تفسير الآية ١٥ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٥ من سورة النحل

وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٥ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم ذكر تعالى الأرض ، وما جعل فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات ، لتقر الأرض ولا تميد أي : تضطرب بما عليها من الحيوان فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك ; ولهذا قال : ( والجبال أرساها ) [ النازعات : 32 ] .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن قتادة ، سمعت الحسن يقول : لما خلقت الأرض كانت تميد ، فقالوا ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحوا وقد خلقت الجبال ، لم تدر الملائكة مم خلقت الجبال .

وقال سعيد عن قتادة ، عن الحسن ، عن قيس بن عبادة : أن الله تعالى لما خلق الأرض ، جعلت تمور ، فقالت الملائكة : ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا ، فأصبحت صبحا وفيها رواسيها .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الله بن حبيب ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : لما خلق الله الأرض قمصت وقالت : أي رب ، تجعل علي بني آدم يعملون علي الخطايا ويجعلون علي الخبث ؟

قال : فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون ، فكان إقرارها كاللحم يترجرج .

.

وقوله : ( وأنهارا وسبلا ) أي : وجعل فيها أنهارا تجري من مكان إلى مكان آخر ، رزقا للعباد ، ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر ، فيقطع البقاع والبراري والقفار ، ويخترق الجبال والآكام ، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله .

وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة ، وجنوبا وشمالا وشرقا وغربا ، ما بين صغار وكبار ، وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت ، وما بين نبع وجمع ، وقوي السير وبطيئه ، بحسب ما أراد وقدر ، وسخر ويسر فلا إله إلا هو ، ولا رب سواه .

وكذلك جعل فيها سبلا أي : طرقا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد ، حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرا ومسلكا ، كما قال تعالى : ( وجعلنا فيها فجاجا سبلا ) [ الأنبياء : 31 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ومن نعمه عليكم أيها الناس أيضا، أن ألقى في الأرض رواسي، وهي جمع راسية، وهي الثوابت في الأرض من الجبال.

وقوله ( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) يعني: أن لا تميد بكم، وذلك كقوله يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا والمعنى: أن لا تضلوا.

وذلك أنه جلّ ثناؤه أرسى الأرض بالجبال لئلا يميد خلقه الذي على ظهرها، بل وقد كانت مائدة قبل أن تُرْسَى بها.

كما حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد: أن الله تبارك وتعالى لما خلق الأرض جعلت تمور ، قالت الملائكة.

ما هذه بمقرّة على ظهرها أحدا ، فأصبحت صبحا وفيها رواسيها.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال ، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن عليّ بن أبي طالب، قال: لما خلق الله الأرض قمصت، وقالت: أي ربّ أتجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث ، قال: فأرسى الله عليها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان قرارها كاللحم يترجرج ، والميد: هو الاضطراب والتكفؤ، يقال: مادت السفينة تميد ميدا: إذا تكفأت بأهلها ومالت، ومنه الميد الذي يعتري راكب البحر، وهو الدوار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) : أن تكفأ بكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين.

قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ( وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) قال: الجبال أن تميد بكم.

قال قتادة: سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض كادت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرّة على ظهرها أحدا ، فأصبحوا وقد خُلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم خُلقت الجبال.

وقوله ( وأنهَارًا) يقول: وجعل فيها أنهارا، فعطف بالأنهار على الرواسي، وأعمل فيها ما أعمل في الرواسي، إذ كان مفهوما معنى الكلام والمراد منه ، وذلك نظير قول الراجز: تَسْــمَعُ فــي أجْــوَافِهِنَّ صَـوْرَا وفــي اليَــدَيْنِ حَشَّــةً وبَــوْرا (1) والحشة: اليُبس، فعطف بالحشة على الصوت، والحشة لا تسمع، إذ كان مفهوما المراد منه وأن معناه وترى في اليدين حَشَّةً.

وقوله ( وَسُبُلا) وهي جمع سبيل، كما الطرق: جمع طريق ، ومعنى الكلام: وجعل لكم أيها الناس في الأرض سُبلا وفجاجا تسلكونها ، وتسيرون فيها في حوائجكم ، وطلب معايشكم رحمة بكم ، ونعمة منه بذلك عليكم ولو عماها عليكم لهلكتم ضلالا وحيرة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( سُبُلا) أي طرقا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( سُبُلا) قال: طرقا.

وقوله ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) يقول: لكي تهتدوا بهذه السبل التي جعلها لكم في الأرض إلى الأماكن التي تقصدون والمواضع التي تريدون، فلا تضلوا وتتحيروا.

------------------------ الهوامش: (1) هذا من الرجز ، ولم أقف على قائله .

والصور الصوت ( اللسان ) ، أو لعله محرف عن الضور بالضاد ، والمراد به : الصوت يشبه الأنين في الجوف من شدة الجوع ، قال في اللسان : الضور : شدة الجوع .

والتضور ، التلوي والصياح ، من وجع الضرب أو الجوع .

وتضور الذئب والكلب والأسد والثعلب : صاح عند الجوع .

والحشة ، بتشديد الشين " اليبس ، يقال حشت اليد وأحشت وهو محش : يبست .

وأكثر ذلك في الشلل .

والبور بالفتح : مصدر بار ، بمعنى هلك وفسد .

والبور أيضًا : الهالك الفاسد ، ولعله يريد وصف ناقته بأنه أضر بها الجوع فصاحت ، وأن في يديها يبسا أي شللا وفسادا .

وقد بين الإمام الطبري موضع الشاهد في التفسير.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون قوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي أي جبالا ثابتة .

رسا يرسو إذا ثبت وأقام .

قال :فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلعأن تميد بكم أي لئلا تميد ; عند الكوفيين .

وكراهية أن تميد ; على قول البصريين .

والميد : الاضطراب يمينا وشمالا ; ماد الشيء يميد ميدا إذا تحرك ; ومادت الأغصان تمايلت ، وماد الرجل تبختر .

قال وهب بن منبه : خلق الله الأرض فجعلت تميد وتمور ، فقالت الملائكة .

إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ، ولم تدر الملائكة مم خلقت الجبال .

وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : لما خلق الله الأرض قمصت ومالت وقالت : أي رب !

أتجعل علي من يعمل بالمعاصي والخطايا ، ويلقي علي الجيف والنتن !

فأرسى الله - تعالى - فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون .

وروى الترمذي في آخر " كتاب التفسير " حدثنا محمد بن بشار حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال قالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار فقالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالوا يا رب [ ص: 83 ] فهل من خلقك شيء أشد من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها من شماله .

قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه .قلت : وفي هذه الآية أدل دليل على استعمال الأسباب ، وقد كان قادرا على سكونها دون الجبال .

وقد تقدم هذا المعنىوأنهارا أي وجعل فيها أنهارا ، أو ألقى فيها أنهارا .وسبلا أي طرقا ومسالك .لعلكم تهتدون أي إلى حيث تقصدون من البلاد فلا تضلون ولا تتحيرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 15 و 16 :ـ أي: { وَأَلْقَى } الله تعالى لأجل عباده { فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ } وهي: الجبال العظام لئلا تميد بهم وتضطرب بالخلق فيتمكنون من حرث الأرض والبناء والسير عليها، ومن رحمته تعالى أن جعل فيها أنهارا، يسوقها من أرض بعيدة إلى أرض مضطرة إليها لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم، أنهارا على وجه الأرض، وأنهارا في بطنها يستخرجونها بحفرها، حتى يصلوا إليها فيستخرجونها بما سخر الله لهم من الدوالي والآلات ونحوها، ومن رحمته أن جعل في الأرض سبلا، أي: طرقا توصل إلى الديار المتنائية { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } السبيل إليها حتى إنك تجد أرضا مشتبكة بالجبال مسلسلة فيها وقد جعل الله فيما بينها منافذ ومسالك للسالكين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) أي : [ لئلا تميد بكم ] أي تتحرك وتميل .

والميد : هو الاضطراب والتكفؤ ، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر : ميد .

قال وهب : لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة : إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال .

( وأنهارا وسبلا ) أي : وجعل فيها أنهارا وطرقا مختلفة ، ( لعلكم تهتدون ) إلى ما تريدون فلا تضلون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وألقى في الأرض رواسي» جبالاً ثوابت لـ «أن» لا «تميد» تتحرك «بكم و» جعل فيها «أنهاراً» كالنيل «وسبلاً» طرقاً «لعلكم تهتدون» إلى مقاصدكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأرسى في الأرض جبالا تثبتها حتى لا تميل بكم، وجعل فيها أنهارًا؛ لتشربوا منها، وجعل فيها طرقًا؛ لتهتدوا بها في الوصول إلى الأماكن التي تقصدونها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولفظ : ( رواسى ) جمع راس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - بمعنى الثبات والتمكن فى المكان ، يقال رسا الشئ يرسو إذا ثبت .

وهو صفة لموصوف محذوف .

أى : جبالا رواسى .و ( تميد ) أى تضطرب وتميل .

يقال : ماد الشئ يميد ميدا ، إذا تحرك ، ومادت الأغصان إذا تمايلت أى : وألقى - سبحانه - فى الأرض جبالا ثوابت لكى تقر وتثبت ولا تضطرب .فقوله ( أَن تَمِيدَ بِكُمْ ) تعليل لإِلقاء الجبال فى الأرض .قال القرطبى : وروى الترمذى بسنده عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتضطرب ، فخلق الجبال عليها فاستقرت ، فعجبت الملائكة من شدة الجبال .

قالوا يارب هل من خلقك شئ أشد من الجبال؟

قال نعم ، الحديد .

قالوا يارب فهل من خلقك شئ أشد من الحديد؟

قال نعم النار .

قالوا يارب فهل من خلقك شئ أشد من النار؟

قال نعم الماء ، قالوا يارب فهل من خلقك شئ أشد من الماء؟

قال نعم الريح .

قالوا يارب : فهل من خلقك شئ أشد من الريح؟

قال نعم ، ابن آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله " .هذا ، ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ( خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ .

.

) وقوله - تعالى - : ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً والجبال أَوْتَاداً ) ثم بين - سبحانه - نعما أخرى لما ألقاه فى الأرض فقال : ( وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) .

أى : وجعل فى الأرض ( أنهارا ) تجرى من مكان إلى آخر ، فهى تنبع فى مواضع .

وتصب فى مواضع أخرى ، وفيها نفع عظيم للجميع ، إذ منها يشرب الناس والدواب والأنعام والنبات .وجعل فيها كذلك طرقا ممهدة ، يسير فيها السائرون من مكان إلى آخر .

( لعلكم تهتدون ) بتلك السبل إلى المكان الذى تريدون الوصول إليه .

بدون تحير أو ضلال .وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى فى آيات كثيرة ، منها قوله تعالى - : ( والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام السموات، وفي المرتبة الثانية ببدن الإنسان ونفسه، وفي المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات، وفي المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء.

واعلم أن علماء الهيئة قالوا: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء وذاك هو البحر المحيط وهو كلية عنصر الماء وحصل في هذا الربع المسكون سبعة من البحار كما قال بعده: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ  ﴾ والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار، ومعنى تسخير الله تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص.

واعلم أن منافع البحار كثيرة والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع: المنفعة الأولى: قوله تعالى: ﴿ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن الأعرابي لحم طري غير مهموز، وقد طرو يطرو طراوة، وقال الفراء: طرا يطرا طراء ممدوداً وطراوة كما يقال شقى يشقى شقاء وشقاوة.

واعلم أن في ذكر الطري مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحاً، لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري فإنه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته حيث أظهر الضد من الضد.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رحمه الله: لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث قالوا: لأن لحم السمك ليس بلحم، وقال آخرون: إنه يحنث لأنه تعالى نص على كونه لحماً في هذه الآية وليس فوق بيان الله بيان.

روي أن أبا حنيفة رحمه الله لما قال بهذا القول وسمعه سفيان الثوري فأنكر عليه ذلك، واحتج عليه بهذه الآية بعث إليه رجلاً وسأله عن رجل حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض هل يحنث أم لا؟

قال سفيان: لا يحنث فقال السائل: أليس أن الله تعالى قال: ﴿ والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً  ﴾ قال فعرف سفيان أن ذلك كان بتلقين أبي حنيفة.

ولقائل أن يقول: هذا الكلام ليس بقوي، لأن أقصى ما في الباب أنا تركنا العمل بظاهر القرآن في لفظ البساط للدليل الذي قام عليه فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في آية أخرى والفرق بين الصورتين من وجهين: الأول: أنه لما حلف لا يصلي على البساط فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ البساط لزمنا أن نمنعه من الصلاة، لأنه إن صلى على الأرض المفروشة بالبساط لزمه الحنث لا محالة، ولو صلى على الأرض التي لا تكون مفروشة لزمه الحنث أيضاً على تقدير أن يدخل الأرض تحت لفظ البساط، فهذا يقتضي منعه من الصلاة، وذلك مما لا سبيل إليه بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظ اللحم، لأنه ليس في منعه من أكل اللحم على الإطلاق محذور فظهر الفرق.

الثاني: أنا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة أن وقوع اسم البساط على الأرض الخالصة مجاز أما وقوع اسم اللحم على لحم السمك فلم يعرف أنه مجاز، فظهر الفرق، والله أعلم.

وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن: مبنى الأيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه لحم السمك بدليل أنه إذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار.

والجواب: أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ وتارة تعتبرون العرف، وما رأيناكم ذكرتم ضابطاً بين القسمين والدليل عليه أنه إذا قال لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار عليه، مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور، فثبت أن العرف مضطرب، والرجوع إلى نص القرآن متعين، والله أعلم.

المنفعة الثانية: من منافع البحر قوله تعالى: ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ والمراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ  ﴾ والمراد: بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم، ولأن إقدامهن على التزين بها إنما يكون من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم، ورأيت بعض أصحابنا تمسكوا في مسألة أنه لا يجب الزكاة في الحلي المباح بحديث عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا زكاة في الحلي» فقلت هذا الحديث ضعيف الرواية وبتقدير الصحة فيمكن أن يقال فيه لفظ الحلي لفظ مفرد محلى بالألف واللام، وقد بينا في أصول الفقه أن هذا اللفظ يجب حمله على المعهود السابق، والحلي الذي هو المعهود السابق هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه في هذه الآية وهو قوله: ﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ فصار بتقدير صحة ذلك الخبر لا زكاة في اللآلئ، وحينئذ يسقط الاستدلال به، والله أعلم.

المنفعة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها، وعن الفراء: أنه صوت جري الفلك بالرياح.

إذا عرفت هذا فقول ابن عباس: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ أي جواري، إنما حسن التفسير به، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية.

وقوله تعالى: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَحْمًا طَرِيّا ﴾ هو السمك، ووصفه بالطراوة؛ لأنّ الفساد يسرع إليه، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه.

فإن قلت: ما بال الفقهاء قالوا: إذا حلف الرجل لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً، لم يحنث.

والله تعالى سماه لحماً كما ترى؟

قلت: مبنى الأيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه السمك، وإذا قال الرجل لغلامه: اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك، كان حقيقاً بالإنكار.

ومثاله أن الله تعالى سمى الكافر دابة في قوله: إنّ شرّ الدواب عند الله الذين كفروا، فلو حلف حالف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث.

﴿ حِلْيَةً ﴾ هي اللؤلؤ والمرجان.

والمراد بلبسهم: لبس نسائهم، لأنهنّ من جملتهم، ولأنهنّ إنما يتزينّ بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم.

المخر: شق الماء بحيزومها.

وعن الفراء: هو صوت جري الفلك بالرياح.

وابتغاء الفضل: التجارة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ جِبالًا رَواسِيَ.

﴿ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيلَ بِكم وتَضْطَرِبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْضَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ فِيها الجِبالُ كانَتْ كُرَةً خَفِيفَةً بَسِيطَةَ الطَّبْعِ، وكانَ مِن حَقِّها أنْ تَتَحَرَّكَ بِالِاسْتِدارَةِ كالأفْلاكِ، أوْ أنْ تَتَحَرَّكَ بِأدْنى سَبَبٍ لِلتَّحْرِيكِ فَلَمّا خُلِقَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِها تَفاوَتَتْ جَوانِبُها وتَوَجَّهَتِ الجِبالُ بِثِقَلِها نَحْوَ المَرْكَزِ فَصارَتْ كالأوْتادِ الَّتِي تَمْنَعُها عَنِ الحَرَكَةِ.

وقِيلَ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ.

﴿ وَأنْهارًا ﴾ وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ ألْقى فِيهِ مَعْناهُ.

﴿ وَسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ لِمَقاصِدِكم، أوْ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وألقى فِى الأرض رَوَاسِيَ} جبالاً ثوابت {أَن تميد بكم} كراهية أن تميل بكم أو تضطرب أو لئلا تميد بكم لكن حذف المضاف أكثر قيل خلق الله الأرض فجعلت تميد فقالت الملائكة ما هي بمقر أحد على ظهرها

فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت {وأنهارا} وجعل فيها أنهاراً لأن ألقى فيه معنى جعل {وَسُبُلاً} طرقاً {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى مقاصدكم أو إلى توحيد ربكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ، والمَيْدُ اضْطِرابُ الشَّيْءِ العَظِيمِ، ووَجَّهَ كَوْنَ الإلْقاءِ مانِعًا عَنِ اضْطِرابِ الأرْضِ بِأنَّها كَسَفِينَةٍ عَلى وجْهِ الماءِ والسَّفِينَةِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها أجْرامٌ ثَقِيلَةٌ تَضْطَرِبُ وتَمِيلُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ بِأدْنى شَيْءٍ وإذا وُضِعَتْ فِيها أجْرامٌ ثَقِيلَةٌ تَسْتَقِرُّ فَكَذا الأرْضُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها هَذِهِ الجِبالُ لاضْطَرَبَتْ فالجِبالُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالأجْرامِ الثَّقِيلَةِ المَوْضُوعَةِ في السَّفِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها.

وتَعَقَّبَهُ الإمامُ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ عَلى مَذْهَبِ الحُكَماءِ القائِلِينَ بِأنَّ حَرَكَةَ الأجْسامِ أوْ سُكُونَها لِطَبائِعِها أنَّ الأرْضَ أثْقَلُ مِنَ الماءِ فَيَلْزَمُ أنْ تَغُوصَ فِيهِ لا أنْ تَطْفُوَ أوْ تَرْسِيَ بِالجِبالِ وهَذا بِخِلافِ السَّفِينَةِ فَإنَّها مُتَّخَذَةٌ مِنَ الخَشَبِ وبَيْنَ أجْزائِهِ هَواءٌ يَمْنَعُهُ مِنَ السُّكُونِ ويُفْضِي بِهِ إلى المَيْدِ لَوْلا الثَّقِيلُ.

والثّانِي عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ القائِلِينَ بِأنَّهُ لَيْسَ لِلْأجْسامِ طَبائِعُ تَقْتَضِي السُّكُونَ أوِ الحَرَكَةَ فَما سَكَنَ ساكِنٌ وما تَحَرَّكَ مُتَحَرِّكٌ في بَرٍّ وبَحْرٍ إلّا بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ.

والثّانِي أنَّ إرْساءَ الأرْضِ بِالجِبالِ لِئَلّا تَمِيدَ وتَبْقى واقِفَةً عَلى وجْهِ الماءِ إنَّما يُعْقَلُ إذا كانَ الماءُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلى وجْهِهِ ساكِنًا وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنْ سَبَبَ سُكُونِهِ في حَيِّزِهِ المَخْصُوصِ طَبِيعَتُهُ المَخْصُوصَةُ فَلِمَ لا يُقالُ في سُكُونِ الأرْضِ في هَذا الحَيِّزِ إنَّهُ بِسَبَبِ طَبِيعَتِها المَخْصُوصَةِ أيْضًا، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ فَلِمَ لَمْ يَقِلْ: إنْ سُكُونَ الأرْضِ أيْضًا كَذَلِكَ فَلا يُعْقَلُ الإرْساءُ بِالجِبالِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ.

والثّالِثُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَمِيدَ الأرْضُ بِكُلِّيَّتِها ولا تَظْهَرَ حَرَكَتُها ولا يَشْعُرَ بِها أهْلُها ويَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ حَرَكَةِ السَّفِينَةِ مِن غَيْرِ شُعُورِ راكِبِها بِها ولا يَأْبى الشُّعُورُ بِحَرَكَتِها عِنْدَ احْتِقانِ البُخارِ فِيها لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنها وهو يَجْرِي مَجْرى الِاخْتِلاجِ الَّذِي يَحْصُلُ في عُضْوٍ مُعَيَّنٍ مِنَ البَدَنِ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ المُشْكِلِ أنْ يُقالَ: ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ وثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الجِبالَ عَلى سَطْحِ الكُرَةِ جارِيَةٌ مَجْرى خُشُوناتٍ تَحْصُلُ عَلى وجْهِ هَذِهِ الكُرَةِ وحِينَئِذٍ نَقُولُ لَوْ فَرَضْنا أنَّ هَذِهِ الخُشُوناتِ ما كانَتْ حاصِلَةً بَلْ كانَتْ مَلْساءَ خالِيَةً عَنْها لَصارَتْ بِحَيْثُ تَتَحَرَّكُ عَلى الِاسْتِدارَةِ كالأفْلاكِ لِبَساطَتِها أوْ تَتَحَرَّكُ بِأدْنى سَبَبٍ لِلتَّحْرِيكِ فَلَمّا خُلِقَتْ هَذِهِ الجِبالُ وكانَتْ كالخُشُوناتِ عَلى وجْهِها تَفاوَتَتْ جَوانِبُها وتَوَجَّهَتِ الجِبالُ بِثِقْلِها نَحْوَ المَرْكَزِ فَصارَتْ كالأوْتادِ لِمَنعِها إيّاها عَنِ الحَرَكَةِ المُسْتَدِيرَةِ اهـ وقَدْ تابَعَ الإمامُ في هَذا الحَلِّ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ ولا عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ ذاتَ شَيْءٍ لا تَقْتَضِي تَحَرُّكَهُ وإنَّما ذَلِكَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الفَلاسِفَةَ لَمْ يَقُولُوا: إنَّ حَقَّ الأرْضِ أنْ تَتَحَرَّكَ بِالِاسْتِدارَةِ لِأنَّ في الأرْضِ مَيْلًا مُسْتَقِيمًا وما هو كَذَلِكَ لا يَكُونُ فِيهِ مَبْدَأُ مَيْلٍ مُسْتَدِيرٍ عَلى ما ذَكَرُوا في الطَّبِيعِيِّ.

وأوْرَدَ أيْضًا عَلى مَنعِ الجِبالِ لَها مِنَ الحَرَكَةِ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ أعْظَمَ جَبَلٍ في الأرْضِ وهو ما ارْتِفاعُهُ فَرْسَخانِ وثُلُثُ فَرْسَخٍ إلى قُطْرِ الأرْضِ نِسْبَةُ خُمْسِ سَبْعِ عُرْضِ شُعَيْرَةٍ إلى كُرَةٍ قُطْرُها ذِراعٌ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ الشُّعَيْرَةِ لا يُخْرِجُ تِلْكَ الكُرَةَ عَنِ الِاسْتِدارَةِ بِحَيْثُ يَمْنَعُها عَنِ الحَرَكَةِ، وكَذا حالُ الجِبالِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُرَةِ الأرْضِ، ثُمَّ قِيلَ: الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ مُضْطَرِبَةً لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو ثُمَّ أرْساها بِالجِبالِ عَلى جَرَيانِ عادَتِهِ في جَعْلِ الأشْياءِ مَنُوطَةً بِالأسْبابِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الجَوابِ: إنَّ المَقْصُودَ أنَّ الأرْضَ مِن حَيْثُ كَوْنُها كُرَةً حَقِيقِيَّةً بَسِيطَةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِها عُنْصُرًا كانَ حَقُّها أحَدَ الأمْرَيْنِ لِأنَّها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إمّا ذُو مَيْلٍ مُسْتَدِيرٍ كالأفْلاكِ فَكانَ حَقَّها حِينَئِذٍ أنْ تَتَحَرَّكَ مِثْلَها عَلى الِاسْتِدارَةِ وإمّا ذُو مَيْلٍ مُسْتَقِيمٍ فَحَقُّها السُّكُونُ لَكِنَّها تَتَحَرَّكُ بِأدْنى قاسِرٍ، أمّا السُّكُونُ فَلِأنَّ الجِسْمَ الحاصِلَ في الحَيِّزِ الطَّبِيعِيِّ لِما يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً طَبِيعِيَّةً آنِيَةً لِاسْتِلْزامِها الخُرُوجَ عَنِ الحَيِّزِ الطَّبِيعِيِّ ولا يُتَصَوَّرُ مِنَ الأرْضِ الحَرَكَةُ الإرادِيَّةُ لِكَوْنِها عَدِيمَةَ الشُّعُورِ، وأمّا التَّحَرُّكُ بِأدْنى قاسِرٍ فَيَحْكُمُ بِهِ بِالضَّرُورَةِ مَن لَهُ تَخَيُّلٌ صَحِيحٌ، واسْتَوْضَحَ ذَلِكَ مِن كُرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ عَلى سَطْحٍ حَقِيقِيٍّ فَإنَّها لا تَماسُّهُ إلّا بِنُقْطَةٍ فَبِأدْنى شَيْءٍ ولَوْ نَفْخَةً تَتَدَحْرَجُ عَنْ مَكانِها.

نَعَمِ الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ أحَدُ الأمْرَيْنِ مُعَيَّنًا وذِكْرُهُما تَوْسِيعٌ لِلدّائِرَةِ وهو أمْرٌ شائِعٌ فِيما بَيْنَهم فَيَنْدَفِعُ قَوْلُهُ: وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الفَلاسِفَةَ إلَخْ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ إلَخْ فَجَوابُهُ أنَّهم قَدْ صَرَّحُوا في كُتُبِ الهَيْئَةِ بِأنَّ في كُلِّ إقْلِيمٍ ثَلاثِينَ جَبَلًا بَلْ أكْثَرُ فَنِسْبَةُ كُلِّ جَبَلٍ وإنْ كانَتْ كالنِّسْبَةِ المَذْكُورَةِ لَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُها مانِعًا عَنْ حَرَكَتِها كالحَبْلِ المُؤَلَّفِ مِنَ الشَّعَراتِ المُخالِفِ حُكْمُهُ حُكْمُ كُلِّ شَعْرَةٍ، عَلى أنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ بِاعْتِبارِ الحَجْمِ ومَنعِها عَنْ حَرَكَتِها بِاعْتِبارِ الثِّقَلِ، وثِقَلُ هَذِهِ الجِبالِ يَكادُ أنْ يُقاوِمَ ثِقَلَ الأرْضِ لِأنَّ الجِبالَ أجْسامٌ صُلْبَةٌ حَجَرِيَّةٌ والأرْضَ رَخْوَةً مُتَخَلْخِلَةً كالكُرَةِ الخَشَبِيَّةِ الَّتِي أُلْزِقَتْ عَلَيْها حَبّاتٌ مِن حَدِيدٍ، وما يُقالُ: مِن أنَّ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ ابْتِناءً عَلى قَواعِدِ الفَلْسَفَةِ فَلا يُطْعَنُ فِيهِ لِأنَّ ذَلِكَ الِابْتِناءَ غَيْرُ مُضِرٍّ إنْ لَمْ يُخالِفِ القَواعِدَ الشَّرْعِيَّةَ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، واعْتُرِضَ عَلى ما ادَّعى المُعْتَرِضُ صِحَّتَهُ بِأنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ، وظَنِّي أنَّهُ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى مُرادِهِ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرَ، ونَحْنُ قَدْ أسْلَفْنا نَحْوَهُ وأطْنَبْنا الكَلامَ في هَذا المَقامِ ومِنهُ يَظْهَرُ ما هو الأوْفَقُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ، ثُمَّ ما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِن أنَّ المُصَرَّحَ بِهِ في كُتُبِ الهَيْئَةِ أنَّ في كُلِّ إقْلِيمٍ ثَلاثِينَ جَبَلًا بَلْ أكْثَرُ خِلافِ المَشْهُورِ وهو أنَّ في الإقْلِيمِ الأوَّلِ عِشْرِينَ وفي الثّانِي سَبْعَةً وعِشْرِينَ وفي الثّالِثِ ثَلاثَةً وثَلاثِينَ وفي الرّابِعِ خَمْسَةً وخَمْسِينَ وفي الخامِسِ ثَلاثِينَ وفي كُلٍّ مِنَ السّادِسِ والسّابِعِ أحَدَ عَشَرَ والمَجْمُوعُ مِائَةٌ وسَبْعَةٌ وثَمانُونَ جَبَلًا عَلى أنَّ كَلامَهُ لا يَخْلُو عَنْ مُناقَشَةٍ فَتَدَبَّرْ، ومَعْنى ( ألْقى ) عَلى ما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ خَلَقَ وجَعَلَ، واخْتارَ هو أنَّهُ أخَصُّ مِن ذَلِكَ وذَلِكَ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْجَدَ الجِبالَ مِن مَحْضِ قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ لا مِنَ الأرْضِ ووَضَعَها عَلَيْها وأيَّدَ بِأخْبارٍ رَوَوْها في هَذا المَقامِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُها، ولَمْ يَعُدَّ بِعَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي  ﴾ لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ الجِبالِ ورُسُوخِها وثَباتِها في الأرْضِ حَتّى كَأنَّها مَسامِيرُ في ساحَةٍ وانْظُرْ هَلْ تُعَدُّ مِنَ الأرْضِ فَيَحْنَثُ مَن حَلَفَ لا يَجْلِسُ عَلى الأرْضِ إذا جَلَسَ عَلَيْها أمْ لا فَلا يَحْنَثُ لَمْ يَحْضُرْنِي مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِعَدِّ العُرْفِ إيّاها مِنها وإنْ كانَ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَغَيْرِها عَدَمَ العَدِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْهارًا ﴾ عَطْفٌ عَلى رَواسِيَ والعامِلُ فِيهِ ( ألْقى ) إلّا أنَّ تَسَلُّطَهُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الجَعْلِ والخَلْقِ أوْ تَضْمِينِهِ إيّاهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا إضْمارَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ولَيْسَ إجْماعًا خِلافًا لِابْنِ عَطِيَّةَ.

أيْ وجَعَلَ أوْ خَلَقَ أنْهارًا نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا.

وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ شَقَّ والعَطْفُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الجُمَلِ وكَأنَّهُ لَمّا كانَ أغْلَبُ مَنابِعِ الأنْهارِ مِنَ الجِبالِ ذَكَرَ الأنْهارَ بَعْدَ ما ذَكَرَ الجِبالَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وسُبُلا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أنْهارًا ) أيْ وجَعَلَ طُرُقًا لِمَقاصِدِكم ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ لَها فالتَّعْلِيلُ بِالنَّظَرِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسُبُلا ﴾ كَما هو الظّاهِرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا بِالنَّظَرِ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ تِلْكَ الآثارَ العِظامَ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّرْكِ، وقِيلَ: تَدُلُّ عَلى وُجُودِ فاعِلٍ حَكِيمٍ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَهْتَدُونَ ﴾ تَوْرِيَةٌ حِينَئِذٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء أي: المطر لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وهو ما يستقر في الأرض من الغدران، وتشربون منه، وتسقون أنعامكم وَمِنْهُ شَجَرٌ أي: ومن الماء ما يتشرّب في الأرض، فينبت منه الشجر والنبات فِيهِ تُسِيمُونَ أي: ترعون أنعامكم.

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ أي: يخرج لكم بالمطر الزرع، وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ أي: الكروم وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: من ألوان الثمرات.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ننبت لَكُمْ بالنون.

وقرأ الباقون بالياء، ومعناهما واحد.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: فيما ذكر من نزول المطر وخروج النبات لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في آياته.

ثم قال عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي ذلّل لكم الليل والنهار لمعايشكم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي: خلق الشمس والقمر وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ أي: مذللات بإذنه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعبرات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: لمن له ذهن الإنسانية.

ثم قال عز وجل: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي: وما خلق لكم في الأرض من الدواب والأشجار والثمار مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي في اختلاف ألوانها لعبرة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي: يتعظون.

قرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم كلها بالرفع على معنى الابتداء.

وقرأ عاصم في رواية حفص وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بالنصب على معنى البناء، أي: سخر لكم الشمس والقمر.

ثم ابتدأ فقال: وَالنُّجُومُ بالضم على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون الثلاثة كلها بالنصب، ويكون بمعنى المفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» .

انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و «مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.

وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:

خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.

وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣» ، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.

وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و «الأثْقَالُ» :

الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١» ، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .

قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ» ، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣» ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و «النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك.

انتهى.

وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .

وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.

وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...

الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ القَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ: إذا قَصَدَ بِكَ ما تُرِيدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والدُّعاءُ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبُرْهانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبِيلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، وهو في مَوْضِعِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جائِرٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ذَكَرَ السَّبِيلَ، دَلَّ عَلى السُّبُلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ كَما دَلَّ الحَدَثانِ عَلى الحَوادِثِ في قَوْلِ العَبْدِيِّ: ولا يَبْقى عَلى الحَدَثانِ حَيٌّ فَهَلْ يَبْقى عَلَيْهِنَّ السِّلامُ أرادَ: فَهَلْ يَبْقى عَلى الحَوادِثِ، والسِّلامُ: الصُّخُورُ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما قالَ: ﴿ وَمِنها ﴾ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، فالمَعْنى: مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ لا يَهْتَدُونَ فِيهِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِنها جائِرُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الأهْواءُ والبِدَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ لَكم مِنهُ شَرابٌ ﴾ وهو ما تَشْرَبُونَهُ، ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ومِنهُ سَقْيُ شَجَرٍ، وشُرْبُ شَجَرٍ، فَخَلَفَ المُضافُ إلَيْهِ المُضافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ومِن جِهَةِ الماءِ شَجَرٌ، ومِن سَقْيِهِ شَجَرٌ، ومِن ناحِيَتِهِ شَجَرٌ، فَحُذِفَ الأوَّلُ، وخَلَفَهُ الثّانِي، قالَ زُهَيْرٌ: [لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ] .

.

.

.

∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن شَهْرِ أيْ: مِن مَمَرِّ حُجَجٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرِ: المَرْعى.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الخَيْلَ: يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ ∗∗∗ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ.

و ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ بِمَعْنى: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وإنَّما أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السُّومَةِ، وهي: العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها: أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُنْبِتُ " بِالنُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُبُوبَ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَجازَ إضْمارُ فِعْلٍ غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المُضْمَرَ في المَعْنى مِثْلُ المَظْهَرِ، وقَدْ تَفْعَلُ العَرَبُ أشَدَّ مِن هَذا، قالَ الرّاجِزُ: تَسَمَعُ في أجْوافِهِنَّ صَرَدًا ∗∗∗ وفي اليَدَيْنِ جُسْأةً وبَدَدا المَعْنى: وتَرى في اليَدَيْنِ.

والجُسْأةُ: اليَبَسُ.

والبَدَدُ: السَّعَةُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَخَّراتٌ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ تَسْخِيرَها قَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " وسَخَّرَ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، رَفْعًا كُلَّهُ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالنَّصْبِ كالجُمْهُورِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ﴾ فَإنَّهُ رَفَعَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ ﴾ مَعْناهُ: بَثَّ ونَشَرَ، و"الذُرِّيَّةُ" مِن هَذا في أحَدِ الأقْوالِ في اشْتِقاقِها، وقَوْلُهُ: "ألْوانُهُ" مَعْناهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَمَرِ ومِنَ الطَعامِ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ المَبْثُوثاتُ في الأرْضِ أصْنافًا عُدَّتْ في النِعْمَةِ، وظَهَرَ الِانْتِفاعُ بِها أنَّهُ عَلى وُجُوهٍ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ هي مُتَلَوِّنَةٌ حُمْرَةً وصُفْرَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِلافِ الألْوانِ حُمْرَةً وصُفْرَةً، والأوَّلُ أبْيَنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ ﴾ الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعَمِ اللهِ، وتَسْخِيرُ البَحْرِ هو تَمْكِينُ البَشَرِ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ، وتَذْلِيلِهِ لِلرُّكُوبِ والأرْفادِ وغَيْرِهِ.

والبَحْرُ: الماءُ الكَثِيرُ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا، كُلُّهُ يُسَمّى بَحْرًا، والبَحْرُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنهُ أكْلُ اللَحْمِ الطَرِيِّ، ومِنهُ اسْتِخْراجُ الحِلْيَةٍ، وأكْلُ اللَحْمِ يَكُونُ مِن مِلْحِهِ وعَذْبِهِ، وإخْراجُ الحِلْيَةِ إنَّما هو -فِيما عُرِفَ- مِنَ المِلْحِ فَقَطْ، ومِمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ والصَدَفُ والصُوفُ البَحَرِيُّ، وقَدْ يُوجَدُ في العَذْبِ لُؤْلُؤٌ لا يَلْبَسُ إلّا قَلِيلًا، وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُمُرُّدِ بَحْرِيًّا، وقَدْ خُطِّئَ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ في وصْفِ الدُرَّةِ.

فَجاءَ بِها مِن دُرَّةٍ لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ فَجَعَلَها مِنَ الماءِ الحُلْوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمَّلْ قَوْلُهُ: "يَمُوجُ" عَلى أنَّهُ وصَّفٌ بِرِيقِها ومائِيَّتِها فَشَبَّهَهُ بِماءِ الفُراتِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى الغَرَضِ الَّذِي خُطِّئَ فِيهِ.

و"اللَحْمُ الطَرِيُّ": السَمَكُ، و"الحِلْيَةُ": ما تُقَدِّمُ، و"الفُلْكَ" هُنا جَمْعٌ، و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، و"المَخْرُ" في اللُغَةِ الصَوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِيحِ عَلى شَيْءٍ يُشَقُّ، أو يَصْحَبُ في الجُمْلَةِ الماءَ، فَيَتَرَتَّبُ مِنهُ أنْ يَكُونَ "المَخْرُ" مِنَ الرِيحِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ السَفِينَةِ ونَحْوَها، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ السُفُنِ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: "بَناتٌ مَخْرٌ" تَشْبِيهًا، إذْ في جَرْيِها ذَلِكَ الصَوْتُ الَّذِي هو عَنِ الرِيحِ، والماءُ الَّذِي في السَحابِ وأمْرُها يُشْبِهُ أمْرَ البَحْرِ، عَلى أنَّ الزَجاجَ قَدْ قالَ: "بَناتُ البَحْرِ": سَحابٌ بَيْضٌ لا ماءَ فِيها، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: المَخْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَقُّ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ، فَهَذا بَيِّنٌ أنْ يُقالَ فِيهِ لِلْفُلْكِ: مَواخِرَ، وقالَ قَوْمٌ: "مَواخِرَ" مَعْناهُ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلَّفْظَةِ، وإنَّما أرادُوا أنَّها مَواخِرُ بِهَذِهِ الأحْوالِ، فَنَصُّوا عَلى هَذِهِ الأحْوالِ؛ إذْ هي مَوْضِعُ النِعَمِ المَعْدُدَةِ؛ إذْ نَفْسُ كَوْنِ الفُلْكِ ماخِرَةً لا نِعْمَةَ فِيهِ، وإنَّما النِعْمَةُ في مَخْرِها بِهَذِهِ الأحْوالِ في التِجاراتِ، والسَفَرِ فِيها، وما يَمْنَحُ اللهُ فِيها مِنَ الأرْباحِ والمِنَنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَخْرُ" في اللُغَةِ: صُوتُ هُبُوبِ الرِيحِ، ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِكَوْنٍ في ماءٍ، وقالَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ: إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرَ الرِيحَ؛ أيْ: لِيَنْظُرَ في صَوْتِها في الأجْسامِ مِن أيْنَ تُهِبُّ، فَيَتَجَنَّبَ اسْتِقْبالَها لِئَلّا تَرُدُّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.

وقَوْلُهُ: "وَلِتَبْتَغُوا" عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: "تَأْكُلُوا"، وهَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ لَها تَفاصِيلُ لا تُحْصى، وفِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ الأرْباحِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أسْبابٍ في تَسْخِيرِ البَحْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى في الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.

قالَ المُتَأوِّلُونَ: "ألْقى" بِمَعْنى خَلْقَ وجَعْلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَهِيَ عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ ألْقى تَقْتَضِي أنَّ اللهَ أحْدَثَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ، لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَظَرُ ما رُوِيَ في القِصَصِ عَنِ الحَسَنِ عن قَيْسِ بْنِ عِبادٍ أنَّ اللهَ تَعالى لِما خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلى ظَهْرِها أحَدًا، فَأصْبَحَتْ ضُحًى وفِيها رَواسِيها، و"الرَواسِي": الثَوابِتُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الوَتَدِ: وأشْعَثَ تُرْسِيهِ الوَلِيدَةَ بِالفِهْرِ و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"المَيَدُ": الِاضْطِرابُ، وقَوْلُهُ: "أنْهارًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنْهارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ "ألْقى"، ولَوْ كانَ "ألْقى" بِمَعْنى "خَلَقَ" لَمْ يَحْتَجْ إلى الإضْمارِ.

و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ في مَشْيِكم وتَصَرُّفِكم في السُبُلِ، ويُحْتَمَلُ ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ بِالنَظَرِ في هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، وهَذا التَأْوِيلُ هو البارِعُ؛ أيْ: سَخَّرَ وألْقى وجَعَلَ أنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّ البَشَرَ يَعْتَبِرُونَ ويَرْشِدُونَ، ولِتَكُونَ عَلاماتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

القول في هذا الاستدلال وإدماج الامتنان فيه كالقول فيما سبق.

وتقدّم الكلام على تسخير الفلك في البحر وتسخير الأنهار في أثناء سورة إبراهيم.

ومن تسخير البحر خلقه على هيئة يمكن معها السبح والسير بالفلك، وتمكين السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخّرة لحيل الصائدين.

وزيد في الامتنان أن لحم صيده طريّ.

و (مِن) ابتدائية، أي تأكلوا لحماً طريّاً صادراً من البحر.

والطريّ: ضد اليابس.

والمصدر: الطراوة.

وفعله: طَرو، بوزن خَشُن.

والحلية: ما يتحلّى به الناس، أي يتزينون.

وتقدم في قوله تعالى ﴿ ابتغاء حلية ﴾ في سورة الرعد (17).

وذلك اللؤلؤ والمَرجان؛ فاللؤلؤ يوجد في بعض البحار مثل الخليج الفارسي، والمرجان يوجد في جميع البحار ويكثر ويقلّ.

وسيأتي الكلام على اللؤلؤ في سورة الحجّ، وفي سورة الرحمان.

ويأتي الكلام على المَرجان في سورة الرحمن.

والاستخراج: كثرة الإخراج، فالسين والتاء للتأكيد مثل: استجاب لمعنى أجاب.

واللبس: جعل الثوب والعمامة والمصوغ على الجسد.

يقال: لبس التاج، ولبس الخاتم، ولبس القميص.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباسا ﴾ في سورة الأعراف (26).

وإسناد لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور تغليب، وإلا فإن غالب الحلية يلبسها النساء عدا الخواتيم وحلية السيوف.

وجملة وترى الفلك مواخر فيه} معترضة بين الجمل المتعاطفة مع إمكان العطف لقصد مخالفة الأسلوب للتعجيب من تسخير السير في البحر باستحضار الحالة العجيبة بواسطة فعل الرؤية.

وهو يستعمل في التعجيب كثيراً بصيغ كثيرة نحو: ولو ترى، وأرأيت، وماذا تَرى.

واجتلاب فعل الرؤية في أمثاله يفيد الحثّ على معرفة ذلك.

فهذا النظم للكلام لإفادة هذا المعنى ولولاها لكان الكلام هكذا: وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وتبتغوا من فضله في فُلْككٍ مواخرَ.

وعطف ﴿ ولتبتغوا ﴾ على ﴿ وتستخرجوا ﴾ ليكون من جملة النّعم التي نشأت عن حكمة تسخير البحر.

ولم يجعل علة لمخر الفلك كما جعل في سورة فاطر (12) ﴿ وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ﴾ لأن تلك لم تصدر بمنّة تسخير البحر بل جاءت في غرض آخر.

وأعيد حرف التعليل في قوله تعالى: ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ لأجل البعد بسبب الجملة المعترضة.

والابتغاء من فضل الله: التجارة كما عبّر عنها بذلك في قوله تعالى ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ في سورة البقرة (198).

وعطف ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ على بقية العلل لأنه من الحكم التي سخّر الله بها البحر للناس حملاً لهم على الاعتراف لله بالعبودية ونبذهم إشراك غير ربّه فيها.

وهو تعريض بالذين أشركوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ الحَقِّ في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِهِ ومِنهم جائِرٌ عَنِ الحَقِّ في حُكْمِهِ.

الثّانِي: وعَلى اللَّهِ أنْ يَهْدِيَ إلى قَصْدِ الحَقِّ في بَيانِ السَّبِيلِ، ومِنهم جائِرٌ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أيْ عادِلٌ عَنْهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِلَلُ الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن مطر أنه كان لا يرى بركوب البحر بأساً، وقال: ما ذكره الله في القرآن إلا بخير.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر: أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث: غازٍ أو حاج أو معتمر.

وأخرج عبد الرزاق، عن علقمة بن شهاب القرشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن أجر يوم في البحر كأجر يوم في البر وإن القتل في البحر، كالقتلتين في البر، وإن المائد في السفينة، كالمتشحط في دمه، وان خيار شهداء أمتي أصحاب الكف، قالوا.

وما أصحاب الكف يا رسول الله؟

قال: قوم تتكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص، عن كعب الأحبار: إن الله قال للبحر الغربي حين خلقه: قد خلقتك فأحسنت خلقك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني ويحمدوني، فكيف تعمل بهم؟

قال: أغرقهم، قال الله: إني أحملهم على كفي، وأجعل بأسك في نواحيك، ثم قال للبحر الشرقي: قد خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني ويحمدوني، فكيف أنت فاعل بهم؟

قال أكبرك معهم، وأحملهم بين ظهري وبطني، فأعطاه الله الحلية والصيد الطيب.

وأخرج البزار، عن أبي هريرة قال: كلم الله البحر الغربي، وكلم الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم؟

قال: أغرقهم.

قال: بأسك في نواحيك، وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي، فقال: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم؟

قال: أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ يعني حيتان البحر ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ قال هذا اللؤلؤ.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ قال هو السمك وما فيه من الدواب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة: إنه سئل عن رجل قال لامرأته: إن أكلت لحماً فأنت طالق؟

فأكلت سمكاً، قال: هي طالق.

قال الله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء قال: يحنث قال الله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي جعفر قال: ليس في الحلي زكاة، ثم قرأ ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر ﴾ قال جواري.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تمخر السفن الرياح، ولا تمخر الريح من السفن، إلا الفلك العظام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تشق الماء بصدرها.

وأخرج ابن ألمنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال السفينتان تجريان بريح واحدة؛ كل واحدة مستقبلة الأخرى.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تجري بريح واحدة مقبلة ومدبرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال هو التجارة والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ يريد جبالًا ثابتة، ﴿ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ يعني لئلا تميد على قول الكوفيين، وكراهة أن تميد على قول البصريين، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا  ﴾ ، والميد: الحركة والاضطراب يمينًا وشمالاً، ماد يميد ميدًا (١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْهَارًا ﴾ قال يريد: النِّيل (٢) (٣) ﴿ وَأَنْهَارًا ﴾ بتقدير: وجعل، ودَلَّ: ألقى عليه، قال أبو إسحاق: لأن معنى ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ : جعل فيها رواسي، يدل عليه قوله: ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَسُبُلَاَ ﴾ قال ابن عباس: يريد طُرقًا إلى كل بلاد (٥) ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : لكي تهتدوا إلى مقاصدكم من البلاد فلا تضلون.

(١) انظر: (ميد) في "جمهرة اللغة" 2/ 685، و"المحيط في اللغة" 9/ 383، و"مجمل اللغة" 2/ 820، و"عمدة الحفاظ" 4/ 150.

(٢) النِّيل: بكسر أوله، نهر مشهور بأفريقيا وبمصر خاصة، يعد ثاني أنهار العالم طولاً، يبلغ طوله (6500) كلم، ينبع من بحيرتي فكتوريه وثانا ويصب في المتوسط، ويمر بعدة دول، هي: كينيا وأوغنده وأثيوبيا والسودان ومصر، ويتفرع في عدة جداول فيها.

انظر: "الروض المعطار" ص 586، و"معجم البلدان" 5/ 334، و"أطلس العالم الصحيح" ص 121.

(٣) دجِلة والفُرات: من الأنهر المشهورة، ينبعان من هضبة أرمينية، ويمران بعدة دول، هي: أرمينية وتركية والعراق وسورية، ويجتمعان في شط العرب جنوب العراق ويصبان في الخليج العربي.

انظر: "الروض المعطار" ص 439، و"معجم البلدان" 4/ 241، و"أطلس تاريخ الإسلام" ص 114، و"أطلس العالم الصحيح" ص 68.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 193، بنصه.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 283، بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض ﴾ يعني الحيوان والأشجار والثمار وغير ذلك ﴿ مُخْتَلِفاً ألوانه ﴾ أي أصنافه وأشكاله ﴿ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ يعني الحوت ﴿ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يعني الجواهر والمرجان ﴿ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ جمع ماخرة يقال: مخرت السفينة، والمخر: شق الماء، وقيل: صوت جري الفلك بالرياح ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني في التجارة وهو معطوف على لتأكلوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرنا قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثاً، إنما خلقهم لأمر كائن، أو للمحنة، والجزاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

من [لا يخلق، ولا ينفع]، ولا يضر، ولا يدفع في الذي يخلق، وينفع، ويضّر، ويدفع  عن ذلك وتبرأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - نعمه عليهم، وقدرته، وسلطانه، وعلمه؛ لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنساناً - ما قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنساناً على أحسن تقويم؛ وأحسن صورة.

وفيه نقض قول الدهرية؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء؛ لأنهم لم يدركوا المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا، وفيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث وإنشاء الأشياء؛ لا من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ خَصِيمٌ ﴾ : هو الذي يجادل بالباطل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : أي: ظاهر مجادلته بالباطل ومخاصمته.

وقال بعضهم: الخصيم: هو الجدل الذي يجادل فيما كان.

قال أبو عوسجة: الخصيم: هو المخاصِم، والمخاصَم كلاهما خصيم، ويقال: فلان [خصيمي أي:] خصمي.

مبين: ظاهر خصومته، والخصيم: هو الفعيل، والفعيل: قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعاً؛ فكأنه قال: فإذا هو خصيم مبين: أي: منقطع عن الخصومة؛ بيّن انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى؛ وانقطاع حجته؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ﴾ فهذا احتجاج عليه؛ فانقطعت حجته، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ على الظاهر؛ أن خلق هذه الأشياء وخلق لنا فيها دفئاً ومنافع؛ كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ : أي: هو خلقها، ثم أخبر أنه خلق لنا فيها منافع يذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا، مفسرة مبينة، واحدة بعد واحدة؛ في هذه السورة، وفي غيرها من السور، إنما ذكرها مجملة غير مشار إلى كل واحدة منها؛ على ما أشار في هذه السورة؛ ليقوموا بشكرها، وليعلموا قدرته على خلق الأشياء لا من الأشياء.

ثم قوله: ﴿ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ : قال بعضهم: الدفء نسل كل دابة.

وقال بعضهم: ما ينتج منه.

وقال القتبي: الدفء ما استدفأت به، ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع الذي ذكر هو ما فسّر في آية أخرى؛ وهو قوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 80] جعل الله - عز وجل - الأنعام وما ذكر وقاية لجميع أنواع الأذى من السماوي وغيره؛ مما يهيج من الأنفس من الحرّ، والبرد، والجوع، وغير ذلك مما يكثر عدها، ويطول ذكرها، وجعل فيها منافع كثيرة: من الركوب، والشرب، والأكل؛ كما قال: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 21\] وأخبر أيضاً أن فيها جمالا وزينة؛ بقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ .

فإن قال قائل: أي جمال يكون لنا فيها حين الإراحة وحين السرح.

وقال بعض أهل التأويل: وذلك أنه أعجب ما يكون؛ إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالا أسنمتها.

﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ إذا سرحت لرعيها.

أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح: شرب ألبانها، وقرى الضيف من ألبانها؛ في الرواح والمساء.

وقال بعضهم قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يسّرون عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم؛ فإذا ظهر ازداد لهم جمالا وحسناً، وهكذا المعروف في الناس: أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور في وجوههم؛ فيزداد لهم بذلك جمالاً، وإذا حزنوا وأصابهم غم - يؤثر ذلك الغم نقصاناً في خلقتهم؛ فيزداد لهم قبحاً وتشويهاً.

وقال بعضهم: إنهم إذا أراحوها أو سرّحوها رأى الناس أن أربابها أهل غنى؛ وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون [إلى غيرهم، وأن] يكون لغير إليهم حاجة؛ فيكون لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم فيها، والجمال لهم فيها ظاهر؛ لأن ما يبسط ويفرش إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل والبهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .

ذكر أيضاً ما جعل [فيها لنا] من النعم ما تحمل من الأثقال، من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد؛ ما لو لم يكن أنشأهن أعني: الأنعام التي أخبر أنها تحمل أثقالنا إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة، وذلك - والله أعلم - أن الله جعل في هذه الأنفس حوائج وقواماً ما لا قوام لها إلا بذلك؛ فلعله لا يظفر بما به قوام النفس إلا في بلد آخر أو مكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه - لكان في ذلك تلف نفسه، وذهاب ما به قوامه، فذكر أنه خلق لنا ما نحمل به من بلد إلى بلد؛ مما به قوام أنفسنا وحاجاتنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة.

وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم يتألمون [بالضرب، والقتل، والذبح]؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله  موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة.

فيجاب لهم بوجوه: أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إمّا ثواباً وإمّا عقاباً، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل.

فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن [تحمل المكروهات وأنواع الشدائد] والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا تزيل الرحمة والرأفة [إذا قصد به النفع] في العاقبة، وطمع فيه الخير.

وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا، فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر.

قال أبو عبيد: ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ يقال منه: أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة عند العرب: أن يصدر الرعاء مواشيها بالليل إلى مآويها؛ ولهذا سمي ذلك الموضع: المراح.

وقوله: ﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ هو إخراجها إلى المرعى؛ يقال: سرحتها، أسرحها سرحاً وسروحاً.

وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة.

والدفء: ما ذكرنا أنه من الاستدفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ .

قوله: ﴿ وَزِينَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يؤثر نقصاناً في الوجه والركوب لا، وذلك زينة؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ .

والثاني: أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سرّ بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه، وذلك يزيد في حسنه وجماله، وأصله: ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ...

﴾ الآية [النحل: 5] ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ بيّن أنه لماذا خلق الأنعام وما جعل فيها؛ وهو ما ذكر: أنه جعل فيها الدفء والمنافع ومنها تأكلون، وبيّن أنه لماذا خلق الخيل؛ وهو ما ذكر: لتركبوها وزينة.

وسئل ابن عباس: عن لحوم الخيل؟

فقرأ: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ﴾ ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك.

وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام، وما ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ...

﴾ الآية، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ  ﴾ وقال: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ  ﴾ وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر جميع ما ينتفع به؛ من أنواع المنافع ذكراً شافياً مبالغاً غير مكفيّ، فدل ما ذكر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر؛ وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر في غيره.

والله أعلم.

والثاني من الأشياء: أشياء يعرف خبثها؛ بنفار الطباع، والصبيان أوّل ما بلغوا يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به؛ فهو يرغب في أكله، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن أكله.

والله أعلم.

وروي عن جابر قال: "لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، فحرم رسول الله  لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة" .

وروي عن جابر  عن النبي  خلاف ذلك قال: "أطعمنا رسول الله  لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" .

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: "نحرنا فرساً في عهد رسول الله  فأكلنا" .

وفي بعض الأخبار: "أن رسول الله  نهى عن لحوم الحمر وأذن لنا في لحوم الخيل" .

قلنا: قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صحيحاً، فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم الفرس في حال الإباحة؛ إذ لم يذكروا الوقت.

وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله  يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأساً على كل حال، وقول الحسن: إنهم كانوا [يأكلون لحوم الخيل] في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة.

روي عن النبي  أنه قال: "الخيل لثلاثة: فهي لرجل كذا، ولرجل آخر كذا، وعلى رجل وزر" .

يبيّن أنها لا تصلح لغير ذلك، ولو صلحت للأكل لقال: الخيل لأربعة؛ ولقال: ولرجل طعام.

ومما يبين ما ذكرنا: أن البغل حرام؛ وهو من الفرسة؛ فلو كانت أمه حلالا كان هو أيضاً حلالا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها أو هو كبعضها، فمن حرم لحم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقاييس؛ ألا ترى أن حمار وحش لو نزا على حمارة أهلية لم يؤكل ولدها، ولو أن حماراً أهليّاً نزا على حمارة وحشية؛ فولدت أكل ولدها، أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه؛ ولم يعتبر بالفحل، فلما كان لحم البغل حراماً وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك.

إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان لا يطلق تحريم أكلها؛ لما فيها من الشبهة، والاختلاف، والأحاديث المروية عن رسول الله  ؛ لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها؛ وكان أبو يوسف - رحمه الله - يبيح أكلها.

وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف؛ في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد الحمارة الوحشية إذا نزا عليها حمارٌ أهلي بأن ولد الحمارة لم يتغير عن جنس أمه؛ فحكمه حكمها، والبغل ليس من جنس أمه؛ هو من جنس ثالث، فلذلك لم يكن سبيلها بسبيله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه يخلق ما لا نعلم؛ فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك.

أو يخلق من النعم - فيما خلق - ما لا تعلمون أنتم أنها نعم.

أو قال: يقول قوم: أن ليس لله أن يخلق شيئاً لا يطلعه الممتحن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أي: على الله بيان قصد السبيل، وهو الهدى: يبين الهدى من الضلالة، ويبين من السبل التي تفرقت عن سبيله؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ أي: عليه بيان ما يجوز منها؛ من قصد السبيل يعدل ويجار، أو يقال: وبالله يوصل إلى قصد السبيل.

وقال بعضهم: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ أي: وبالله يوصل بقصد السبيل؛ وهي السبل التي ذكرنا، ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ .

وقال بعضهم: طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف (على) مكان (له) كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ  ﴾ أي: لربهم، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ [ ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ : وهي السبل المتفرقة عن سبيله].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: لو شاء أكرم الخلق كله اللطف الذي أكرم أولياءه؛ فاهتدوا به؛ فيهتدون.

والثاني: لو شاء أعطاهم جميعاً الحال التي يكون بها الاهتداء؛ وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ لما لا يحتمل أنه إذا كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعاً، وإذا كان تلك الحال للمسلمين لا يسلمون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وألقى في الأرض جبالًا تُثَبتِّها حتى لا تضطرب بكم وتميل، وأجرى فيها أنهارًا لتشربوا منها، وتسقوا أنعامكم وزروعكم، وشق فيها طرقًا تسلكونها، فتصلون إلى مقاصدكم دون أن تضلوا.

<div class="verse-tafsir" id="91.6vrO9"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله