الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٢٣ من سورة الحجر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 49 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٣ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( وإنا لنحن نحيي ونميت ) إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته ، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم ، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع .
وأخبر أنه - تعالى - يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون .
يقول تعالى ذكره: ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي ) من كان ميتا إذا أردنا( ونُمِيتُ ) من كان حيا إذا شئنا( وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ) يقول: ونحن نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم، فلا يبقى حيّ سوانا إذا جاء ذلك الأجل.
قوله تعالى : وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون أي الأرض ومن عليها ، ولا يبقى شيء سوانا .
نظيره إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون .
فملك كل شيء لله - تعالى - .
ولكن ملك عباده أملاكا فإذا ماتوا انقطعت الدعاوى ، فكان الله وارثا من هذا الوجه .
وقيل : الإحياء في هذه الآية إحياء النطفة في الأرحام .
فأما البعث فقد ذكره بعد هذا في قوله : وإن ربك هو يحشرهم .
أي: هو وحده لا شريك له الذي يحيي الخلق من العدم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ويميتهم لآجالهم التي قدرها { وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ } كقوله: { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } وليس ذلك بعزيز ولا ممتنع على الله
( وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ) بأن نميت جميع الخلائق ، فلا يبقى حي سوانا .
والوارث من صفات الله عز وجل .
قيل : الباقي بعد فناء الخلق .
وقيل : معناه إن مصير الخلق إليه .
«وإنا لنحن نحي ونميت ونحن الوارثون» الباقون نرث جميع الخلق.
وإنَّا لنحن نحيي مَن كان ميتًا بخلقه من العدم، ونميت من كان حيًا بعد انقضاء أجله، ونحن الوارثون الأرض ومَن عليها.
ثم بين - سبحانه - أن الإِحياء والإِماتة بيده وحده ، فقال - تعالى - : ( وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الوارثون ) .أى : وإنا وحدنا القادرون على إيجاد الحياة فى المخلوقات ، والقادرون على سلبها عنها ، ونحن الوارثون لهذا الكون بعد فنائه ، الباقون بعد زواله .قال - تعالى - ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا المصير ) وقال - تعالى - ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) وشبه - سبحانه - بقاءه بعد زوال كل شئ سواه بالوارث ، لأن الوارث هو الذى يرث غيره بعد موته .
اعلم أنه تعالى لما بين أنه أنبت في الأرض كل شيء موزون وجعل فيها معايش أتبعه بذكر ما هو كالسبب لذلك فقال: ﴿ وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ .
وهذا هو النوع الرابع من الدلائل المذكورة في هذه السورة على تقرير التوحيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الخزائن جمع الخزانة، وهو اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ والخزانة أيضاً عمل الخازن، ويقال: خزن الشيء يخزنه إذا أحرزه في خزانة، وعامة المفسرين على أن المراد بقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَآئِنُهُ ﴾ هو المطر، وذلك لأنه هو السبب للأرزاق ولمعايش بني آدم وغيرهم من الطيور والوحوش، فلما ذكر تعالى أنه يعطيهم المعايش بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده، أي في أمره وحكمه وتدبيره، وقوله: ﴿ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ قال ابن عباس رحمهما الله: يريد قدر الكفاية، وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر، ولكنه يمطر قوم ويحرم قوم آخرون، وربما كان في البحر، يعني أن الله تعالى ينزل المطر كل عام بقدر معلوم، غير أنه يصرفه إلى من يشاء حيث شاء كما شاء.
ولقائل أن يقول: لفظ الآية لا يدل على هذا المعنى، فإن قوله تعالى: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ لا يدل على أنه تعالى ينزله في جميع الأعوام على قدر واحد، وإذا كان كذلك كان تفسير الآية بهذا المعنى تحكماً من غير دليل.
وأقول أيضاً: تخصيص قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ بالمطر تحكم محض، لأن قوله: ﴿ وَإِن مِّن شيْءٍ ﴾ يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل، وهو الموجود القديم الواجب لذاته، وقوله: ﴿ إلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ إشارة إلى كون تلك الأشياء مقدورة له تعالى.
وحاصل الأمر فيه أن المراد أن جميع الممكنات مقدورة له، ومملوكة يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء إلا أنه تعالى وإن كانت مقدوراته غير متناهية إلا أن الذي يخرجه منها إلى الوجود يجب أن يكون متناهياً لأن دخول ما لا نهاية له في الوجود محال فقوله: ﴿ وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية وقوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ إشارة إلى أن كل ما يدخل منها في الوجود فهو متناه، ومتى كان الخارج منها إلى الوجود متناهياً كان لا محالة مختصاً في الحدوث بوقت مقدر مع جواز حصوله قبل ذلك الوقت أو بعده بدلاً عنه، وكان مختصاً بحيز معين مع جواز حصوله في سائر الأحياز بدلاً عن ذلك الحيز، وكان مختصاً بصفات معينة، مع أنه كان يجوز في العقل حصول سائر الصفات بدلاً عن تلك الصفات، وإذا كان كذلك كان اختصاص تلك الأشياء المتناهية بذلك الوقت المعين والحيز المعين، والصفات المعينة بدلاً عن أضدادها لابد وأن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ والمعنى: أنه لولا القادر المختار الذي خصص تلك الأشياء بتلك الأحوال الجائزة لامتنع اختصاصها بتلك الصفات الجائزة، والمراد من الإنزال الإحداث والإنشاء والإبداع كقوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنزْلْنَا الحديد ﴾ ، والله أعلم.
المسألة الثانية: تمسك بعض المعتزلة بهذه الآية في إثبات أن المعدوم شيء قال لأن قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ يقتضي أن يكون لجميع الأشياء خزائن، وأن تكون تلك الخزائن حاصلة عند الله تعالى، ولا جائز أن يكون المراد من تلك الخزائن الموجودة عند الله تعالى هي تلك الموجودات من حيث إنها موجودة، لأنا بينا أن المراد من قوله تعالى: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ الإحداث والإبداع والإنشاء والتكوين، وهذا يقتضي أن يكون حصول تلك الخزائن عند الله متقدماً على حدوثها ودخولها في الوجود، وإذا بطل هذا وجب أن يكون المراد أن تلك الذوات والحقائق والماهيات كانت متقررة عند الله تعالى، بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه تعالى أنزل بعضها أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.
ولقائل أن يجيب عن ذلك بقوله: لا شك أن لفظ الخزائن إنما ورد هاهنا على سبيل التمثيل والتخييل، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه مجرد كونه تعالى قادراً على إيجاد تلك الأشياء وتكوينها وإخراجها من العدم إلى الوجود؟
وعلى هذا التقدير يسقط الإستدلال، والمباحثات الدقيقة باقية، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ ﴾ فاعلم أن هذا هو النوع الخامس من دلائل التوحيد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في وصف الرياح بأنها لواقح.
أقوال: القول الأول: قال ابن عباس: الرياح لواقح للشجر وللسحاب، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وأصل هذا من قولهم: لقحت الناقة وألقحها الفحل إذا ألقى الماء فيها فحملت، فكذلك الرياح جارية مجرى الفحل للسحاب.
قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: يبعث الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء وتمجه في السحاب، ثم إنه يعصر السحاب ويدره كما تدر اللقحة فهذا هو تفسير إلقاحها للسحاب، وأما تفسير إلقاحها للشجر فما ذكروه.
فإن قيل: كيف قال: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ وهي ملقحة؟
والجواب: ما ذهب إليه أبو عبيدة أن (لواقح) هاهنا بمعنى ملاقح جمع ملقحة وأنشد لسهيل يرثي أخاه: لبيك يزيد يائس ذو ضراعة *** وأشعث مما طوحته الطوائح أراد المطوحات وقرر ابن الأنباري ذلك فقال: تقول العرب أبقل النبت فهل باقل يريدون هو مبقل وهذا يدل على جواز ورود لاقح عبارة عن ملقح.
والوجه الثاني: في الجواب قال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح وإن ألحقت غيرها لأن معناها النسبة وهو كما يقال: درهم وازن، أي ذو وزن، ورامح وسائف، أي ذو رمح وذو سيف قال الواحدي: هذا الجواب ليس بمغن، لأنه كان يجب أن يصح اللاقح.
بمعنى ذات اللقاح وهذا ليس بشيء، لأن اللاقح هو المنسوب إلى اللقحة، ومن أفاد غيره اللقحة فله نسبة إلى اللقحة فصح هذا الجواب، والله أعلم.
والوجه الثالث: في الجواب أن الريح في نفسها لاقح وتقريره بطريقين: الطريق الأول: أن الريح حاصلة للسحاب، والدليل عليه قوله سبحانه: ﴿ وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً ﴾ أي حملت فعلى هذا المعنى تكون الريح لاقحة بمعنى أنها حاملة تحمل السحاب والماء.
والطريق الثاني: قال الزجاج: يجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير، كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بالخير، وهذا كما تقول العرب: قد لقحت الحرب وقد نتجت ولداً أنكد يشبهون ما تشتمل عليه من ضروب الشر بما تحمله الناقة فكذا هاهنا، والله أعلم.
المسألة الثانية: الريح هواء متحرك وحركة الهواء بعد أن لم يكن متحركاً لابد له من سبب، وذلك السبب ليس نفس كونه هواء ولا شيئاً من لوازم ذاته، وإلا لدامت حركة الهواء بدوام ذاته وذلك محال، فلم يبق إلا أن يقال: إنه يتحرك بتحريك الفاعل المختار، والأحوال التي تذكرها الفلاسفة في سبب حركة الهواء عند حدوث الريح قد حكيناها في هذا الكتاب مراراً فأبطلناها وبينا أنه لا يمكن أن يكون شيء منها سبباً لحدوث الرياح، فبقي أن يكون محركها هو الله سبحانه.
وأما قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين ﴾ ففيه مباحث: الأول: أن ماء المطر هل ينزل من السماء أو ينزل من ماء السحاب؟
وبتقدير أن يقال إنه ينزل من السحاب كيف أطلق الله على السحاب لفظ السماء؟.
وثانيها: أنه ليس السبب في حدوث المطر ما يذكره الفلاسفة بل السبب فيه أن الفاعل المختار ينزله من السحاب إلى الأرض لغرض الإحسان إلى العباد كما قال هاهنا: ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾ قال الأزهري: تقول العرب لكل ما كان في بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري أسقيته أي جعلته شرباً له، وجعلت له منها مسقى، فإذا كانت السقيا لسقيه قالوا سقاه، ولم يقولوا أسقاه.
والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ فقرؤا باللغتين، ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ وفي قوله: ﴿ والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾ قال أبو علي: سقيته حتى روي وأسقيته نهراً، أي جعلته شرباً له وقوله: ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾ أي جعلناه سقياً لكم وربما قالوا في أسقى سقى كقول لبيد يصف سحاباً: أقول وصوبه مني بعيد *** يحط السيب من قلل الجبال سقى قومي بني نجد وأسقى *** نميرا والقبائل من هلال فقوله: سقى قومي ليس يريد به ما يروي عطاشهم ولكن يريد رزقهم سقياً لبلادهم يخصبون بها، وبعيد أن يسأل لقومه ما يروى العطاش وليغرهم ما يخصبون به.
وأما سقيا السقية فلا يقال فيها أسقاه، وأما قول ذي الرمة: وأسقيه حتى كاد مما أبنه *** تكلمني أحجاره وملاعبه فمعنى أسقيه أدعو له بالسقاء، وأقول سقاه الله وقوله: ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين ﴾ يعني به ذلك الماء المنزل من السماء يعني لستم له بحافظين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوَاقِحَ ﴾ فيه قولان، أحدهما: أنّ الريح لاقح إذا جاءت بخير، من إنشاء سحاب ماطر كما قيل للتي لا تأتي بخير: ريح عقيم.
والثاني: أن اللواقح بمعنى الملاقح، كما قال: وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ يريد المطاوح جمع مطيحة.
وقرئ: ﴿ وأرسلنا الريح ﴾ ، على تأويل الجنس ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾ فجعلناه لكم سقيا ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ كأنه قال: نحن الخازنون للماء، على معنى نحن القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها، وما أنتم عليه بقادرين: دلالة على عظيم قدرته وإظهاراً لعجزهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ ﴾ حَوامِلَ، شَبَّهَ الرِّيحَ الَّتِي جاءَتْ بِخَيْرٍ مِن إنْشاءِ سَحابٍ ماطِرٍ بِالحامِلِ كَما شَبَّهَ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بِالعَقِيمِ، أوْ مُلَقِّحاتٌ لِلشَّجَرِ ونَظِيرُهُ الطَّوائِحُ بِمَعْنى المُطِيحاتِ في قَوْلِهِ: وَمُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وَقُرِئَ « وأرْسَلْنا الرِّيحَ» عَلى تَأْوِيلِ الجِنْسِ.
﴿ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ ﴾ فَجَعَلْناهُ لَكم سُقْيا.
﴿ وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ﴾ قادِرِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن إخْراجِهِ، نَفى عَنْهم ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، أوْ حافِظِينَ في الغُدْرانِ والعُيُونِ والآبارِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى المُدَبِّرِ الحَكِيمِ كَما تَدُلُّ حَرَكَةُ الهَواءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ، فَإنَّ طَبِيعَةَ الماءِ تَقْتَضِي الغَوْرَ فَوُقُوفُهُ دُونَ حَدٍّ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ مُخَصَّصٍ.
﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها.
﴿ وَنُمِيتُ ﴾ بِإزالَتِها وقَدْ أوَّلَ الحَياةَ بِما يَعُمُّ الحَيَوانَ والنَّباتَ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ.
﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ الباقُونَ إذا ماتَ الخَلائِقُ كُلُّها.
<div class="verse-tafsir"
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)
{وإنا لنحن نحيي ونميت} أي نحي بالإيجاد ونميت بالإفناء أو نميت عند انقضاء الآجال ونحي لجزاء الأعمال على التقديم والتأخير إذ الواو للجمع المطلق {وَنَحْنُ الوارثون} الباقون بعد هلاك الخلق كلهم وقيل للباقي وارث استعارة من وارث الميت لأنه يبقى بعد فنائه
﴿ وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها ﴿ ونُمِيتُ ﴾ بِإزالَتِها عَنْها فالحَياةُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ وهي كَما قِيلَ صِفَةٌ تَقْتَضِي الحِسَّ والحَرَكَةَ الإرادِيَّةَ والمَوْتُ زَوالُ تِلْكَ الصِّفَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَضادُّ الحَياةَ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وقَدْ يُعَمَّمُ الإحْياءُ والإماتَةُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ مِثْلَ أنْ يُقالَ: المُرادُ إعْطاءُ قُوَّةِ النَّماءِ وسَلْبُها، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلْحَصْرِ، وهو إمّا تَوْكِيدٌ لِلْأوَّلِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ والمَجْمُوعُ خَبَرٌ لِإنّا، وجُوِّزَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ والثّانِي أنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، وتُعِقِّبَ ذَلِكَ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ الثّانِي غَلَطٌ فَإنَّهُ ورَدَ دُخُولُ اللّامِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ ﴾ ودُخُولُهُ عَلى المُضارِعِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الجُرْجانِيُّ وبَعْضُ النُّحاةِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ ﴾ ولَعَلَّ ذَلِكَ المُجَوَّزُ مِمَّنْ يَرى هَذا الرَّأْيَ والعَجَبَ مِن أبِي البَقاءِ فَإنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ هُنا وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ ﴾ كَما نَقَلَهُ في المُغْنِي.
﴿ ونَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ أيِ الباقُونَ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ قاطِبَةً المالِكُونَ لِلْمُلْكِ عِنْدَ انْقِضاءِ زَمانِ المُلْكِ المَجازِيِّ، الحاكِمُونَ في الكُلِّ أوَّلًا وآخِرًا أوْ لَيْسَ لِأحَدٍ إلّا التَّصَرُّفُ الصُّورِيُّ والمُلْكُ المَجازِيُّ وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَأخِّرَ لَيْسَ بِوارِثٍ لِلْمُتَقَدِّمِ كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ، وتَفْسِيرُ الوارِثِ بِالباقِي مَرْوِيٌّ عَنْ سُفْيانَ وغَيْرِهِ، وفُسِّرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««اللَّهُمَّ مَتِّعْنا بِأسْماعِنا وأبْصارِنا وقُوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا»».
وهُوَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ <div class="verse-tafsir"
ثمّ قال: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً أي: نجوماً.
ويقال: هي القصور في السماء.
وقال الضحاك وسعيد بن المسيب ومجاهد: «هي النجوم» وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ أي: زينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وَحَفِظْناها يعني: السماء مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي: مرجوم، ويقال: ملعون مبعد من الرحمة إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ أي: لكن من اختلس السمع خلسة فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ أي: لحقه نجم حار متوهج متوقد، لا يخطئه الشهاب أن يصيبه.
فإما أن يأتي على نفسه، وإمّا أن يخبله، حتى لا يعود إلى الاستماع إلى السماء.
وقال ابن عباس: «إن أهل الجاهلية من الكهنة قالوا: لا يكون كاهن إلا ومعه تابع من الجن، فينطلق الشياطين الذين كانوا مع الكهنة، فيقعدون من السماء مقاعد السمع، ويستمعون إلى ما هو كائن في الأرض من الملائكة، فينزلون به على كهنتهم فيقولون: إنه قد كان كذا وكذا من الأمر، فتفشيه كهنتهم إلى الناس، فيتكلمون به قبل أن ينزل على النبيّ ، فإِذا تكلم به النبي قالوا: قد علمنا قبله وكانت الشياطين لا تحجب عن الاستماع في السموات حتى بعث عيسى ابن مريم، فمنعوا من ثلاث سماوات، وكانوا يصعدون في أربع سماوات، فلما بعث النبيّ ، منعوا من السموات السبع، وكان الشيطان المارد منهم يصعد، ويكون آخر أسفل منه، فإذا استمع قال للذي أسفل منه: قد كان من الأمر كذا وكذا، فيهرب الأسفل، ويرمي الذي استمع بالشهاب، ويأتي الأسفل بالأمر الذي سمع إلى كهنتهم، فذلك قوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ.
ثم قال: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها يقول: بسطناها على الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أي: الجبال الثوابت لكي لا تتحرك من أمكنتها وَأَنْبَتْنا فِيها أي: في الجبال مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ أي: مقسوم معلوم.
ويقال: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مما يخرج من الجبال من: الحديد، والرصاص، والفضة، والذهب.
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ أي: من الزرع والنبات.
ويقال: وَأَنْبَتْنا فِيها أي: في الأرض مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ أي: معدود من الحبوب وغيره.
وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ أي: خلقنا فيها معايش البهائم، والوحوش، والطيور، يعني: أنتم لستم ترزقونها، وأنا أرزقها.
قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي: مفاتيح رزقه.
ويقال: علمه، كقوله: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام: 59] وهو المطر وَما نُنَزِّلُهُ أي: المطر إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ أي: بكيل ووزن معروف.
قال ابن عباس: «أي، يعلمه الخزان إلا يوم الطوفان الذي أغرق الله به قوم نوح، فإِنه طغى على خزانه، وخرج وكثر فلم يحفظوا ما خرج منه يومئذ، وخرج أربعين يوما» .
<div class="verse-tafsir"
ونَسْلُكُهُ: معناه، ندخله، والْمُجْرِمِينَ هنا: يراد بهم كُفَّار قريش، ومعاصرو النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ عمومٌ، معناه الخصوصُ فيمن حُتِمَ عليه، وقوله: وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ: أي: على هذه الوتيرَةِ، وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ، أي: على قريشٍ وكفَرَةِ العَصْر، والضميرُ في قوله: فَظَلُّوا عائدٌ عليهم، وهو تأويلِ الحسن، ويَعْرُجُونَ:
معناه يَصْعَدُون، ويحتملُ أنْ يعود على الملائكةِ، أي: ولو رأوا الملائكة يَصْعَدُون ويتصرَّفون في بابٍ مفتوحٍ في السماء لما آمنوا، وهذا تأويلُ ابنِ عبَّاسٍ «١» ، وقرأ السبْعَةُ سِوَى ابن كثيرٍ: «سُكِّرَتْ» - بضم السِّين وشدِّ الكاف-، وقرأ ابن كثير «٢» بتخفيف الكافِ، تقول العربُ: سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكَرُ سُكُوراً، إِذا ركَدَتْ، ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولاً، وسَكِرَ الرجُلُ من الشَّرابِ، إِذا تغيَّرت حاله وركَدَ، ولم ينفذ لما كان بسبيله أنْ ينفذ فيه، وتقول العرب: سَكَرْتُ البَثْقَ «٣» في مجاري المَاءِ سكراً إِذا طَمَسْتَهُ وَصَرَفْتَ الماء عنه، فلم يَنْفذ لوجْهه.
قال ع «٤» : فهذه اللفظةِ «سُكِّرَتْ» - بشدِّ الكافِ- إِن كانَتْ من سُكْرِ الشراب، أوْ من سُكُور الريحِ، فهي فعلٌ عُدِّيَ بالتضعيفِ، وإِن كانَتْ من سكرِ مجاري الماءِ، فتضعيفُها للمبالغة، لا للتعدِّي، لأن المخفَّف من فعله متعدٍّ، ومعنى هذه المقالةِ منهم:
أي: غُيِّرَتْ أبصارنا عما كانَتْ عليه، فهي لا تنفذ وتعطينا حقائق الأشياء: كما كانت تفعل.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ: " الرِّيحَ " .
وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ " لَواقِحَ " بِمَعْنى مَلاقِحَ، فَسَقَطَتِ المِيمُ مِنهُ، قالَ الشّاعِرُ: لِيُبْكَ يَزِيدُ بائِسٌ لِضَراعَةٍ وأشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَّوائِحُ أرادَ: المَطاوِحَ فَحَذَفَ المِيمَ، فَمَعْنى الآيَةِ عِنْدَهُ: وأرْسَلْنا الرِّياحَ مُلْقِحَةً، فَيَكُونُ ها هُنا فاعِلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كَما أتى فاعِلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ماءٍ دافِقٍ ﴾ أيْ: مَدْفُوقٍ، و " عِيشَة راضِيَة " [الحاقَّةِ:٢١ والقارِعَةِ:٧] أيْ: مَرَضِيَّةٍ، وكَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ نائِمٌ، أيْ: مَنُومٌ فِيهِ، ويَقُولُونَ: أبَقَلَ النَّبْتُ، فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّها تُلْقِحُ الشَّجَرَ، وتُلْقِحُ السَّحابَ كَأنَّها تُنْتِجُهُ.
ولَسْتُ أدْرِي ما اضْطَرَّهُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ بِهَذا الِاسْتِكْراهِ وهو يَجِدُ العَرَبَ تُسَمِّي الرِّياحَ لِواقِحَ، والرِّيحَ لاقِحًا، قالَ الطِّرِمّاحُ، وذَكَرَ بُرْدًا مَدَّهُ عَلى أصْحابِهِ في الشَّمْسِ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ: قَلِقٌ لِأفْنانِ الرِّيا ∗∗∗ حِ لِلاقِحٍ مِنها وحائِلِ فاللّاقِحُ: الجَنُوبُ، والحائِلُ: الشِّمالُ، ويُسَمُّونَ الشِّمالَ أيْضًا: عَقِيمًا، والعَقِيمُ: الَّتِي لا تَحْمِلُ، كَما سَمَّوُا الجَنُوبَ لاقِحًا، قالَ كُثَيِّرٌ: وَمَرَّ بِسَفْسافِ التُّرابِ عَقِيمُها يَعْنِي: الشِّمالُ.
وإنَّما جَعَلُوا الرِّيحَ لاقِحًا، أيْ: حامِلًا، لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ وَتُقَلِّبُهُ وتُصَرِّفُهُ، ثُمَّ تَحُلُّهُ فَيَنْـزِلُ، فَهي عَلى هَذا حامِلٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ﴾ أيْ: حَمَلَتْ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: شَبَّهَ ما تَحْمِلُهُ الرِّيحُ مِنَ الماءِ وغَيْرِهِ، بِالوَلَدِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ النّاقَةُ، وكَذَلِكَ يَقُولُونَ: حَرْبٌ لاقِحٌ، لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، فَعَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، يَكُونُ مَعْنى " لَواقِحَ ": أنَّها مُلْقِحَةٌ لِغَيْرِها، وعَلى قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: أنَّها لاقِحَةٌ نَفْسَها، وأكْثَرُ الأحادِيثِ تَدُلُّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَبْعَثُ اللَّهُ الرِّياحَ لِتُلَقِّحَ السَّحابَ، فَتَحْمِلُ الماءَ، فَتَمُجُّهُ ثُمَّ تَمْرِيهِ، فَيَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللُّقَحَةُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يَبْعَثُ اللَّهُ الرِّياحَ عَلى السَّحابِ فَتُلَقِّحُهُ فَيَمْتَلِئُ ماءً.
قالَ النَّخَعِيُّ: تُلْقِحُ السَّحابَ ولا تُلْقِحُ الشَّجَرَ.
وقالَ الحَسَنُ في آخَرِينَ: تُلْقِحُ السَّحابَ والشَّجَرَ، يَعْنُونَ أنَّها تُلْقِحُ السَّحابَ حَتّى يُمْطِرَ والشَّجَرَ حَتّى يُثْمِرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴾ يَعْنِي السَّحابَ ﴿ ماءً ﴾ يَعْنِي المَطَرَ ﴿ فَأسْقَيْناكُمُوهُ ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ سُقْيًا لَكم.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ مُجْتَمِعُونَ عَلى أنْ يَقُولُوا: سَقَيْتُ الرَّجُلَ، فَأنا أسْقِيهِ: إذا سَقَيْتَهُ لِشَفَتِهِ، فَإذا أجْرَوْا لِلرَّجُلِ نَهْرًا [قالُوا: أسْقَيْتُهُ وسَقَيْتُهُ، وكَذَلِكَ السُّقْيا مِنَ الغَيْثِ، قالُوا فِيها: سَقَيْتُ وأسْقَيْتُ] .
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما كانَ مِنَ السَّماءِ، فَفِيهِ لُغَتانِ: أسْقاهُ اللَّهُ، وسَقاهُ اللَّهُ، قالَ لَبِيَدٌ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ.
وتَقُولُ: سَقَيْتُ الرَّجُلَ ماءً وشَرابًا مِن لَبَنِ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ فِيهِ إلّا لُغَةٌ واحِدَةٌ بِغَيْرِ ألِفٍ، إذا كانَ في الشَّفَةِ؛ وإذا جَعَلْتَ لَهُ شِرْبًا، فَهو: أسْقَيْتُهُ، وأسْقَيْتُ أرْضَهُ، وإبِلَهُ، ولا يَكُونُ غَيْرَ هَذا، وكَذَلِكَ إذا اسْتَسْقَيْتَ لَهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: وقَفْتُ عَلى رَسْمٍ لِمِيَّةَ ناقَتِي ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ فَإذا وهَبْتَ لَهُ إهابًا لِيَجْعَلَهُ سِقاءً، فَقَدْ أسْقَيْتَهُ إيّاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتُمْ لَهُ ﴾ " يَعْنِي: الماءَ المُنَزَّلَ ﴿ بِخازِنِينَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِحافِظِينَ، أيْ: لَيْسَتْ خَزائِنُهُ بِأيْدِيكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: بِمانِعِينَ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ ﴾ ﴿ وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ ﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ لِما ذَكَرَ أنَّهم لَوْ رَأوا الآيَةَ المَذْكُورَةَ قَبْلُ في السَماءِ لَعانَدُوا فِيها عَقِبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ في السَماءِ لَعِبْرًا مَنصُوبَةً غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُورَةِ، وكُفْرُهم بِها، وإعْراضُهم عنها إصْرارٌ مِنهم وعُتُوٌّ، والبُرُوجُ: المَنازِلُ، واحِدُها بُرْجٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ ظُهُورُها وبُدُوُّها، والعَرَبُ تَقُولُ: "بَرُجَ الشَيْءُ" إذا ظَهَرَ وارْتَفَعَ.
وحِفْظُ السَماءِ هو بِالرَجْمِ بِالشُهُبِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الأحادِيثُ الصِحاحُ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "إنَّ الشَياطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَماءِ أفْواجًا قالَ: فَيَنْفَرِدُ المارِدُ مِنها، فَيَعْلُو فَيَسْمَعُ فَيُرْمى بِالشِهابِ، فَيَقُولُ لِأصْحابِهِ وهو يَلْهَثُ: إنَّهُ مِنَ الأمْرِ كَذا وكَذا، فَيَزِيدُ الشَيْطانُ في ذَلِكَ، ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةً"،» ونَحْوَ هَذا الحَدِيثِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الشُهُبَ تَجْرَحُ وتُؤْذِي ولا تَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ: تَقْتُلُ، وفي الأحادِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَجْمَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ ولَكِنَّهُ اشْتَدَّ في وقْتِ الإسْلامِ، وحَفِظَ السَماءَ حِفْظًا تامًّا.
وقالَ الزَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؛ بِدَلِيلٍ أنَّ الشُعَراءَ لَمْ يُشَبَّهُوا بِهِ في السُرْعَةِ إلّا بَعْدَ الإسْلامِ، وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ أنَّهُ قالَ: كُنّا لا نَرى الرَجْمَ بِالنُجُومِ قَبْلَ الإسْلامِ، و"رَجِيمٍ" بِمَعْنى مَرْجُومٍ، فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَإمّا مِن رَجْمِ الشُهُبِ، وإمّا مِنَ الرَجْمِ الَّذِي هو الشَتْمُ والذَمُّ.
ويُقالُ: تَبِعْتُ الرَجُلَ واتَّبَعْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ، و"إلّا" بِمَعْنى لَكِنْ، هَذا قَوْلٌ، والظاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الحِفْظِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى عن أبِيهِ: إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَمْعَ فَإنَّها لَمْ تُحْفَظْ مِنهُ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ الأرْضَ كانَتْ تَتَكَفَّأُ بِأهْلِها كَما تَتَكَفَّأُ السَفِينَةُ فَثَبَّتَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالجِبالِ، ويُقالُ: رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا رَسَخَ وثَبَتَ، وقَوْلُهُ: "مَوْزُونٍ"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: مُقَدَّرٌ مُحَدَّدٌ بِقَصْدٍ وإرادَةٍ، فالوَزْنُ عَلى هَذا مُسْتَعارٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ ما يُوزَنُ حَقِيقَةً كالذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُوزَنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ.
و"المَعايِشُ" جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقَرَأها الأعْمَشُ بِالهَمْزِ، وكَذَلِكَ رَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ، والوَجْهُ تَرْكُ الهَمْزِ، لَأنَّ أصْلَ ياءِ "مَعِيشَةٍ" الحَرَكَةُ، فَيَرُدُّها إلى الأصْلِ الجَمْعُ، بِخِلافِ "مَدِينَةٍ ومَدائِنَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى ثَلاثَةِ أوجُهٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "مَعايِشَ"، كَأنَّ اللهَ تَعالى عَدَّدَ النِعَمَ في المَعايِشِ وهي ما يُؤَكِّلُ ويُلْبَسُ، ثُمَّ عَدَّدَ النِعَمَ في الحَيَوانِ والعَبِيدِ والضِياعِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ ولَيْسَ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ، والوَجْهُ الثانِي: أنْ تَكُونَ "مَن" مَعْطُوفَةً عَلى مَوْضِعِ الضَمِيرِ في "لَكُمْ"، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وأعَشْناكم وأعَشْنا أُمَمًا غَيْرَكم مِنَ الحَيَوانِ، وكَأنَّ الآيَةَ -عَلى هَذا- فِيها اعْتِبارٌ وعَرْضُ آيَةٍ، والوَجْهُ الثالِثُ أنْ تَكُونَ "مَن" مَنصُوبَةً بِإضْمارِ فِعْلٍ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ وتَقْدِيرُهُ: وأعَشْنا مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعٍ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "لَكُمْ"، وهَذا قَلَقٌ في النَحْوِ، لَأنَّهُ العَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَجْرُورِ وفِيهِ قُبْحٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، وأنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهو المَطَرُ خاصَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنَّ تَكُونَ أعَمَّ مِن هَذا في كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، و"الخَزائِنُ" المَواضِعُ الحاوِيَةُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ الماءَ والرِيحَ ونَحْوَ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ، وهو ظاهِرٌ في قَوْلِهِمْ في الرِيحِ: "عَتَتْ عَلى الخَزائِنِ، وانْفَتَحَ مِنها قَدْرُ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ كانَ قَدْرُ مُنْخَرِ الثَوْرِ لَأهْلَكَ الأرْضَ"، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ كَوْنَها في القُدْرَةِ هو خَزْنُها، فَإذا شاءَ اللهُ أوجَدَها، وهَذا أيْضًا ظاهِرٌ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ، وهو لازِمٌ في الأعْراضِ إذا عَمَّمْنا لِفَظَةَ "شَيْءٍ"، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فالقُدْرَةُ تَسَعُهُ وتُتْقِنُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نُنَزِّلُهُ ﴾ ، ما كانَ مِنَ المَطَرِ ونَحْوَهُ فالإنْزالُ فِيهِ مُتَمَكِّنٌ، وما كانَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَإيجادُهُ والتَمْكِينُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ إنْزالٌ عَلى تَجَوُّزٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَما نُرْسِلُهُ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ"، وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ رُوِيَ فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ لَيْسَ عامٌ أكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنْ يَنْزِلُهُ اللهُ في مَواضِعَ دُونَ مَواضِعَ.
<div class="verse-tafsir"
لما جرى ذكر إنزال المطر وكان مما يسبق إلى الأذهان عند ذكر المطر إحياءُ الأرض به ناسب أن يذكر بعده جنس الإحياء كله لما فيه من غرض الاستدلال على الغافلين عن الوحدانية، ولأن فيه دليلاً على إمكان البعث.
والمقصود ذكر الإحياء ولذلك قُدم.
وذكر الإماتة للتكميل.
والجملة عطف على جملة ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجا ﴾ [سورة الحجر: 16] للدلالة على القدرة وعموم التصرف.
وضمير نَحْن ضمير فصل دخلت عليه لام الابتداء.
وأكد الخبر ب (إنّ) واللاّم وضمير الفصل لتحقيقه وتنزيلاً للمخاطبين في إشراكهم منزلة المنكرين للإحياء والإماتة.
والمراد بالإحياء تكوين الموجودات التي فيها الحياة وإحياؤهها أيضاً بعد فناء الأجسام.
وقد أدمج في الاستدلال على تفرد الله تعالى بالتصرف إثبات البعث ودفع استبعاد وقوعه واستحالتهِ.
ولما كان المشركون منكرين نوعاً من الإحياء كان توكيد الخبر مستعملاً في معنييه الحقيقي والتنزيلي.
وجملة ونحن الوارثون } عطف على جملة ﴿ وإنا لنحن نحي ونميت ﴾ .
ومعنى الإرث هنا البقاء بعد الموجودات تشبيهاً للبقاء بالإرث وهو أخذ ما يتركه الميت من أرض وغيرها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّانِي: أنَّها مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّها الكَواكِبُ العِظامُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، يَعْنِي السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ.
الرّابِعُ: أنَّها النُّجُومُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّها البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ.
وَأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا أظْهَرَتْ نَفْسَها.
﴿ وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ ﴾ أيْ حَسَّنّاها.
﴿ وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ يَعْنِي السَّماءَ.
وَفي الرَّجِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَلْعُونُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: المَرْجُومُ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى يَظَلُّ رَجِيمًا لِرَيْبِ المَنُونِ والسُّقْمُ في أهْلِهِ والحَزَنْ الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّتِيمُ.
زَعَمَ الكَلْبِيُّ أنَّ السَّماواتِ كُلَّها لَمْ تُحْفَظْ مِنَ الشَّياطِينِ إلى زَمَنِ عِيسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عِيسى حَفِظَ مِنها ثَلاثَ سَماواتٍ، إلى مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ فَحَفِظَ جَمِيعَها بَعْدَ بَعْثِهِ وحَرَسَها مِنهم بِالشُّهُبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾ ومُسْتَرِقُ السَّمْعِ مِنَ الشَّياطِينِ يَسْتَرِقُهُ مِن أخْبارِ الأرْضِ دُونَ الوَحْيِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَفِظَ وحْيَهُ مِنهم.
وَمِنَ اسْتِراقِهِمْ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ.
الثّانِي: في الهَواءِ عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ مِنَ السَّماءِ.
وَفي حُصُولِ السَّمْعِ قَبْلَ أخْذِهِمْ بِالشِّهابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشِّهابَ يَأْخُذُهم قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلى السَّمْعِ، فَيُصْرَفُونَ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَأْخُذُهم بَعْدَ وُصُولِ السَّمْعِ إلَيْهِمْ.
وَفي أخْذِهِمْ بِالشِّهابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَخْرُجُ ويُحْرَقُ ولا يُقْتَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ يُقْتَلُ، قالَهُ الحَسَنُ وطائِفَةٌ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ، فَعَلى هَذا لا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
الثّانِي: أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ؛ ولِذَلِكَ ما يَعُودُونَ إلى اسْتِراقِهِ، ولَوْ لَمْ يَصِلْ لانْقَطَعَ الِاسْتِراقُ وانْقَطَعَ الإحْراقُ.
وَفي الشُّهُبِ الَّتِي يُرْجَمُونَ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نُورٌ يَمْتَدُّ بِشِدَّةِ ضِيائِهِ فَيَحْرِقُهم ولا يَعُودُ، كَما إذا أحْرَقَتِ النّارُ لَمْ تَعُدْ.
الثّانِي: أنَّها نُجُومٌ يُرْجَمُونَ بِها وتَعُودُ إلى أماكِنِها، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَّةٍ ∗∗∗ مُسَوَّمٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ أيْ بَسَطْناها.
قالَ قَتادَةُ.
بُسِطَتْ مِن مَكَّةَ لِأنَّها أُمُّ القُرى.
﴿ وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ وهي الجِبالُ.
﴿ وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَإنَّما قِيلَ ﴿ مَوْزُونٍ ﴾ لِأنَّ الوَزْنَ يُعْرَفُ بِهِ مِقْدارُ الشَّيْءِ.
قالَهُ الشّاعِرُ: قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ الثّانِي: يَعْنِي بِهِ الأشْياءَ الَّتِي تُوزَنُ في أسْواقِها، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ مَقْسُومٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ مَعْدُودٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ ما يُوزَنُ فِيهِ الأثْمانُ لِأنَّهُ أجَلُّ قَدْرًا وأعَمُّ نَفْعًا مِمّا لا ثَمَنَ لَهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها المَلابِسُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها المَطاعِمُ والمَشارِبُ الَّتِي يَعِيشُونَ فِيها، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةُ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والصِّنابِ الثّالِثُ: أنَّها التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ أيّامِ الحَياةِ، وهو الظّاهِرُ.
﴿ وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الدَّوابُّ والأنْعامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها الوُحُوشُ، قالَهُ مَنصُورٌ.
الثّالِثُ: العَبِيدُ والأوْلادُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ ﴾ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ قال: كواكب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ قال: الكواكب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ قال: الكواكب العظام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ قال: قصوراً في السماء فيها الحرس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وحفظناها من كل شيطان رجيم ﴾ قال: الرجيم، الملعون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا من استرق السمع ﴾ فأراد أن يخطف السمع كقوله: ﴿ إلا من خطف الخطفة ﴾ [ الصافات: 10] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا من استرق السمع ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب مبين ﴾ قال: كان ابن عباس يقول: إن الشهب لا تَقْتُل، ولكن تحرُق وتخبل وتجرح من غير أن تقتل.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال جرير بن عبد الله حدثني يا رسول الله عن السماء الدنيا والأرض السفلى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما السماء الدنيا، فإن الله خلقها من دخان، ثم رفعها وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وزينها بمصابيح النجوم وجعلنا رجوماً للشياطين، وحفظها من كل شيطان رجيم» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والأرض مددناها ﴾ قال: قال عز وجل في آية أخرى ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ [ النازعات: 30] قال: ذكر لنا أن أم القرى مكة، ومنها دحيت الأرض.
قال قتادة رضي الله عنه، وكان الحسن يقول: أخذ طينة فقال لها انبسطي.
وفي قوله: ﴿ وألقينا فيها رواسي ﴾ قال: رواسيها جبالها ﴿ وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ﴾ يقول: معلوم مقسوم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ﴾ قال: معلوم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من كل شيء موزون ﴾ قال: مقدر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كل شيء موزون ﴾ قال: مقدر بقدر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ من كل شيء موزون ﴾ قال: الأشياء التي توزن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كل شيء موزون ﴾ قال: ما أنبتت الجبال مثل الكحل وشبهه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ قال: الدواب والأنعام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن منصور في قوله: ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ قال: الوحش.
وأخرج البزار وابن مردويه في العظمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئاً قال له كن فكان» .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال: المطر خاصّة.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ قال: المطر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الحكم بن عتيبة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ قال: ما من عام بأكثر مطراً من عام ولا أقل، ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر.
قال: وبلغنا أنه ينزل مع القطر من الملائكة أكثر من عدد ولدِ إبليس وولد آدم، يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت ومن يرزق ذلك النبات.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر الأخرى، ثم قرأ ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث شاء، ثم قرأ ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أحد بأكسب من أحد ولا عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث شاء» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء من البلدان، وما نزلت قطرة من السماء ولا خرجت من ريح إلا بمكيال أو بميزان» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما نزل قطر إلا بميزان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن معاوية رضي الله عنه، أنه قال: ألستم تعلمون أن كتاب الله حق؟
قالوا: بلى.
قال: فاقرؤوا هذه الآية ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ ألستم تؤمنون بهذا وتعلمون أنه حق؟
قالوا: بلى.
.
!
قال: فكيف تلومونني بعد هذا!؟
فقام الأحنف فقال: يا معاوية، والله ما نلومك على ما في خزائن الله؛ ولكن إنما نلومك على ما أنزله الله من خزائنه فجعلته أنت في خزائنك وأغلقت عليه بابك.
فسكت معاوية.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كابه، وفيها منافع للناس.
والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فيصيبها نفحة منها، فبردها هذا من ذلك» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدبور، والجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والخرائطي في مكارم الأخلاق، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأرسلنا الرياح لواقح ﴾ قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء، فتلقح به السحاب فيدرّ كما تدر اللقحة ثم تمطر.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء من السحاب، فتمر به السحاب فيدرّ كما تدر اللقحة.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأرسلنا الرياح لواقح ﴾ قال: تلقح الشجر وتمري السحاب.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي رجاء رضي الله عنه قال: قلت للحسن رضي الله عنه ﴿ وأرسلنا الرياح لواقح ﴾ قال: لواقح للشجر قلت: أو للسحاب؟
قال: وللسحاب، تمر به حتى تمطر.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وأرسلنا الرياح لواقح ﴾ قال: تلقح الماء في السحاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ وأرسلنا الرياح لواقح ﴾ قال: الرياح يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء.
وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: الرياح اللواقح تخرج من تحت صخرة بيت المقدس.
وأخرج ابن حبان وابن السني في عمل يوم وليلة، والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن سلمة بن الأكوع قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح يقول: «اللهم لقحاً لا عقيماً» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن عبيد بن عمير قال: يبعث الله المبشرة، فتعم الأرض بماء، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب فيجعله كسفاً، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاماً، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فتمطر.
وأخرج ابن المنذر عن عبيد بن عمير قال: الأرواح أربعة: ريح تعم وريح تثير تجعله كسفاً، وريح تجعله ركاماً وريح تمطر.
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم في قوله: ﴿ لواقح ﴾ قال: تلقح السحاب، تجمعه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ قال: بمانعين.
وفي قوله: ﴿ ونحن الوارثون ﴾ قال: الوارث، الباقي.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ يعني إذا مات جميع الخلائق لم يتبق سواه؛ كقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ ﴾ .
قال أهل المعاني: لمّا كان يزول مُلْكُ كلِّ مَلِكٍ بموته -ويكون اللهُ عَزَّ وَجَلَّ المالكَ الحيَ وَحْدَه- كان هو الوارث لجميع (١) (٢) ومعنى ورث: تَمَلَّك ما كان يملكه الميت قبله، وأملاك الخلائق تبطل وتزول بموتهم، ويبقى المُلك خالصًا لله وحده، فكان وارثًا من هذا الوجه.
(١) في (أ)، (د): جميع، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المنسجم مع السياق.
(٢) ورد هذا المعنى في "تفسير الطوسي" 6/ 329، الفخر الرازي 19/ 177، الخازن 3/ 94.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ قيل: يعني المطر، واللفظ أعم من ذلك، والخزائن المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودة قد خلقت، وقيل: ذلك تمثيل، والمعنى وإن من شيء إلا نحن قادرون على إيجاده وتكوينه ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي بمقدار محدود ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرياح لواقح ﴾ يقال: لقحت الناقة والشجرة إذا حملت فهي لاقحة، وألقحت الريح الشجر فهي ملحقة ولواقح جمع لاقحة، لأنها تحمل الماء أو جمع ملقحة على حذف الميم الزائدة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
قيل: في ملك الأولين.
وقيل: في فرق الأولين.
وقيل: في جماعات [الأولين]، وهو واحد.
﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .
يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له.
يقول - والله أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصاً به، من بين سائر الخلائق.
والله أعلم.
كأن هذه الآية صلة قولهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ ، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ...
﴾ إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليداً لآبائهم، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأولئك - أعني: الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليداً بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن استهزأ بآخر [فشتمه؛ تقليداً] واقتداء وتلقناً - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ لا يؤمنون به، يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ وكقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نجعل الكفر والتكذيب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ بكفرهم؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...
﴾ الآية [الأنعام: 25] وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ ونحوه.
ويحتمل قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ الحجج والآيات؛ ليكون تكذيبهم وردّهم [الآيات والحجج]، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها.
هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب، والردّ، والمعاندة، والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات.
ويحتمل: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله، ومعاندتهم إياها.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر بالعذاب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: لا يصدقون بالعذاب ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهؤلاء يستنون بسنتهم.
وقال أبو عوسجة: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ : أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ﴾ وقال: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أي: أدخل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ .
يخبر - عز وجل - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة بقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ يقول: إن سؤالهم الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ...
﴾ الآية [الأنعام: 109] ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وذلك أن المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين مكابرين - ليسوا بمسترشدين.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم ﴾ : يعني على الملائكة بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ وقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ قيل: حيرت وسدت، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ : أي: سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ﴾ أي: لهم ﴿ بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ أي: للنصب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ حتى ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ فيه ويعاينون نزول الآيات ويشاهدون كل شيء ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ يؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، وقوله : ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك.
<div class="verse-tafsir"
إنا لنحن نحيي الموتى بخلقهم من العدم وببعثهم بعد الموت، ونميت الأحياء إذا استوفوا آجالهم، ونحن الباقون الذين نرث الأرض ومن عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.lJ9Q4"