الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٥ من سورة الحجر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 27 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك.
يقول تعالى ذكره: ما يتقدّم هلاك أمة قبل أجلها الذي جعله الله أجلا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي جعل لها أجلا.
كما حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله ( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ) قال: نرى أنه إذا حضر أجله ، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدّم.
وأما ما لم يحضر أجله ، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدّم ما شاء.
قوله تعالى : ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ( من ) صلة ; كقولك : ما جاءني من أحد .
أي لا تتجاوز أجلها فتزيد عليه ، ولا تتقدم قبله .
ونظيره قوله - تعالى - : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .
{ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } وإلا فالذنوب لا بد من وقوع أثرها وإن تأخر
( ما تسبق من أمة أجلها ) " من " صلة ( وما يستأخرون ) أي : الموت لا يتقدم ولا يتأخر ، وقيل : العذاب المضروب .
«ما تسبق من» زائدة «أمة أجلها وما يستأخرون» يتأخرون عنه.
لا تتجاوز أمة أجلها فتزيد عليه، ولا تتقدم عليه، فتنقص منه.
وجملة ( مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ) بيان لجملة ( إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ) لتأكيد التحديد ، فى بدئه وفى نهايته .وحذف متعلق ( يستأخرون ) للعلم به ، أى : وما يستأخرون عنه .والآيتان الكريمتان تدلان بوضوح ، على أن إمهال الظالمين ليس معناه ترك عقابهم ، وإنما هو رحمة من الله بهم لعلهم أن يثوبوا إلى رشدهم ، ويسلكوا الطريق القويم .
.
.فإذا ما لجوا فى طغيانهم ، حل بهم عقاب الله - تعالى - فى الوقت المحدد فى علمه - سبحانه - .قال صاحب الظلال : ولقد يقال : إن أمما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح ولا تعدل .
وهى مع ذلك قوية ثرية باقية ، وهذا وهم .فلا بد من بقية من خير فى هذه الأمم ، ولو كان هو خير العمارة للأرض ، وخير العدل فى حدوده الضيقة بين أبنائها ، وخير الإصلاح المادى والإِحسان المحدود بحدودها .فعلى هذه البقية من الخير تعيش حتى تستنفدها ، فلا تبقى فيها من الخير بقية ثم تنتهى حتما إلى المصير المعلوم .
إن سنة الله لا تتخلف .
ولكل أمة أجل معلوم .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ أتبعه بما يؤكد الزجر وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ ﴾ في الهلاك والعذاب وإنما يقع فيه التقديم والتأخير فالذين تقدموا كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلاً، والذين تأخروا كان وقت هلاكهم في الكتاب مؤخراً وذلك نهاية في الزجر والتحذير.
المسألة الثانية: قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان الله ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم، وقال آخرون: المراد بهذا الهلاك الموت.
قال القاضي: والأقرب ما تقدم، لأنه في الزجر أبلغ، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر، فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وقال قوم آخرون: المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول عذاب الاستئصال ونزول الموت، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكاً، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معاً.
المسألة الثالثة: قال الفراء: لو لم تكن الواو مذكورة في قوله: ﴿ وَلَهَا كتاب ﴾ كان صواباً كما في آية أخرى وهي قوله: ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ﴾ وهو كما تقول: ما رأيت أحداً إلا وعليه ثياب وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب.
أما قوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئخِرُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: من في قوله: ﴿ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد، وقال آخرون: إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد.
المسألة الثانية: قال صاحب النظم معنى سبق إذا كان واقعاً على شخص كان معناه أنه جاز وخلف كقولك سبق زيد عمراً، أي جازه وخلفه وراءه، ومعناه أنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان كان بالعكس في ذلك، كقولك: سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه فقوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئخِرُونَ ﴾ معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه، وإذا كان كذلك، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص، وعلمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه، ولما كان تغير صفات الله تعالى أعني القدرة والإرادة والعلم والحكمة ممتنعاً كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعاً.
إذا عرفت هذا فنقول: هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن الصادر من زيد هو الإيمان والطاعة ومن عمرو هو الكفر والمعصية فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما.
فإن قالوا: هذا إنما يلزم لو كان المقتضي لحدوث الكفر والإيمان من زيد وعمرو هو قدرة الله تعالى ومشيئته.
أما إذا قلنا: المقتضى لذلك هو قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك.
قلنا: قدرة زيد وعمرو مشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الإلزام، وإن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له ولضده، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل، وإن كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث ولزم التسلسل، وإن كان هو الله تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص الله تعالى، وحينئذ لا يعود الإلزام.
المسألة الثالثة: دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله، وأن من قال: يجوز أن يموت قبل أجله فمخطئ.
فإن قالوا: هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا ﴾ على الموت أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم.
قلنا: قوله: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا ﴾ إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل، فإن دخل الاستدلال ظاهر لازم وإن لم يدخل فنقول: إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت، فوجب أن يكون الحكم هاهنا كذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَهَا كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُّنذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب.
كتاب ﴿ مَّعْلُومٌ ﴾ مكتوب معلوم، وهو أجلها الذي كتب في اللوح وبين، ألا ترى إلى قوله ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا ﴾ في موضع كتابها، وأنث الأمة أوّلا ثم ذكرها آخراً حملا على اللفظ والمعنى وقال: ﴿ وَمَا يَسْتَأخِرُونَ ﴾ بحذف (عنه) لأنه معلوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ أجْلٌ مُقَدَّرٌ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، والمُسْتَثْنى جُمْلَةٌ واقِعَةٌ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، والأصْلُ أنْ لا تَدْخُلَها الواوُ كَقَوْلِهِ: ﴿ إلا لَها مُنْذِرُونَ ﴾ ولَكِنْ لَمّا شابَهَتْ صُورَتَها الحالُ أُدْخِلَتْ تَأْكِيدًا لِلُصُوقِها بِالمَوْصُوفِ.
﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ أيْ وما يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ، وتَذْكِيرُ ضَمِيرِ أُمَّةٍ فِيهِ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
{مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} في موضع كتابها {وما يستأخرون} أي عنه وحذف لأنه معلوم وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً حملاً على اللفظ والمعنى
ولِما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأُمَمَ المُهْلَكَةَ كانَ لِكُلٍّ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ لَهم كِتابٌ لا يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ ولا التَّأخُّرُ عَنْهُ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ وغَيْرِهِمْ- فَمِن- مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّبْعِيضِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ أجَلَها ﴾ المَكْتُوبُ في كِتابِها أيْ لا يَجِيءُ هَلاكُها قَبْلَ مَجِيءِ كِتابِها أوْ لا تَمْضِي أُمَّةٌ قَبْلَ مُضِيِّ أجَلِها، فَإنَّ السَّبْقَ كَما نَقَلَ الإمامُ عَنِ الخَلِيلِ إذا كانَ واقِعًا عَلى زَمانِي فَمَعْناهُ المُجاوَزَةُ والتَّخْلِيفُ فَإذا قُلْتَ: سَبَقَ زَيْدٌ عَمْرًا فَمَعْناهُ أنَّهُ جاوَزَهُ وخَلَّفَهُ وراءَهُ وأنَّ عَمْرًا قَصْرًا عَنْهُ ولَمْ يَبْلُغْهُ وإذا كانَ واقِعًا عَلى زَمانِهِ كانَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، فَإذا قُلْتَ سَبَقَ فُلانٌ عامَ كَذا كانَ مَعْناهُ مَضى قَبْلَ إتْيانِهِ ولَمْ يَبْلُغْهُ والسِّرُّ في ذَلِكَ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ الزَّمانَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَرَكَةُ والتَّوَجُّهُ فَما سَبَقَهُ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ، وأمّا الزَّمانِيُّ فَإنَّما يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَرَكَةُ والتَّوَجُّهُ إلى ما سَيَأْتِي مِنَ الزَّمانِ فالسّابِقُ ما تَقَدَّمَ إلى المَقْصِدِ، وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الأجَلِ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ السَّبْقِ كَما أنَّ إيرادَهُ بِعُنْوانِ الكِتابِ بِاعْتِبارِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الإهْلاكِ ﴿ وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ أيْ وما يَتَأخَّرُونَ.
وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ بَعْدَ ما ذُكِرَ نَفْيُ الإهْلاكِ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ دَوامِهِما فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والباقِيَةِ، ولَهُ نَظائِرُ في كِتابِ الكَرِيمِ وإسْنادُهُما إلى الأُمَّةِ بَعْدَ إسْنادِ الإهْلاكِ إلى القَرْيَةِ لِما أنَّ السَّبْقَ والِاسْتِئْخارَ حالُ الأُمَّةِ بِدُونِ القَرْيَةِ مَعَ ما في الأُمَّةِ مِنَ العُمُومِ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ، وتَأْخِيرُ عَدَمِ سَبْقِهِمْ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ المُبالِغَةِ في بَيانِ تَحَقُّقِ عَذابِهِمْ إمّا بِاعْتِبارِ تَقَدُّمِ السَّبْقِ في الوُجُودِ وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، وأوْرَدَ الفِعْلَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ رِعايَةً لِمَعْنى ( أُمَّةٍ ) مَعَ التَّغْلِيبِ كَما رُوعِيَ لَفْظُها أوَّلًا مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ ولِهَذا حُذِفَ الجارُّ والمَجْرُورُ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما سَبَقَ ولِذا فُصِلَتْ، والمَعْنى أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ الوِدادَةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ إنَّما هو لِتَأْخِيرِ أجَلِهِمُ المُقَدِّرِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن إيمانِ بَعْضِ مَن يَخْرُجُ مِنهم قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ كُلَّ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ فَإنَّما هو مَيِّتٌ بِأجَلِهِ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الإمامُ.
<div class="verse-tafsir"
مكية، وهي تسعون وتسع آيات.
قال الله عزّ وجلّ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ أي: هذه آيات الكتاب وَقُرْآنٍ مُبِينٍ أي: بيّن حلاله، وحرامه.
والكتاب والقرآن واحد.
وقال قتادة في قوله: وَقُرْآنٍ مُبِينٍ بيّن الله هداه ورشده، وخيره، رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ قرأ نافع وعاصم رُبَما بالتخفيف.
وقرأ الباقون بالتشديد وقال عاصم: قرأت عند زر بن حبيش رُبَما بالتشديد.
فقال: إنك لتحب الرَّب.
وقال: هي رُبَّمَا مخففة، ولكن معناهما واحد.
فالتخفيف لغة بعض العرب، واللغة الظاهرة بالتشديد، أي: ربما يأتي على الكافر يوم يتمنى أنه كان أسلم.
ويقال: أقسم الله بالألف، واللام، والراء، إن هذا القرآن حق، وهو يبين لكم الحق من الباطل.
وأقسم أنه رُبَّ يومٍ يأتي على الكافر يتمنى أنه ليت كان مؤمناً في الدنيا.
يقول الكافر: يا ليتني كنت مؤمناً في الدنيا.
أي: يوم القيامة.
وذلك أن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب، ورأى حالاً من أحوال المسلمين، وَدَّ أن لو كان مسلماً.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «يخرج من النار حين يقال: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
فيتمنى الكافر أن لو كان مؤمناً» ، فذلك قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
وروي حماد بن أبي سليمان قال: سألت إبراهيم النخعي عن هذه الآية.
قال: «نزلت في الكفار، يعيرون أهل التوحيد ويقولون: ما أغنى عنكم إيمانكم، وأنتم معنا، فيغضب الله لهم، فيأمر الله النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد من النار، حتى إن إبليس يتطاول رجاء أن يخرج، ويتمنى الكافر أن لو كان مسلماً في الدنيا» .
قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدثنا محمد بن شوكر.
قال: حدّثنا القاسم قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن يزيد بن صهيب، عن جابر بن عبد الله.
قال: سألته عن الشفاعة.
فقال: «يعذب الله قوماً من أهل الإيمان، ثم يخرجهم منها بشفاعة محمد .
قلت له: فأين قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [المائدة: 37] قال: اقرأ ما قبلها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: 10] الآية.
يعني: إن تلك الآية نزلت في الكفار.
وقال مجاهد: إذا أخرج من النار من قال لا إله إلا الله، فعند ذلك يقولون: يا ليتنا كنا مسلمين، وعن أبي العالية مثله.
ثم قال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا يقول: اتركهم وخلّ عنهم يا محمد في الدنيا يأكلوا ويتمتعوا يَأْكُلُوا كالأنعام، وَيَتَمَتَّعُوا بعيشهم في الدنيا، لا تهمهم الآخرة ولا يعرفون ما في غد وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ يعني: يشغلهم الأمل الطويل عن الطاعة، وعن ذِكْرِ الله تعالى.
ويقال: يشغلهم طول الأمل عن الطاعة، وذكر الأجل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وهذا وعيد لهم، أي يعرفون ما نزل بهم من العذاب والشدة يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة الحجر]
مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عز وجل: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ: قال مجاهد وقتادة:
الْكِتابِ: في الآية: ما نزل من الكُتُب قَبْل القرآن «١» ، ويحتمل أنْ يراد ب الْكِتابِ القرآن: ثم تُعْطَفُ الصفَةُ عليه، و «رُبَّمَا» : للتقليلِ، وقد تجيء شاذَّةً «٢» للتكثير.
وقال قوم: إِن هذه مِنْ ذلك، وأنكر الزَّجَّاج أنْ تجيءَ «رُبَّ» للتكثيرِ، واختلف المتأوِّلون في الوَقْت الذي يَوَدُّ فيه الكفَّار أنْ يكونوا مسلمين، فقالَتْ فرقة: هو عند معاينة المَوْتِ، حَكَى ذلك الضَّحَّاك «٣» ، وقالَتْ فرقة: هو عند معايَنَةِ أهْوَالِ يومِ القيَامَة، وقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو عِنْدَ دخولهم النَّار، ومعرفَتِهِم، بدخولِ المؤمنين الجَنَّة «٤» ، وروي فيه حديث من طريق أبي موسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ أيْ: ما عَذَّبْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ﴿ إلا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لا يُتَقَدَّمُ ولا يُتَأخَّرُ عَنْهُ.
﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها ﴾ " مِن " صِلَةٌ، والمَعْنى: ما تَتَقَدَّمُ وقْتَها الَّذِي قُدِّرَ لَها بُلُوغُهُ، ولا تَسْتَأْخِرُ عَنْهُ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: " أجَلَها " لِأنَّ الأُمَّةَ لَفْظُها مُؤَنَّثٌ، وإنَّما قالَ: ﴿ يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ إخْراجًا لَهُ عَلى مَعْنى الرِّجالِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ "الر"، تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، و"تِلْكَ" يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ بِحَسْبِ بَعْضِ الأقْوالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى الحِكَمِ والعِبَرِ ونَحْوَها الَّتِي تَضَمَّنَتْها آياتُ التَوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَطَفَ القُرْآنَ عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "الكِتابُ" في الآيَةِ ما نَزَلَ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ، ثُمَّ تُعْطَفُ الصِفَةُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: "رُبَما" بِتَخْفِيفِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأها عَلى الوَجْهَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، ورُوِيَ عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ "رُبَّتَما" بِزِيادَةِ التاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ، و"رُبَّما" لِلتَّقْلِيلِ، وقَدْ تَجِيءُ شاذَّةً لِلتَّكْثِيرِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ مِن تِلْكَ، ومِنهُ: رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يابْنَ لُؤَيٍّ.
وأنْكَرُ الزُجاجُ أنْ تَجِيءَ "رُبَّ" لِلتَّكْثِيرِ.
و"ما" الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْها "رُبَّ" قَدْ تَكُونُ اسْمًا نَكِرَةً بِمَنزِلَةِ "شَيْءٍ"، وذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُبَّما تَكْرَهُ النُفُوسُ مِنَ الأُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ التَقْدِيرُ: رُبَّ شَيْءٍ.
وقَدْ تَكُونُ حَرْفًا كافًّا لِـ "رُبَّ" ومُوَطِّئًا لَها لِتَدْخُلَ عَلى الفِعْلِ، إذْ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ تَدَخُّلَ إلّا عَلى الأسْماءِ، وذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ضَمِيرٌ عائِدٌ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُبَّما أوفَيْتُ في عَلَمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْفَعن ثَوْبِي شَمالُاتُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ تَدْخُلَ "ما" عَلى "مِن" كافَّةً في نَحْوِ قَوْلِهِ: "وَكانَ رَسُولُ اللهِ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"، ونَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ قالَ الكِسائِيُّ، والفِراءُ: البابُ في "رُبَّما" أنْ تَدْخُلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي، ودَخَلَتْ هُنا عَلى المُسْتَقْبَلِ إذْ هَذِهِ الأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لَمّا كانَتْ صادِقَةً واقِعَةً ولا بُدَّ تَجْرِي مَجْرى الماضِي الواقِعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَدْخُلُ "رُبِّ" عَلى الماضِي الَّذِي يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وتَدْخُلُ عَلى العَكْسِ.
والظاهِرُ في "رُبَما" في هَذِهِ الآيَةِ أنْ "ما" حَرْفٌ كافٍّ، هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمًا، ويَكُونُ في "يَوَدُّ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ، التَقْدِيرُ: رُبَّ ودٍّ، أو شَيْءٌ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ويَكُونُ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ بَدَلًا مِن "ما".
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: رُبَّما كانَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ، لَأنَّ "كانَ" لا تُضْمَرُ عِنْدَهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الوَقْتِ الَّذِي يَوَدُّ فِيهِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ -فَقالَتْ فَرِقَةٌ: هو عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ في الدُنْيا، حَكى ذَلِكَ الضِحاكُ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لا يَقِينَ لِلْكافِرِ حِينَئِذٍ بِحُسْنِ حالِ المُسْلِمِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عِنْدَ مُعايَنَةِ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا بَيِّنٌ؛ لَأنَّ حُسْنَ حالِ المُسْلِمِينَ ظاهِرٌ فَيُوَدُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ ومَعْرِفَتِهِمْ بِدُخُولِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، واحْتُجَّ لِهَذا القَوْلِ بِحَدِيثٍ رُوِيَ في هَذا مِن طَرِيقِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وهو «أنَّ اللهَ تَعالى إذا أدْخَلَ عُصاةَ المُسْلِمِينَ النارَ نَظَرَ إلَيْهِمُ الكُفّارُ فَقالُوا: ألَيْسَ هَؤُلاءِ مِنَ المُسْلِمِينَ؟
فَماذا أغْنَتْ عنهم لا إلَهَ إلّا اللهُ؟
فَيَغْضَبُ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِمْ، فَيَقُولُ: أخْرَجُوا مِنَ النارِ كُلَّ مُسْلِمٍ؟
قالَ رَسُولُ اللهِ : "فَحِينَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ".» وهَذا يَقِينُهم فِيهِ مُتَمَكِّنٌ بِحُسْنِ حالِ المُسْلِمِينَ، فَمِن حَيْثُ هَذا كُلُّهُ واحِدٌ في كُلِّ قَوْلٍ فَـ "رُبَما" لِلتَّقْلِيلِ، لَأنَّهم كانُوا في الدُنْيا لا يَوَدُّونَ الإسْلامَ في كُلِّ أوقاتِهِمْ، ومِن حَيْثُ مَوْطِنُ الآخِرَةِ يَدُومُ وِدُّهم فِيهِ جَعَلَ بَعْضَ الناسِ "رُبَما" هَذِهِ لِلتَّكْثِيرِ، إذْ كَلَّما تَذَكَّرَ أمْرَهُ ودَّ لَوْ كانَ مُسْلِمًا.
و"لَوَ" في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي لِلتَّمَنِّي، ويَدْخُلُها الِامْتِناعُ مِنَ الشَيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ بِإضْمارٍ يُوَضِّحُهُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهم ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ فَيَنْجَوْنَ النِجاءَ الَّذِي مانِعُهُ أنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنَ العِبَرِ في هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ الوابِصِيِّ الَّذِي في ذَيْلِ الأمالِي، ومُقْتَضاهُ أنَّهُ ارْتَدَّ ونَسِيَ القُرْآنَ إلّا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وما فِيهِ مِنَ المُهادَنَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ ثانٍ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: الأوَّلُ في الدُنْيا، والثانِي في الآخِرَةِ، فَكَيْفَ تَطِيبُ حَياةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الوَعِيدَيْنِ؟
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ ﴾ أيْ يَشْغَلُهم أمَلُهم في الدُنْيا والتَزَيُّدُ فِيها عَنِ النَظَرِ والإيمانِ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها ﴾ الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَبْطِئْنَّ هَلاكَهُمْ، فَلَيْسَ مِن قَرْيَةٍ إلّا مُهْلَكَةٌ بِأجْلٍ وكِتابٍ.
ومَعْنى [مَعْلُومٌ] مَحْدُودٌ، والواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَها" هي واوُ الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إلّا لَها" بِغَيْرِ واوٍ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الواوُ هي الَّتِي تُعْطِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها في اللَفْظِ هي في الزَمانِ قَبْلَ الحالَةِ الَّتِي قَبِلَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض تذييلي لأن في هذه الجملة حكماً يشملهم وهو حكم إمهال الأمم التي حق عليها الهلاك، أي ما أهلكنا أمّة إلا وقد متّعناها زمناً وكان لهلاكها أجل ووقت محدود، فهي ممتعة قبل حلوله، وهي مأخوذة عند إبانه.
وهذا تعريض لتهديد ووعيد مؤيدٌ بتنظيرهم بالمكذبين السالفين.
وإنما ذكر حال القرى التي أهلكت من قبلُ لتذكير هؤلاء بسنّة الله في إمهال الظالمين لئلا يغرّهم ما هم فيه من التمتع فيحسبوا أنهم أفلتوا من الوعيد.
وهذا تهديد لا يقتضي أن المشركين قدر الله أجلاً لهلاكهم، فإن الله لم يستأصلهم ولكن هدى كثيراً منهم إلى الإسلام بالسيف وأهلك سادتهم يوم بدر.
والقَرْية: المدينة.
وتقدمت عند قوله تعالى: ﴿ أو كالذي مرّ على قرية ﴾ في سورة البقرة (259).
والكتاب: القَدَر المحدود عند الله.
شبّه بالكتاب في أنه لا يقبل الزيادة والنقص.
وهو معلوم عند الله، لا يضلّ ربي ولا ينسى.
وجملة ولها كتاب معلوم } في موضع الحال، وكفاك علماً على ذلك اقترانها بالواو فهي استثناء من عموم أحوال، وصاحب الحال هو ﴿ قرية ﴾ وهو وإن كان نكرة فإن وقوعها في سياق النفي سوّغ مجيء الحال منه كما سوّغ العموم صحة الإخبار عن النكرة.
وجملة ﴿ ما تسبق من أمةٍ أجلها ﴾ بيان لجملة ﴿ ولها كتاب معلوم ﴾ لبيان فائدة التحديد: أنه عدم المجاوزة بدءاً ونهاية.
ومعنى (تسبق أجلها) تفوته، أي تُعْدم قبل حلوله، شبّه ذلك بالسبق.
و ﴿ يستأخرون ﴾ : يتأخرون.
فالسين والتاء للتأكيد.
وأنّث مفرداً ضمير الأمّة مرة مراعاة للفظ، وجُمع مذكراً مراعاة للمعنى.
وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ للعلم به، أي وما يستأخرون عنه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ يَعْنِي مِن أهْلِ قَرْيَةٍ.
﴿ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أجَلٌ مُقَدَّرٌ.
الثّانِي: فَرْضٌ مَحْتُومٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَتَقَدَّمُ هَلاكُهم عَنْ أجَلِهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ.
الثّانِي: لا يَمُوتُونَ قَبْلَ العَذابِ فَيَسْتَرِيحُوا، ولا يَتَأخَّرُ عَنْهم فَيَسْلَمُوا.
وَقالَ الحَسَنُ فِيهِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: ما سَبَقَ مِن أُمَّةٍ رَسُولُها وكِتابُها فَتُعَذَّبَ قَبْلَهُما ولا يَسْتَأْخِرُ الرَّسُولُ والكِتابُ عَنْها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ قال: أجل معلوم، وفي قوله: ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ قال: لا مستأخر بعده.
وأخرج ابن جرير عن الزهري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ قال: نرى أنه إذا حضر أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدم.
وأما ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ (من) زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد، ﴿ أَجَلَهَا ﴾ : ما ضرب لها من الوقت، قال ابن عباس: يريد ما تتقدم الوقت الذي وُقت لها، ﴿ وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ : لا يتأخرون عنه، وهذا كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ وقد مرَّ.
قال صاحب النظم: معنى سَبَقَ إذا كان واقعًا على شخص، جاز وخَلّف، كقولك: سبق زيدٌ عمرًا، أي جاره وخلّفه وراءه فاستأخر، معناه قصر عنه ولم يبلغه، وإذا كان واقعًا على زمان كان بالعكس من هذا؛ كقولك: سبق فلانٌ الحولَ وعامَ كذا، أي مضى قبل إتيانه ولم يبلغه، ومعنى: استأخر عنه، أي: جارُه وخلّفه وراءه، فقوله: ﴿ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا ﴾ أي لا تقصر عنه فلا تبلغه؛ بأن تهلك قبل بلوغ الأجل ﴿ وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ أي ما يتجاوزونه ويتأخر الأجل عنهم.
وقال الفراء في هذه الآية: لم يقل: تستأخر؛ لأن الأمة لفظها مؤنث، فأخرج أول الكلام على تأنيثها وآخره على معنى الرجال (١) (٢) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 84 بنصه.
(٢) لم أقف على قوله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ يحتمل أن يريد بالكتاب الكتب المتقدمة، وعطف القرآن عليها، والظاهر أنه القرآن وعطفه عطف الصفات ﴿ رُّبَمَا ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد وهما لغتان.
وما حرف كافة لرب، ومعنى رب التقليل، وقد تكون للتكثير، وقيل: إن هذه منه، وقيل: إنما عبر عن التكثير بأداة التقليل كقوله: ﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء ﴾ [البقرة: 144]، و ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ [النور: 64]، وقيل إن معنى التقليل في هذه أنهم لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لوجب أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه مراراً كثيرة، ولا تدخل إلا على الماضي ﴿ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ قيل: إن ذلك عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج عصاة المسلمين من النار، وهذا هو الأرجح لحديث روي في ذلك ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ وما بعده تهديد ﴿ كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ أي وقت محدود.
<div class="verse-tafsir"
لا يأتي أمة من الأمم هلاكها قبل أن يحين أجلها، ولا يتأخر عنها الهلاك إذا حان أجلها، فعلى الظالمين ألا يغتروا بإمهال الله لهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.wLm7R"