الآية ٢٤ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٢٤ من سورة الحجر

وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال مخبرا عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - المستقدمون : كل من هلك من لدن آدم - عليه السلام - والمستأخرون : من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة .

وروي نحوه عن عكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، ومحمد بن كعب ، والشعبي ، وغيرهم .

وهو اختيار ابن جرير - رحمه الله - وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن رجل عن مروان بن الحكم أنه قال : كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء فأنزل الله : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) وقد ورد في هذا حديث غريب جدا ، فقال ابن جرير : حدثني محمد بن موسى الحرشي ، حدثنا نوح بن قيس ، حدثنا عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كانت تصلي خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة - قال ابن عباس : لا والله ما إن رأيت مثلها قط - وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا يعني : لئلا يراها - وبعض يستأخرون ، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم ، فأنزل الله : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره ، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما ، وحكي عن ابن معين تضعيفه ، وأخرج له مسلم وأهل السنن .

وهذا الحديث فيه نكارة شديدة ، وقد رواه عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن عمرو بن مالك وهو النكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ) في الصفوف في الصلاة ) والمستأخرين ) فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط ، ليس فيه لابن عباس ذكر وقد قال الترمذي : هذا أشبه من رواية نوح بن قيس ، والله أعلم .

وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر ، عن أبيه : أنه سمع عون بن عبد الله يذاكر محمد بن كعب في قوله : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) وأنها في صفوف الصلاة ، فقال محمد بن كعب : ليس هكذا ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ) الميت والمقتول ، و ( المستأخرين ) من يخلق بعد ، ( وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ) فقال عون بن عبد الله : وفقك الله وجزاك خيرا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولقد علمنا من مضى من الأمم ، فتقدّم هلاكهم، ومن قد خلق وهو حيّ، ومن لم يخلق بعدُ ممن سيخلق.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال: المستقدمون: من قد خلق ومن خلا من الأمم، والمستأخرون: من لم يخلق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة، في قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال: هم خلق الله كلهم، قد علم من خلق منهم إلى اليوم، وقد علم من هو خالقه بعد اليوم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق.

قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن عكرمة، قال: إن الله خلق الخلق ففرغ منهم، فالمستقدمون: من خرج من الخلق، والمستأخرون: من بقي في أصلاب الرجال لم يخرج.

حدثني محمد بن أبي معشر، قال: أخبرني أبو معشر، قال: سمعت عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يذاكر محمد بن كعب في قول الله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) فقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: خير صفوف الرجال المقدّم، وشرّ صفوف الرجال المؤخَّر، وخير صفوف النساء المؤخَّر، وشرّ صفوف النساء المقدّم ، فقال محمد بن كعب: ليس هكذا ، ولقد علمنا المستقدمين منكم : الميت والمقتول ، والمستأخرين: من يلحق بهم مِن بعدُ، وإن ربك هو يحشرهم، إنه حكيم عليم ، فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: قال قتادة: المستقدمين: من مضى، والمستأخرين: من بقي في أصلاب الرجال.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو الأحوص، قال: ثنا سعيد بن مسروق، عن عكرمة وخصيف، عن مجاهد، في قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قالا من مات ومن بقي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ) قال: كان ابن عباس يقول: آدم صلى الله عليه وسلم ومن مضى من ذرّيته ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) : من بقي في أصلاب الرجال.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال: المستقدمون آدم ومن بعده، حتى نـزلت هذه الآية: والمستأخرون: قال: كلّ من كان من ذرّيته.

قال أبو جعفر: أظنه أنا قال: ما لم يُخلق وما هو مخلوق.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، قال: المستقدمون: ما خرج من أصلاب الرجال ، والمستأخرون: ما لم يخرج.

ثم قرأ ( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ).

وقال آخرون: عنى بالمستقدمين: الذين قد هلكوا، والمستأخرين: الأحياء الذين لم يهلكوا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) يعني بالمستقدمين: من مات ، ويعني بالمستأخرين: من هو حيّ لم يمت.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ) يعني الأموات منكم ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) بقيتهم، وهم الأحياء ، يقول: علمنا من مات ومن بقي.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال: المستقدمون منكم: الذين مضوا في أوّل الأمم، والمستأخرون: الباقون.

وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين في أوّل الخلق والمستأخرين في آخرهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى: قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال أول الخلق وآخره.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدّي، عن داود، عن الشعبيّ، في قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) : ما استقدم في أول الخلق، وما استأخر في آخر الخلق.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليّ بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر، في قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ) قال: في العُصُر، والمستأخرين منكم في أصلاب الرجال، وأرحام النساء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم، والمستأخرين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: أخبرنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد المستقدمين منكم، قال: القرون الأوَل، والمستأخرين: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثني عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، في قوله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال: المستقدمون: ما مضى من الأمم، والمستأخرون: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد الملك، عن مجاهد بنحوه، ولم يذكر قيسا.

وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الخير ، والمستأخرين عنه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال: كان الحسن يقول: المستقدمون في طاعة الله، والمستأخرون في معصية الله.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن الحسن، قال: المستقدمين في الخير، والمستأخرين: يقول: المبطئين عنه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة، والمستأخرين فيها بسبب النساء.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رجل أخبرنا عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، قال: فأنـزل الله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ).

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، قال: أخبرني عمرو بن مالك، قال سمعت أبا الجوزاء يقول في قول الله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال: المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة والمستأخرين.

حدثني محمد بن موسى الحرسي، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة، قال ابن عباس: لا والله ما إن رأيت مثلها قط ، فكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا ، وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا ، نظروا إليها من تحت أيديهم، فأنـزل الله ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ).

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نوح بن قيس، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء من أحسن الناس، فكان بعض الناس يستقدم في الصفّ الأوّل لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصفّ المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه في الصفّ، فأنـزل الله في شأنها( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ).

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصحة قول من قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم فتقدّم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حيّ ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعدُ، لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ) وما بعده وهو قوله ( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) على أن ذلك كذلك، إذ كان بين هذين الخبرين، ولم يجر قبل ذلك من الكلام ما يدلّ على خلافه، ولا جاء بعد.

وجائز أن تكون نـزلت في شأن المستقدمين في الصفّ لشأن النساء والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكون الله عزّ وجلّ عمّ بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جلّ ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حيّ منكم ، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرّها، وأحصينا جميع ذلك ونحن نحشر جميعهم، فنجازي كلا بأعماله، إن خيرًا فخيًرا وإن شرًا فشرًا.

فيكون ذلك تهديدًا ووعيدًا للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء ولكلّ من تعدّى حدّ الله وعمل بغير ما أذن له به، ووعدا لمن تقدّم في الصفوف لسبب النساء ، وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين فيه ثمان تأويلات :الأول - المستقدمين في الخلق إلى اليوم ، والمستأخرين الذين لم يخلقوا بعد ; قاله قتادة وعكرمة وغيرهما .الثاني - المستقدمين الأموات ، والمستأخرين الأحياء ; قاله ابن عباس والضحاك .الثالث : المستقدمين من تقدم أمة محمد ، والمستأخرين أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ; قاله مجاهد .الرابع - المستقدمين في الطاعة والخير ، والمستأخرين في المعصية والشر ; قاله الحسن وقتادة أيضا .الخامس - المستقدمين في صفوف الحرب ، والمستأخرين فيها ; قاله سعيد بن المسيب .السادس : المستقدمين من قتل في الجهاد ، والمستأخرين من لم يقتل ، قاله القرظي .السابع : المستقدمين أول الخلق ، والمستأخرين آخر الخلق ، قاله الشعبي .الثامن : المستقدمين في صفوف الصلاة ، والمستأخرين فيها بسبب النساء .

وكل هذا معلوم لله - تعالى - ; فإنه عالم بكل موجود ومعدوم ، وعالم بمن خلق وما هو خالقه إلى يوم القيامة .

إلا أن القول الثامن هو سبب نزول الآية ; لما رواه النسائي والترمذي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال : " كانت امرأة تصلي خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسناء من أحسن الناس ، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر ، فإذا ركع نظر من تحت إبطه ، فأنزل الله - عز وجل - ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين .

وروي عن أبي الجوزاء ولم يذكر ابن عباس .

