الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٥١ من سورة النحل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥١ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو وأنه لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له فإنه مالك كل شئ وخالقه وربه.
يقول تعالى ذكره: وقال الله لعباده: لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس، ولا تعبدوا معبودين، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا، ولا شريك لي، إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك ، ( فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا.
قوله تعالى : وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون قوله تعالى : وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين قيل : المعنى لا تتخذوا اثنين إلهين .
[ ص: 102 ] وقيل : جاء قوله اثنين توكيدا .
ولما كان الإله الحق لا يتعدد وأن كل من يتعدد فليس بإله ، اقتصر على ذكر الاثنين ; لأنه قصد نفي التعديد .إنما هو إله واحد يعني ذاته المقدسة .
وقد قام الدليل العقلي والشرعي على وحدانيته حسبما تقدم في " البقرة " بيانه وذكرناه في اسمه الواحد في شرح الأسماء والحمد لله .فإياي فارهبون أي خافون .
وقد تقدم في " البقرة "
يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية فقال: { لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: تجعلون له شريكا في إلهيته، وهو { إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } متوحد في الأوصاف العظيمة متفرد بالأفعال كلها.
فكما أنه الواحد في ذاته وأسمائه ونعوته وأفعاله، فلتوحِّدوه في عبادته، ولهذا قال: { فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أي: خافوني وامتثلوا أمري، واجتنبوا نهيي من غير أن تشركوا بي شيئا من المخلوقات، فإنها كلها لله تعالى مملوكة.
قوله تعالى : ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون)
«وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين» تأكيد «إنما هو إله واحد» أتى به لإثبات الإلهية والوحدانية «فإياي فارهبون» خافون دون غيري وفيه التفات عن الغيبة.
وقال الله لعباده: لا تعبدوا إلهين اثنين، إنما معبودكم إله واحد، فخافوني دون سواي.
قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - سبحانه - لما بين فى الآيات الأولى ، أن ما سوى الله - تعالى - سواء أكان من عالم الأرواح أم من عالم الأجسام ، منقاد وخاضع لجلاله - تعالى - وكبريائه - أتبعه فى هذه الآية بالنهى عن الشرك ، وببيان أن كل ما سواه واقع فى ملكه وتحت تصرفه ، وأنه غنى عن الكل ، فقال - تعالى - : ( وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين .
.
.
) .أى : وقال الله - تعالى - لعباده عن طريق رسله عليهم الصلاة والسلام - لا تتخذوا شركاء معى فى العبادة والطاعة ، بل اجعلوهما لى وحدى ، فأنا الخالق لكل شئ والقادر على كل شئ .قال الآلوسى : وقوله ( وقال الله .
.
) معطوف على قوله - سبحانه - ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض .
.
) وإظهار الفاعل ، وتخصيص لفظ الجلالة بالذكر ، للإِيذان بأنه - تعالى - متعين الألوهية والمنهى عنه هو الاشراك به ، لا أن المنهى عنه هو مطلق اتخاذ إلهين .
.
.( اثنين ) صفة للفظ إلهين أو مؤكد له .
وخص هذا العدد بالذكر ، لأنه الأقل ، فيعلم انتفاء اتخاذ ما فوقه بالطريق الأولى .وقوله - سبحانه - ( إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ) بيان وتوكيد لما قبله ، وهو مقول لقوله - سبحانه - ( وقال الله ) .أى : وقال الله لا تتخذوا معى فى العبادة إلها آخر ، وقال - أيضا - إنما المستحق للعبادة إله واحد ، والقصر فى الجملة الكريمة من قصر الموصوف على الصفة ، أى : الله وحده هو المختص بصفة الوحدانية .وقد نهى - سبحانه - عن الشرك فى آيات كثيرة ، وأقام الأدلة على بطلانه ومن ذلك قوله - تعالى - ( .
.
.
وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ) وقوله - سبحانه - ( لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ ) والفاء فى قوله ( فإياى فارهبون ) واقعة فى جواب شرط مقدر و ( إياى ) مفعول به لفعل محذوف يقدر مؤخرا ، يدل عليه قوله ( فارهبون ) .والرهبة : الخوف المصحوب بالتحرز ، وفعله رهب بزنة طرب .والمعنى : إن رهبتم شيئا فإياى فارهبوا دون غيرى ، لأنى أنا الذى لا يعجزنى شئ .وفى الجملة الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب ، للمبالغة فى التخويف ، إذ تخويف الحاضر أبلغ من تخويف الغائب ، لاسيما بعد أن وصف - سبحانه - ذاته بما وصف من صفات القهر والغلبة والكبرياء .وقدم المفعول وهو إياى لإِفادة الحصر ، وحذف متعلق الرهبة ، للعموم .أى : ارهبونى فى جميع ما تأتون وما تذرون .والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على ألوان من المؤكدات للنهى عن الشرك ، والأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، تارة عن طريق التقرير ( وقال الله ..
) وتارة عن طريق النهى الصريح ، وتارة عن طريق القصر وتارة عن طريق التخصيص .وذلك لكى يقلع الناس عن هذه الرذيلة النكراء ، ويؤمنوا بالله الواحد القهار .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة، والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة.
المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ أَوَ لَمْ تَرَوْاْ ﴾ بالتاء على الخطاب، وكذلك في سورة العنكبوت: ﴿ أَوَ لَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئ الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات، وأيضاً أن ما قبله غيبة وهو قوله: ﴿ أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ فكذا قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ ﴾ وقرأ أبو عمرو وحده: ﴿ تتفيؤ ﴾ بالتاء والباقون بالياء، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله ﴾ لما كانت الرؤية هاهنا بمعنى النظر وصلت بإلى، لأن المراد به الاعتبار والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله، وقوله: ﴿ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْء ﴾ قال أهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد، لأن قوله: ﴿ مِن شَيْء يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل ﴾ يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض.
وقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله ﴾ إخبار عن قوله: ﴿ شَيْء ﴾ وليس بوصف له، ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال: فاء الظل يفيء فيئاً إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس، وأصل الفيء الرجوع، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ فَإِن فاؤا فإن الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ وأصل هذا كله من الرجوع.
إذا عرفت هذا فنقول: إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة إو بتضعيف العين.
أما التعدية بزيادة الهمزة كقوله: ﴿ مَّا أَفَاء الله ﴾ وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ.
قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كمال قال الشاعر: فلا الظل من برد الضحى تستطيعه *** ولا الفيء من برد العشي تذوق قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل، ومنهم من أنكر ذلك، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي: فسلام الإله يغدو عليهم *** وفيوء الغروس ذات الظلال فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم تنسخه الشمس، لأن ما في الجنة من الظل ما حصل بعد أن كان زائلاً بسبب نور الشمس وتقول العرب في جمع فيء أفياء وهي للعدد القليل، وفيوء للكثير كالنفوس والعيون، وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال، وإنما حسن هذا، لأن الذي عاد إليه الضمير وإن كان واحداً في اللفظ وهو قوله إلى ما خلق الله، إلا أنه كثير في المعنى، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ ﴾ فأضاف الظهور وهو جمع، إلى ضمير مفرد، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو قوله: ﴿ مَا تَرْكَبُونَ ﴾ هذا كله كلام الواحدي وهو بحث حسن.
أما قوله: ﴿ عَنِ اليمين والشمآئل ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: في المراد باليمين والشمائل قولان: القول الأول: أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنساني يمينه، ومنه تظهر الحركة القوية، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله.
إذا عرفت هذا فنقول: إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس، وعلى هذا التقدير: فالإظلال في أول النهار تبتدئ من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض.
القول الثاني: أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل، فإن في الصيف تحصل الشمس على يسارها، وحينئذ يقع الإظلال على يمينهم، فهذا هو المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل وبالعكس.
هذا ما حصلته في هذا الباب، وكلام المفسرين فيه غير ملخص.
البحث الثاني: لقائل أن يقول: ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد، والشمائل بصيغة الجمع؟
وأجيب عنه بأشياء: أحدها: أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر في اللفظ على الواحد كقوله تعالى: ﴿ وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ .
وثانيها: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الأظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها، وذلك لأن قوله: ﴿ مَا خَلَقَ الله مِن شَيء ﴾ لفظه واحد، ومعناه الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين.
وثالثها: أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ وقوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ ﴾ .
ورابعها: أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة.
وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة، فلذلك عبر الله تعالى عنها بصيغة الجمع، والله أعلم.
المسألة الرابعة: أما قوله: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ ففيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال: أسجد لقرد السوء في زمانه، أي أخضع له قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجداً للحوافر *** أي متواضعة، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى دبر النيرات الفلكية، والأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة.
ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء، وتلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير الله تعالى وتقديره، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت الأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعاً وارتفاعاً، ازدادت تلك الأظلال تقلصاً وانتقاصاً إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس إلى وسط الفلك، فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي، وكلما ازدادت الشمس انحداراً ازدادت الأظلال تمدداً وتزايداً في الجانب الشرقي.
وكما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين، علمنا أنها منقادة لقدرة الله خاضعة لتقديره وتدبيره، فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس، لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره؟
قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكوناً لا حركة، فالقول بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكناً لذاته وأنه محال، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركاً لذاته، وأيضاً فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لابد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم.
إذا ثبت هذا فنقول: هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلاً على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع، ونظيره قوله: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ ﴾ وقوله: ﴿ وظلالهم بالغدو والأصال ﴾ قد مر بيانه وشرحه.
والقول الثاني: في تفسير هذا السجود، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد.
قال أبو العلاء المعري في صفة واد: بحرف يطيل الجنح فيه سجوده *** وللأرض زي الراهب المتعبد فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ، وكان الحسن يقول: أما ظلك فسجد لربك، وأما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت، وقال مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي، وقيل: ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجداً أم لا.
واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية، والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة.
المسألة الخامسة: وقوله: ﴿ سُجَّدًا ﴾ حال من الظلال وقوله: ﴿ وَهُمْ داخرون ﴾ أي صاغرون، يقال: دخر يدخر دخوراً، أي صغر يصغر صغاراً، وهو الذي يفعل ما تأمره شاء أم أبى، وذلك لأن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى وتدبيره وقوله: ﴿ وَهُمْ داخرون ﴾ حال أيضاً من الظلال.
فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون؟
قلنا: لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة والدخور أشبهوا العقلاء.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض مَن دَآبَّةٍ والملئكة ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى، وسجود هو عبارة عن الانقياد لله تعالى والخضوع، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في نفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، وأنه لا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح.
إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد، والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود ومنهم من قال: المراد بالسجود هاهنا هو المعنى الأول، لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات، ومنهم من قال: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معاً، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى، وهذا القول ضعيف، لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معاً غير جائز.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مِن دَابَّةٍ ﴾ قال الأخفش: يريد من الدواب وأخبر بالواحد كما تقول ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال مثله، وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض.
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر؟
فنقول فيه وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى، لأن أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها وفي أشرفها كونها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلاً على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى.
والوجه الثاني: قال حكماء الإسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب، فلما بين الله تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ليست مما يدب، بل هي أرواح محضة مجردة، ويمكن الجواب عنه بأن الجناح للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ ، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة وهي دلالة قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب، لأن قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يدل على أنهم منقادون لصانعهم وخالقهم وأنهم ما خالفوه في أمر من الأمور، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ وأما قوله: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ فهذا أيضاً يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به، وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب.
فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟
قلنا: لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه، وحينئذ يدخل في اللفظ، وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب، وثبت أن إبليس ما كان معصوماً من الذنوب بل كان كافراً، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة.
والوجه الثاني: في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ثم قال لإبليس: ﴿ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين ﴾ وقال أيضاً له: ﴿ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضاً لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل، فإن الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة، والله أعلم.
واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى وصفهم بالخوف، ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف.
والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ وهم لهذا الخوف يتركون الذنب.
والثاني: وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء، والله أعلم.
المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات.
واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ والذي نزيده هاهنا أن قوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى سقط قولهم، وأيضاً يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون ﴾ والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف.
إذا ثبت هذا فنقول: هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة.
المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر.
المسألة الرابعة: تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشرمن وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض مَن دَآبَّةٍ والملئكة ﴾ وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبهاً على الباقي، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى.
الوجه الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة، وأما البشر فليسوا كذلك.
ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ ﴾ وهذا الحكم عام في الإنسان، وأقل مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة، وأما الخبر فقوله عليه السلام: «ما منا إلا وقد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا» ومن المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها.
الوجه الثالث: أنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة وأزمان ممتدة، ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه المدة، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين: الأول: قوله عليه السلام: «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» فضل الشيخ على الشاب، وما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل.
والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة، وهي طاعة الخالق القديم الرحيم، والبشر إنما جاؤوا بعدهم واستنوا سنتهم، فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم.
الوجه الرابع: في دلالة الآية على هذا المعنى قوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة، فظاهر الآية يدل على أنه لا شيء فوقهم في الشرف والرتبة إلا الله تعالى، وذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص.
وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله إلهين اثنين؟
قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين: على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أنّ المعنىّ به منهما، والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به.
ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكده بواحد: لم يحسن، وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية ﴿ فإياي فارهبون ﴾ نقل للكلام عن الغيبة إلى التكلم، وجاز لأنّ الغالب هو المتكلم، وهو من طريقة الالتفات، وهو أبلغ في الترهيب من قوله: وإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ يَنْقادُ انْقِيادًا يَعُمُّ الِانْقِيادَ لِإرادَتِهِ وتَأْثِيرِهِ طَبْعًا والِانْقِيادَ لِتَكْلِيفِهِ وأمْرِهِ طَوْعًا لِيَصِحَّ إسْنادُهُ إلى عامَّةِ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ وقَوْلِهِ: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ بَيانٌ لَهُما لِأنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ الجُسْمانِيَّةُ سَواءٌ كانَتْ في أرْضٍ أوْ سَماءٍ.
﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ عُطِفَ عَلى المُبَيَّنِ بِهِ عُطِفَ جِبْرِيلُ عَلى المَلائِكَةِ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ عُطِفَ المُجَرَّداتُ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، وبِهِ احْتَجَّ مَن قالَ إنَّ المَلائِكَةَ أرْواحٌ مُجَرَّدَةٌ أوْ بَيانٌ لِما في الأرْضِ والمَلائِكَةُ تَكْرِيرٌ لِما في السَّمَواتِ وتَعْيِينٌ لَهُ إجْلالًا وتَعْظِيمًا، أوِ المُرادُ بِها مَلائِكَتُها مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ، و ﴿ ما ﴾ لَمّا اسْتُعْمِلَ لِلْعُقَلاءِ كَما اسْتُعْمِلَ لِغَيْرِهِمْ كانَ اسْتِعْمالُهُ حَيْثُ اجْتَمَعَ القَبِيلانِ أوْلى مِن إطْلاقِ مِن تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ.
﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ.
﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ﴾ يَخافُونَهُ أنْ يُرْسِلَ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ، أوْ يَخافُونَهُ وهو فَوْقَهم بِالقَهْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ .
والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، أوْ بَيانٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ.
﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ مِنَ الطّاعَةِ والتَّدْبِيرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مُدارُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} فإن قلت إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا عندي رجال ثلاثة لأن المعدود عار
النحل (٥١ _ ٥٧)
عن الدلالة على العدد الخاص فأما رجل ورجلان فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال رجل واحد ورجلان اثنان قلت الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص فإذا أريدت الدلالة على أن المعنيّ به منهما هو العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به ألا ترى أنك لو قلت إنما هو إله ولم تؤكده بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية {فإياي فارهبون} نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم وهو من طريقة الالتفات وهو أبلغ في الترغيب من قوله فاياه فارهبوا فارهبونى يعقوب
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ، خاضِعَةٌ مُنْقادَةٌ لَهُ تَعالى أرْدَفَ ذَلِكَ بِحِكايَةِ نَهْيِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْمُكَلَّفِينَ عَنِ الإشْراكِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ وقالَ اللَّهُ ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما ( خَلَقَ اللَّهُ ) عَلى أُسْلُوبِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ أوَ لَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ ولَمْ يَسْمَعُوا إلى ما قالَ اللَّهُ ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ، وإظْهارُ الفاعِلِ وتَخْصِيصُ لَفْظَةِ الجَلالَةِ بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ تَعالى مُتَعَيِّنُ الأُلُوهِيَّةِ وإنَّما المَنهِيُّ عَنْهُ هو الإشْراكُ بِهِ لا أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو مُطْلَقُ اتِّخاذِ الهَيِّنِ بِحَيْثُ يَتَحَقَّقُ الِانْتِهاءُ عَنْهُ بِرَفْضِ أيِّهِما كانَ، ولَمْ يُذْكَرِ المَقُولُ لَهم لِلْعُمُومِ أيْ قالَ تَعالى لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ المَشْهُورُ أنَّ (اثْنَيْنِ) وصْفٌ لِإلَهَيْنِ وكَذا «واحِدٌ» في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ صِفَةٌ لِـ إلَهٌ، وجِيءَ بِهِما لِلْإيضاحِ والتَّفْسِيرِ لا لِلتَّأْكِيدِ وإنْ حَصَلَ.
وتَقْرِيرُ ذَلِكَ أنَّ لَفْظَ «إلَهَيْنِ» حامِلٌ لِمَعْنى الجِنْسِيَّةِ أعْنِي الإلَهِيَّةَ ومَعْنى العَدَدِ أعْنِي الِاثْنَيْنِيَّةَ وكَذا لَفْظُ «إلَهٌ» حامِلٌ لِمَعْنى الجِنْسِيَّةِ والوَحْدَةِ، والغَرَضُ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ في الأوَّلِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الِاثْنَيْنِ مِنَ الإلَهِ لا عَنِ اتِّخاذِ جِنْسِ الإلَهِ، وفي الثّانِي إثْباتُ الواحِدِ مِنَ الإلَهِ لا إثْباتُ جِنْسِهِ فَوَصَفَ «إلَهَيْنِ» بِاثْنَيْنِ «وإلَهٌ» بِواحِدٍ إيضاحًا لِهَذا الغَرَضِ وتَفْسِيرًا لَهُ، فَإنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالمُفْرَدِ الجِنْسُ نَحْوَ نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ.
وكَذا المُثَنّى كَقَوْلِهِ: فَإنَّ النّارَ بِالعُودَيْنِ تُذْكى وإنَّ الحَرْبَ أوَّلُها الكَلامُ وإلى هَذا ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ، وما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ تَأْكِيدٌ فَمَعْناهُ أنَّهُ مُحَقَّقٌ ومُقَرَّرٌ مِنَ المَتْبُوعِ فَهو تَأْكِيدٌ لُغَوِيٌّ لا أنَّهُ مُؤَكِّدُ أمْرِ المَتْبُوعِ في النِّسْبَةِ أوِ الشُّمُولِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا صِناعِيًّا كَيْفَ وهو إنَّما يَكُونُ بِتَقْرِيرِ المَتْبُوعِ بِنَفْسِهِ أوْ بِما يُوافِقُهُ مَعْنًى أوْ بِألْفاظٍ مَحْفُوظَةٍ، فَما قِيلَ: إنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّأْكِيدِ الصِّناعِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا دَلالَةَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ.
وقَدْ أوْرَدَ السَّكّاكِيُّ الآيَةَ في بابِ عَطْفِ البَيانِ مُصَرِّحًا بِأنَّهُ مِن هَذا القَبِيلِ فَتَوَهَّمَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ ذَلِكَ عَطْفُ بَيانٍ صِناعِيٌّ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ العَلّامَةُ القُطْبُ في شَرْحِ المِفْتاحِ نافِيًا كَوْنَهُ وصْفًا، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِمُ: الصِّفَةُ تابِعٌ يَدُلُّ عَلى مَعْنًى في مَتْبُوعِهِ أنَّهُ تابِعٌ ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنًى في مَتْبُوعِهِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ، ولَمْ يُذْكَرْ (اثْنَيْنِ وواحِدٌ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاثْنَيْنِيَّةِ والوَحْدَةِ اللَّتَيْنِ في مَتْبُوعِهِما فَيَكُونا وصْفَيْنِ بَلْ ذُكِرا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ القَصْدَ مِن مَتْبُوعِهِما إلى أحَدِ جُزْئَيْهِ أعْنِي الِاثْنَيْنِيَّةَ والوَحْدَةَ دُونَ الجُزْءِ الآخَرِ أعْنِي الجِنْسِيَّةَ، فَكُلٌّ مِنهُما تابِعٌ غَيْرُ صِفَةٍ يُوَضِّحُ مَتْبُوعَهُ فَيَكُونُ عَطْفَ بَيانٍ لا صِفَةً.
وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: لَيْسَ في كَلامِ السَّكّاكِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ صِناعِيٌّ لِجَوازِ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ الإيضاحِ والتَّفْسِيرِ وإنْ كانَ وصْفًا صِناعِيًّا، ويَكُونُ إيرادُهُ في ذَلِكَ المَبْحَثِ مِثْلَ إيرادِ كُلِّ رَجُلٍ عارِفٍ وكُلِّ إنْسانٍ حَيَوانٍ في بَحْثِ التَّأْكِيدِ ومِثْلُ ذَلِكَ عادَةً لَهُ.
وتَعَقَّبَ العَلّامَةُ الأوَّلَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ إلّا لِيَدُلَّ عَلى مَعْنًى في مَتْبُوعِهِ فَلا يُصَدَّقُ التَّعْرِيفُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الصِّفَةِ لِأنَّها البَتَّةَ تَكُونُ لِتَخْصِيصٍ أوْ تَأْكِيدٍ أوْ مَدْحٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى هَذا المَعْنى ويَكُونَ الغَرَضُ مِن دَلالَتِهِ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ كالتَّخْصِيصِ والتَّأْكِيدِ وغَيْرِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اثْنَيْنِ (اثْنَيْنِ وواحِدٌ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاثْنَيْنِيَّةِ والوَحْدَةِ ويَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا بَيانَ المَقْصُودِ وتَفْسِيرَهُ، كَما أنَّ الدّابِرَ في أمْسِ الدّابِرِ ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنى الدُّبُورِ والغَرَضُ مِنهُ التَّأْكِيدُ بَلِ الأمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، ألا تَرى أنَّ السَّكّاكِيَّ جَعَلَ مِنَ الوَصْفِ ما هو كاشِفٌ ومُوَضِّحٌ ولَمْ يَخْرُجْ بِهَذا عَنِ الوَصْفِيَّةِ.
وأُجِيبُ بِأنّا نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِيَ ونَقُولَ: مُرادُ العَلّامَةِ مِن قَوْلِهِ: ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنًى في مَتْبُوعِهِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الدَّلالَةِ عَلى حُصُولِ المَعْنى في المَتْبُوعِ لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى التَّخْصِيصِ أوِ التَّوْضِيحِ أوِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وذِكْرُ (اثْنَيْنِ وواحِدٌ) لَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى حُصُولِ الِاثْنَيْنِيَّةِ والوَحْدَةِ في مَوْصُوفَيْهِما بَلْ تَعْيِينُ المَقْصُودِ مَنَّ جُزْئَيْهِما فَلا يَكُونانِ صِفَةً، وذُكِرُ الدّابِرُ لِيَدُلَّ عَلى حُصُولِ الدُّبُورِ في الأمْسِ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ إلى التَّأْكِيدِ وكَذا في الوَصْفِ الكاشِفِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ غامِضٌ، ولَمْ يُجَوِّزِ العَلّامَةُ الأوَّلُ البَدَلِيَّةَ فَقالَ: وأمّا أنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ فَظاهِرٌ لِأنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ المُبْدَلِ مِنهُ.
ونَظَرَ فِيهِ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ البَدَلَ يَجِبُ صِحَّةُ قِيامِهِ مَقامَ المُبْدَلِ مِنهُ فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ «الجِنَّ» في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ ﴾ بَدَلًا مِن (شُرَكاءَ) ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِنا وجَعَلُوا لِلَّهِ الجِنَّ.
ثُمَّ قالَ: بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الأوْلى أنَّهُ بَدَلٌ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ إذِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الِاثْنَيْنِ مِنَ الإلَهِ عَلى ما مَرَّ تَقْرِيرُهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الرَّضِيَّ قَدْ ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنِ البَدَلُ مَعْنًى في المَتْبُوعِ حَتّى يَحْتاجَ إلى المَتْبُوعِ كَما احْتاجَ الوَصْفُ ولَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ مِنَ المَتْبُوعِ كَما فُهِمَ ذَلِكَ في التَّأْكِيدِ جازَ اعْتِبارُهُ مُسْتَقِلًّا لَفْظًا أيْ صالِحًا لِأنْ يَقُومَ مَقامَ المَتْبُوعِ اهـ.
ولا يَخْفى أنَّ صِحَّةَ إقامَتِهِ بِهَذا المَعْنى لا تَقْتَضِي أنْ يَتِمَّ مَعْنى الكَلامِ بِدُونِهِ حَتّى يَرُدَّ ما أوْرَدَ وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ «اثْنَيْنِ» لِلدَّلالَةِ عَلى مُنافاةِ الِاثْنَيْنِيَّةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ وذِكْرُ الوَحْدَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ.
وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم مِن رَوادِفِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ ما ذُكِرَ مَساقَ النَّهْيِ والإثْباتِ وهو الظّاهِرُ وإنْ قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (تَتَّخِذُوا) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ وأنَّ (اثْنَيْنِ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ (وإلَهَيْنِ) مَفْعُولُهُ الثّانِي والتَّقْدِيرُ لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ، وقِيلَ: الأوَّلُ مَفْعُولٌ أوَّلُ والثّانِي ثانٍ، وقِيلَ (إلَهَيْنِ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ.
(واثْنَيْنِ) باقٍ عَلى الوَصْفِيَّةِ والتَّوْكِيدِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ مَعْبُودَيْنِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، وإثْباتُ الوَحْدَةِ لَهُ تَعالى مَعَ أنَّ المُسَمّى المُعَيَّنَ لا يَتَعَدَّدُ بِمَعْنى أنَّهُ لا مُشارِكَ لَهُ في صِفاتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ فَلَيْسَ الحَمْلُ لَغْوًا، ولا حاجَةَ لِجَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْمَعْبُودِ بِحَقِّ المَفْهُومِ مِنَ الجَلالَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ كَما قِيلَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الإخْلاصِ.
وفي التَّعْبِيرِ بِالضَّمِيرِ المَوْضُوعِ لِلْغائِبِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ عَلى رَأْيٍ السَّكّاكِيِّ المُكْتَفِي بِكَوْنِ الأُسْلُوبِ المُلْتَفَتِ عَنْهُ حَقُّ الكَلامِ وإنْ لَمْ يَسْبِقِ الذِّكْرُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ أيْضًا، والنُّكْتَةُ فِيهِ بَعْدَ النُّكْتَةِ العامَّةِ أعْنِي الإيقاظَ وتَطْرِيَةَ الإصْغاءِ المُبالَغَةُ في التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ فَإنَّ تَخْوِيفَ الحاضِرِ مُواجَهَةٌ أبْلَغُ مِن تَخْوِيفِ الغائِبِ سِيَّما بَعْدَ وصْفِهِ بِالوَحْدَةِ والأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الِانْتِقامِ.
والفاءُ في (فَإيّايَ) واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ و«إيّايَ» مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ (فارْهَبُونِ) أيْ إنْ رَهِبْتُمْ شَيْئًا فَإيّايَ ارْهَبُوا، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ «إيّايَ» مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ ذُهُولٌ عَنِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وهي أنَّهُ إذا كانَ المَعْمُولُ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا والفِعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ هو الضَّمِيرُ وجَبَ تَأخُّرُ الفِعْلِ نَحْوَ ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ إلّا في ضَرُورَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: إلَيْكَ حَتّى بَلَغْتُ إيّاكا وعَطْفُ المُفَسَّرِ المَذْكُورِ عَلى المُفَسَّرِ المَحْذُوفِ بِالفاءِ لِأنَّ المُرادَ رَهْبَةٌ بَعْدَ رَهْبَةٍ، وقِيلَ: لِأنَّ المُفَسَّرَ حَقُّهُ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَ المُفَسِّرِ، ولا يَخْفى فَصْلُ الضَّمِيرِ وتَقْدِيمُهُ مِنَ الحَصْرِ أيِ ارْهَبُونِي لا غَيْرَ فَأنا ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ القادِرُ عَلى الِانْتِقامِ <div class="verse-tafsir"
قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا قرأ حمزة والكسائي تَرَوْاْ بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون: بالياء على معنى المغايبة يعني: أو لم يعتبروا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ عند طلوع الشمس وعند غروبها يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ يعني: يدور ظلاله عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ قال القتبي: أصل الفيء الرجوع، وتفيؤ الظلال: رجوعها من جانب إلى جانب سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ أي: صاغرون ويقال: وهم مطيعون.
وأصل السجود التطأطؤ والميل.
يقال: سجد البعير إذا تطأطأ، وسجدت النخلة إذا مالت، ثم قد يستعار السجود ويوضع موضع الاستسلام والطاعة، ودوران الظل من جانب إلى جانب هو سجوده لأنه مستسلم، منقاد، مطيع.
فذلك قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ.
ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ أي: يستسلم مَا فِي السَّماواتِ من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أي: يسجد لله جميع ما في الارض من دآبة وَالْمَلائِكَةُ يعني: وما على الأرض من الملائكة.
ويقال: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ما في السموات من الملائكة، وَمَا فِى الارض من دابة.
ويقال: معناه يسجد له جميع ما في السَّموات وما في الارض يعني: الدواب، والملائكة يعني: الذين هم في السموات والأرض.
وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ أي: لا يتعظمون عن السجود لله تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: يخافون الله تعالى.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إن لله تَعَالَى مَلائِكَةً فِي السَّمَاءِ السّابعة سجودا مُذْ خَلَقَهُمُ الله تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ الله تَعَالَى، فَإِذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَالُوا: ما عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: يخافون خوفا، معظمين، مجلّين.
ويقال: خوفهم بالقهر والغلبة والسلطان.
ويقال: معناه يخافون ربهم الذي على العرش كما وصف نفسه، والطريق الأول أصحّ كقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10] أي: بالقهر والغلبة والسلطان وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أي: لا يعصون الله تعالى طرفة عين.
قرأ أبو عمرو: يَتَفَيَّؤُا بالتاء بلفظ التأنيث، وقرأ الباقون: بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ...
الآية: إِلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم «١» : «لاَ يَهْدِي» - بفتح الياء وكسر الدال-، وذلك على معنيين: أيْ: إِن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني: أنَّ العربَ تقُولُ: هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى اهتدى.
وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ: الضمير في أَقْسَمُوا لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: بَلى، فأوجب بذلك البعث، وأَكْثَرَ النَّاسِ في هذه الآية: الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث.
وقوله سبحانه: لِيُبَيِّنَ: التقدير: بلى يبعثه ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه.
وقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ...
الآية: المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا: هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، / وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولاً وآخراً، وقرأ جماعة «٢» خارجَ السبْعِ: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ» ، واختلف في معنى الحسنة هنا، فقالتْ فرقة:
الحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامّة في كلّ أمر
مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه «١» الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في يَعْلَمُونَ عائدٌ على كفار قريشٍ.
وقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا: من صفة المهاجرين.
وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ: هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذينَ استبعدوا أنْ يبعثَ اللَّه بشراً رَسُولاً، ثم قال تعالى: فَسْئَلُوا، أي: قل لهم: فَسْئَلُوا، وأَهْلَ الذِّكْرِ هنا: أحبارِ اليهودِ والنصارَى قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وأخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم.
وقوله: بِالْبَيِّناتِ: متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة:
الباءُ متعلِّقة ب أَرْسَلْنا في أول الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، والزُّبُرِ: الكُتُبُ المزبورة.
وقوله سبحانه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ...
الآية.
ت: وقد فعل صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي صلّى الله عليه وسلّم جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفاً من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده، قال عِياضٌ في «شِفَاهُ» : وأما كلامه صلّى الله عليه وسلّم المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً كقوله: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» «٣» ، وقوله: «النّاس
كأسنان المشط» «١» ، «والمرء مَعَ مَنْ أَحَبَّ» «٢» ، و «لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ» «٣» ، و «النَّاسُ مَعَادِنٌ» «٤» ، و «مَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَهُ» ، و «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» ، و «هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم» «٥» ، و «رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شرّ فسلم» ،
وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» ، و «أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ» ، و «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ منّي
مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطّئون أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ» ، وقوله: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ» ، وقوله: «ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» / وَنَهْيُهُ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ «١» ، وقوله: «اتق اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها،
وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ» «١» و «خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها» ، وقوله: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا» ، وقوله: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة» ، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي «٢» ، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ» ، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روته الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ كقوله:
«السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حكمها، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ» ، فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإلهي الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ.
انتهى.
وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان.
وقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ...
الآية: تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات ب مَكَرُوا وعُدِّيَ مَكَرُوا لأنه في معنى عملوا، قال البخاريُّ: قال ابن عباس: فِي تَقَلُّبِهِمْ، أي: في اختلافهم «٣» انتهى.
وقال المهدويُّ: قال قتادة: فِي تَقَلُّبِهِمْ: في أسفارهم «٤» ، الضَّحَّاك: فِي تَقَلُّبِهِمْ: باللْيلِ انتهى.
وقوله: عَلى تَخَوُّفٍ، على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال: يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ!
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٥» ، ومنه قول النابغة: [الطويل]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " أوْلَمَ يَرَوْا " بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَرَوْا " بِالتّاءِ، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ أرادَ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ، مِن جَبَلٍ، أوْ شَجَرٍ، أوْ جِسْمٍ قائِمٍ " يَتَفَيَّأُ " قَرَأ الجَماعَةُ بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ " ظِلالُهُ " وهو جَمْعُ ظِلٍّ، وإنَّما جُمِعَ وهو مُضافٌ إلى واحِدٍ، لِأنَّهُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ: يَدُورُ ويَرْجِعُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، والفَيْءُ: الرُّجُوعُ، ومِنهُ قِيلَ لِلظِّلِّ بِالعَشِيِّ: فَيْءٌ، لِأنَّهُ فاءَ عَنِ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ، كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَنْ يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، وإذا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ كانَ عَلى يَسارِكَ، وإنَّما وحَّدَ اليَمِينَ، والمُرادُ بِهِ: الجَمْعُ، إيجازًا في اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ ، ودَلَّتِ " الشَّمائِلُ " عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الجَمِيعُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما وحَّدَ اليَمِينَ، وجَمَعَ الشَّمائِلَ، ولَمْ يَقُلِ الشِّمالَ، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ، وأنْشَدَ: الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذَرى سَبَإٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ وَلَمْ يَقُلْ: جُلُودُ، ومِثْلُهُ: كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ وَإنَّما جازَ التَّوْحِيدُ، لِأنَّ أكْثَرَ الكَلامِ يُواجَهُ بِهِ الواحِدُ.
وَقالَ غَيْرُهُ: اليَمِينُ راجِعَةٌ إلى لَفْظِ ما، وهو واحِدٌ، والشَّمائِلُ راجِعَةٌ إلى المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُسْتَسْلِمَةً، مُنْقادَةً، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم داخِرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: والكُفّارُ صاغِرُونَ.
والثّانِي: وهَذِهِ الأشْياءُ داخِرَةٌ مَجْبُولَةٌ عَلى الطّاعَةِ.
قالَ الأخْفَشُ: إنَّما ذَكَّرَ مَن لَيْسَ مِنَ الإنْسِ، لِأنَّهُ لَمّا وصَفَهم بِالطّاعَةِ أشْبَهُوا الإنْسَ في الفِعْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ.
.
.
.
﴾ الآيَةُ.
السّاجِدُونَ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: مَن يَعْقِلُ، فَسُجُودُهُ عِبادَةٌ.
والثّانِي: مَن لا يَعْقِلُ، فَسُجُودُهُ بَيانُ أثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِ، والخُضُوعُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: بِجَيْشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَجَراتُهُ، أيْ: جَوانِبُهُ، يُرِيدُ أنَّ حَوافِرَ الخَيْلِ قَدْ قَلَعَتِ الأُكْمَ ووَطِئَتْها حَتّى خَشَعَتْ وانْخَفَضَتْ.
فَأمّا الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، فَألْحَقَها جَماعَةٌ بِمَن يَعْقِلُ، فَقالَ أبُو العالِيَةِ: سُجُودُها حَقِيقَةٌ، ما مِنها غارِبٌ إلّا خَرَّ ساجِدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ لا يَنْصَرِفُ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ، ويَشْهَدُ لِقَوْلِ أبِي العالِيَةِ، حَدِيثُ أبِي ذَرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في المَسْجِدِ حِينَ وجَبَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: " يا أبا ذَرٍّ !
تَدْرِي أيْنَ ذَهَبَتِ الشَّمْسُ " قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: " فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها عَزَّ وجَلَّ، فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ، فَيُؤْذَنُ لَها، فَكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ إلى مَطْلَعِها فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّها، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ "» .
أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
وأمّا النَّباتُ والشَّجَرُ، فَلا يَخْلُو سُجُودُهُ مِن أرْبَعَةِ أشْياءَ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سُجُودًا لا نَعْلَمُهُ، وهَذا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ يُودِعُهُ فَهْمًا.
والثّانِي: أنَّهُ تَفَيُّؤُ ظِلالِهِ.
والثّالِثُ: بَيانُ الصَّنْعَةِ فِيهِ.
والرّابِعُ: الِانْقِيادُ لِما سُخِّرَ لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ إنَّما أخْرَجَ المَلائِكَةَ مِنَ الدَّوابِّ، لِخُرُوجِهِمْ بِالأجْنِحَةِ عَنْ صِفَةِ الدَّبِيبِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَذْكُوراتِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ قَوْلانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، وتَلْخِيصُهُ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا رَفِيعًا عَظِيمًا.
والثّانِي: أنَّهُ حالٌ، وتَلْخِيصُهُ: يَخافُونَ رَبَّهم مُعَظِّمِينَ لَهُ عالِمِينَ بِعَظِيمِ سُلْطانِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأرْضَ أو يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ أو يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ﴿ أو يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَهْدِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ المُرادُ "الَّذِينَ" في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرَ، ونَصْبُ "السَيِّئاتِ" يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يُنْصَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَأمِنَ الَّذِينَ ﴾ ، وتَكُونُ السَيِّئاتُ -عَلى هَذا- العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَخْسِفَ ﴾ بَدَلًا مِنها، والوَجْهُ الثانِي أنْ تُنْصَبَ بِـ "مَكَرُوا"، وعْدِّي "مَكَرُوا" لِأنَّهُ بِمَعْنى "عَمِلُوا" أو "فَعَلُوا"، و"السَيِّئاتُ" -عَلى هَذا- مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم مِنَ الخَسْفِ، وهو أنْ تَبْتَلَعَ الأرْضُ المَخْسُوفَ بِهِ ويُقَعَدَ بِهِ إلى أسْفَلَ، وأسْنَدَ النَقاشُ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْمًا في هَذِهِ الأُمَّةِ أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَتَدافَعُوا الإمامَةَ وتَصَلَّفُوا في ذَلِكَ فَما زالُوا كَذَلِكَ حَتّى خُسِفَ بِهِمْ.
و"تَقَلُّبِهِمْ": سَفَرُهم ومُحاوَلَتُهُمُ المَعايِشَ بِالسَفَرِ وبِالرِعايَةِ وغَيْرِها، و"المُعْجِزُ": المُفْلِتُ هَرَبًا، كَأنَّهُ عَجَّزَ طالِبَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى تَخَوُّفٍ ﴾ ، أيْ: عَلى جِهَةِ التَخَوُّفِ، والتَخَوُّفُ: التَنَقُّصُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ يَصِفُ ناقَةً: تَخَوُّفَ السَيْرَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَبْعَةِ السَفَنُ فالسَفَنُ: المِبْرَدُ، ويُرْوى أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنى "التَخَوُّفِ" في هَذِهِ الآيَةِ، وأرادَ الكُتُبَ إلى الأمْصارِ يَسْألُ عن ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ هَذا البَيْتِ، ويُرْوى أنَّهُ جاءَ فَتًى مِنَ العَرَبِ وهو قَدْ أشْكَلَ عَلَيْهِ أمْرُ لَفْظَةِ التَخَوُّفِ، فَقالَ لَهُ: يا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، إنْ أبِي يَتَخَوَّفَنِي مالِي، فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اللهُ أكْبَرُ ﴿ أو يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: وجامِلٍ خَوَّفَ مِن نِيبِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ زُجْرُ المُعَلّى أُصُلًا والسَفِيحْ ويُرْوى: مِن نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أُلامُ عَلى الهِجاءِ وكُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يُلاقِينِي مِنَ الجِيرانِ غُولُ تَخَوُّفَ عَدُّوَهم مالِي وأهْدى ∗∗∗ ∗∗∗ سَلاسِلَ في الحُلُوقِ لَها صَلِيلُ يُرِيدُ الأهاجِي.
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: تَخَوُّفَهم حَتّى أذَلَّ سَراتِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ بِطَعْنٍ ضِرارٍ بَعْدَ نَفْحِ الصَفائِحِ وهَذا التَنْقِصُ يَتَّجِهُ الوَعِيدُ بِهِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُهْلِكَهم ويُخْرِجَ أرْواحَهم عَلى تَخَوُّفٍ، أيْ أفْذاذًا، يَتَنَقَّصُهم بِذَلِكَ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ، وهَذا لا يَدَّعِي أحَدٌ أنَّهُ يَأْمَنُهُ، وكَأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما يَكُونُ بِعَذابِ ما يُلْقُونَ بَعْدَ المَوْتِ، وإلّا فَهَكَذا تَهْلَكُ الأُمَمُ كُلُّها، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ، أيْ أنَّ هَذِهِ الرُتْبَةَ الثالِثَةَ مِنَ الوَعِيدِ فِيها رَأْفَةٌ ورَحْمَةٌ وإمْهالٌ لِيَتُوبَ التائِبُ ويَرْجِعَ الراجِعُ، والآخِرُ: ما قالَ الضَحاكُ: أنْ يُأْخَذَ بِالعَذابِ طائِفَةٌ أو قَرْيَةٌ ويُتْرَكُ أُخْرى، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى يَهْلَكَ الكُلُّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَخَوُّفُ هُنا مِنَ الخَوْفِ، أيْ: يَأْخُذُهم بَعْدَ تَخَوُّفٍ يَنالُهم فَيُعَذِّبُهم بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا تَكَلُّفٌ ما.
وقَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "أو لَمْ يَرَوْا" بِالياءِ، عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في العنكَبُوتِ، فَهي جارِيَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أو يَأْخُذَهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أو يَأْتِيَهُمُ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيٌّ: "أو لَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في المَوْضِعَيْنِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وذاكَ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أو لَمْ تَرَوْا، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ ابْتَدَأ بِهِ القَوْلَ آنِفًا، وقَرَأ عاصِمٌ في النَحْلِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، واخْتَلَفَ عنهُ في العنكَبُوتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ، والرُؤْيَةُ هُنا هي رُؤْيَةُ القَلْبِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِرُؤْيَةِ القَلْبِ إنَّما تَكُونُ في مَرْئِيّاتٍ بِالعَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "تَتَفَيَّأُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ عِيسى ويَعْقُوبٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَفَيَّأُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا تَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى مِثْلِ هَذا الجَمْعِ فالتَذْكِيرُ والتَأْنِيثُ فِيهِ حُسْنانِ.
و"فاءَ الظِلُّ": رَجَعَ بِعَكْسِ ما كانَ إلى الزَوالِ، وذَلِكَ أنَّ الشَمْسَ مِن وقْتِ طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَوالِ إنَّما هي في نَسْخِ الظِلِّ العامِّ قَبْلَ طُلُوعِها، فَإذا زالَتِ ابْتَدَأ رُجُوعُ الظِلِّ العامِّ، ولا يَزالُ يَنْمُو حَتّى تَغِيبَ الشَمْسُ فَيَعُمُّ، والظِلُّ المَمْدُودُ في الجَنَّةِ لَمْ يَذْكُرِ اللهُ فَيْئًا لِأنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أنْ ذَهَبَ، وكَذَلِكَ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: فَلا الظِلُّ مِن بَرْدِ الضُحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذَوُقُ فَهُوَ عَلى المَهْيَعِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: تَتَبُّعُ أفْياءَ الظِلالِ عَشِيَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى طُرُقٍ كَأنَّهُنَّ سُيُوبُ وكَذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: يَفِيءُ عَلَيْها الظِلُّ وَأمّا النابِغَةُ الجَعْدِيِّ فَقالَ: فَسَلامُ الإلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وفُيُوءُ الفِرْدَوْسِ ذاتُ الظِلالِ فَتَجَوَّزَ في أنْ جَعَلَ الفَيْءَ حَيْثُ لا رُجُوعَ، وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: يُقالُ بَعْدَ الزَوالِ: فَيْءٌ وظِلٌّ، ولا يُقالُ قَبْلَهُ إلّا ظِلٌّ فَقَطْ، ويُقالُ: فاءَ الظِلُّ إذا رَجَعَ مِنَ النُقْصانِ إلى الزِيادَةِ، ويُعَدّى "فاءَ" بِالهَمْزَةِ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ تَعالى: ﴿ ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ ، ويُعَدّى بِالتَضْعِيفِ، فَيُقالُ: أفاءَهُ اللهُ وفَيَّأهُ، وتَفَيَّأ مُطاوِعُ فَيَّأ، ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا مِن بَعْدِ الزَوالِ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ، لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الِاعْتِبارُ فِيها مِن أوَّلِ النَهارِ إلى آخِرِهِ، فَكَأنَّ الآيَةَ جارِيَةٌ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ عَلى تَجَوُّزِ كَلامِ العَرَبِ واقْتِضائِهِ وضْعَ "تَتَفَيَّأُ" مَكانَ "تَتَنَقَّلُ" و"تَمِيلُ"، وأضافَ الظِلالَ إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "ما"، أو لَفْظِ "شَيْءٍ"، وهو بِالمَعْنى لِجَمِيعِ، وقَرَأ الثَقَفِيُّ: "ظُلَلُهُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى وضَمِّ الثانِيَةِ وضَمِّ الظاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ ﴾ ، أفْرَدَ "اليَمِينَ" وهو يُرادُ بِهِ الجَمْعُ فَكَأنَّهُ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: عَنِ الأيْمانِ والشَمائِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ: الوارِدُونَ وثَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ قالَ الآخَرُ: بِفي الشامِتِينَ الصَخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ رَزِيَّةُ شِبْلَيْ مُخَدَرٍ في الضَراغِمِ والمَنصُوبُ لِلْعِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هو كُلُّ شَخْصٍ وجِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، ولَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَمائِلِ هُنا هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ البَشَرِ، أيْ: تُقَدِّرُهُ ذا يَمِينٍ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ يَسْتَقْبِلُ أيَّ جِهَةٍ شِئْتَ ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشَمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُنْيا، فَهَذا وجْهٌ يُعَمِّمُ لَكَ ألْفاظَ الآيَةِ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينِ مِن غَدْوَةِ النَهارِ إلى الزَوالِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنَ الزَوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِمالِ، -وَهُوَ قَوْلُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ - فَإنَّما يَتَرَتَّبُ لَهُ ذَلِكَ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلُ الجَنُوبِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدِي إنَّما هو في مُسْتَقْبِلِ الجَنُوبِ، وما قالَ بَعْضُ الناسِ مِن "أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ دَفْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَوالِ، ثُمَّ الآخَرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَمائِلِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ الشَمائِلَ وأفْرَدَ اليَمِينَ" فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ يُبْطِلُ مِن جِهاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ الشَمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا فَأوَّلُ ذُرُورِ الشَمْسِ فالظِلُّ عن يَمِينٍ مُسْتَقْبِلُ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو عَنِ الشَمائِلِ، لِأنَّها حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ وظِلالٌ مُقَطَّعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، وكانَ الظِلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ، وفي هَذا القَوْلِ تَجَوُّزٌ في تَفَيَّأ، وعَلى ما قَدَّرْنا مِنَ اسْتِقْبالِ الجَنُوبِ يَكُونُ الظِلُّ أبَدًا مُنْدَفِعًا عَنِ اليَمِينِ إلى الزَوالِ، فَإذا تَحَرَّكَ بَعْدَ فارِقِ الأيْمانِ جُمْلَةً وصارَ انْدِفاعُهُ عَنِ الشَمائِلِ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: الظِلالُ هُنا: الأشْخاصُ، وهي المُرادُ أنْفُسُها، والعَرَبُ تُعَبِّرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِلِّ، ومِنهُ قَوْلُ عَبَدَةَ بْنِ الطِيبِ: إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَحْمِ المَراجِيلُ وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: تَتَبَّعُ أفْياءَ الظِلالِ عَشِيَّةً أيْ أفْياءَ الأشْخاصِ، وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَدْ قَرَّرَهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا السُجُودِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو سُجُودُ عِبادَةٍ حَقِيقَةٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الضَحاكِ قالَ: إذا زالَتِ الشَمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ أو شَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِلالُ لا الأشْخاصُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الطَبَرِيُّ -: عَبَّرَ عَنِ الخُضُوعِ والطاعَةِ ومَيَلانِ الظِلالِ ودَوَرانِها بِالسُجُودِ، وكَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ نَحْوَ الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحْنَفِ و"الداخِرُ": المُتَصاغِرُ المُتَواضِعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ فِلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ومُنْجَحِرٍ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ <div class="verse-tafsir"
لما أُشبع القول في إبطال تعدّد الآلهة الشائع في جميع قبائل العرب، وأتبع بإبطال الاختلاق على الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن، نُقل الكلام إلى إبطال نوع آخر من الشّرك متّبع عند قبائل من العرب وهو الإشراك بإلهية أصلين للخير والشرّ، تقلّدته قبائل العرب المجاورة بلاد فارس والساري فيهم سلطان كِسرى وعوائدُهم، مثلُ بني بكر بن وائل وبني تميم، فقد دان منهم كثير بالمجوسية، أي المَزْدكية والمانوية في زمن كِسرى أبرويش وفي زمن كِسرى أنوشروان، والمجوسية تثبت عقيدةً بإلهين: إلهٍ للخير وهو النّور، وإلهٍ للشرّ وهو الظلمة، فإله الخير لا يصدر منه إلا الخير والأنعام، وإله الشرّ لا يصدر عنه إلا الشرّ والآلام، وسمّوا إله الخير (يَزْدَان)، وسموا إله الشرّ (اَهْرُمُنْ).
وزعموا أن يزدان كان منفرداً بالإلهية وكان لا يخلق إلا الخير فلم يكن في العالم إلا الخير، فخطر في نفسه مرةً خاطرُ شرّ فتولّد عنه إلهٌ آخرُ شريك له هو إلهٌ الشرّ، وقد حكى هذا المعرّي في لزومياته بقوله: فَكّرَ يَزْدانُ على غِرة *** فصيغ من تفكيره أهْرُمُنْ ولم يكونوا يجعلون لهذين الأصلين صُوراً مجسّمة، فلذلك لم يكن دينهم من عداد عبادة الطاغوت لاختصاص اسم الطاغوت بالصور والأجسام المعبودة.
وهذا الدين من هذه الجهة يشبه الأديان التي لا تعبُد صُوَراً محسوسة.
وسيأتي الكلام على المجوسيّة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ والمَجوسَ ﴾ في سورة الحج (170).
ويدلّ على أن هذا الدين هو المراد التّعقيب بآية ﴿ ما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسّكم الضرّ فإليه تجأرون ﴾ [سورة النحل: 53] كما سيأتي.
فقوله تعالى: ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ عطف قصّة على قصّة وهو مرتبط بجملة ﴿ ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ [سورة النحل: 36].
ومعنى ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين ﴾ أنه دعا الناس ونَصب الأدلّة على بطلان اعتقاده.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴾ [سورة الفتح: 15] وقوله: ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ [سورة الفتح: 15].
وصيغة التّثنية من قوله: إلهين } أكدت بلفظ ﴿ اثنين ﴾ للدّلالة على أن الإثنينية مقصودة بالنّهي إبطالاً لشرك مخصوص من إشراك المشركين، وأن لا اكتفاء بالنّهي عن تعدّد الإله بل المقصود النّهي عن التّعدد الخاص وهو قول المجوس بإلهين.
ووقع في «الكشاف» توجيه ذكر ﴿ اثنين ﴾ بأنه لدفع احتمال إرادة الجنس حقيقة لا مجازاً.
وإذ نُهوا عن اتخاذ إلهين فقد دلّ بدلالة الاقتضاء على إبطال اتخاذ آلهة كثيرة.
وجملة ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ يجوز أن تكون بياناً لجملة ﴿ لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ ، فالجملة مقولة لفعل ﴿ وقال الله ﴾ لأن عطف البيان تابع للمبيّن كموقع الجملة الثانية في قول الشاعر: أقول له ارحَلْ لا تَقيمَنّ عندنا *** فلذلك فُصلت، وبذلك أفيد بالمنطوق ما أفيد قبلُ بدلالة الاقتضاء.
والضمير من قوله تعالى: ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ وقال الله ﴾ ، أي قال الله إنما الله إله واحد، وهذا جَريٌ على أحد وجهين في حكاية القول وما في معناه بالمعنى كما هنا، وقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام ﴿ أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ [سورة المائدة: 117] ف ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ مفسرُ «أمَرْتني»، وفعل «أمَرْتني» فيه معنى القول، والله قال له: قل لهم اعبُدوا الله ربك وربهم، فحكاه بالمعنى، فقال: ربّي.
والقصر في قوله: ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ قصر موصوف على صفة، أي الله مختصّ بصفة توحّد الإلهية، وهو قصر قلب لإبطال دعوى تثنية الإله.
ويجوز أن تكون جملة ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ معترضةً واقعة تعليلاً لجملة ﴿ لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أي نَهى الله عن اتخاذ إلهين لأن الله واحد، أي والله هو مسمّى إله فاتّخاذ إلهين اثنين قلب لحقيقة الإلهية.
وحصر صفة الوحدانية في عَلَم الجلالة بالنّظر إلى أن مسمّى ذلك العلم مساوٍ لمسمّى إله، إذ الإله منحصر في مسمّى ذلك العلَم.
وتفريع ﴿ فإياي فارهبون ﴾ يجوز أن يكون تفريعاً على جملة ﴿ لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ فيكون ﴿ فإياي فارهبون ﴾ من مقول القول، ويكون في ضمير المتكلم من قوله: ﴿ فارهبون ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب.
ويجوز أن يكون تفريعاً على فعل ﴿ وقال الله ﴾ فلا يكون من مقول القول، أي قال الله لا تتخذوا إلهين فلا ترهبوا غيري.
وليس في الكلام التفات على هذا الوجه.
وتفرّع على ذلك قوله تعالى: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ بصيغة القصر، أي قصر قلب إضافياً، أي قصر الرهبة التامة منه عليه فلا اعتداد بقدرة غيره على ضرّ أحد.
وهو ردّ على الذين يرهبون إله الشرّ فالمقصود هو المرهوب.
والاقتصار على الأمر بالرّهبة وقصرها على كونها من الله يفهم منه الأمر بقصر الرغبة عليه لدلالة قصر الرهبة على اعتقاد قصر القدرة التامة عليه تعالى فيفيد الردّ على الذين يطمعون في إله الخير بطريق الأولى، وإنما اقتصر على الرّهبة لأن شأن المزدكية أن تكون عبادتهم عن خوف إله الشرّ لأن إله الخير هم في أمن منه فإنه مطبوع على الخير.
ووقع في ضمير ﴿ فإياي ﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم لمناسبة انتقال الكلام من تقرير دليل وحدانية الله على وجه كلّي إلى تعيين هذا الواحد أنه الله منزل القرآن تحقيقاً لتقرير العقيدة الأصلية.
وفي هذا الالتفات اهتمام بالرّهبة لما في الالتفات من هزّ فهم المخاطبين.
وتقدّم تركيب نظيره بدون التفات في سورة البقرة.
واقتران فعل ﴿ فارهبون ﴾ بالفاء ليكون تفريعاً على تفريع فيفيد مفاد التأكيد لأن تعلّق فعل «ارهبون» بالمفعول لفظاً يجعل الضمير المنفصل المذكور قبله في تقدير معمول لفعل آخر، فيكون التقدير: فإياي ارهبُوا فارهبون، أي أمرتكم بأن تقصُروا رهبتكم عليّ فارهبون امتثالاً للأمر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرْجِعُ ظِلالُهُ؛ لِأنَّ الفَيْءَ الرُّجُوعُ؛ ولِذَلِكَ كانَ اسْمًا لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ لِرُجُوعِهِ.
الثّانِي: مَعْناهُ تَمِيلُ ظِلالُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: تَدُورُ ظِلالُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: تَتَحَوَّلُ ظِلالُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تارَةً إلى جِهَةِ اليَمِينِ، وتارَةً إلى جِهَةِ الشِّمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُ الشَّمْسَ حَيْثُ دارَتْ.
الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ النَّهارِ، والشِّمالَ آخِرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ.
﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ سُجُودُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ سُجُودَ الظِّلالِ سُجُودُ أشْخاصِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَ الظِّلالِ كَسُجُودِ الأشْخاصِ تَسْجُدُ لِلَّهِ خاضِعَةً، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
وَقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لِلَّهِ، فَبِئْسَ واللَّهِ ما صَنَعْتَ.
﴿ وَهم داخِرُونَ ﴾ أيْ صاغِرُونَ خاضِعُونَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ومُنْحَجِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ حُجَّرُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ ﴾ أمّا سُجُودُ ما في السَّماواتِ فَسُجُودُ خُضُوعٍ وتَعَبُّدٍ، وأمّا سُجُودُ ما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ سُجُودَهُ خُضُوعُهُ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنَّ ظُهُورَ ما فِيهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ يُوجِبُ عَلى العِبادِ السُّجُودَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
وَفِي تَخْصِيصِ المَلائِكَةِ بِالذِّكْرِ، وإنْ دَخَلُوا في جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِشَرَفِ المَنزِلَةِ فَمَيَّزَهم مِنَ الجُمْلَةِ بِالذِّكْرِ وإنْ دَخَلُوا فِيها.
الثّانِي: لِخُرُوجِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَدِبُّ، لِما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الأجْنِحَةِ فَلَمْ يَدْخُلُوا في الجُمْلَةِ، فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا.
وَجَوابٌ ثالِثٌ: أنَّ في الأرْضِ مَلائِكَةً يَكْتُبُونَ أعْمالَ العِبادِ لَمْ يَدْخُلُوا في جُمْلَةِ مَلائِكَةِ السَّماءِ فَلِذَلِكَ أفْرَدَهم بِالذِّكْرِ.
﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الخُضُوعِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ.
﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ؛ لِأنَّ العَذابَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.
الثّانِي: يَخافُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ الَّتِي هي فَوْقَ قُدْرَتِهِمْ وهي في جَمِيعِ الجِهاتِ.
﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِنَ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، ومن أنكر منهم قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد.
فأنزل الله: ﴿ أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم ﴾ [ يونس: 2] وقال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ يعني فاسألوا أهل الذكر والكتب الماضية: أبشرا كانت الرسل الذين أتتهم أم ملائكة؟
فإن كانوا ملائكة أتتكم، وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون رسولاً.
ثم قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم من أهل القرى ﴾ [ يوسف: 109] أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ قال: قالت العرب ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة ﴾ [ المائدة: 73] قال الله: ما أرسلت الرسل إلا بشراً ﴿ فاسألوا ﴾ يا معشر العرب ﴿ أهل الذكر ﴾ وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين جاءتهم قبلكم ﴿ إن كنتم لا تعلمون ﴾ أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا بشراً مثله، فإنهم سيخبرونكم أنهم كانوا بشراً مثله.
وأخر الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس ﴿ فاسألوا أهل الذكر ﴾ يعني مشركي قريش، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فاسألوا أهل الذكر ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة، وكانوا أهل كتب يقول: فاسألوهم ﴿ إن كنتم لا تعلمون ﴾ أن الرجل ليصلي ويصوم ويحج ويعتمر، وأنه لمنافق.
قيل: يا رسول الله، بماذا دخل عليه النفاق؟
قال: يطعن على إمامه، وإمامه من قال الله في كتابه: ﴿ فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للعالم أن يسكت عن علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله.
وقد قال الله: ﴿ فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون ﴾ فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بالبينات ﴾ قال: الآيات ﴿ والزبر ﴾ قال: الكتب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ قال: ﴿ البينات ﴾ الحلال والحرام الذي كانت تجيء به الأنبياء ﴿ والزبر ﴾ كتب الأنبياء ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ قال: هو القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ قال: ما أحل لهم وما حرم عليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ قال: أرسله الله إليهم ليتخذ بذلك الحجة عليهم.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولعلهم يتفكرون ﴾ قال: يطيعون.
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً أخبرنا بما يكون إلى قيام الساعة، عقله منا من عقله ونسيه من نسيه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ قال: هو نمرود بن كنعان وقومه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي الشرك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ قال: تكذيبهم الرسل وأعمالهم بالمعاصي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: في اختلافهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: إن شئت أخذته في سفره.
وفي قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه.
وتخوف بذلك.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: في أسفارهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ يعني على أي حال كانوا بالليل والنهار ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ يعني أن يأخذ بعضاً بالعذاب ويترك بعضاً، وذلك أنه كان يعذب القرية فيهلكها ويترك الأخرى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: ينقص من أعمالهم.
وأخرج ابن جرير من طريق عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما نردده من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله.
فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً فقال: يا فلان، ما فعل ربك.
فقال: قد تخيفته.
يعني تنقصته.
فرجع إلى عمر فأخبره فقال: قدر الله ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: كان يقال: التخوف، هو التنقص...
تنقصهم من البلد والأطراف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله ﴾ قال: ظل كل شيء فيه، وظل كل شيء سجوده.
﴿ فاليمين ﴾ أول النهار ﴿ والشمائل ﴾ آخر النهار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله ﴾ قال: إذا فَاءَ الْفَيءُ توجه كل شيء ساجداً لله قِبَلَ القبلة من بيت أو شجر.
قال: فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك في الآية قال: إذا فاء الفيء، لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلين من صلاة السحر» .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وليس من شيء إلا وهو يسبح الله تلك الساعة» ثم قرأ ﴿ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله...
﴾ الآية كلها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم قال: صلوا صلاة الآصال حتى يفيء الفيء قبل النداء بالظهر، من صلاها فكأنما تهجد بالليل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: فيء كل شيء ظله، وسجود كل شيء فيه سجود الخيال فيها.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية في قوله: ﴿ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل ﴾ قال: الغدو والآصال، إذا فاء ظل كل شيء.
أما الظل بالغداة فعن اليمين، وأما بالعشي فعن الشمائل.
إذا كان بالغداة سجدت لله، وإذا كان بالعشي سجدت له.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غالب الشيباني قال: أمواج البحر صلاته.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ داخرون ﴾ قال: صاغرون.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وهم داخرون ﴾ قال: صاغرون.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ قال الزجاج: ذكر اثنين توكيدًا لقوله: ﴿ إِلَهَيْنِ ﴾ ، كما ذكر الواحد في قوله: ﴿ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ (١) (٢) ﴿ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ من تلوين الخطاب.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204، بنصه، لكنه استشهد بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ بالآية نفسها.
(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 47، بنصه، والظاهر نقله عن الواحدي، والخازن 3/ 118، بنحوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين ﴾ وصف الإلهين باثنين تأكيداً وبياناً للمعنى وقيل: إن اثنين مفعول أول وإلهين مفعول ثاني، فلا يكون في الكلام تأكيد ﴿ فإياي فارهبون ﴾ خرج من الغيبة إلى التكلم، لأن الغائب هو المتكلم، وإياي مفعول بفعل مضمر، ولا يعمل فيه فارهبون لأنه قد أخذ معموله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.
وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".
﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.
﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.
الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.
﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.
فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.
قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.
وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.
واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.
وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.
ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.
واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.
قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.
ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.
وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.
وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.
ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.
ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.
والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.
وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.
وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".
ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.
ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.
ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.
وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.
قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.
أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.
وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.
قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.
ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.
والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.
ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.
وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.
روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.
فيلقى أصحاب رسول الله ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.
وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.
أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.
والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.
﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.
ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.
ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.
فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.
وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.
وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.
وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.
والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.
قوله : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.
ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .
أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.
الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.
وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.
وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.
وقال آخرون: إنه أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.
ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ .
ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.
أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.
﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.
﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.
ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله متعال عن العبث.
فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.
الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.
ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.
وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.
ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.
والغرض أنه لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!
قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".
احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".
ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله إلى أن يقول له" كن".
وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.
على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.
هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.
ولما حكى الله عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.
وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.
قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.
أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.
والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.
قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.
فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أن قال ذلك لقوم قد تقرر عندهم وثبت أن كل شيء يسجد لله ويخضع له، فقال ذلك لهم على العتاب: إنكم قد علمتم أن كل شيء لم يركب فيه العقل، ولم يجعل فيه الفهم والسمع يخضع لله ويسبح له، فأنتم لا تخضعون له مع ما ركب فيكم العقول وجعل فيكم الأفهام وغيرها.
والثاني: على الأمر؛ أي: اعلموا أن كل شيء من خلق الله يسجد له ويخضع، وقد أقام عليهم من الحجة على ذلك ما لو تأملوا وتفكروا لعلموا أن كل ذلك يخضع ويسبح، وإلا ظاهر قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ أن يقولوا: لم تر أن كان الخطاب لأهل مكة على ما ذكره أهل التأويل، لكن يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرتهما، ويشبه أن يكون ذكر قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ...
﴾ الآية لما استوحش أهل الإسلام مما عبد أولئك الكفرة الأصنام، وعظيم ما قالوا في الله ما قالوا، فقال لذلك: أولم يروا إلى كذا.
وقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ .
قال بعضهم: يريد بالظلال شخص ذلك الشيء، والظلال كناية عن الشخص، كما يقال: رأيت ظل فلان؛ أي: شخصه.
وقال بعضهم: أراد بالظل الظلَّ نفسه، لكن خضوعه وسجوده يكون للشمس والقمر.
وعلى تأويل من يجعل الظل كناية من الشخص يجعل كل نفس تفيء خضوعاً وسجوداً.
ثم معنى سجود: هذه الأشياء الموات وخضوعهن، من نحو قوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ .
ومن نحو قوله: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ وقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ وأمثاله.
يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يجعل الله - عز وجل - بلطفه في سرية هذه الأشياء معنى تعلم السجود لله والخضوع له، وهو كما ذكر في الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، أخبر أنها تجري بأمره، دل أنها تعلم أمر الله.
وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
أخبر أنها تشهد وتنطق، ولو [لا] أنها تفهم وتعلم الخطاب؛ وإلا ما خوطبت، وإن كانت مواتاً فعلى ذلك تسبيحها وخضوعها جائز أن يكون الله يجعل في سرية هذه الأشياء ما تعرف السجود والتسبيح وتفهمه.
والثاني: يكون سجود هذه الأشياء وتسبيحها بالتسخير، جعلها مسخرات لذلك، وإن لم تعلم هي ذلك ولم تعرف، لكن جعلها بالخلقة كذلك.
والثالث: أنه جعل [خلقة] هذه الأشياء دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، فهن مسبحات لله وساجدات وخاضعات له؛ بالخلقة التي جعلها دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، هذا - والله أعلم - معنى سجودهن وخضوعهن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ .
وقوله - صاغرون ذليلون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .
يذكر هذا - والله أعلم - أنه يسجد له أعلى الخلائق وأعلمهم وهم الملائكة، ويسجد له أشد الخلق وأصلبه وهو الجبال والسماوات والأرض، ويسجد له أيضاً ويخضع أسفه الخلق وأجهله وهو الدواب وغيرها، وأنتم أبيتم [السجود له] والخضوع، واستكبرتم عن عبادته، فهؤلاء الذين ذكرهم يسجدون، يخبر عن سفه أولئك في إبائهم السجود له والخضوع، واستكبارهم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: خوف الملائكة والرسل خوف هيبة الله وجلاله لا خوف نزول شيء من نقمته عليهم، وخوف غيرهم من البشر خوف نزول شيء يضر بهم، وكذلك رجاؤهم وطمعهم رجاء نفع يصل إليهم، ورجاء الملائكة والرسل، وطمعهم رجاء رضاء الله عنهم لا رجاء نفع يصل إليهم.
وقال بعضهم: يخافون خوف العقوبة والانتقام؛ لأنهم ممتحنون، وكل ممتحن يخاف عذاب الله ونقمته، ألا ترى أنه كيف أوعدهم الوعيد الشديد وقال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 29] وقال إبراهيم : ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ خاف عبادة غير الله، ومن خاف ذلك يخاف وعيده وعذابه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ .
الفوق، والتحت، والأسفل، ونحوه في الأمكنة والمجلس ليس فيه فضل عز وشرف ومرتبة؛ لما يجوز أن يكون الذي كان فوق هذا في المكان والمجلس تحته وأسفل منه؛ فلا يزداد لهذا بما صار فوقه عز وشرف ومرتبة، ولا لهذا بما كان تحته ذل، وهوان؛ لأنه لا يفهم من فوقه: فوق المكان ولا تحته؛ لأن من صعد الجبال والأمكنة المرتفعة لا يوصف بالعلو والعظمة، وإذا قيل: فلان أمير على العراق أو على خراسان كان في ذلك تعظيم؛ لأنه ذكر بالقدرة والسلطان ونفاذ أمره ومشيئته وقدرته وسلطانه فيهم، أو اطلاعه على جميع ما يسرّون [ويضمرون، ويعلنون] ويظهرون، وعلمه على جميع أفعالهم على هذا يجوز أن يتناول الفوق، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ .
وصفهم الله - عز وجل - بفضل خضوعهم له وطاعتهم إياه، وهو ما قال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ وهو ما قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، ومثله.
<div class="verse-tafsir"
وقال الله سبحانه لجميع عباده: لا تتخذوا معبودين اثنين، إنما هو معبود بحقٍّ واحدٌ لا ثاني له ولا شريك، فإياي فخافوني، ولا تخافوا غيري.
<div class="verse-tafsir" id="91.3e67Y"