الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٥٧ من سورة النحل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥٧ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، وجعلوها بنات الله ، وعبدوها معه ، فأخطؤوا خطأ كبيرا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث ، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا ، ولا ولد له ، ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد - وهو البنات - وهم لا يرضونها لأنفسهم ، كما قال : ( ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى ) [ النجم : 21 ، 22 ] وقال هاهنا : ( ويجعلون لله البنات سبحانه ) أي : عن قولهم وإفكهم ( ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ) [ الصافات : 151 - 154 ] .
وقوله : ( ولهم ما يشتهون ) أي : يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله ، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا
يقول تعالى ذكره: ومن جهل هؤلاء المشركين وخبث فعلهم ، وقبح فِرْيتهم على ربهم، أنهم يجعلون لمن خلقهم ودبَّرهم وأنعم عليهم، فاستوجب بنعمه عليهم الشكر، واستحق عليهم الحمد : البنات ، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه، نـزه جلّ جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه ، ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم ، وفي " مَا " التي في قوله (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) وجهان من العربية: النصب عطفا لها على البنات، فيكون معنى الكلام إذا أريد ذلك: ويجعلون لله البنات ولهم البنين الذين يشتهون، فتكون " ما " للبنين، والرفع على أن الكلام مبتدأ من قوله (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) فيكون معنى الكلام: ويجعلون لله البنات ولهم البنون.
قوله تعالى : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون قوله تعالى : ويجعلون لله البنات نزلت في خزاعة وكنانة ; فإنهم زعموا أن الملائكة بنات الله ، فكانوا يقولون ألحقوا البنات بالبنات .سبحانه نزه نفسه وعظمها عما نسبوه إليه من اتخاذ الأولاد .ولهم ما يشتهون أي يجعلون لأنفسهم البنين ويأنفون من البنات .
وموضع " ما " رفع بالابتداء ، والخبر لهم وتم الكلام عند قوله : سبحانه .
وأجاز الفراء كونها نصبا ، على تقدير : ويجعلون لهم ما يشتهون .
وأنكره الزجاج وقال : العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم .
{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ } حيث قالوا عن الملائكة العباد المقربين: إنهم بنات الله { وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } أي: لأنفسهم الذكور حتى إنهم يكرهون البنات كراهة شديدة
( ويجعلون لله البنات ) وهم خزاعة وكنانة ، قالوا : الملائكة بنات الله تعالى : ( سبحانه ولهم ما يشتهون ) أي : ويجعلون لأنفسهم البنين الذين يشتهونهم ، فتكون " ما " في محل النصب ، ويجوز أن تكون على الابتداء فتكون " ما " في محل الرفع .
(ويجعلون لله البنات) بقولهم الملائكة بنات الله (سبحانه) تنزيهاً له عما زعموا (ولهم ما يشتهون) ـه أي البنون والجملة في محل رفع أو نصب بيجعل، المعنى يجعلون له البنات التي يكرهونها وهو منزه عن الولد ويجعلون لهم الأبناء الذين يختارونهم فيختصون بالأسنى كقوله "" فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون "".
ويجعل الكفار لله البنات، فيقولون: الملائكة بنات الله، تنزَّه الله عن قولهم، ويجعلون لأنفسهم ما يحبون من البنين.
وقوله - سبحانه - : ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ ) بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة ، وهو معطوف على ماقبله .وسؤالهم يوم القيامة عما اجترحوه - مع أنه سؤال تقريع وتأنيب - إلا أنه يدل على عدل الله - تعالى - مع هؤلاء الظالمين ، لأنه لم يعاقبهم إلا بعد أن سألهم ، وبعد أن ثبت إجرامهم وفى ذلك ما فيه من تعليم العباد أن يكونوا منصفين فى أحكامهم .وهذه الآية الكريمة تحكى ما كان شائعا فى بعض قبائل العرب ، من أنهم كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله .
قالوا : وكانت قبيلة خزاعة ، وقبيلة كنانة تقولان بذلك فى الجاهلية .أى : أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بجعل نصيب مما رزقناهم لآلهتهم ، بل أضافوا إلى ذلك رذيلة أخرى ، وهى أنهم زعموا أن الملائكة بنات الله - تعالى - ، وأشركوها معه فى العبادة .قوله ( سبحانه ) مصدر نائب عن الفعل ، وهو منصوب على المفعولية المطلقة ، وهو فى محل جملة معترضة ، وقعت جوابا عن مقالتهم السيئة ، التى حكاها الله - تعالى - عنهم ، وهى ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات ) .أى : تنزه وتقدس الله - عز وجل - عن أن يكون له بنات أو بنين ، فهو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذى لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .والمراد بما يشتهونه فى قوله - عز وجل - : ( وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ) الذكور من الأولاد .أى : أن هؤلاء المشركين يجعلون لأصنامهم نصيبا مما رزقناهم ، ويجعلون لله - تعالى - البنات ، أما هم فيجعلون لأنفسهم الذكور ، ويختارونهم ليكونوا خلفاء لهم .وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ( وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ).
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح أو من عالم الأجسام، فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وأنه غني عن الكل فقال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن الإلهين لابد وأن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله: ﴿ إلهين اثنين ﴾ .
وجوابه من وجوه: أحدها: قال صاحب النظم: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين.
وثانيها: وهو الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكراً مستقبحاً، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سبباً لوقوف العقل على ما فيه من القبح.
إذا عرفت هذا فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول، ولهذا المعنى فإن أحداً من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال، فقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين ﴾ المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح.
وثالثها: أن قوله: ﴿ إلهين ﴾ لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله وثبوت التعدد، فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما.
فلما قال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين ﴾ ثبت أن قوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين ﴾ نهي عن إثبات التعدد فقط.
ورابعها: أن الأثنينية منافية للإلهية، وتقريره من وجوه: الأول: أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجباً لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة، فكل واحد منهما مركب من جزأين، وكل مركب فهو ممكن، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود.
والثاني: أنا لو فرضنا إلهين وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة أصلاً ولا التفاوت أصلاً، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية، وإذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ألبتة.
فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً.
فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلهاً.
الثالث: أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر ذاك إله والآخر ضعيف، وإن لم يقدر فهو ضعيف، والرابع: وهو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف، وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف، وإن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف.
فثبت أن الأثنينية والإلهية متضادتان.
فقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين ﴾ المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين الإلهية وبين الأثنينية.
والله أعلم.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: ﴿ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ﴾ والمعنى: أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لابد للعالم من الإله، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد.
ثم قال بعده: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور، والتقدير: أنه لما ثبت أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله، فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور، ويقول: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وفيه دقيقة أخرى وهو أن قوله: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما محدث، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد، وأما ما سواه فمحدث، وإنما حدث بتخليق ذلك القديم وبإيجاده، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه ولا رهبة إلا منه، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات.
ثم قال بعده: ﴿ وَلَهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ وهذا حق، لأنه لما كان الإله واحداً، والواجب لذاته واحداً، كان كل ما سواه حاصلاً بتخليقه وتكوينه وإيجاده، فثبت بهذا البرهان صحة قوله: ﴿ وَلَهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض، فوجب أن تكون أفعال العباد لله تعالى، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض طاعته، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة، لا لغرض الطاعة، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب.
ثم قال بعده: ﴿ وَلَهُ الدين وَاصِبًا ﴾ الدين هاهنا الطاعة، والواصب الدائم.
يقال: وصب الشيء يصب وصوباً إذا دام، قال تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ ويقال: واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم، ومفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها.
ويقال للعليل واصب، ليكون ذلك المرض لازماً له.
قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه، فإن طاعته واجبة أبداً.
واعلم أن قوله: ﴿ واصباً ﴾ حال، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.
وأقول: الدين قد يعني به الانقياد.
يقال: يا من دانت له الرقاب أي انقادت.
فقوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ أي انقياد كل ما سواه له لازم أبداً، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجاً إلى السبب في طرفي الوجود والعدم والماهيات يلزمها الإمكان لزوماً ذاتياً، والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتياً، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتياً فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد لله تعالى أتصافاً دائماً واجباً لازماً ممتنع التغير.
وأقول: في الآية دقيقة أخرى، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب؟
قال المحققون: إنه محتاج لأن علة الحاجة هي الإمكان والإمكان من لوازم الماهية فيكون حاصلاً للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن وحال بقائه، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها.
إذا عرفت هذا فقوله: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ معناه: أن كل ما سوى الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم إلى مرجح ومخصص، وقوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ معناه أن هذا الانقياد وهذا الاحتياج حاصل دائماً أبداً، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح والمخصص، وهذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة.
ثم قال تعالى: ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ والمعنى: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه، ومحتاج إليه أيضاً في وقت دوامه وبقائه، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة عن غير الله تعالى؟
فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب: ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ .
ثم قال: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه لما بين بالآية الأولى أن الواجب على العاقل أن لا يتقي غير الله، بين في هذه الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة، وكل نعمة حصلت للإنسان فهي من الله تعالى لقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف وأن لا يتقي أحداً إلا الله وأن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى.
المسألة الثانية؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى فقالوا الإيمان نعمة، وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ ينتج أن الإيمان من الله وإنما قلنا: إن الإيمان نعمة، لأن المسلمين مطبقون على قولهم: الحمد لله على نعمة الإيمان، وأيضاً فالنعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعاً به، وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان، فثبت أنا لإيمان نعمة.
وإذا ثبت هذا فنقول: وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ وهذه اللفظة تفيد العموم، وأيضاً مما يدل علىأن كل نعمة فهي من الله، لأن كل ما كان موجوداً فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى، والممكن لذاته لا يوجد إلا لمرجح، وذلك المرجح إن كان واجباً لذاته كان حصول ذلك الممكن بإيجاد الله تعالى وإن كان ممكناً لذاته عاد التقسيم الأول فيه، ولا يذهب إلى التسلسل، بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذته، فثبت بهذا البيان أن كل نعمة فهي من الله تعالى.
المسألة الثالثة: النعم إما دينية وإما دنيوية، أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به، وأما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية، وإما بدنية وإما خارجية وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ والإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مراراً فلا نعيدها.
المسالة الرابعة: إنما دخلت الفاء في قوله: ﴿ فمن الله ﴾ لأن الباء في قوله: ﴿ بكم ﴾ متصلة بفعل مضمر، والمعنى: ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله.
ثم قال تعالى: ﴿ ثم إِذا مسكم الضر ﴾ قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، وتتضرعون إليه بالدعاء يقال: جأر يجأر جؤاراً وهو الصوت الشديد كصوت البقرة، وقال الأعشى يصف راهباً: يراوح من صلوات المليك *** طوراً سجوداً وطوراً جؤارا والمعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر، أي لا يستغيث أحداً إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة، ثم قال بعده: ﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ فبين تعالى أن عند كشف الضر وسلامة الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى الله تعالى، وفريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون بالله غيره، وهذا جهل وضلال، لأنه لما شهدت فطرته الأصلية وخلقته الغريزية عند نزول البلاء والضراء والآفات والمخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد، ولا مستغاث إلا الواحد فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الاعتقاد، فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى، وعند زوال البلاء يثبت الأضداد والشركاء، فهذا جهل عظيم وضلال كامل.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ ليكفروا بما آتيناهم ﴾ وفي هذه اللام وجهان: الأول: أنها لام كي والمعنى أنهم أشركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم.
وغرضهم من ذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى، ألا نرى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع، فإذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني، وهذا أكثر أحوال الخلق.
وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله: في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة أثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة، وهذه عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع، فلما سكتت وطاب الهواء، وحسن أنواع الوقت نسوا في الحال تلك الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة والجهالة، وكانت هذه الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر نفس الإنسان.
والقول الثاني: أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿ فاتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ يعني أن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر.
واعلم أن المراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ فيه قولان: الأول: أنه عبارة عن كشف الضر وإزالة المكروه.
والثاني: قال بعضهم: المراد به القرآن وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة والشرائع.
واعلم أنه تعالى توعدهم بعد ذلك فقال: ﴿ فتمتعوا ﴾ وهذا لفظ أمر، والمراد منه التهديد، كقوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ وقوله: ﴿ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أي عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لآلهتهم.
ومعنى لا يعلمونها: أنه يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله، وليس كذلك.
وحقيقتها أنها جماد لا يضر ولا ينفع، فهم إذاً جاهلون بها، وقيل: الضمير في ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ للآلهة.
أي: لأشياء غير موصوفة بالعلم، ولا تشعر أجعلوا لها نصيباً في أنعامهم وزروعهم أم لا؟
وكانوا يجعلون لهم ذلك تقرباً إليهم ﴿ لَتُسْئَلُنَّ ﴾ وعيد ﴿ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ من الإفك في زعمكم أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لَها لِأنَّها جَمادٌ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ ﴿ لِما ﴾ ، أوِ الَّتِي لا يَعْلَمُونَها فَيَعْتَقِدُونَ فِيها جَهالاتٍ مِثْلَ أنَّها تَنْفَعُهم وتَشْفَعُ لَهم عَلى أنَّ العائِدَ إلى ما مَحْذُوفٌ، أوْ لِجَهْلِهِمْ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ والمَجْعُولَ لَهُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ.
﴿ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ مِنَ الزُّرُوعِ والأنْعامِ.
﴿ تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ مِن أنَّها آلِهَةٌ حَقِيقَةً بِالتَّقَرُّبِ إلَيْها وهو وعِيدٌ لَهم عَلَيْهِ.
﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ ﴾ كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ يَقُولُونَ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ مِن قَوْلِهِمْ، أوْ تَعَجُّبٌ مِنهُ.
﴿ وَلَهم ما يَشْتَهُونَ ﴾ يَعْنِي البَنِينَ، ويَجُوزُ فِيما يَشْتَهُونَ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ والنَّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى البَناتِ عَلى أنَّ الجَعْلَ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ، وهو وإنْ أفْضى إلى أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِشَيْءٍ واحِدٍ لَكِنَّهُ لا يَبْعُدُ تَجْوِيزُهُ في المَعْطُوفِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات} كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله {سبحانه} تنزيه لذاته من نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} يعني البنين ويجوز في ما الرفع على الابتداء ولهم الخير والنصب على العطف على البنات
النحل (٥٨ _ ٦٢)
وسبحانه اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور
﴿ ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ ﴾ هم خُزاعَةُ وكِنانَةُ كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى وكَأنَّهم لِجَهْلِهِمْ زَعَمُوا تَأْنِيثَها وبُنُوَّتَها، وقالَ الإمامُ: أظُنُّ أنَّهم أطْلَقُوا عَلَيْها البَناتِ لِاسْتِتارِها عَنِ العُيُونِ كالنِّساءِ ولِهَذا لَمّا كانَ قُرْصُ الشَّمْسِ يَجْرِي مَجْرى المُسْتَتِرِ عَنِ العُيُونِ بِسَبَبِ ضَوْئِهِ الباهِرِ ونُورِهِ القاهِرِ أطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ التَّأْنِيثِ.
ولا يَرُدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ الجِنَّ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ في مِثْلِهِ الِاطِّرادُ، وقِيلَ: أطْلَقُوا عَلَيْها ذَلِكَ لِلِاسْتِتارِ مَعَ كَوْنِها في مَحَلٍّ لا تَصِلُ إلَيْهِ الأغْيارُ فَهي كَبَناتِ الرَّجُلِ اللّاتِي يَغارُ عَلَيْهِنَّ فَيُسْكِنُهُنَّ في مَحَلٍّ أمِينٍ ومَكانٍ مَكِينٍ، والجِنُّ وإنْ كانُوا مُسْتَتِرِينَ لَكِنْ لا عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، وهَذا أوْلى مِمّا ذَكَرَهُ الإمامُ، وأمّا عَدَمُ التَّوالُدِ فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ.
﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ وتَقْدِيسٌ لَهُ تَعالى شَأْنُهُ عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِ ذَلِكَ أوْ تَعْجِيبٌ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ، وهو في المَعْنى الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وفي الثّانِي مَجازٌ.
﴿ ولَهم ما يَشْتَهُونَ ﴾ يَعْنِي البَنِينَ و(ما) مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ المُقَدَّمُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ وسُبْحانَهُ اعْتِراضٌ في حاقَ مَوْقِعُهُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ والحَوْفِيُّ أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَعْطُوفٌ عَلى ( البَناتِ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ويَجْعَلُونَ لَهم ما يَشْتَهُونَ.
واعْتَرَضَ عَلَيْهِ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ وهي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَعَدِّي فِعْلِ المُضْمَرِ المُتَّصِلِ المَرْفُوعِ بِالفاعِلِيَّةِ وكَذا الظّاهِرُ إلى ضَمِيرِهِ المُتَّصِلِ سَواءٌ كانَ تَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِحَرْفِ الجَرِّ إلّا في بابِ ظَنَّ وما أُلْحِقَ بِهِ مِن فَقْدٍ وعُدْمٍ فَلا يَجُوزُ زَيْدٌ ضَرَبَهُ بِمَعْنى ضَرَبَ نَفْسَهُ ولا زَيْدٌ مَرَّ بِهِ أيْ مَرَّ هو بِنَفْسِهِ ويَجُوزُ زَيْدٌ ظَنَّهُ قائِمًا وزَيْدٌ فَقَدَهُ وعَدِمَهُ فَلَوْ كانَ مَكانَ الضَّمِيرِ اسْمًا ظاهِرًا كالنَّفْسِ نَحْوَ زَيْدٌ ضَرَبَ نَفْسَهُ أوْ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا نَحْوَ زَيْدٌ ما ضَرَبَ إلّا إيّاهُ وما ضَرَبَ زَيْدٌ إلّا إيّاهُ جازَ، فَإذا عُطِفَ «ما» عَلى ( البَناتِ ) أدّى إلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ المُضْمَرِ المُتَّصِلِ وهو واوُ ( يَجْعَلُونَ ) إلى ضَمِيرِهِ المُتَّصِلِ وهو (هُمْ) المَجْرُورُ بِاللّامِ في غَيْرِ ما اسْتُثْنِيَ وهو مَمْنُوعٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ضَعِيفٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ- لِأنْفُسِهِمْ- وأُجِيبُ بِأنَّ المُمْتَنِعَ إنَّما هو تَعَدِّي الفِعْلَ بِمَعْنى وُقُوعِهِ عَلَيْهِ أوْ عَلى ما جُرَّ بِالحَرْفِ نَحْوَ زَيْدٌ مَرَّ بِهِ فَإنَّ المُرُورَ واقِعٌ بِزَيْدٍ وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ فَإنَّ الجَعْلَ لَيْسَ واقِعًا بِالجاعِلِينَ بَلْ بِما يَشْتَهُونَ، ومُحَصِّلَهُ- كَما قالَ الخَفاجِيُّ- المَنعُ في المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا والتَّفْصِيلُ في المُتَعَدِّي بِالحَرْفِ بَيْنَ ما قَصَدَ الإيقاعَ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي لِعَدَمِ إلْفِ إيقاعِ المَرْءِ بِنَفْسِهِ.
وأبُو حَيّانَ اعْتَرَضَ القاعِدَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ .
﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ والعَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ أجابَ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ الِامْتِناعَ إنَّما هو إذا تَعَدّى الفِعْلُ أوَّلًا لا ثانِيًا وتَبَعًا فَإنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ وجَوَّزَ في المُتَعَدِّي بِالحَرْفِ كَما هُنا وارْتَضاهُ الشّاطِبِيُّ في شَرْحِ الألْفِيَّةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: هو قَوِيٌّ عِنْدِي لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ العَطْفَ هُنا بَعْدَ هَذا القِيلِ والقالِ يُؤَدِّي إلى جَعْلِ الجَعْلِ بِمَعْنًى يَعُمُّ الزَّعْمَ والِاخْتِيارَ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَقالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ أي: لا تقولوا ولا تصفوا إلهين اثنين، أي: نفسه والأصنام.
ويقال: نزلت الآية في صنف من المجوس وصفوا إلهين اثنين.
قال الله تعالى: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي: فاخشوني ووحدوني وأطيعوني، ولا تعبدوا غيري وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ من الملائكة وَالْأَرْضِ من الخلق: الجن والإنس، كلهم عبيده وإماؤه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي: دائماً خالصاً.
ويقال: الألوهية والربوبية له خالصا.
ويقال: دينه واجبا أبداً لا يجوز لأحد أن يميل عنه.
ويقال: معناه، وله الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به أو لم يرض، والوصب في اللغة: الشدة والتعب.
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ أي: تعبدون غيره.
قوله عز وجل: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ يعني: إن الذي بكم من الغنى، وصحة الجسم، من قبل الله تعالى ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ أي: الفقر والبلاء في جسدكم.
فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ يعني: إليه تتضرعون ليكشف الضر عنكم، كما قال في سورة الدخان رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان: 12] ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ أي: الكفار بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ أي: الكفار يعبدون غيره.
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ أي: يجحدوا بما أعطيناهم من النعمة فَتَمَتَّعُوا بقية آجالكم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي: تعرفون في الآخرة ماذا نفعل بكم.
ثم قال: وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً أي: يجعلون لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام، كقوله: فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [الأنعام: 136] وقوله: لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً [النحل: 56] قال بعضهم: يعني: الكفار جعلوا لأصنامهم نصيباً ولا يعلمون منهم ضراً ولا نفعا.
وبعضهم قالوا: معناه يجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئاً نصيباً، أي: حظاً مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الحرث والأنعام.
قال تعالى: تَاللَّهِ أي: والله لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ أي: تكذبون على الله، لأنهم كانوا يقولون إن الله أمرنا بهذا.
<div class="verse-tafsir"
قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَال تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ في صَلاَةِ السَّحَرِ» ، قَالَ: «وَلَيْسَ شَيْءٌ إِلاَّ يُسَبِّحُ لله تلك السّاعة» ، وقرأ: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ...
«١» الآية كلُّها.
انتهى «٢» .
و «الدَّاخر» : المتصاغر المتواضع.
وقوله سبحانه: يَخافُونَ رَبَّهُمْ: عامٌّ لجميع الحيوان، ومِنْ فَوْقِهِمْ: يريد:
فوقية القَدْر والعَظَمة والقَهْر.
وقوله سبحانه: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: السَّماواتِ هنا: كلُّ ما ارتفع مِنَ الخلق من جهة فَوْقُ، فيدخل في ذلك العرشُ والكرسيُّ وغيرهما، والدِّينُ: الطاعة والمُلْك، و «الواصب» : الدائم قاله ابن عباس «٣» .
ثم ذكَّر سبحانه بِنِعَمِهِ، ثم ذَكَّر بأوقاتِ المَرَضِ، والتجاء العِباد إِليه سبحانه، و «الضُّرُّ» ، وإِن كان يعمُّ كل مكروه، فأكثرُ ما يجيء عن أرزاء البدن، وتَجْئَرُونَ معناه:
ترفعون أصواتكم باستغاثة وتضرّع.
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ: الفريق، هنا: يراد به المشْرِكُون الذين يَرَوْن أن للأصنام أفعالاً من شفاء المرضَى، وجَلْبِ النفعِ، ودفعِ الضرِّ، فهم إِذا شفاهم اللَّهُ، عظَّموا أصنامهم، وأضافوا ذلك الشفاءَ إِليها.
وقوله سبحانه: لِيَكْفُرُوا: يجوز أنْ تكون اللامُ لامَ الصيرورةِ، ويجوز أن تكونَ لام أمْرٍ على معنى التهديد.
وقوله: بِما آتَيْناهُمْ: أي: بما أنعمنا عليهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ، مِن صِحَّةٍ في جِسْمٍ، أوْ سَعَةٍ في رِزْقٍ، أوْ مَتاعٍ مِن مالٍ ووَلَدٍ ﴿ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " فَمَنُّ اللَّهِ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأسْقامَ، والأمْراضَ، والحاجَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تَجْأرُونَ ": تَرْفَعُونَ أصْواتَكم إلَيْهِ بِالِاسْتِغاثَةِ.
يُقالُ: جَأرَ يَجْأرُ جُؤارًا، والأصْواتُ مَبْنِيَّةٌ عَلى " فُعالٍ " و" فَعِيلٍ "، فَأمّا " فُعالٌ " فَنَحْوُ " الصُّراخِ " و " الخُوارِ "، وأمّا " الفَعِيلُ " فَنَحْوُ " العَوِيلِ " و " الزَّئِيرِ "، والفُعالُ أكْثَرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أهْلَ النِّفاقِ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: يَعْنِي الكُفّارَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِيَكْفُرُوا بِأنّا أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، فَجَعَلُوا نِعَمَنا سَبَبًا إلى الكُفْرِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " لِيَكْفُرُوا "، أيْ: لِيَجْحَدُوا نِعْمَةَ اللَّهِ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ تَهَدُّدٌ، ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ أمْرِكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ ﴿ وَلَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وقَعَتْ "ما" في هَذِهِ الآيَةِ لِما يَعْقِلُ، قالَ الزَجاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ ما في السَماواتِ ﴾ يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماءِ وما في السَحابِ وما في الجَوِّ مِن حَيَوانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ ﴾ بَيِّنٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مَلائِكَةَ الأرْضِ في قَوْلِهِ: "والمَلائِكَةُ".
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "والمَلائِكَةُ" هو الَّذِي يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماواتِ والأرْضِ، وما قَبْلَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ فِيهِ مَلَكٌ، إنَّما هو الحَيَوانُ أجْمَعُ.
وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الفَوْقِيَّةٌ الَّتِي يُوصَفُ بِها اللهُ تَعالى، فَهي فَوْقِيَّةُ القَدَرِ والعَظْمَةِ والقَهْرِ والسُلْطانِ، والآخَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ بِقَوْلِهِ: "يَخافُونَ"، أيْ: يَخافُونَ عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ عادَةَ عَذابِ اللهِ لِلْأُمَمِ إنَّما أتى مِن جِهَةِ فَوْقٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسَبِ الشَرْعِ والطاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ نَهْيٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَنِ الإشْراكِ بِهِ، ومَعْناها: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا بِما يَنِصُّهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ "تَتَّخِذُوا" قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ" وقَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ" تَأْكِيدٌ وبَيانٌ بِالعَدَدِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، أنْ يُبَيِّنَ المَعْدُودَ بِذِكْرِ عَدَدِهِ تَأْكِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، لِأنَّ لَفْظَةَ الإلَهِ تَقْتَضِي الِانْفِرادَ، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ: المَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُفْرَدًا، أو مَعْبُودًا، أو مُطاعًا، ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ"، والثانِي قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ"، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى اعْتِذارٍ بِالتَأْكِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا ﴾ ﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ -عَلى بَعْضِ الأقْوالِ- تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ "تَتَّخِذُوا"، وقَوْلُهُ: "فَإيّايَ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ الفِعْلُ الظاهِرُ، لِأنَّهُ قَدْ عَمِلَ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ما في السَماواتِ ﴾ الآيَةُ، الواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَهُ" عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، و"ما" عامَّةُ جَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يَعْقِلُ ومِمّا لا يَعْقِلُ، والسَماواتُ هُنا كُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الخَلْقِ في جِهَةِ فَوْقٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ العَرْشُ والكُرْسِيُّ، و"الدِينُ": الطاعَةُ والمُلْكُ كَما قالَ زُهَيْرٌ: في دِينِ عَمْرُو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ.
فِي طاعَتِهِ ومُلْكِهِ.
و"الواصِبُ": الدائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحاكُ، وقالَ الشاعِرُ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَهْرِ أجْمَعَ واصِبًا وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: غَيَّرَتْهُ الرِيَحُ تَسْفِي بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وهَزِيمٌ رَعْدُهُ واصِبُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ الوَصْبِ وهو التَعَبُ: أيْ: ولَهُ الدِينُ عَلى تَعَبِهِ ومَشَقَّتِهِ.
فَـ "واصِبٌ" -عَلى هَذا- جارٍ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا وصَبٍ، كَما قالَ: أضْحى فُؤادِي بِهِ فاتِنا وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الواصِبُ: الواجِبُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: الواصِبُ: الدائِمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ ﴾ تَوْبِيخٌ ولَفْظُ اسْتِفْهامٍ، ونَصَبَ "غَيْرُ" بِـ "تَتَّقُونَ"، لِأنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يَعْمَلْ في سِوى "غَيْرِ" المَذْكُورَةِ.
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بِكُمْ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ ويَكُونُ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ﴾ ، كَأنَّهُ يَقُولُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: أتُتَّقَوْنَ غَيْرَ اللهِ ولا مُنْعِمَ عَلَيْكم سِواهُ؟
والباءُ في قَوْلِهِ: "بِكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وما نَزَلَ أو ألَمَّ، ونَحْوَ هَذا، و"ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمِنَ اللهِ ﴾ دَخَلَتْ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "ما" الَّتِي هي بِمَعْنى "الَّذِي"، فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَرْطَ، ومَعْنى الآيَةِ التَذْكِيرُ بِأنَّ الإنْسانَ في جَلِيلِ أمْرِهِ ودَقِيقِهِ إنَّما هو في نِعْمَةِ اللهِ وَأفْضالِهِ، إيجادُهُ داخِلٌ في ذَلِكَ فَما بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِأوقاتِ المَرَضِ لِكَوْنِ الإنْسانِ الجاهِلِ يُحِسُّ فِيها قَدْرَ الحاجَةِ إلى لُطْفِ اللهِ تَعالى، و"الضُرُّ -وَإنْ كانَ يَعُمُّ كُلَّ مَكْرُوهِ- فَأكْثَرُ ما يَجِيءُ عِبارَةً عن أرْزاءِ البَدَنِ.
و"تَجْأرُونَ" مَعْناهُ تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِاسْتِغاثَةٍ وتَضَرُّعٍ، وأصْلُهُ في جُؤارِ الثَوْرِ والبَقَرَةِ وصِياحِهِما، وهو عِنْدُ جُهْدٍ يَلْحَقُها، أو في أثَرِ دَمٍ يَكُونُ مِن بَقَرٍ تُذْبَحُ، فَذَلِكَ الصُراخُ يُشَبِّهُ بِهِ انْتِحابَ الداعِي المُسْتَغِيثِ بِاللهِ إذْ رَفَعَ صَوْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يُراوِحُ مِن صَلَواتٍ المَلِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِأبِيلٍ كُلَّما صَلّى جَأرْ والأصْواتُ تَأْتِي غالِبًا عَلى فِعالٍ أو فَعَيْلٍ.
وقَرَأ الزَهْرِيُّ "تَجَرُونَ" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ هَمْزٍ، حُذِفَتْ وأُلْقِيَتْ حَرَكُتُها عَلى الجِيمِ، كَما خُفِّفَ تَسَلُونَ مَن تَسْألُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكُمْ ﴾ ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "كَشَفَ"، وقَرَأ قَتادَةٌ: "كاشِفٌ"، ووَجْهُها أنَّها فاعِلٌ مِن واحِدٍ بِمَعْنى "كَشَفَ"، وهي ضَعِيفَةٌ.
و"الفَرِيقُ" هُنا يُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ لِلْأصْنامِ أفْعالًا مِن شِفاءِ المَرَضى وجَلْبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الضُرِّ، فَهم إذا شَفاهُمُ اللهُ عَظَّمُوا أصْنامَهُمْ، وأضافُوا ذَلِكَ الشِفاءَ إلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَكْفُرُوا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللامُ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: فَصارَ أمْرُهم لِيَكْفُرُوا، وهم لَمْ يَقْصِدُوا بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ أنْ يَكْفُرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ أمْرٍ عَلى مَعْنى التَهْدِيدِ والوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ ، والكُفْرُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرَ الجُحْدِ بِاللهِ والشِرْكِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ النِعْمَةِ، وهو الأظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما ﴾ ، أيْ: بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ورَوى أبُو رافِعٍ «عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ "» بِياءٍ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةً، و"فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى ذِكْرِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في الرُومِ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَتَمَتَّعُوا" كالجَماعَةِ عَلى الأمْرِ "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، كَقِراءَةِ أبِي رافِعٍ، فَيَكُونُ "يُمَتِّعُوا" في قِراءَةِ أبِي رافِعٍ في مَوْضِعٍ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى "يَكْفُرُوا" إنْ كانَتِ اللامُ لامَ "كَيْ"، ونُصْبًا بِالفاءِ في جَوابِ الأمْرِ إنَّ كانَتِ اللامُ لامَ أمْرٍ، ومَعْنى "التَمَتُّعِ" في هَذِهِ الآيَةِ: بِالحَياةِ الدُنْيا الَّتِي مَصِيرُها إلى الفَناءِ والزَوالِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ [سورة النحل: 56].
هذا استدلال بنعمة الله عليهم بالبنين والبنات، وهي نعمة النّسل، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ ، أي ما يشتهون مما رزقناهم من الذّرية.
وأدمج في هذا الاستدلال وهذا الامتنان ذكرُ ضرب شنيع من ضروب كفرهم.
وهو افتراؤهم: أن زعموا أن الملائكة بنات الله من سروات الجنّ، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً ﴾ [سورة الصافات: 158].
وهو اعتقاد قبائل كنانة وخزاعة.
والجعل: هنا النسبة بالقول.
و ﴿ سبحانه ﴾ مصدر نائب عن الفعل، وهو منصوب على المفعولية المطلقة، وهو في محل جملة معترضة وقعت جواباً عن مقالتهم السيّئة التي تضمّنتها حكاية ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ إذ الجعل فيه جعل بالقول، فقوله: ﴿ سبحانه ﴾ مثل قولهم: حاش لله ومعاذَ الله، أي تنزيهاً له عن أن يكون له ذلك.
وإنا قدم ﴿ سبحانه ﴾ على قوله: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ ليكون نصّاً في أن التّنزيه عن هذا الجعل لذاته وهو نسبة البنوّة لله، لا عن جعلهم له خصوص البنات دون الذكور الذي هو أشدّ فظاعة، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ ، لأن ذلك زيادة في التّفظيع، فقوله: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ جملة في موضع الحال.
وتقديم الخبر في الجملة للاهتمام بهم في ذلك على طريقة التهكّم.
وما صدق ﴿ ما يشتهون ﴾ الأبناء الذكور بقرينة مقابلته بالبنات، وقوله تعالى: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ﴾ [سورة النحل: 58]، أي والحال أن لهم ذكوراً من أبنائهم فهلّا جعلوا لله بنين وبنات.
وهذا ارتقاء في إفساد معتقدهم بحسب عرفهم وإلا فإنه بالنسبة إلى الله سواء للاستواء في التولّد الذي هو من مقتضى الحدوث المنزّه عنه واجب الوجود.
وسيخصّ هذا بالإبطال في قوله تعالى: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ [سورة النحل: 62].
ولهذا اقتصر هنا على لفظ البنات الدالّ على الذّوات، واقتصر على أنهم يشتهون الأبناء، ولم يتعرّض إلى كراهتهم البنات وإن كان ذلك مأخوذاً بالمفهوم لأن ذلك درجة أخرى من كفرهم ستخصّ بالذّكر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا ﴾ في ﴿ الدِّينُ ﴾ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإخْلاصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصِبًا ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: واجِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: خالِصًا، حَكاهُ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: مُتْعِبًا، والوَصَبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، قالَ الشّاعِرُ: لا يَشْتَكِي السّاقُ مِن أيْنٍ ولا وصَبٍ ولا يَزالُ أمامَ القَوْمِ يَقْتَفِرُ الرّابِعُ: دائِمًا، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم عَذابٌ واصِبٌ ﴾ أيْ دائِمٌ، وقالَ الدُّؤَلِيُّ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلُ بَقاؤُهُ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أجْمَعَ واصِبا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ في ﴿ الضُّرُّ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَحْطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: السُّقْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَضِجُّونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّانِي: تَسْتَغِيثُونَ.
الثّالِثُ: تَضَرَّعُونَ بِالدُّعاءِ، وهو في اللُّغَةِ الصِّياحُ مَأْخُوذٌ مِن جُؤارِ الثَّوْرِ وهو صِياحُهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال: لم يدع شيئاً من خلقه إلا عبده له طائعاً أو كارهاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: يسجد من في السموات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ قال: مخافة الإجلال.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يدعو بأصبعيه فقال له: يا سعد، أحد أحد» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: كانوا إذا رأوا إنساناً يدعو بأصبعيه، ضربوا إحداهما وقالوا: ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: إن الله يحب أن يدعى هكذا، وأشارت بأصبع واحدة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: هو الإخلاص، يعني الدعاء بالاصبع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الدعاء هكذا- وأشار بأصبع واحدة- مقمعة الشيطان.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: الإخلاص هكذا.
وأشار بأصبعيه والدعاء هكذا يعني ببطون كفيه.
وللاستخارة هكذا، ورفع يديه وولى ظهرهما وجهه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: ﴿ الدين ﴾ الإخلاص ﴿ واصباً ﴾ دائماً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: لا إله إلا الله.
واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: دائماً.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: واجباً.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ ما الواصب؟
قال: الدائم.
قال فيه أمية بن أبي الصلت: وله الدين واصباً وله ** الملك وحمد له على كل حال وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال: إن هذا الدين دين واصب...
شغل الناس وحال بينهم وبين كثير من شهواتهم، فما يستطيعه من إلا من عرف فضله ورجا عاقبته.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ قال: تتضرعون دعاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ يقول: تضجون بالدعاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم...
﴾ الآية، قال: الخلق كلهم يُقِرُّونَ لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ قال: هو وعيد.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ قال: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقناهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً ﴾ قال: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم نصيباً مما رزقهم الله، وجزأوا من أموالهم جزءاً فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ هو قولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ ﴾ قال المفسرون: هؤلاء خزاعة (١) (٢) (٣) ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ أي تنزيهًا عما زعموا.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ أجاز الفراء في (ما) وجهين؛ أحدهما: أن يكون في محل النصب على معنى: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، والثاني: أن يكون رفعًا على الابتداء؛ كأنه تم الكلام عند قوله: ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ يعني البنين، وهذا كقوله: ﴿ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ﴾ [[حيث تم الكلام على الآية السابقة [38]، وهي: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ ، تم ابتدأ بهذه الآية.]] [الطور: 39] ، ثم اختار الوجه الثاني فقال: لو كان نصبًا لقال: ولأنفسهم ما يشتهون؛ لأنك تقول: جعلتَ لنفسِك كذا وكذا، ولا تقول: جَعلتَ لك (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (١) خزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وهم بنو عمرو بن ربيعة، وهو لُحيُّ بن عامر ابن قَمَعَة بن إلياس، وهو أول من بحّر البحيرة وسيَّب السائبة.
سُمُّوا بذلك لأنهم انخزعوا عن جماعة الأسد أيام سيل العرم لمّا صاروا إلى الحجاز، فافترقوا بالحجاز فصار قومٌ إلى عُمان وآخرون إلى الشام، وبطونهم هي: بنو كعب، وبنو عديّ، وبنو نصر، وبنو مُلَيح، وبنو جفنة، وبنو المُصْطَلِق، وبنو الحياء.
انظر: "الاشتقاق" ص 468، و"جمهرة أنساب العرب" ص 467، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 228، و"معجم قبائل العرب" 1/ 338.
(٢) كنانة: قبيلة عظيمة من العدنانية، وهم بنو كنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس، كانت ديارهم بجهات مكة، وُلِد له: النَّضر، ومَلْك، وملِكان، وعبد مناة، وترجع جميع أنساب كنانة إلى هؤلاء، ويرجع نسب قريش إلى النَّضر بن كنانة، ومنه يتفرع نسب نبينا محمد - -.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 11، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 336، و"معجم قبائل العرب" 3/ 996.
(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 24، والزمخشري 2/ 332، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 54، و"تفسير القرطبي" 10/ 116، و"تفسير البيضاوي" 3/ 184، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 503.
(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 105، بتصرف.
(٥) ورد في جميع النسخ: (وابن الزجاج)، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
(٦) في جميع النسخ: (أجازه)، والصحيح المثبت.
(٧) الصحيح أنه أجاز الوجه الثاني كذلك.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 206، بتصرف يسير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رزقناهم ﴾ الضمير في يجعلون لكفار العرب فإنهم كانوا يجعلون للأصنام نصيباً من ذبائحهم وغيرها، والمراد بقوله لما لا يعلمون الأصنام، والضمير في لا يعلمون للكفار أي لا يعلمون ربوبيتهم ببرهان ولا بحجة، وقيل: الضمير في لا يعلمون للأصنام أي الأشياء غير عالمة وهذا بعيد ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات ﴾ إشارة إلى قول الكفار: إن الملائكة بنات الله، ثم نزه تعالى نفسه عن ذلك بقوله: ﴿ سبحانه وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ المعنى أنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني بذلك الذكور من الأولاد، وأما الإعراب فيجوز أن يكون ما يشتهون مبتدأ وخبره المجرور قبله، وأن يكون مفعولاً بفعل مضمر تقديره: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفاً على البنات على أن هذا يمنعه البصريون، لأنه من باب ضربتني وكان يلزم عندهم أن يقال لأنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.
وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".
﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.
﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.
الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.
﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.
فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.
قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.
وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.
واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.
وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.
ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.
واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.
قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.
ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.
وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.
وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.
ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.
ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.
والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.
وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.
وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".
ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.
ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.
ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.
وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.
قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.
أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.
وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.
قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.
ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.
والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.
ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.
وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.
روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.
فيلقى أصحاب رسول الله ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.
وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.
أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.
والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.
﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.
ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.
ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.
فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.
وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.
وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.
وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.
والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.
قوله : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.
ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .
أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.
الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.
وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.
وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.
وقال آخرون: إنه أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.
ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ .
ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.
أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.
﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.
﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.
ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله متعال عن العبث.
فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.
الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.
ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.
وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.
ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.
والغرض أنه لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!
قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".
احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".
ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله إلى أن يقول له" كن".
وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.
على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.
هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.
ولما حكى الله عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.
وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.
قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.
أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.
والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.
قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.
فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
لا نعلم الخطاب بهذا أنه [لمن كان] الخطاب بهذا ألأهل مكة؛ فهم [قد] اتخذوا آلهة بقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً...
﴾ الآية [ص: 5] إلا أن يخاطب به الثنوية والزنادقة، فإنهم يقولون باثنين، ويشبه أن يكون أهل مكة وإن اتخذوا آلهة فإنهم في الحقيقة عباد إلهين؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان وطاعتهم إياه، فنسب العبادة إليه؛ لما بأمره يعبدون هذه الأصنام والله أعلم؛ ألا ترى أن إبراهيم قال لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ وإن كان في الظاهر لا يعبد الشيطان، لكن لما بأمره يعبد الأصنام أضاف العبادة إليه، أو أن يكون المراد من ذكر اثنين: إنما هو على الزيادة على الواحد، كأنه قال: لا تتخذوا ولا تعبدوا أكثر من إله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .
لا تخافون الأصنام التي تعبدونها؛ فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: وله يخضع ما في السماوات والأرض وأنتم لا تخضعون، أو ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه؛ فكيف أشركتم عبيده في ألوهية الله وربوبيته؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ .
قال بعضهم: دائماً؛ لأن غيره من الأديان كلها يبطل ويضمحل، ويبقى دينه في الدارين جميعاً.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ أي: مخلصاً، من الوصب [والنصب] والتعب، وتأويله - والله أعلم -: أي: وله دين لا يوصل إليه إلا بتعب وجهد؛ فاجتهدوا واتعبوا؛ لتخلصوا له الدين؛ هذا معنى قوله: (مخلصا).
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾ .
أي: أمخالفة غير الله تتقون؛ أي: لا تخافوا ولكن اتقوا مخالفة [الله لا تتقوا مخالفة] غيره.
أو يقول: لا تخافوا غير الله ولا تتقوا سواه، ولكن اتقوا الله واتقوا نقمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .
أي: تتضرعون؛ يخبر عن سفههم وقلة عقلهم أنهم يعلمون أن له ما في السماوات والأرض، وأن كل ذلك ملكه، وأن ما لهم من النعمة منه، وأن ما يحل بهم من البلاء والشدة هو الكاشف لهم والدافع عنهم، ثم يكفرونه ويصرفون شكرها منه إلى غيره في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال الشدة والبلاء؛ فيقول: أنا المنعم عليكم تلك النعم، وأنا المالك للكشف عنكم لا الأصنام التي عبدتموها، فكيف كفرتم بي في وقت الرخاء والسّعة وآمنتم بي في وقت الضيق والبلاء؟!
كانوا يخلصون له الدين في وقت ويشركون غيره في وقت، فيقول: أديموا لي الدين بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ ولا تتركوا الإيمان بي في وقت وتؤمنوا بي في وقت، وكذلك كان عادتهم: كانوا يكفرون بربهم في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون فرض الجهاد على المسلمين والقتال معهم لهذا المعنى؛ لأن من عادتهم الإيمان في وقت البلاء والشدة والخوف، ففرض عليهم القتال معهم؛ ليضطروا إلى الإيمان فيؤمنوا ويديموا الإيمان، ومنذ فرض القتال معهم كثر أهل الإسلام فدخلوا فيه فوجاً فوجاً، وكان قبل ذلك يُدخَل فيه واحداً واحداً.
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد [حيث] قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ فإنما أخبر عما عرفوا وتقرر عندهم أن كل ذلك من عند الله؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجعلوا ما آتاهم الله وأنعم عليهم سبب كفرهم بالله.
والثاني: يكفرون بنعم الله - - بعبادتهم الأصنام، وصرفهم الشكر عنه.
ويشبه أن يكون إخباره عن سفههم من وجه آخر؛ وهو أنهم لم يروا في البشر أحداً يطاع ويخضع إلا أحد رجلين: دافع بلاء عنه، أو جارّ نفع إليه، فالأصنام التي عبدوها ليس منها دفع بلاء ولا جرّ منفعة، فلماذا يعبدونها؟
وقال أبو بكر: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ : [أي] بالقرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
هذا وعيد من الله لهم، يقول: فسوف تعلمون ما ينزل بكم من كفران نعمة وصرف الشكر عنه أنه مهلكهم ومنزل بهم عذابه.
وفي قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .
أي: تتضرعون، موعظة للمؤمنين أيضاً؛ لأنهم يجعلون يتضرعون إلى الله إذا أصابهم الضر والبلاء، وإذا انكشف ذلك عنهم تركوا ذلك التضرع ونسوا ربهم؛ فيعظهم لئلا يصنعوا مثل صنيع أولئك، يقول والله أعلم؛ أي: تعلمون أن ما بكم من نعمة فمن الله؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره في حال؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ أي: يقولون ﴿ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ .
[قال بعضهم: يجعلون للأصنام والأوثان التي يعبدونها نصيباً مما رزقناهم] من الأنعام والحرث وغيره الذي جعل الله لهم.
ولا يعلمون لهم نصيباً في ذلك؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ حرموا على أنفسهم ما جعل الله لهم وجعلوه لآلهتهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ وهو الشيطان؛ أي: ما يجعلون للأوثان، فذلك للشيطان في الحقيقة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك، وهو الذي دعاهم إلى ذلك، وهو كقوله: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم إذا عبدوا الأوثان فكأن قد عبدوا الشيطان؛ لأنه هو أمرهم بذلك، وهو دعاهم إلى ذلك، فعلى ذلك ما يجعلون للأوثان ذلك للشيطان لما ذكرنا، لكن لا يعلمون أن ذلك له نصيب.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ أي: يعلمون أن ليس لها نصيب في ذلك، ولكن يجعلون ذلك لها على علم منهم أن لا نصيب للأوثان في ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أتنبئون الله بما يعلم أنه ليس ونحوه، أي: يعلم غير الذي تنبئون، وقد ذكرنا قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ على القول، أي: يقولون: وإلا لا يملكون جعل ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ تَفْتَرُونَ ﴾ : تسميتهم الأصنام آلهة، ويحتمل افتراؤهم على الله ما قالوا: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ زعموا [أن ما] فعل آباؤهم [وفعلوا هم] كان بأمر من الله ورضاه؛ حيث تركهم على ذلك، فذلك افتراؤهم.
وقوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .
يحتمل السؤال الجزاء؛ أي: تالله لتجزون عما كنتم تفترون، ويحتمل السؤال سؤال حجة، يسألون على ما ادعوا على الله من الأمر الحجة على ذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وينسب المشركون لله البنات، ويعتقدون أنها الملائكة، فينسبون إليه البنوة، ويختارون له ما لا يحبونه لأنفسهم، تنزه سبحانه وتقدس عما يجعلونه له منها، ويجعلون لهم ما تميل إليه أنفسهم من الأولاد الذكور، فأي جرم أعظم من هذا؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.a5kgL"