وهو أصح .الثانية : هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة وعلى فضل الصف الأول ; قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه [ ص: 19 ] لاستهموا .

فإذا جاء الرجل عند الزوال فنزل في الصف الأول مجاور الإمام ، حاز ثلاث مراتب في الفضل : أول الوقت ، والصف الأول ، ومجاورة الإمام .

فإن جاء عند الزوال فنزل في الصف الآخر أو فيما نزل عن الصف الأول ، فقد حاز فضل أول الوقت وفاته فضل الصف الأول والمجاورة .

فإن جاء وقت الزوال ونزل في الصف الأول دون ما يلي الإمام فقد حاز فضل أول الوقت وفضل الصف الأول ، وفاته مجاورة الإمام .

فإن جاء بعد الزوال ونزل في الصف الأول فقد فاته فضيلة أول الوقت ، وحاز فضيلة الصف الأول ومجاورة الإمام .

وهكذا .

ومجاورة الإمام لا تكون لكل أحد ، وإنما هي كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ليلني منكم أولو الأحلام والنهى الحديث .

فما يلي الإمام ينبغي أن يكون لمن كانت هذه صفته ، فإن نزلها غيره أخر وتقدم هو إلى الموضع ; لأنه حقه بأمر صاحب الشرع ، كالمحراب هو موضع الإمام تقدم أو تأخر ; قاله ابن العربي .قلت : وعليه يحمل قول عمر - رضي الله عنه - : تأخر يا فلان ، تقدم يا فلان ; ثم يتقدم فيكبر .

وقد روي عن كعب أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا فيغفر لمن خلفه .

وكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك ، ويذكر أنه وجده كذلك في التوراة .

ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول .

وسيأتي في سورة " الصافات " زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله - تعالى - .الثالثة : وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة ، فكذلك تدل على فضل الصف الأول في القتال ; فإن القيام في نحر العدو ، وبيع العبد نفسه من الله - تعالى - لا يوازيه عمل ; فالتقدم إليه أفضل ، ولا خلاف فيه ولا خفاء به .

ولم يكن أحد يتقدم في الحرب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه كان أشجع الناس .

قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به ، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ـ يعلم المستقدمين من الخلق والمستأخرين منهم ويعلم ما تنقص الأرض منهم وما تفرق من أجزائهم، وهو الذي قدرته لا يعجزها معجز فيعيد عباده خلقا جديدا ويحشرهم إليه.

{ إِنَّهُ حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، ويجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) قال ابن عباس : أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياء .

قال الشعبي : الأولين والآخرين .

وقال عكرمة : المستقدمون من خلق الله ، والمستأخرون من لم يخلق الله .

قال مجاهد : المستقدمون القرون الأولى والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال الحسن : المستقدمون في الطاعة والخير ، والمستأخرون المبطئون عنها .

وقيل : المستقدمون في الصفوف في الصلاة والمستأخرون فيها .

وذلك أن النساء كن يخرجن إلى صلاة الجماعة فيقفن خلف الرجال ، فربما كان من الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صفوف الرجال ، ومن النساء من كانت في قلبها ريبة فتتقدم إلى أول صفوف النساء لتقرب من الرجال .

فنزلت هذه الآية .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " .

وقال الأوزاعي : أراد المصلين في أول الوقت والمؤخرين إلى آخره .

وقال مقاتل : أراد بالمستقدمين والمستأخرين في صف القتال .

وقال ابن عيينة : أراد من يسلم ومن لا يسلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد علمنا المستقدمين منكم» أي من تقدم من الخلق من لدن آدم «ولقد علمنا المستأخرين» المتأخرين إلى يوم القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد علمنا مَن هلك منكم مِن لدن آدم، ومَن هو حيٌّ، ومَن سيأتي إلى يوم القيامة.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع السادس من دلائل التوحيد وهو الاستدلال بحصول الإحياء والإماتة لهذه الحيوانات على وجود الإله القادر المختار.

أما قوله: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ ﴾ ففيه قولان: منهم من حمله على القدر المشترك بين إحياء النبات والحيوان ومنهم من يقول: وصف النبات بالإحياء مجاز فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان ولما ثبت بالدلائل العقلية أنه لا قدرة على خلق الحياة إلا للحق سبحانه كان حصول الحياة للحيوان دليلاً قاطعاً على وجود الإله الفاعل المختار، وقوله: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ ﴾ يفيد الحصر أي لا قدرة على الإحياء ولا على الإماتة إلا لنا، وقوله: ﴿ وَنَحْنُ الوارثون ﴾ معناه: أنه إذا مات جميع الخلائق، فحينئذ يزول ملك كل أحد عند موته، ويكون الله هو الباقي الحق المالك لكل المملوكات وحده فكان هذا شبيهاً بالإرث فكان وارثاً من هذا الوجه.

وأما قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستئخرين ﴾ ففيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: المستقدمين يريد أهل طاعة الله تعالى والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعة الله.

الثاني: أراد بالمستقدمين الصف الأول من أهل الصلاة، وبالمستأخرين الصف الآخر، روي أنه صلى الله عليه وسلم رغب في الصف الأول في الصلاة، فازدحم الناس عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى: أنا نجزيهم على قدر نياتهم.

الثالث: قال الضحاك ومقاتل: يعني في وصف القتال.

الرابع: قال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها وإذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.

الخامس: قيل المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.

وقيل المستقدمون هم الأمم السالفة، والمستأخرون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عكرمة: المستقدمون من خلق والمستأخرون من لم يخلق.

واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ ﴾ أتبعه بقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستئخرين ﴾ تنبيهاً على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم فيدخل فيه علمه تعالى بتقدمهم وتأخرهم في الحدوث والوجود وبتقدمهم وتأخرهم في أنواع الطاعات والخيرات ولا ينبغي أن نخص الآية بحالة دون حالة.

وأما قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ فالمراد منه التنبيه على أن الحشر والنشر والبعث والقيامة أمر واجب وقوله: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ معناه: أن الحكمة تقتضي وجوب الحشر والنشر على ما قررناه بالدلائل الكثيرة في أول سورة يونس عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَنَحْنُ الوارثون ﴾ أي الباقون بعد هلاك الخلق كله.

وقيل للباقي ﴿ وارث ﴾ استعارة من وارث الميت، لأنه يبقى بعد فنائه.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: «اجعله الوارث منا» ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ﴾ من استقدم ولادة وموتاً، ومن تأخر من الأوّلين والآخرين.

أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد.

أو من تقدم في الإسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر.

وقيل: المستقدمين في صفوف الجماعة والمتسأخرين.

وروي أن امرأة حسناء كانت في المصليات خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان بعض القوم يستقدم لئلا ينظر إليها، وبعض يستأخر ليبصرها فنزلت ﴿ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ أي هو وحده القادر على حشرهم، والعالم بحصرهم مع إفراط كثرتهم وتباعد أطراف عددهم ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ باهر الحكمة واسع العلم، يفعل كل ما يفعل على مقتضى الحكمة والصواب، وقد أحاط علماً بكل شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ مَنِ اسْتَقْدَمَ وِلادَةً ومَوْتًا ومَنِ اسْتَأْخَرَ، أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ الرِّجالِ ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ في الإسْلامِ والجِهادِ وسَبَقَ إلى الطّاعَةِ، أوْ تَأخَّرَ لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكم، وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ.

وقِيلَ رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ  في الصَّفِّ الأوَّلِ فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ.

وقِيلَ إنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  فَتَقَدَّمَ بَعْضُ القَوْمِ لِئَلّا يَنْظُرَ إلَيْها وتَأخَّرَ بَعْضٌ لِيُبْصِرَها فَنَزَلَتْ.

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ ﴾ لا مَحالَةَ لِلْجَزاءِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ القادِرُ والمُتَوَلِّي لِحَشْرِهِمْ لا غَيْرَ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما سَبَقَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحُكْمِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ حَكِيمٌ ﴾ باهِرُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} من تقدم ولادة وموتا من تأخر أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد أو من تقدم في الإسلام أو في الطاعة أو في صف الجماعة أو صف الحرب ومن تأخر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ مَن ماتَ ﴿ ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ المُسْتَقْدِمِينَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ والمُسْتَأْخِرِينَ مَن في أصْلابِ الرِّجالِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ المُسْتَقْدِمِينَ مَن مَضى مِنَ الأُمَمِ (والمُسْتَأْخِرِينَ) أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا ومَن تَأخَّرَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا وهو مِنَ المُناسَبَةِ بِمَكانٍ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: مَن سَبَقَ إلى الطّاعَةِ ومَن تَأخَّرَ فِيها، ورُوِيَ عَنْ مُعْتَمِرٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ الآيَةَ في القِتالِ فَحَدَّثْتُ أبِي فَقالَ: لَقَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ القِتالُ، فَعَلى هَذا أخْذُ الجِهادِ في عُمُومِ الطّاعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ والمُسْتَأْخِرِينَ فِيها كَمالُ مُناسَبَةٍ، والمُرادُ مِن عِلْمِهِ تَعالى بِهَؤُلاءِ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِأحْوالِهِمْ، والآيَةُ لِبَيانِ كَمالِ عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْها دَلِيلٌ عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ أنَّ القادِرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا بُدَّ مِن عِلْمِهِ بِما يَصْنَعُهُ وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ عَلِمْنا ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّأْكِيدِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ.

وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصْلِي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَسْناءُ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ،» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم في الصُّفُوفِ في الصَّلاةِ ولَمْ يَذْكُرْ مِن حَدِيثِ المَرْأةِ شَيْئًا، قالالتِّرْمِذِيُّ: هَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: «حَرَّضَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ فازْدَحَمَ النّاسُ عَلَيْهِ وكانَ بَنُو عَذِرَةَ دُورَهم قاصِيَةً عَنِ المَسْجِدِ فَقالُوا: نَبِيعُ دُورَنا ونَشْتَرِي دُورًا قَرِيبَةً مِنَ المَسْجِدِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ،» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: الأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ أيْ عَلِمْنا مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ في الوِلادَةِ والمَوْتِ والإسْلامِ وصُفُوفِ الصَّلاةِ وغَيْرِ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ قال: بعث الله الريح، فتلقح السحاب، ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر، هذا قول ابن مسعود.

وقال ابن عباس في قوله: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ أي: ملقحات تلقّح الأشجار.

وقال قتادة: لَواقِحَ أي: تلقح السحاب، وهكذا قال الكلبي.

قرأ حمزة: وَأَرْسَلْنَا الريح بلفظ الوحدان، وقرأ الباقون: بلفظ الجماعة.

ثم قال: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ يعني: بماء المطر فأرويناكم به وحبستم الماء في الغدران والحياض، لتسقوا الضياع والمواشي وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ أي: بمالكين وحافظين.

ويقال: ليس مفاتيحه بأيديكم.

ثم قال عز وجل: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أي: نحيي للبعث، ونميت في الدنيا.

ويقال نُحْيِي الأرض بالمطر أيام الربيع، ونميتها أيام الخريف وَنَحْنُ الْوارِثُونَ أي: المالكون.

ويقال: معناه يهلك الخلق، ويبقي الرب تبارك وتعالى.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي: الأموات وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ يعني: الأحياء.

ويقال: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ في الصف الأول، وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ في الصف الآخر.

وروى أبو الجوزاء، عن ابن عباس أنه قال: «كانت امرأة حسناء تصلي خلف النبيّ  ، فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لكي يراها، ويتأخر بعضهم.

فإذا ركع، نظر من تحت إبطيه، فنزلَ: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ويقال: إن النبيّ  حرض الناس على الصف الأول، وكان قوم بيوتهم قاصية من المسجد، فقالوا: لنبيعن دورنا ونشتري دوراً قريبة من المسجد حتى ندرك الصف الأول، فصارت الديار البعيدة خالية، فقال النبيّ  «مَنْ أَتَى المَسْجِدَ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ آثارُهُ وَيُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةٍ، وتُرْفَعُ لَهُ كَذَا وَكَذَا دَرَجَةٍ» فجعل الناس يشترون الدور البعيدة من المسجد لكي يكتب لهم آثارهم، فنزل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ، وإنما يؤجرون بالنية، فاطمأنوا وسكنوا.

وقال مجاهد: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ أي: ما مضى وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ما بقي من أمة محمد  .

وقال قتادة: الْمُسْتَقْدِمِينَ آدم ومن مات قبل نزول هذه الآية.

والْمُسْتَأْخِرِينَ من لم يخلق بعد، كلهم قد علمهم.

وقال الحسن: الْمُسْتَقْدِمِينَ في الخير، والْمُسْتَأْخِرِينَ، يقول: المبطئين.

قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ يوم القيامة إِنَّهُ حَكِيمٌ حكم بحشر الأولين والآخرين عَلِيمٌ بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً: «البروج» : المنازلُ، واحدها بُرْج، وسمي بذلك لظهوره ومنه تَبَرُّج المرأة: ظهورُها وبدوُّها، و «حِفْظ السماء» : هو بالرجمِ بالشُّهُب على ما تضمنته الأحاديث الصّحاح، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ الشَّيَاطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَّمَاءِ أَفْوَاجاً، قَالَ: فَيَنْفَرِدُ المَارِدُ مُنْها، فَيَعْلُو فَيَسْمَعُ، فَيُرْمَى بالشِّهَابِ، فَيَقُولُ لأَصْحَابِه:

إِنَّهُ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَيَزِيدُ الشَّيَاطِينُ فِي ذَلِكَ، وَيُلْقُونَ إِلَى الكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةً وَنَحْوَ هَذَا ...

» الحديث «١» : و «إلّا» : بمعنى: «لكِنْ» ، ويظهر أن الاستثناء من الحِفْظِ: وقال محمَّد بن يحيى عن أبيه: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، فإِنها لم تُحْفَظْ منه.

وقوله: / مَوْزُونٍ: قال الجمهور: معناه: مقدَّر محرَّر بقصدٍ وإِرادةٍ، فالوزن على هذا: مستعارٌ.

وقال ابنُ زَيْد: المراد ما يُوزَنُ حقيقةً كالذهب والفضة وغير ذلك مما يوزن «٢» ، والمعايش: جمع مَعِيشَة، وقوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: يحتمل أن يكون عطْفاً على مَعايِشَ كأن اللَّه تعالى عدَّد النعم في المعايِشِ، وهي ما يؤكل ويُلْبَسُ، ثم عدَّد النعم في الحيوانِ والعَبِيدِ وغيرِ ذلك ممَّا ينتفعُ به النَّاسُ، وليس علَيْهم رِزْقُهُمْ.

وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ.

قال ابن جُرَيْج: هو المطر خاصَّة «٣» .

قال ع «٤» : وينبغي أنْ يكون أعمَّ من هذا في كثيرٍ من المخلوقات.

وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)

وقوله سبحانه: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ: أيْ: ذاتَ لقح يقال: لقحت الناقة والشجَرُ، فهي لاقحةٌ، إِذا حَمَلَتْ، فالوجْهُ في الرِّيحِ مُلْقِحَةٌ، لا لاقحة، قال الداوديّ:

وعن ابن عُمَرَ: الرِّياحُ ثمانٍ، أرْبَعٌ رحْمَةٌ، وأربعٌ عذابٌ فالرحمةُ: المرسلاتُ، والمُبَشِّرات، والنَّاشِرَاتُ، والذَّاريات، وأما العذاب: فالصَّرْصَرُ، والعقيمُ، والقاصِفُ، والعَاصِف، وهما في البَحْر.

انتهى.

وقوله جلَّت عظمته: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ...

الآيات: هذه الآياتُ مع الآيات التي قبلها تضمَّنت العِبْرَةَ والدلالةَ على قدرة اللَّه تعالى، وما يُوجِبُ توحيدَهُ وعبادَتَهُ، المعنى: وإِنا لَنَحْنُ نحيي من نشاء بإِخراجه من العَدَمِ إِلى وجودِ الحياةِ، ونميتُ بإِزالة الحياةِ عَمَّن كان حَيًّا، وَنَحْنُ الْوارِثُونَ، أي: لا يبقَى شيْءٌ سوانا، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ، لا ربَّ غيره.

وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ: أي: من لَدُنْ آدم إِلى يوم القيامة، قالَ ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ وغيره في سبب نُزُولِ هذه الآية، عن ابن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ امرأة تصلِّي خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن عبَّاس: وَلاَ، واللَّهِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قال: فَكَانَ بعْضُ المسلمين، إِذا صَلَّوْا تقدَّموا، وبعضُهم يستأَخر، فإِذا سجدوا نَظَرُوا إِليها مِنْ تَحْت أيديهم، فأنزل اللَّه الآيَةَ «١» ، ثم قال ابنُ العربيِّ:

في شَرْحِ المراد بهذه الآية خمسة أقوال:

أحدها: هذا.

القول الثاني: المتقدِّمين في الخَلْق إِلى اليوم، والمتأخِّرين الذين لم يخلقوا بَعْد، بيانٌ أن اللَّه يَعْلَمُ الموجُودَ والمَعْدُومَ، قاله قتادة وجماعة «٢» .

الثَّالثُ: مَنْ مات، ومَنْ بقي قاله ابن عبّاس أيضا «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ يُقالُ: اسْتَقْدَمَ الرَّجُلُ، بِمَعْنى: تَقَدَّمَ، واسْتَأْخَرَ، بِمَعْنى: تَأخَّرَ.

وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَكانَ بَعْضُهم يَسْتَقْدِمُ حَتّى يَكُونَ في أوَّلِ صَفٍّ لِئَلّا يَراها، ويَتَأخَّرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في آخِرِ صَفٍّ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ  حَرَّضَ عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ، فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، وقالَ قَوْمٌ بُيُوتُهم قاصِيَةٌ عَنِ المَدِينَةِ: لَنَبِيعَنَّ دُورَنا، ولَنَشْتَرِيَنَّ دُورًا قَرِيبَةً مِنَ المَسْجِدِ حَتّى نُدْرِكَ الصَّفَّ المُتَقَدِّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»؛ ومَعْناها: إنَّما تُجْزَوْنَ عَلى النِّيّاتِ، فاطْمَأنُّوا وسَكَنُوا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى المُسْتَقْدِمِينَ والمُسْتَأْخِرِينَ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: التَّقَدُّمُ في الصَّفِّ الأوَّلِ، والتَّأخُّرُ عَنْهُ، وهَذا عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في سَبَبِ نُزُولِها، فَعَلى الأوَّلِ: هو التَّقَدُّمُ لِلتَّقْوى، والتَّأخُّرُ لِلْخِيانَةِ بِالنَّظَرِ، وعَلى الثّانِي: هو التَّقَدُّمُ لِطَلَبِ الفَضِيلَةِ، والتَّأخُّرُ لِلْعُذْرِ.

والثّانِي: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: مَن ماتَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وخُصَيْفٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ، والقُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: مَن خَرَجَ مِنَ الخَلْقِ وكانَ.

والمُسْتَأْخِرِينَ: الَّذِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: مَن مَضى مِنَ الأُمَمِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: المُتَقَدِّمُونَ في الخَيْرِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: المُثَبِّطُونَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: في صُفُوفِ القِتالِ، والمُسْتَأْخِرِينَ عَنْها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والسّابِعُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: مَن لَمْ يُقْتَلْ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والثّامِنُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: أوَّلُ الخَلْقِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: آخِرُ الخَلْقِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَمُومِ ﴾ يُقالُ: لُقِّحَتِ الناقَةُ والشَجَرَةُ فَهي لاقِحَةٌ إذا حَمَلَتْ، والرِياحُ تُلَقِّحُ الشَجَرَ والسَحابَ، فالوَجْهُ في الرِيحِ أنَّها مُلَقِّحَةٌ لا لاقِحَةٌ، وتَتَّجِهُ صِفَةُ الرِياحِ بِـ [لَواقِحَ] عَلى أرْبَعَةِ أوجُهٍ: أوَّلُها وأُولاها أنَّ جَعْلَها لاقِحَةً حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّ الرِيحَ مِنها ما فِيهِ عَذابٌ أو ضُرٌّ أو نارٌ، ومِنها ما فِيهِ رَحْمَةٌ أو مَطَرٌ أو نَصْرٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ، فَإذا بِها تَحْمِلُ ما حَمَّلَتْها القُدْرَةُ، أو ما عَلَّقَتْهُ مِنَ الهَواءِ أوِ التُرابِ أوِ الماءِ الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ، فَهي لاقِحَةٌ بِهَذا الوَجْهِ، وإنْ كانَتْ أيْضًا تُلَقِّحُ غَيْرَها وتُصَيِّرُ إلَيْهِ نَفْعَها، والعَرَبُ تُسَمِّي الجَنُوبَ الحامِلَ واللاقِحَةَ، وتُسَمِّي الشَمالَ الحائِلَ والعَقِيمَ ومَحْوَةً لَأنَّها تَمْحُو السَحابَ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "الرِيحُ الجَنُوبُ مِنَ الجَنَّةِ، وهي اللَواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ، وفِيها مَنافِعُ لِلنّاسِ"،» ومِن هَذا قَوْلٌ الطِرْماحِ: قَلِقٌ لِأفْنانِ الرِيا ∗∗∗ حِ لِلاقِحٍ مِنها وحائِلِ وقَوْلُ أبِي وجْزَةَ: .......................

مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ..

فَجَعَلَها حامِلًا بِنَسْلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَخْرُجُ هَذا عَلى أنَّها مُلَقِّحَةٌ فَلا حُجَّةَ فِيهِ.

والثانِي أنْ يَكُونَ وصْفُها بِـ [لَواقِحَ] مِن بابِ قَوْلِهِمْ: "لَيْلٌ نائِمٌ"، أيْ: فِيهِ نَوْمٌ ومَعَهُ، "وَيَوْمٌ عاصِفٌ"، ونَحْوَهُ، فَهَذا عَلى طَرِيقِ المَجازِ.

والثالِثُ أنْ تُوصَفَ الرِياحُ بِـ [لَواقِحَ] عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لُقَحٍ، كَقَوْلِ النابِغَةِ: كَلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ أيْ: ذِي نَصْبٍ.

والرابِعُ أنْ يَكُونَ [لَواقِحَ] جَمْعَ "مُلَقِّحَةٍ" عَلى حَذْفِ زَوائِدِهِ، فَكَأنَّهُ "لَقِحَةٌ" فَجَمَعَها كَما تَجْمَعُ "لاقِحَةٌ"، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَبَّيْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وأشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ وإنَّما طَوَّحَتْهُ المَطاوِحُ، وعَلى هَذا النَحْوِ فَسَّرَها أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ"، وكَذَلِكَ العِبارَةُ عنها في كِتابِ البُخارِيٍّ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ مُلَقِّحَةً".

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرِياحَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: حَمْزَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الرِيحَ" بِالإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، ومَثَّلَها الطَبَرِيُّ بِقَوْلِهِمْ: "قَمِيصُ أخْلاقٍ، وأرْضُ أغْفالٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مِن حَيْثُ هو أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ تَجْمَعُ صِفَتَهُ، فَكَذَلِكَ "رِيحٌ لَواقِحٌ" لَأنَّها مُتَفَرِّقَةُ الهُبُوبِ، وكَذَلِكَ "دارٌ بِلاقِعَ"، أيْ: كُلُّ مَوْضِعٍ مِنها بَلْقَعٌ.

وقالَ الأعْمَشُ: إنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "وَأرْسَلْنا الرِياحَ تَلْقَحُ"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "الرِيحُ مِن نَفَسِ الرَحْمَنِ".» ومَعْنى الإضافَةِ هُنا إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، كَما قالَ: "مِن رُوحِي"، ومَعْنى "مِن نَفْسِ الرَحْمَنِ" أيْ مِن تَنْفِيسِهِ وإزالَتِهِ الكُرَبَ والشَدائِدَ، فَمِنَ التَنْفِيسِ بِالرِيحِ النَصْرُ بِالصَبا، ودُرُورُ الأرْزاقِ بِها، وما لَها مِنَ الخِدْمَةِ في الأرْزاقِ وجَلْبِ الأمْطارِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ عَدُّهُ، ولَقَدْ حُدِّثَتْ أنَّ ابْنَ أبِي قُحافَةَ رَحِمَهُ اللهُ فَسَّرَ هَذا الحَدِيثَ نَحْوَ هَذا، وأنْشَدَ في تَفْسِيرِهِ: فَإنَّ الصِبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها وهَذا مِن جُمْلَةِ التَنْفِيسِ.

والعَرَبُ تَقُولُ: أسْقى وسَقى بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَ لَبِيدٌ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ فَجاءَ بِاللُغَتَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمّا إذا كانَ مِن سَقْيِ الشَفَةِ خاصَّةً فَلا يُقالُ إلّا سَقى، وأمّا إنْ كانَ لِسَقْيِ الأرْضِ والثِمارِ وجُمْلَةِ الأشْياءِ فَيُقالُ: أسْقى، وأمّا الداعِي لِأرْضٍ أو غَيْرِها بِالسَقْيِ فَإنَّما يُقالُ فِيهِ: أسْقى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وقَفَتْ عَلى رَسْمٍ لِمِيَّةَ ناقَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ بَيْتَ لَبِيدٍ دُعاءٌ، وفِيهِ اللُغَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ الآيَةُ مَعَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها تَضَمَّنَتِ العِبْرَةَ والدَلالَةَ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وما يُوجِبُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي مَن نَشاءُ بِإخْراجِهِ مِنَ العَدَمِ إلى وُجُودِ الحَياةِ، ونَرُدُّهُ عِنْدَ البَعْثِ مِن مَرْقَدِهِ مَيِّتًا، ونُمِيتُ بِإزالَةِ الحَياةِ عَمَّنْ كانَ حَيًّا.

﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ أيْ: لا يَبْقى شَيْءٌ سِوانا، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِمَن تُقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ وبِمَن تَأخَّرَ في الزَمَنِ، مِن لَدُنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأعْلَمَ أنَّهُ هو الحاشِرُ لَهُمُ، الجامِعُ لِعَرْضِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَباعُدِهِمْ في الأقْطارِ والأزْمانِ، وأنَّ حِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ يَأْتِيانِ بِهَذا كُلِّهِ عَلى أتَمِّ غاياتِهِ الَّتِي قَدَّرَها وأرادَها.

وقَرَأ الأعْرَجُ: "يَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِهَذا سِياقُ مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ ﴾ أيْ: في الطاعَةِ والبِدارِ إلى الإيمانِ والخَيْراتِ، و"المُسْتَأْخِرِينَ" بِالمَعاصِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ اللَفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ، فَلَيْسَ يَطَّرِدُ سِياقُ مَعْنى الآيَةِ إلّا كَما قَدَّمْنا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو الجَوْزاءِ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ ﴾ الآيَةُ في «قَوْمٍ كانُوا يُصَلُّونَ مَعَ النَبِيِّ  ، وكانَتِ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ تُصَلِّي وراءَهُ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمُ يَتَقَدَّمُ في الصُفُوفِ لِئَلّا تَفْتِنَهُ، وكانَ بَعْضُهم يَتَأخَّرُ لِيَسْرِقَ النَظَرَ إلَيْها في الصَلاةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَقَدَّمَ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ وما تَأخَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ ﴾ يُضَعِّفُ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ، لَأنَّها تُذْهِبُ إيصالَ المَعْنى، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ لِعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ الآيَةُ.

"الإنْسانَ" هُنا لِلْجِنْسِ، والمُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ، ودَخَلَ مِن بَعْدَهُ في ذَلِكَ إذْ هو مِن نَسَلُهُ.

و"الصَلْصالُ" الطِينُ الَّذِي إذا جَفَّ صَلْصَلَ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، مِنها مَن قالَ: هو طِينُ الخَزَفِ، ومِنها قَوْلُ الفَرّاءِ: هو الطِينُ الحُرِّ يُخالِطُهُ رَمْلٌ دَقِيقٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُلِقَ مِن ثَلاثَةٍ: مِن طِينٍ لازِبٍ، وهو اللازِقُ والجَيِّدُ، ومِن صَلْصالٍ، وهو الأرْضُ الطَيِّبَةُ يَقَعُ عَلَيْها الماءُ ثُمَّ يَنْحَسِرُ فَتُشَقَّقُ وتَصِيرُ مِثْلَ الخَزَفِ، ومِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وهو الطِينُ في الحَمْأةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ الوَجْهُ -عَلى هَذا المَعْنى- أنْ يُقالَ: "صَلّالٌ"، لَكِنْ ضُوعِفَ الفِعْلُ مِن فائِهِ، وأُبْدِلَتْ إحْدى اللامَيْنِ مِن "صَلّالٍ" صادا، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ والزُبَيْدِيُّ، ونَحْوَهُما عَلى نَحْوِ البَصْرَةِ، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُما فِعْلانِ مُتَبايِنانِ، وكَذَلِكَ قالُوا في ثَرّارٍ وثَرْثارَةٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: تَقُولُ: صَلَّ الخَزَفُ ونَحْوَهُ إذا صَوَّتَ بِتَمْدِيدٍ، فَإذا كانَ في صَوْتِهِ تَرْجِيعٌ كالجَرَسِ ونَحْوَهُ قُلْتَ: صَلْصَلَ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: فِيها العَناجِيجُ تَرْدِي في أعِنَّتِها ∗∗∗ ∗∗∗ شُعْثًا تُصَلْصِلُ في أشْداقِها اللُجُمُ وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "صَلْصالٍ" هُنا إنَّما هو مِن: "صَلَّ اللَحْمُ" إذا أنْتَنَ، فَجَعَلُوا مَعْنى "صَلْصالٍ" و"حَمَأٍ" في لُزُومِ النَتَنِ شَيْئًا واحِدًا.

و"المَسْنُونُ" قالَ مَعْمَرٌ: مَعْناهُ: المُنْتِنُ، وهو مَن "أسِنَ الماءُ" إذا تَغَيَّرَ، والتَصْرِيفُ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْنُونُ: الرَطْبُ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: سَنَّ ذُرِّيَّتَهُ عَلى خَلْقِهِ، الَّذِي يَتَرَتَّبُ في "مَسْنُونٍ" إمّا أنْ يَكُونَ: مَحْكُوكٌ مُحْكَمُ العَمَلِ أمْلَسُ السَطْحِ، فَيَكُونُ مِن مَعْنى المُسِنِّ والسِنّانِ، وقَوْلُهُمْ: "سَنَنْتُ السِكِّينَ، وسَنَنْتُ الحَجَرَ" إذا أحْكَمْتَ مَلْسَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ثُمَّ دافَعْتُها إلى القُبَّةِ الخَضْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـراءِ تَمْشِي في مَرْمَرٍ مَسْنُونٍ أيْ: مُحْكَمُ الإمْلاسِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَصْبُوبِ: تَقُولُ: "سَنَنْتُ التُرابَ والماءَ" إذا صَبَبْتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِمَن حَضَرَ وفاتَهُ: "إذا أدْخَلْتُمُونِي في قَبْرِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُرابَ سَنًّا"، ومِن هَذا سَنُّ الغارَةِ.

وقالَ الزَجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِهِ عَلى سُنَّةِ الطَرِيقِ، لَأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ إذا فارَقَ الماءَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: مَنَّ حَمَأٍ مَصْبُوبٍ يُوضَعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ عَلى مِثالٍ وصُورَةٍ.

"والجانَّ" يُرادُ بِهِ جِنْسُ الشَياطِينِ، ويُسَمَّوْنَ جِنَّةً وجانًّا وجِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العَيْنِ، وسُئِلَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم فَقالَ: هم أجْناسٌ، فَأمّا خالِصُ الجِنِّ فَهم رِيحٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ولا يَمُوتُونَ ولا يَتَوالَدُونَ، ومِنهم أجْناسٌ تَفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، مِنها السَعالِي والغُولُ وأشْباهُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "الجَأْنَ" بِالهَمْزِ، والمُرادُ بِهَذِهِ الخِلْقَةِ إبْلِيسُ أبُو الجِنِّ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن جَمِيعِ أنْواعِ التُرابِ، الطَيِّبِ والخَبِيثِ، والأسْوَدِ والأحْمَرِ"،» وفي سُورَةِ البَقَرَةِ إيعابُ هَذا.

وقَوْلُهُ: "مِن قَبْلُ" لَأنَّ إبْلِيسَ خُلِقَ قَبْلَ آدَمَ بِمُدَّةٍ، وخُلِقَ آدَمُ آخِرَ الخَلْقِ.

و"السَمُومِ" فِي كَلامِ العَرَبِ إفْراطُ الحَرِّ حَتّى يَقْتُلَ، مِن نارٍ أو شَمْسٍ أو رِيحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَمُومُ بِاللَيْلِ، والحَرُورُ بِالنَهارِ، وأمّا إضافَةُ النارِ إلى السَمُومِ في هَذِهِ الآيَةِ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النارُ أنْواعًا ويَكُونُ السَمُومُ أمْرًا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنها فَتَصِحُّ الإضافَةُ حِينَئِذٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا فَيُخَرَّجُ هَذا عَلى قَوْلِهِمْ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"دارُ الآخِرَةِ" عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ذكر الإحياء والإماتة وكان الإحياء بكسر الهمزة يذكر بالأحياء بفتحها، وكانت الإماتة تذكّر بالأموات الماضين تخلص من الاستدلال بالأحياء والإماتة على عظم القدرة إلى الاستدلال بلازم ذلك على عظم علم الله وهو علمه بالأمم البائدة وعلم الأمم الحاضرة؛ فأريد بالمستقدمين الذين تقدموا الأحياء إلى الموت أو إلى الآخرة، فالتقدم فيه بمعنى المضي؛ وبالمستأخرين الذين تأخروا وهم الباقون بعد انقراض غيرهم إلى أجل يأتي.

والسين والتاء في الوصفين للتأكيد مثل استجاب؛ ولكن قولهم استقدم بمعنى تقدم على خلاف القياس لأن فعله رباعي.

وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ في سورة الأعراف (34).

وقد تقدم في طالع تفسير هذه السورة الخبر الذي أخرجه الترمذي في جامعه من طريق نوح بن قيس ومن طريق جعفر بن سليمان في سبب نزول هذه الآية.

وهو خبر واهٍ لا يلاقي انتظام هذه الآيات ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة.

وجملة وإن ربك هو يحشرهم } نتيجة هذه الأدلة من قوله: ﴿ وإنا لنحن نحي ونميت ﴾ [سورة الحجر: 23] فإن الذي يُحيي الحياة الأولى قادر على الحياة الثانية بالأوْلى، والّذي قدّر الموت ما قدره عبثاً بعد أن أوجد الموجودات إلاّ لتستقبلوا حياة أبدية؛ ولولا ذلك لقدر الدّوام على الحياة الأولى، قال تعالى: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ [سورة الملك: 2].

وللإشارة إلى هذا المعنى من حكمة الإحياء والإماتة أتبعه بقوله: إنه حكيم عليم } تعليلاً لجملة ﴿ وإن ربك هو يحشرهم ﴾ لأن شأن ﴿ إنّ ﴾ إذا جاءت في غير معنى الرد على المنكر أن تفيد معنى التعليل والربط بما قبلها.

والحكيم الموصوف بالحكمة.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ [سورة البقرة: 269] وعند قوله تعالى: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ في سورة البقرة (209).

و العَليم الموصوف بالعلم العام، أي المحيط.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ في سورة آل عمران (140).

وقد أكدت جملة وإن ربك هو يحشرهم } بحرف التوكيد وبضمير الفصل لرد إنكارهم الشديد للحشر.

وقد أسند الحشر إلى الله بعنوان كونه رب محمد صلى الله عليه وسلم تنويهاً بشأن النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم كذبوه في الخبر عن البعث ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجل ينبّئكم إذا مزّقتم كل ممزّق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جِنّة ﴾ [سورة سبأ: 7 8] أي فكيف ظنك بجزائه مكذبيك إذا حشرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ﴾ يَعْنِي وإنْ مِن شَيْءٍ مِن أرْزاقِ الخَلْقِ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مَفاتِيحُهُ؛ لِأنَّ في السَّماءِ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

الثّانِي: أنَّها الخَزائِنُ الَّتِي هي مُجْتَمَعُ الأرْزاقِ.

وَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَهُ مِن أرْزاقِ عِبادِهِ.

الثّانِي: يَعْنِي المَطَرَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ نَباتُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَ الحَسَنُ: المَطَرُ خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ.

﴿ وَما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كانَ عامٌ بِأمْطَرَ مِن عامٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُقَسِّمُهُ حَيْثُ يَشاءُ، فَيُمْطِرُ قَوْمًا ويَحْرِمُ آخَرِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَواقِحُ السَّحابِ حَتّى يُمْطِرَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وكُلُّ الرِّياحِ لَواقِحُ.

غَيْرَ أنَّ الجَنُوبَ ألْقَحُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  : « (ما هَبَّتْ رِيحُ جَنُوبٍ إلّا أنْبَعَ اللَّهُ تَعالى بِها عَيْنًا غَدِقَةً)» .

الثّانِي: لَواقِحُ لِلشَّجَرِ حَتّى يُثْمِرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ.

وَقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى المُبَشِّرَةَ فَتُقِمُّ الأرْضَ قَمًّا، ثُمَّ يُرْسِلُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ، ثُمَّ يُرْسِلُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُ الشَّجَرَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي مِنَ السَّحابِ مَطَرًا.

﴿ فَأسْقَيْناكُمُوهُ ﴾ أيْ مَكَّنّاكم مِنهُ، والفَرْقُ بَيْنَ السَّقْيِ والشُّرْبِ أنَّ السَّقْيَ بَذْلُ المَشْرُوبِ، والشُّرْبُ: اسْتِعْمالُ المَشْرُوبِ، فَصارَ السّاقِي باذِلًا، والشّارِبُ مُسْتَعْمِلًا.

﴿ وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِخازِنِي الماءَ الَّذِي أنْزَلْناهُ.

الثّانِي: بِمانِعِي الماءَ الَّذِي أنْزَلْناهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ الَّذِينَ خُلِقُوا، والمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلَقُوا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: المُسْتَقْدِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا، والمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ هم أحْياءٌ لَمْ يَمُوتُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: المُسْتَقْدِمِينَ أوَّلُ الخَلْقِ، والمُسْتَأْخِرِينَ آخِرُ الخَلْقِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الرّابِعُ: المُسْتَقْدِمِينَ أوَّلُ الخَلْقِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرِينَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: المُسْتَقْدِمِينَ في الخَيْرِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

السّادِسُ: المُسْتَقْدِمِينَ في صُفُوفِ الحَرْبِ، والمُسْتَأْخِرِينَ فِيها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

السّابِعُ: المُسْتَقْدِمِينَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرِينَ مَن لَمْ يُقْتَلْ، قالَهُ القَرَظِيُّ.

الثّامِنُ: المُسْتَقْدِمِينَ في صُفُوفِ الصَّلاةِ، والمُسْتَأْخِرِينَ فِيها.

رَوى عُمَرُ بْنُ مالِكٍ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ، لا واللَّهِ ما رَأيْتُ مِثْلَها قَطُّ، فَكانَ بَعْضُ النّاسِ يَسْتَقْدِمُ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطِهِ في الصَّفِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِها هَذِهِ الآيَةَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن أبي الوزاء في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ﴾ قال: في الصفوف في الصلاة.

قال الترمذي: هذا أشبه أن يكون أصح.

وأخرج ابن مردويه والحاكم عن ابن عباس في الآية قال: ﴿ المستقدمين ﴾ الصفوف المتقدمة ﴿ والمستأخرين ﴾ الصفوف المؤخرة.

وأخرج ابن جرير عن مروان بن الحكم قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن داود بن صالح قال: قال سهل بن حنيف الأنصاري: أتدرون فيم أنزلت ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ ؟

قلت: في سبيل الله.

قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أوّلها، وشر صفوف الرجال آخرها.

وخير صفوف النساء آخرها، وشر صفوف النساء أوّلها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وأبو يعلى، عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال مقدمها، وشرها مؤخرها.

وخير صفوف النساء آخرها وشرها مقدمها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير صفوف الرجال المقدم، وشرها المؤخر.

وخير صفوف النساء المؤخر، وشرها المقدم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصف الأول لعلى مثل صف الملائكة، ولو تعلمون لابْتَدرْتموه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» وفي لفظ «على الصفوف الأول» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف المقدم رقة فقال: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول» فازدحم الناس عليه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال: كان يقال: إن الله وملائكته يصلون على الذين في الصفوف المتقدمة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن مسعود القرشي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في الصف الأول، ما صفوا فيه إلا بقرعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الصف المقدم ثلاثاً، وعلى الثاني واحدة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم...

﴾ الآية.

قال: في صفوف الصلاة والقتال.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق معتمر بن سليمان، عن شعيب بن عبد الملك، عن مقاتل بن سليمان رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم...

﴾ الآية.

قال: بلغنا أنه في القتال.

قال معتمر: فحدثت أبي فقال: لقد نزلت هذه الآية قبل أن يفرض القتال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ قال: المتقدمون في طاعة الله، والمستأخرون في معصية الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: المتقدمين في الخير من الأمم.

والمستأخرين، المبطئين فيه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ قال: يعني بالمستقدمين، من مات.

وبالمستأخرين، من هو حي لم يمت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: ﴿ المستقدمين ﴾ آدم عليه السلام ومن مضى من ذريته.

و ﴿ المستأخرين ﴾ من في أصلاب الرجال.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ المستقدمين ﴾ آدم ومن معه.

حين نزلت هذه الآية و ﴿ المستأخرين ﴾ من كان ذرية الخلق بعد وهو مخلوق كل أولئك قد علمهم عز وجل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عون بن عبد الله رضي الله عنه، أنه سأل محمد بن كعب رضي الله عنه عن هذه الآية: أهي في صفوف الصلاة؟

قال: لا ﴿ المستقدمين ﴾ الميت والمقتول و ﴿ المستأخرين ﴾ من يلحق بهم من بعد.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه ومجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ قالا: من مات ومن بقي.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: قدّم خلقاً وأخر خلقاً، فعلم ما قدم وعلم ما أخر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: المستقدمون، ما مضى من الأمم.

والمستأخرون، أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم ﴾ قال: الأوّل والآخر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم ﴾ قال: يحشر المستقدمين والمستأخرين.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم ﴾ قال: يجمعهم يوم القيامة جميعاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ قال الليث: تقول: استقدم، أي: تقدم، وضده استأخر، أي: تأخر (١) ﴿ الْمُسْتَقْدِمِينَ ﴾ يريد أهلَ طاعةِ الله، و ﴿ الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ يريد عن طاعة الله (٢) (٣) وقال في رواية مِقْسَم: المستقدمون الصف المستقدم، والمستأخرون الصف المستأخر (٤)  - على الصف الأول في الصلاة، فازدحم الناس عليه فأنزل الله هذه الآية (٥) ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ﴾ أي: إنَّا نجزيهم على نيّاتهم (٦) وقال الضحاك ومقاتل: في صف القتال (٧) وقال في رواية أبي الجوزاء: (كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله -  - فكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتأخرون ليروها -إذا ركعوا وجافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم- فأنزل الله هذه الآية) (٨) وعلى هذا القول معنى ﴿ عَلِمْنَا ﴾ : الوعيد والمحاسبة، وروي عنه أيضًا أنه قال: المستقدمون الأموات، والمستأخرون الأحياء (٩)  - (١٠) (١١) (١٢) ﴿ عَلِمْنَا ﴾ والتمدح بالعلم؛ لأن علمه شامل لأعداد من مضى ومن بقي، ومن خلقه ومن سيخلقه فيما بقي.

(١) ورد في "تهذيب اللغة" (قدم) 3/ 2904 بمعناه.

(٢) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 177.

(٣) "أخرجه الطبري" 14/ 25 بنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 218 بمعناه، والثعلبي 2/ 147 ب بنحوه، وانظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1127، وابن الجوزي 4/ 397، و"تفسير القرطبي" 10/ 19، والخازن 3/ 94، و"الدر المنثور" 4/ 181 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.

(٤) رواه الحاكم، تفسير الحجر 2/ 353 بنصه عن طريق أبي الجوزاء (منقطعة بالجهالة)، وانظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1127، الفخر الرازي 19/ 178، "الدر المنثور" 4/ 178 وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وقد أخرجه عبد الرزاق 2/ 348، والطبري 14/ 26 بنحوه، عن طريق واحد مسندًا إلى أبي الجوزاء.

(٥) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 147ب بنصه، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 282 بلا سند، وانظر: "تفسير الألوسي" 14/ 32، وابن الجوزي 4/ 396 عن أبي صالح عن ابن عباس، ولا يعتد بمثل هذا في أسباب النزول.

(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 88 بنصه.

(٧) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 178 عنهما، وابن الجوزي 4/ 397 عن الضحاك، و"تفسير البغوي" 4/ 377 عن مقاتل، والخارن 3/ 94 عن مقاتل، و"الدر المنثور" 5/ 181 وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن مقاتل، والذي في تفسير مقاتل هو نفس القول الذي أخرجه الطبري عن الضحاك في الآية؛ قال: الأموات والأحياء، انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 196 ب، والطبري 14/ 24، والماوردي 3/ 156.

(٨) أخرجه بنصه تقريبًا: أحمد 1/ 305، والترمذي (3122) كتاب: تفسير، باب.

ومن سورة الحجر، وابن ماجه (1046) كتاب: الصلاة، باب: الخشوع في الصلاة، وابن خزيمة: كتاب: صلاة النساء في الجماعة، باب: التغليظ في قيام المأموم في الصف المؤخر إذا كان خلفه نساء 3/ 97، والطبري 4/ 26، وابن حبان، "موارد الظمأن": التفسير، الحجر ص 433، والطبراني في "الكبير" 12/ 171، والحاكم: التفسير، الحجر 2/ 353 وصححه ووافقه الذهبي، سنن البيهقي: كتاب: الصلاة، باب: الرجل يقف في آخر صفوف الرجال 3/ 98، "أسباب النزول" للواحدي ص 281، كلهم من طريق نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 217، والثعلبي 2/ 147 ب، والماوردي 3/ 156، وابن عطية 8/ 302، وابن الجوزي 4/ 396، الفخر الرازي 19/ 178، "تفسير القرطبي" 10/ 19، الخازن 3/ 94، وأبي حيان 5/ 451، وابن كثير 2/ 605، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 180 وزاد نسبته إلى أبي داود الطيالسي 2712، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وانظر: "شرح المسند" 2/ 278، صحيح ابن ماجه (2472).

اختلف العلماء في تصحيح الحديث، فصححه ابن خزيمة والحاكم والذهبي وشاكر والألباني، وقد أَعَلَّ الترمذي الحديثَ بالإرسال؛ ورجح وقفه على أبي الجوزاء، وتبعه القرطبي وقال: هو الصحيح، واعتمده ابن كثير وقال: حديث غريب جداً وفيه نكارة شديدة، وقد ناقش الألباني المضعفين للحديث: فبيّن أن الإعلال مردود بورود الحديث موصولاً في مسند الطيالسي ورجاله ثقات، وأما الغرابة فمنفية لورورد عدة روايات للحديث -ذكرها- في أن الآية نزلت في صفوف الصلاة، أما النكارة الشديدة التي ذكرها ابن كثير، فلعه يقصد مضمون الرواية؛ أنها توهم طعنًا في الصحابة، وجوابه: إذا ورد الأثر == بطل النظر، ولأن هذا المسلك يفتح باباً لرد كثير من الأحاديث، ويمكن دفع التهمة عن الصحابة بتخصيص الخبر على بعض المنافقين أوحديثي العهد بالإسلام.

انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2472).

(٩) أخرجه عبد الرزاق 2/ 348 بنحوه عن قتادة، والطبري 14/ 23 - 24 بنحوه من طريق قتادة عن ابن عباس، ومن طريق العوفي غير مرضية، وأخرجه -كذلك- عن قتادة، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 218 بمعناه عن قتادة، والثعلبي 2/ 147 ب بنصه عن ابن عباس، وبنحوه عن قتادة، وانظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1127 عن ابن عباس وقتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 19 عنهما، وأبي حيان 5/ 451 عنهما، وابن كثير 2/ 569 عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 181 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.

(١٠) "تفسير مجاهد" ص 341 بنصه، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 348 بنصه، والطبري 14/ 25 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 218 بنحوه، والماوردي 3/ 156 بنحوه، و"تفسير البغوي" 4/ 377، وابن العربي 3/ 1127، وابن الجوزي 4/ 397، والخازن 3/ 94، و"تفسير أبي حيان" 5/ 451، وابن كثير 2/ 604 - 605، و"الدر المنثور" 4/ 182 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(١١) في معظم المصادر: (من لم يخلق)، والمثبت في معناه؛ لأن من يخلقه بعد، أي في المستقبل، هو ممن لم يخلق.

(١٢) أخرجه عبد الرزاق 2/ 348 بنحوه، والطبري 14/ 23 بنحوه، والثعلبي 2/ 147 ب بنصه تقريبً، والماوردي 3/ 156 بنحوه، و"تفسير البغوي" 4/ 377، وابن الجوزي 4/ 396، والفخر الرازي: 19/ 1789، و"تفسير أبي حيان" 5/ 451، وابن كثير 2/ 604 - 605.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين ﴾ الآية: يعني الأولين والآخرين من الناس، وذكر ذلك على وجه الاستدلال على الحشر الذي ذكر بعد ذلك في قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ لأنه أذا أحاط بهم علماً لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم، وقيل: يعني من استقدم ولادة وموتاً ومن تأخر، وقيل: من تقدم إلى الإسلام ومن تأخر عنه ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صلصال ﴾ الإنسان هنا هو: آدم عليه السلام، والصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوت وهو غير مطبوخ، فإذا طبخ فهو فخار ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ الحمأ: الطين الأسود، والمسنون المتغير المنتن، وقيل: إنه من أَسِنَ إذا تغير، والتصريف يردّ هذا القول، وموضع من حمأ صفة لصلصال: أي صلصال كائن من حمأ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.

و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.

الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.

الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون بالإسكان.

الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.

﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.

التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.

وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً  والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.

أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.

و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.

وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.

ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟

وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.

والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.

وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.

فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.

وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".

ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".

ومتى تكون هذه الودادة؟

قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.

وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.

وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.

وقيل: إذا اسودت وجوههم.

روي عن النبي  "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.

فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟

قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟

فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

وقرأ رسول الله  الآية" .

وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه  في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله  بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه  وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.

وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.

وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.

لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.

وألهاني غيره.

عن أنس أن النبي  خط خطاً وقال: هذا الإنسان.

وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.

وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.

فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.

ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.

قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.

وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.

قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.

وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: أراد مجموع الأمرين.

قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.

فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.

وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.

ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.

فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه  .

ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.

﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟

والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟

فأجاب الله  عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه  يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.

وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.

قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.

وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.

ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.

وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله  كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ والقول الأول أوضح.

ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.

ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.

وقيل: حفظ بالدرس.

والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.

ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه  أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.

وههنا نكتة هي أنه  تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.

ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي  .

وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.

ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.

قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين  ﴾ و ﴿ بجانب الغربي  ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله  ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.

قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.

وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.

والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.

وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.

وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.

والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.

ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.

واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه  سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟

أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.

ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.

والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.

فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.

عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله  وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي  من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.

قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.

وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.

وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟

وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.

ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.

ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.

ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.

الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.

وقال المنجمون.

إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.

ونظير هذه الآية قوله  في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح  ﴾ ومثله في سورة الملك.

الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.

وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.

قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى  منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد  منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.

والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.

قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي  إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.

وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى  ثم في زمن محمد  .

أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟

والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.

آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟

وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  قال: بينما النبي  جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟

قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.

فقال النبي  : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا  إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟

فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟

والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.

آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي  بقي بعد وفاته؟

الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.

آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟

وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله  أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.

آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟

وأجيب بأنه  أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.

وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.

آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي  عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.

لا يقال: إنه  أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي  لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟

والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.

الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.

الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.

وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.

وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.

وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.

يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.

وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.

﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".

﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.

وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله  وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.

يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.

ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.

قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.

وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.

والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.

فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.

قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه  نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.

الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.

قاله الحسن وقتادة والضحاك.

وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.

وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.

وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.

وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله  : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً  ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.

والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه  ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.

﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.

الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.

قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.

ويروى أنه  رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.

والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.

وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله  وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.

وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.

وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.

وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد  .

وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.

والظاهر العموم وأن علمه  شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.

ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.

الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.

وقد أجمع المفسرون على أنه آدم  ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر  أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.

والأقرب أنه  خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.

وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.

وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.

أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.

وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.

والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.

المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.

وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.

وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.

قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.

قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.

قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.

والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.

ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.

قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.

الله منها الجان.

ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.

على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.

ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.

والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.

والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.

﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.

﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.

فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.

قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.

وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح  ﴾ .

ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.

قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.

وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.

ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟

فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.

ثم قال  وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟

قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.

وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض  ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.

قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.

أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.

وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.

﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".

ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.

وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".

ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.

قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.

ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله  ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.

وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته  فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.

﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.

﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.

وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله  في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.

وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم  ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.

﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.

وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.

وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله  .

والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.

فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.

وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.

والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.

والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.

ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله  : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان  ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن  ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.

ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.

ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.

فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.

ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.

قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.

وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.

إخوة الدين والتعاطف.

والسرر جمع سرير.

قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.

والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.

عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.

والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.

ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".

التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.

ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.

﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.

ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله  بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.

﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.

وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.

﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.

﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.

فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.

﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.

وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً ﴾ قيل: نجوماً، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة.

ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع [ما ذكر] من الشمس والقمر والنجوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ \[يعني السماء للناظرين\].

وفي قوله: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ دلالة نقض قول من ينهي عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها [للناظرين] ثم ينهي عن النظر إليها، دل أنه لا بأس [للناظرين]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 97] وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ  ﴾ وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهاً؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد [منهما] بسلطان الآخر؛ كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ يعني: السماء، ﴿ مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم [بالمطر] في يوم كذا وكذا، وكان حقّا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو كقوله: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ  دُحُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ  ﴾ .

ويحتمل ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ : أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...

﴾ الآية [النحل: 100].

ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَيُقْذَفُونَ...

﴾ الآية.

ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.

وقال بعضهم: ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ : اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر ﴿ دُحُوراً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء [كان] طبعه التسفل والتسرب؟

إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِيهَا ﴾ : يعني في الجبال، ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ : يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، ﴿ مَّوْزُونٍ ﴾ : أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزوناً في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت.

والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ : أي: صاروا يومهم ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ : يرتفعون ويصعدون.

وقال غيره: ظلوا: أي: ما لوا، كقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ  ﴾ أي: مالت، وقال: قوله: ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ : أي: حيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضاً تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكراً: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكراً: أي: حبسته، والسكر: السدّ، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكراً؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ  ﴾ أي: شدته.

وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.

وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُرُوجاً ﴾ : قال: إثنا عشر برجاً، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئاً إلا استراقاً، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ : يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوماً حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم.

و ﴿ شِهَابٌ ﴾ : كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.

وقال بعضهم: ﴿ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ لرسول الله كان له خاصّةً لم يكن قبل والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي: في الأرض والجبال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ .

قال الحسن: أي: جعلنا [لكم] في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضاً، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ : الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنّون على رسول الله  ، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جواباً لهم: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ أي: محمداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ .

يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ [أي]: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

على هذا ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ ﴾ : أي: ما نعطيه ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ : أي: وإن كان عندكم مخزوناً محبوساً - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.

وقال الحسن: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ : أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهراً.

هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.

ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.

أو ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ محدود؛ أي: ليس ينزل جزافاً؛ ولكن معلوماً محدوداً.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : حوامل.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.

قال القتبي: قال أبو عبيدة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ .

هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.

﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء.

ويحتمل ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ ﴾ أي: لله ﴿ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل.

وعلى تأويل الآخر: ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ .

أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثاً؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.

وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ : من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.

وقال الحسن: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ في الخير ﴿ ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ في الشّر.

وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.

والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله.

وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم.

أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد علمنا من تقدم منكم ولادة وموتًا، وعلمنا من تأخر فيهما لا يخفى علينا من ذلك شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.nNP21"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد