الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٦ من سورة الحجر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 28 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم وعنادهم في قولهم : ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) أي : الذي يدعي ذلك ( إنك لمجنون ) أي : في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا .
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون لك من قومك يا محمد ( يَا أَيُّهَا الَّذِي نـزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ) وهو القرآن الذي ذكر الله فيه مواعظ خلقه ( إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) في دعائك إيانا إلى أن نتَّبعك ، ونذر آلهتنا.
قاله كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم على جهة الاستهزاء .
أي: وقال المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم استهزاء وسخرية: { يا أيها الذي نزل عليه الذكر } على زعمك { إنك لمجنون } إذ تظن أنا سنتبعك ونترك ما وجدنا عليه آباءنا لمجرد قولك.
( وقالوا ) يعني : مشركي مكة ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) أي : القرآن ، وأرادوا به محمدا صلى الله عليه وسلم ( إنك لمجنون ) وذكروا تنزيل الذكر على سبيل الاستهزاء .
«وقالوا» أي كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم «يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر» القرآن في زعمه «إنك لمجنون».
وقال المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم استهزاءً: يا أيها الذي نُزِّل عليه القرآن إنك لذاهب العقل، هلا تأتينا بالملائكة -إن كنت صادقًا-؛ لتشهد أن الله أرسلك.
ثم حكى - سبحانه - سوء أدب هؤلاء الكافرين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - ( وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) والقائلون هم بعض مشركى قريش .
قال مقاتل : نزلت الآيتان فى عبد الله بن أمية ، والنضر بن الحارث ، ونوفل بن خويلد ، والوليد بن المغيرة .والمراد بالذكر : القرآن الكريم .
قال - تعالى - ( وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ) و ( مجنون ) : اسم مفعول من الجنون ، وهو فساد العقل .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ أتبعه بما يؤكد الزجر وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ ﴾ في الهلاك والعذاب وإنما يقع فيه التقديم والتأخير فالذين تقدموا كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلاً، والذين تأخروا كان وقت هلاكهم في الكتاب مؤخراً وذلك نهاية في الزجر والتحذير.
المسألة الثانية: قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان الله ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم، وقال آخرون: المراد بهذا الهلاك الموت.
قال القاضي: والأقرب ما تقدم، لأنه في الزجر أبلغ، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر، فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وقال قوم آخرون: المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول عذاب الاستئصال ونزول الموت، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكاً، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معاً.
المسألة الثالثة: قال الفراء: لو لم تكن الواو مذكورة في قوله: ﴿ وَلَهَا كتاب ﴾ كان صواباً كما في آية أخرى وهي قوله: ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ﴾ وهو كما تقول: ما رأيت أحداً إلا وعليه ثياب وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب.
أما قوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئخِرُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: من في قوله: ﴿ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد، وقال آخرون: إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد.
المسألة الثانية: قال صاحب النظم معنى سبق إذا كان واقعاً على شخص كان معناه أنه جاز وخلف كقولك سبق زيد عمراً، أي جازه وخلفه وراءه، ومعناه أنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان كان بالعكس في ذلك، كقولك: سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه فقوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئخِرُونَ ﴾ معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه، وإذا كان كذلك، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص، وعلمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه، ولما كان تغير صفات الله تعالى أعني القدرة والإرادة والعلم والحكمة ممتنعاً كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعاً.
إذا عرفت هذا فنقول: هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن الصادر من زيد هو الإيمان والطاعة ومن عمرو هو الكفر والمعصية فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما.
فإن قالوا: هذا إنما يلزم لو كان المقتضي لحدوث الكفر والإيمان من زيد وعمرو هو قدرة الله تعالى ومشيئته.
أما إذا قلنا: المقتضى لذلك هو قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك.
قلنا: قدرة زيد وعمرو مشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الإلزام، وإن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له ولضده، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل، وإن كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث ولزم التسلسل، وإن كان هو الله تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص الله تعالى، وحينئذ لا يعود الإلزام.
المسألة الثالثة: دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله، وأن من قال: يجوز أن يموت قبل أجله فمخطئ.
فإن قالوا: هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا ﴾ على الموت أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم.
قلنا: قوله: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا ﴾ إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل، فإن دخل الاستدلال ظاهر لازم وإن لم يدخل فنقول: إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت، فوجب أن يكون الحكم هاهنا كذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرأ الأعمش: ﴿ يا أيها الذي ألقي عليه الذكر ﴾ ، وكأن هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء: 27] وكيف يقرّون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون.
والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم مذهب واسع.
وقد جاء في كتاب الله في مواضع، منها ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21] ، ﴿ إِنَّك لأَنت الحليم الرشيد ﴾ [هود: 87] وقد يوجد كثيراً في كلام العجم، والمعنى: إنك لتقول قول المجانين حين تدعي أنّ الله نزل عليك الذكر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ أجْلٌ مُقَدَّرٌ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، والمُسْتَثْنى جُمْلَةٌ واقِعَةٌ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، والأصْلُ أنْ لا تَدْخُلَها الواوُ كَقَوْلِهِ: ﴿ إلا لَها مُنْذِرُونَ ﴾ ولَكِنْ لَمّا شابَهَتْ صُورَتَها الحالُ أُدْخِلَتْ تَأْكِيدًا لِلُصُوقِها بِالمَوْصُوفِ.
﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ أيْ وما يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ، وتَذْكِيرُ ضَمِيرِ أُمَّةٍ فِيهِ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
{وقالوا} أي الكفار {يا أيها الذى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر} أي القرآن {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} يعنون محمداً عليه السلام وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء كما قال فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم سائغ ومنه فبشرهم بعذاب أليم إنك لأنت
الحليم الرشيد والمعنى انك
الحجر (٧ _ ١٤)
لنقول قول المجانين حيث تدعى أن الله نزل عليك الذكر
﴿ وقالُوا ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِهِمْ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ المُتَضَمِّنُ لِلْكُفْرِ بِهِ وبَيانِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهُمْ، والقائِلُ أهْلُ مَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، والنَّضِرِ بْنِ الحَرْثِ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ : ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ أيِ القُرْآنُ، وخاطَبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ لا يَعْتَقِدُونَ نُزُولَ شَيْءٍ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا وإشْعارًا بِعِلَّةِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ يَعْنُونَ يا مَن يَدَّعِي مِثْلَ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الخارِقِ لِلْعادَةِ إنَّكَ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّعْوى مُتَحَقِّقٌ جُنُونُكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَسْمَعُ مِنهُ كَلامًا يَسْتَبْعِدُهُ: أنْتَ مَجْنُونٌ، وقِيلَ: حُكْمُهم هَذا لِما يَظْهَرُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شِبْهِ الغَشْيِ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِالقُرْآنِ، والأوَّلُ عَلى ما قِيلَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَقُولَ الجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ دُونَ النِّداءِ أمّا هو فَمِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَبْرِئَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رَدٌّ لِإنْكارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى هَذا رَدٌّ لِما عَنَوْهُ في ضِمْنِ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ لَكِنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ الكُلِّ كَلامَهم.
وقَدْ سَبَقَهم إلى نَظِيرِهِ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِقَوْلِهِ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى نائِبِ الفاعِلِ كَما قِيلَ لِأنَّ إنْكارَهم مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِ النّازِلِ ذِكْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا إلى كَوْنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ النّازِلِ مِنهُ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ فَإنَّ الإنْكارَ هُناكَ مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وإيرادُ الفِعْلِ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِإيهامِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ أوْ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِ لا إلى إسْنادِهِ إلى الفاعِلِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَ عَلَيْهِ الذَّكَرُ بِتَخْفِيفِ ( نُزِّلَ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ورُفِعَ ( الذِّكْرُ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقُرِئَ «يا أيُّها الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ».
قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ القِراءَةُ تَفْسِيرًا لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ <div class="verse-tafsir"
مكية، وهي تسعون وتسع آيات.
قال الله عزّ وجلّ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ أي: هذه آيات الكتاب وَقُرْآنٍ مُبِينٍ أي: بيّن حلاله، وحرامه.
والكتاب والقرآن واحد.
وقال قتادة في قوله: وَقُرْآنٍ مُبِينٍ بيّن الله هداه ورشده، وخيره، رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ قرأ نافع وعاصم رُبَما بالتخفيف.
وقرأ الباقون بالتشديد وقال عاصم: قرأت عند زر بن حبيش رُبَما بالتشديد.
فقال: إنك لتحب الرَّب.
وقال: هي رُبَّمَا مخففة، ولكن معناهما واحد.
فالتخفيف لغة بعض العرب، واللغة الظاهرة بالتشديد، أي: ربما يأتي على الكافر يوم يتمنى أنه كان أسلم.
ويقال: أقسم الله بالألف، واللام، والراء، إن هذا القرآن حق، وهو يبين لكم الحق من الباطل.
وأقسم أنه رُبَّ يومٍ يأتي على الكافر يتمنى أنه ليت كان مؤمناً في الدنيا.
يقول الكافر: يا ليتني كنت مؤمناً في الدنيا.
أي: يوم القيامة.
وذلك أن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب، ورأى حالاً من أحوال المسلمين، وَدَّ أن لو كان مسلماً.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «يخرج من النار حين يقال: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
فيتمنى الكافر أن لو كان مؤمناً» ، فذلك قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
وروي حماد بن أبي سليمان قال: سألت إبراهيم النخعي عن هذه الآية.
قال: «نزلت في الكفار، يعيرون أهل التوحيد ويقولون: ما أغنى عنكم إيمانكم، وأنتم معنا، فيغضب الله لهم، فيأمر الله النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد من النار، حتى إن إبليس يتطاول رجاء أن يخرج، ويتمنى الكافر أن لو كان مسلماً في الدنيا» .
قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدثنا محمد بن شوكر.
قال: حدّثنا القاسم قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن يزيد بن صهيب، عن جابر بن عبد الله.
قال: سألته عن الشفاعة.
فقال: «يعذب الله قوماً من أهل الإيمان، ثم يخرجهم منها بشفاعة محمد .
قلت له: فأين قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [المائدة: 37] قال: اقرأ ما قبلها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: 10] الآية.
يعني: إن تلك الآية نزلت في الكفار.
وقال مجاهد: إذا أخرج من النار من قال لا إله إلا الله، فعند ذلك يقولون: يا ليتنا كنا مسلمين، وعن أبي العالية مثله.
ثم قال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا يقول: اتركهم وخلّ عنهم يا محمد في الدنيا يأكلوا ويتمتعوا يَأْكُلُوا كالأنعام، وَيَتَمَتَّعُوا بعيشهم في الدنيا، لا تهمهم الآخرة ولا يعرفون ما في غد وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ يعني: يشغلهم الأمل الطويل عن الطاعة، وعن ذِكْرِ الله تعالى.
ويقال: يشغلهم طول الأمل عن الطاعة، وذكر الأجل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وهذا وعيد لهم، أي يعرفون ما نزل بهم من العذاب والشدة يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة الحجر]
مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عز وجل: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ: قال مجاهد وقتادة:
الْكِتابِ: في الآية: ما نزل من الكُتُب قَبْل القرآن «١» ، ويحتمل أنْ يراد ب الْكِتابِ القرآن: ثم تُعْطَفُ الصفَةُ عليه، و «رُبَّمَا» : للتقليلِ، وقد تجيء شاذَّةً «٢» للتكثير.
وقال قوم: إِن هذه مِنْ ذلك، وأنكر الزَّجَّاج أنْ تجيءَ «رُبَّ» للتكثيرِ، واختلف المتأوِّلون في الوَقْت الذي يَوَدُّ فيه الكفَّار أنْ يكونوا مسلمين، فقالَتْ فرقة: هو عند معاينة المَوْتِ، حَكَى ذلك الضَّحَّاك «٣» ، وقالَتْ فرقة: هو عند معايَنَةِ أهْوَالِ يومِ القيَامَة، وقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو عِنْدَ دخولهم النَّار، ومعرفَتِهِم، بدخولِ المؤمنين الجَنَّة «٤» ، وروي فيه حديث من طريق أبي موسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ أيْ: ما عَذَّبْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ﴿ إلا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لا يُتَقَدَّمُ ولا يُتَأخَّرُ عَنْهُ.
﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها ﴾ " مِن " صِلَةٌ، والمَعْنى: ما تَتَقَدَّمُ وقْتَها الَّذِي قُدِّرَ لَها بُلُوغُهُ، ولا تَسْتَأْخِرُ عَنْهُ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: " أجَلَها " لِأنَّ الأُمَّةَ لَفْظُها مُؤَنَّثٌ، وإنَّما قالَ: ﴿ يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ إخْراجًا لَهُ عَلى مَعْنى الرِّجالِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ "الر"، تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، و"تِلْكَ" يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ بِحَسْبِ بَعْضِ الأقْوالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى الحِكَمِ والعِبَرِ ونَحْوَها الَّتِي تَضَمَّنَتْها آياتُ التَوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَطَفَ القُرْآنَ عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "الكِتابُ" في الآيَةِ ما نَزَلَ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ، ثُمَّ تُعْطَفُ الصِفَةُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: "رُبَما" بِتَخْفِيفِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأها عَلى الوَجْهَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، ورُوِيَ عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ "رُبَّتَما" بِزِيادَةِ التاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ، و"رُبَّما" لِلتَّقْلِيلِ، وقَدْ تَجِيءُ شاذَّةً لِلتَّكْثِيرِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ مِن تِلْكَ، ومِنهُ: رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يابْنَ لُؤَيٍّ.
وأنْكَرُ الزُجاجُ أنْ تَجِيءَ "رُبَّ" لِلتَّكْثِيرِ.
و"ما" الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْها "رُبَّ" قَدْ تَكُونُ اسْمًا نَكِرَةً بِمَنزِلَةِ "شَيْءٍ"، وذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُبَّما تَكْرَهُ النُفُوسُ مِنَ الأُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ التَقْدِيرُ: رُبَّ شَيْءٍ.
وقَدْ تَكُونُ حَرْفًا كافًّا لِـ "رُبَّ" ومُوَطِّئًا لَها لِتَدْخُلَ عَلى الفِعْلِ، إذْ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ تَدَخُّلَ إلّا عَلى الأسْماءِ، وذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ضَمِيرٌ عائِدٌ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُبَّما أوفَيْتُ في عَلَمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْفَعن ثَوْبِي شَمالُاتُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ تَدْخُلَ "ما" عَلى "مِن" كافَّةً في نَحْوِ قَوْلِهِ: "وَكانَ رَسُولُ اللهِ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"، ونَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ قالَ الكِسائِيُّ، والفِراءُ: البابُ في "رُبَّما" أنْ تَدْخُلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي، ودَخَلَتْ هُنا عَلى المُسْتَقْبَلِ إذْ هَذِهِ الأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لَمّا كانَتْ صادِقَةً واقِعَةً ولا بُدَّ تَجْرِي مَجْرى الماضِي الواقِعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَدْخُلُ "رُبِّ" عَلى الماضِي الَّذِي يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وتَدْخُلُ عَلى العَكْسِ.
والظاهِرُ في "رُبَما" في هَذِهِ الآيَةِ أنْ "ما" حَرْفٌ كافٍّ، هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمًا، ويَكُونُ في "يَوَدُّ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ، التَقْدِيرُ: رُبَّ ودٍّ، أو شَيْءٌ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ويَكُونُ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ بَدَلًا مِن "ما".
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: رُبَّما كانَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ، لَأنَّ "كانَ" لا تُضْمَرُ عِنْدَهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الوَقْتِ الَّذِي يَوَدُّ فِيهِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ -فَقالَتْ فَرِقَةٌ: هو عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ في الدُنْيا، حَكى ذَلِكَ الضِحاكُ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لا يَقِينَ لِلْكافِرِ حِينَئِذٍ بِحُسْنِ حالِ المُسْلِمِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عِنْدَ مُعايَنَةِ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا بَيِّنٌ؛ لَأنَّ حُسْنَ حالِ المُسْلِمِينَ ظاهِرٌ فَيُوَدُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ ومَعْرِفَتِهِمْ بِدُخُولِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، واحْتُجَّ لِهَذا القَوْلِ بِحَدِيثٍ رُوِيَ في هَذا مِن طَرِيقِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وهو «أنَّ اللهَ تَعالى إذا أدْخَلَ عُصاةَ المُسْلِمِينَ النارَ نَظَرَ إلَيْهِمُ الكُفّارُ فَقالُوا: ألَيْسَ هَؤُلاءِ مِنَ المُسْلِمِينَ؟
فَماذا أغْنَتْ عنهم لا إلَهَ إلّا اللهُ؟
فَيَغْضَبُ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِمْ، فَيَقُولُ: أخْرَجُوا مِنَ النارِ كُلَّ مُسْلِمٍ؟
قالَ رَسُولُ اللهِ : "فَحِينَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ".» وهَذا يَقِينُهم فِيهِ مُتَمَكِّنٌ بِحُسْنِ حالِ المُسْلِمِينَ، فَمِن حَيْثُ هَذا كُلُّهُ واحِدٌ في كُلِّ قَوْلٍ فَـ "رُبَما" لِلتَّقْلِيلِ، لَأنَّهم كانُوا في الدُنْيا لا يَوَدُّونَ الإسْلامَ في كُلِّ أوقاتِهِمْ، ومِن حَيْثُ مَوْطِنُ الآخِرَةِ يَدُومُ وِدُّهم فِيهِ جَعَلَ بَعْضَ الناسِ "رُبَما" هَذِهِ لِلتَّكْثِيرِ، إذْ كَلَّما تَذَكَّرَ أمْرَهُ ودَّ لَوْ كانَ مُسْلِمًا.
و"لَوَ" في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي لِلتَّمَنِّي، ويَدْخُلُها الِامْتِناعُ مِنَ الشَيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ بِإضْمارٍ يُوَضِّحُهُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهم ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ فَيَنْجَوْنَ النِجاءَ الَّذِي مانِعُهُ أنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنَ العِبَرِ في هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ الوابِصِيِّ الَّذِي في ذَيْلِ الأمالِي، ومُقْتَضاهُ أنَّهُ ارْتَدَّ ونَسِيَ القُرْآنَ إلّا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وما فِيهِ مِنَ المُهادَنَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ ثانٍ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: الأوَّلُ في الدُنْيا، والثانِي في الآخِرَةِ، فَكَيْفَ تَطِيبُ حَياةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الوَعِيدَيْنِ؟
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ ﴾ أيْ يَشْغَلُهم أمَلُهم في الدُنْيا والتَزَيُّدُ فِيها عَنِ النَظَرِ والإيمانِ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها ﴾ الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَبْطِئْنَّ هَلاكَهُمْ، فَلَيْسَ مِن قَرْيَةٍ إلّا مُهْلَكَةٌ بِأجْلٍ وكِتابٍ.
ومَعْنى [مَعْلُومٌ] مَحْدُودٌ، والواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَها" هي واوُ الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إلّا لَها" بِغَيْرِ واوٍ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الواوُ هي الَّتِي تُعْطِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها في اللَفْظِ هي في الزَمانِ قَبْلَ الحالَةِ الَّتِي قَبِلَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض تذييلي لأن في هذه الجملة حكماً يشملهم وهو حكم إمهال الأمم التي حق عليها الهلاك، أي ما أهلكنا أمّة إلا وقد متّعناها زمناً وكان لهلاكها أجل ووقت محدود، فهي ممتعة قبل حلوله، وهي مأخوذة عند إبانه.
وهذا تعريض لتهديد ووعيد مؤيدٌ بتنظيرهم بالمكذبين السالفين.
وإنما ذكر حال القرى التي أهلكت من قبلُ لتذكير هؤلاء بسنّة الله في إمهال الظالمين لئلا يغرّهم ما هم فيه من التمتع فيحسبوا أنهم أفلتوا من الوعيد.
وهذا تهديد لا يقتضي أن المشركين قدر الله أجلاً لهلاكهم، فإن الله لم يستأصلهم ولكن هدى كثيراً منهم إلى الإسلام بالسيف وأهلك سادتهم يوم بدر.
والقَرْية: المدينة.
وتقدمت عند قوله تعالى: ﴿ أو كالذي مرّ على قرية ﴾ في سورة البقرة (259).
والكتاب: القَدَر المحدود عند الله.
شبّه بالكتاب في أنه لا يقبل الزيادة والنقص.
وهو معلوم عند الله، لا يضلّ ربي ولا ينسى.
وجملة ولها كتاب معلوم } في موضع الحال، وكفاك علماً على ذلك اقترانها بالواو فهي استثناء من عموم أحوال، وصاحب الحال هو ﴿ قرية ﴾ وهو وإن كان نكرة فإن وقوعها في سياق النفي سوّغ مجيء الحال منه كما سوّغ العموم صحة الإخبار عن النكرة.
وجملة ﴿ ما تسبق من أمةٍ أجلها ﴾ بيان لجملة ﴿ ولها كتاب معلوم ﴾ لبيان فائدة التحديد: أنه عدم المجاوزة بدءاً ونهاية.
ومعنى (تسبق أجلها) تفوته، أي تُعْدم قبل حلوله، شبّه ذلك بالسبق.
و ﴿ يستأخرون ﴾ : يتأخرون.
فالسين والتاء للتأكيد.
وأنّث مفرداً ضمير الأمّة مرة مراعاة للفظ، وجُمع مذكراً مراعاة للمعنى.
وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ للعلم به، أي وما يستأخرون عنه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ يَعْنِي مِن أهْلِ قَرْيَةٍ.
﴿ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أجَلٌ مُقَدَّرٌ.
الثّانِي: فَرْضٌ مَحْتُومٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَتَقَدَّمُ هَلاكُهم عَنْ أجَلِهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ.
الثّانِي: لا يَمُوتُونَ قَبْلَ العَذابِ فَيَسْتَرِيحُوا، ولا يَتَأخَّرُ عَنْهم فَيَسْلَمُوا.
وَقالَ الحَسَنُ فِيهِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: ما سَبَقَ مِن أُمَّةٍ رَسُولُها وكِتابُها فَتُعَذَّبَ قَبْلَهُما ولا يَسْتَأْخِرُ الرَّسُولُ والكِتابُ عَنْها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ قال: أجل معلوم، وفي قوله: ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ قال: لا مستأخر بعده.
وأخرج ابن جرير عن الزهري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ قال: نرى أنه إذا حضر أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدم.
وأما ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ أي: القرآن، قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا استهزاء منهم لو أيقنوا أنه نزل عليه الذكر ما قالوا: إنك لمجنون (١) ﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ .
وذكر أبو علي وجهًا آخر هو لأصحاب المعاني فقال: الذين يقولون للنبيّ مجنون لا يقرون بإنزال الذكر عليه، فهذا على ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ : عنده وعند من تبعه، كما قال تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ أي عند نفسك، وكما أخبر عن السحرة، ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ ومن آمن من السحرة لا يعتقدون فيه أنه ساحر، وإنما التقدير (٢) (٣) أبْلِغْ كُلَيْبًا وأَبْلِغْ عَنْك شَاعِرَها ...
أنَّي الأغَرُّ وأنِّي زهرةُ اليَمَنِ (٤) (وأجابه جرير: ألَمْ يَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بِهَا ...
مَنْ حانَ موعظةً يازهرةَ اليَمنِ) (٥) (٦) يعني: عند نفسك، لا أنه سَلَّم (٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ يقال: جُنّ فلان فهو مجنون، وقد أجَنّه الله، وبه جنون وجِنّة ومَجِنّة، وأصله من الستر، ومنه قيل للنبت الملتف مجنون؛ لأن بعضَه يستر بعضًا (٨) (١) "تفسير ابن الجوزي" 4/ 383، وورد بمعناه غير منسوب في "تفسير البيغوي" 4/ 369، والزمخشري 2/ 310، والفخر الرازي 19/ 158، و"تفسير القرطبي" 9/ 4.
(٢) من قوله: (ادع لنا ربك) حتى هذا الموضع، ساقط من (أ)، (د).
(٣) وفي الخصائص أنه لبعض اليمانية، ولم أقف عليه.
(٤) ورد البيت في "المسائل الحلبية" ص 82، 161، "الخصائص" 2/ 461، "سر صناعة الإعراب" 1/ 405، "تفسير ابن عطية" 13/ 287، أبي حيان 8/ 40، "الدر المصون" 9/ 629، وبلا نسبة في "المسائل العسكرية" ص 94.
(٥) "ديوان جرير" ص 467، وليس فيه الشاهد لأنه برواية (ياحارث اليمن)، وورد في "المسائل الحلبية" ص 82، 162، "المسائل العسكرية" ص 94، "الخصائص" 2/ 461، "سر صناعة الإعراب" 1/ 405، "تفسير ابن عطية" 13/ 287، أبي حيان 8/ 40، "الدر المصون" 9/ 629، وفي الأخيرين برواية (كان) بدل (حان)، (وسوم) جمع وسم، وهو أثر الكي بالنار، والمراد الأثر السيء الناتج عن هجائه، (حان) أي هلك.
ومعناه: ألم تكن لك موعظة في الشعر الذي هجوتك به من قبل فكان كالنار التي أكويك بها وأقضي عليك يا من تسمي نفسك زهرة اليمن، والشاهد: قوله: (يا زهرة اليمن) أي: يا من سمى نفسه زهرة اليمن، ولست عندي كذلك.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
(٧) في جميع النسخ: (سلمه) وقد أدى إلى اضطراب المعنى، والمثبت هو الصحيح، ولعله من تصحيف النساخ.
(٨) "جمهرة اللغة" 1/ 92، و (جنن) في: "لمحيط في اللغة" 6/ 409، "الصحاح" 5/ 2093.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ يحتمل أن يريد بالكتاب الكتب المتقدمة، وعطف القرآن عليها، والظاهر أنه القرآن وعطفه عطف الصفات ﴿ رُّبَمَا ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد وهما لغتان.
وما حرف كافة لرب، ومعنى رب التقليل، وقد تكون للتكثير، وقيل: إن هذه منه، وقيل: إنما عبر عن التكثير بأداة التقليل كقوله: ﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء ﴾ [البقرة: 144]، و ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ [النور: 64]، وقيل إن معنى التقليل في هذه أنهم لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لوجب أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه مراراً كثيرة، ولا تدخل إلا على الماضي ﴿ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ قيل: إن ذلك عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج عصاة المسلمين من النار، وهذا هو الأرجح لحديث روي في ذلك ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ وما بعده تهديد ﴿ كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ أي وقت محدود.
<div class="verse-tafsir"
وقال الكفار من أهل مكة للرسول : يا أيها الذي نزل عليه - كما يدعي - الذكر إنك بدعواك هذه لمجنون تتصرف تصرف المجانين.
<div class="verse-tafsir" id="91.gdjL3"