تفسير الآية ٦١ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٦١ من سورة الحجر

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ ٦١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦١ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه فدخلوا عليه داره.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فلما أتى رسلُ الله آل لوط ، أنكرهم لوط فلم يعرفهم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا يوجد تفسير لهذه الأية

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 61 و 62 :ـ { فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَالَ } لهم لوط { إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } أي: لا أعرفكم ولا أدري من أنتم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"فلما جاء آل لوط المرسلون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما جاء آل لوط» أي لوطا «المرسلون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما وصل الملائكة المرسلون إلى لوط، قال لهم: إنكم قوم غير معروفين لي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الآلوسى : وقوله - تعالى - ( فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون ) شروع فى بيان إهلاك المجرمين ، وتنجية آل لوط .

ووضع الظاهر موضع الضمير ، للإِيذان بأن مجيئهم لتحقيق ما أرسلوا به من ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ سؤال عما لأجله أرسلهم الله تعالى، والخطب والشأن والأمر سواء: إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال.

فإن قيل: إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ذلك: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون ﴾ .

قلنا: فيه وجوه: الأول: قال الأصم: معناه ما الأمر الذي توجهتم له سوى البشرى.

الثاني: قال القاضي: إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال البشارة لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلما رأى جمعاً من الملائكة علم أن لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم قال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون ﴾ .

الثالث: يمكن أن يقال إنهم قالوا: إنا نبشرك بغلام عليم.

في معرض إزالة الخوف والوجل، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف قالوا له: ﴿ لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم  ﴾ ولو كان تمام المقصود من المجيء هو ذكر تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض فقال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون ﴾ .

ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ وإنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم وأيضاً فقولهم: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه.

فإن قيل: قوله: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ هل هو استثناء منقطع أو متصل؟

قلنا: قال صاحب الكشاف: إن كان هذا الاستثناء استثناء من (قوم) كان منقطعاً، لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين، فاختلف الجنسان، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعاً.

وإن كان استثناء من الضمير في (مجرمين) كان متصلاً كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال: ﴿ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ المسلمين  ﴾ ثم قال صاحب الكشاف: ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين، وذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، لأن على هذا التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلاً، وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء، وأما قوله: ﴿ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائي ﴿ منجوهم ﴾ خفيفة، والباقون مشددة وهما لغتان.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ قال صاحب الكشاف: هذا استثناء من الضمير المجرور في قوله: ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ وليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء، لأن الاستثناء من الإستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، كما لو قيل: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته، وكما لو قال: المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين إلا واحدة، وكما إذا قال: المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان، لأن قوله: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ أو بقوله: ﴿ مُّجْرِمِينَ ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ قد تعلق بقوله: ﴿ منجوهم ﴾ فكيف يكون هذا استثناء من استثناء.

وأما قوله: ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره.

يقال: قدر هذا الشيء بهذا أي اجعله على مقداره، وقدر الله تعالى الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء، فقال: قضى الله عليه كذا، وقدره عليه أي جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى: ﴿ قَدَّرْنَآ ﴾ كتبنا.

قال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا، والكل متقارب.

المسألة الثانية: قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ قَدَّرْنَآ ﴾ بتخفيف الدال هاهنا وفي النمل.

وقرى الباقون فيهما بالتشديد.

قال الواحدي يقال: قدرت الشيء وقدرته، ومنه قراءة ابن كثير: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت  ﴾ خفيفاً، وقراءة الكسائي: ﴿ والذى قَدَّرَ فهدى ﴾ ثم قال: والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً لقوله تعالى؛ ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها  ﴾ وقوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً  ﴾ .

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله تعالى، ولم لم يقولوا: قدر الله تعالى؟

والجواب: إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هاهنا.

والله أعلم.

المسألة الرابعة: قوله؛ ﴿ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين ﴾ في موضع مفعول التقدير قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون.

ولا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت قوله تعالى: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ استثناء متصل أو منقطع؟

قلت، لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم، فيكون منقطعاً؛ لأنّ القوم موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان وأن يكون استثناء من الضمير في مجرمين، فيكون متصلاً، كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، كما قال ﴿ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ المسلمين ﴾ [الذاريات: 36] .

فإن قلت: فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟

قلت: نعم، وذلك أنّ آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً.

ومعنى إرسالهم إلى القوم المجرمين، كإرسال الحجر أو السهم إلى المرميّ.

في أنه في معنى التعذيب والإهلاك، كأنه قيل: إنا أهلكنا قوماً مجرمين، ولكن آل لوط أنجيناهم.

وأمّا في المتصل فهم داخلون في حكم الإرسال، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء، فلا يكون الإرسال مخلصاً بمعنى الإهلاك والتعذيب كما في الوجه الأوّل.

فإن قلت: فقوله ﴿ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ بم يتعلق على الوجهين؟

قلت: إذا انقطع الاستثناء جرى مجرى خبر (لكنّ) في الاتصال بآل لوط، لأنّ المعنى.

لكن آل لوط منجون، وإذا اتصل كان كلاماً مستأنفاً، كأنّ إبراهيم عليه السلام قال لهم فما حال آل لوط، فقالوا: إنا لمنجوهم.

فإن قلت: فقوله: ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ ممّ استثني؛ وهل هو استثناء من استثناء؟

قلت: استثنى من الضمير المجرور في قوله ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ وليس من الاستثاء في شيء؛ لأنّ الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط، إلا امرأته، كما اتحد الحكم في قول المطلق: أنت طالق ثلاثاً، إلا اثنتين، إلا واحدة.

وفي قول المقرّ: لفلان عليّ عشرة دراهم، إلا ثلاثة، إلا درهما.

فأمّا في الآية فقد اختلف الحكمان، لأنّ ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ متعلق بأرسلنا، أو بمجرمين، و ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ قد تعلق بمنجوهم، فأنى يكون استثناء من استثناء.

وقرئ: ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف والتثقيل.

فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين ﴾ والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟

قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم.

فإن قلت: فلم أسند الملائكة فعل التقدير- وهو لله وحده- إلى أنفسهم، ولم يقولوا: قدّر الله؟

قلت: لما لهم من القرب والاختصاص بالله الذي ليس لأحد غيرهم، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه.

وقرئ: ﴿ قدرنا ﴾ ، بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ إنْ كانَ اسْتِثْناءً مِن ﴿ قَوْمٍ ﴾ كانَ مُنْقَطِعًا إذِ الـ ﴿ قَوْمٍ ﴾ مُقَيَّدٌ بِالإجْرامِ وإنْ كانَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مُجْرِمِينَ ﴾ كانَ مُتَّصِلًا، والقَوْمُ والإرْسالُ شامِلَيْنِ لِلْمُجْرِمِينَ، و ﴿ آلَ لُوطٍ ﴾ المُؤْمِنِينَ بِهِ وكَأنَّ المَعْنى: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ أجْرَمَ كُلُّهم إلّا آلَ لُوطٍ مِنهم لِنُهْلِكَ المُجْرِمِينَ ونُنْجِيَ آلَ لُوطٍ مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ أيْ مِمّا يُعَذَّبُ بِهِ القَوْمُ، وهو اسْتِئْنافٌ إذا اتَّصَلَ الِاسْتِثْناءُ ومُتَّصِلٌ بِآلِ لُوطٍ جارٍ مَجْرى خَبَرٍ لَكِنْ إذا انْقَطَعَ وعَلى هَذا جازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ اسْتِثْناءً مِن آلِ لُوطٍ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ، وعَلى الأوَّلِ لا يَكُونُ إلّا مِن ضَمِيرِهِمْ لِاخْتِلافِ الحُكْمَيْنِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُجْعَلَ إنّا لَمُنَجُّوهُمُ اعْتِراضًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ مُخَفَّفًا.

﴿ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ الباقِينَ مَعَ الكَفَرَةِ لِتَهْلَكَ مَعَهم.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ﴿ قَدَّرْنا ﴾ هُنا وفي « النَّمْلِ» بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما عُلِّقَ والتَّعْلِيقُ مِن خَواصِّ أفْعالِ القُلُوبِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ قَدَّرْنا ﴾ أُجْرِيَ مَجْرى قُلْنا لِأنَّ التَّقْدِيرَ بِمَعْنى القَضاءِ قَوْلٌ، وأصْلُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ وإسْنادُهم إيّاهُ إلى أنْفُسِهِمْ.

وهو فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما لَهم مِنَ القُرْبِ والِاخْتِصاصِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)

{فلما جاء آل لُوطٍ المرسلون قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي لا أعرفكم أي ليس عليكم زي السفر ولا أنتم من أهل الحضر فأخاف أن تطرقونى بشر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ هم قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجِيءَ بِهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْكِيرِ ووُصِفُوا بِالإجْرامِ اسْتِهانَةً بِهِمْ وذَمًّا لَهم ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن قَوْمٍ بِمُلاحَظَةِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لِأنَّهم لَيْسُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، واحْتِمالُ التَّغْلِيبِ مَعَ هَذِهِ المُلاحَظَةِ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْناءُ لَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ولَوْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ضارٍّ فِيما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُنافِي صِحَّةَ الِاتِّصالِ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( مُجْرِمِينَ ) فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى القَوْمِ فَقَطْ فَيَكُونُ الآلُ عَلى الأوَّلِ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ الإرْسالِ المُرادِ بِهِ إرْسالٌ خاصٌّ وهو ما كانَ لِلْإهْلاكِ لا مُطْلَقَ البَعْثِ لِاقْتِضاءِ المَعْنى لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ خَبَرُ الأبْناءِ عَلى ما سَمِعْتَ سابِقًا، وعَنِ الرَّضِيِّ أنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ مُنْتَصِبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِما قَبْلَ إلّا مِنَ الكَلامِ كَما انْتُصِبَ المُتَّصِلُ بِهِ وإنْ كانَتْ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ وأمّا المُتَأخِّرُونَ مِنَ البَصْرِيِّينَ فَلَمّا رَأوْها بِمَعْنى لَكِنْ قالُوا إنَّها النّاصِبَةُ بِنَفْسِها نَصْبَ لَكِنَّ لِلْأسْماءِ وخَبَرُها في الأغْلَبِ مَحْذُوفٌ نَحْوُ جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا أيْ لَكِنَّ حِمارًا لَمْ يَجِئْ قالُوا وقَدْ يَجِيءُ خَبَرُها ظاهِرًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ ﴾ وقالَ الكُوفِيُّونَ إلّا في ذَلِكَ بِمَعْنى سِوى والنَّصْبُ بَعْدَها في الِانْفِصالِ كالنَّصْبِ في الِاتِّصالِ، وتَأْوِيلُ البَصْرِيِّينَ أوْلى لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ يَلْزَمُ مُخالَفَتُهُ لِما قَبْلَهُ نَفْيًا وإثْباتًا كَما في لَكِنَّ وفي سِوى لا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأنَّكَ تَقُولُ: لِي عَلَيْكَ دِينارانِ سِوى الدِّينارِ الفُلانِيِّ وذَلِكَ إذا كانَ صِفَةً، وأيْضًا مَعْنى لَكِنَّ الِاسْتِدْراكُ، والمُرادُ بِهِ فِيها دَفْعُ تَوَهُّمِ المُخاطَبِ دُخُولَ ما بَعْدَها في حُكْمِ ما قَبْلَها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِداخِلٍ وهَذا هو مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِعَيْنِهِ انْتَهى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في كَوْنِ إلّا الِاسْتِثْنائِيَّةِ تَعْمَلُ عَمَلَ لَكِنَّ خَفاءً مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ وقالَ: إنَّهُ في المَعْنى خَبْرٌ ولَيْسَ خَبَرًا حَقِيقِيًّا كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، ومِمّا نَقَلْناهُ يُعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ النَّظَرِ.

نَعَمْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ جارِيَةٌ مَجْرى خَبَرِ لَكِنَّ وهو ظاهِرٌ في أنَّها لَيْسَتْ خَبَرًا في الحَقِيقَةِ وذَكَرَ أنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ أيْ لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ما أرْسَلَنا إلَيْهِمْ والمَذْكُورُ دَلِيلُهُ لِتَلازُمِهِما ولِذا لَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الخَبَرِ بَلْ جارٍ مَجْراهُ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلى ما نُقِلْ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِأنْ يَمْتَنِعَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِلَكِنَّ فَلْيُراجَعْ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ إلّا لا لَكِنَّ وهو كَما تَرى، وعَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ يَكُونُ الآلُ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو الإجْرامُ داخِلِينَ في حُكْمِ الإرْسالِ بِمَعْنى مُطْلَقًا فَيَكُونُ المَلائِكَةُ قَدْ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ جَمِيعًا لِيُهْلِكُوا هَؤُلاءِ ويُنَجُّوا هَؤُلاءِ، وجُمْلَةُ ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ عَلى هَذا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانًا كَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم حِينَ قالُوا: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ فَما حالُ آلِ لُوطٍ، فَقالُوا: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عِنْدِ جارِ اللَّهِ مُسْتَثْنى مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في لَمُنَجُّوهم ولَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في شَيْءٍ قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ فِيما اتَّحَدَ الحُكْمُ فِيهِ كَقَوْلِ المُطَلِّقِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا إلّا اثْنَتَيْنِ إلّا واحِدَةً والمُقِرِّ لِفُلانٍ عَلى عَشَرَةِ دَراهِمَ إلّا ثَلاثَةً إلّا دِرْهَمًا، وهاهُنا قَدِ اخْتَلَفَ الحُكْمانِ لِأنَّ آلَ لُوطٍ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا أوْ بِمُجْرِمِينَ (وإلّا امْرَأتَهُ) تَعَلَّقَ- بِمُنَجُّوهُمْ- فَأنّى يَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ اسْتِثْناءٍ انْتَهى.

وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ الإرْسالَ إذا كانَ بِمَعْنى الإهْلاكِ فَلا اخْتِلافَ إذِ التَّقْدِيرُ إلّا آلَ لُوطٍ لَمْ نُهْلِكْهم فَهو بِمَعْنى مُنَجُّوهم فَيَكُونُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ.

وأجابَ عَنْ ذَلِكَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ شَرْطَ الِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ أنْ لا يَتَخَلَّلَ لَفْظٌ بَيْنَ الاسْتِثْناءَيْنِ مُتَعَدِّدٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنهُ وهاهُنا قَدْ تَخَلَّلَ ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ ولَوْ قِيلَ إلّا آلَ لُوطٍ إلّا امْرَأتَهُ لَجازَ ذَلِكَ وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ لِأنَّ السَّبَبَ حِينَئِذٍ في امْتِناعِهِ وُجُودُ الفاصِلِ لا اخْتِلافُ الحُكْمَيْنِ فَلا وجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِهِ عَنْهُ، وفي الكَشْفِ المُرادُ مِنَ اتِّحادِ الحُكْمِ اتِّحادُهُ شَخْصًا وعَدَدًا فَلا يَرِدُ أنَّ الإرْسالَ إذا كانَ بِمَعْنى الإهْلاكِ كانَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ في مَعْنى واحِدٍ فالِاسْتِثْناءُ مِنَ الأوَّلِ في المَعْنى، وإنَّما شُرِطَ الِاتِّحادُ لِأنَّ المُتَّصِلَ كاسْمِهِ لا يَجُوزُ تَخَلُّلُ جُمْلَةٍ بَيْنَ العَصا ولِحائِها وكَذَلِكَ في المُنْقَطِعِ وبِهِ يَتَّضِحُ حالُ ما تَقَدَّمَ أتَمَّ اتِّضاحٍ، وفِيهِ أيْضًا، فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَرْجِعُ الِاسْتِثْناءُ إلَيْهِما؟

قُلْتُ: لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَعَلِّقٌ بِالجُمْلَةِ المُسْتَقِلَّةِ والخِلافُ في رُجُوعِهِ إلى الجُمْلَتَيْنِ فَصاعِدًا لا إلى جُمْلَةٍ، وبَعْضِ جُمْلَةٍ سابِقَةٍ، هَذا والمَعْنى مُخْتَلِفٌ في ذَلِكَ ومَحَلُّ الخِلافِ الجُمَلُ المُتَعاطِفَةُ لا المُنْقَطِعُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ انْتَهى، والأمْرُ كَما ذُكِرَ في تَعْيِينِ مَحَلِّ الخِلافِ، والمَسْألَةُ قَلَّ مَن تَعَرَّضَ لَها مِنَ النُّحاةِ وفِيها مَذاهِبُ.

