تفسير الآية ٢٥ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٢٥ من سورة الحجر

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ٢٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٥ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

" وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم " فقال عون بن عبد الله وفقك الله وجزاك خيرا.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) يعني بذلك جلّ ثناؤه: وإن ربك يا محمد هو يجمع جميع الأوّلين والآخرين عنده يوم القيامة، أهل الطاعة منهم والمعصية، وكلّ أحد من خلقه، المستقدمين منهم والمستأخرين.

وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) قال: أي الأوّل والآخر.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد القرشيّ، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، في قوله ( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) قال: هذا من هاهنا، وهذا من هاهنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخُرَاسانيّ، عن ابن عباس ( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) قال: وكلهم ميت، ثم يحشرهم ربهم.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليّ بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر ( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) قال: يجمعهم الله يوم القيامة جميعا ، قال الحسن: قال عليّ: قال داود: سمعت عامرا يفسر قوله ( إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) يقول: إن ربك حكيم في تدبيره خلقه في إحيائهم إذا أحياهم، وفي إماتتهم إذا أماتهم، عليم بعددهم وأعمالهم ، وبالحيّ منهم والميت، والمستقدم منهم والمستأخر.

كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كلّ أولئك قد علمهم الله، يعني المستقدمين والمستأخرين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليمقوله تعالى : وإن ربك هو يحشرهم أي للحساب والجزاء .إنه حكيم عليم يضع كل شيء موضعه

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يعلم المستقدمين من الخلق والمستأخرين منهم ويعلم ما تنقص الأرض منهم وما تفرق من أجزائهم، وهو الذي قدرته لا يعجزها معجز فيعيد عباده خلقا جديدا ويحشرهم إليه.

{ إِنَّهُ حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، ويجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ) على ما علم منهم .

وقيل : يميت الكل ، ثم يحشرهم الأولين والآخرين .

أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن ، أخبرنا أبو سعيد الصيرفي ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من مات على شيء بعثه الله عليه " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم» في صنعه «عليم» بخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن ربك هو يحشرهم للحساب والجزاء، إنه حكيم في تدبيره، عليم لا يخفى عليه شيء.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع السادس من دلائل التوحيد وهو الاستدلال بحصول الإحياء والإماتة لهذه الحيوانات على وجود الإله القادر المختار.

أما قوله: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ ﴾ ففيه قولان: منهم من حمله على القدر المشترك بين إحياء النبات والحيوان ومنهم من يقول: وصف النبات بالإحياء مجاز فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان ولما ثبت بالدلائل العقلية أنه لا قدرة على خلق الحياة إلا للحق سبحانه كان حصول الحياة للحيوان دليلاً قاطعاً على وجود الإله الفاعل المختار، وقوله: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ ﴾ يفيد الحصر أي لا قدرة على الإحياء ولا على الإماتة إلا لنا، وقوله: ﴿ وَنَحْنُ الوارثون ﴾ معناه: أنه إذا مات جميع الخلائق، فحينئذ يزول ملك كل أحد عند موته، ويكون الله هو الباقي الحق المالك لكل المملوكات وحده فكان هذا شبيهاً بالإرث فكان وارثاً من هذا الوجه.

وأما قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستئخرين ﴾ ففيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: المستقدمين يريد أهل طاعة الله تعالى والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعة الله.

الثاني: أراد بالمستقدمين الصف الأول من أهل الصلاة، وبالمستأخرين الصف الآخر، روي أنه صلى الله عليه وسلم رغب في الصف الأول في الصلاة، فازدحم الناس عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى: أنا نجزيهم على قدر نياتهم.

الثالث: قال الضحاك ومقاتل: يعني في وصف القتال.

الرابع: قال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها وإذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.

الخامس: قيل المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.

وقيل المستقدمون هم الأمم السالفة، والمستأخرون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عكرمة: المستقدمون من خلق والمستأخرون من لم يخلق.

واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ ﴾ أتبعه بقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستئخرين ﴾ تنبيهاً على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم فيدخل فيه علمه تعالى بتقدمهم وتأخرهم في الحدوث والوجود وبتقدمهم وتأخرهم في أنواع الطاعات والخيرات ولا ينبغي أن نخص الآية بحالة دون حالة.

وأما قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ فالمراد منه التنبيه على أن الحشر والنشر والبعث والقيامة أمر واجب وقوله: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ معناه: أن الحكمة تقتضي وجوب الحشر والنشر على ما قررناه بالدلائل الكثيرة في أول سورة يونس عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَنَحْنُ الوارثون ﴾ أي الباقون بعد هلاك الخلق كله.

وقيل للباقي ﴿ وارث ﴾ استعارة من وارث الميت، لأنه يبقى بعد فنائه.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: «اجعله الوارث منا» ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ﴾ من استقدم ولادة وموتاً، ومن تأخر من الأوّلين والآخرين.

أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد.

أو من تقدم في الإسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر.

وقيل: المستقدمين في صفوف الجماعة والمتسأخرين.

وروي أن امرأة حسناء كانت في المصليات خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان بعض القوم يستقدم لئلا ينظر إليها، وبعض يستأخر ليبصرها فنزلت ﴿ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ أي هو وحده القادر على حشرهم، والعالم بحصرهم مع إفراط كثرتهم وتباعد أطراف عددهم ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ باهر الحكمة واسع العلم، يفعل كل ما يفعل على مقتضى الحكمة والصواب، وقد أحاط علماً بكل شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ مَنِ اسْتَقْدَمَ وِلادَةً ومَوْتًا ومَنِ اسْتَأْخَرَ، أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ الرِّجالِ ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ في الإسْلامِ والجِهادِ وسَبَقَ إلى الطّاعَةِ، أوْ تَأخَّرَ لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكم، وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ.

وقِيلَ رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ  في الصَّفِّ الأوَّلِ فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ.

وقِيلَ إنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  فَتَقَدَّمَ بَعْضُ القَوْمِ لِئَلّا يَنْظُرَ إلَيْها وتَأخَّرَ بَعْضٌ لِيُبْصِرَها فَنَزَلَتْ.

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ ﴾ لا مَحالَةَ لِلْجَزاءِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ القادِرُ والمُتَوَلِّي لِحَشْرِهِمْ لا غَيْرَ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما سَبَقَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحُكْمِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ حَكِيمٌ ﴾ باهِرُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} أي هو وحده يقدر على حشرهم ويحيط بحصرهم {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} باهر الحكمة واسع العلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ ﴾ لِلْجَزاءِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ قِيلَ لِلْحَصْرِ أيْ هو سُبْحانَهُ يَحْشُرُهم لا غَيْرَ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ في مِثْلِ ذَلِكَ يَكُونُ الفِعْلُ مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ والنِّزاعِ في الفاعِلِ وهاهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ فالوَجْهُ جَعْلُهُ لِإفادَةِ التَّقْوى.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذا في القَصْرِ الحَقِيقِيِّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ والتَّنْبِيهُ عَلى ما سَبَقَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحُكْمِ، وفي الِالتِفاتِ والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشْعارٌ بِعِلَّتِهِ، وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَلالَةٌ عَلى اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ «يَحْشِرُهُمْ» بِكَسْرِ الشِّينِ ﴿ إنَّهُ حَكِيمٌ ﴾ بالِغُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ.

والحِكْمَةُ عِنْدَهم عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ والإتْيانُ بِالأفْعالِ عَلى ما يَنْبَغِي ﴿ عَلِيمٌ ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ وصْفِ الحِكْمَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضائِها لِلْحَشْرِ والجَزاءِ، وقَدْ نَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ قال: بعث الله الريح، فتلقح السحاب، ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر، هذا قول ابن مسعود.

وقال ابن عباس في قوله: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ أي: ملقحات تلقّح الأشجار.

وقال قتادة: لَواقِحَ أي: تلقح السحاب، وهكذا قال الكلبي.

قرأ حمزة: وَأَرْسَلْنَا الريح بلفظ الوحدان، وقرأ الباقون: بلفظ الجماعة.

ثم قال: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ يعني: بماء المطر فأرويناكم به وحبستم الماء في الغدران والحياض، لتسقوا الضياع والمواشي وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ أي: بمالكين وحافظين.

ويقال: ليس مفاتيحه بأيديكم.

ثم قال عز وجل: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أي: نحيي للبعث، ونميت في الدنيا.

ويقال نُحْيِي الأرض بالمطر أيام الربيع، ونميتها أيام الخريف وَنَحْنُ الْوارِثُونَ أي: المالكون.

ويقال: معناه يهلك الخلق، ويبقي الرب تبارك وتعالى.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي: الأموات وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ يعني: الأحياء.

ويقال: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ في الصف الأول، وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ في الصف الآخر.

وروى أبو الجوزاء، عن ابن عباس أنه قال: «كانت امرأة حسناء تصلي خلف النبيّ  ، فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لكي يراها، ويتأخر بعضهم.

فإذا ركع، نظر من تحت إبطيه، فنزلَ: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ويقال: إن النبيّ  حرض الناس على الصف الأول، وكان قوم بيوتهم قاصية من المسجد، فقالوا: لنبيعن دورنا ونشتري دوراً قريبة من المسجد حتى ندرك الصف الأول، فصارت الديار البعيدة خالية، فقال النبيّ  «مَنْ أَتَى المَسْجِدَ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ آثارُهُ وَيُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةٍ، وتُرْفَعُ لَهُ كَذَا وَكَذَا دَرَجَةٍ» فجعل الناس يشترون الدور البعيدة من المسجد لكي يكتب لهم آثارهم، فنزل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ، وإنما يؤجرون بالنية، فاطمأنوا وسكنوا.

وقال مجاهد: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ أي: ما مضى وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ما بقي من أمة محمد  .

وقال قتادة: الْمُسْتَقْدِمِينَ آدم ومن مات قبل نزول هذه الآية.

والْمُسْتَأْخِرِينَ من لم يخلق بعد، كلهم قد علمهم.

وقال الحسن: الْمُسْتَقْدِمِينَ في الخير، والْمُسْتَأْخِرِينَ، يقول: المبطئين.

قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ يوم القيامة إِنَّهُ حَكِيمٌ حكم بحشر الأولين والآخرين عَلِيمٌ بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً: «البروج» : المنازلُ، واحدها بُرْج، وسمي بذلك لظهوره ومنه تَبَرُّج المرأة: ظهورُها وبدوُّها، و «حِفْظ السماء» : هو بالرجمِ بالشُّهُب على ما تضمنته الأحاديث الصّحاح، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ الشَّيَاطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَّمَاءِ أَفْوَاجاً، قَالَ: فَيَنْفَرِدُ المَارِدُ مُنْها، فَيَعْلُو فَيَسْمَعُ، فَيُرْمَى بالشِّهَابِ، فَيَقُولُ لأَصْحَابِه:

إِنَّهُ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَيَزِيدُ الشَّيَاطِينُ فِي ذَلِكَ، وَيُلْقُونَ إِلَى الكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةً وَنَحْوَ هَذَا ...

» الحديث «١» : و «إلّا» : بمعنى: «لكِنْ» ، ويظهر أن الاستثناء من الحِفْظِ: وقال محمَّد بن يحيى عن أبيه: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، فإِنها لم تُحْفَظْ منه.

وقوله: / مَوْزُونٍ: قال الجمهور: معناه: مقدَّر محرَّر بقصدٍ وإِرادةٍ، فالوزن على هذا: مستعارٌ.

وقال ابنُ زَيْد: المراد ما يُوزَنُ حقيقةً كالذهب والفضة وغير ذلك مما يوزن «٢» ، والمعايش: جمع مَعِيشَة، وقوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: يحتمل أن يكون عطْفاً على مَعايِشَ كأن اللَّه تعالى عدَّد النعم في المعايِشِ، وهي ما يؤكل ويُلْبَسُ، ثم عدَّد النعم في الحيوانِ والعَبِيدِ وغيرِ ذلك ممَّا ينتفعُ به النَّاسُ، وليس علَيْهم رِزْقُهُمْ.

وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ.

قال ابن جُرَيْج: هو المطر خاصَّة «٣» .

قال ع «٤» : وينبغي أنْ يكون أعمَّ من هذا في كثيرٍ من المخلوقات.

وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)

وقوله سبحانه: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ: أيْ: ذاتَ لقح يقال: لقحت الناقة والشجَرُ، فهي لاقحةٌ، إِذا حَمَلَتْ، فالوجْهُ في الرِّيحِ مُلْقِحَةٌ، لا لاقحة، قال الداوديّ:

وعن ابن عُمَرَ: الرِّياحُ ثمانٍ، أرْبَعٌ رحْمَةٌ، وأربعٌ عذابٌ فالرحمةُ: المرسلاتُ، والمُبَشِّرات، والنَّاشِرَاتُ، والذَّاريات، وأما العذاب: فالصَّرْصَرُ، والعقيمُ، والقاصِفُ، والعَاصِف، وهما في البَحْر.

انتهى.

وقوله جلَّت عظمته: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ...

الآيات: هذه الآياتُ مع الآيات التي قبلها تضمَّنت العِبْرَةَ والدلالةَ على قدرة اللَّه تعالى، وما يُوجِبُ توحيدَهُ وعبادَتَهُ، المعنى: وإِنا لَنَحْنُ نحيي من نشاء بإِخراجه من العَدَمِ إِلى وجودِ الحياةِ، ونميتُ بإِزالة الحياةِ عَمَّن كان حَيًّا، وَنَحْنُ الْوارِثُونَ، أي: لا يبقَى شيْءٌ سوانا، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ، لا ربَّ غيره.

وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ: أي: من لَدُنْ آدم إِلى يوم القيامة، قالَ ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ وغيره في سبب نُزُولِ هذه الآية، عن ابن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ امرأة تصلِّي خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن عبَّاس: وَلاَ، واللَّهِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قال: فَكَانَ بعْضُ المسلمين، إِذا صَلَّوْا تقدَّموا، وبعضُهم يستأَخر، فإِذا سجدوا نَظَرُوا إِليها مِنْ تَحْت أيديهم، فأنزل اللَّه الآيَةَ «١» ، ثم قال ابنُ العربيِّ:

في شَرْحِ المراد بهذه الآية خمسة أقوال:

أحدها: هذا.

القول الثاني: المتقدِّمين في الخَلْق إِلى اليوم، والمتأخِّرين الذين لم يخلقوا بَعْد، بيانٌ أن اللَّه يَعْلَمُ الموجُودَ والمَعْدُومَ، قاله قتادة وجماعة «٢» .

الثَّالثُ: مَنْ مات، ومَنْ بقي قاله ابن عبّاس أيضا «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ يُقالُ: اسْتَقْدَمَ الرَّجُلُ، بِمَعْنى: تَقَدَّمَ، واسْتَأْخَرَ، بِمَعْنى: تَأخَّرَ.

وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَكانَ بَعْضُهم يَسْتَقْدِمُ حَتّى يَكُونَ في أوَّلِ صَفٍّ لِئَلّا يَراها، ويَتَأخَّرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في آخِرِ صَفٍّ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ  حَرَّضَ عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ، فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، وقالَ قَوْمٌ بُيُوتُهم قاصِيَةٌ عَنِ المَدِينَةِ: لَنَبِيعَنَّ دُورَنا، ولَنَشْتَرِيَنَّ دُورًا قَرِيبَةً مِنَ المَسْجِدِ حَتّى نُدْرِكَ الصَّفَّ المُتَقَدِّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»؛ ومَعْناها: إنَّما تُجْزَوْنَ عَلى النِّيّاتِ، فاطْمَأنُّوا وسَكَنُوا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى المُسْتَقْدِمِينَ والمُسْتَأْخِرِينَ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: التَّقَدُّمُ في الصَّفِّ الأوَّلِ، والتَّأخُّرُ عَنْهُ، وهَذا عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في سَبَبِ نُزُولِها، فَعَلى الأوَّلِ: هو التَّقَدُّمُ لِلتَّقْوى، والتَّأخُّرُ لِلْخِيانَةِ بِالنَّظَرِ، وعَلى الثّانِي: هو التَّقَدُّمُ لِطَلَبِ الفَضِيلَةِ، والتَّأخُّرُ لِلْعُذْرِ.

والثّانِي: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: مَن ماتَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وخُصَيْفٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ، والقُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: مَن خَرَجَ مِنَ الخَلْقِ وكانَ.

والمُسْتَأْخِرِينَ: الَّذِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: مَن مَضى مِنَ الأُمَمِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: المُتَقَدِّمُونَ في الخَيْرِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: المُثَبِّطُونَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: في صُفُوفِ القِتالِ، والمُسْتَأْخِرِينَ عَنْها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والسّابِعُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: مَن لَمْ يُقْتَلْ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والثّامِنُ: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ: أوَّلُ الخَلْقِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: آخِرُ الخَلْقِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ ﴾ ﴿ وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ ﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ لِما ذَكَرَ أنَّهم لَوْ رَأوا الآيَةَ المَذْكُورَةَ قَبْلُ في السَماءِ لَعانَدُوا فِيها عَقِبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ في السَماءِ لَعِبْرًا مَنصُوبَةً غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُورَةِ، وكُفْرُهم بِها، وإعْراضُهم عنها إصْرارٌ مِنهم وعُتُوٌّ، والبُرُوجُ: المَنازِلُ، واحِدُها بُرْجٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ ظُهُورُها وبُدُوُّها، والعَرَبُ تَقُولُ: "بَرُجَ الشَيْءُ" إذا ظَهَرَ وارْتَفَعَ.

وحِفْظُ السَماءِ هو بِالرَجْمِ بِالشُهُبِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الأحادِيثُ الصِحاحُ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "إنَّ الشَياطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَماءِ أفْواجًا قالَ: فَيَنْفَرِدُ المارِدُ مِنها، فَيَعْلُو فَيَسْمَعُ فَيُرْمى بِالشِهابِ، فَيَقُولُ لِأصْحابِهِ وهو يَلْهَثُ: إنَّهُ مِنَ الأمْرِ كَذا وكَذا، فَيَزِيدُ الشَيْطانُ في ذَلِكَ، ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةً"،» ونَحْوَ هَذا الحَدِيثِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الشُهُبَ تَجْرَحُ وتُؤْذِي ولا تَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ: تَقْتُلُ، وفي الأحادِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَجْمَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ ولَكِنَّهُ اشْتَدَّ في وقْتِ الإسْلامِ، وحَفِظَ السَماءَ حِفْظًا تامًّا.

وقالَ الزَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؛ بِدَلِيلٍ أنَّ الشُعَراءَ لَمْ يُشَبَّهُوا بِهِ في السُرْعَةِ إلّا بَعْدَ الإسْلامِ، وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ أنَّهُ قالَ: كُنّا لا نَرى الرَجْمَ بِالنُجُومِ قَبْلَ الإسْلامِ، و"رَجِيمٍ" بِمَعْنى مَرْجُومٍ، فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَإمّا مِن رَجْمِ الشُهُبِ، وإمّا مِنَ الرَجْمِ الَّذِي هو الشَتْمُ والذَمُّ.

ويُقالُ: تَبِعْتُ الرَجُلَ واتَّبَعْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ، و"إلّا" بِمَعْنى لَكِنْ، هَذا قَوْلٌ، والظاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الحِفْظِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى عن أبِيهِ: إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَمْعَ فَإنَّها لَمْ تُحْفَظْ مِنهُ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ الأرْضَ كانَتْ تَتَكَفَّأُ بِأهْلِها كَما تَتَكَفَّأُ السَفِينَةُ فَثَبَّتَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالجِبالِ، ويُقالُ: رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا رَسَخَ وثَبَتَ، وقَوْلُهُ: "مَوْزُونٍ"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: مُقَدَّرٌ مُحَدَّدٌ بِقَصْدٍ وإرادَةٍ، فالوَزْنُ عَلى هَذا مُسْتَعارٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ ما يُوزَنُ حَقِيقَةً كالذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُوزَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ.

و"المَعايِشُ" جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقَرَأها الأعْمَشُ بِالهَمْزِ، وكَذَلِكَ رَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ، والوَجْهُ تَرْكُ الهَمْزِ، لَأنَّ أصْلَ ياءِ "مَعِيشَةٍ" الحَرَكَةُ، فَيَرُدُّها إلى الأصْلِ الجَمْعُ، بِخِلافِ "مَدِينَةٍ ومَدائِنَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى ثَلاثَةِ أوجُهٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "مَعايِشَ"، كَأنَّ اللهَ تَعالى عَدَّدَ النِعَمَ في المَعايِشِ وهي ما يُؤَكِّلُ ويُلْبَسُ، ثُمَّ عَدَّدَ النِعَمَ في الحَيَوانِ والعَبِيدِ والضِياعِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ ولَيْسَ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ، والوَجْهُ الثانِي: أنْ تَكُونَ "مَن" مَعْطُوفَةً عَلى مَوْضِعِ الضَمِيرِ في "لَكُمْ"، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وأعَشْناكم وأعَشْنا أُمَمًا غَيْرَكم مِنَ الحَيَوانِ، وكَأنَّ الآيَةَ -عَلى هَذا- فِيها اعْتِبارٌ وعَرْضُ آيَةٍ، والوَجْهُ الثالِثُ أنْ تَكُونَ "مَن" مَنصُوبَةً بِإضْمارِ فِعْلٍ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ وتَقْدِيرُهُ: وأعَشْنا مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعٍ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "لَكُمْ"، وهَذا قَلَقٌ في النَحْوِ، لَأنَّهُ العَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَجْرُورِ وفِيهِ قُبْحٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، وأنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهو المَطَرُ خاصَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنَّ تَكُونَ أعَمَّ مِن هَذا في كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، و"الخَزائِنُ" المَواضِعُ الحاوِيَةُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ الماءَ والرِيحَ ونَحْوَ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ، وهو ظاهِرٌ في قَوْلِهِمْ في الرِيحِ: "عَتَتْ عَلى الخَزائِنِ، وانْفَتَحَ مِنها قَدْرُ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ كانَ قَدْرُ مُنْخَرِ الثَوْرِ لَأهْلَكَ الأرْضَ"، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ كَوْنَها في القُدْرَةِ هو خَزْنُها، فَإذا شاءَ اللهُ أوجَدَها، وهَذا أيْضًا ظاهِرٌ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ، وهو لازِمٌ في الأعْراضِ إذا عَمَّمْنا لِفَظَةَ "شَيْءٍ"، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فالقُدْرَةُ تَسَعُهُ وتُتْقِنُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نُنَزِّلُهُ ﴾ ، ما كانَ مِنَ المَطَرِ ونَحْوَهُ فالإنْزالُ فِيهِ مُتَمَكِّنٌ، وما كانَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَإيجادُهُ والتَمْكِينُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ إنْزالٌ عَلى تَجَوُّزٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَما نُرْسِلُهُ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ"، وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ رُوِيَ فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ لَيْسَ عامٌ أكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنْ يَنْزِلُهُ اللهُ في مَواضِعَ دُونَ مَواضِعَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ذكر الإحياء والإماتة وكان الإحياء بكسر الهمزة يذكر بالأحياء بفتحها، وكانت الإماتة تذكّر بالأموات الماضين تخلص من الاستدلال بالأحياء والإماتة على عظم القدرة إلى الاستدلال بلازم ذلك على عظم علم الله وهو علمه بالأمم البائدة وعلم الأمم الحاضرة؛ فأريد بالمستقدمين الذين تقدموا الأحياء إلى الموت أو إلى الآخرة، فالتقدم فيه بمعنى المضي؛ وبالمستأخرين الذين تأخروا وهم الباقون بعد انقراض غيرهم إلى أجل يأتي.

والسين والتاء في الوصفين للتأكيد مثل استجاب؛ ولكن قولهم استقدم بمعنى تقدم على خلاف القياس لأن فعله رباعي.

وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ في سورة الأعراف (34).

وقد تقدم في طالع تفسير هذه السورة الخبر الذي أخرجه الترمذي في جامعه من طريق نوح بن قيس ومن طريق جعفر بن سليمان في سبب نزول هذه الآية.

وهو خبر واهٍ لا يلاقي انتظام هذه الآيات ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة.

وجملة وإن ربك هو يحشرهم } نتيجة هذه الأدلة من قوله: ﴿ وإنا لنحن نحي ونميت ﴾ [سورة الحجر: 23] فإن الذي يُحيي الحياة الأولى قادر على الحياة الثانية بالأوْلى، والّذي قدّر الموت ما قدره عبثاً بعد أن أوجد الموجودات إلاّ لتستقبلوا حياة أبدية؛ ولولا ذلك لقدر الدّوام على الحياة الأولى، قال تعالى: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ [سورة الملك: 2].

وللإشارة إلى هذا المعنى من حكمة الإحياء والإماتة أتبعه بقوله: إنه حكيم عليم } تعليلاً لجملة ﴿ وإن ربك هو يحشرهم ﴾ لأن شأن ﴿ إنّ ﴾ إذا جاءت في غير معنى الرد على المنكر أن تفيد معنى التعليل والربط بما قبلها.

والحكيم الموصوف بالحكمة.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ [سورة البقرة: 269] وعند قوله تعالى: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ في سورة البقرة (209).

و العَليم الموصوف بالعلم العام، أي المحيط.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ في سورة آل عمران (140).

وقد أكدت جملة وإن ربك هو يحشرهم } بحرف التوكيد وبضمير الفصل لرد إنكارهم الشديد للحشر.

وقد أسند الحشر إلى الله بعنوان كونه رب محمد صلى الله عليه وسلم تنويهاً بشأن النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم كذبوه في الخبر عن البعث ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجل ينبّئكم إذا مزّقتم كل ممزّق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جِنّة ﴾ [سورة سبأ: 7 8] أي فكيف ظنك بجزائه مكذبيك إذا حشرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ﴾ يَعْنِي وإنْ مِن شَيْءٍ مِن أرْزاقِ الخَلْقِ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مَفاتِيحُهُ؛ لِأنَّ في السَّماءِ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

الثّانِي: أنَّها الخَزائِنُ الَّتِي هي مُجْتَمَعُ الأرْزاقِ.

وَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَهُ مِن أرْزاقِ عِبادِهِ.

الثّانِي: يَعْنِي المَطَرَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ نَباتُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَ الحَسَنُ: المَطَرُ خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ.

﴿ وَما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كانَ عامٌ بِأمْطَرَ مِن عامٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُقَسِّمُهُ حَيْثُ يَشاءُ، فَيُمْطِرُ قَوْمًا ويَحْرِمُ آخَرِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَواقِحُ السَّحابِ حَتّى يُمْطِرَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وكُلُّ الرِّياحِ لَواقِحُ.

غَيْرَ أنَّ الجَنُوبَ ألْقَحُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  : « (ما هَبَّتْ رِيحُ جَنُوبٍ إلّا أنْبَعَ اللَّهُ تَعالى بِها عَيْنًا غَدِقَةً)» .

الثّانِي: لَواقِحُ لِلشَّجَرِ حَتّى يُثْمِرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ.

وَقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى المُبَشِّرَةَ فَتُقِمُّ الأرْضَ قَمًّا، ثُمَّ يُرْسِلُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ، ثُمَّ يُرْسِلُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُ الشَّجَرَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي مِنَ السَّحابِ مَطَرًا.

﴿ فَأسْقَيْناكُمُوهُ ﴾ أيْ مَكَّنّاكم مِنهُ، والفَرْقُ بَيْنَ السَّقْيِ والشُّرْبِ أنَّ السَّقْيَ بَذْلُ المَشْرُوبِ، والشُّرْبُ: اسْتِعْمالُ المَشْرُوبِ، فَصارَ السّاقِي باذِلًا، والشّارِبُ مُسْتَعْمِلًا.

﴿ وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِخازِنِي الماءَ الَّذِي أنْزَلْناهُ.

الثّانِي: بِمانِعِي الماءَ الَّذِي أنْزَلْناهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ المُسْتَقْدِمِينَ الَّذِينَ خُلِقُوا، والمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلَقُوا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: المُسْتَقْدِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا، والمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ هم أحْياءٌ لَمْ يَمُوتُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: المُسْتَقْدِمِينَ أوَّلُ الخَلْقِ، والمُسْتَأْخِرِينَ آخِرُ الخَلْقِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الرّابِعُ: المُسْتَقْدِمِينَ أوَّلُ الخَلْقِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرِينَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: المُسْتَقْدِمِينَ في الخَيْرِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

السّادِسُ: المُسْتَقْدِمِينَ في صُفُوفِ الحَرْبِ، والمُسْتَأْخِرِينَ فِيها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

السّابِعُ: المُسْتَقْدِمِينَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرِينَ مَن لَمْ يُقْتَلْ، قالَهُ القَرَظِيُّ.

الثّامِنُ: المُسْتَقْدِمِينَ في صُفُوفِ الصَّلاةِ، والمُسْتَأْخِرِينَ فِيها.

رَوى عُمَرُ بْنُ مالِكٍ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ، لا واللَّهِ ما رَأيْتُ مِثْلَها قَطُّ، فَكانَ بَعْضُ النّاسِ يَسْتَقْدِمُ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطِهِ في الصَّفِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِها هَذِهِ الآيَةَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن أبي الوزاء في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ﴾ قال: في الصفوف في الصلاة.

قال الترمذي: هذا أشبه أن يكون أصح.

وأخرج ابن مردويه والحاكم عن ابن عباس في الآية قال: ﴿ المستقدمين ﴾ الصفوف المتقدمة ﴿ والمستأخرين ﴾ الصفوف المؤخرة.

وأخرج ابن جرير عن مروان بن الحكم قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن داود بن صالح قال: قال سهل بن حنيف الأنصاري: أتدرون فيم أنزلت ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ ؟

قلت: في سبيل الله.

قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أوّلها، وشر صفوف الرجال آخرها.

وخير صفوف النساء آخرها، وشر صفوف النساء أوّلها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وأبو يعلى، عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال مقدمها، وشرها مؤخرها.

وخير صفوف النساء آخرها وشرها مقدمها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير صفوف الرجال المقدم، وشرها المؤخر.

وخير صفوف النساء المؤخر، وشرها المقدم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصف الأول لعلى مثل صف الملائكة، ولو تعلمون لابْتَدرْتموه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» وفي لفظ «على الصفوف الأول» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف المقدم رقة فقال: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول» فازدحم الناس عليه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال: كان يقال: إن الله وملائكته يصلون على الذين في الصفوف المتقدمة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن مسعود القرشي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في الصف الأول، ما صفوا فيه إلا بقرعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الصف المقدم ثلاثاً، وعلى الثاني واحدة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم...

﴾ الآية.

قال: في صفوف الصلاة والقتال.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق معتمر بن سليمان، عن شعيب بن عبد الملك، عن مقاتل بن سليمان رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم...

﴾ الآية.

قال: بلغنا أنه في القتال.

قال معتمر: فحدثت أبي فقال: لقد نزلت هذه الآية قبل أن يفرض القتال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ قال: المتقدمون في طاعة الله، والمستأخرون في معصية الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: المتقدمين في الخير من الأمم.

والمستأخرين، المبطئين فيه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ قال: يعني بالمستقدمين، من مات.

وبالمستأخرين، من هو حي لم يمت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: ﴿ المستقدمين ﴾ آدم عليه السلام ومن مضى من ذريته.

و ﴿ المستأخرين ﴾ من في أصلاب الرجال.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ المستقدمين ﴾ آدم ومن معه.

حين نزلت هذه الآية و ﴿ المستأخرين ﴾ من كان ذرية الخلق بعد وهو مخلوق كل أولئك قد علمهم عز وجل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عون بن عبد الله رضي الله عنه، أنه سأل محمد بن كعب رضي الله عنه عن هذه الآية: أهي في صفوف الصلاة؟

قال: لا ﴿ المستقدمين ﴾ الميت والمقتول و ﴿ المستأخرين ﴾ من يلحق بهم من بعد.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه ومجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ قالا: من مات ومن بقي.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: قدّم خلقاً وأخر خلقاً، فعلم ما قدم وعلم ما أخر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: المستقدمون، ما مضى من الأمم.

والمستأخرون، أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم ﴾ قال: الأوّل والآخر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم ﴾ قال: يحشر المستقدمين والمستأخرين.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم ﴾ قال: يجمعهم يوم القيامة جميعاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ قيل: يعني المطر، واللفظ أعم من ذلك، والخزائن المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودة قد خلقت، وقيل: ذلك تمثيل، والمعنى وإن من شيء إلا نحن قادرون على إيجاده وتكوينه ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي بمقدار محدود ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرياح لواقح ﴾ يقال: لقحت الناقة والشجرة إذا حملت فهي لاقحة، وألقحت الريح الشجر فهي ملحقة ولواقح جمع لاقحة، لأنها تحمل الماء أو جمع ملقحة على حذف الميم الزائدة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً ﴾ قيل: نجوماً، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة.

ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع [ما ذكر] من الشمس والقمر والنجوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ \[يعني السماء للناظرين\].

وفي قوله: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ دلالة نقض قول من ينهي عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها [للناظرين] ثم ينهي عن النظر إليها، دل أنه لا بأس [للناظرين]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 97] وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ  ﴾ وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهاً؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد [منهما] بسلطان الآخر؛ كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ يعني: السماء، ﴿ مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم [بالمطر] في يوم كذا وكذا، وكان حقّا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو كقوله: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ  دُحُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ  ﴾ .

ويحتمل ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ : أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...

﴾ الآية [النحل: 100].

ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَيُقْذَفُونَ...

﴾ الآية.

ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.

وقال بعضهم: ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ : اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر ﴿ دُحُوراً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء [كان] طبعه التسفل والتسرب؟

إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِيهَا ﴾ : يعني في الجبال، ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ : يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، ﴿ مَّوْزُونٍ ﴾ : أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزوناً في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت.

والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ : أي: صاروا يومهم ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ : يرتفعون ويصعدون.

وقال غيره: ظلوا: أي: ما لوا، كقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ  ﴾ أي: مالت، وقال: قوله: ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ : أي: حيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضاً تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكراً: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكراً: أي: حبسته، والسكر: السدّ، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكراً؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ  ﴾ أي: شدته.

وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.

وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُرُوجاً ﴾ : قال: إثنا عشر برجاً، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئاً إلا استراقاً، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ : يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوماً حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم.

و ﴿ شِهَابٌ ﴾ : كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.

وقال بعضهم: ﴿ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ لرسول الله كان له خاصّةً لم يكن قبل والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي: في الأرض والجبال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ .

قال الحسن: أي: جعلنا [لكم] في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضاً، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ : الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنّون على رسول الله  ، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جواباً لهم: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ أي: محمداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ .

يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ [أي]: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

على هذا ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ ﴾ : أي: ما نعطيه ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ : أي: وإن كان عندكم مخزوناً محبوساً - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.

وقال الحسن: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ : أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهراً.

هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.

ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.

أو ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ محدود؛ أي: ليس ينزل جزافاً؛ ولكن معلوماً محدوداً.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : حوامل.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.

قال القتبي: قال أبو عبيدة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ .

هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.

﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء.

ويحتمل ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ ﴾ أي: لله ﴿ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل.

وعلى تأويل الآخر: ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ .

أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثاً؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.

وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ : من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.

وقال الحسن: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ في الخير ﴿ ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ في الشّر.

وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.

والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله.

وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم.

أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن ربك -أيها الرسول- هو يحشرهم جميعًا يوم القيامة؛ ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، إنه حكيم في تدبيره، عليم لا يخفى عليه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.ebZNk"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل