكُونُ مِن أخْبارِ الأرْضِ، فَأمّا وحْيُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ صانَهُ عَنْهم.
واخْتَلَفُوا، هَلْ يَقْتُلُ الشِّهابُ، أمْ لا ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُحْرِقُ ويُخَبِّلُ ولا يَقْتُلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقْتُلُ، قالَهُ الحَسَنُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ، هَلْ يُقْتَلُ الشَّيْطانُ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ بِما سَمِعَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقْتَلُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا، لا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكِهانَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُقْتَلُ بَعْدَ إلْقائِهِ ما سَمِعَ إلى غَيْرِهِ مِنَ الجِنِّ، ولِذَلِكَ يَعُودُونَ إلى الِاسْتِراقِ، ولَوْ لَمْ يَصِلْ، لَقَطَعُوا الِاسْتِراقَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ أوالشِرْكِ ونَحْوَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ زَيْدٍ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وتَكُونُ باءَ السَبَبِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى "الذِكْرِ المَحْفُوظِ" المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ وهو القُرْآنُ، أيْ: مُكَذَّبًا بِهِ مَرْدُودًا مُسْتَهْزَءًا بِهِ نُدْخِلُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدًا عَلَيْهِ أيْضًا، أيْ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والشِرْكِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، فَيَخْتَلِفُ عَلى هَذا عَوْدُ الضَمِيرَيْنِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْظُرُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
و"نَسْلُكُهُ" مَعْناهُ نَدْخُلُهُ، يُقالُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ إذا أدْخَلَتْهُ فِيهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لِمَ أُعَرِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في أمْرٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شَلّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُرُدا وَمِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ يَصِفُ حُمُرُ وحْشٍ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ قالَ الزُجاجُ: ويُقْرَأُ: "نُسْلِكُهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ اللامِ.
و"المُجْرِمِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن خُتِمَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ، وتَقُولُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ وأسْلَكْتُهُ، بِمَعْنى واحِدٍ، ويُرْوى: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ وكَفَرَةِ العَصْرِ المَخْتُومِ عَلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَظَلُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلَيْهِمْ، وهو أبْلَغُ في إصْرارِهِمْ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ.
و"يَعْرُجُونَ" مَعْناهُ: يَصْعَدُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَعْرُجُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، والمَعارِجِ: الأدْراجُ، ومِنهُ المِعْراجُ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ: إلى حَسْبٍ عَوْدٍ بَنى المَرْءَ قَبْلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أبُوهُ لَهُ فِيهِ مَعارِجُ سُلَّمِ وَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ ﴾ ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: "وَلَوْ رَأوُا المَلائِكَةَ يَصْعَدُونَ ويَتَصَرَّفُونَ في بابٍ مَفْتُوحٍ في السَماءِ، لَما آمَنُوا"، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ كَثِيرٍ: "سُكِّرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وشَدِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الكافِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وقَرَأ ابْنُ الزَهْرِيِّ بِفَتْحِ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: "سُحِّرَتْ أبْصارُنا"، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ انْتِقالًا إلى دَرَجَةٍ عُظْمى مِن سِحْرِ العَقْلِ.
وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتِ الرِيحُ تَسْكَرُ سُكُورًا" إذا رَكَدَتْ ولَمْ تَنْفَذْ لِما كانَتْ بِسَبِيلِهِ أوَّلًا، وتَقُولُ: "سَكِرَ الرَجُلِ مِنَ الشَرابِ يَسْكَرُ سُكْرًا": إذا تَغَيَّرَتْ حالُهُ ورَكَدَ ولَمْ يَنْفُذْ فِيما لِلْإنْسانِ أنْ يَنْفُذَ فِيهِ، ومِن هَذا المَعْنى: "سَكْرانُ لا يَبِتُّ"، أيْ: لا يَقْطَعُ أمْرًا، وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتُ الفَتْقَ في مَجارِي الماءِ سَكْرًا" إذا طَمَسَتْهُ وصَرَفَتِ الماءَ عنهُ فَلَمْ يَنْفُذْ لِوَجْهِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ اللَفْظَةُ: "سُكِّرَتْ" بِشَدِّ الكافِ إذا كانَتْ مِن سُكْرِ الشَرابِ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَهي فِعْلٌ عُدِّيَ بِالتَضْعِيفِ، وإنْ كانَتْ مَن سَكْرِ مَجارِي الماءِ فَتَضْعِيفُها لِلْمُبالَغَةِ، لا لِلتَّعْدِيَةِ، لَأنَّ المُخَفَّفَ مَن فَعْلِهُ مُتَعَدٍّ، ورَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، لَأنَّ "الأبْصارَ" جَمْعٌ، والتَثْقِيلُ مَعَ الجَمْعِ أكْثَرُ، كَما قالَ: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ ، ومَن قَرَأ: "سَكِرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، فَإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَن سَكِرَ الماءُ فَهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، وإنْ كانَتْ مَن سَكِرَ الشَرابُ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَيَضْمَنا أنَّ الفِعْلَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ إلى أنْ نَنْزِلَهُ مُتَعَدِّيًا، ويَكُونُ هَذا الفِعْلُ مِن قَبِيلِ: رَجَعَ زَيْدٌ ورَجَعَهُ غَيْرَهُ، وغارَتِ العَيْنُ وغارَها الرَجُلُ، فَتَقُولُ -عَلى هَذا-: سَكِرَ الرَجُلُ وسَكَرَهُ غَيْرُهُ، وسَكَرَتِ الرِيحُ وسَكَرَها شَيْءٌ غَيْرَها، ومَعْنى هَذِهِ المَقالَةِ مِنهُمْ: أيْ غُيِّرَتْ أبْصارُنا عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ، فَهي لا تُعْطِينا حَقائِقَ الأشْياءِ كَما كانَتْ تَفْعَلُ.
وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن هَذِهِ اللَفْظَةِ بِقَوْلِهِ: غُشِيَ عَلى أبْصارِنا، وقالَ بَعْضُهُمْ: عُمِّيَتْ أبْصارُنا، وهَذا ونَحْوَهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى لا يَرْتَبِطُ بِاللَفْظِ، ويُقالُ أيْضًا: هَؤُلاءِ المُبْصِرُونَ عُرُوجَ المَلائِكَةِ أو عُرُوجَ أنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: "سُكِّرَتْ أبْصارُنا" بَلْ سُحِرْنا حَتّى لا نَعْقِلَ الأشْياءَ كَما يَجِبُ، أيْ صَرِفَ فِينا السِحْرُ.
<div class="verse-tafsir"
لما جرى الكلام السابق في شأن تكذيب المشركين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما توركوا به في ذلك، وكان الأصلُ الأصيل الذي بَنوا عليه صَرْح التكذيب أصلين هما إبطاله إلهية أصنامهم، وإثباته البعث، انبرى القرآن يبيّن لهم دلائل تفرد الله تعالى بالإلهية، فذكر الدلائل الواضحة من خلق السماوات والأرض، ثم أعقبها بدلائل إمكان البعث من خلق الحياة والموت وانقراض أمم وخلفها بأخرى في قوله تعالى: ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ﴾ [سورة الحجر: 23] الآية.
وصادف ذلك مناسبة ذكر فتح أبواب السماء في تصوير غلوائهم بعنادهم، فكان الانتقال إليه تخلصاً بديعاً.
وفيه ضرب من الاستدلال على مكابرتهم فإنهم لو أرادوا الحق لكان لهم في دلالة ما هو منهم غنية عن تطلب خوارق العادات.
والخبر مستعمل في التذكير والاستدلال لأن مدلول هذه الأخبار معلوم لديهم.
وافتتح الكلام بلام القسم وحرف التحقيق تنزيلاً للمخاطبين الذاهلين عن الاستدلال بذلك منزلة المتردّد فأكّد لهم الكلام بمؤكدين.
ومرجع التأكيد إلى تحقيق الاستدلال وإلى الإلجاء إلى الإقرار بذلك.
والبروج: جمع بُرج بضم الباء.
وحقيقته البناء الكبير المتّخذ للسكنى أو للتحصّن.
وهو يرادف القصر، قال تعالى: ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ في سورة النساء (78).
وأطلق البرج على بقعة معينة من سمت طائفة من النجوم غير السيارة (وتسمى النجوم الثوابت) متجمع بعضها بقرب بعض على أبعاد بينها لا تتغير فيما يُشاهد من الجو، فتلك الطائفة تكون بشكل واحد يشابه نقطاً لو خططت بينها خطوطٌ لخرج منها شِبه صورة حَيوان أو آلة سموا باسمها تلك النجوم المشابهة لهيئتها وهي واقعة في خط سير الشمس.
وقد سماها الأقدمون من علماء التوقيت بما يرادف معنى الدار أو المكان.
وسماها العرب بُروجاً ودارات على سبيل الاستعارة المجعولة سبباً لوضع الاسم؛ تخيّلوا أنها منازل للشمس لأنهم وقتوا بجهتها سمت موقع الشمس من قُبة الجو نهاراً فيما يخيل للناظر أن الشمس تسير في شبه قوس الدائرة.
وجعلوها اثني عشر مكاناً بعدد شهور السنة الشمسية وما هي في الحقيقة إلا سُموت لجهاتتٍ تُقابلُ كل جهة منها الأرضَ من جهة وراءِ الشمس مدة معينة.
ثم إذا انتقل موقع الأرض من مدارها كل شهر من السنة تتغير الجهة المقابلة لها.
فبِما كان لها من النظام تَسنّى أن تجعل علامات لمواقيت حلول الفصول الأربعة وحلول الأشهر الاثني عشر، فهم ضبطوا لتلك العلامات حدوداً وَهمية عينوا مكانها في اللّيل من جهة موقع الشمس في النهار وأعادوا رصدها يوماً فيوماً، وكلما مضت مدة شهر من السنة ضبطوا للشهر الذي يليه علامات في الجهة المقابلة لموقع الشمس في تلك المدة.
وهكذا، حتى رأوا بعد اثني عشر شهراً أنهم قد رجعوا إلى مقابلة الجهة التي ابتدأوا منها فجعلوا ذلك حولاً كاملاً.
وتلك المسافة التي تخال الشمس قد اجتازتها في مدة السّنة سموها دائرة البروج أو مِنْطقة البروج.
وللتمييز بين تلك الطوائف من النجوم جعلوا لها أسماء الأشياء التي شبهوها بها وأضافوا البرج إليها.
وهي على هذا الترتيب ابتداء من برج مدخل فصل الربيع: الحمَل، الثور، الجوزاء، (مشتقة من الجوز بفتح فسكون الوسط لأنها معترضة في وسط السماء)، السَرَطان، الأسَد، السُنبلة، الميزان، العَقرب، القَوْس، الجَدْي، الدَلْو، الحوت.
فاعتبروا لبرج الحمل شهر (أبرير) وهكذا، وذلك بمصادفة أن كانت الشمس يومئذٍ في سَمتتِ شكللٍ نجمي شبهوه بنُقَط خطوط صورة كبش.
وبذلك يعتقد أن الأقدمين ضبطوا السنة الشمسية وقسموها إلى الفصول الأربعة، وإلى الأشهر الاثني عشر قبل أن يضبطوا البروج.
وإنما ضبطوا البروج لقصد توقيت ابتداء الفصول بالضبط ليعرفوا ما مضى من مدتها وما بقي.
وأول من رسم هذه الرسوم الكلدانيون، ثم انتقل علمهم إلى بقية الأمم؛ ومنهم العرب فعرفوها وضبطوها وسموها بلغتهم.
ولذلك أقام القرآن الاستدلال بالبروج على عظيم قدرته وانفراده بالخلق لأنهم قد عرفوا دقائقها ونظامها الذي تهيأت به لأن تكون وسيلة ضبط المواقيت بحيث لا تُخلف ملاحظة راصدها.
وما خلقها الله بتلك الحالة إلا ليجعلها صالحة لضبط المواقيت كما قال تعالى: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ [سورة يونس: 5].
ثم ارتقى في الاستدلال بكون هذه البروج العظيمة الصنع قد جُعلت بأشكال تقع موقع الحسن في الأنظار فكانت زينة للناظرين يتمتعون بمشاهدتها في الليل فكانت الفوائد منها عديدة.
وأما قوله: وحفظناها من كل شيطان رجيم } فهو إدماج للتعليم في أثناء الاستدلال.
وفيه التنويه بعصمة الوحي من أن يتطرقه الزيادة والنقص، بأن العوالم التي يصدر منها الوحي وينتقل فيها محفوظة من العناصر الخبيثة.
فهو يرتبط بقوله: ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ [سورة الحجر: 9].
وكانوا يقولون: محمد كاهن؛ ولذلك قال الوليد بن المغيرة لما حاورهم فيما أعدوا من الاعتذار لوفود العرب في موسم الحجّ إذا سألوهم عن هذا الرجل الذي ادّعى النبوءة.
وقد عرضوا عليه أن يقولوا هو كاهن، فكان من كلام الوليد أن قال..
ولا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزة الكاهن ولا سجعه، قال تعالى: ﴿ ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون ﴾ [سورة الحاقة: 42].
وكان الكهان يزعمون أن لهم شياطين تأتيهم بخبر السماء، وهم كاذبون ويتفاوتون في الكذب.
والمراد بالحفظ من الشياطين الحفظ من استقرارها وتمكنها من السماوات.
والشيطان تقدم في سورة البقرة.
والرجيم: المحقر؛ لأن العرب كانوا إذا احتقروا أحداً حصبوه بالحصباء، كقوله تعالى: ﴿ قال فاخرج منها فإنك رجيم ﴾ [سورة الحجر: 34]، أي ذميم محقر.
والرّجام بضم الراء الحجارة.
قيل وهي أصل الاشتقاق.
ويحتمل العكس.
وقد كان العرب يرجمون قبر أبي رِغال الثقفي الذي كان دليل جيش الحبشة إلى مكة.
قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه *** كما تَرمون قبر أبي رِغال والرجم عادة قديمة حكاها القرآن عن قوم نوح ﴿ قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ﴾ [سورة الشعراء: 116].
وعن أبي إبراهيم ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ [سورة مريم: 46].
وقال قوم شعيب: ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ [سورة هود: 91].
وليس المراد به الرجم المذكور عقبه في قوله: فأتبعه شهاب مبين } لأن الاستثناء يمنع من ذلك في قوله: ﴿ إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ﴾ .
واستراق السمع: سرقتهُ.
صيغ وزن الافتعال للتكلف.
ومعنى استراقه الاستماع بخفية من المتحدث كأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذي يخفيه عنه.
و«أتبعه» بمعنى تَبعه.
والهمزة زائدة مثل همزة أبان بمعنى بان.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ﴾ في سورة الأعراف (175).
والمبين: الظاهر البين.
وفيه تعليم لهم بأن الشهب التي يشاهدونها متساقطةً في السماء هي رجوم للشياطين المسترِقة طرداً لها عن استراق السمع كاملاً، فقد عرفوا ذلك من عهد الجاهلية ولم يعرفوا سببه.
والمقصود من منع الشياطين من ذلك منعهم الاطلاع على ما أراد الله عدمَ اطلاعهم عليه من أمر التكوين ونحوه؛ مما لو ألقته الشياطين في علم أوليائهم لكان ذلك فساداً في الأرض.
وربما استدرج الله الشياطين وأولياءهم فلم يمنع الشياطين من استراق شيء قليل يلقونه إلى الكهان، فلما أراد الله عصمة الوحي منعهم من ذلك بتاتاً فجعل للشهب قوة خرق التموجات التي تتلقى منها الشياطين المسترقون السمعَ وتمزيققِ تلك التدرجات الموصوفة في الحديث الصحيح.
ثم إن ظاهر الآية لا يقتضي أكثر من تحكك مسترق السمع على السماوات لتحصيل انكشافات جبل المسترق على الحرص على تحصيلها.
وفي آية الشعراء ما يقتضي أن هذا المسترق يلقي ما تَلقاه من الانكشافات إلى غيره لقوله: ﴿ يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ﴾ [سورة الشعراء: 223].
ومقتضى تكوين الشهب للرجم أن هذا الاستراق قد مُنع عن الشياطين.
وفي سورة الجن دلالة على أنه منع بعد البعثة ونزول القرآن إحكاماً لحفظ الوحي من أن يلتبس على الناس بالكهانة، فيكون ما اقتضاه حديث عائشة وأبي هُريرة رضي الله عنهم من استراق الجن السمع وصفاً للكهانة السابقة.
ويكون قوله: ﴿ ليسوا بشيء ﴾ وصفاً لآخر أمرهم.
وقد ثبت بالكتاب والسنّة وجود مخلوقات تسمى بالجن وبالشياطين مع قوله: ﴿ والشياطين كل بناء وغواص ﴾ [سورة ص: 37] الآية.
والأكثر أن يخص باسم الجن نوع لا يخالط خواطر البشر، ويخص باسم الشياطين نوع دأبه الوسوسة في عقول البشر بإلقاء الخواطر الفاسدة.
وظواهر الأخبار الصحيحة من الكتاب والسنة تدل على أن هذه المخلوقات أصناف، وأنها سابحة في الأجواء وفي طبقات مما وراء الهواء وتتصل بالأرض، وأن منها أصنافاً لها اتصَال بالنفوس البشرية دون الأجسام وهو الوسواس ولا يخلو منه البشر.
وبعضُ ظواهر الأخبار من السنة تقتضي أن صنفاً له اتصال بنفوس ذات استعداد خاص لاستفادة معرفة الواقعات قبل وقوعها أو الواقعات التي يبعد في مجاري العادات بلوغ وقوعها، فتسبق بعضُ النفوس بمعرفتها قبل بلوغها المعتاد.
وهذه النفوس هي نفوس الكهان وأهل الشعوذة، وهذا الصنف من المخلوقات من الجن أوالشياطين هو المسمى بمسترق السمع وهو المستثنى بقوله تعالى: إلا من استرق السمع}.
فهذا الصنف إذا اتصل بتلك النفوس المستعدة للاختلاط به حجز بعض قواها العقلية عن بعض فأكسب البعض المحجوز عنه ازدياد تأثير في وظائفه بما يرتد عليه من جرّاء تفرغ القوة الذهنية من الاشتغال بمزاحمه إلى التوجه إليه وحده، فتكسبه قدرة على تجاوز الحد المعتاد لأمثاله، فيخترق الحدود المتعارفة لأمثاله اختراقاً ما، فربما خلصت إليه تموجات هي أوساط بين تموجات كرة الهواء وتموجات الطبقات العليا المجاورة لها، مما وراء الكرة الهوائية.
ولنفرض أن هذه الطبقة هي المسماة بالسماء الدنيا وأن هذه التموجات هي تموجات الأثير فإنها تحفظ الأصوات مثلاً.
ثم هذه التموجات التي تخلُص إلى عقول أهل هذه النفوس المستعدة لها تخلص إليها مقطّعة مُجملة فيستعين أصحاب تلك النّفوس على تأليفها وتأويلها بما في طباعهم من ذكاء وزكانة، ويخبرون بحاصل ما استخلصوه من بين ما تلقفوه وما ألّفوه وما أولوه.
وهم في مصادفة بعض الصدق متفاوتون على مقدار تفاوتهم في حدة الذكاء وصفاء الفهم والمقارنة بين الأشياء، وعلى مقدار دُربتهم ورسوخهم في معالجة مهنتهم وتقادم عهدهم فيها.
فهؤلاء هم الكهان، وكانوا كثيرين بين قبائل العرب.
وتختلف سمعتهم بين أقوامهم بمقدار مصادفتهم لما في عقول أقوامهم.
ولا شك أن لسذاجة عقول القوم أثراً ما، وكان أقوامهم يعُدون المعمّرين منهم أقرب إلى الإصابة فيما ينبئون به، وهم بفرط فطنتهم واستغفالهم البله من مريديهم لا يصدرون إلاّ كلاماً مجملاً موجهاً قابلاً للتأويل بعدة احتمالات، بحيث لا يؤخذون بالتكذيب الصريح، فيكلون تأويل كلماتهم إلى ما يحدث للنّاس في مثل الأغراض الصادرة فيها تلك الكلماتُ، وكلامهم خلو من الإرشاد والحقائق الصالحة.
وهم بحيلتهم واطلاعهم على ميادين النفوس ومؤثراتها التزموا أن يصوغوا كلامهم الذي يخبرون به في صيغة خاصة ملتزماً فيها فقرات قصيرة مختتمة بأسجاع، لأن الناس يحسبون مزاوجة الفقرة لأختها دليلاً على مصادفتها الحق والواقع، وأنها أمارة صدق.
وكانوا في الغالب يلوذون بالعزلة، ويكثرون النظر في النجوم ليلاً لتتفرغ أذهانهم.
فهذا حال الكهان وهو قائم على أسس الدجل والحيلة والشعوذة مع الاستعانة باستعداد خاص في النفس وقوة تخترق الحواجز المألوفة.
وهذا يفسره ما في كتاب الأدب من «صحيح البخاري» عن عائشة: أن ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: " ليسوا بشيء (أي لا وجود لما يزعمونه).
فقيل: يا رسول الله فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حَقاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنيّ فَيقرُّها في أذن وليّه قَرّ الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة ".
وما في تفسير سورة الحجر من «صحيح البخاري» من حديث سفيان عن أبي هُريرة قال نبي الله صلى الله عليه وسلم " إذا قضى الله الأمر في السماء (أي أمر أو أوحى) وضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله «فإنهم المأمورون كل في وظيفته» كالسلسلة على صَفواننٍ ينفُذُهم ذلك (أي يحصل العلم لهم.
وتقريبها حركات آلة تلقي الرسائل البرقية تلغراف)...
فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر (أي هي طبقات مفاوتة في العلو).
ووصف سفيان بيده فحرّفها وفَرّج بين أصابع يده اليمنى نَصَبها بعضَها فوق بعض (فيسمع المسترق الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخَر إلى من تحته حتّى يلقيها على لسان الكاهن أو الساحر)، فربّما أدرك الشّهاب المستمع قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركها فيكذب معها مائة كَذبة.
فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقاً للكلمة التي سُمعت من السماء ".
أما أخبار الكهان وقصصهم فأكثرها موضوعات وتكاذيب.
وأصحها حديث سواد بن قارب في قصة إسلام عُمر رضي الله عنه من «صحيح البخاري».
وهذه الظواهر كلها لا تقتضي إلا إدراك المسموعات من كلام الملائكة.
ولا محالة أنها مقرّبة بالمسموعات، لأنها دلالة على عزائم النّفوس الملكية وتوجهاتها نحو مسخراتها.
وعبر عنه بالسمع لأنه يؤول إلى الخبر، فالذي يحصل لمسترق السمع شعور ما تتوجه الملائكة لتسخيره، والذي يحصل للكاهن كذلك.
والمآل أن الكاهن يخبر به فيؤول إلى مسموع.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَظَلَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَعْرُجُونَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: فَظَلَّتِ المَلائِكَةُ فِيهِ يَعْرُجُونَ وهم يَرَوْنَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ في ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما بِتَشْدِيدِ الكافِ، والثّانِيَةُ بِتَخْفِيفِها، وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُما واحِدٌ، فَعَلى هَذا سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سُدَّتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: عَمِيَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أُخِذَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: خُدِعَتْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
الخامِسُ: غُشِيَتْ وغُطِّيَتْ، قالَهُ أبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وطَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْها مِغْفَرُ وجَعَلَتْ عَيْنُ الحَرُورِ تُسْكَرُ السّادِسُ: مَعْناهُ حُبِسَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَمِنهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ فَصِرْنَ عَلى لَيْلَةٍ ساهِرَةْ ∗∗∗ فَلَيْسَتْ بِطَلْقٍ ولا ساكِرَةْ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى سُكِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مُخْتَلِفٌ، وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ بِالتَّخْفِيفِ سُحِرَتْ، وبِالتَّشْدِيدِ: أُخِذَتْ.
الثّانِي: أنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ مِن سُكْرِ الشَّرابِ، وبِالتَّشْدِيدِ مَأْخُوذٌ مِن سَكَّرْتُ الماءُ.
" بَلْ نَحْنُ مَسْحُورُونَ " فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ سُحِرْنا فَلا نُبْصِرُ.
الثّانِي: مُضَلَّلُونَ، حَكاهُ ثَعْلَبٌ.
الثّالِثُ: مُفْسِدُونَ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ يقول: ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه، يختلفون فيه ذاهبين وجائين لقال أهل الشرك: إنماأخذت أبصارنا وشبه علينا وسحرنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ قال: رجع إلى قوله: ﴿ لو ما تأتينا بالملائكة...
﴾ ما بين ذلك قال ابن جريج: قال ابن عباس: لظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم ﴿ لقالوا إنما سكرت ﴾ سدت ﴿ أبصارنا ﴾ قال: قريش تقوله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سكرت أبصارنا ﴾ قال: سدت.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه قرأ ﴿ سكرت أبصارنا ﴾ خفيفة.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: من قرأ ﴿ سكرت ﴾ مشددة، يعني سدّت؛ ومن قرأ ﴿ سكرت ﴾ مخففة، فإنه يعني سحرت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾ ، (بيان هذا قوله: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ ﴾ الآية [الجن: 8].
قال أبو إسحاق: موضع (من) نصب، المعنى: لكن من استرق السمع) (١) (٢) ﴿ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾ يريد الخطفة (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ﴾ ذكرنا معناه عند قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ﴾ ومعناه لحقه، والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يُسمى الكوكبُ شهابًا والسنانُ شهابا؛ لبريقهما يُشبّهان بالنار، قال ابن عباس في قوله: ﴿ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾ يريد نارًا تَبِيْن لأهل الأرض، قال المفسرون: إن الشهاب لا يخطئه أبدًا وأنهم ليُرْمَون، فإذا توارى عنكم فقد أدركه (٥) وقال أبو إسحاق: هذا من آيات النبيّ - - ومما حدث بعد مولده؛ لأن الشعراء قبله لم يذكروا هذا في أشعارهم، ولم يشبهوا الشيء السريع به (٦) (٧) (٨) (٩) (١) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 176 بنصه.
(٣) في (أ)، (د): (الحفظة)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.
(٤) أخرجه الطبري 15/ 14 مختصراً، من طريق الضحاك عن ابن عباس منقطعة، وورد في تفسير الماوردي 3/ 153 مختصراً، و"تفسير ابن عطية" 8/ 292، و"تفسير القرطبي" 10/ 11، والخازن 3/ 91.
(٥) ورد في تفسير الثعلبي 2/ 146 أبنحوه.
(٦) (به) ساقط من (أ)، (د) ويقتضيها السياق.
(٧) في جميع النسخ: (فيها) والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود إلى البيت وهو مذكر.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 176 بنحوه.
(٩) انظر: (شهب) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1942، "المحيط في اللغة" 3/ 395، "الصحاح" 1/ 159.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين ﴾ أي تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء حتى هلكوا بذلك، ففي الكلام تهديد لقريش ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أبصارنا ﴾ الضمائر لكفار قريش المعاندين المحتوم عليهم بالكفر وقيل: الضمير في ظلوا وفي يعرجون للملائكة وفي قالوا للكفار، ومعنى: يعرجون يصعدون، والمعنى أن هؤلاء الكفار لو رأوا أعظم آية لقالوا: إنها تخييل أو سحر، وقرئ سكِّرت بالتشديد والتخفيف ويحتمل أن يكون مشتقاً من السكر، فيكون معناه: أجبرت أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته، أو من السِّكْر وهو السد فيكون معناه منعت أبصارنا من النظر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
قيل: في ملك الأولين.
وقيل: في فرق الأولين.
وقيل: في جماعات [الأولين]، وهو واحد.
﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .
يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له.
يقول - والله أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصاً به، من بين سائر الخلائق.
والله أعلم.
كأن هذه الآية صلة قولهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ ، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ...
﴾ إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليداً لآبائهم، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأولئك - أعني: الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليداً بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن استهزأ بآخر [فشتمه؛ تقليداً] واقتداء وتلقناً - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ لا يؤمنون به، يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ وكقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نجعل الكفر والتكذيب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ بكفرهم؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...
﴾ الآية [الأنعام: 25] وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ ونحوه.
ويحتمل قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ الحجج والآيات؛ ليكون تكذيبهم وردّهم [الآيات والحجج]، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها.
هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب، والردّ، والمعاندة، والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات.
ويحتمل: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله، ومعاندتهم إياها.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر بالعذاب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: لا يصدقون بالعذاب ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهؤلاء يستنون بسنتهم.
وقال أبو عوسجة: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ : أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ﴾ وقال: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أي: أدخل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ .
يخبر - عز وجل - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة بقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ يقول: إن سؤالهم الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ...
﴾ الآية [الأنعام: 109] ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وذلك أن المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين مكابرين - ليسوا بمسترشدين.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم ﴾ : يعني على الملائكة بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ وقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ قيل: حيرت وسدت، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ : أي: سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ﴾ أي: لهم ﴿ بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ أي: للنصب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ حتى ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ فيه ويعاينون نزول الآيات ويشاهدون كل شيء ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ يؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، وقوله : ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك.
<div class="verse-tafsir"
إلا من استمع للملإِ الأعلى خِلْسة فيلحقه جرم مضيء، فيحرقه.
<div class="verse-tafsir" id="91.EOg6Y"