الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢٧ من سورة النحل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٧ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
(ثم يوم القيامة يخزيهم ) أي : يظهر فضائحهم ، وما كانت تجنه ضمائرهم ، فيجعله علانية ، كما قال تعالى : ( يوم تبلى السرائر ) [ الطارق : 9 ] أي : تظهر وتشتهر ، كما في الصحيحين عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته ، فيقال : هذه غدرة فلان بن فلان " .
وهكذا هؤلاء ، يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ، ويخزيهم الله على رءوس الخلائق ، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعا لهم وموبخا : ( أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) تحاربون وتعادون في سبيلهم [ أي ] : أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا ؟
( هل ينصرونكم أو ينتصرون ) [ الشعراء : 93 ] ( فما له من قوة ولا ناصر ) [ الطارق : 10 ] .
فإذا توجهت عليهم الحجة ، وقامت عليهم الدلالة ، وحقت عليهم الكلمة ، وأسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار ( قال الذين أوتوا العلم ) - وهم السادة في الدنيا والآخرة ، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة ، فيقولون حينئذ : ( إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) أي : الفضيحة والعذاب اليوم [ محيط ] بمن كفر بالله ، وأشرك به ما لا يضره ولا ينفعه .
يقول تعالى ذكره: فعل الله بهؤلاء الذين مكروا الذين وصف الله جلّ ثناؤه أمرهم ما فعل بهم في الدنيا ، من تعجيل العذاب لهم ، والانتقام بكفرهم ، وجحودهم وحدانيته، ثم هو مع ذلك يوم القيامة مخزيهم ، فمذلهم بعذاب أليم ، وقائل لهم عند ورودهم عليه ( أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) أصله: من شاققت فلانا فهو يشاقُّني، وذلك إذا فعل كلّ واحد منهما بصاحبه ما يشقّ عليه .
يقول تعالى ذكره يوم القيامة تقريعا للمشركين بعبادتهم الأصنام: أين شركائي؟
يقول: أين الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي اليوم ، ما لهم لا يحضرونكم ، فيدفعوا عنكم ما أنا مُحلّ بكم من العذاب ، فقد كنتم تعبدونهم في الدنيا ، وتتولونهم ، والوليّ ينصر وليه ، وكانت مشاقتهم الله في أوثانهم مخالفتهم إياه في عبادتهم.
كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) يقول: تخالفوني.
وقوله ( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) يعني: الذلة والهوان والسوء ، يعني: عذاب الله على الكافرين.
قوله تعالى : ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرينقوله تعالى : ثم يوم القيامة يخزيهم أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم به ويهينهمويقول أين شركائي أي بزعمكم وفي دعواكم ، أي الآلهة التي عبدتم دوني ، وهو سؤال توبيخ .
وقرأ ابن كثير " شركاي " بياء مفتوحة من غير همز ، والباقون بالهمز .الذين كنتم تشاقون فيهم أي تعادون أنبيائي بسببهم ، فليدفعوا عنكم هذا العذاب .
وقرأ نافع " تشاقون " بكسر النون على الإضافة ، أي تعادونني فيهم .
وفتحها الباقون .قال الذين أوتوا العلم قال ابن عباس : أي الملائكة .
وقيل المؤمنون .إن الخزي اليوم أي الهوان والذل يوم القيامة .والسوء على الكافرين أي العذاب .
على الكافرين .
فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما كذبوهم وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل يرجعون إليها، ويردون بها ما جاءت [به] الرسل، واحتالوا أيضا على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن تبعهم، فصار مكرهم وبالا عليهم، فصار تدبيرهم فيه تدميرهم، وذلك لأن مكرهم سيئ { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ْ} هذا في الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى، ولهذا قال: { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ْ} أي: يفضحهم على رءوس الخلائق ويبين لهم كذبهم وافتراءهم على الله.{ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ْ} أي: تحاربون وتعادون الله وحزبه لأجلهم وتزعمون أنهم شركاء لله، فإذا سألهم هذا السؤال لم يكن لهم جواب إلا الإقرار بضلالهم، والاعتراف بعنادهم فيقولون { ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ْ} { قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ْ} أي: العلماء الربانيون { إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ ْ} أي: يوم القيامة { وَالسُّوءَ ْ} أي: العذاب { عَلَى الْكَافِرِينَ ْ} وفي هذا فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارا عند الله وعند خلقه، ثم ذكر ما يفعل بهم عند الوفاة وفي القيامة
( ثم يوم القيامة يخزيهم ) يهينهم بالعذاب ، ( ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) تخالفون المؤمنين فيهم ، ما لهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب؟
وكسر نافع النون من " تشاقون " على الإضافة ، والآخرون بفتحها .
قال الذين أوتوا العلم ) [ وهم المؤمنون ] ( إن الخزي ) الهوان ، ( اليوم والسوء ) أي العذاب ، ( على الكافرين )
«ثم يوم القيامة يخزيهم» يذلهم «ويقول» الله لهم على لسان الملائكة توبيخاً «أين شركائي» بزعمكم «الذين كنتم تشاقون» تخالفون المؤمنين «فيهم» في شأنهم «قال» أي يقول «الذين أوتوا العلم» من الأنبياء والمؤمنين «إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين» يقولونه شماتة بهم.
ثم يوم القيامة يفضحهم الله بالعذاب ويذلُّهم به، ويقول: أين شركائي من الآلهة التي عبدتموها من دوني؛ ليدفعوا عنكم العذاب، وقد كنتم تحاربون الأنبياء والمؤمنين وتعادونهم لأجلهم؟
قال العلماء الربانيون: إن الذل في هذا اليوم والعذاب على الكافرين بالله ورسله، الذين تقبض الملائكة أرواحهم في حال ظلمهم لأنفسهم بالكفر، فاستسْلَموا لأمر الله حين رأوا الموت، وأنكروا ما كانوا يعبدون من دون الله، وقالوا: ما كنا نعمل شيئًا من المعاصي، فيقال لهم: كَذَبْتم، قد كنتم تعملونها، إن الله عليم بأعمالكم كلها، وسيجازيكم عليها.
ثم بين - سبحانه - مصيرهم فى الآخرة ، بعد أن بين عاقبة مكرهم فى الدنيا فقال - تعالى - : ( ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ .
.
) .أى : هذا هو مصير هؤلاء المستكبرين فى الدنيا ، أما مصيرهم فى الآخرة فإن الله - تعالى - يذلهم ويهينهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد ، ويقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ : أين شركائى فى العبادة والطاعة ، الذين كنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين فى شأنهم ، قائلين لهم : إنكم لا بد لكم من إشراكهم معى فى العبادة .وجئ بثم المفيدة للترتيب النسبى ، للإِشارة إلى ما بين الجزاءين من تفاوت فإن خزى الآخرة أشد وأعظم مما نزل بهم من دمار فى الدنيا .والاستفهام فى قوله ( أين شركائى .
.
) للتهكم بهم وبمعبوداتهم الباطلة التى كانوا يعبدونها فى الدنيا ، فانهم كانوا يقولون للمؤمنين إن صح ما تقولونه من العذاب فى الآخرة ، فان الأصنام ستشفع لنا .أى : أين هؤلاء الشركاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزى وذلة وعذاب مهين؟!
وأضاف - سبحانه - الشركاء إليه ، لزيادة توبيخهم ، لأنهم فى هذا اليوم العظيم ، يعلمون علم اليقين أنه لا شركاء له - سبحانه - وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) قال الجمل ما ملخصه : وقوله ( تشاقون ) من المشاقة وهى عبارة عن كون كل واحد من الخصمين فى شق غير شق صاحبه .وقرأ نافع ( تشاقون ) بكسر النون خفيفه ، وقرأ الباقون بفتح النون ، ومفعوله محذوف .
أى : تشاقون المؤمنين ، أو تشاقون الله ، بدليل القراءة الأولى .
.
.
.ثم حكى - سبحانه - ما يقوله أولو العلم فى هذا الموقف الهائل الشديد فقال - تعالى - : ( قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين ) .والمراد بالذين أوتوا العلم ، كل من اهتدى إلى الحق فى الدنيا؛ وأخلص لله - تعالى - العبادة والطاعة .أى : قال الذين هداهم الله - تعالى - إلى صراطه المستقيم ، فى هذا اليوم العصيب ، إن الخزى الكامل ، فى هذا اليوم ، والسوء الذى ليس بعده سوء ، على هؤلاء الكافرين ، أصحاب القلوب المنكرة للحق ، والنفوس الجاحدة لليوم الآخر وما فيه من حساب .وجئ بجمله ( قَالَ الذين أُوتُواْ العلم .
.
) غير معطوفة على ما قبلها ، لأنها واقعة موقع الجواب لقوله - سبحانه - ( أين شركائى .
.
.
) وللتنبيه على أن الذين أوتوا العلم سارعوا بالجواب بعد أن وجم المستكبرون ، وعجزوا عن الإِجابة .وقولهم هذا يدل على شماتتهم بأعداء الله - تعالى - ، وتوبيخهم لهم على كفرهم ، واستكبارهم عن الإستماع إلى كلمة الحق .وقال - سبحانه - : ( قَالَ الذين أُوتُواْ العلم .
.
.
) بلفظ الماضى ، مع أن هذا القول سيكون فى الآخرة ، للإشارة إلى تحقق وقوعه ، وأنه كائن لا محالة .
اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها.
فالشبهة الأولى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة نبوة نفسه بكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن وقالوا: إنه أساطير الأولين، وليس هو من جنس المعجزات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك السائل من كان؟
قيل هو كلام بعضهم لبعض، وقيل هو قول المسلمين لهم، وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين؟
وجوابه من وجوه: الأول: أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لمجنون ﴾ ، وقوله: ﴿ يأَيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ وقوله: ﴿ يأَيُّهَ الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ ﴾ .
الثاني: أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين.
الثالث: يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق.
واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة ﴾ اللام في ليحملوا لام العاقبة، وذلك أنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ ﴾ وقوله: ﴿ كَامِلَةٌ ﴾ معناه: أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئاً، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم، وأقول: هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى، وقوله: ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ ﴾ معناه: ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع، والسبب فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء».
واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء، وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى ﴾ بل المعنى: أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه، حتى أن ذلك العقاب يكون مساوياً لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع، قال الواحدي: ولفظه: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ ﴾ ليست للتبعيض، لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم، وذلك غير جائز، لقوله عليه السلام: «من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» ولكنها للجنس، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع.
وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله: ﴿ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ ﴾ والمقصود المبالغة في الزجر.
فإن قيل: إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عنها، بل اقتصر على محض الوعيد؛ فما السبب فيه؟
قلنا: السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزاً بطريقين: الأول: أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم بكل القرآن، وتارة بعشر سور، وتارة بسورة واحدة، وتارة بحديث واحد، وعجزوا عن المعارضة، وذلك يدل على كونه معجزاً.
الثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله: ﴿ اكتتبها فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ وأبطلها بقوله: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السموات والأرض ﴾ ومعناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالماً بأسرار السموات والأرض، فلما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين، وتكرر شرح هذين الطريقين مراراً كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّاذَآ ﴾ منصوب بأنزل، بمعنى: أي شيء ﴿ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ أو مرفوع بالابتداء بمعنى: أي شيء أنزله ربكم، فإذا نصبت فمعنى ﴿ أساطير الأولين ﴾ ما يدّعون نزوله أساطير الأوّلين، وإذا رفعته فالمعنى: المنزل أساطير الأوّلين، كقوله: ﴿ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو ﴾ [البقرة: 219] فيمن رفع.
فإن قلت: هو كلام متناقض، لأنه لا يكون منزل ربهم وأساطير؟
قلت: هو على السخرية كقوله: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ﴾ [الشعراء: 27] وهو كلام بعضهم لبعض، أو قول المسلمين لهم، وقيل: هو قول المقتسمين: الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا أحاديث الأوّلين وأباطيلهم ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ ﴾ أي قالوا ذلك إضلالا للناس وصدّاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحملوا أو زاد ضلالهم ﴿ كَامِلَةٌ ﴾ وبعض أوزار من ضلّ بضلالهم، وهو وزر الإضلال، لأن المضلّ والضال شريكان: هذا يضله، وهذا يطاوعه على إضلاله، فيتحاملان الوزر، ومعنى اللام التعليل من غير أن يكون غرضاً، كقولك: خرجت من البلد مخافة الشر ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ حال من المعفول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز المحق والمبطل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ يُذِلُّهم أوْ يُعَذِّبُهم بِالنّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ .
﴿ وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ أضافَ إلى نَفْسِهِ اسْتِهْزاءً، أوْ حِكايَةً لِإضافَتِهِمْ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ.
﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ تُعادُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنى تُشاقُونَنِي فَإنَّ مُشاقَّةَ المُؤْمِنِينَ كَمُشاقَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيِ الأنْبِياءُ والعُلَماءُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى التَّوْحِيدِ فَيُشاقُّونَهم ويَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ، أوِ المَلائِكَةُ.
﴿ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ ﴾ الذِّلَّةَ والعَذابَ.
﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ وفائِدَةُ قَوْلِهِمْ إظْهارُ الشَّماتَةِ بِهِمْ وزِيادَةُ الإهانَةِ، وحِكايَتُهُ لِأنْ يَكُونَ لُطْفًا ووَعْظًا لِمَن سَمِعَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ} يذلهم بعذاب الخزي سوى ما عذبوا به في الدنيا {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم
ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم {الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ} تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم تشاقون نافع أي تشاقونني فيهم لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله {قَالَ الذين أُوتُواْ العلم} أي الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم ويشاقونهم يقولون ذلك شماتة بهم أو هم الملائكة {إِنَّ الخزى اليوم} الفضيحة {والسوء} العذاب {عَلَى الكافرين}
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ أيْ يُذِلُّهُمْ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمائِرَ الجَمْعِ- لِلَّذِينِ مَكَرُوا- مِن قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَعَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا ثُمَّ يُعَذِّبُهم في العُقْبى، (وثُمَّ) لِلْإيماءِ إلى ما بَيْنَ الجَزاءَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ مَعَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّراخِي الزَّمانِيِّ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفِعْلِ قِيلَ لِقِصَرِ الإخْزاءِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، والمُرادُ بِهِ ما بُيِّنَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَقُولُ ﴾ أيْ لَهم تَفْضِيحًا وتَوْبِيخًا ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ إلى آخِرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَيْسَ التَّقْدِيمُ لِذَلِكَ بَلْ لِأنَّ الإخْبارَ بِجَزائِهِمْ في الدُّنْيا مُؤْذِنٌ بِأنَّ لَهم جَزاءً أُخْرَوِيًّا فَتَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ سائِلَةً عَنْهُ بِأنَّهُ ماذا مَعَ تَيَقُّنِها بِأنَّهُ في الآخِرَةِ فَسِيقَ الكَلامُ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ جَزاؤُهم لا كَوْنُهُ في الآخِرَةِ، وذُكِرَ أيْضًا أنَّ الجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ هَذا الَّذِي فُهِمَ مِنَ التَّمْثِيلِ مِن عَذابِ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ القائِلِينَ في القُرْآنِ العَظِيمِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا ذُكِرَ مِن عَذابِ أُولَئِكَ الماكِرِينَ مِن قَبْلُ جَزاؤُهم في الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ قالَ: والضَّمِيرُ إمّا لِلْمُغْتَرِّينَ في حَقِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ أوْ لَهم ولِمَن مَثَّلُوا بِهِمْ مِنَ الماكِرِينَ، وتَخْصِيصُهُ بِهِمْ يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ اهـ.
وفِيهِ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ ما فِيهِ فَلْيُتَأمَّلْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإخْزاءَ بِما هو مِن رَوادِفِ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ إلى آخِرِهِ يَأْباهُ لِأنَّهُ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النّارَ.
وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْلى مَعَ هَذا حَمْلُهُ عَلى مُطْلَقِ الإذْلالِ، وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ فَتَكُونُ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ حِكايَةً مِنهُ تَعالى لِإضافَتِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُضِيفُونَ ويَقُولُونَ: شُرَكاءُ اللَّهِ تَعالى، وفِي ذَلِكَ زِيادَةٌ في تَوْبِيخِهِمْ لَيْسَتْ في أيْنَ أصْنامُكم مَثَلًا لَوْ قِيلَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِزْيٌ وإهانَةٌ بِالقَوْلِ فَإذا فُسِّرَ الإخْزاءُ فِيما تَقَدَّمَ بِالتَّعْذِيبِ بِالنّارِ كانَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى خِزْيَيْنِ فِعْلِيٍّ وقَوْلِيٍّ، وأُشِيرُ إلى الأوَّلِ أوَّلًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِسابِقِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ «شُرَكائِيَ» مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الياءَ فَتَسْقُطُ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالقَصْرِ وفَتْحِ الياءِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ جَماعَةٌ وزَعَمُوا أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ لِأنَّ قَصْرَ المَمْدُودِ لا يَجُوزُ إلّا ضَرُورَةً، ولَيْسَ كَما قالُوا فَإنَّهُ يَجُوزُ في السِّعَةِ، وقَدْ وُجِّهَ أيْضًا بِأنَّ الهَمْزَةَ المَكْسُورَةَ قَبْلَ الياءِ حُذِفَتْ لِلتَّخْفِيفِ ولَيْسَ كَقَصْرِ المَمْدُودِ مُطْلَقًا، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ قَصْرُ الَّتِي في القَصَصِ و(ورائِي) في مَرْيَمَ، وعَنْ قُنْبُلٍ قَصْرُ ﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ في العَلَقِ فَكَيْفَ يُعَدُّ ذَلِكَ ضَرُورَةً.
نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَهُ في الكَلامِ قَلِيلٌ فاعْرِفْ ذَلِكَ فَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أيْ تُخاصِمُونَ وتُنازِعُونَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعَهم في شَأْنِهِمْ وتَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ حَقًّا حِينَ بَيَّنُوا لَكم ضِدَّ ذَلِكَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُشاقَّةَ بِالمُعاداةِ، وتَفْسِيرُها بِالمُخاصَمَةِ لِيَظْهَرَ تَعَلُّقُ (فِيهِمْ) بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى جَعْلِ في لِلسَّبَبِيَّةِ أوْلى، وقِيلَ: لِلْمُخاصَمَةِ مُشاقَةٌ أخْذًا مِن شَقِّ العَصا أوْ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ المُتَخاصِمَيْنِ في شِقٍّ والمُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ اسْتِحْضارُها لِلشَّفاعَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّبْكِيتِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ صَحَّ ما تَقُولُونَ فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَنا، والِاسْتِفْسارُ عَنْ مَكانَتِهِمْ لا يُوجِبُ غَيْبَتَهم حَقِيقَةً بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ عَدَمُ حُضُورِهِمْ بِالعُنْوانِ الَّذِي كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِهِ فَلَيْسَ هُناكَ شُرَكاءُ ولا أماكِنُها.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الغَيْبَةَ، ويُقالُ: إنَّهُ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ حِينَئِذٍ لِيَتَفَقَّدُوهم في ساعَةٍ عَلَّقُوا الرَّجاءَ بِها فِيهِمْ أوْ أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم فَكَأنَّهم غُيَّبٌ.
ولا يُحْتاجُ إلى هَذا بَعْدَ ما عَلِمْتَ عَلى أنَّهُ أوْرَدَ عَلى قَوْلِهِ لِيَتَفَقَّدُوهم إلى آخِرِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، فَإنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لِلْمُشْرِكِينَ حَقِيقَةُ الأمْرِ فَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ التَّفَقُّدُ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفُلُوا لِعِظَمِ الهَوْلِ عَنْ ذَلِكَ فَيَتَفَقَّدُوهُمْ، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ يَقْتَضِي حَشْرَ الأصْنامِ وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ) [البَقَرَةِ: 24، التَّحْرِيمِ: 6] عَلى قَوْلٍ، ولا أرى مانِعًا مِن حَمْلِ الشُّرَكاءِ عَلى مَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ بِحَيْثُ تَشْمَلُ ذَوِي العُقُولِ أيْضًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ «تُشاقُّونَ» بِفَتْحِ النُّونِ، ونافِعٌ بِكَسْرِها ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّهُ أدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ.
والكَسْرُ عَلى حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ والِاكْتِفاءِ بِهِ أيْ تُشاقُّونَنِي.
عَلى أنَّ مُشاقَّةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعِهِمْ كَمُشاقَّةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ المُشاقَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ.
أمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى المُخاصَمَةِ فَظاهِرٌ أنَّهم لَمْ يُخاصِمُوا اللَّهَ تَعالى، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى العَداوَةِ فَلِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أعْداءٌ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ فَمُؤَوَّلٌ أيْضًا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ ﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ مِن أهْلِ المَوْقِفِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أُوتُوا عِلْمًا بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ وكانُوا يَدْعُونَهم في الدُّنْيا إلى التَّوْحِيدِ فَيُجادِلُونَهم ويَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ، واقْتَصَرَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَلى المُؤْمِنِينَ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
ولَمْ نَقِفْ عَلى تَقْيِيدِهِ إيّاهم.
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنهم.
ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِأنَّهم مَلائِكَةُ المَوْتِ حَيْثُ أوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُمُ المَلائِكَةُ أنَّ الواجِبَ حِينَئِذٍ يَتَوَفَّوْنَهم مَكانَ ( تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ) وأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ الإبْهامُ في مَوْضِعِ التَّعْيِينِ والتَّعْيِينُ في مَوْضِعِ الإبْهامِ.
وهو كَما قالَ الشِّهابَ في غايَةِ السُّقُوطِ، وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا العُنْوانِ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ السَّلِيمُ القَوْلُ الأوَّلُ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ تَوْبِيخًا لِلْمُشْرِكِينَ وإظْهارًا لِلشَّماتَةِ بِهِمْ وتَقْرِيرًا لِما كانُوا يَعِظُونَهم وتَحْقِيقًا لِما أوْعَدُوهم بِهِ.
وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وتَحَتُّمِهِ حَسْبَما هو المَعْهُودُ في إخْبارِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ .
﴿ إنَّ الخِزْيَ ﴾ الذُّلَّ والهَوانَ.
وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالذُّلِّ الَّذِي يُسْتَحى مِنهُ ﴿ اليَوْمَ ﴾ مَنصُوبٌ بِالخِزْيِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى إعْمالَ المَصْدَرِ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ.
أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا لَإنَّ، وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالمَعْطُوفِ إلّا أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في الظَّرْفِ.
وألْ لِلْحُضُورِ أيِ اليَوْمِ الحاضِرِ، وإيرادُهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴿ والسُّوءَ ﴾ العَذابَ ومِنَ الخِزْيِ بِهِ جَعَلَ ذِكْرَ هَذا لِلتَّأْكِيدِ ﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وآياتِهِ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: قد صنع الذين من قبلهم مثل المقتسمين، فأبطل الله كيدهم فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ أي: قلع بنيانهم من أساس البيت فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: سقف البيت، قال الكلبي: وهو نمروذ بن كنعان، بنى صرحاً طوله في السَّماء خمسة آلاف ذراع وكان عرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسون ذراعاً، فهدم الله بنيانه، وخرّ عليهم السقف من فوقهم، فأهلكهم الله.
وقال القتبي: هذا مثل، أي أهلك من قبلهم من الكفار كما أهلك من هدم مسكنه من أسفله فخرّ عليه.
ويقال: هدم بنيان مكرهم من الأصل، فخرّ عليهم السقف، أي: رجع وبال مكرهم إليهم، كقوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أي: لا يعلمون.
قوله عز وجل: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ أي: يعذبهم، وما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم.
وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي: تعادونني وتخالفونني بسببهم وعبادتهم.
قرأ نافع تُشَاقُّونَ بكسر النون على معنى الإضافة والباقون بالنصب لأنها نون الجماعة.
قوله: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي: الملائكة.
ويقال: المؤمنون إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ أي: العقاب وَالسُّوءَ أي: الشدة من العذاب عَلَى الْكافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
ويحتملُ تهتدُونَ بالنَّظَر في دَلاَلة هذه المَصْنُوعات علَى صَانِعِها.
/ وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ: قال ابن عبَّاسٍ: العلامَاتُ: معالمُ الطُّرُق بالنهار، والنجومُ: هدايةُ «١» الليل، وهذا قولٌ حَسَن فإِنه عمومٌ بالمعنَى، واللفظةُ عامَّة وذلك أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ على شيْءٍ وأعلَمَ به، فهو علامةٌ، والنجم هنا: اسم جنس، وهذا هو الصّواب.
وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها ...
الآية: وبحسب العَجْز عن عدِّ نعم اللَّه تعالى يلزمُ أنْ يكون الشاكرُ لها مقصِّراً عن بعْضها فلذلك قال عزَّ وجلَّ:
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: عن تقصيركُمْ في الشكْر عن جميعها نحا هذا المنحَى الطبريُّ ويَرِدُ عليه أن نعمةَ اللَّهِ في قولِ العبدِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ» ، مع شرطها من النيَّة والطاعةِ يوازي جميعَ النِّعَمَ، ولكنْ أين قولها بشُرُوطها، والمخاطَبةُ بقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها.
عامَّةٌ لجميع الناس.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي:
تدعونهم آلهةً، وأَمْواتٌ: يراد به الذين يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ، ورفع أَمْواتٌ على أنه خبر مبتدإٍ مضمرٍ، تقديره: هم أمواتٌ، وقوله: غَيْرُ أَحْياءٍ: أي: لم يقبلوا حياةً قطُّ، ولا اتصفوا بها، وقوله سبحانه: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ: أي: وما يشعر الكُفَّار متَى يبعثون إِلى التعذيب.
وقوله سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي:
مُنْكِرَةٌ اتحاد الإله.
ت: وهذا كما حَكَى عنهم سبحانه في قولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٦٣) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ " قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ " أيْ: جاحِدَةٌ لا تَعْرِفُ التَّوْحِيدَ ﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: مُمْتَنِعُونَ مِن قَبُولِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في (هُودٍ:٢٢)، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُجازِيهِمْ بِسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ.
والمُسْتَكْبِرُونَ: المُتَكَبِّرُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ما يُسِرُّونَ ﴾ حِينَ بَعَثُوا في كُلِّ طَرِيقٍ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ حِينَ أظْهَرُوا العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُسْتَكْبِرِينَ ﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ عَلى مُحَمَّدٍ ؟
قالَ الزَّجّاجُ: " ماذا " بِمَعْنى " ما الَّذِي " .
و ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ مَرْفُوعَةٌ عَلى الجَوابِ.
كَأنَّهم قالُوا: الَّذِي أُنْزِلَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيِ: الَّذِي تَذْكُرُونَ أنْتُمْ أنَّهُ مُنَزَّلٌ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الأساطِيرِ في (الأنْعامِ:٢٥) .
قالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في طُرُقِ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، ويَقُولُ بَعْضُهم: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، ويَقُولُ بَعْضُهم: شاعِرٌ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (الحِجْرِ:٩٠) في ذِكْرِ المُقْتَسِمِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ هَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، وقَدْ شَرَحْناها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والأوْزارُ: الآثامُ، وإنَّما قالَ: كامِلَةً، لِأنَّهُ لَمْ يُكَفَّرْ مِنها شَيْءٌ بِما يُصِيبُهم مِن نَكْبَةٍ، أوْ بَلِيَّةٍ، كَما يُكَفَّرُ عَنِ المُؤْمِنِ، " ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ " أيْ: أنَّهم أضَلُّوهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وإنَّما حَمَلُوا مِن أوْزارِ الأتْباعِ، لِأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يُقْتَدى بِهِمْ في الضَّلالَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " مِن " وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، فَهم يَحْمِلُونَ ما شَرِكُوهم فِيهِ، فَأمّا ما رَكِبَهُ أُولَئِكَ بِاخْتِيارِهِمْ مِن غَيْرِ تَزْيِينِ هَؤُلاءِ، فَلا يَحْمِلُونَهُ، فَيَصِحُّ مَعْنى التَّبْعِيضِ.
والثّانِي: أنَّ " مِن " مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.
﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَمَلُوا عَلى ظُهُورِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِ: النَّمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ، وذَلِكَ أنَّهُ بَنى صَرْحًا طَوِيلًا.
واخْتَلَفُوا في طُولِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ طُولُهُ فَرْسَخَيْنِ، قالُوا: ورامَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها بِزَعْمِهِ.
ومَعْنى " المَكْرِ " هاهُنا: التَّدْبِيرُ الفاسِدُ.
وَفِي الهاءِ والمِيمِ مِن " قَبْلِهِمْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلْمُقْتَسِمِينَ عَلى عِقابِ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: لِكُفّارِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ أيْ: مِنَ الأساسِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا فَألْقَتْ رَأْسَ الصَّرْحِ في البَحْرِ، وخَرَّ عَلَيْهِمُ الباقِي.
قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا سَقَطَ الصَّرْحُ، تَبَلْبَلَتْ ألْسُنُ النّاسِ مِنَ الفَزَعِ، فَتَكَلَّمُوا بِثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ لِسانًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ " بابِلَ "، وإنَّما كانَ لِسانُ النّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، لِأنَّ التَّبَلْبُلَ يُوجِبُ الِاخْتِلاطَ والتَّكَلُّمَ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ، فَأمّا أنْ يُوجِبَ إحْداثَ لُغَةٍ مَضْبُوطَةِ الحَواشِي، فَباطِلٌ، وإنَّما اللُّغاتُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الماكِرُ واحِدًا، فَكَيْفَ قالَ: " الَّذِينَ " ولَمْ يَقُلِ: " الَّذِي " ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ الماكِرُ مَلِكًا لَهُ أتْباعٌ، فَأُدْخِلُوا مَعَهُ في الوَصْفِ.
والثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الجَمْعَ عَلى الواحِدِ، فَيَقُولُ قائِلُهم: خَرَجْتُ إلى البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنَّما خَرَجَ عَلى بَغْلٍ واحِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ " الَّذِينَ " غَيْرُ مُوقَعٍ عَلى واحِدٍ مُعَيَّنٍ، لَكِنَّهُ يُرادُ بِهِ: قَدْ مَكَرَ الجَبّارُونَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَكانَ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ رُجُوعُ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قالَ: وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّهُ إنَّما قالَ: " مِن فَوْقِهِمْ "، لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، إذْ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، لاحْتَمَلَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، لَأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَقَطَ عَلَيْنا البَيْتُ، وخَرَّ عَلَيْنا الحانُوتُ، وتَداعَتْ عَلَيْنا الدّارُ، ولَيْسُوا تَحْتَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم آمِنُونَ فِيهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أُخِذُوا مِن مَأْمَنِهِمْ.
ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ.
وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى ما حَكَيْناهُ مِن أنَّهُ بُنْيانٌ سَقَطَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مَثَلٌ، والمَعْنى: أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما هَلَكَ مَن هُدِمَ مَسْكَنُهُ مِن أسْفَلِهِ، فَخَرَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ أيْ: يُذِلُّهم بِالعَذابِ.
﴿ وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " شُرَكائِيَ الَّذِينَ " بِهَمْزَةٍ وفَتْحِ الياءِ، وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " شُرَكايَ " مِثْلَ " هُدايَ "، والمَعْنى: أيْنَ شُرَكائِي عَلى زَعْمِكم ؟
هَلّا دَفَعُوا عَنْكم !
.
﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أيْ: تُخالِفُونَ المُسْلِمِينَ فَتَعْبُدُونَهم وهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وقَرَأ نافِعٌ: " تُشاقُّونِ " بِكَسْرِ النُّونِ، أرادَ: تُشاقُّونَنِي، فَحَذَفَ النُّونَ الثّانِيَةَ، وأبْقى الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى: كُنْتُمْ تُنازِعُونَنِي فِيهِمْ، وتُخالِفُونَ أمْرِي لِأجْلِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.
فَأمّا " الخِزْيُ " فَقَدْ شَرَحْناهُ في مَواضِعَ [آلِ عِمْرانَ:١٩٢] و " السُّوءُ " هاهُنا: العَذابُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِن القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُوءَ عَلى الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِـ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ إلى نَمْرُوذٍ الَّذِي بَنى الصَرْحَ لِيَصْعَدَ فِيهِ إلى السَماءِ عَلى زَعْمِهِ، فَلَمّا أفْرَطَ في غُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَماءِ فَرْسَخَيْنِ عَلى ما حَكى النَقاشُ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هَدَمَهُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، وانْجَعَفَ مَن أسْلَفَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: المُرادُ بِـ " الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ " جَمِيعُ مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: حالُهم كَحالِ مِن فَعَلَ بِهِ هَذا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ أيْ: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَنْحُو إلى اللُغْزِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ ﴾ ، فَإنَّكَ تَقُولُ: "انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ" وهو لَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: "انْفَسَدَ عَلَيْهِ مَتاعُهُ".
وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ.
وقَوْلُهُ: "فَأتى" أيْ: فَأتى أمْرُ اللهِ وسُلْطانُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بُنْيانَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنْيَتَهُمْ"، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "بَنِيَّتَهُمْ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "بُيُوتَهُمْ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَقْفُ" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ في الدُنْيا، ذَكَرَ في هَذِهِ حالَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: "يُخْزِيهِمْ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى إدْخالِهِمُ النارَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وأضافَهم إلى نَفْسِهِ في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ، أيْ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما قالَ تَعالى حِكايَةً: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والإضافاتُ تَتَرَتَّبُ مَعْقُولَةً ومَلْفُوظًا بِها بِأرَقِّ سَبَبٍ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا قُلْتُ قُدْنِي قالَ باللهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا فَأضافَ الإناءَ إلى حاسِيهِ.
وقَرَأ البَزِيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "شُرَكايَ" بِقِصْرِ الشُرَكاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمَدِّ وفَتْحِ الياءِ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالمَدِّ وياءِ ساكِنَةٍ.
وقَوْلُهُ: "تُشاقُّونَ" مَعْناهُ: تُحارِبُونَ وتُحاجُّونَ، أيْ: تَكُونُ في شَقٍّ والحَقُّ في شَقٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشاقُّونَ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحُسْنِ بِخِلافٍ، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَثَلِهِ في "الحَجَرِ" في "تُبَشِّرُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُشاقُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وكَسْرِها وياءٍ بَعْدَها.
و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ هُمِ المَلائِكَةُ فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: "هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الخِطابُ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَن آتاهُ اللهُ عِلْمَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مَن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ ﴾ .
عطف على ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ﴾ [سورة النحل: 25]، لأن ذلك وعيد لهم وهذا تكملة له.
وضمير الجمع في قوله تعالى: ﴿ يخزيهم ﴾ عائد إلى ما عاد إليه الضمير المجرور باللام في قوله تعالى ﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ﴾ [سورة النحل: 24].
وذلك عائد إلى ﴿ الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ [سورة النحل: 22].
وثمّ} للتّرتيب الرّتبي، فإنّ خزي الآخرة أعظم من استئصال نعيم الدّنيا.
والخِزي: الإهانة.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدّنيا ﴾ في سورة البقرة (85).
وتقديم الظرف للاهتمام بيوم القيامة لأنّه يوم الأحوال الأبديّة فما فيه من العذاب مهول للسّامعين.
وأين} للاستفهام عن المكان، وهو يقتضي العلم بوجود من يحلّ في المكان.
ولما كان المقام هنا مقام تهكّم كان الاستفهام عن المكان مستعملاً في التهكّم ليظهر لهم كالطماعية للبحث عن آلهتهم، وهم علموا أن لا وجود لهم ولا مكان لحلولهم.
وإضافة الشركاء إلى ضمير الجلالة زيادة في التوبيخ، لأنّ مظهر عظمة الله تعالى يومئذٍ للعيان ينافي أن يكون له شريك، فالمخاطبون عالمون حينئذٍ بتعذّر المشاركة.
والموصول من قوله تعالى: ﴿ الذين كنتم تشاقون فيهم ﴾ للتّنبيه على ضلالهم وخطئهم في ادعاء المشاركة مثل الذي في قول عبدة: إنّ الّذينَ ترونهم إخْوَانَكم *** يشفي غليلَ صدورهم أن تصرعوا والمشاقّة: المُشادة في الخصومة، كأنّها خصومة لا سبيل معها إلى الوفاق، إذ قد صار كلّ خصم في شِقّ غير شقّ الآخر.
وقرأ نافع ﴿ تشقونِ ﴾ بكسر النون على حذف ياء المتكلّم، أي تعاندونني، وذلك بإنكارهم ما أمرهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وقرأ البقيّة ﴿ تَشاقّون ﴾ بفتح النون وحُذف المفعول للعلم، أي تعاندون من يدعوكم إلى التّوحيد.
و (في) للظرفيّة المجازيّة مع حذف مضاف، إذ المشاقّة لا تكون في الذوات بل في المعاني.
والتّقدير: في إلهيتهم أو في شأنهم.
جملة ابتدائية حكت قول أفاضل الخلائق حين يسمعون قول الله تعالى على لسان ملائكة العذاب: ﴿ أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ﴾ .
وجيء بجملة ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ غير معطوفة لأنها واقعة موقع الجواب لقوله: ﴿ أين شركائي ﴾ للتّنبيه على أنّ الّذين أوتوا العلم ابتدروا الجواب لما وجم المشركون فلم يحيروا جوابا، فأجاب الّذين أوتوا العلم جواباً جامعاً لنفي أن يكون الشركاء المزعومون مغنين عن الّذين أشركوا شيئاً، وأنّ الخزي والسوء أحاطا بالكافرين.
والتعبير بالماضي لتحقيق وقوع القول.
والّذين أوتوا العلم هم الذين آتاهم الله علم الحقائق من الرّسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنون، كقوله تعالى: ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ﴾ [سورة الروم: 56]، أي يقولون في ذلك الموقف من جرّاء ما يشاهدوا من مُهيّأ العذاب للكافرين كلاماً يدلّ على حصر الخزي والضرّ يوم القيامة في الكون على الكافرين.
وهو قصر ادعائي لبلوغ المُعرف بلام الجنس حدّ النّهاية في جنسه حتّى كأنّ غيره من جنسه ليس من ذلك الجنس.
وتأكيد الجملة بحرف التوكيد وبصيغة القصر والإتيان بحرف الاستعلاء الدّال على تمكّن الخزي والسوء منهم يفيد معنى التّعجّب من هول ما أعدّ لهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هَدَمَ بُنْيانَهم مِن قَواعِدِها وهي الأساسُ.
الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِاسْتِئْصالِهِمْ.
﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَخَرَّ أعالِي بُيُوتِهِمْ وهم تَحْتَها، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ وإنْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّ السَّقْفَ عالٍ إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فَوْقَهم إذْ لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّ العَذابَ أتاهم مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي الَّذِينَ خَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ وقَوْمُهُ حِينَ أرادَ صُعُودَ السَّماءِ وبَنى الصَّرْحَ.
فَهَدَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ وأصْحابُهُ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
الثّالِثُ: يَعْنِي المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ يقول: يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم وذلك مثل قوله: ﴿ وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة...
﴾ الآية.
قال: حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة...
﴾ الآية.
قال: قال النبي «أيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع، كان عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
وأيما داع إلى هدى فاتبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء» .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم، أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجهاً وأنتنه ريحاً، فيجلس إلى جنبه.
كلما أفزعه شيء زاده، وكلما تخوّف شيئاً زاده خوفاً، فيقول: بئس الصاحب أنت، ومن أنت؟
فيقول: وما تعرفني!؟
فيقول: لا.
فيقول: أنا عملك...
كان قبيحاً فلذلك تراني قبيحاً، وكان منتناً فلذلك تراني منتناً...
طأطئ إليَّ اركبك، فطالما ركبتني في الدنيا.
فيركبه.
وهو قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِم ﴾ ، معنى الإخزاء ذكرنا عند قوله: ﴿ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ﴾ قال الزجاج: شركائي حكايته لقولهم، والله لا شريك له، والمعنى: أين الذين في دعواكم أنهم شركائي (١) قال أبو علي: سبحانه لم يثبت بهذا الكلام له شريكًا، وإنما أُضيف على حسب ما كانوا يقولونه وينسبونه، وكما أُضيفت هذه الإضافة كذلك أضيفت إليهم في قوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، وفي أخرى: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، فإنما أُضيفوا هذه الإضافة على حسب ما كانوا يسمونه ويعتقدونه فيهم؛ كقوله: ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، وقد تقع الإضافة لبعض الملابسة دون التحقيق، كقول الشاعر (٢) إذا قُلْتُ قَدْني قَال باللهِ حَلْفَةً ...
لَتُغْنيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أَجْمَعَا (٣) فأضاف الإناء إليه لشربه منه، والإناء في الحقيقة لمن سقى به دون من شرب منه، وهذا كما يقول لمن يحمل خشبة ونحوها: خذ طَرَفَكَ وآخذ طَرَفي، فتَنْسِبُ إليه الطرف الذي يليه كم تنسب إلى نفسك الطرف الذي يليك، فعلى هذا تجري الإضافة في قوله: ﴿ شُرَكَائِيَ ﴾ (٤) ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ﴾ أي: أين هم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم العذاب.
وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ قال ابن عباس: تخالفون (٥) قال أهل المعاني: معناه يكونون في أمر الشركاء في جانب والمسلمون في جانب، لا يكونون معهم يدًا واحدة (٦) (٧) ووجهه ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ المعنى على هذه القراءة ما رواه عطاء عن ابن عباس، قال: يريد تنازعوني فيهم وتتخذونهم أولياء من دوني، وعلى هذا معنى مخالفتهم الله في الشركاء (٨) ﴿ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ قال ابن عباس: يريد الملائكة (٩) (١٠) ﴿ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ ﴾ : عليهم لا علينا.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 195، بنصه.
(٢) هو حُريث بن عَنّاب الطائي، من شعراء الدولة الأموية (ت 80 هـ).
(٣) ورد في: "شرح شواهد المغني" (2/ 558) برواية: إذا قال قدني قلت آليت حلفة وفي "الخزانة" 11/ 434، برواية: (قطني) بدل (قدني)، والمعنى واحد، معناه: حسبي، و"الدر" 4/ 217، برواية: (قيل) بدل (قلت)، وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 557، و"إيضاح الشعر" ص 214، و "تفسير ابن عطية" 8/ 402، و"شرح المفصل" 3/ 8 برواية: إذا قال، و"المقرب" 2/ 77 برواية: إذا هو آلى، و"الدر المصون" 5/ 118، و"مغني اللبيب" ص 278، و"همع الهوامع" 4/ 242، والمعنى: اشرب جميع ما في الإناء ولا تردّه عليّ.
(٤) "الحجة للقراء" 5/ 61، بتصرف يسير.
(٥) أخرجه الطبري 14/ 98 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 218 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٦) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 59، بنحوه.
(٧) أي: ﴿ تُشاقُّونِ ﴾ مع الكسر التخفيف.
انظر: "السبعة" ص 371، و"علل القراءات" 1/ 303، و"الحجة للقراء" 5/ 59، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 734.
(٨) في (أ)، (د): (الشرع)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو المناسب للسياق والمعنى.
(٩) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 441، والفخر الرازي 20/ 20، و"تفسير القرطبي" 10/ 98، و"تنوير المقباس" ص 284، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 233، والزمخشري 2/ 327، وابن عطية 8/ 402، والخازن 3/ 112، وهذا التفسير فيه نظر؛ فالملاحظ أن القرآن يصف البشر بالعلم لا الملائكة، كما في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ ﴾ .
(١٠) انظر: "تفسير البغوي" 5/ 16، وابن عطية 8/ 402، وابن الجوزي 4/ 441، والفخر الرازي 20/ 20، والقرطبي 10/ 98، والخازن 3/ 112.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مِّنَ القواعد ﴾ الآية: قيل المراد بالذين من قبلهم نمروذ، فإنه بنى صرحاً ليصعد فيه إلى السماء بزعمه، فلما علا فيه هدمه الله وخر سقفه عليه، وقيل: المراد بالذين من قبلهم كل من كفر من الأمم المتقدمة، ونزلت به عقوبة الله فالبنيان والسقف والقواعد على هذا تمثيل ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ توبيخ للمشركين وأضاف الشركاء إلى نفسه أي على زعمكم ودعواكم، وفيه تهكم به ﴿ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي تعادون من أجلهم فمن قرأ بكسر النون فالمفعول ضمير المتكلم وهو الله عز وجل، ومن قرأ بفتحها فالمفعول محذوف تقديره تعادون المؤمنين من أجلهم ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ هم الأنبياء والعلماء من كل أمة، وقيل: يعني الملائكة واللفظ أعم من ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.
والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.
﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.
الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.
الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.
﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.
الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.
الباقون على الخطاب.
الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.
﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.
التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.
وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.
وعن قتادة بالعكس منه.
قال أهل النظم: إن رسول الله كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.
ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.
وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.
فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.
والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.
أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.
فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.
ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟
فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: { وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.
والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.
ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.
بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟
فأزال الله شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.
والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.
قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.
وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.
وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.
وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.
قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.
و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.
وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.
أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟
ولما بين الله أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.
وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.
فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.
ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.
وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.
وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟
فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.
ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.
أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.
وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.
وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.
الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.
فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.
وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟
فنزلت.
ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.
وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.
قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.
وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.
ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.
قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.
قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.
وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.
أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.
قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.
وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.
قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.
ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.
قال جار الله.
معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.
وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.
وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.
احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.
والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.
﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.
والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.
احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.
والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.
ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.
وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.
والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.
فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.
وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.
وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.
واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.
ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.
روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.
ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.
احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.
والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.
والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.
وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.
وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.
ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.
والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.
قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.
وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.
وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.
وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.
ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.
وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.
ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.
واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.
وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله .
﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.
وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.
وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.
وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.
وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.
ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.
والمراد باللحم الطريّ السمك.
قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.
يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.
وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.
قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.
وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.
قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.
ومبنى الأيمان على العرف والعادة.
ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.
ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.
فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.
ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.
ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.
ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.
استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.
وهذا باطل بالاتفاق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟
ومن عجائب البحر ومنافعه قوله : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.
وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.
وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.
وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.
واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.
الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.
ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.
وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.
قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.
والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.
يروى أنه خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.
قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.
واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.
فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.
فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟
هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.
قلت: في هذا الحال خلل.
أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.
والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.
وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.
وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.
قوله : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.
ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.
يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.
قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.
والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.
وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.
قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.
وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.
وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.
ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.
واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".
ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.
والقرآن ورد على العكس.
ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.
قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.
قال بعض الأشاعرة.
في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.
أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.
أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.
وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.
ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.
قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.
ثم إنه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.
كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.
ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.
وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.
وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.
وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.
أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!
وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم ؟
وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.
ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.
ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.
التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.
وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.
فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.
﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.
﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.
﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.
فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.
والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .
إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.
وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.
﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.
وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.
وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.
أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..
الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر هذا ليكونوا أيقظ وأحذر؛ لأن في الشاهد من يعلم أن عليه رقيباً حافظاً بما يفعل، كان هو أرقب وأحفظ لأعماله، ويكون أحذر ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب.
والثاني: يعلم ما تسرّون من المكر برسول الله، والكيد له من القتل، والإخراج، وغير ذلك [أي: يعلم ذلك] كله منكم، ما أسررتم وأعلنتم، وهو يخرج على نهاية الوعيد والتعيير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل يدعون: أي: يسمونها: آلهة، وربما كانوا يدعونهم عند الحاجة.
ويحتمل ﴿ يَدْعُونَ ﴾ : يعبدون؛ أي: الذين يعبدون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون؛ فهذا يرجع إلى الأوّل؛ أفمن يخلق كمن لا يخلق؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ...
﴾ \[الآية\].
يحتمل المراد بقوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : الذين عبدوا الأصنام والأوثان وجميع من كفر بالله؛ هم أموات غير أحياء؛ لأن الله سمَّى الكافر في غير آي من القرآن ميّتاً؛ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ أيضاً.
﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ .
أي: يشعرون حين يبعثون، أي: لو شعروا هذا في الدنيا ما شعروا في الآخرة؛ لم يعلموا ما عملوا.
ويحتمل قوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : الأصنام التي عبدوها؛ هن أموات غير أحياء.
قال بعضهم: أموات لأنها لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضرّ؛ كالميت ﴿ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : أي: ليس فيها أرواح ينتفع بها كالبهائم والأنعام، ويكون قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ راجعاً إلى الذين عبدوا الأصنام؛ لأنها لا تشعر أيان يبعثون، وهم يعلمون أنها لا تشعر ذلك؛ لكن هم يشعرون حين يبعثون.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ يبعث الآلهة والذين عبدوها جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: يحشر أولئك الذين عبدوا الأصنام، ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: حين يبعثون، ولو شعروا ذلك في الدنيا ما فعلوا [ما فعلوا] وإن كان قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ راجعاً إلى الملائكة والملوك الذين عبدوا دون الله يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: لا يشعرون وقت يبعثون، وإن كان راجعاً إلى الأصنام، فقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: لا يشعرون أنهم يبعثون، لا يحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أن يقال [ذلك] في الأصنام؛ لأن أولئك يعلمون أنهم لا يخلقون، وإنما يقال ذلك في الأصنام: لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، فدل أن ذلك راجع إلى الملائكة والذين عبدوهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم ما يبين إبطال ما كانوا يعبدون، وما لا يليق بأمثالها العبادة لها؛ ونصبهم آلهة ثم ذكر ما يبين جعل الألوهية والربوبية أنه لواحد، وأنه هو المستحق لذلك دون العدد الذي عبدوها؛ فقال: إلهكم إله واحد لا العدد الذي عبد أولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ : أي: منكرة للإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت.
أو قلوبهم منكرة لجعل الألوهية والربوبية لواحد وصرف العبادة إليه؛ كقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ لما جاء به الرسول، وهم مستكبرون على ما جاء به من الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ يحتمل مستكبرون على رسول الله، لم يروه أهلا لخضوع أمثالهم لمثله، أو مستكبرون إلى ما دعتهم الرسل؛ لأن الرسل جميعاً دعوا الخلق إلى وحدانية الله وجعل العبادة له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ : من المكر برسول الله، والكيد له، ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من المظاهرة عليه.
أو يعلم ما يسرّون من أعمالهم الخبيثة التي أسروها و [ما] أعلنوها، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم؛ أسرّوا أو أعلنوا.
وقوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ قال الأصم: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ : كلمة تستعملها العرب في إيجاب تحقيق أو نفي تحقيق؛ كقولهم: حقّاً، ولعمري، وايم الله، ونحوه.
وقال الحسن: هو كلمة وعيد.
وقال بعضهم: لا جرم، وحقّاً، وبلى، ولا بدّ، كلّه في الحاصل: يرجع إلى واحد، وهو وعيد؛ لأن قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وعيد.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ .
لأنه لا يحبّ الاستكبار، ولا يليق لأحد من الخلائق أن يتكبر على غيره من الخلق؛ لأن الخلق كلهم أشكال وأمثال، ولا يجوز لكل ذي [مثل وشكل] أن يتكبر على شكله [ومثله]؛ لأن تكبّر بعضهم على بعض كذب وزور؛ إذ جعل كلهم أمثالا وأشكالا، لذلك كان زوراً وكذباً، و قد حرم الله الكذب والزور، وجعله قبيحاً في العقول.
<div class="verse-tafsir"
ثم يوم القيامة يهينهم الله بالعذاب، ويذلهم به، ويقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تشركونهم معي في العبادة، وكنتم تعادون أنبيائي والمؤمنين بسببهم؟
قال العلماء الربانيون: إن الهوان والعذاب يوم القيامة واقع على الكافرين.
<div class="verse-tafsir" id="91.Ojgnr"