الأوَّلُ وهو الأصَحُّ وعَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَعُودُ لِلْكُلِّ إلّا أنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى إرادَةِ البَعْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ ﴾ الآيَةَ فَإنَّ ( إلّا الَّذِينَ ) فِيهِ عائِدٌ إلى فِسْقِهِمْ وعَدَمُ قَبُولِ شَهادَتِهِمْ مُعالًا إلى الجَلْدِ لِلدَّلِيلِ، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُ العامِلِ لِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ إلّا هي العامِلَةُ الثّانِي أنَّهُ يَعُودُ لِلْكُلِّ إنْ سِيقَ الكُلُّ لِغَرَضٍ واحِدٍ نَحْوَ حَبَسْتُ دارِي عَلى أعْمامِي ووَقَّفْتُ بُسْتانِي عَلى أخْوالِي وسَبَّلْتُ سِقايَتِي لِجِيرانِي إلّا أنْ يُسافِرُوا وإلّا فَلِلْأخِيرَةِ فَقَطْ نَحْوَ أكْرِمِ العُلَماءَ واحْبِسْ دارَكَ عَلى أقارِبِكَ وأعْتِقْ عَبِيدَكَ إلّا الفَسَقَةَ مِنهُمُ.

الثّالِثُ إنْ كانَ العَطْفُ بِالواوِ عادَ لِلْكُلِّ أوْ بِالفاءِ أوْ ثُمَّ عادَ لِلْأخِيرَةِ وعَلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ، الرّابِعُ أنَّهُ خاصٌّ بِالأخِيرَةِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

الخامِسُ إنِ اتَّحَدَ العامِلُ فَلِلْكُلِّ أوِ اخْتَلَفَ فَلِلْأخِيرَةِ إذْ لا يُمْكِنُ حَمْلُ المُخْتَلِفاتِ في مُسْتَثْنًى واحِدٍ وعَلَيْهِ البَهاباذِيُّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ عامِلَ المُسْتَثْنى الأفْعالُ السّابِقَةُ دُونَ إلّا، هَذا ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَوْ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِن ( آلَ لُوطٍ ) لَزِمَ أنْ تَكُونَ امْرَأتُهُ غَيْرَ مُهْلَكَةٍ أوْ غَيْرَ مُجْرِمَةٍ وهو تَوَهُّمٌ فاحِشٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن ( آلَ لُوطٍ ) إنْ قُلْنا بِهِ بِمُلاحَظَةِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالإنْجاءِ وعَدَمِ الإهْلاكِ أوْ بِعَدَمِ الإجْرامِ والصَّلاحِ فَتَكُونُ إلّا امْرَأةً مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالإهْلاكِ أوِ الإجْرامِ.

ويُرْشِدُكَ إلى هَذا ما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ فِيما إذا تَعَدَّدَ الِاسْتِثْناءُ وأمْكَنَ اسْتِثْناءُ كُلِّ تالٍ مِن مَتْلُوِّهِ نَحْوَ جاءَنِي المَكِّيُّونَ إلّا قُرَيْشًا إلّا بَنِي هاشِمٍ إلّا بَنِي عَقِيلٍ حَيْثُ قالَ: لا يَجُوزُ في المُوجِبِ حِينَئِذٍ في كُلِّ وِتْرٍ إلّا النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ عَنْ مُوجِبٍ، والقِياسُ أنْ يَجُوزَ في كُلٍّ شَفْعُ الإبْدالِ والنَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ والمُسْتَثْنى مِنهُ مَذْكُورٌ، والكَلامُ في وِتْرٍ وشَفْعٍ غَيْرُ المُوجِبِ عَلى عَكْسِ هَذا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ ومِنِ الإثْباتِ نَفِيٌ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ المُسْتَثْنى مَسْكُوتٌ عَنْ نَفْيِ الحُكْمِ عَنْهُ أوْ ثُبُوتِهِ لَهُ، ولا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، واسْتِفادَةُ الإثْباتِ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مِن عُرْفِ الشَّرْعِ، وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ وقَعَ بَيْنَ الأئِمَّةِ المُجْتَهِدِينَ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَ ( إلّا آلَ لُوطٍ ) مُسْتَثْنًى مِن ( قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) عَلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ قالَ: وهو أوْلى وأمْكَنُ لِأنَّ في اسْتِثْنائِهِمْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى قَوْمٍ مُنْكِرِينَ بُعْدًا مِن حَيْثُ إنَّ مُوقِعَ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ المُسْتَثْنى في حُكْمِ الأوَّلِ، وهُنا الدُّخُولُ مُتَعَذَّرٌ مَعَ التَّنْكِيرِ ولِذَلِكَ قَلَّما تَجِدُ النَّكِرَةَ يُسْتَثْنى مِنها إلّا في سِياقِ نَفْيٍ لِأنَّها حِينَئِذٍ تَعُمُّ فَيَتَحَقَّقُ الدُّخُولُ لَوْلا الِاسْتِثْناءُ، ومِن ثَمَّةَ لَمْ يَحْسُنْ رَأيْتُ قَوْمًا إلّا زَيْدًا وحَسُنَ ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا انْتَهى.

ورُدَّ بِأنَّ هَذا لَيْسَ نَظِيرَ رَأيْتُ قَوْمًا إلّا زَيْدًا بَلْ مِن قَبِيلِ رَأيْتُ قَوْمًا أساؤُوا إلّا زَيْدًا فالوَصْفُ يُعَيِّنُهم ويَجْعَلُهم كالمَحْصُورِينَ، قالَ في هَمْعِ الهَوامِعِ: ولا يُسْتَثْنى مِنَ النَّكِرَةِ في المُوجِبِ ما لَمْ تَفِدْ فَلا يُقالُ: جاءَ قَوْمٌ إلّا رَجُلًا ولا قامَ رِجالٌ إلّا زَيْدًا لِعَدَمِ الفائِدَةِ، فَإنْ أفادَ جازَ نَحْوَ ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ وقامَ رِجالٌ كانُوا في دارِكَ إلّا رَجُلًا، عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ أهْلُ القَرْيَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى فَهم مَعْنى مَحْصُورُونَ، ونَقَلَ المُدَقِّقُ عَنِ السَّكّاكِيِّ أنَّهُ صَرَّحَ في آخِرِ بَحْثِ الِاسْتِدْلالِ مِن كِتابِهِ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن جَمْعٍ غَيْرِ مَحْصُورِ جائِزٌ عَلى المَجازِ، مَعَ أنَّ بَعْضَ الأُصُولِيِّينَ أيْضًا جَوَّزُوا الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّكِرَةِ في الإيجابِ وأطْلَقُوا القَوْلَ في ذَلِكَ.

نَعَمِ المُصَرَّحُ بِهِ في كَثِيرٍ مِن كُتُبِ النَّحْوِ نَحْوَ ما في الهَمْعِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الظّاهِرِ والضَّمِيرُ مُنْقَطِعًا، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِأنَّ الضَّمِيرَ في الصِّفَةِ هو عَيْنُ المَوْصُوفِ المُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ، وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ بَعْضَ الفُضَلاءِ رَفَعَ هَذا مَعَ عِدَّةِ أسْئِلَةٍ نَثْرًا ونَظْمًا إلى الكَمالِ ابْنِ الهَمّامِ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ أجابَ عَنْها، والجَوابُ عَمّا زَعَمَهُ هُنا قَدْ مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ، وأمّا الجَوابُ عَنْ سائِرِ ما اسْتَشْكَلَهُ وسُئِلَ عَنْهُ الكَمالُ فَيُغْنِي عَنْهُ الِاطِّلاعُ عَلى السُّؤالِ فَإنَّهُ مِمّا يُتَعَجَّبُ مِنهُ، ومِن هُنا قالَ الشِّهابُ: أظُنُّ أنَّ ابْنَ الهَمّامِ إنَّما سَكَتَ عَنْ جَوابِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ انْدِفاعِهِ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَمَّنْ تَحَلّى بِحِلْيَةِ الفَضْلِ، نَعَمْ بَعُدَ كُلُّ حِسابٍ الَّذِي يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الظّاهِرِ لَكِنَّ الرَّضِيَّ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ شَيْئانِ فَصاعِدًا يَصْلُحانِ لِأنْ يُسْتَثْنى مِنهُما فَهُناكَ تَفْصِيلٌ فَإمّا أنْ يَتَغايَرا مَعْنًى أوْ لا فَإنْ تَغايَرا وأُمْكِنَ اشْتِراكُهُما في ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ بِلا بُعْدٍ اشْتَرَكا فِيهِ نَحْوَ ما بَرَّ أبٌ وابْنٌ إلّا زَيْدًا أيْ زَيْدٌ أبٌ بارٌّ وابْنٌ بارٌّ، فَإنْ لَمْ يُمْكِنِ الِاشْتِراكُ نَحْوَ فَضَلَ ابْنٌ أبًا إلّا زَيْدًا أوْ كانَ بَعِيدًا نَحْوَ ما ضَرَبَ أحَدٌ أحَدًا إلّا زَيْدًا فَإنَّ الأغْلَبَ مُغايِرَةُ الفاعِلِ لِلْمَفْعُولِ نَظَرْنا فَإنْ تَعَيَّنَ دُخُولُ المُسْتَثْنى في أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَهو اسْتِثْناءُ مِنهُ ولِيَهُ أوَّلًا نَحْوَ ما فَدى وصِيٌّ نَبِيًّا إلّا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإنِ احْتَمَلَ دُخُولُهُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَإنْ تَأخَّرَ عَنْهُما المُسْتَثْنى فَهو مِنَ الأخِيرِ نَحْوَ ما فَضَلَ ابْنٌ أبًا إلّا زَيْدًا وكَذا ما فَضَلَ أبًا ابْنٌ إلّا زِيدٌ لِأنَّ اخْتِصاصَهُ بِالأقْرَبِ أوْلى لِما تَعَذَّرَ رُجُوعُهُ إلَيْهِما، وإنْ تَقَدَّمَهُما مَعًا فَإنْ كانَ أحَدُهُما مَرْفُوعًا لَفْظًا أوْ مَعْنًى فالِاسْتِثْناءُ مِنهُ لِأنَّ مَرْتَبَتَهُ بَعْدَ الفِعْلِ فَكَأنَّ الِاسْتِثْناءَ ولِيَهُ بَعْدَهُ نَحْوَ ما فَضَلَ إلّا زَيْدًا أبًا ابْنٌ أوْ مِنَ ابْنٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما مَرْفُوعًا فالأوَّلُ أوْلى بِهِ لِقُرْبِهِ نَحْوَ ما فَضَّلْتُ إلّا زَيْدًا واحِدًا عَلى أحَدٍ ويُقَدَّرُ لِلْأخِيرِ عامِلٌ، وإنْ تَوَسَّطَهُما فالمُتَقَدَّمُ أحَقُّ بِهِ لِأنَّ أصْلَ المُسْتَثْنى تَأخُّرُهُ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ ما فَضَلَ أبًا إلّا زِيدٌ ابْنٌ ويُقَدَّرُ أيْضًا لِلْأخِيرِ عامِلٌ، وإنْ لَمْ يَتَغايَرا مَعْنًى اشْتَرَكا فِيهِ، وإنِ اخْتَلَفَ العامِلانِ فِيهِما نَحْوَ ما ضَرَبَ أحَدٌ وما قَتَلَ إلّا خالِدًا لِأنَّ فاعِلَ قَتَلَ ضَمِيرُ أحَدٍ انْتَهى.

وجَزَمَ ابْنُ مالِكٍ فِيما إذا تَقَدَّمَ شَيْئانِ مَثَلًا يَصْلُحُ كُلٌّ مِنهُما لِلِاسْتِثْناءِ مِنهُ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الأخِيرِ وأطْلَقَ القَوْلَ في ذَلِكَ فَلْيُتَأمَّلْ ذاكَ مَعَ ما نَحْنُ فِيهِ، وقالَ القاضِي البَيْضاوِيُّ: إنَّهُ عَلى الِانْقِطاعِ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ( إلّا امْرَأتَهُ ) مُسْتَثْنًى مِن ( آلَ لُوطٍ ) أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ وعَلى الِاتِّصالِ يَتَعَيَّنُ الثّانِي لِاخْتِلافِ الحُكْمَيْنِ اللَّهُمَّ إلّا إذا جَعَلْتَ جُمْلَةَ ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ مُعْتَرَضَةً انْتَهى، ومُخالَفَتُهُ لِما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ ظاهِرَةٌ حَيْثُ جَوَّزَ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المُسْتَثْنى في الِانْقِطاعِ ومَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُطْلَقًا، وحَيْثُ جَعَلَ اخْتِلافَ الحُكْمَيْنِ في الِاتِّصالِ وأثْبَتَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُطْلَقًا أيْضًا وبَيْنَ اخْتِلافِ الحُكْمَيْنِ بِنَحْوِ ما بُيِّنَ بِهِ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ مَوْلانا سِرَّيِ الدِّينِ وقالَ: المُرادُ بِالحُكْمَيْنِ المُفادُ بِطَرِيقِ اسْتِثْناءِ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ وهو عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ إجْرامُ إلّا امْرَأةَ والحُكْمُ المَقْصُودُ بِالإفادَةِ وهو الحُكْمُ عَلَيْها بِالإهْلاكِ وبَيْنَ اتِّحادِ هَذا الحُكْمِ المَقْصُودِ مَعَ الحُكْمِ المُفادِ بِالِاسْتِثْناءِ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ بِأنَّهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ تَكُونُ إلّا بِمَعْنى لَكِنَّ (وإنّا لَمُنَجُّوهُمْ) خَبَرًا لَهُ ثابِتًا كالإخْراجِ مِنهُ فَيَكُونُ الحُكْمُ الحاصِلُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِنهُ بِعَيْنِهِ هو الحُكْمُ المَقْصُودُ بِالإفادَةِ ويُقالُ عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ والِاعْتِراضِ: إنَّ الحُكْمَيْنِ وإنِ اخْتَلَفا ظاهِرًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ المُعْتَرَضَةُ كالبَيانِ لِما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِثْناءُ الأوَّلُ كانَ في المَعْنى كَأنَّهُ هو وصارَ الإخْراجُ مِنهُ، كالإخْراجِ مِنهُ وهَذا بِخِلافِ ما إذا كانَ اسْتِئْنافًا فَإنَّهُ يَكُونُ مُنْقَطِعًا ويَكُونُ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ ولا يَتِمُّ الجَوابُ بِدُونِ الِاسْتِثْناءِ ولا يَخْلُو عَنِ الِاعْتِراضِ.

وقالَ بَعْضُهم في تَوْجِيهِ الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا: إنَّ هُناكَ حُكْمَيْنِ الإجْرامَ والإنْجاءَ فَيَجُرُّ الثّانِي الِاسْتِثْناءَ إلى نَفْسِهِ كَيْلا يَلْزَمَ الفَصْلُ إلّا إذا جَعَلَ اعْتِراضًا فَإنَّ فِيهِ سَعَةً حَتّى يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الصِّفَةِ ومَوْصُوفِها فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ( آلَ لُوطٍ ) ولِذا جَوَّزَ الرَّضِيُّ أنْ يُقالَ: أكْرَمُ القَوْمِ والنُّحاةِ بَصْرِيُّونَ إلّا زَيْدًا، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ كَوْنَ الحُكْمِ المُفادِ بِالِاسْتِثْناءِ غَيْرَ الحُكْمِ المَقْصُودِ بِالإفادَةِ باقِيًا بِحالِهِ ولا يَحْتاجُ الأمْرُ إلى ما سَمِعْتَ وهو كَما سَمِعْتَ، والَّذِي يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ الحَقُّ دِرايَةً ورِوايَةً.

أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الحُكْمَ المَقْصُودَ بِالإخْراجِ مِنهُ هو الحُكْمُ المُخْرَجُ مِنهُ الأوَّلُ والثّانِي حُكْمٌ طارِئٌ مِن تَأْوِيلِ إلّا بَلَكِنَّ وهو أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ، وأمّا الثّانِي فَلِما ذَكَرَ في التَّسْهِيلِ مِن أنَّهُ إذا تَعَدَّدَ الِاسْتِثْناءُ فالحُكْمُ المُخْرَجُ مِنهُ حُكْمُ الأوَّلِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا في هَذِهِ الصُّورَةِ كَما إذا قُلْتَ: لَمْ يَبْقَ في الدّارِ إلّا اليَعافِيرُ أبْقاها الزَّمانُ إلّا يَعْفُورَ صَيْدٍ مِنها فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ إعْرابُهُ بِحَسَبِ العامِلِ الأوَّلِ كَقَوْلِكَ: ما عِنْدِي إلّا عَشْرَةٌ إلّا ثَلاثَةٌ، ثُمَّ إنَّ كَلامَهُ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرٍ ومانِعٍ مَعْنَوِيٍّ لا عَلى عَدَمِ جَوازِ تَخَلُّلِ كَلامٍ مُنْقَطِعٍ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ كَما قِيلَ وإنْ كانَ مانِعًا أيْضًا كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ فَتَدَبَّرِ انْتَهى، فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ.

وقَرَأ الأخْوانِ «لَمُنْجُوهُمْ» بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ أيِ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ تَعالى كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أوِ الباقِينَ مَعَ الكَفَرَةِ لِتَهْلَكَ مَعَهُمْ، وأصْلُهُ مِنَ الغَبَرَةِ وهي بَقِيَّةُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ «قَدَرْنا» بِالتَّخْفِيفِ، وكُسِرَتْ هَمْزَةُ «أنَّ» لِتَعْلِيقِ الفِعْلِ بِوُجُودِ لامِ الِابْتِداءِ الَّتِي لَها صَدْرُ الكَلامِ، وعُلِّقَ مَعَ أنَّ التَّعْلِيقَ في المَشْهُورِ مِن خَواصِّ أفْعالِ القُلُوبِ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - لِتَضَمُّنِ فِعْلِ التَّقْدِيرِ مَعْنى العِلْمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ العُلَماءُ تَقْدِيرَ اللَّهِ تَعالى أفْعالَ العِبادِ بِالعِلْمِ، والمُرادُ بِتَضَمُّنِهِ ذَلِكَ قِيلَ المَعْنى المُصْطَلَحُ، وقِيلَ: التَّجَوُّزُ عَنْ مَعْناهُ الَّذِي كَأنَّهُ في ضِمْنِهِ لِأنَّهُ لا يُقَدَّرُ إلّا ما يُعْلَمُ ذِكْرُهُ المُدَقَّقُ تَوْجِيهًا لِكَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، ثُمَّ قالَ: ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ في شَيْءٍ حَتّى يَعْتَرِضَ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُ الزَّمَخْشَرِيَّ لِبَقاءِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ.

نَعَمْ هو عَلى أصْلِهِمْ مِن أنَّهُ كِنايَةٌ مَعْلُومٌ مُحَقَّقٌ لا مُقَدَّرٌ مُرادٌ، وقالَ القاضِي: جازَ أنْ يُقالَ: أُجْرِي مَجْرى القَوْلِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ بِمَعْنى القَضاءِ قَوْلٌ، وأمّا أنا فَلا أُنْكِرُ عَلى جارِ اللَّهِ أنَّ التَّعْلِيقَ لِتَضَمُّنِ مَعْنى العِلْمِ وإنَّما أُنْكِرُ نَفْيَ كَوْنِهِ مَقْدُورًا مُرادًا انْتَهى، وإنَّما أُنْكِرُهُ لِأنَّهُ اعْتِزالٌ تَأْباهُ الظَّواهِرُ، ومِن هُنا قالَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: بَيْنِي وبَيْنَ القَدَرِيَّةِ هَذِهِ الآيَةُ وتَلاها.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنَّما أسْنَدُوا ذَلِكَ إلى أنْفُسِهِمْ وهو فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ الزُّلْفى والِاخْتِصاصِ، وهَذا كَما يَقُولُ حاشِيَةُ السُّلْطانِ أمَرْنا ورَسَمْنا بِكَذا والآمِرُ هو في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: ولا يَخْفى بَعْدَهُ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ قِيلَ: وكَذا لا يَحْتاجُ إلَيْهِ إذا كانَ المُرادُ بِالتَّقْدِيرِ العِلْمَ مَجازًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: نَبِّئْ عِبادِي أي: أخبر عبادي يا محمد أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لمن تاب منهم وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لمن مات على الكفر، ولم يتب.

قال: حدّثنا أبو جعفر.

قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن.

قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري.

قال: حدثنا محمد بن مقاتل.

قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك.

قال: حدّثنا مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبيد، عن عطاء، عن رجل من أصحاب النبي  قال: اطلع علينا رسول الله  من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، ونحن نضحك، فقال: «أَتَضْحَكُونَ؟» ثم قال: «لا أُرَاكُمْ تَضْحَكُونَ» ثم أدبر فكأن على رؤوسنا الرخم، حتى إذا كان عند الحجر، ثم رجع إلينا القهقري فقال: «جَاءَ جِبْرِيلُ.

فقال: يا محمد إن الله تَعَالَى يَقُولُ: لِمَ تقنط عبادي؟

(١)  قال: «لو يعلم العَبْدُ قَدَرَ رَحْمَةِ الله، مَا تَوَرَّعَ عَنْ حَرَامٍ قطّ، ولو علم قَدَرَ عُقُوَبةِ الله، لَبَخَعَ نفسه» .

أي: أهلك نفسه في عبادة الله تعالى.

ثم قال: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ أي: عن أضياف إبراهيم إلا أن هذا اللفظ مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، وذلك حين بعث الله تعالى جبريل في اثني عشر من الملائكة.

قوله: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ أي: على إبراهيم فَقالُوا سَلاماً أي: فسلموا عليه.

فرد عليهم السلام.

كما قال في موضع آخر فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [الذاريات: 25] وقال الكلبي: فأنكرهم إبراهيم في تلك الأرض، لأنهم لم يطعموا من طعامه.

قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ أي: خائفين قالُوا لاَ تَوْجَلْ أي: لا تخف منا، وبشروه، فقالوا: إِنَّا نُبَشِّرُكَ قرأ حمزة نُبَشِّرُكَ بجزم الباء، مع التخفيف.

ونصب النون، وضم الشين.

وقرأ الباقون بالتشديد بِغُلامٍ عَلِيمٍ أي: بإسحاق عَلِيمٍ في صغره، حليم في كبره، قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ أي: بعد ما أصابني الكبر والهرم فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قرأ نافع تُبَشِّرُونَ بكسر النون مع التخفيف، لأن أصله: تبشروني بالياء، فأقيم الكسر مقامه.

وقرأ ابن كثير فَبِمَ تُبَشِّرُونَ بكسر النون مع التشديد، لأنه في الأصل بنونين، فأدغم إحداهما في الأخرى مثل قوله تَأْمُرُونِّي وتُحاجُّونِّي في الأصل.

وقرأ الباقون تُبَشِّرُونَ بنصب النون مع التخفيف، لأنها نون الجماعة.

وقال أبو عبيدة: هذا أعجب إليّ لصحتها في العربية قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ أي: بالولد.

ويقال: بالصدق فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ أي: من الآيسين من الولد.

ويقال: من نعم الله قالَ إبراهيم وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ أي: من نعمة ربه إِلَّا الضَّالُّونَ أي: الجاهلون.

قرأ الكسائي، وأبو عمرو، يَقْنَطُ بكسر النون، وقرأ الباقون يَقْنَطُ بالنصب، ومعناهما واحد.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 86 إلى ابن جرير وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال مجاهد: لاَ يَنْظُرُ أَحَدُهُمْ في قفا صاحبه «١» ، وقيل غير هذا مما لا يعطِيهِ اللفظ، والنصب: التعب، ونَبِّئْ: معناه: أعْلِم.

قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في «منهاجه» : «ومن الآيات اللطيفة الجامعةِ بَيْنَ الرجاءِ والخَوْفِ قولُهُ تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ثم قال في عَقِبَهُ: وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الرجاءِ بِمَرَّة، وقوله تعالى: شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ٣] ، ثم قال في عقبه: ذِي الطَّوْلِ [غافر: ٣] ، لَئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الخوف، وأَعْجَبُ من ذلك قَولُهُ تعالَى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٣٠] ، ثم قال في عقبه: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٣٠] ، وأعجَبُ منه قولُهُ تعالَى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ق: ٣٣] ، فعلَّق الخشية باسم الرحمن، دون اسْمِ الجَبَّار أو المنتقِمِ أو المتكبِّر ونحوه، ليكون تخويفاً في تأمينٍ، وتحريكاً في تسكينٍ كما تقولُ: «أَما تخشى الوالدةَ الرحيمة، أمَا تخشى الوالِدَ الشَّفِيقَ» ، والمراد من ذلك أنْ يكونَ الطَّريقُ عدلاً، فلا تذهب إِلى أَمْنٍ وقنوطٍ جعلنا اللَّه وإِيَّاكم من المتدبِّرين لهذا الذكْرِ الحكيمِ، العامِلِينَ بما فيه، إنه الجواد الكريم انتهى.

وقوله سبحانه: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ...

الآية: هذا ابتداءُ قصصٍ بعدَ انصرام الغرضِ الأول، و «الضيف» : مصدرٌ وصف به، فهو للواحدِ والاثنين والجمعِ، والمذكَر والمؤنَّث بلفظٍ واحدٍ، وقوله: إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، أي: فزعون، وَإِنما وَجِلَ منهم لما قَدَّم إِليهم العجْلَ الحنيذ، فلم يرهم يأكُلُون، وكانَتْ عندهم العلامة المُؤَمِّنة أكْلَ الطعام وكذلك هو في غابِرِ الدهْرِ أمْنَةً للنازلِ، والمنزولِ به.

وقوله: أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ، أي: في حالةٍ قد مسَّني فيها الكِبَر، وقول إِبراهيم عليه السلام: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ: / تقرير على جهة التعجُّب والاستبعاد، لكبرهما، أو على جهةَ الاحتقار وقلَّة المبالاة بالمَسَرَّات الدنيويَّة، لمضيِّ العمر، واستيلاء الكبر، وقولهم:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها ما رَوى ابْنُ المُبارَكِ بِإسْنادٍ لَهُ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: «طَلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ، ونَحْنُ نَضْحَكُ، فَقالَ: " ألا أراكم تَضْحَكُونَ " ثُمَّ أدْبَرَ، حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحِجْرِ، رَجَعَ إلَيْنا القَهْقَرى، فَقالَ: " إنِّي لَمّا خَرَجْتُ، جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟

﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ "» .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِتَحْرِيكِ ياءِ " عِبادِيَ " وياءِ " أنِّيَ أنا "، وأسْكَنَها الباقُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ قَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في (هُودٍ:٦٩) وبَيَّنّا هُنالِكَ مَعْنى الضَّيْفِ والسَّبَبَ في خَوْفِهِ مِنهم، وذَكَرْنا مَعْنى الوَجَلِ في (الأنْفالِ:٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ أيْ: إنَّهُ يَبْلُغُ ويَعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنَبِّئْهم عن ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ ﴾ ﴿ قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضالُّونَ ﴾ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَنَبِّهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ بَعْدَ انْصِرامِ الغَرَضِ الأوَّلِ، و"الضَيْفُ" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، قالَ النَحّاسُ وغَيْرُهُ: التَقْدِيرُ: عن أصْحابِ ضَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُغْنِي عن هَذا أنَّ هَذا المَصْدَرَ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ، كَما فُعِلَ في "رَهْنٍ" ونَحْوَهُ، والمُرادُ بِالضَيْفِ هُنا المَلائِكَةُ الَّذِينَ جاؤُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وبَشَّرُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ-، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهم.

وقَوْلُهُ: "سَلامًا" مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا، أو نُسَلِّمُ سَلامًا، والسَلامُ هُنا التَحِيَّةُ، وقَوْلُهُ: "سَلامًا" حِكايَةُ قَوْلِهِمْ، فَلا يَعْمَلُ القَوْلُ فِيهِ، وإنَّما يَعْمَلُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ تَرْجَمَةً عن كَلامٍ لَيْسَ يُحْكى بِعَيْنِهِ، كَما تَقُولُ لِمَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ": قُلْتَ حَقًّا، ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا مِنكم وجِلُونَ ﴾ أيْ: فَزِعُونَ، وإنَّما وجِلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنهم لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِمُ العِجْلَ الحَنِيذَ فَلَمْ يَرَهم يَأْكُلُونَ، وكانَ عِنْدَهُمُ العَلامَةُ المُؤْمِنَةُ أكْلُ الطَعامِ، وكَذَلِكَ هو في غابِرِ الدَهْرِ أمَنَةٌ لِلنّازِلِ والمَنزُولِ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوْجَلْ" مُسْتَقْبَلُ "وَجِلَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ التاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَن "أوجَلَ"، لَأنَّ "وَجِلَ" لا يَتَعَدّى، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ إسْماعِيلَ بِمُدَّةٍ، وقَوْلُ إبْراهِيمَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ  ﴾ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّهُما حِينَئِذٍ وُهِبَهُما، بَلْ قَبْلَ الحَمْدِ بِكَثِيرٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَّرْتُمُونِي" بِألْفِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "بَشَّرْتُمُونِي" بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ ﴾ أيْ: في حالَةٍ قَدْ مَسَّنِي الكِبَرُ فِيها، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "الكُبْرُ" بِضَمِّ الكافِ وسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُبَشِّرُونَ" بِفَتْحِ النُونِ الَّتِي هي عَلامَةُ الرَفْعِ، والفِعْلُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- غَيْرُ مُعَدّى، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "تُبَشِّرُونِّي" بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِشَدِّ النُونِ دُونَ ياءٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ أُدْغِمَتْ فِيها نُونُ العَلامَةِ في النُونِ الَّتِي هي لِلْمُتَكَلِّمِ مُوطِئَةً لِلْياءِ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُبَشِّرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وغَلَّطَ أبُو حاتِمٍ نافِعًا في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: إنَّ شاهِدَ الشِعْرِ في هَذا اضْطِرارٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَمْلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ حُذِفَتِ النُونُ الَّتِي لِلْمُتَكَلِّمِ، وكُسِرَتِ النُونُ الَّتِي هي عَلامَةُ الرَفْعِ بِحَسْبِ الياءِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْها، ونَحْوَ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ -أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ -: تَراهُ كالثَغامِ يُعَلُّ مِسْكًا ∗∗∗ يَسُرُّ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أبِالمَوْتِ الَّذِي لا بُدَّ أنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ مُلاقٍ -لا أباكِ- تُخَوِّفِينِي؟

ومِن حَذْفِ هَذِهِ النُونِ قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ ومُصْعَبًا ابْنِيِ الزُبَيْرِ، وكانَ عَبْدُ اللهِ يُكَنّى أبا خُبَيْبٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ "فَبِمَ تَبْشُرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الشِينِ.

وقَوْلُ إبْراهِيمَ: ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ لِكِبَرِهِما، أو عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ وقِلَّةِ المُبالاةِ بِالمَسَرّاتِ لِمُضِيِّ العُمْرِ واسْتِيلاءِ الكِبَرِ.

قالَ مُجاهِدٌ: عَجِبَ مَن كِبَرِهِ ومَن كِبَرِ امْرَأتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سِنِّهِ وقْتَ البِشارَةِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ شِدَّةٌ ما، أيْ: أبْشِرْ بِما بُشِّرْتَ بِهِ ودَعْ غَيْرَ ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "القانِطِينَ"، والقُنُوطُ: أتَمُّ اليَأْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ، ورُوِيَتْ عن عَمْرٍو: "القَنِطِينَ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "وَمَن يَقْنَطُ" بِفَتْحِ النُونِ في كُلِّ القُرْآنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِها، وكُلُّهم قَرَأ: "مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا" بِفَتْحِ النُونِ، ورَدَّ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الحَرَمَيْنِ، وأنْكَرَ أنْ يُقالَ: "قَنِطَ" بِكَسْرِ النُونِ، ولَيْسَ كَما قالَ، لَأنَّهم لا يُجْمِعُونَ إلّا عَلى قَوِيٍّ في اللُغَةِ مَرْوِيٍّ عِنْدَهُمْ، وهي قِراءَةٌ فَصِيحَةٌ، يُقالُ: قَنَطَ يَقْنِطُ، وقَنِطَ يَقْنَطُ، مِثْلَ: نَقَمَ ونَقِمَ، وقَرَأ الأعْمَشُ هُنا: "يَقْنِطُ" بِكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ: "مِن بَعْدِ ما قَنِطُوا" بِكَسْرِ النُونِ أيْضًا، فَقَرَأ بِاللُغَتَيْنِ، وقَرَأ الأشْهَبُ: "يَقْنُطُ" بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ أيْضًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

حكاية هذا الحوار بين إبراهيم والملائكة عليهم السلام لأنه يجمع بين بيان فضل إبراهيم عليه السلام وبين موعظة قريش بما حل ببعض الأمم المكذبين، انتقل إبراهيم عليه السلام إلى سؤالهم عن سبب نزولهم إلى الأرض، لأنه يعلم أن الملائكة لا ينزلون إلا لأمر عظيم كما قال تعالى: ﴿ ما تنزل الملائكة إلا بالحقّ ﴾ [سورة الحجر: 8].

وقد نزل الملائكة يوم بدر لاستئصال سادة المشركين ورؤسائهم.

والخطب تقدم في قوله تعالى ﴿ قال ما خطبكنّ ﴾ في [سورة يوسف: 51].

والقوم المجرمون هم قوم لوط أهل سدوم وقُراها.

وتقدم ذكرهم في سورة هود.

والاستثناء في ﴿ إلا آل لوط ﴾ منقطع لأنهم غير مجرمين.

واستثناء ﴿ إلا امرأته ﴾ متصل لأنها من آل لوط.

وجملة ﴿ إنا لمنجوهم أجمعين ﴾ استئناف بياني لبيان الإجمال الذي في استثناء آل لوط من متعلق فعل ﴿ أرسلنا ﴾ لدفع احتمال أنهم لم يرسلوا إليهم ولا أمروا بإنجائهم.

وفي قوله: ﴿ أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ إيجاز حذف.

وتقدير الكلام: إنا أرسلنا إلى لوط لأجل قوم مجرمين، أي لعذابهم.

ودل على ذلك الاستثناء في ﴿ إلا آل لوط ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ لمنجوهم ﴾ بفتح النون وتشديد الجيم مضارع نجّى المضاعف.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف بسكون النون وتخفيف الجيم مضارع أنجى المهموز.

وإسناد التقدير إلى ضمير الملائكة لأنهم مُزمعون على سببه.

وهو ما وكلوا به من تحذير لوط عليه السلام وآله من الالتفات إلى العذاب، وتَرْكِهم تحذير امرأته حتى التفتت فَحل بها ما حل بقوم لوط.

وقرأ الجمهور ﴿ قدرنا ﴾ بتشديد الدال من التقدير.

وقرأه أبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال من قدَر المجرد وهما لغتان.

وجملة ﴿ إنها لمن الغابرين ﴾ مستأنفة.

و(إن) معلقة لفعل ﴿ قدرنا ﴾ عن العمل في مفعوله.

وأصل الكلام قدرنا غُبُورها، أي ذهابها وهلاكها.

والتعليق يطرأ على الأفعال كلها وإنما يكثر في أفعال القلوب ويقلّ في غيرها.

وليس من خصائصها على التحقيق.

وتقدم ذكر الغابرين في سورة الأعراف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ آلُ لُوطٍ أتْباعُهُ ومُؤْمِنُو قَوْمِهِ، سَمّاهم آلَهُ لِنُصْرَتِهِمْ لَهُ، وإيمانِهِمْ بِهِ، فاسْتَثْناهم مِنَ المُجْرِمِينَ المَأْمُورِ بِهَلاكِهِمْ، فَخَرَجُوا بِالِاسْتِثْناءِ مِنهم.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ فَكانَتْ مُسْتَثْناةً مِن آلِ لُوطٍ ولاحِقَةً بِالمُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ اسْتِثْناءٍ يَعُودُ إلى ما تَقَدَّمَهُ فَيُخالِفُهُ في حُكْمِهِ.

فَإنْ عادَ إلى إثْباتٍ كانَ الِاسْتِثْناءُ نَفْيًا، وإنْ عادَ إلى نَفْيٍ كانَ الِاسْتِثْناءُ إثْباتًا، فَصارَتِ امْرَأةُ لُوطٍ مُلْحَقَةً بِالمُجْرِمِينَ المُهْلَكِينَ.

وَمِثالُ هَذا في الإقْرارِ أنْ يَقُولَ لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلّا سَبْعَةً إلّا أرْبَعَةً، فَيَكُونُ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ لِأنَّ الأرْبَعَةَ اسْتِثْناءٌ يَرْجِعُ إلى السَّبْعَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَصارَ الباقِي مِنها ثَلاثَةً.

وَتَصِيرُ الثَّلاثَةُ الباقِيَةُ هي الِاسْتِثْناءُ الرّاجِعُ إلى العَشَرَةِ، فَيَبْقى مِنها سَبْعَةٌ.

وَهَكَذا في الطَّلاقِ لَوْ قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا أوِ اثْنَتَيْنِ إلّا واحِدَةً طُلِّقَتْ ثِنْتَيْنِ لِأنَّ الواحِدَةَ تَرْجِعُ إلى الثِّنْتَيْنِ، فَتَبْقى مِنها واحِدَةٌ فَتَصِيرُ الواحِدَةُ هي القَدْرُ المُسْتَثْنى مِنَ الثَّلاثَةِ فَيَصِيرُ الباقِي مِنها ثِنْتَيْنِ وهَكَذا حُكُمُ قَوْلِهِ: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ ﴿ قَدَّرْنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ قَضَيْنا، قالَهُ النَّخَعِيُّ.

الثّانِي: مَعْناهُ كَتَبْنا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ المُجْرِمِينَ.

الثّانِي: مِنَ الماضِينَ بِالعَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: «ألا أراكم تضحكون؟

ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: إني لمّا خرجت جاء جبريل فقال: يا محمد، إن الله يقول: لم تقنط عبادي؟

﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم.

وأن عذابي هو العذاب الأليم ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مصعب بن ثابت قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم على ناس من أصحابه يضحكون فقال: اذكروا الجنة والنار.

فنزلت ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ﴾ » .

وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه، عن عبدالله بن الزبير قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه وقد عرض لهم شيء يضحكهم فقال: أتضحكون وذكر الجنة والنار بين أيديكم؟

ونزلت هذه الآية ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم.

وأن عذابي هو العذاب الأليم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً.

فقال: هذا الملك ينادي لا تقنط عبادي» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم.

وأن عذابي هو العذاب الأليم ﴾ قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله، لما تورّع من حرام.

ولو يعلم قدر عذابه، لجمع نفسه» .

وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة.

فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته، لم ييأس من الرحمة.

ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النار» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج على رهط من الصحابة وهم يتحدثون فقال: والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لَضَحكْتُمْ قليلاً وَلَبَكيتُم كثيراً.

فلما انصرفنا أوحى الله إليه، أن يا محمد، لم تقنط عبادي؟...

فرجع إليهم: ابشروا وقاربوا وسددوا» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ﴾ قال أهل المعاني: يعني جاء لوطًا؛ كما قال في سورة هود؛ في ذكر هذه القصة: ﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا  ﴾ وآل الرجل يُذْكَر والمراد به الرجل، كما ذكرنا في قوله ﴿ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي ﴾ الآية: أعلمهم والآية آية ترجيه وتخويف ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ضيف هنا واقع على جماعة وهم الملائكة الذين جاؤوا إلى إبراهيم بالبشرى ﴿ وَجِلُونَ ﴾ أي خائفون، والوجل الخوف ﴿ لاَ تَوْجَلْ ﴾ أي لا تخف ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بغلام عَلِيمٍ ﴾ هو إسحاق ﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر ﴾ المعنى: أبشرتموني بالولد مع أنني قد كبر سني، وكان حينئذ ابن مائة سنة، وقيل: أكثر ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ قال ذلك على وجه التعجب من ولادته في كبره أو على وجه الاستبعاد، ولذلك قرئ تبشرون، بتشديد النون وكسرها على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وبالكسر والتخفيف على حذف إحدى النونين، وبالفتح وهو نون الجمع ﴿ قَالُواْ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الثابت فلا تستبعده ولا تشك فيه ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون ﴾ دليل على تحريم القنوط، وقرئ يقنط بفتح النون وكسرها وهما لغتان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.

و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.

الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.

الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون بالإسكان.

الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.

﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.

التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.

وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً  والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.

أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.

و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.

وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.

ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟

وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.

والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.

وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.

فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.

وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".

ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".

ومتى تكون هذه الودادة؟

قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.

وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.

وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.

وقيل: إذا اسودت وجوههم.

روي عن النبي  "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.

فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟

قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟

فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

وقرأ رسول الله  الآية" .

وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه  في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله  بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه  وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.

وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.

وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.

لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.

وألهاني غيره.

عن أنس أن النبي  خط خطاً وقال: هذا الإنسان.

وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.

وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.

فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.

ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.

قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.

وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.

قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.

وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: أراد مجموع الأمرين.

قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.

فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.

وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.

ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.

فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه  .

ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.

﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟

والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟

فأجاب الله  عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه  يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.

وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.

قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.

وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.

ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.

وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله  كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ والقول الأول أوضح.

ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.

ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.

وقيل: حفظ بالدرس.

والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.

ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه  أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.

وههنا نكتة هي أنه  تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.

ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي  .

وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.

ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.

قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين  ﴾ و ﴿ بجانب الغربي  ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله  ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.

قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.

وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.

والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.

وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.

وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.

والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.

ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.

واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه  سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟

أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.

ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.

والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.

فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.

عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله  وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي  من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.

قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.

وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.

وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟

وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.

ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.

ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.

ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.

الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.

وقال المنجمون.

إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.

ونظير هذه الآية قوله  في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح  ﴾ ومثله في سورة الملك.

الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.

وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.

قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى  منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد  منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.

والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.

قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي  إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.

وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى  ثم في زمن محمد  .

أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟

والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.

آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟

وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  قال: بينما النبي  جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟

قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.

فقال النبي  : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا  إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟

فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟

والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.

آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي  بقي بعد وفاته؟

الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.

آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟

وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله  أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.

آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟

وأجيب بأنه  أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.

وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.

آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي  عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.

لا يقال: إنه  أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي  لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟

والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.

الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.

الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.

وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.

وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.

وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.

يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.

وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.

﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".

﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.

وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله  وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.

يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.

ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.

قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.

وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.

والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.

فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.

قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه  نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.

الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.

قاله الحسن وقتادة والضحاك.

وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.

وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.

وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.

وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله  : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً  ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.

والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه  ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.

﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.

الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.

قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.

ويروى أنه  رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.

والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.

وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله  وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.

وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.

وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.

وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد  .

وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.

والظاهر العموم وأن علمه  شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.

ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.

الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.

وقد أجمع المفسرون على أنه آدم  ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر  أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.

والأقرب أنه  خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.

وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.

وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.

أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.

وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.

والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.

المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.

وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.

وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.

قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.

قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.

قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.

والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.

ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.

قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.

الله منها الجان.

ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.

على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.

ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.

والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.

والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.

﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.

﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.

فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.

قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.

وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح  ﴾ .

ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.

قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.

وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.

ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟

فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.

ثم قال  وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟

قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.

وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض  ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.

قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.

أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.

وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.

﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".

ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.

وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".

ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.

قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.

ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله  ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.

وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته  فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.

﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.

﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.

وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله  في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.

وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم  ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.

﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.

وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.

وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله  .

والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.

فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.

وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.

والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.

والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.

ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله  : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان  ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن  ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.

ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.

ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.

فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.

ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.

قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.

وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.

إخوة الدين والتعاطف.

والسرر جمع سرير.

قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.

والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.

عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.

والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.

ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".

التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.

ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.

﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.

ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله  بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.

﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.

وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.

﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.

﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.

فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.

﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.

وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

أي: نبئ قومك عن ضيف إبراهيم؛ أي: نبئهم بتمام ما فيه من الزجر والموعظة؛ لأن في ذلك أخبار ما نزل بالمكذبين؛ بتكذيبهم الرسل، وهو الإهلاك، ونجاة من صدق الرسل، ففيه تمام ما يزجرهم، ويعظهم، من الترهيب والترغيب، فإن فيهم آية لرسالتك ونبوتك؛ لأنه يخبرهم على ما في كتبهم لم يشهدها هو، فيدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله.

أو نبئهم؛ فإن ذلك ما يزجرهم عن مثل صنيعهم، وفيه ذكر نعم الله؛ لأنهم جاءوا بالبشارة؛ بشارة الولد، وجاءوا بإهلاك قوم مجرمين، فذلك بالذي يزجرهم عن مثله، والبشارة ترغبهم في مثل صنيع إبراهيم، فنبئهم فإن فيه ما ذكرنا.

ودل قوله: ﴿ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أن الضيف اسم لكل نازل على آخر، طعم عنده أو لم يطعم، وكان نزله للطعام أو لا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً ﴾ .

أي: سلموا على إبراهيم، فرد إبراهيم عليهم السلام.

وقال أبو بكر الأصم: السلام جعله الله أماناً بين الخلق، وعطفاً فيما بينهم، وسبباً لإخراج الضغائن من قلوبهم.

وقال بعضهم: جعل الله السلام تحية على كل داخل على آخر، وهو ما ذكرناه.

وقال بعضهم: السلام: هو اسم كل خير وبرّ وبركة؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾ أي: خائفون.

قال بعض أهل التأويل: إنما خاف؛ لأنه ظن أنهم لصوص وأهل ريبة، لكن هذا لا يحتمل أن يخاف منهم؛ ويظن أنهم لصوص وأهل ريبة، وقد سلمّوا عليه وقت ما دخلوا عليه، واللصوص وأهل الريبة إذا دخلوا بيت آخر لا يسلمون عليه، لكنه إنما خافهم إذ رأى أيديهم لا تصل إليه؛ كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  ﴾ عند ذلك خافهم؛ فلما رأى ذلك ظن إبراهيم أنهم ملائكة؛ إنما جاءوا لأمر عظيم؛ حيث لم يتناولوا مما قرب إليهم؛ وبين إبراهيم وبين المكان الذي يرتحل منه - مكان يقع لهم الحاجة إلى الطعام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَوْجَلْ ﴾ أي: لا تخف: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ  ﴾ والحلم: هو الذي ينفي عن صاحبه كل أخلاق دنية، والعلم: هو الذي يدعو صاحبه إلى كل خلق رفيع؛ ليعلم أنه اجتمع فيه [جميع] الخصال الرفيعة، ونفى عنه كل خلق دنيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ ﴾ .

أي: أبشرتموني أن يولد لي، وأنا على الحال التي أنا عليها، أو يردّ إليَّ شبابي وشباب امرأتي.

﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ على الحال التي أنا عليها وامرأتي، أو يرد الشباب إلينا، وإلا لا يحتمل أن يخفى عليه قدرة الله هبة الولد في حال الكبر، لكنه لم ير الولد يولد في تلك الحال، فاستخبرهم أنه يولد في تلك الحال، أو يرد إلى حالة أخرى حالة الشباب.

والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

أي: بما هو كائن لا محالة، أي: وعد كائن لا محالة، والواجب على كل من أنعم عليه بنعمة أن يشتغل بالشكر للمنعم، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم، والأحوال التي يكون عليها.

ثم في بشارة الولد بشارتان: إحداهما: بشارة بالغلام.

والثانية: بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً  ﴾ ، ففي قوله "كهلا" دلالة وبشارة: إلى أنه يبقى إلى أن يصير كهلا، وإلا الكهل يضعف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء [قد] عصموا عنها ما لا يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه؛ [نحو قوله]: ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ و ﴿ مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ ، ﴿ ٱلْكَٰفِرِينَ  ﴾ وأمثاله، وذلك مما لا يتوهم كونه منهم؛ وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة؛ لأنها لو رفعت لذهبت فائدة العصمة؛ لأنها إنما يحتاج إليها عند المحنة، وأمّا إذا لم يكن محنة فلا حاجة تقع إليها، فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه؛ أنه لا يهب له الولد في حال كبره؛ ولكن ما ذكرنا، ثم بين أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون: أخبر أن القنوط من رحمة الله هو ضلال، والإياس من رحمته كفر، فعندهم تضيق رحمته حتى لا يسع فيها الكبائر، والمعتزلة يقنطون من رحمة ربهم؛ لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  ﴾ .

قيل: فما خبركم، وما قصتكم، وما شأنكم؟

والخطب: الشأن؛ أي: على أي أمر وشأن أرسلتم.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  ﴾ .

لم يحتمل أن يكون أول ما أخبروا إبراهيم وقالوه هذا، ولكن كان فيه ما ذكر في آية أخرى: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ  ﴾ ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  ﴾ فقال إبراهيم ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا  ﴾ يذكر هاهنا على الاختصار؛ فذلك يدل أن الخبر إذا أدّى معناه يجوز، وإن لم يؤت بلفظه على ما كان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ كأن الثنيا هاهنا تكون عن الأشخاص، وأنفس أهل القرية؛ عن قوله: ﴿ مُّجْرِمِينَ ﴾ ؛ لأن آل لوط لم يكونوا مجرمين؛ فلا يحتمل الاستثناء من ذلك.

أو لا يكون على حقيقة الثنيا، وإن كان في الخبر استثناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ .

أخبر أنهم يهلكون قومه، ثم استثنى آله منهم، ثم امرأته من آله؛ ففيه دلالة أن الثنيا ليس برجوع؛ لأنه لو كان رجوعاً لكان يوجب الكذب في الخبر، ولكن في الثنيا بيان تحصيل المراد مما أجمل في اللفظ.

وفيه دلالة أيضاً أنه يجوز أن يستثنى من الاستثناء؛ لأنه استثنى امرأته من آله؛ بقوله: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ فحصلت المرأة من قومه؛ حيث استثناها من آله.

وفيه أنه قد يجوز أن يستثنى من خلاف نوعه؛ لأنه استثنى آل لوط من قومه، والمجرم ليس من نوع الصالح، ثم استثنى امرأته من آله؛ وهي ليست منهم.

وفيه أيضاً أن آل الرجل يكون أتباعه؛ حيث استثنى آله منهم، يدخل فيه من تبعه؛ ألا ترى أنه قال: آل فرعون، وإنما هم أتباعه، وآل موسى؛ وآل هارون، وآل عمران: كل يرجع إلى أتباعهم، فيدخل في قولهم: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد - كلّ من تبعه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا ﴾ : أي: أخبرنا، لكن هذا منه احتيال على تقوية مذهب الاعتزال؛ لأنهم ينكرون أن يكون أفعال العبيد مقدرة لله مخلوقة، ففي ذلك دلالة أن أفعالهم مخلوقة لله، مقدرة له، وأصله: أي: قدرنا بقاءها من الأصل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ : أي: الباقين.

قال أبو عوسجة: الغابرون: الباقون، والغابرون: الماضون أيضاً؛ يقال: غبر يغبر غبراً: إذا بقى، وإذا مضى أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما قدم الملائكة المرسلون إلى آل لوط في صور رجال.

<div class="verse-tafsir" id="91.8yVQK"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله